← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11498

فتاوى السبكي

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 159 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الْوَقْفِ فَمَاتَ الشَّخْصُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ عَنْ أَرْبَعَةِ أَوْلَادٍ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ عَنْ ابْنَيْنِ وَبِنْتٍ ثُمَّ مَاتَ هَذَانِ الِابْنَانِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَلَهُمَا أُخْتُهُمَا الْمَذْكُورَةُ وَعَمُّهُمْ بَاقٍ وَلَهُ أَوْلَادٌ مَحْجُوبُونَ بِهِ وَعَمَّاهُمَا الْأَخَوَانِ مَاتَا وَلَهُمَا أَوْلَادٌ مُتَنَاوِلُونَ لِحِصَّةِ أَبَوَيْهِمَا فَهَلْ تَكُونُ حِصَّةُ الِابْنَيْنِ الْمَيِّتَيْنِ لِأُخْتِهِمَا خَاصَّةً أَوْ لَهُمَا وَلِأَوْلَادِ عَمِّهَا الْمُتَنَاوِلِينَ أَوْ يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَوْلَادُ الْعَمِّ الْمَحْجُوبُونَ بِأَبِيهِمْ أَوْ يَكُونُ لِعَمِّهِمْ الْبَاقِي، فَأَجَبْت أَمَّا الْعَمُّ الْبَاقِي فَلَيْسَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دَرَجَةِ الْمَيِّتِينَ. وَأَمَّا أَوْلَادُهُ فَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمْ الْآنَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَأَمَّا أَوْلَادُ الْعَمِّ الْمُتَنَاوَلُونَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِمُشَارَكَتِهِمْ الْأُخْتَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُمْنَعَ وَيُقَالَ بِاخْتِصَاصِ الْأُخْتِ أَمَّا وَجْهُ الْمُشَارَكَةِ فَهُوَ الْمُتَبَادِرُ إلَى الذِّهْنِ لِمَوْتِ الِابْنَيْنِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَقَدْ قَالَ: إنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ وَذَوِي طَبَقَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ لِتَنَاوُلِهِمْ فَيُشَارِكُونَ الْأُخْتَ لِذَلِكَ. وَلَيْسَ فِي شَرْطِ الْوَاقِفِ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ حَتَّى نَقُولَ إنَّ الْأُخْتَ تَمْتَازُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فَلِذَلِكَ يُقَالُ بِالْمُشَارَكَةِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَبْتَدِرُهُ ذِهْنُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، وَأَمَّا وَجْهُ الْقَوْلِ بِاخْتِصَاصِ الْأُخْتِ فَلِقَوْلِ الْوَاقِفِ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ كَانَ نَصِيبُهُ وَقْفًا عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ وَلَدِ وَلَدِهِ. فَنَصِيبُ أَحَدِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْ ابْنَيْنِ وَبِنْتٍ انْتَقَلَ بِمُقْتَضَى هَذَا الشَّرْطِ لِأَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَهُ لَوْ انْفَرَدَ وَكَذَا يَسْتَحِقُّ عِنْدَ عَدَمِ الِانْفِرَادِ جَمِيعَهُ وَلَكِنَّ الْمُزَاحَمَةَ هِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْقِسْمَةِ وَالتَّوْزِيعِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَإِذَا زَالَتْ مُزَاحَمَةُ الِابْنَيْنِ بِمَوْتِهِمَا انْفَرَدَتْ الْأُخْتُ بِاسْتِحْقَاقِ الْجَمِيعِ وَانْحَصَرَ الْمَصْرِفُ فِيهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً عِنْدَ مَوْتِ وَالِدِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ لَاقْتَضَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، لَكِنْ عَارَضَهُ قَوْلُهُ: إنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَظَرْنَا فِي تَعَارُضِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وَوَجْهِ الْعَمَلِ فِيهِمَا فَوَجَدْنَا مُخَلِّصَيْنِ مُقْتَضَيَيْنِ لِتَرْجِيحِ مَا يُعَيِّنُ الْأُخْتَ: أَحَدُهُمَا أَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا مُحَقَّقٌ بِالدَّلِيلِ الَّذِي قُلْنَا وَبِأَنَّهَا تَأْخُذُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَأَوْلَادُ الْعَمِّ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِمْ ذَلِكَ فَيُرَجَّحُ جَانِبُهَا أَخْذًا بِالْمُحَقَّقِ وَطَرْحًا لِلْمَشْكُوكِ فِيهِ وَرِعَايَةً لِلْأَقْرَبِيَّةِ وَهُوَ مَقْصُودُ الْوَاقِفِينَ غَالِبًا وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ فِي هَذَا الْوَقْفِ وَلِأَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ

стр. 737

الدَّلِيلَانِ وَجَبَ التَّوَقُّفُ وَالْأَخْذُ بِالْأَصْلِ فِي أَوْلَادِ الْعَمِّ عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ لِهَذَيْنِ النِّصْفَيْنِ وَلَيْسَ الْأَصْلُ فِي الْأُخْتِ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهَا لَهُمَا لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا وَإِخْوَتَهَا عَلَى السَّوَاءِ وَلَا يَتَرَجَّحَانِ عَلَيْهَا إلَّا بِالْمُزَاحَمَةِ وَقَدْ زَالَتْ، وَالْمُخَلِّصُ الثَّانِي وَهُوَ خَاصٌّ بِلَفْظِ هَذَا الْوَقْفِ أَنَّهُ فِي جَانِبِ مَنْ تَرَكَ وَلَدًا قَالَ: مَنْ تَرَكَ وَلَدًا، وَ " مَنْ " لَفْظَةُ عُمُومٍ وَفِي جَانِبِ مَنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا لَمْ يَذْكُرْ صِيغَةَ عُمُومٍ وَإِنَّمَا قَالَ: وَإِنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ. وَهَذِهِ الصِّيغَةُ بِهَذِهِ الْأَدَاةِ فِيهَا إطْلَاقٌ لَا عُمُومٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَامَّ أَقْوَى مِنْ الْمُطْلَقِ فَتَرَجَّحَ الْعَامُّ عَلَى الْمُطْلَقِ فَتَرَجَّحَ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ: مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ عَلَى الْعَمَلِ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ. وَهَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي ذَلِكَ، وَعِنْدِي فِي الْفَتْوَى بِهِ تَوَقُّفٌ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَا يَفْهَمُهُ وَيُنْتَقَضُ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ عَمَلِ أَكْثَرِ النَّاسِ بِمَا يَفْهَمُونَهُ مِنْ كَلَامِ الْوَاقِفِينَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ الْأُخْتَ الْمَذْكُورَةَ تُوُفِّيَتْ عَنْ بِنْتٍ وَعَلَى مَا قُلْته يَكُونُ نَصِيبُ الْأُخْتِ الَّذِي لَهَا مَعَ النَّصِيبَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا لِأَخَوَيْهَا جَمِيعًا يَنْتَقِلُ جَمِيعُ ذَلِكَ إلَى بِنْتِ الْأُخْتِ الْمَذْكُورَةِ لَا يُشَارِكُهَا فِيهِ لَا مِنْ أَوْلَادِ الْأَعْمَامِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ قُلْت: هَذَا الْبَحْثُ يُرَدُّ عَلَيْكُمْ فِي نَصِيبِ صَدَقَةَ وَانْتِقَالِهِ إلَى أَوْلَادِ مُحَمَّدٍ وَمَحْمُودٍ وَأُخْتَيْهِمَا، وَقَوْلُكُمْ إنَّهُ بِمَوْتِ مَحْمُودٍ يَرْجِعُ نَصِيبُهُ إلَى عَمَّتَيْهِ فَلِمَ لَا قُلْتُمْ هُنَاكَ بِمِثْلِ مَا قُلْتُمْ هَاهُنَا؟ قُلْت لَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّ مَعَنَا نَصًّا هُنَاكَ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إلَى بَطْنٍ حَتَّى يَنْقَرِضَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ وَإِنَّمَا صَرَفْنَا نَصِيبَ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ إلَيْهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ لَا عُمُومَ فِيهِ وَهُنَا الْمُقْتَضِي لِصَرْفِ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ إلَى وَلَدِهِ نَصٌّ صَرِيحٌ عَامٌّ فَعَمِلْنَا بِمُقْتَضَاهُ مُطْلَقًا وَاقْتَصَرْنَا عَلَى ذَلِكَ الْمُسَمَّى مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. كُتِبَ: قَالَ مُصَنِّفُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فَرَغْت مِنْ كِتَابَتِهِ فِي لَيْلَةٍ يُسْفِرُ صَبَاحُهَا عَنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

стр. 738

[بَابُ الْهِبَة] ﴿مَسْأَلَةٌ﴾ فِي النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ اسْتَنْبَطْتهَا مِنْ هِبَةِ سَوْدَةَ لَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ وَإِجَازَةِ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ فَقُلْت: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ حَقٌّ فَتَرَكَهُ لِشَخْصٍ مُعِينٍ يَصِحُّ وَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّخْصُ أَحَقَّ بِهِ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُعْطِيَهُ لِغَيْرِهِ كَمَا لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَخُصَّ بِهِ مَنْ لَمْ تُعَيِّنْهَا الْوَاهِبَةُ وَلَا أَنْ يَجْعَلَهُ شَائِعًا بَيْنَ بَقِيَّةِ النِّسَاءِ بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إمَّا أَنْ يَخُصَّ بِهِ الْمَوْهُوبَ لَهَا وَإِمَّا أَنْ يَمْنَعَ الْهِبَةَ وَتَبْقَى نَوْبَةُ الْوَاهِبَةِ عَلَى حَالِهَا كَذَلِكَ الْفَقِيهُ الطَّالِبُ فِي مَدْرَسَةٍ أَوْ الْخَطِيبُ أَوْ إمَامُ الْمَسْجِدِ أَوْ الْمُدَرِّسُ أَوْ الْمُعِيدُ أَوْ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ بِيَدِهِ وَظِيفَةٌ إذَا نَزَلَ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ عَنْهَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَنْزِلَ أَنَّ ذَلِكَ إسْقَاطٌ لَحَقِّهِ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى يُوَلِّيَ غَيْرَهُمَا بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إمَّا أَنْ يُنْزِلَ الْمَنْزُولَ لَهُ إنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ وَإِمَّا أَنْ لَا يَمْضِيَ هَذَا النُّزُولُ وَيَبْقَى النَّازِلُ عَلَى مَكَانِهِ وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ النَّازِلِ إلَّا أَنْ يَتَّصِلَ النُّزُولُ بِتَوْلِيَةِ الْمَنْزُولِ لَهُ فَحِينَئِذٍ يَنْقَطِعُ حَقُّ النَّازِلِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَقُولَ النَّازِلُ: نَزَلْت عَنْ حَقِّي مُطْلَقًا فَيَسْقُطُ كَمَا لَوْ قَالَتْ الزَّوْجَةُ: تَرَكْت حَقِّي مِنْ الْقِسْمِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَلْيُنْظَرْ فِي مَوَادِّ ذَلِكَ وَنَظَائِرِهِ مِنْ حَقِّ الْحَجْرِ وَحَقِّ الشُّفْعَةِ وَغَيْرِهَا هَذَا فِي مُجَرَّدِ النُّزُولِ، وَأَمَّا أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَيْعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بِإِحْيَائِهِ وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي حَقِّ الشُّفْعَةِ وَنَحْوِهِ لِمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، لَكِنْ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ النُّزُولِ نَظَرٌ. وَهَذَا كُلُّهُ رَأْيِي قَبْلَ الْقَضَاءِ فَلَمَّا دَخَلْت فِي الْقَضَاءِ رَأَيْت الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ تَقْتَضِي عَدَمَ إمْضَاءِ ذَلِكَ انْتَهَى. ثُمَّ صَنَّفَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ بَعْدَ جَوَابِهِ هَذَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَصْنِيفَيْنِ مُطَوَّلَيْنِ فَلِيُنْظَرْ. انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الْفَرَائِضِ] ﴿كِتَابُ الْفَرَائِضِ﴾ ﴿الْغَيْثُ الْمُغْدِقُ فِي مِيرَاثِ ابْنِ الْمُعْتِقِ﴾ سُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ عَنْ خَادِمٍ مَاتَ وَلَهُ أَوْلَادُ مُعْتِقٍ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ هَلْ يَخْتَصُّ بِمِيرَاثِهِ الذُّكُورُ أَوْ يُشَارِكُهُمْ فِيهِ الْإِنَاثُ وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؟ فَأَجَابَ جَوَابًا سَمَّاهُ (الْغَيْثُ الْمُغْدِقُ فِي مِيرَاثِ ابْنِ الْمُعْتِقِ) وَهَذِهِ

стр. 739

نُسْخَتُهُ وَمِنْ خَطِّ مَنْ نَقَلَ مِنْ خَطِّهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ الذُّكُورُ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ رَوَاهَا أَبُو طَالِبٍ أَنَّ بِنْتَ الْمُعْتِقِ تَرِثُ فَفَهِمَ أَصْحَابُهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا فِي بِنْتِ الْمُعْتِقِ خَاصَّةً لَا تَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: تَرِثُ مِنْ الْوَلَاءِ وَكَانَ يُوَرِّثُ الْبِنْتَ مِنْ وَلَاءِ مَوَالِي الْأَبِ وَطَاوُسٌ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَلَمْ يُبَيِّنْ طَاوُسٌ فِي هَذَا النَّقْلِ هَلْ ذَلِكَ عَامٌّ فِي النِّسَاءِ أَوْ خَاصٌّ بِالْبِنْتِ أَوْ كَيْفَ حَالُهُ أَمَّا الْبِنْتُ فَلَا شَكَّ عَنْهُ فِي تَوْرِيثِهَا كَالرِّوَايَةِ عَنْ أَحْمَدَ وَلَكِنْ مَعَ هَذَا هَلْ هُوَ عِنْدَ فَقْدِ الذُّكُورِ خَاصَّةً أَوْ مُطْلَقًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُطْلَقٌ وَبِهِ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فَقَالَ: إذَا خَلَّفَ ابْنَ مَوْلَى وَابْنَةَ مَوْلَى فَالْمَالُ لِابْنِ الْمَوْلَى دُونَ ابْنَتِهِ وَهَكَذَا إذَا خَلَّفَ أَخَا الْمَوْلَى وَأُخْتَ الْمَوْلَى هَذَا قَوْلُنَا. وَذَهَبَ شُرَيْحٌ وَطَاوُسٌ إلَى أَنَّ الْمَالَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ كَمَا يَكُونُ كَذَلِكَ فِي النَّسَبِ، هَذَا النَّقْلُ مِنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ يَقْتَضِي أَنَّ شُرَيْحًا وَطَاوُسًا يَقُولَانِ بِذَلِكَ وَالْأُخْتُ حَالَةَ الِانْفِرَادِ وَحَالَةَ الِاجْتِمَاعِ مَعَ الذُّكُورِ، وَهَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ شُرَيْحٍ وَطَاوُسٍ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ أَبِي طَالِبٍ. وَنَقَلَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ جَعَلَ الْوَلَاءَ مَوْرُوثًا كَالْمَالِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مِيرَاثِ بِنْتِ الْمُعْتِقِ: وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَرِثْنَ بِالْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ جَرَّ الْوَلَاءَ إلَيْهِنَّ مَنْ أَعْتَقْنَ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ غَيْرِ شُرَيْحٍ فَيَقْتَضِي هَذَا الْكَلَامُ أَنَّ شُرَيْحًا يَقُولُ بِمِيرَاثِ النِّسَاءِ مُطْلَقًا حَيْثُ يَرِثْنَ الْمَالَ كَمَا اقْتَضَاهُ نَقْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ. وَأَنَا أَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاقِعَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا أَنَّ الْمَالَ يَخْتَصُّ بِأَوْلَادِ الْمُعْتِقِ الذُّكُورِ لَا يُشَارِكُهُمْ الْإِنَاثُ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ شُرَيْحٍ وَطَاوُسٍ وَرِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ وَبَيَانُ ذَلِكَ بِفُصُولٍ: (الْأَوَّلُ) فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ عِدَّةُ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا الْحَدِيثُ الَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي تَوْرِيثِ الْبِنْتِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَأَخْبَرْنَا بِهِ

стр. 740

شَيْخُنَا الْحَافِظُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الدِّمْيَاطِيُّ ﵀ سَمَاعًا عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ يُوسُفُ بْنُ خَلِيلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ نَاصِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَتْحِ الوبرح الْقَطَّانُ أَنَا أَبُو الْفَتْحِ إسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ بْنُ الْإِخْشِيدِ السَّرَّاجُ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَهْدِيٍّ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ ﵀ ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْمُقْرِي ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ثنا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ مَوْلًى لِحَمْزَةَ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنَتَهُ وَابْنَهُ حَمْزَةَ فَأَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ النِّصْفَ وَلِابْنَةِ حَمْزَةَ النِّصْفَ» ، هَذَا إسْنَادٌ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ شَيْخَ الدَّارَقُطْنِيِّ أَبَا سَهْلٍ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ مُحَدِّثٌ مَشْهُورٌ وَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَقِيبَ ذِكْرِهِ لَهُ: هَكَذَا حَدَّثَنَاهُ مِنْ أَصْلِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَشَيْخُ بْنِ زِيَادٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ تَمْتَامٍ وَثَّقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَهُوَ مَشْهُورٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد الْمُنْقِرِيُّ هُوَ الشَّاذَكُونِيُّ حَافِظٌ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ فِيهِ كَذَّابٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مِنْ نَحْوِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الْأَفْطَسِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ يَعْنِي أَنَّهُ يَكْذِبُ. وَقَالَ عَبْدَانُ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُتَّهَمَ الشَّاذَكُونِيَّ وَإِنَّمَا كَتَبَهُ ذَهَبْت فَكَانَ يُحَدِّثُ حِفْظًا فَيَغْلَطُ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لِلشَّاذَكُونِيِّ حَدِيثٌ كَثِيرٌ مُسْتَقِيمٌ وَهُوَ مِنْ الْحُفَّاظِ الْمَعْدُودِينَ حُفَّاظِ الْبَصْرَةِ وَهُوَ أَحَدُ مَنْ يُضَمُّ إلَى يَحْيَى وَأَحْمَدَ وَعَلِيٍّ. وَأَنْكَرَ مَا رَأَيْت لَهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي ذَكَرْتهَا بَعْضُهَا مَنَاكِيرُ وَبَعْضُهَا سَرِقَةٌ وَمَا أَشْبَهَ صُورَةَ أَمْرِهِ بِمَا قَالَ عَبْدَانُ وَإِنَّمَا أَتَى مِنْ هُنَاكَ فَلِجُرْأَتِهِ وَاقْتِدَارِهِ عَلَى الْحِفْظِ يَمُرُّ عَلَى الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ يَتَعَمَّدُ. وَقَالَ فِي أَوَّلِ تَرْجَمَتِهِ: حَافِظٌ مَا هُوَ عِنْدِي مِمَّنْ يَسْرِقُ الْحَدِيثَ. وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَسَعِيدٌ وَهُوَ الْجُرَيْرِيُّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِمَا، وَعِبَارَةُ الْبُخَارِيِّ فِي الشَّاذَكُونِيِّ فِيهِ نَظَرٌ. فَالْحَدِيثُ بِسَبَبِ الشَّاذَكُونِيِّ وَحْدَهُ ضَعِيفٌ إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الشَّاذَكُونِيِّ وَإِلَّا فَكَيْفَ يَحْتَجُّ بِهِ وَهُوَ إمَام الْمُحَدِّثِينَ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةً فِي تَوْرِيثِ بِنْتِ الْمُعْتِقِ وَنَصٌّ فِيهِ إذَا كَانَ مَعَهَا

стр. 741

عَصَبَةٌ أَبْعَدُ مِنْهَا فَإِنَّ حَمْزَةَ كَانَ ابْنَا أَخِيهِ مَوْجُودَيْنِ وَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالْعَبَّاسُ أَخُوهُ كَانَ مَوْجُودًا فَإِذَا كَانَتْ الْقَضِيَّةُ بَعْدَ الْفَتْحِ وَظُهُورِ إسْلَامِهِ فَهُوَ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ بَعْدَ الْأَوْلَادِ عَلَى أَنَّ حَمْزَةَ ﵁ كَانَ لَهُ ابْنٌ اسْمُهُ يَعْلَى وَأَعْقَبَ فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا ذَلِكَ الْوَقْتَ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَلَا يُمْكِنُ انْفِرَادُ أُخْتِهِ بِالْمِيرَاثِ إنْ كَانَ الْوَلَاءُ لِأَبِيهِمَا، وَقَدْ رُوِيَ خَبَرُ بِنْتِ حَمْزَةَ عَلَى أَوْجُهٍ تَقْتَضِي أَنَّ مَوْلَاهَا مَاتَ. رَوَاهُ كَذَلِكَ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ ابْنَيْهِ وَهِيَ أُخْتُ شَدَّادٍ لِأُمِّهِ قَالَتْ: «مَاتَ مَوْلًى لِي وَتَرَكَ ابْنَةً فَقَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَالَهُ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنَتِهِ لِي النِّصْفُ وَلَهَا النِّصْفُ» . وَابْنُ أَبِي لَيْلَى فِيهِ ضَعْفٌ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ بِأَنَّهَا أَضَافَتْ مَوْلَى أَبِيهَا إلَيْهَا إمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَلَاءَ يُوَرِّثُ وَإِمَّا تَجَوُّزًا. لَكِنْ فِي النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ «أَنَّ ابْنَةَ حَمْزَةَ أَعْتَقَتْ مَمْلُوكًا لَهَا» . الْحَدِيثَ قَالَ النَّسَائِيُّ: هَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ أَبِي لَيْلَى كَثِيرُ الْخَطَأِ. قُلْت: وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْحَكَمِ، وَمَقْصُودُ النَّسَائِيّ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا الْمُعْتِقَةُ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ هَذِهِ قِصَّةٌ أُخْرَى. وَقَدْ يَكُونُ مَوْلًى لِأَبِيهَا وَمَوْلًى آخَرَ لَهَا وَمَاتَا وَوَرِثَتْهُمَا إلَّا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ جَعَلُوا هَذَا اخْتِلَافًا وَأَنَّهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَحَكَوْا بِأَنَّ كَوْنَهُ عَتِيقًا لَهَا أَصَحُّ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْقَاسِمِ وَقَدْ سَأَلَهُ: هَلْ كَانَ الْمَوْلَى لِحَمْزَةَ أَوْ لِابْنَتِهِ قَالَ لِابْنَتِهِ، وَهَذَا مِنْ أَحْمَدَ مُخَالِفٌ لِمَا حَكَاهُ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ فَهَذَا يَقِفُ الِاسْتِدْلَال بِحَدِيثِ بِنْتِ حَمْزَةَ عَلَى أَنَّ بِنْتَ الْمُعْتِقِ تَرِثُ، وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ حَدِيثَ بِنْتِ حَمْزَةَ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْمُعْتِقَةُ كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ وَشُعْبَةَ وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْمَوْلَى كَانَ لِحَمْزَةَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ هَذِهِ: إنْ لَمْ تَكُنْ أُمَامَةَ فَلَا أَدْرِي مَنْ هِيَ. قُلْت: وَهِيَ أُمَامَةُ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ

стр. 742

وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ قَالَ: ثنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي ثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ثنا أَبُو كُرَيْبٍ ثنا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثنا عِيسَى بْنُ الْمُخْتَارِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ وَهُوَ أَخُو أُمَامَةَ بِنْتِ حَمْزَةَ لِأُمِّهَا عَنْ أُخْتِهِ أُمَامَةَ بِنْتِ حَمْزَةَ «أَنَّ مَوْلًى لَهَا تُوُفِّيَ وَلَمْ يَتْرُكْ إلَّا ابْنَةً وَاحِدَةً فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِابْنَتِهِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ حَمْزَةَ النِّصْفُ» وَلَا نَعْلَمُ لِحَمْزَةَ بِنْتًا غَيْرَ أُمَامَةَ وَهِيَ الَّتِي اخْتَصَمَ فِيهَا زَيْدٌ وَعَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ فَأَعْطَاهَا النَّبِيُّ ﷺ لِجَعْفَرٍ؛ لِأَنَّ خَالَتَهَا زَوْجَتُهُ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةِ وَأُمُّهَا سَلْمَى بِنْتُ عُمَيْسٍ كَانَتْ زَوْجَةَ حَمْزَةَ وَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَامَةَ مِنْ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَلَوْ كَانَ الْوَلَاءُ لِأَبِيهَا لَمْ تَخْتَصَّ بِمِيرَاثِهِ قَطْعًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ أَخَوَيْهَا يَعْلَى وَعَمَّارَ ابْنَيْ حَمْزَةَ كَانَا مَوْجُودَيْنِ أَوْ يَعْلَى وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ بِنْتَ الْمُعْتِقِ تَرِثُ وَتَتْرُك ابْنَهُ، وَبِهَذَا بَانَ أَنَّ الصَّوَابَ مَعَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مَوْلَاهَا. وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يُوَرِّثُ بِالرَّدِّ وَيُقَدِّمَهُ عَلَى الْوَلَاءِ كَمَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَدْرِي أَكَانَ هَذَا قَبْلَ الْفَرَائِضِ أَمْ بَعْدَهَا. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ بَعْدَ أُحُدٍ وَبِنْتُ حَمْزَةَ أَخْرَجَهَا عَلِيٌّ مِنْ مَكَّةَ سَنَةَ سَبْعٍ عَامَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَقِيلَ: إنَّهَا خَرَجَتْ وَهِيَ غَيْرُ مُدْرِكٍ وَجَازَ أَنْ تَكُونَ أَدْرَكَتْ ثُمَّ أَعْتَقَتْ ثُمَّ مَاتَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَإِنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ إلَى حِينِ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ . (الْحَدِيثُ الثَّانِي) رَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ ثنا هَمَّامٌ ثنا قَتَادَةُ عَنْ سَلْمَى ابْنَةَ حَمْزَةَ «أَنَّ مَوْلَاهَا مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَتَهُ فَوَرَّثَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ النِّصْفَ وَوَرَّثَ يَعْلَى النِّصْفَ» وَكَانَ ابْنُ سَلْمَى هَكَذَا فِي الْمُسْنَدِ وَتُرْجِمَ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَلْمَى بِنْتِ حَمْزَةَ وَلَكِنِّي لَا أَعْرِفُ لِحَمْزَةَ بِنْتًا اسْمُهَا سَلْمَى وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْغَلَطُ فِي التَّسْمِيَةِ مِنْ أُمَامَةَ إلَى سَلْمَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَعْنِي اسْمَ سَلْمَى قَدْ تَكَرَّرَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي التَّرْجَمَةِ وَفِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ الْحَدِيثِ وَأَيْضًا لَا نَعْلَمُ لِأُمَامَةَ وَلَدًا اسْمُهُ يَعْلَى، وَاَلَّذِي ظَهَرَ فِي هَذَا أَنَّ الْغَلَطَ وَقَعَ فِي قَوْلِهِ: ابْنَةُ حَمْزَةَ. وَصَوَابُهُ امْرَأَةُ حَمْزَةَ وَهِيَ سَلْمَى بِنْتُ عُمَيْسٍ وَيَعْلَى بْنُ حَمْزَةَ بِلَا شَكٍّ وَلَكِنْ قِيلَ: إنَّ أُمَّهُ بِنْتَ اللُّدِّ بْنَ مَالِكِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ حُجْرٍ، كَذَا قَالَ

стр. 743

ابْنُ سَعْدٍ. وَاَلَّذِي فِي الْمُسْنَدِ أَوْلَى أَنْ يُعْتَمَدَ وَهُوَ أَنَّهُ ابْنُ سَلْمَى وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَعْلَى آخَرُ ابْنُ سَلْمَى وَلَمْ تُعْرَفُ فِي بَنَاتِ حَمْزَةَ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ يَعْلَى بْنَ حَمْزَةَ وَهُوَ ابْنُ سَلْمَى وَأَنَّ أُمَّهُ سَلْمَى الْمُعْتِقَةُ فَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَاصِ إرْثِ الْوَلَاءِ بِالرِّجَالِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَرَّثَ يَعْلَى مِنْ مَوْلَى أُمِّهِ وَلَمْ يُوَرِّثْ أُخْتَهُ أُمَامَةَ وَكَانَتْ مَوْجُودَةً ذَلِكَ الْوَقْتَ فَهَذَا لَوْ سَلِمَ انْشَرَحَتْ نَفْسِي لَهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَرِثْنَ بِالْوَلَاءِ بَعْدَ تَقْرِيرِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ وَبَعْدَ اعْتِقَادِ أَنَّ سَلْمَى كَانَتْ غَيْرَ مَوْجُودَةٍ غَيْرَ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ الْمُعْتِقَةَ تَرِثُ فِي حَيَاتِهَا وَإِمْكَانُ إرْثِهَا وَبَعْدَ تَقْرِيرِ الِاسْتِدْلَالِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ قَتَادَةَ عَنْ سَلْمَى لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ سَلْمَى رَاوِيهِ؛ لِأَنَّ قَتَادَةَ لَمْ يُدْرِكْهَا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ قِصَّتِهَا وَكَثِيرًا مَا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَتَادَةُ رَوَى تَوْرِيثَ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ مُرْسَلٌ. وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ مِنْهُمْ مَنْ احْتَجَّ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ مَنْ احْتَجَّ بِهِ إذَا اعْتَضَدَ وَهُوَ هُنَا اعْتَضَدَ بِأُمُورٍ: قَوْلِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَالْقِيَاسِ، وَفَتْوَى أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَهَذَا لَوْ سَلِمَ أَحْسَنُ دَلِيلٍ رَأَيْته فِي اخْتِصَاصِ الْوَلَاءِ بِالرِّجَالِ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ؛ لِأَنَّ سَلْمَى هِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِذَلِكَ لَا يَسْلَمُ الِاسْتِدْلَال كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ سَلْمَى إذَا كَانَتْ هِيَ الْمُعْتِقَةُ فَمِيرَاثُ مَوْلَاهَا بَعْدَ وَفَاتِهَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ يَعْلَى بَلْ يُشَارِكُهُ فِيهِ ابْنُهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمَوْلَى كَانَ لِحَمْزَةَ وَأَضَافَهُ إلَى امْرَأَتِهِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ تَوْرِيثُ يَعْلَى مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ حَمْزَةَ وَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ أَيْضًا عَلَى حِرْمَانِ الْإِنَاثِ؛ لِأَنَّ أُمَامَةَ بِنْتَ حَمْزَةَ كَانَتْ مَوْجُودَةً وَلَمْ يُوَرِّثْهَا شَيْئًا بِمُقْتَضَى ذَلِكَ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ وَكَانَ الْمَوْلَى لِحَمْزَةَ عَلَى حِرْمَانِ الْبِنْتِ وَلَا يُشْتَرَطُ حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ سَلْمَى مَيِّتَةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى لِسَلْمَى فَيُشْكِلُ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ لِاخْتِصَاصِ يَعْلَى دُونَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ. وَإِنْ كَانَتْ سَلْمَى بِنْتُ حَمْزَةَ وَيَعْلَى ابْنُهَا سُمِّيَ بِاسْمِ خَالِهِ فَيَتَعَيَّنُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ سَلْمَى مَيِّتَةً ذَلِكَ الْوَقْتِ وَحِينَئِذٍ لَا يَبْقَى فِيهِ دَلِيلٌ إلَّا عَلَى أَنَّ

стр. 744

ابْنَ الْمُعْتِقَةِ يَرِثُ بِالْوَلَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ إلَّا مَا شَذَّ عَلَى مَا سَنَحْكِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْحَدِيثُ الثَّالِثُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ ﵀ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَبَابَ بْنَ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَلَدَتْ لَهُ ثَلَاثَ غِلْمَةٍ فَمَاتَتْ أُمُّهُمْ فَوَرِثُوهَا رُبَاعُهَا وَلَاءَ مَوَالِيهَا وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَصَبَةَ بَنِيهَا فَأَخْرَجَهُمْ إلَى الشَّامِ فَمَاتُوا فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَمَاتَ مَوْلًى لَهَا وَتَرَكَ مَالًا فَخَاصَمَهُ إخْوَتُهَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ عُمَرُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ أَوْ الْوَالِدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ. قَالَ: فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ شَهَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَجُلٍ آخَرَ فَلَمَّا اُسْتُخْلِفَ عَبْدُ الْمَلِكِ اخْتَصَمُوا إلَى هِشَامِ بْنِ إسْمَاعِيلَ أَوْ إسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامٍ فَرَفَعَهُمْ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ: هَذَا مِنْ الْقَضَاءِ الَّذِي مَا كُنْت أَرَاهُ قَالَ: فَقَضَى لَنَا بِكِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَنَحْنُ فِيهِ إلَى السَّاعَةِ» . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي مِمَّا قِيلَ مِنْ غَلَطِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِيهِ وَفِي بَعْضِ طُرُقِ النَّسَائِيّ فِيهِ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ مُرْسَلٌ. وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ: «تَزَوَّجَ رَبَابُ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمٍ أُمَّ وَائِلِ بِنْتِ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيَّةِ، وَفِيهِ فَمَاتُوا فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ فَوِرْثَهُمْ عُمَرُ وَكَانَ عَصَبَتَهُمْ فَلَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ جَاءَ بَنُو عَمْرٍو يُخَاصِمُونَهُ وَلَاءَ أَخِيهِمْ إلَى عُمَرَ فَقَالَ عُمَرُ: أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعَتْهُ يَقُولُ فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ حَتَّى إذَا اُسْتُخْلِفَ عَبْدُ الْمَلِكِ تُوُفِّيَ مَوْلًى لَهُمَا وَتَرَكَ أَلْفَيْ دِينَارٍ فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ الْقَضَاءَ قَدْ غُيِّرَ فَخَاصَمُوا إلَى هِشَامٍ فَدَفَعَنَا إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَتَيْنَاهُ بِكِتَابِ عُمَرَ فَقَالَ: إنْ كُنْت لَأَرَى أَنَّ هَذَا مِنْ الْقَضَاءِ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَمَا أَرَى أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بَلَغَ أَنَّ هَذَا أَنْ يَسْأَلُوا فِي هَذَا الْقَضَاءِ» قُلْت: عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بْنُ وَائِلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمٍ وَأَوْلَادُهَا الْمَذْكُورُونَ هُمْ أَوْلَادُ رَبَابِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمٍ فَحُذَيْفَةُ جَدُّهُمْ وَهَاشِمٌ جَدُّ الْعَاصِ أَخَوَانِ فَعَمْرٌو ابْنُ ابْنِ ابْنِ عَمِّ أَبِيهِمْ فَكَذَلِكَ هُوَ عَصَبَتُهُمْ فَإِنْ شِئْت تَقُولُ: هُمْ بَنُو ابْنِ عَمِّ جَدِّهِ. وَالْكَلَامُ عَلَى مَتْنِ هَذَا الْأَثَرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَضَاءُ عُمَرَ بِمَالِ مَوْلَاهَا كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَلِعَصَبَةِ

стр. 745

أَوْلَادِهَا دُونَ إخْوَتِهَا الَّذِينَ هُمْ عَصَبَتُهَا. وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا وَهِيَ إذَا مَاتَتْ الْمُعْتِقَةُ وَخَلَّفَتْ ابْنَهَا وَأَخَاهَا ثُمَّ مَاتَ ابْنُهَا وَتَرَكَ عَصَبَتْهُ كَأَعْمَامِهِ وَبَنِي عَمِّهِ ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ وَتَرَكَ أَخَا مَوْلَاتِهِ وَعَصَبَتُهُ ابْنُهَا فَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّ مِيرَاثَهُ لِأَخِي مَوْلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ فَإِنْ انْقَرَضَ عَصَبَتُهَا كَانَ بَيْتُ الْمَالِ أَحَقَّ بِهِ مِنْ عَصَبَةِ ابْنِهَا وَبِهِ قَالَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَقُبَيْصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ. وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ لِعَصَبَةِ الِابْنِ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ. وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُوَرَّثُ كَمَا يُوَرَّثُ الْمَالُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ هَذَا وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ. قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لَا يُوَرَّثُ وَإِنَّمَا يُوَرَّثُ بِهِ وَهُوَ بَاقٍ لِلْمُعْتِقِ يَرِثُ بِهِ أَقْرَبُ عَصَبَاتِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَصَبَاتِهِ لَمْ يَرِثْ شَيْئًا وَعَصَبَاتُ الِابْنِ غَيْرُ عَصَبَاتِ أُمِّهِ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ غَلَطٌ قَالَ حُمَيْدٌ: النَّاسُ يُغَلِّطُونَ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ. قُلْت: وَالصَّحِيحُ الِاحْتِجَاجُ بِنُسْخَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ لَكِنْ هُنَا نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ دَعْوَى الْغَلَطِ فِيهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمَتْنِ قَوْلُهُ: مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ، وَفِي رِوَايَةٍ " مَنْ كَانُوا " وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْأَكْبَرُ وَهَذَا سَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَرِثُ بِهِ النِّسَاءُ وَلَا الرِّجَالُ دُونَ الْفُرُوضِ وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي مَدْلُولِ الْعَصَبَةِ فِي اللُّغَةِ، فَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: عَصَبَةُ الرَّجُلِ بَنُوهُ وَقَرَابَتُهُ لِأَبِيهِ سُمُّوا عَصَبَةً لِأَنَّهُمْ عَصَبُوا بِهِ أَيْ أَحَاطُوا بِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْعَصَبَةُ الْأَقَارِبُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ لِأَنَّهُمْ يَعْصِبُونَهُ وَيَعْتَصِبُ بِهِمْ أَيْ يُحِيطُونَ بِهِ وَيَشْتَدُّ بِهِمْ انْتَهَى. وَهَذَا مَأْخَذٌ جَيِّدٌ فِي إخْرَاجِ النِّسَاءِ عَنْ اسْمِ الْعَصَبَةِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِدَادَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالرِّجَالِ وَتَسْمِيَةُ الْأُخْتِ مَعَ الْبِنْتِ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ، وَاَلَّذِي وَرَدَ فِي الشَّرْعِ أَنَّهَا تَأْخُذُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ عَنْ الْبِنْتِ وَهَذَا الْمُرَادُ بِتَسْمِيَتِهَا فِي الِاصْطِلَاحِ الْفِقْهِيِّ عَصَبَةٌ وَلِذَا تُعَصِّبُ الْبَنِينَ وَالْإِخْوَةُ لِأَخَوَاتِهِمْ، وَعَلَى هَذَا يَظْهَرُ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى اخْتِصَاصِ

стр. 746

الْوَلَاءِ بِالرِّجَالِ لَكِنْ عِنْدِي فِيهِ وَقْفَةٌ مِنْ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَامِ فِي صِحَّتِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ مِثْلَهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْمَالِ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلَّا أَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثُهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فَلْيَأْتِنِي أَنَا مَوْلَاهُ» . وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ وِرَاثَةَ الْمَالِ تَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ وَلَعَلَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى ذِكْرِهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْوَلَاءِ مِثْلِهِ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ فِي إرْثِ الْمَالِ دَلَّ الْإِجْمَاعُ وَغَيْرُهُ مِنْ النُّصُوصِ عَلَى إرْثِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَنِسَاءِ الْأَقَارِبِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِ ذَلِكَ، وَيَكُونُ أَطْلَقَ الْعَصَبَةَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ مَجَازًا، وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَدِيثِ الْوَلَاءِ إلَى الْمَجَازِ. وَهَذَا الْجَوَابُ لَا أَجِدُ نَفْسِي تَنْقَادُ إلَيْهِ وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ ﷺ «مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ» لَفْظٌ عَامٌّ وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْوَلَاءِ وَإِنْ كَانَ عُمَرُ ﵁ اسْتَعْمَلَهُ فِيهِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا اسْتَعْمَلَهُ فِيهِ بِالْعُمُومِ وَإِذَا كَانَ وَارِدًا فِي الْعُمُومِ فَهُوَ كَحَدِيثِ الْمَالِ وَإِذَا كَانَ الْوَلَاءُ لَا يُوَرَّثُ فَكَيْفَ يُقَالُ: أَحْرَزَهُ وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ شَخْصٌ دُونَ شَخْصٍ كَالْمَالِ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ مَنْ كَانُوا قَرِينَةً تُشْعِرُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعَصَبَةِ عُمُومُهُمْ لَا الِاحْتِرَازُ عَنْ غَيْرِهِمْ وَاللَّفْظُ إذَا قُصِدَ بِهِ مَعْنًى يَضْعُفُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي غَيْرِهِ مِمَّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اللَّفْظِ حَتَّى اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَخْصِيصَاتِ الْعُمُومِ أَوَّلًا وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِهِ ﷺ : «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالسَّيْحُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ» ، فَإِنَّهُ خَارِجٌ مَخْرَجَ مِقْدَارِ بَيَانِ الْوَاجِبِ فَهَلْ يُحْتَجُّ بِعُمُومِهِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ أَوْ لَا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. وَرَأَى الشَّافِعِيُّ الْمَنْعَ فَهَذَا مِثْلُهُ فَيَقِفُ الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى اخْتِصَاصِ إرْثِ الْوَلَاءِ بِالْعَصَبَاتِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الْبِنْتَ تَصِيرُ عَصَبَةً بِأُخْتِهَا وَالْأُخْتُ عَصَبَةً مَعَ الْبِنْتِ ثُمَّ يُخْرِجُونَهُمَا مِنْ هَذَا اللَّفْظِ لَا سِيَّمَا الْبِنْتُ فَيَنْبَغِي إذَا كَانَ لِلْمُعْتِقِ ابْنٌ وَبِنْتٌ يَصْرِفُونَ الْمَالَ إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا عَصَبَةٌ فِي

стр. 747

هَذِهِ الْحَالَةِ فَيَنْدَرِجَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، هَذَا كُلُّهُ إنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا فِيهِ مِنْ الْإِرْسَالِ وَمَا قِيلَ مِنْ غَلَطِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِيهِ. (الْحَدِيثُ الرَّابِعُ) «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» . ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ وَكِتَابُ ابْنِ حِبَّانَ صَحِيحٌ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: أَنَا أَبُو يَعْلَى قَالَ: قُرِئَ عَلَى بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» . وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ يَعْنِي أَبَا يُوسُفَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ ﵀: لَمْ يَرْوِ الشَّافِعِيُّ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا رَوَاهُ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَهُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ وَأَبُو يُوسُفَ وَصَلَهُ وَأَسْنَدَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ أَسْقَطَ مِنْهُ رَجُلًا وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ رَوَاهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَأَبُو يُوسُفَ مَا لَقِيَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عُمَرَ وَقَالَا: ثنا الْأَصَمُّ ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْبَأَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنْبَأَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُرْسَلًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مُتَّصِلًا وَلَيْسَ مَحْفُوظًا. وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. قَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي: وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ النَّبِيّ ﷺ : «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» وَأَمَّا الْكَلَامُ عَلَى مَتْنِ الْحَدِيثِ فَاللُّحْمَةُ بِضَمِّ اللَّامِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ:

стр. 748

اللُّحْمَةُ بِالضَّمِّ الْقَرَابَةُ وَلُحْمَةُ الثَّوْبِ بِضَمٍّ وَبِفَتْحٍ وَلُحْمَةُ الْبَازِي مَا يُطْعَمُ مِمَّا يَصِيدُهُ بِضَمٍّ وَبِفَتْحٍ أَيْضًا وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ اُخْتُلِفَ فِي ضَمِّ اللُّحْمَةِ وَفَتْحِهَا فَقِيلَ هِيَ فِي النَّسَبِ بِالضَّمِّ وَفِي الثَّوْبِ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَقِيلَ الثَّوْبُ بِالْفَتْحِ وَحْدَهُ وَقِيلَ النَّسَبُ وَالثَّوْبُ فَالْفَتْحِ فَأَمَّا بِالضَّمِّ فَهُوَ مَا يُصَادُ بِهِ الصَّيْدُ. وَمَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُخَالَطَةُ فِي الْوَلَاءِ وَأَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى النَّسَبِ فِي الْمِيرَاثِ كَمَا تُخَالِطُ اللُّحْمَةُ سُدَاءَ الثَّوْبِ حَتَّى يَصِيرَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُدَاخَلَةِ الشَّدِيدَةِ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْأَثِيرِ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّ لُحْمَةَ النَّسَبِ مُشَبَّهَةٌ بِلُحْمَةِ الثَّوْبِ تَشْبِيهًا لِلِاخْتِلَاطِ الْمَعْنَوِيِّ بِالِاخْتِلَاطِ الْحِسِّيِّ وَالْوَلَاءُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّسَبِ شَبَهُ الِاخْتِلَاطِ الْحَاصِلِ بَيْنَ الْعَتِيقِ وَالْمُعْتِقِ وَعَصَبَاتُهُ بِالِاخْتِلَاطِ الْحَاصِلِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْحَدِيثِ وَأَنَّهُ لِإِثْبَاتِ هَذَا الْحُكْمِ شَرْعًا وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي تَحْقِيقِ هَذَا التَّشْبِيهِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: تَنْزِيلُ الْعَتِيقِ مَنْزِلَةَ وَلَدِ الْمُعْتِقِ فَإِنَّهُ لَمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ مِنْ قَهْرِ الْعُبُودِيَّةِ إلَى سَعَةِ الْحُرِّيَّةِ وَالنُّقْصَانِ إلَى الْكَمَالِ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يَلِي وَيَشْهَدُ وَيَرِثُ وَيَنْكِحُ أَرْبَعًا وَيُطَلِّقُ ثَلَاثًا وَغَيْرُ ذَلِكَ وَجَعَلَهُ مُتَفَرِّغًا لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَحْصِيلِ مَصَالِحِ نَفْسِهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَشْبَهَ الْأَبَ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِإِيجَادِ الِابْنِ وَلَا شَيْءَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَعْظَمُ مِنْ نِعْمَةِ الْإِعْتَاقِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] يَعْنِي زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ﵁ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ وَأَنْعَمْت عَلَيْهِ بِالْإِعْتَاقِ، وَيُنَاسِبُ تَنْزِيلُهُ عَلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ قَوْلَ مَنْ يُوَرِّثُ بِنْتَ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْأُخْتِ وَلَا يَطَّرِدُ فِي أُخْتِ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْعَمَّةِ وَالْعَمَّةُ لَا تَرِثُ وَلَا فِي بِنْتِ الِابْنِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَخِ وَبِنْتُ الْأَخِ تَرِثُ. الْمَعْنَى الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَتِيقُ بِمَنْزِلَةِ الْأَخِ لِلْمُعْتِقِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا «الْمُولَى أَخٌ فِي الدِّينِ وَنِعْمَةٌ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ أَقْرَبُهُمْ إلَى الْمُعْتِقِ» وَيُنَاسِبُ هَذَا التَّنْزِيلُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: الْبِنْتُ لَا تَرِثُ؛ لِأَنَّ بِنْتَ الْأَخِ لَا تَرِثُ. الْمَعْنَى الثَّالِثَ: وَهُوَ الْأَحْسَنُ أَنْ لَا يُنْظَرَ إلَى خُصُوصِ بُنُوَّةٍ وَلَا أُخُوَّةٍ وَلَكِنْ يُنْظَرُ

стр. 749

إلَى الْمُعْتِقِ وَجَمِيعِ عَصَبَاتِهِ فَنَجْعَلُ الْعَتِيقَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، كَأَنَّهُ أُلْصِقَ بِهِمْ وَاخْتَلَطَ وَصَارَ مَعَهُمْ شَيْئًا وَاحِدًا وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ ﷺ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ الْمُعْتِقُ عَلَى عَصَبَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِنِعْمَتِهِ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَلَّى النِّعْمَةَ وَأَعْطَى الثَّمَنَ فَنَاسَبَ تَقْدِيمُهُ ثُمَّ تَقْدِيمُ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ الْوَلِيُّ يُرَادُ لِلِانْتِصَارِ وَالتَّعَاوُنِ وَالتَّعَاضُدِ اخْتَصَّ بِالرِّجَالِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْإِنَاثِ فِيهِ حَظٌّ إلَّا إذَا أَعْتَقْنَ. وَلِهَذَا قَالَ ﷺ «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَجَاءَ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ وَوَلِيِّ النِّعْمَةِ» تَنْزِيلُ الْوَلَاءِ مَنْزِلَةَ النَّسَبِ صَحِيحٌ عَلَى الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ وَلِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ النَّسَبِ نَهْيٌ عَنْ بَيْعِهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ أَنَّ ابْنَ وَضَّاحٍ أَنْ يَكُونَ وَهَبْته مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْهُ ﷺ «مَنْ انْتَسَبَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» فَانْظُرْ كَيْفَ قَرَنَ النَّسَبَ مَعَ الْوَلَاءِ وَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي وَعِيدِ التَّبَرُّؤِ مِنْهُمَا وَلِأَجْلِ تَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ النَّسَبِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ بِهِ إلَّا بَعْدَ النَّسَبِ الَّذِي يُوَرَّثُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَالْمَحْمُولُ عَلَى الشَّيْءِ دُونَهُ. وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ مُطْلَقًا: إنَّ النِّسَاءَ لَا حَظَّ لَهُنَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ إذَا تَبَاعَدَ أَقْوَى مِنْ الْوَلَاءِ لِمَا قُلْنَاهُ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَرِثُ النِّسَاءُ بِهِ كَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ، فَالْوَلَاءُ الَّذِي هُوَ أَبْعَدُ مِنْ النَّسَبِ الْبَعِيدِ وَأَبْعَدُ عَنْهُ وَأَوْلَى أَنْ لَا يَرِثَ النِّسَاءُ بِهِ وَاسْتِنْبَاطُ هَذَا الْمَنْقُولِ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ شُرَيْحٍ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: دَلِيلُنَا نُكْتَةٌ وَاحِدَةٌ ذَكَرَهَا أَبُو الْعَبَّاسِ وَهُوَ إذَا قَالَ: النِّسَاءُ إنَّمَا يَرِثْنَ بِالنَّسَبِ الْمُتَدَانِي وَلَا يَرِثْنَ بِالنَّسَبِ الْمُتَبَاعِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبِنْتَ وَبِنْتَ الِابْنِ وَالْأُمَّ وَالْجَدَّةَ وَالْأُخْتَ لَمَّا تَدَانَتْ أَنْسَابُهُنَّ وَرِثْنَ وَبِنْتُ الْأَخِ وَالْعَمَّةُ لَمَّا تَبَاعَدَتْ أَنْسَابُهُنَّ لَمْ يَرِثْنَ وَبِنْتُ، الْمَوْلَى أَبْعَدُ مِمَّنْ تَبَاعَدَ نَسَبُهُ مِنْ نِسَاءِ الْمُنَاسِبِينَ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ مُشَبَّهٌ بِالنَّسَبِ وَالْإِرْثُ بِهِ يَتَأَخَّرُ عَنْ الْإِرْثِ بِالنَّسَبِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَرِثْ بِنْتُ الْمَوْلَى شَيْئًا. قَالَ أَصْحَابُنَا: أَخَذُوا هَذَا الْمَعْنَى مِنْ أَبِي الْعَبَّاسِ وَصَاغُوا لَهُ عِبَارَةً أُخْرَى فَقَالُوا: لَوْ وَرَّثْنَا

стр. 750

بِنْتَ الْمَوْلَى كَانَ ذَلِكَ بِتَعْصِيبِ ابْنِ الْمَوْلَى لَهَا، وَهَكَذَا لَوْ وَرَّثْنَا أُخْتَ الْمَوْلَى كَانَ بِتَعْصِيبِ أَخِي الْمَوْلَى وَوَجَدْنَا ذُكُورَ الْعَصَبَاتِ إنَّمَا يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ بِالنَّسَبِ الْقَرِيبِ كَالِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ وَالْأَخِ لَا يُعَصِّبُونَ بِالنَّسَبِ الْبَعِيدِ كَابْنِ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَابْنِ الْعَمِّ وَابْنِ الْمَوْلَى أَبْعَدُ مِمَّنْ تَبَاعَدَ مِنْ الْمُنَاسِبِينَ فَبِأَنْ لَا يُعَصِّبَ أَوْلَى وَأَحْرَى. انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ شُرَيْحٍ قِيَاسٌ جَلِيٌّ فَإِنَّ ابْنَ الْعَمِّ وَإِنْ أَبْعَدَ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُعْتِقِ وَلَا يُعَصِّبْ أُخْتَهُ فَابْنُ الْمُعْتِقِ وَابْنُهُ أَوْلَى، وَعَلِمْنَا أَنَّ تَشْبِيهَ الْوَلَاءِ بِالنَّسَبِ إنَّمَا هُوَ فِي الْعُصُوبَةِ الَّتِي هِيَ مَحِلُّ التَّنَاصُرِ وَالتَّعَاضُدِ وَالتَّعَاوُنِ، وَكَانَ مُقْتَضَى هَذَا أَنْ نُوَرِّثَ الْعَتِيقَ أَيْضًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد وَلَكِنْ مَنَعَ مِنْهُ الْجُمْهُورُ فَعِنْدَهُمْ يُرَاعَى مَعَ شَبَهِ النَّسَبِ بِعَمَّةِ الْإِعْتَاقِ فَإِنَّهَا أَيْضًا مُنَاسِبَةٌ؛ لَأَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ وَعَصَبَاتُهُ يَرِثُونَ الْعَتِيقَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَيُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» أَشَارَ إلَى أَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْمُعْتِقِ عَلَى الْعَتِيقِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَصْلُ الثَّانِي عِتْق السَّائِبَةِ] الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا وَرَدَ مِنْ الْآثَارِ وَعِتْقِ السَّائِبَةِ وَكَوْنِ الْوَلَاءِ لِلْكِبَرِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ثنا الْأَصَمُّ ثنا يَحْيَى أَنْبَأَ أَبُو يَزِيدَ أَنْبَأَ سُفْيَانُ عَنْ أَبِي قَيْسٍ عَنْ هُذَيْلٍ قَالَ: جَاءَ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إنِّي أَعْتَقْت غُلَامًا وَجَعَلْته سَائِبَةً فَمَاتَ وَتَرَك مَالًا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إنَّ أَهْلَ الْوَلَاءِ لَا يُسَيِّبُونَ أَنْتَ وَارِثُهُ وَوَلِيُّ نِعْمَتِهِ فَإِنْ تَحَرَّجْت مِنْ شَيْءٍ فَأَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرَوَيْنَا عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى حُذَيْفَةَ أَنَّهُ كَانَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا: عَمْرَةُ بِنْتُ مُعَاذٍ وَقِيلَ: سَلْمَى أَعْتَقَتْهُ سَائِبَةً فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ: أَعْطُوهُ عَمْرَةَ، فَأَبَتْ تَقْبَلَهُ. وَقِيلَ أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِمِيرَاثِهِ فَدَعَا وَدِيعَةَ بْنَ حِذَامٍ وَكَانَ وَارِثَ سَلْمَى بِنْتِ مُعَاذٍ فَقَالَ: هَذَا مِيرَاثُ مَوْلَاكُمْ فَخُذُوهُ. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ طَارِقَ بْنَ الْمُرَقَّعِ أَعْتَقَ أَهْلَ بَيْتٍ سَوَايِبَ فَأَتَى بِمِيرَاثِهِمْ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَعْطَوْهُ وَرَثَةَ طَارِقٍ فَأَبَوْا أَنْ يَأْخُذُوهُ فَقَالَ عُمَرُ: فَاجْعَلُوهُ فِي مِثْلِهِمْ مِنْ النَّاسِ. وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ الْعَاصِ بْنَ هِشَامٍ

стр. 751

هَلَكَ وَتَرَكَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ اثْنَانِ لِأُمٍّ وَرَجُلٍ لَعَلَّهُ هَلَكَ أَحَدُ اللَّذَيْنِ لِأُمٍّ وَتَرَكَ مَالًا وَمَوَالِيَ فَوَرِثَهُ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَوَرِثَ مَالَهُ، وَوَلَاءَ مَوَالِيهِ وَهَلَكَ الَّذِي وَرِثَ الْمَالَ وَالْمَوَالِيَ وَتَرَكَ ابْنَهُ وَأَخَاهُ لِأَبِيهِ، فَقَالَ ابْنُهُ: قَدْ أَحْرَزْت مَا كَانَ أَبِي أَحْرَزَ فَقَدْ أَحْرَزْت الْمَالَ وَالْمَوَالِيَ. وَقَالَ أَخُوهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا أَحْرَزْت الْمَالَ فَأَمَّا وَلَاءُ الْمَوَالِي فَلَا أَرَأَيْت لَوْ هَلَكَ أَخِي الْيَوْمَ أَلَسْت أَنَا أَرِثُهُ فَاخْتَصَمَا إلَى عُثْمَانَ ﵁ فَقَضَى لِأَخِيهِ بِوَلَاءِ الْمَوَالِيَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْوَلَاءُ لِلْكِبْرِ. وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا «الْمَوْلَى أَخٌ فِي الدِّينِ وَنِعْمَةٌ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِمِيرَاثِهِ أَقْرَبُهُمْ إلَى الْمُعْتِقِ» . وَرَوَيْنَا عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مِنْ أَعْتَقْنَ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ قَالَ: الْبَيْهَقِيُّ أَنْبَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْبَأَ أَبُو الْوَلِيدِ ثنا عَبْدُ اللَّهِ ثنا إِسْحَاقُ ثنا عِيسَى عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: إذَا تَزَوَّجَ الْمَمْلُوكُ الْحُرَّةَ الْمُعْتَقَةَ فَوَلَدَتْ فَوَلَدُهَا يُعْتَقُونَ بِعِتْقِهَا وَيَكُونُ وَلَاؤُهُمْ لِمَوْلَى أُمِّهِمْ فَإِذَا أُعْتِقَ الْأَبُ جَرّ الْوَلَاءَ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مِثْلُ هَذَا فِي جَرِّ الْوَلَاءِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ فَاخْتَصَمَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ جُهَيْنَةَ وَنَفَرٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَكَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ يُقَالُ لَهُ: إبْرَاهِيمُ بْنُ كُلَيْبٍ فَمَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَتَرَكَتْ مَالًا وَمَوَالِيَ فَوِرْثَهَا ابْنُهَا وَزَوْجُهَا ثُمَّ مَاتَ ابْنُهَا فَقَالَ وَرَثَةُ ابْنِهَا: لَنَا وَلَاءُ الْمَوَالِي قَدْ كَانَ ابْنُهَا أَحْرَزَهُ. وَقَالَ الْجُهَنِيُّونَ: لَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مَوَالِي صَاحِبَتِنَا فَإِذَا مَاتَ وَلَدُهَا فَلَنَا وَلَاؤُهُمْ وَنَحْنُ نَرِثُهُمْ فَقَضَى أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ لِلْجُهَنِيِّينَ بِوَلَاءِ الْمَوَالِي. قُلْت: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ بِخِلَافِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَمَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ. وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي رَجُلٍ هَلَكَ وَتَرَكَ بَنِينَ ثَلَاثَةً وَتَرَكَ مَوَالِيَ أَعْتَقَهُمْ هُوَ عَتَاقَةً ثُمَّ إنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِيهِ هَلَكَا وَتَرَكَا وَلَدًا قَالَ سَعِيدٌ: يَرِثُ الْمَوَالِي الْبَاقِيَ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَإِذَا هَلَكَ فَوَلَدُهُ

стр. 752

وَوَلَدُ أَخَوَيْهِ فِي الْمَوَالِي شَرْعٌ سَوَاءٌ قَالَ مَالِكٌ: سَأَلْت ابْنَ شِهَابٍ عَنْ السَّائِبَةِ فَقَالَ: يُوَالِي مَنْ شَاءَ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُوَالِ أَحَدًا فَمِيرَاثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَعَقْلُهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْت أَنَّ السَّائِبَةَ لَا يُوَالِيَ أَحَدًا وَأَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَرَوَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَالَ مَالِكٌ: الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ يُسْلِمُ عَبْدُ أَحَدِهِمَا فَيُعْتِقُهُ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ إنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ وَلَكِنْ إذَا أَعْتَقَا عَبْدًا عَلَى دِينِهِمَا ثُمَّ أَسْلَمَ الْعَتِيقُ ثُمَّ أَسْلَمَ الَّذِي أَعْتَقَهُ رَجَعَ إلَيْهِ الْوَلَاءُ. وَإِنْ كَانَ لِلْيَهُودِيِّ أَوْ النَّصْرَانِيِّ وَلَدٌ مُسْلِمٌ وَرِثَ وَلَاءَ مَوَالِي أَبِيهِ الْيَهُودِيِّ إذَا أَسْلَمَ الْعَتِيقُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الَّذِي أَعْتَقَهُ وَإِنْ كَانَ الْعَتِيقُ حِينَ أَعْتَقَ مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِ الْيَهُودِيِّ أَوْ النَّصْرَانِيِّ مِنْ وَلَاءِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ شَيْءٌ وَالْوَلَاءُ عَلَى الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ إذَا أَعْتَقَهُ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. (فَصْلٌ) مِنْ الْمُوَطَّإِ فِي جَرِّ الْوَلَاءِ: عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ وَلِلْعَبْدِ بَنُونَ مِنْ حُرَّةٍ فَاخْتَصَمُوا إلَى عُثْمَانَ فَقَضَى لِلزُّبَيْرِ بِوَلَائِهِمْ. وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مِثْلُهُ وَسُئِلَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَبْدٍ لَهُ وَلَدٌ مِنْ حُرَّةٍ فَقَالَ: إنْ مَاتَ أَبُوهُمْ وَهُوَ عَبْدٌ فَوَلَاؤُهُمْ لِمَوَالِي أُمِّهِمْ. قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ فِي الْحُرَّةِ أَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ مِنْ الْعَبْدِ ثُمَّ عَتَقَ الْعَبْدُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُرُّ وَلَاءَ وَلَدِهِ إلَى مَنْ أَعْتَقَهُ وَمِثْلُ ذَلِكَ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ مِنْ الْوَالِي يُنْسَبُ إلَى مَوَالِي أُمِّهِ فَيَكُونُونَ هُمْ إنْ مَاتَ وَارِثُوهُ وَإِنْ جَرَّ جَرِيرَةً عَقَلُوهُ وَإِنْ أُعْتِقَ بِهِ أَبُوهُ أُلْحِقَ بِهِ وَصَارَ وَلَاؤُهُ إلَى مَوَالِي أَبِيهِ وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ مِنْ الْعَرَبِ إلَّا أَنَّ بَقِيَّةَ مِيرَاثِهِ قَبْلَ أَنْ يَلْحَقَ بِأَبِيهِ بَعْدَ مِيرَاثِ أُمِّهِ وَإِخْوَتِهِ مِنْ أُمِّهِ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي وَلَدِ الْعَبْدِ مِنْ حُرَّةٍ وَأَبُو الْعَبْدِ حُرَّانِ الْجَدُّ يَجُرُّ وَلَاءَهُ وَيَرِثُهُمْ مَا دَامَ أَبُوهُمْ عَبْدًا فَإِذَا أُعْتِقَ أَبُوهُمْ رَجَعَ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِيهِ وَإِنْ مَاتَ وَهُوَ عَبْدٌ كَانَ الْوَلَاءُ وَالْمِيرَاثُ لِلْجَدِّ وَلَوْ أَنَّ الْعَبْدَ كَانَ لَهُ ابْنَانِ حُرَّانِ فَمَاتَا أَحَدُهُمَا وَأَبُوهُ عَبْدٌ جَرَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ الْمِيرَاثَ وَالْوَلَاءَ. قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَمَةِ تُعْتَقُ وَهِيَ حَامِلٌ وَزَوْجُهَا مَمْلُوكٌ ثُمَّ يُعْتَقُ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَوْ بَعْدَ مَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا أَنَّ وَلَاءَ مَا كَانَ فِي بَطْنِهَا لِلَّذِي أَعْتَقَ أُمَّهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَلَدَ أَصَابَهُ الرِّقُّ وَلَيْسَ كَاَلَّذِي يُحْمَلُ بِهِ بَعْدَ الْعَتَاقَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُحْمَلُ

стр. 753

بِهِ بَعْدَ الْعَتَاقَةِ إذَا أُعْتِقَ أَبُوهُ جَرَّ الْوَلَاءَ. قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يَسْتَأْذِنُ سَيِّدَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدًا لَهُ فَأَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ قَالَ: وَلَاءُ الْمُعْتَقِ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ لَا يَرْجِعُ وَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي أَعْتَقَهُ، وَإِنْ أُعْتِقَ. انْتَهَى. وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي جَرِّ الْوَلَاءِ وَأَحْكَامِهِ صُوَرًا وَفُرُوعًا لَا تَنْحَصِرُ وَفِيهَا دَقَائِقُ لَا ضَرُورَةَ إلَى ذِكْرُهَا هُنَا وَهِيَ مُقَرَّرَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. [الْفَصْلُ الثَّالِثُ الْوَلَاء لَا يُوَرَّثُ بِهِ] الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُوَرَّثُ بِهِ وَلَا يُوَرَّثُ وَكَوْنُهُ لَا يُوصَفُ بِالِانْتِقَالِ وَكَوْنُهُ يَنْتَشِرُ فِي جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ يُقَدَّمُ أَقْرَبُهُمْ إلَى الْمُعْتِقِ فِي أَحْكَامِهِ وَثُبُوتِهَا لِلْأَبْعَدِ مِنْهُمْ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَقْرَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ: (إحْدَاهَا) فِي كَوْنِهِ لَا يُوَرَّثُ وَقَدْ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِيهِ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَحَكَى الْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ أَيْضًا، وَشَذَّ شُرَيْحٌ فَقَالَ: الْوَلَاءُ كَالْمَالِ يُورَثُ عَنْ الْمُعْتِقِ فَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا حَيَاتَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ، وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ أَيْضًا، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الزُّبَيْرِ يَعْنِي ابْنَ الْعَوَّامِ، وَرَوَى حَنْبَلٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ أَحْمَدَ وَغَلَّطَهُمَا أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَإِلْحَاقِهِ بِالنَّسَبِ. (الثَّانِيَةُ) يُرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُنْقَلُ أَصْلًا بِعِوَضٍ وَلَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَقَدْ صَحَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٌ وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ. وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّ مَيْمُونَةَ وَهَبَتْ وَلَاءَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ مُكَاتِبًا مَوَالِيهَا وَأَنَّ عُرْوَةَ ابْتَاعَ وَلَاءَ سُلَيْمَانَ لِوَرَثَةِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَقَالَ

стр. 754

ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْت لِعَطَاءٍ: أَذِنْت لِمَوْلَايَ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ أَفَيَجُوزُ قَالَ: نَعَمْ. وَهَذِهِ مَذَاهِبُ شَاذَّةٌ وَمَرْدُودَةٌ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَرَأَيْت فِي كِتَابِ الْمُسْتَعْمَلِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي أُصُولِ الْفَرَائِضِ تَصْنِيفَ أَبِي الْقَاسِمِ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلَوِيَّةَ الشَّافِعِيِّ قَالَ: لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْوَلَاءِ وَهِبَتُهُ وَهُوَ كَالنَّسَبِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ الْمُفْتِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُجِيزُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مِنْ كِتَابَةٍ فَإِنْ كَانَ مِنْ عِتْقٍ لَمْ يَجُزْ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَمَكْحُولٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَكَانَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ يُجِيزُونَ بَيْعَهُ وَهِبَتَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ سَائِبَةٍ أَوْ مُكَاتَبٍ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ كَانَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى مَنْ شَاءَ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ أَنَّهُ لِلْكِبَرِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُعْتِقَ إذَا مَاتَ وَلَهُ ابْنَانِ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَلَهُ ابْنٌ ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ فَمَالُهُ لِابْنِ الْمَوْلَى دُونَ ابْنِ ابْنِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا مُشْتَرَكَانِ فِي الْعُصُوبَةِ فَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ الْوَلَاءُ يُورَثُ لَانْتَقَلَ إلَى الْحَفِيدِ مَا كَانَ لِأَبِيهِ، وَكَذَا نَقَلُوا عَنْ ابْنِ شُرَيْحٍ وَطَاوُسٍ أَنَّ الْمَالَ بَيْنَ الِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ وَالرَّدُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِالرَّدِّ كَوْنُهُ يُورَثُ. وَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ الْمُعْتِقُ وَلَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ ابْنٍ وَالْآخَرِ عَنْ ابْنَيْنِ وَالْآخَرُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ فَمَالُهُ لِلْخَمْسَةِ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمْ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْإِدْلَاءِ إلَيْهِ وَلَوْ كَانَ الْوَلَاءُ يُورَثُ لَكَانَ لِابْنِ الْأَوَّلِ الثُّلُثُ وَلِابْنَيْ الثَّانِي الثُّلُثُ وَلِبَنِي الثَّالِثِ وَلَوْ تَرَكَ الْمَوْلَى أَخًا لِأَبٍ وَأَخًا لِأَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ مَاتَ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمُّ وَتَرَكَ ابْنًا ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ كَانَ وَلَاؤُهُ لِلْأَخِ لِلْأَبِ فِي قَوْلِ الْجَمَاعَةِ وَكَانَ فِي قَوْلِ شُرَيْحٍ لِابْنِ الْأَخِ. نَقَلَهُ ابْنُ عَلَوِيَّةَ فِي الْمُسْتَعْمَلِ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالِانْتِقَالِ وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ التَّنْبِيهِ قَالَ: وَمَنْ ثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ فَمَاتَ انْتَقَلَ ذَلِكَ إلَى عَصَبَاتِهِ دُونَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ. وَالْأَصْحَابُ كُلُّهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَنْتَقِلُ وَأَبُو عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْمُهَذَّبِ قَالَ: إنَّ كَلَامَ الشَّيْخِ فِيهِ تَجَوُّزٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّيْخِ انْتِقَالُ أَحْكَامِهِ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْوَلَاءِ ثَلَاثَةٌ: الْإِرْثُ وَالتَّزْوِيجُ وَالْعَقْلُ. وَفِي ثُبُوتِهَا لِلْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ كَلَامٌ سَنَذْكُرُهُ

стр. 755

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ﴾ هَذَا الْكَلَامُ الْمَوْعُودُ بِهِ لَا شَكَّ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ وَلَكِنْ هَلْ نَقُولُ: إنَّهُ بِنَفْسِ الْعِتْقِ ثَبَتَ لِلْمُعْتِقِ وَجَمِيعِ عَصَبَاتِهِ أَوْ ثَبَتَ لِلْمُعْتِقِ فَقَطْ وَبَعْدَهُ ثَبَتَ لِعَصَبَاتِهِ لَا عَلَى جِهَةِ الْإِرْثِ بَلْ عَلَى جِهَةِ أَنَّ ثُبُوتَهُ لَهُمْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى مَوْتِ الْمُعْتِقِ وَعَلَى هَذَا هَلْ يَخْتَصُّ بِهِ الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ وَلَا يَثْبُتُ لِلْأَبْعَدِ فَقْدُ الْأَقْرَبِ كَمَا فِي الْمُعْتِقِ مَعَ الْعَصَبَةِ أَوْ يَثْبُتُ لِجَمِيعِ الْعَصَبَةِ وَإِنْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَظَاهِرُ إلْحَاقِ الْوَلَاءِ بِالنَّسَبِ أَنَّهُ بِنَفْسِ الْعِتْقِ يَثْبُتُ لِلْجَمِيعِ وَلَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَهُ عَتِيقًا لِلسَّيِّدِ ثَبَتَ نَسَبُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَصَبَتِهِ حِسًّا فَإِنَّا نَقُولُ: عَتِيقُ ابْنِ عَمِّ فُلَانٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَأَمَّا ثُبُوتُ هَذِهِ النِّسْبَةِ شَرْعًا فَالْحَدِيثُ يَقْتَضِيهَا وَتَوْقِيفُهَا عَلَى مَوْتِ الْمُعْتِقِ بَعِيدٌ وَإِنْ أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِهِ. وَمَرْتَبَةٌ ثَالِثَةٌ وَرَاءَ هَذِهِ وَهِيَ أَنَّ وِلَايَةَ التَّزْوِيجِ وَالْعَقْلِ وَالْمِيرَاثِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِتَوْقِيفِهَا مَعَ تَخْيِيرِ النِّسْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِنَّ الْأَقْرَبَ خِلَافُهُ وَإِنَّ النِّسْبَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا مَعْنَى لَهَا إلَّا اقْتِضَاءَ الْأَحْكَامِ الثَّلَاثَةِ. نَعَمْ قَدْ تَتَوَقَّفُ الْأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ عَلَى شَرْطٍ أَوْ انْتِفَاءِ مَانِعٍ كَمَا فِي النَّسَبِ، وَمِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ اضْطَرَبَ كَلَامُ الْأَصْحَابِ فَلْنَنْقُلْهُ عَلَى وَجْهِهِ وَنُبَيِّنُ الْحَقَّ فِيهِ، فَنَقُولُ: قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ فِي بَابِ الْوَلَاءِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ عَبْدًا مُسْلِمًا: لَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ وَالْمُعْتَقُ حَيٌّ وَهُوَ كَافِرٌ وَلَهُ ابْنٌ مُسْلِمٌ فَإِنَّ مِيرَاثَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَكُونُ لِابْنِهِ الْمُسْلِمِ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ الْمُعْتَقَ قَتَلَ الْمُعْتِقَ وَلِلْمُعْتَقِ ابْنٌ مُسْلِمٌ لَا يَرِثُهُ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ لَا يُوَرَّثُ ابْنُهُ، بِخِلَافِ النَّسَبِ لَوْ قَتَلَ رَجُلٌ وَلَدَهُ وَلِلْقَاتِلِ وَلَدٌ فَإِنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ وَلَكِنْ يَرِثُهُ ابْنُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي بَابِ النَّسَبِ الْأُخُوَّةُ ثَابِتَةٌ بَيْنَ الْأَخِ وَالْمَقْتُولِ فَلِهَذَا يَرِثُهُ وَفِي الْوَلَاءِ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ الْوَلَاءَ بِمَوْتٍ، فَلَوْلَا أَنَّ الْأَبَ حَيًّا لَا يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ. وَهَكَذَا لَوْ اُسْتُرِقَّ الْمُعْتَقُ بِأَنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ ابْنٌ مُسْلِمٌ ثُمَّ مَاتَ مُعْتِقُهُ فَإِنَّ مِيرَاثَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَلَا يَكُونُ لِابْنِهِ وَهَكَذَا نَقُولُ فِي التَّزْوِيجِ: لَوْ أَنَّ كَافِرًا أَعْتَقَ أَمَةً مُسْلِمَةً وَلِلْمُعْتِقِ أَبٌ أَوْ ابْنٌ مُسْلِمٌ أَوْ أَخٌ فَإِنَّ وِلَايَةَ التَّزْوِيجِ إلَى الْحَاكِمِ لَا إلَى أَبِ الْمُعْتِقِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ فَالْزَمْ مُسَلَّمَهُ. وَقَالُوا: لَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَعْتَقَتْ مُسْلِمَةً أَمَةً وَلِلْمُعْتِقَةِ أَبٌ فَإِنْ أَبَاهَا تَزَوَّجَ الْمُعْتَقَةَ هَكَذَا نَصُّ الشَّافِعِيُّ فَنَقَلَ الْوِلَايَةَ إلَى أَبِيهَا بِسَبَبِ عُصُوبَةِ الْوَلَاءِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ أَمَةً

стр. 756

فَمَاتَ الْمُعْتِقُ وَخَلَّفَ ابْنًا صَغِيرًا وَلِلِابْنِ الصَّغِيرِ جَدٌّ قَالَ: لَيْسَ لِلْجَدِّ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَمَةَ الْمُعْتَقَةَ فَقِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الْأُولَى حَيْثُ قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَبِ الْمُعْتِقَةِ أَنْ يُزَوِّجَ مُعْتَقَهَا. قَالَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمُعْتِقَةِ وَقَعَ الْإِيَاسُ عَنْ ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لَهَا بِالْوَلَاءِ فَجُعِلَتْ كَالْمَعْدُومَةِ فَانْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى أَبِيهَا وَفِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَقَعَ الْإِيَاسُ بِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لِلِابْنِ الصَّغِيرِ بِالْوَلَاءِ عِنْدَ الْبُلُوغِ فَلِهَذَا افْتَرَقَا. انْتَهَى كَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: إذَا خَلَّفَ الْمُعْتِقُ الْمُسْلِمُ ابْنَ مُعْتِقِهِ الْكَافِرِ مُسْلِمًا وَالْمُعْتِقُ حَيٌّ لَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُ بَلْ يَكُونُ الْمِيرَاثُ لِبَيْتِ الْمَالِ فَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَفِي الْإِشْرَافِ لِابْنِ الْمُنْذِرِ: وَإِذَا اشْتَرَى النَّصْرَانِيُّ عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ نَصْرَانِيٌّ فَأَسْلَمَ بِيعَ عَلَيْهِ فَإِنْ أَعْتَقَهُ فَالْعِتْقُ جَائِزٌ وَوَلَاؤُهُ لَهُ فَإِنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ وَمَوْلَاهُ عَلَى دِينِهِ لَمْ يَرِثْهُ وَمِيرَاثُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِمَوْلَاهُ عَصَبَةٌ مُسْلِمُونَ فَإِنَّ أَقْرَبَ النَّاسِ مِنْ عَصَبَةِ مَوْلَاهُ يَرِثُهُ وَيَكُونُ الْمَوْلَى مَا دَامَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ فِي مَعْنَى مَنْ قَدْ مَاتَ، وَإِنْ أَسْلَمَ الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقُ وَرِثَهُ بِالْوَلَاءِ. هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: إذَا أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّ يَرِثُهُ. انْتَهَى. وَهَكَذَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَلَعِيُّ فِي فَرَائِضِهِ. وَإِذَا أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا ثَبَتَ لَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ فَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ وَرِثَهُ مَنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا مِنْ عَصَبَاتِ الْمَوْلَى وَلَا يَرِثُهُ الْمَوْلَى لِاخْتِلَافِ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ لِذِمِّيٍّ فَطُولِبَ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهُ فَأَعْتَقَهُ ثَبَتَ لَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ فَإِنْ مَاتَ وَرِثَهُ مَنْ كَانَ مُسْلِمًا مِنْ عَصَبَاتِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ فَكَمَا أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ. وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ وَخَلَّفَ أَبًا ذِمِّيًّا وَأَخَاهُ مُسْلِمًا وَرِثَهُ الْأَخُ دُونَ الْأَبِ وَلَا يَكُونُ سُقُوطُ مِيرَاثِ الْأَبِ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ بَيْنَهُمَا وَكَوْنُهُ أَبًا فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لَا يَكُونُ سُقُوطُ الْمِيرَاثِ بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَكَذَا قَالَهُ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَلَوِيَّةَ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُسْتَعْمَلِ قَالَ: إذَا أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا ذِمِّيًّا وَمَاتَ الْعَبْدُ كَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ وَيَرِثُهُ أَقْرَبُ عَصَبَةِ مَوْلَاهُ مِمَّنْ كَانَ عَلَى دِينِهِ أَوْ مَوْلَى مَوْلَاهُ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مُعَاهَدًا أَوْ مُسْتَأْمَنًا وَلَا يَرِثُهُ الْمَوْلَى لِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ

стр. 757

السَّيِّدَ يَأْخُذُ مَالَهُ كَمَا يَأْخُذُ مَالَ عَبْدِهِ الذِّمِّيِّ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ. وَقَالَ: إذَا أَعْتَقَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا وَمَاتَ الْمُعْتَقُ وَرِثَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسِيبٌ فَإِنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ بَعْدَ أَنْ أَعْتَقَهُ فَإِنَّ الْوَلَاءَ ثَابِتٌ عَلَيْهِ لِلذِّمِّيِّ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ وَرِثَهُ أَقْرَبُ عَصَبَةِ مَوْلَاهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مَوْلَى مَوْلَاهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِبَيْتِ الْمَالِ. انْتَهَى. وَكِتَابُ الْمُسْتَعْمَلِ هَذَا سَمِعَهُ عَلَى مُؤَلِّفِهِ الْمَذْكُورِ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَتِيقِيُّ سَنَة سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْقَلْعِيُّ وَابْنُ عَلَوِيَّةَ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: إنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ، وَإِنَّ مَنْ لَا يَرِثُ لَا يُحْجَبُ، وَيَنْشَأُ مِنْ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ أَنَّ الْمِيرَاثَ لِوَلَدِ الْمُعْتِقِ فِي حَيَاتِهِ الْمُوَافِقُ لِدَيْنِ الْعَتِيقِ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُخَالِفًا فِي الدِّينِ لَا لِبَيْتِ الْمَالِ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيُّ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمُغْنِي وَقَالَ: إنْ كَانَ لِلسَّيِّدِ عَصَبَةٌ عَلَى دِينِ الْعَبْدِ وَرِثَهُ دُونَ سَيِّدَهُ. وَقَالَ دَاوُد: لَا يَرِثُ عَصَبَتُهُ مَعَ حَيَاتِهِ لَنَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ الْأَقْرَبَ مِنْ الْعَصَبَةِ مُخَالِفًا لِدِينِ الْمَيِّتِ وَالْأَبْعَدُ عَلَى دِينِهِ وَرِثَ دُونَ الْقَرِيبِ. انْتَهَى. فَانْظُرْ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ مَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إلَّا عَنْ دَاوُد وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْقَلْعِيُّ، وَيُوَافِقُهُ أَنَّ الرَّافِعِيَّ قَالَ فِي الدَّوْرِ مِنْ الْوَصَايَا فِي آخِرِ فَصْلٍ مِنْهُ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ مَرِيضٌ عَبْدًا ثُمَّ قَتَلَهُ السَّيِّدُ أَنَّهُ لَا يَرِثُ السَّيِّدُ مِنْ دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ بَلْ إنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ أَقْرَبُ مِنْ سَيِّدِهِ فَهِيَ لَهُ وَإِلَّا فَلِأَقْرَبِ عَصَبَاتِ السَّيِّدِ. انْتَهَى. وَكَذَا فِي تَهْذِيبِ الْبَغَوِيِّ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ قَالَ: وَلَوْ أَعْتَقَ كَافِرٌ عَبْدًا مُسْلِمًا ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ بَعْدَمَا أَسْلَمَ الْمُعْتِقُ وَرِثَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا فَمِيرَاثُهُ لِمَنْ كَانَ مُسْلِمًا مِنْ عَصَبَاتِ مُعْتِقِهِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَثَبَتَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا هَذَا أَنَّ الْمَالَ لِعَصَبَةِ السَّيِّدِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَلَوِيَّةَ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَالْقَلْعِيُّ. وَالثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُمَا وَجْهَانِ فِي أَنَّ الْوَلَاءَ هَلْ يَثْبُتُ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ لِعَصَبَتِهِ أَوْ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ إلَّا بَعْدَهُ وَيَكُونُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ، وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُهُ أَيْضًا. وَمِنْ الدَّلِيلِ لَهُ مِنْ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ -

стр. 758

«الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» وَقَوْلُ الْقَاضِي: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ الْمُعْتَقَ قَتَلَ الْمُعْتِقَ إلَى آخِرِهِ وَهُوَ غَيْرُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَالَهَا الرَّافِعِيُّ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ الْخِلَافُ فِيهَا مُصَرَّحًا بِهِ بَيْنَ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالرَّافِعِيِّ كَمَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ مُصَرَّحٌ بِهِ بَيْنَ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَمَأْخَذُ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدٌ، فَقَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ يَجْرِي فِي الْقَاتِلِ وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ يَجْرِي فِي الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مِنْ الْفَرْقِ نَاطِقٌ بِمَا اسْتَنْبَطْنَاهُ لَهُ مِنْ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَثْبُتُ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ لِعَصَبَتِهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ. وَقَدْ تَبَيَّنَّ أَنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ. وَقَوْلُهُ: وَهَكَذَا لَوْ اُسْتُرِقَّ إلَى آخِرِهِ، الْكَلَامُ فِيهِ كَمَا سَبَقَ وَعَلَى الْأَصَحِّ لِابْنِهِ لَا لِبَيْتِ الْمَالِ، وَقَوْلُهُ: وَهَكَذَا نَقُولُ فِي التَّزْوِيجِ، إلَى آخِرِهِ الْكَلَامُ فِيهِ كَمَا سَبَقَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْأَصَحِّ التَّزْوِيجُ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْعَصَبَاتِ لَا إلَى الْحَاكِمِ. وَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِذَلِكَ وَجَزَمَ بِهِ فَقَالَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ: إنَّ الَّتِي لَيْسَ لَهَا أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتِ النَّسَبِ وَعَلَيْهَا وَلَاءٌ إنْ كَانَ أَعْتَقَهَا رَجُلٌ فَوِلَايَةُ التَّزْوِيجِ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ فَلِعَصَبَاتِهِ ثُمَّ لِمُعْتَقِهِ ثُمَّ لَعَصَبَاتِ مُعْتَقِهِ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ تَعْلِيلٌ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي الْمَوَانِعِ لَا يُزَوِّجُ الْمُسْلِمَةَ قَرِيبُهَا الْكَافِرُ بَلْ يُزَوِّجُهَا الْأَبْعَدُ مِنْ أَوْلِيَاءِ النَّسَبِ أَوْ الْوَلَاءِ أَوْ السُّلْطَانِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الرَّافِعِيُّ أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ مَا يَعْضِدُ ذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا، وَيُشِيرُ إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ جَازِمًا بِذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ الْقَاضِي فِي كَرَّةٍ أَنَّ الْأَقْرَبَ فِي الْوَلَاءِ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَرِثُ الْأَبْعَدَ مِثْلُ أَنَّ الْعَتِيقَ كَانَ مُسْلِمًا وَالْمُعْتِقُ كَافِرًا وَلَهُ ابْنٌ مُسْلِمٌ فَمَاتَ الْعَتِيقُ لَا يَرِثُهُ الِابْنُ الْمُسْلِمُ وَكَذَا لَوْ قَتَلَ الْمُعْتِقُ عَتِيقَهُ وَلَهُ ابْنٌ لَا يَرِثُهُ ابْنُهُ، وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَ كَافِرٌ أَمَةً مُسْلِمَةً وَلَهُ ابْنٌ مُسْلِمٌ لَا يَلِي الِابْنُ تَزْوِيجَهَا بَلْ يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مُشْكِلٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُحْجَبُ كَالنَّسَبِ. انْتَهَى. فَاسْتِشْكَالُ الْبَغَوِيِّ مُسَاعِدٌ لَنَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا، وَقَوْلُهُ: قَالَ الْقَاضِي فِي كَرَّةٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْقَاضِي قَوْلٌ آخَرُ فِي كَرَّةٍ أُخْرَى وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا اتَّفَقَ مِنْهُ عَنْ غَيْرِ دَوَامِ نَظَرٍ بِحَيْثُ يَثْبُتُ عَلَيْهِ وَهُوَ تَوْهِينٌ لَهُ وَقَوْلُهُ الْمُلْزَمُ لِلْقَاضِي بِتَزْوِيجِ أَبِي الْمُعْتِقَةِ الْعَتِيقَةَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَقَلَ الْوِلَايَةَ إلَى

стр. 759

أَبِيهَا فَسَبَبُ عُصُوبَةِ الْوَلَاءِ مَمْنُوعٌ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَنَقْلَهَا إلَى أَبِيهَا؛ لِأَنَّ الِابْنَ مُقَدَّمٌ فِي الْوَلَاءِ عَلَى الْأَبِ، فَإِنْ قَالَ: الْكَلَامُ فِي الْوِلَايَةِ لَا فِي الْوَلَاءِ فَالْوَلَاءُ لِلْمَرْأَةِ خَاصَّةً وَالْوِلَايَةُ لِتَعَذُّرِهَا مِنْهَا تَنْتَقِلُ إلَى الْأَبِ. قُلْنَا: إنْ كَانَتْ الْوِلَايَةُ الَّتِي بِسَبَبِ الْوَلَاءِ فَكَيْفَ تَثْبُتُ لَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْوَلَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ وِلَايَةٌ أُخْرَى وَهُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي تَزْوِيجِهِ مَمْلُوكَتِهَا فَلَا إلْزَامَ وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: إنَّهُ نَقَلَهَا بِسَبَبِ عُصُوبَةِ الْوَلَاءِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا كَانَ لِلْمُعْتِقَةِ أَبٌ وَابْنٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمُتَصَوَّرُ أَنَّهُ يُزَوِّجُ الْعَتِيقَةَ أَبُو الْمُعْتِقَةِ، وَالثَّانِي يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ، وَالثَّالِثُ يُزَوِّجُهَا ابْنُهَا. وَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ يُشْتَرَطُ إذْنُ السَّيِّدَةِ الْمُعْتِقَةِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ وَهُوَ قَوِيٌّ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَجْهَ الثَّالِثَ حَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ لَكِنَّهُ بَيَّنَ أَنَّهُ عِنْدَ إمْعَانِ النَّظَرِ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّهُ أَرَادَ حِكَايَةَ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ مَوْتِهَا لَا فِي حَيَاتِهَا. وَهَذَا مِنْ الْإِمَامِ يَحُومُ عَلَى مَا نَحَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَثْبُتُ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ لِعَصَبَتِهِ أَمَّا مَنْ يَقُولُ: يَثْبُتُ الْوَلَاءُ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ لِعَصَبَتِهِ فَلَا يُسْتَبْعَدُ عَلَيْهِ أَنَّ الِابْنَ يُزَوِّجُ. وَلَوْلَا أَمْرٌ وَاحِدٌ كُنْت أَخْتَارُ أَنَّ الِابْنَ يُزَوِّجُ وَذَلِكَ الْأَمْرُ هُوَ أَنَّ الْوَلَاءَ ثَابِتٌ لِلْمُعْتِقَةِ يُقَدَّمُ فِيهِ عَلَى عَصَبَتِهَا وَإِنْ شَارَكُوهَا فِيهِ فَهَلْ الْأُنُوثَةُ كَالْفِسْقِ سَالِبَةٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْوِلَايَةِ فَيَجْرِي فِيهَا الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ أَشَرْنَا إلَى قَاعِدَتِهِمَا بَيْنَ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِ وَيَكُونُ الْأَصَحُّ أَنَّ الِابْنَ يُزَوِّجُ أَوْ لَيْسَتْ سَالِبَةً لِاسْتِحْقَاقِ الْوِلَايَةِ وَلَكِنْ مَانِعَةٌ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ كَمَا تَمْنَعُ عَلَيْهَا مُبَاشَرَةً عَقْدَ نَفْسِهَا فَيُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ إذْنُهَا وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى عِنْدِي فَلِذَلِكَ لَا تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ إلَى عَصَبَتِهَا بَلْ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا كَمَا يُزَوِّجُ مَمْلُوكَتَهَا. وَهَذَا الْأَقْرَبُ عِنْدِي وَهُوَ الَّذِي أَخْتَارُهُ أَنَّهُ يُزَوِّجُ بِإِذْنِهَا وَلَا يُزَوِّجُ بِغَيْرِ إذْنِهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ لِكَوْنِ الْوَلَاءِ لَهُ بَلْ لِكَوْنِهِ وَلِيُّ الْمُعْتِقَةِ كَحَالَةِ لَوْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهَا وَلَا وَلَاءَ لَهُ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَبَ يُزَوِّجُ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانِهَا فَبَعِيدٌ وَلَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِقْلَالِهِ عَنْ الْمَرْأَةِ بِالْوِلَايَةِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ بِسَبَبِ الْوَلَاءِ وَلَوْ قِيلَ بِذَلِكَ لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الِابْنِ عَلَيْهِ فَيُؤَدِّي إثْبَاتُهُ إلَى نَفْيِهِ وَلَا وَجْهَ عِنْدِي غَيْرُ مَا ذَكَرْته أَنَّهُ

стр. 760

يُزَوِّجُهَا بِإِذْنِهَا وَإِذْنِ مُعْتِقَتِهَا، وَيَقْرُبُ مِنْهُ كَوْنُ الْحَاكِمِ يُزَوِّجُ وَهُوَ قَرِيبٌ لِامْتِنَاعِ تَصَرُّفِ الْمَرْأَةِ فَهِيَ كَمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَامْتَنَعَ مِنْهُ. وَعَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِاشْتِرَاطِ إذْنِهَا كَمَا قِيلَ بِهِ لِوَلِيِّهَا وَيَحْتَمِلُ الْمَنْعُ وَتُجْعَلُ كَالْغَائِبَةِ. وَقَدْ تَبَيَّنَّ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا تُلْزِمُ الْقَاضِي عَلَى خُصُوصِ بَحْثِهِ بَلْ إنْ لَزِمَتْ تَلْزَمُنَا أَوْ تَلْزَمُهُ وَجَوَابُهَا لَيْسَ مَا ذَكَرَهُ بَلْ هُوَ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ أَمَةً فَمَاتَ الْمُعْتِقُ وَخَلَّفَ ابْنًا صَغِيرًا وَلِلِابْنِ الصَّغِيرِ جَدٌّ قَالَ لِلْجَدِّ أَنْ يُزَوِّجَ الْمُعْتَقَةَ هَكَذَا رَأَيْته فِي التَّعْلِيقَةِ وَقَوْلُهُ: قَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُزِيلَ الْمُلْزِمَ لِلْقَاضِي أَوْ الْقَاضِي نَفْسَهُ وَنَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ النَّصِّ مُدْرَجًا فِي كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فَإِنْ كَانَ مُسْتَنَدُهُ هَذَا الْكَلَامُ وَأَنَّهُ فَهِمَ عَوْدَ الضَّمِيرِ فِي قَالَ عَلَى الشَّافِعِيِّ فَهُوَ مُنَازَعٌ فِيهِ، وَاَلَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَدَّ يُزَوِّجُ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَالْقَلْعِيِّ فِي الْمِيرَاثِ. فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا نَصًّا عَنْ الشَّافِعِيِّ فَهُوَ قَوْلٌ يَعْضِدُ الْقَاضِيَ حُسَيْنٌ فِي كَوْنِ الْوَلَاءِ لَا يَنْتَقِلُ إلَّا مُتَرَتِّبًا وَلَا يَنْتَشِرُ فَلِيَكُنْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ مَنْقُولٌ وَجْهًا أَوْ قَوْلًا أَنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُ الْجَدَّ وَمَأْخَذُهُ أَنَّ الْوَلَاءَ لِلصَّغِيرِ خَاصَّةً. (وَالثَّانِي) وَلَيْسَ بِمَنْقُولٍ وَلَكِنَّهُ قِيَاسُ الْمَنْقُولِ الصَّحِيحِ فِي غَيْرِهَا أَنَّ الْجَدَّ يُزَوِّجُ وَلَكِنْ هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ الْمَسْأَلَةَ غَيْرَ مَنْقُولَةٍ فَقَالَ: إنْ أَعْتَقَ رَجُلٌ أَمَةً وَمَاتَ وَخَلَّفَ ابْنًا صَغِيرًا وَأَخًا لِأَبٍ وَأَرَادَتْ الْجَارِيَةُ النِّكَاحَ وَلَا مُنَاسِبَ لَهَا فَلَا أَعْلَمُ فِيهَا نَصًّا. وَاَلَّذِي يَقْتَضِي الْمَذْهَبَ أَنَّ وِلَايَةَ نِكَاحِهَا لِأَخِي الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ فِي الْوَلَاءِ فَرْعٌ عَلَى وِلَايَةِ النَّسَبِ وَوِلَايَةُ ابْنَةِ الْمَيِّتِ لِأَخِيهِ مَا دَامَ الِابْنُ صَغِيرًا فَكَذَلِكَ وِلَايَةُ الْمُعْتَقَةِ. وَقَوْلُهُ: مَا الْفَرْقُ إلَى آخِرِهِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا نَصَّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى كَمَا فَهِمْنَاهُ. وَقَوْلُهُ فِي الْفَرْقِ إلَى آخِرِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ ذَكَرَهُ عَنْ الْقَفَّالِ وَلَمْ أَرَ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي عِنْدِي مِنْ التَّعْلِيقَةِ لِلْقَفَّالِ ذِكْرًا وَأَيًّا مَا كَانَ فَالْفَرْقُ الْمَذْكُورُ لَاغٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ: جُعِلَتْ كَالْمَعْدُومَةِ إنْ أَرَادَ بِالنِّسْبَةِ إلَى وِلَايَةِ النِّكَاحِ خَاصَّةً، وَرَدَ عَلَيْهِ إثْبَاتُ الْوِلَايَةِ بِدُونِ الْوَلَاءِ وَهُوَ مُنَاقِضٌ قَوْلَهُ أَوَّلًا بِسَبَبِ الْوَلَاءِ. فَإِنْ قَالَ: إنَّهُ كَتَزْوِيجِ الْأَبِ مَمْلُوكَةَ ابْنِهِ فَهُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ وَيُسْتَغْنَى

стр. 761

بِهِ عَنْ الْفَرْقِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا تُجْعَلُ كَالْمَعْدُومَةِ مُطْلَقًا لَزِمَهُ أَنْ تُنْقَلَ الْوِلَايَةُ إلَى الِابْنِ فَإِنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَبِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ حَيْثُ يَكُونُ لَهَا أَبٌ وَلَا ابْنَ لَهَا حَتَّى لَوْ كَانَ لَهَا ابْنٌ لَقَالَ بِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ لَكِنَّهُ وَجْهٌ ضَعِيفٌ فِي النَّقْلِ كَمَا مَرَّ. هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى كَلَامِ الْقَاضِي. وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ اخْتِيَارَهُ كُلَّهُ مُخَالِفٌ لِلصَّحِيحِ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَك ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الْأَصْحَابَ فِي بَابِ الْعَاقِلَةِ تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ فِي بَابِ عَقْلِ الْمَوْلَى وَلَا يَعْقِلُ الْمَوَالِي الْمُعْتِقُونَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْمَوَالِي الْمُعْتَقِينَ وَلَهُ قَرَابَةٌ تَحْمِلُ الْعَقْلَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضٍ حَمَلَ الْمُوَالِي الْمُعْتِقُونَ الْبَاقِيَ فَإِنْ عَجَزُوا عَنْ بَعْضٍ وَلَهُمْ عَوَاقِلُ عَقَلَهُ عَوَاقِلُهُمْ فَإِنْ عَجَزُوا وَلَا عَوَاقِلَ لَهُمْ عَقَلَ مَا بَقِيَ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَوْلَى الْمُعْتِقَ يَعْقِلُ عَنْ الْمُعْتَقِ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُهُ بِالتَّعْصِيبِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَعْقِلُ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ الْمُنَاسِبِينَ فَيُقَسَّمُ أَوَّلًا عَلَى الْإِخْوَةِ ثُمَّ بَنِيهِمْ ثُمَّ الْأَعْمَامِ ثُمَّ بَنِيهِمْ فَإِذَا فَضَلَ فَضْلَةٌ قُسِّمَتْ عَلَى الْمَوَالِي الْمُعْتَقِينَ فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ قُسِّمَ عَلَى مَوْلَى الْمَوْلَى ثُمَّ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ حَسَبَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمِيرَاثِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَيْضًا عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَرَأَيْته فِي الْعُمَدِ لِلْفُورَانِيِّ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُعْتِقُ حَيًّا أَوْ عَجَزَ فَعَصَبَتُهُ. وَفِي التَّتِمَّةِ فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْعِرَاقِيِّينَ وَبَعْضُ الْمَرَاوِزَةِ وَنَصَّ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ عَصَبَةَ الْمَوْلَى يَتَحَمَّلُونَ الْعَقْلَ مَعَ وُجُودِهِ وَهَذَا أَدُلُّ دَلِيلٍ عَلَى ثُبُوتِهِ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَرِثُونَ وَيَكُونُ لَهُمْ وِلَايَةُ التَّزْوِيجِ إذَا قَامَ بِالْمُعْتِقِ مَانِعٌ كَمَا يَعْقِلُونَ مَا فَضَلَ عَنْهُ. نَعَمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ حَكَى عَنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُمْ قَيَّدُوا الضَّرْبَ عَلَى عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ بِمَوْتِ الْمُعْتِقِ قَالَ: وَهَذَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ الْعَصَبَاتِ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْوَلَاءِ وَلَا حَقَّ فِي الْوَلَاءِ فَيَقَعُونَ مِنْ الْمُعْتِقِ فِي حَيَاتِهِ مَوْقِعَ الْأَجَانِبِ فَإِذَا مَاتَ وَرِثُوا بِالْوَلَاءِ وَصَارَ لُحْمَةً كَلُحْمَةِ النَّسَبِ فَإِذْ ذَاكَ يُضْرَبُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَتَّجِهُ إلَّا هَذَا. وَالْأُصُولُ وَإِنْ كَانَتْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُوَرَّثُ بَلْ يُورَثُ بِهِ فَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الْأَمْلَاكِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الِاخْتِصَاصُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْتِقِ. نَعَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعْتِقًا وَضَرَبْنَا عَلَى عَصَبَاتِهِ فَهَلْ يُتَخَصَّصُ الضَّرْبُ بِالْأَقْرَبِينَ أَوْ يَتَعَدَّاهُمْ إلَى الْأَبَاعِدِ لَصُنِعْنَا فِي عَصَبَاتِ النَّسَبِ فِيهِ تَرَدُّدٌ ظَاهِرٌ يَجُوزُ

стр. 762

أَنْ يُقَالَ: يَسْتَوْعِبُونَ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِتَخْصِيصِ الْأَقْرَبِينَ وَالْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ أَوْضَحُ. انْتَهَى. وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ وَهِيَ نَزْعَةٌ مِمَّا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَيْضًا وَلَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِ وَاَلَّذِي يُنَاسِبُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ خِلَافُهُ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ وَبَعْدَهُ يَضْرِبُ عَلَى الْجَمِيعِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْإِمَامِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ لِعَصَبَاتِهِ فَإِذَا مَاتَ انْتَقَلَ إلَى أَقْرَبِهِمْ وَيَخْتَصُّ بِهِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ فَلَا يُضْرَبُ عَلَى الْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ يَنْبَغِي أَنْ تَأْتِيَ فِي التَّزْوِيجِ وَالْمِيرَاثِ وَلَا يَخْفَى تَرْتِيبُهَا. وَالرَّافِعِيُّ وَافَقَ الْإِمَامَ فِي الْعَاقِلَةِ فَلَمْ يَذْكُرْ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ مِنْهَا وَقِيَاسُ مَا قَالَهُ فِي الْمِيرَاثِ وَالتَّزْوِيجِ أَنْ يَطْرُدَهُ فِي الْعَاقِلَةِ وَيَكُونَ عِنْدَهُ هُوَ الْأَصَحُّ أَوْ الْمَجْزُومُ وَقِيَاسُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ هُنَا أَنْ يُطْرِدَهُ فِي الْمِيرَاثِ وَالتَّزْوِيجِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي. وَتَلَخَّصَ لَنَا طَرْدُ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ فِي الْمَوَاضِعِ فِي بَعْضِهَا نَقْلًا وَفِي بَعْضِهَا تَخْرِيجًا وَيَكْفِي نَصُّ الْمُخْتَصَرِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ فِي الْعَاقِلَةِ فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ النَّصُّ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ كَانَ قَوْلًا بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ وَإِلَّا كَانَ وَجْهَانِ وَالْأَصَحُّ مِنْهُمَا الْمَنْصُوصُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْعَاقِلَةِ. ﴿فَائِدَةٌ﴾ عَرَفْت أَنَّ الْوَلَاءَ يَدُورُ عَلَى مَحْضِ الْعُصُوبَةِ وَكُلُّ مَنْ يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ نُسَمِّيهِ عَصَبَةً وَكَأَنَّا فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ خَالَفْنَا بَابَ الْفَرَائِضِ قَلِيلًا فَإِنَّ فِي الْفَرَائِضِ قُلْنَا: الْعَصَبَةُ كُلُّ ذَكَرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ أُنْثَى، وَالسَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ أَنَّهُ مِنْ الْأَقَارِبِ. وَفِي الْعَاقِلَةِ أَطْلَقَ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ الْعَصَبَةَ وَأَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْمُعْتِقَ، أَلَا تَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ الْمُعْتِقَ مِنْ أَعْلَى وَإِنَّمَا ذَكَر الْخِلَافَ فِي الْمُعْتِقَ مِنْ أَسْفَلِ وَأَيْضًا سَمَّى الْمَرْأَةَ الْمُعْتِقَةَ هُنَا عَصَبَةً وَفِي الْفَرَائِضِ لَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ مُنْفَرِدَةً بِالْعُصُوبَةِ بِحَالٍ أَعْنِي لِجِهَةِ الْقَرَابَةِ. وَمِنْ قَوَاعِدِ التَّعْصِيبِ أَنَّ قُرْبَ الْجِهَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقُرْبِ إلَى الْمَيِّتِ فَيُقَدَّمُ ابْنُ ابْنِ الْأَخِ عَلَى ابْن الْعَمِّ؛ لِأَنَّ جِهَةَ الْأُخُوَّةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى جِهَةِ الْعُمُومَةِ، وَإِذَا قَدَّمَنَا جِهَةَ الْأُبُوَّةِ إلَى آخِرِهَا عَلَى الْأُخُوَّةِ وَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْجُدُودَةِ جِهَةً مُسْتَقِلَّةً عَنْ جِهَةِ الْأُبُوَّةِ، إذَا عَرَفْت هَذَا فَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ إلَّا فِي مَسَائِلَ: الْأُولَى: أَنَّ ابْنَ الْمُعْتِقِ وَأَخَاهُ لَا يُعَصِّبَانِ بِنْتَ الْمُعْتِقِ وَأُخْتَهُ، الثَّانِيَةُ: إذَا كَانَ لِلْمُعْتَقِ جَدٌّ وَأَخٌ فَالْأَصَحُّ اسْتِوَاؤُهُمَا كَالنَّسَبِ، وَالثَّانِي الْأَخُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ أَقْوَى وَهُوَ يُدْلِي

стр. 763

بِهَا. وَإِنَّمَا تَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ فِي النَّسَبِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْأَخَ لَا يَحْجُبُ الْجَدَّ، الثَّالِثَةُ أَنَّ الْجَدَّ وَإِنْ عَلَا أَوْلَى مِنْ ابْنِ الْأَخِ فِي النَّسَبِ. وَفِي الْوَلَاءِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا اسْتِوَاؤُهُمَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَخَ أَوْلَى، الرَّابِعَةُ فِي النَّسَبِ أَبُو الْجَدِّ أَوْلَى مِنْ الْعَمِّ وَهُنَا قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا اسْتِوَاؤُهُمَا وَالثَّانِي الْعَمُّ أَوْلَى وَلَا يَخْتَلِفُ الْقَوْلَانِ فِي أَنَّ جَدَّ الْمُعْتِقِ أَوْلَى مِنْ عَمِّهِ كَمَا فِي النَّسَبِ وَفِي الْجَدِّ مَعَ عَمِّ الْأَبِ قَوْلَانِ، الْخَامِسَةُ فِي النَّسَبِ الْجَدُّ يُقَاسِمُ الْإِخْوَةَ مَا دَامَتْ الْمُقَاسَمَةُ خَيْرًا لَهُ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ خَيْرًا أَخَذَ الثُّلُثَ وَفِي الْوَلَاءِ يَقْتَسِمَانِ أَبَدًا، السَّادِسَةُ الْأُخُوَّةُ لَا يُعَادُونَ فِي الْوَلَاءِ بَلْ إنْ كَانَ لِلْمُعْتِقِ جَدٌّ وَأَخٌ شَقِيقٌ وَأَخٌ لِأَبٍ فَالْأَخُ لِلْأَبِ كَالْمَعْدُومِ وَالْمَالُ بَيْنَ الشَّقِيقِ وَالْجَدِّ عَلَى الْأَصَحِّ وَعَلَى الثَّانِي كَانَ لِلشَّقِيقِ وَكَذَا إنْ كَانَ لِلْمُعْتِقِ أَبُ جَدٍّ وَعَمَّانِ أَحَدُهُمَا لِأَبٍ وَأُمٍّ وَالثَّانِي لِأَبٍ فَالْمَالُ بَيْنَ أَبِ الْجَدِّ وَالْعَمِّ لِلْأَبِ وَالْأُمُّ نِصْفَانِ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَعَلَى الثَّانِي كُلِّهِ لِلْعَمِّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، السَّابِعَةُ إذَا كَانَ فِي النَّسَبِ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ فَلَهُ السُّدُسُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا، وَإِذَا كَانَ لِلْمُعْتِقِ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْمَالَ كُلُّهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ فِي الْوَلَاءِ الْفَرْضَ فَرَجَحَ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ. هَذَا هُوَ أَصَحُّ الطَّرِيقَيْنِ. ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ السَّبْعَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهَا أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْوَلَاءِ لَا تَنْفَرِدُ بِالْعُصُوبَةِ إذَا كَانَتْ مُعْتِقَةً وَفِي النَّسَبِ لَا تَنْفَرِدُ بِالْعُصُوبَةِ وَإِنَّمَا تَكُونُ عَصَبَةً بِغَيْرِهَا أَوْ مَعَ غَيْرِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَائِدَةٌ أُخْرَى) قَالَ الرَّافِعِيُّ لِلْأَصْحَابِ عِبَارَةً حَائِطَةً بِمَنْ يَرِثُ لِوَلَاءِ الْمُعْتِقِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُعْتِقَ وَهِيَ أَنَّهُ يَرِثُ الْعَتِيقَ بِوَلَاءِ الْمُعْتِقِ ذَكَرٌ يَكُونُ عَصَبَةً لِلْمُعْتِقِ لَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ يَوْمَ مَوْتِ الْعَتِيقِ بِصِفَةِ الْعَتِيقِ، وَخَرَّجُوا عَلَيْهَا مَسَائِلَ: مِنْهَا أَنَّهُ لَا يَرِثُ النِّسَاءُ بِوَلَاءِ الْمُعْتِقِ إلَّا إذَا أَعْتَقْنَ وَمِنْهَا أَنَّ ابْنَ الْمَوْلَى يُقَدَّمُ عَلَى ابْنِ ابْنِ الْمَوْلَى، وَمِنْهَا لَوْ أَعْتَقَ مُسْلِمٌ كَافِرًا وَمَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ فَمِيرَاثُهُ لِلِابْنِ الْمُسْلِمِ وَلَوْ أَسْلَمَ الِابْنُ الْكَافِرُ ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ مُسْلِمًا فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا ذَكَرَهُ فِي التَّهْذِيبِ. قُلْت: وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ ذَكَرَهَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ قَالَ: وَقَوْلُنَا بِصِفَتِهِ احْتِرَازٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَذَكَرَ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مُسْلِمًا وَلَهُ ابْنَانِ مُسْلِمٌ

стр. 764

وَنَصْرَانِيٌّ فَمَاتَ الْعَتِيقُ وَالْمُعْتِقُ مَيِّتٌ فَإِنَّ مِيرَاثَهُ لِابْنِهِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتِقَ لَوْ مَاتَ يَوْمَ مَوْتِ الْعَتِيقِ بِصِفَتِهِ وَكَانَ مُسْلِمًا فَإِنَّ الِابْنَ الْمُسْلِمَ يَكُونُ عَصَبَتُهُ، وَلَوْ أَسْلَمَ الِابْنُ الْآخَرُ ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ فَإِنَّ مِيرَاثَهُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا عَصَبَةٌ لَهُ، وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمًا يَوْمَ مَوْتِ الْعَتِيقِ. انْتَهَى. وَعِنْدِي لَا حَاجَةَ إلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَالْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ الْمُعَقَّدَةِ الَّتِي لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهَا إلَّا بِعُسْرٍ فَإِنَّا إذَا قُلْنَا: يَرِثُ الْعَتِيقَ أَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ إلَى الْمُعْتِقِ حَصَلَ الْغَرَضُ وَشَرْطٌ اتِّفَاقُ دِينِ الْوَارِثِ وَالْمَوْرُوثِ عَنْهُ مَعْرُوفٌ مِنْ قَوْلِنَا: لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ. وَبِهَذَا يَتَخَرَّجُ وَتَصِحُّ جَمِيعُ الْمَسَائِلِ فَإِنَّ ابْنَ الْمَوْلَى أَقْرَبُ مِنْ ابْنِ ابْنِ الْمَوْلَى فَقَدْ قَدَّمْنَاهُ بِالْقُرْبِ وَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَالْمُسْلِمُ مِنْ الِاثْنَيْنِ يَنْفَرِدُ بِالْمِيرَاثِ عَنْ أَخِيهِ الْكَافِرِ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي الْقُرْبِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَارِثٍ، وَإِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ الْعَتِيقِ وَرِثَاهُ لِاسْتِوَائِهِمَا وَوُجُودِ شَرْطِ الْوِرَاثَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى دِينِ الْمُعْتِقِ الْمَيِّتِ وَكَوْنِ هَؤُلَاءِ وَارِثِينَ لَهُ الْآنَ أَوْ لَا وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَيْهِمَا مَعَ الْعَتِيقِ الْمَيِّتِ الَّذِي يَتَلَقَّيَانِ الْإِرْثَ عَنْهُ فَنَقُولُ: أَحَدُهُمَا ابْنُ مَوْلَاهُ وَالْآخَرُ ابْنُ ابْنِ مَوْلَاهُ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَيْهِ، وَفِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى هُمَا سَوَاءٌ وَأَحَدُهُمَا مُخَالِفٌ لَهُ فِي الدِّينِ فَلَا يَرِثُهُ وَيَنْفَرِدُ الْآخَرُ بِمِيرَاثِهِ فَأَيُّ ضَرُورَةٍ إلَى التَّعْقِيدِ بِعِبَارَةٍ لَا فَائِدَةَ فِيهَا ثُمَّ إنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ اسْمَ الْعَصَبَةِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَرِثْ فَكَانَ تَحْرِيرُ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ ذِكْرَ لَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ يَوْمَ مَوْتِ الْعَتِيقِ لَوَرِثَهُ ابْنُهُ هَذَا الْقَاتِلُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إرْثِهِ لِأَبِيهِ وَهُوَ عَصَبَةٌ لَهُ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ إرْثُهُ مِنْ الْعَتِيقِ بِقَتْلِهِ لَهُ فَالْوَجْهُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ. [الْفَصْلُ الرَّابِع وَالْخَامِس ابْن الْمُعْتِقِ يَرِثُ بِالْوَلَاءِ فَإِن كَانَ للمعتق أب وإبن] الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي أَنَّ ابْنَ الْمُعْتِقِ يَرِثُ بِالْوَلَاءِ رَجُلًا كَانَ الْمُعْتِقُ أَوْ امْرَأَةً وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا إلَّا أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ قَالَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ امْرَأَةً وَلَمْ يَكُنْ وَلَدُهَا ابْنَ ابْنِ عَمِّهَا وَنَحْوَهُ: إنَّهُ لَا يَرِثُ بِالْوَلَاءِ كَمُضَرِيَّةٍ تَتَزَوَّجُ تَمِيمِيًّا فَابْنُهَا يُسَمَّى لَا مُضَرِيَّ وَعَتِيقُهَا مُضَرِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَوْلَاةُ بَنِي مُضَرَ وَلَا يُقَالُ مَوْلَاةُ بَنِي تَمِيمٍ فَكَذَلِكَ إذَا مَاتَتْ الْعَتِيقَةُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَرِثُهَا ابْنُ مُعْتِقِهَا وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَوَالِيهَا وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَرْدُودٌ بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ يَعْلَى بْنَ حَمْزَةَ وَرِثَ مِنْ عَتِيقَةِ أُمِّهِ وَهُوَ هَاشِمِيٌّ وَأُمُّهُ

стр. 765

خَثْعَمِيَّةٌ فَعَلِمْنَا أَنَّ هَذَا الْبَابَ إنَّمَا يَدُورُ عَلَى عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ وَابْنُ الْمُعْتِقِ أَقْرَبُ عَصَبَاتِهَا فَوَرِثَ. وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ثنا عُبَيْدَةُ الضَّبِّيُّ قَالَ: وَثَنَا هِشَامٌ ثنا الْبُنَانِيُّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُمَرَ قَالَ: قَضَى بِوَلَاءِ مَوَالِي صَفِيَّةَ لِلزُّبَيْرِ دُونَ الْعَبَّاسِ وَقَضَى فِي مَوَالِي أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ لِابْنِهَا جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ دُونَ عَلِيٍّ. وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ «أَنَّ امْرَأَةً أَعْتَقَتْ عَبْدًا ثُمَّ تُوُفِّيَتْ وَتَرَكَتْ ابْنًا وَأَخًا ثُمَّ تُوُفِّيَ مَوْلَاهَا فَأَتَى أَخُو الْمَرْأَةِ وَابْنُهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مِيرَاثِهِ فَقَالَ ﷺ مِيرَاثُهُ لِابْنِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَرَّ جَرِيرَةً كَانَتْ عَلَيَّ وَيَكُونُ لَهُ مِيرَاثُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ» . وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ «الْمَوْلَى أَخٌ فِي الدِّينِ وَنِعْمَةٌ وَيَرِثُهُ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُعْتِقِ» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ أَخَاهَا وَابْنَ أَخِيهَا أَنَّ مِيرَاثَ مَوَالِيهَا لِأَخِيهَا أَوْ ابْنِ أَخِيهَا دُونَ أَبِيهَا. وَرُوِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ إلَى مِثْلِ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ. (الْفَصْلُ الْخَامِسُ) إذَا ثَبَتَ إرْثُ الِابْنِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ فَكَانَ لِلْمُعْتِقِ أَبٌ وَابْنٌ فَعِنْدَنَا الْمَالُ كُلُّهُ لِلِابْنِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ يَدُورُ عَلَى مَحْضِ الْعُصُوبَةِ، وَالْأَبُ مَعَ الِابْنِ لَيْسَ عَصَبَةً وَإِنَّمَا يَرِثُ بِالْفَرْضِ فَكَيْفَ يَأْخُذُ بِالْوَلَاءِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَقَتَادَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لِلْأَبِ السُّدُسُ وَالْبَاقِي لِلِابْنِ. وَبِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو يُوسُفَ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَلَوِيَّةَ عَنْ شُرَيْحٍ أَيْضًا وَقَالَ: هَؤُلَاءِ فِي الْجَدِّ مَعَ الِابْنِ كَمَا قَالُوا فِي الْأَبِ مَعَ الِابْنِ. [الْفَصْلُ السَّادِسُ خَلَّفَ الْعَتِيقُ بِنْتَ الْمُعْتِقِ وَعَصَبَةَ الْمُعْتِقِ] الْفَصْلُ السَّادِسُ خَرَجَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الرِّوَايَةِ الضَّعِيفَةِ فِي تَوْرِيثِ بِنْتِ الْمُعْتِقِ أَنَّهُ لَوْ خَلَّفَ الْعَتِيقُ بِنْتَ الْمُعْتِقِ وَعَصَبَةَ الْمُعْتِقِ كَأَخِيهِ وَعَمِّهِ فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لَلْعَصَبَةِ فَسَلَكُوا بِهَا مَسْلَك الْفُرُوضِ. وَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَوْ خَلَّفَ أُخْتَ مُعْتِقِهِ وَأُمَّهُ فَلَا شَيْءَ لَهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا تِلْكَ الرِّوَايَةُ فِي الْبِنْتِ خَاصَّةً لِقَضِيَّةِ بِنْتِ حَمْزَةَ ﵂. (الْفَصْلُ السَّابِعُ) وَبِهِ نَخْتِمُ الْكَلَامَ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى الْإِحَاطَةِ بِأَحْكَامِ الْوَلَاءِ فِي هَذَا التَّصْنِيفِ وَهِيَ مَبْسُوطَةٌ مُقَرَّرَةٌ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي كِتَابِ

стр. 766

الْوَلَاءِ وَالْفَرَائِضِ وَالنِّكَاحِ وَالْعَاقِلَةِ وَإِنَّمَا كَانَ غَرَضُنَا هُنَا بَيَانُ مَا قِيلَ فِي إرْثِ النِّسَاءِ بِالْوَلَاءِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُنَّ لَا يَرِثْنَ، وَقَدْ ادَّعَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَرَادُوا بِهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ قَالُوهُ وَلَمْ يُخَالِفْ الْبَاقُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ فَلَا مُبَالَاةَ بِخِلَافِ طَاوُسٍ وَشُرَيْحٍ وَفِي ذَلِكَ مَا عُرِفَ فِي الْإِجْمَاعِ الشَّكُولِيِّ لَكِنَّهُ قَدْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ فَاتَّضَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى عَدَمُ إرْثِ النِّسَاءِ بِالْوَلَاءِ إلَّا بِالْإِعْتَاقِ بَانَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا مَالُ الْعَتِيقِ الْمَيِّتِ كُلُّهُ لِابْنِ الْمَوْلَى وَلَا شَيْءَ لِلْبِنْتِ مِنْهُ، وَانْجَرَّ بِنَا الْكَلَامُ إلَى أَنَّ الْوَلَاءَ هَلْ يَثْبُتُ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ لِعَصَبَتِهِ أَمْ لَا وَفُرُوعِهَا فَإِنَّهُ اتَّفَقَ فِي هَذَا الْوَقْتِ السُّؤَالُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَمْ نَجِدْ الْمَسْأَلَةَ مُحَرَّرَةً فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا فَأَحْبَبْت أَنْ أُودِعَ هَذَا التَّصْنِيفَ تَحْرِيرَهَا وَضَبْطَ مَا انْتَشَرَ وَاضْطَرَبَ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَقَدْ نَجَزْت بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَانَتْ زُبْدَةُ هَذَا التَّصْنِيفِ اللَّطِيفِ شَيْئَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) تَحْرِيرُ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ مِيرَاثِ بِنْتِ الْمُعْتِقِ. (وَالثَّانِي) أَنَّ أَحْكَامَ الْوَلَاءِ يَثْبُتُ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ لِعَصَبَتِهِ إذَا قَامَ بِهِ مَانِعٌ يُخِلُّ بِأَهْلِيَّتِهِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِيمَا سَبَقَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَفَرَغْت مِنْ تَصْنِيفِهِ عِنْدَ أَذَانِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَجْعَلُهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ مُوجِبًا لِلْفَوْزِ لَدَيْهِ نَافِعًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَنْ يَخْتِمَ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَأَوْلَادِنَا بِخَيْرٍ فِي عَافِيَةٍ بِلَا مِحْنَةٍ بِمَنِّهِ وَكَرْمِهِ، كَتَبَ مُصَنَّفَهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي بْنِ عَلِيِّ بْنِ تَمَّامٍ السُّبْكِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلَى يَوْمِ الدَّيْنِ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. (مَسْأَلَةٌ) شِعْرٌ مِنْ جُمْلَتِهِ: إذَا مَا اشْتَرَتْ بِنْتٌ مَعَ ابْنٍ أَبَاهُمَا ... وَصَارَ لَهُ بَعْدَ الْعَتَاقِ مَوَالِي وَأَعْتَقَهُمْ ثُمَّ الْمُنْيَةُ عَجَّلَتْ ... عَلَيْهِ وَمَاتُوا بَعْدَهُ بِلِيَالِ وَقَدْ خَلَّفُوا مَالًا فَمَا حُكْمُ مَالِهِمْ ... هَلْ الِابْنُ يَحْوِيه وَلَيْسَ يُبَالِي أَمْ الْأُخْتُ تَبْقَى مَعَ أَخِيهَا شَرِيكَةً ... وَهَذَا مِنْ الْمَذْكُورِ جُلُّ سُؤَالِي

стр. 767

أَجَابَ ﵁: لِلِابْنِ جَمِيعُ الْمَالِ إذْ هُوَ عَاصِبٌ ... وَلَيْسَ لِفَرْضِ الْبِنْتِ إرْثُ مُوَالِي وَإِعْتَاقُهَا يُدْلِي بِهِ بَعْدَ عَاصِبٍ ... كَذَا حُجِبَتْ فَافْهَمْ هُدِيت مَقَالِي وَقَدْ غَلِطَتْ فِيهِ طَوَائِفُ أَرْبَعٌ ... مُيُونُ قُضَاةٍ مَا وَعُوهُ بِبَالِ (مَسْأَلَةٌ) إذَا مَاتَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ وَمَالُهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ هَلْ يَكُونُ مَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي بَلَدِهِ أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي بَلَدِ الْمَالِ أَوْ لِلْجَمِيعِ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا وَالِاحْتِمَالَاتُ الثَّلَاثَةُ لِكُلٍّ مِنْهَا وَجْهٌ وَأَظْهَرُهَا الثَّالِثُ، وَعَلَى هَذَا هَلْ التَّصَرُّفُ فِيهِ لِحَاكِمِ بَلَدِ الْمَالِ أَوْ لِحَاكِمِ بَلَدِ الْمَيِّتِ أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. أَمَّا الثَّالِثُ فَبَعِيدٌ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّنَازُعِ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ مِنْ الثَّانِي مِنْ وَجْهٍ وَالثَّانِي أَقْرَبُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَلِيُنْظَرْ فِي ذَلِكَ فَإِنِّي لَمْ أُمْعِنْ النَّظَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا كَشَفْت عَنْهُ هَلْ هُوَ مَنْقُولٌ أَوْ لَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) سُئِلَ عَنْهَا الْجُنَابُ الْبَدْرِيُّ بَكْتُوتُ الْعَلَائِيُّ وَخَلَّفَ مِنْ الْوَرَثَةِ سِتَّةَ أَوْلَادٍ: ذُكُورٌ خَمْسَةٌ أُنْثَى وَاحِدَةٌ فَاطِمَةُ أَحْمَدُ مُحَمَّدُ شَقِيقَانِ، أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ يُوسُفُ كُلُّهُمْ لِأَبٍ تُوُفِّيَ أَحْمَدُ وَوَرِثَهُ شَقِيقُهُ مُحَمَّدٌ، تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَوَرِثَهُ إخْوَتُهُ الْبَاقُونَ مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ وَيُوسُفُ وَفَاطِمَةُ، وَتُوُفِّيَ عَلِيٌّ وَوَرِثَهُ وَلَدَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو بَكْرٍ وَوَالِدَتُهُ تُوُفِّيَ مُحَمَّدٌ وَوَرِثَهُ ابْنَتَاهُ وَزَوْجَتُهُ وَأَخَوَاهُ يُوسُفُ وَفَاطِمَةُ. (أَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَصِحُّ الْمَسَائِلُ الْخَمْسُ مِنْ أَلْفٍ وَثَلَثِمِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَثَمَانِينَ كُلُّ قِيرَاطٍ سَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ وَنِصْفٌ وَرُبُعٌ لِيُوسُفَ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَهِيَ سِتَّةُ قَرَارِيطَ وَسِتُّ أَسْبَاعِ قِيرَاطٍ وَثُلُثَا سُبُعِ قِيرَاطٍ وَعَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ ثُلُثِ سُبُعِ قِيرَاطٍ، وَلَفَاطِمَةَ مِائَتَانِ وَاثْنَانِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ قَرَارِيطَ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ قِيرَاطٍ وَثُلُثُ سُبُعِ قِيرَاطٍ، وَخَمْسَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ الْأَجْزَاءِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِأَحْمَدَ بْنَ عَلِيٍّ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ وَهِيَ قِيرَاطَانِ وَسُبُعَا قِيرَاطٍ وَثُلُثُ سُبُعِ قِيرَاطٍ وَجُزْءٌ مِنْ الْأَجْزَاءِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِأَبِي بَكْرٍ ابْنِ عَلِيٍّ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ وَهِيَ مِثْلُهَا، وَلِأُمِّ عَلِيٍّ أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ وَهِيَ سِتَّةُ أَسْبَاعِ قِيرَاطٍ وَثُلُثُ سُبُعِ قِيرَاطٍ وَسَبْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ الْأَجْزَاءِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِبِنْتَيْ مُحَمَّدٍ ثَلَثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِائَةٌ وَاثْنَانِ وَتِسْعُونَ وَهِيَ ثَلَاثَةُ قَرَارِيطَ وَسُبُعَا قِيرَاطٍ وَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ الْأَجْزَاءِ الْمَذْكُورَةِ، وَلِزَوْجَةِ مُحَمَّدٍ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ وَهِيَ قِيرَاطٌ وَاحِدٌ

стр. 768

وَسُبُعُ قِيرَاطٍ وَثُلُثَا سُبُعِ قِيرَاطٍ وَجُزْءَانِ مِنْ الْأَجْزَاءِ الْمَذْكُورَةِ وَجُمْلَتُهُ أَلْفٌ وَثَلَثُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَثَمَانُونَ وَهُوَ الْعَدَدُ الْمُبَيَّنُ أَعْلَاهُ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْأَمِيرِ بَدْرِ الدَّيْنِ بَكْتُوبٍ وَهِيَ الْأَوْلَى صَحِيحَةٌ مِنْ ١١ أَحْمَدُ ٢، مُحَمَّدٌ ٢، أَبُو بَكْرٍ ٢، عَلِيٌّ ٢، يُوسُفُ ٢، فَاطِمَةُ ١، تُوُفِّيَ أَحْمَدُ وَوَرِثَهُ شَقِيقُهُ مُحَمَّدٌ فَمَسْأَلَتُهُ سَاقِطٌ وَصَارَ نَصِيبُ مُحَمَّدٍ ٤. تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَمَسْأَلَتُهُ مِنْ ٧ وَنَصِيبُهُ ٢ مُنْكَسِرَةٌ عَلَيْهِمْ وَبَيْنَ نَصِيبِهِ وَمَسْأَلَتِهِ مُبَايِنَةٌ فَنَضْرِبُ مَسْأَلَتَهُ وَهِيَ ٧ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهِيَ أَحَدَ عَشْرَ يَكُونُ الْخَارِجُ ٧٧ وَمِنْهَا تَصِحُّ الْمَسْأَلَتَانِ كَانَ لِمُحَمَّدٍ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ٤ مَضْرُوبَةٌ فِي الثَّانِيَةِ وَهِيَ سَبْعَةٌ بِثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ وَلَهُ مِنْ الثَّانِيَةِ ٢ مَضْرُوبَانِ فِي نَصِيبِ مُوَرِّثِهِ وَهُوَ ٢ بِأَرْبَعَةٍ يَجْتَمِعُ لَهُ ٣٢. وَكَانَ لَعَلِيٍّ مِنْ الْأُولَى ٢ مَضْرُوبَانِ فِي الثَّانِيَةِ بِأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَلَهُ مِنْ الثَّانِيَةِ ٢ مَضْرُوبَانِ فِي نَصِيبِ مُوَرِّثِهِ وَهُوَ ٢ بِأَرْبَعَةٍ يَجْتَمِعُ لَهُ ١٨ وَيُوسُفُ مِثْلُهُ وَفَاطِمَةُ نِصْفُهُ فَالْحَاصِلُ مُحَمَّدٌ ٣٢ وَعَلِيٌّ ١٨ وَيُوسُفُ ١٨ وَفَاطِمَةُ ٩ وَجُمْلَتُهَا سَبْعَةٌ وَسَبْعُونَ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ. مَاتَ عَلِيٌّ وَمَسْأَلَتُهُ مِنْ ٩ وَتَصِحُّ مِنْ ١٢ وَنَصِيبُهُ ١٨ تُوَافِقُهَا بِالسُّدُسِ فَنَضْرِبُ سُدُسَ مَسْأَلَتِهِ وَهُوَ ٢ فِي الْأُولَى وَهِيَ ٧٧ تَبْلُغُ ١٥٤ كَانَ لِمُحَمَّدٍ ٣٢ مَضْرُوبَةٌ فِي وَفْقِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ ٢ بِأَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ وَكَانَ لِيُوسُفَ ١٨ مَضْرُوبَةٌ فِي ٢ بِسِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ وَكَانَ لَفَاطِمَةَ ٩ مَضْرُوبَةٌ فِي ٢ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ. وَلَيْسَ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ شَيْءٌ، وَلِأَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ الثَّانِيَةِ ٥ مَضْرُوبَةٌ فِي وَفْقِ نَصِيبِ مُوَرِّثِهِ وَهُوَ ٣ بِخَمْسَةَ عَشَرَ وَلِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ مِثْلُهُ وَلِأُمِّ عَلِيٍّ ٢ مَضْرُوبَانِ فِي ٣ وَلَيْسَ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْأُولَى شَيْءٌ فَالْحَاصِلُ: مُحَمَّدٌ ٦٤ يُوسُفُ ٣٦ فَاطِمَةُ ١٨ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ١٥ أَبُو بَكْرٍ بْنُ عَلِيٍّ ١٥ أُمُّ عَلِيٍّ ٦، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ. مَاتَ مُحَمَّدٌ وَمَسْأَلَتُهُ مِنْ ٢٤ وَتَصِحُّ مِنْ ٧٢ وَنَصِيبُهُ ٦٤ مُوَافِقٌ لِمَسْأَلَتِهِ بِالثُّمُنِ فَنَضْرِبُ ثُمُنَ مَسْأَلَتِهِ وَهُوَ ٩ فِي الْأُولَى وَهِيَ ١٥٤ تَبْلُغُ ١٣٨٦ كَانَ لِيُوسُفَ ٣٦ مَضْرُوبَةٌ فِي وَفْقِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ ٩ تَبْلُغُ ٣٢٤ وَلَهُ مِنْ الثَّانِيَةِ ١٠ مَضْرُوبَةٌ فِي وَفْقِ نَصِيبِ مُورِثِهِ وَهُوَ ٨ تَبْلَعُ ٨٠ جُمْلَةُ مَا لِيُوسُفَ ٤٠٤ وَكَانَ لَفَاطِمَةَ ١٨ مَضْرُوبَةٌ فِي ٩ تَبْلُغ ١٦٢ وَلَهَا مِنْ الثَّانِيَةِ ٥ مَضْرُوبَةٌ فِي ٨ تَبْلُغُ ٤٠ فَجُمْلَةُ مَا

стр. 769

لَفَاطِمَةَ ٢٠٢، وَكَانَ لِأَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ ١٥ مَضْرُوبَةٌ فِي ٩ تَبْلُغُ ١٣٥، وَكَانَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ ١٥ مَضْرُوبَةٌ فِي ٩ تَبْلُغُ ١٣٥ كَانَ لِأُمِّ عَلِيٍّ سِتَّةٌ مَضْرُوبَةٌ فِي ٩ تَبْلُغُ ٥٤ وَلَيْسَ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ شَيْءٌ وَلِبِنْتَيْ مُحَمَّدٍ مِنْ الْأَخِيرَةِ ٤٨ مَضْرُوبَةٌ فِي وَفْقِ نَصِيبِ مُوَرِّثِهِمَا وَهُوَ ٨ تَبْلُغُ ٣٨٤ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ وَلِزَوْجَةِ مُحَمَّدٍ مِنْ الْأَخِيرَةِ ٩ مَضْرُوبَةٌ فِي ٨ تَبْلُغُ ٧٢ وَلَيْسَ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ فَالْحَاصِلُ: يُوسُفُ ٤٠٤ فَاطِمَةُ ٢٠٢ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ١٣٥ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ ١٣٥ أُمُّ عَلِيٍّ ٥٤ بِنْتَا مُحَمَّدٍ ٣٨٤ زَوْجَةُ مُحَمَّدٍ ٧٢ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ١٣٨٦ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ وَأَرَدْنَا بَيَانَهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيُّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا فِي الْعُشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِمَنْزِلِهِ بِالْمُقَطَّمِ ظَاهِرِ الْقَاهِرَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. [كِتَابُ الْوَصَايَا] وَصِيَّةٌ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ صُورَتُهَا أَنَّ امْرَأَةً وَصَّتْ أَنْ يُصْرَفَ لَفُلَانٍ كَذَا وَفُلَانٍ كَذَا وَسَمَّتْ أَشْخَاصًا وَبَقِيَّةُ الثُّلُثِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ثُمَّ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ عَقَارًا فَهَلْ يُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَمْ يَصِيرُ وَقْفًا عَلَيْهِمْ. (الْجَوَابُ) يُبَاعُ مِنْهُ مِقْدَارُ مَا يُحْتَاجُ لِصَرْفِ ثَمَنِهِ فِيمَا وَصَّتْ بِهِ لَفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَبَقِيَّةُ الثُّلُثِ يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ وَصَرْفُ ثَمَنِهِ إلَيْهِمْ وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي بَيْعُهُ بَلْ يُعْطِيهِ لِثَلَاثَةٍ فَصَاعِدًا مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَوْ يُسَلِّمُهُ لِلنَّاظِرِ فِي أَمْرِهِمْ، وَهُوَ الْحَاكِمُ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي غَيْرُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ أَعْطَاهُ لِثَلَاثَةِ فَصَاعِدًا مِنْهُمْ مَلَكُوهُ وَتَصَرَّفُوا فِيهِ؛ لِأَنْفُسِهِمْ بِجَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ وَإِنْ سَلَّمَهُ لِلنَّاظِرِ فِي أَمْرِهِمْ يُخَيِّرُ فِيهِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إمَّا أَنْ يُعْطِيَهُ مِلْكًا لِثَلَاثَةٍ فَصَاعِدًا مِنْهُمْ كَمَا قُلْنَاهُ، وَإِمَّا أَنْ يُبْقِيَهُ وَيَسْتَغِلَّ أُجْرَتَهُ وَيَصْرِفُهَا عَلَيْهِمْ وَيَكُونُ مِلْكًا لَا وَقْفًا وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَهُ بِشَرْطِ رِعَايَةِ الْغِبْطَةِ وَالضَّرُورَةِ كَمَا فِي عَقَارِ الْيَتِيمِ وَيَصْرِفُ ثَمَنَهُ إلَيْهِمْ. هَذَا إذَا كَانَ عَقَارًا كَمَا تَضَمَّنَهُ الِاسْتِفْتَاءُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَقَارًا وَلَكِنْ كَانَ نَخْلًا وَسَوَاقِيَ يَحْتَاجُ دُولَابُهَا إلَى كُلْفَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ

стр. 770

مِنْ لَفْظِهِ أَنَّ الصُّورَةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا كَذَلِكَ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ إلَّا فِي اشْتِرَاطِ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْعَقَارِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ هَاهُنَا بَلْ تُرَاعَى الْمَصْلَحَةُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ أَوْصَى إذَا هُوَ مَاتَ فَالدَّارُ الَّتِي يَسْكُنُهَا تُكْرَى بِسِتَّةَ عَشَرَ كُلِّ شَهْرٍ] (مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ قَالَ: أَوْصَيْت إلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ إذَا أَنَا مِتُّ فَالدَّارُ الَّتِي أَنَا سَاكِنُهَا تُكْرَى بِسِتَّةَ عَشَرَ كُلِّ شَهْرٍ لَا بِأَكْثَرَ وَلَوْ زِيدَ فِي أُجْرَتِهَا عَلَى مَنْ يَسْكُنُهَا فَلَا يَقْبَلْ عَلَيْهِ زِيَادَةً وَيُصْرَفُ مِنْ كِرَائِهَا أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ لِأَجْلِ عِمَارَتِهَا وَالْبَاقِي يُؤْخَذُ كُلُّ اثْنَيْنِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَيُشْتَرَى بِهَا خُبْزٌ وَيُتَصَدَّقُ عَنِّي وَإِنْ كَانَ الْخُبْزُ يَحْصُلُ فِي مُشْتَرَاهُ ضَرَرٌ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ فَيُتَصَدَّقُ بِالدَّرَاهِمِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ مَالِي ثَمَانِيَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَيُبْنَى مِنْهَا تُرْبَةٌ وَيُعْمَلُ فِي قِبْلَتِهَا إيوَانُ قَبْوٍ وَيُحْفَرُ فِي التُّرْبَةِ جُبُّ نَبْعٍ وَصِهْرِيجُ جَمْعٍ وَيُعْمَلُ لَهَا بَابٌ، وَمَهْمَا فَضَلَ مِنْ الدَّرَاهِمِ يُشْتَرَى بِهَا مِلْكٌ وَيُؤْخَذُ مَا يُتَحَصَّلُ مِنْ أُجْرَتِهِ فَيُعْطَى لِسَاكِنِ التُّرْبَةِ مِنْهُ كُلَّ شَهْرٍ خَمْسَةٌ وَخَمْسَةُ دَرَاهِمَ أُخْرَى لِعِمَارَةِ التُّرْبَةِ وَدِرْهَمٍ لِأَجْلِ زَيْتٍ يُوقَدُ قِنْدِيلٌ كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ فَقَطْ وَمَهْمَا فَضَلَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِلْكِ يُعْطَى لِفَرْدٍ مُقْرِئٍ يَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ وَلَيْلَةِ اثْنَيْنِ، وَذَكَرَ سُوَرًا عَدَّدَهَا ثُمَّ قَالَ: وَيُهْدِيهَا لِي وَلِلْمَوْتَى الَّذِينَ فِي التُّرْبَةِ وَلِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . ثُمَّ ذَكَرَ وَصَايَا أُخَرَ ثُمَّ قَالَ: وَيُشْتَرَى لِابْنَةِ وَلَدَيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِتِّ الْوُزَرَاءِ مِلْكٌ بِأَلْفٍ وَتَكُونُ مَنَافِعُهُ لَهَا ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا لِوَلَدِهَا ثُمَّ مِنْ بَعْدِ وَلَدِهَا إلَى وَلَدِ وَلَدِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ عَادَ إلَى نَسْلِي وَإِلَى عَقِبِي وَمِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى التُّرْبَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَجَمِيعُ شَيْءٍ مُنَزَّلٍ فِي حُجَجِي صَحِيحٌ وَقَبَضْته. هَذَا لَفْظُهُ وَكَتَبَهُ بِخَطِّهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ جَمَاعَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ تُوُفِّيَ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ فَمَا حُكْمُ هَذِهِ الدَّارِ هَلْ تَبْقَى مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ وَتُصْرَفُ أُجْرَتُهَا فِي الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَهَا كَمَا أَوْصَى بِمَنَافِعِهَا وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَهَلْ يَلْزَمُ قَوْلُهُ: إنَّهُ لَا تُزَادُ أُجْرَتُهَا عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ دِرْهَمٍ وَلَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ فِي أُجْرَتِهَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَنْ تُكْرَى مِنْهُ أَمْ يَلْغُو وَتُؤَجَّرُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَتْ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُوصِي، وَمَا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ بِبِنَاءِ التُّرْبَةِ وَالْقَبْوِ فِيهَا وَحَفْرِ الْجُبِّ وَالصِّهْرِيجِ هَلْ ذَلِكَ صَحِيحٌ بِحَسَبِ تَنْفِيذِهِ أَمْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا قُرْبَةَ فِيهِ كَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يُبْنَى عَلَى قَبْرِهِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَرْضٍ مُسَبَّلَةٍ فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْبِنَاءِ أَصْلًا فَإِنْ جَوَّزْتُمْ الْبِنَاءَ فِي حَالَةٍ أَوْ لَمْ تُجَوِّزُوهُ فَمَا حُكْمُ هَذَا الْمِلْكِ الَّذِي أَوْصَى بِشِرَائِهِ وَمَا انْصَرَفَ

стр. 771

مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِوَقْفِيَّتِهِ هَلْ يُشْتَرَى وَيُوقَفُ عَلَى مَا ذَكَرَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ تُجَوِّزُوا الْبِنَاءَ وَجَوَّزْتُمْ شِرَاءَ الْمِلْكِ الْمَذْكُورِ فَهَلْ يُشْتَرَى بِالْمَبْلَغِ جَمِيعِهِ مِلْكٌ وَيُوقَفُ وَتَكُونُ مَنَافِعُهَا لِلْجِهَاتِ الْمُعَيَّنَةِ غَيْرِ الْعِمَارَةِ أَمْ يُشْتَرَى بِمِقْدَارِ مَا يَفْضُلُ أَنْ لَوْ حَصَلَتْ عِمَارَةُ التُّرْبَةِ وَتَوَابِعُهَا وَيَكُونُ مَا يُقَابِلُ الْعِمَارَةَ لِلْوَرَثَةِ وَمَنَافِعُهَا لِلْجِهَاتِ الْمُعَيَّنَةِ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِمَنْفَعَةِ دَارِهِ أَبَدًا أَمْ لَا وَمَا حُكْمُ الْمِلْكِ الَّذِي يُشْتَرَى لِبِنْتِ ابْنِهِ الْمَذْكُورَةِ هَلْ يُشْتَرَى وَيُجْعَلُ وَقْفًا عَلَيْهَا وَعَلَى مَنْ بَعْدَهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ بِنَاءً عَلَى الْقَرَائِنِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ الْوَقْفِيَّةِ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ فِيهِ وَمَا حُكْمُ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا نَزَلَ فِي حُجَجِهِ صَحِيحٌ وَأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِمِقْدَارِهِ أَمْ لَا؟ بَيِّنُوا ذَلِكَ وَاضِحًا مُوَجَّهًا أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ. (أَجَابَ) الْحَمْدُ لِلَّهِ أَمَّا الدَّارُ الَّتِي أَوْصَى بِأَنْ تُكْرَى كُلَّ شَهْرٍ بِسِتَّةَ عَشَرَ لَا بِأَكْثَرَ فَالْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ فِيهَا صَحِيحَةٌ وَحَقِيقَتُهَا أَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِسَاكِنِهَا مَنْ كَانَ بِمَا زَادَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهَا عَلَى السِّتَّةَ عَشْرَ وَبِالسِّتَّةِ عَشَرَ لِلْعِمَارَةِ وَالصَّدَقَةِ وَحِصَّةِ الْعِمَارَةِ رَاجِعَةٌ لِلسَّاكِنِ وَالصَّدَقَةُ وَالدَّارُ كُلُّهَا كَالْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا. وَقَوْلُهُ لَا تُزَادُ أُجْرَتُهَا عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ لَازِمٌ الْعَمَلُ بِهِ مَا دَامَ يُوجَدُ مَنْ يَسْكُنُهَا بِذَلِكَ وَلَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ حِينَئِذٍ فَإِنْ بَذَلَ السَّاكِنُ زِيَادَةً وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَسْكُنُهَا غَيْرَهُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ الْوَصِيَّةَ فَيُقْبَلُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إيرَادِ عَقْدٍ عَلَيْهِ وَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمُ بَاقِي الْأُجْرَةِ مِنْ الصَّرْفِ إلَى الْعِمَارَةِ وَالصَّدَقَةِ وَلِإِطْلَاقِهِ قَوْلَهُ وَيُصْرَفُ مِنْ كِرَائِهَا، وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِبِنَاءِ التُّرْبَةِ وَالْقَبْوِ وَحَفْرِ الْجُبِّ وَالصِّهْرِيجِ إذَا كَانَ فِي أَرْضٍ يُمْكِنُ فِيهَا فَصَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ مَنْ يُقِيمُ هُنَاكَ مِنْ قَيِّمٍ وَمُقْرِئٍ وَزَائِرٍ وَغَيْرِهِمْ، وَاَلَّذِي يُمْنَعُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ وَتَقْصِدُ بِهِ تَعْظِيمَ الْقُبُورِ. وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ مُسَبَّلَةً لِلدَّفْنِ خَاصَّةً امْتَنَعَ فِيهَا وَإِذَا امْتَنَعَ الْبِنَاءُ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ بُنِيَ فِي غَيْرِهَا تَحْصِيلًا لِغَرَضِهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَكَذَا إذَا فُهِمَ لَفْظُهُ تَحْصِيلُ تُرْبَةٍ وَلَمْ يُمْكِنْ بِالْبِنَاءِ وَأَمْكَنَ بِالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ صُرِفَ إلَى ذَلِكَ. وَإِنْ تَعَذَّرَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ اشْتَرَى بِالثَّمَانِيَةِ آلَافِ بِجُمْلَتِهَا مِلْكًا لِمَا قُلْنَا: إنَّ مَنْفَعَةَ الْبِنَاءِ رَاجِعَةٌ إلَى الْمَصْرُوفِ لَهُمْ فَهِيَ وَصِيَّةٌ لَهُمْ فَيُصْرَفُ مِنْهُ لِلْمُقْرِئِ الَّذِي وَصَفَهُ وَلِصَدَقَةِ وَلِزَيْتٍ يُوقَدُ بِهِ حَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَاَلَّذِي يُشْتَرَى لَا يُوقَفُ بَلْ تَبْقَى رَقَبَتُهُ لِلْوَرَثَةِ وَهُوَ مُوصًى

стр. 772

بِمَنَافِعِهِ جَارٍ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْوَصِيَّةِ، وَالْمِلْكُ الَّذِي يُشْتَرَى لِبِنْتِ ابْنِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ وَارِثَةً لَا يُجْعَلُ وَقْفًا عَلَيْهَا وَعَلَى بَعْدِهَا بَلْ يَبْقَى عَلَى حُكْمِ الْوَصِيَّةِ بِمَنَافِعِهِ لَهُمْ. وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا نَزَلَ فِي حُجَجِهِ صَحِيحٌ وَأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِمِقْدَارِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ عَلِمَهُ لَكِنْ يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَضْبِطَ تِلْكَ الْحُجَجَ حَتَّى لَا يُزَادَ فِي التَّنْزِيلِ فِيهَا بَعْدَ إشْهَادِهِ وَسَوَاءٌ ضُبِطَتْ أَمْ لَا وَكُلُّ شَيْءٍ يُحَقِّقُ أَنَّهُ كَانَ مُنَزَّلًا فِيهَا وَقْتَ إشْهَادِهِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُعِنْهُ بِالشُّهُودِ وَكُلُّ مَنْ تَحَقَّقَ حُدُوثُ تَنْزِيلِهِ بَعْدَ تَارِيخِ الْإِشْهَادِ أَوْ شُكَّ فِيهِ تَوَقَّفَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَتَبَ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ٥٣ وَسَبْعِمِائَةٍ. انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ أَوْصَى أَنْ تُكَمَّلَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ عِمَارَةُ مَسْجِدٍ وَصِهْرِيجٍ] (مَسْأَلَةٌ مِنْ إسْكَنْدَرِيَّةَ) أَوْصَى أَنْ تُكَمَّلَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ عِمَارَةُ مَسْجِدٍ وَصِهْرِيجٍ مَعْرُوفَيْنِ، وَأَنْ يُصْرَفَ مِنْ أُجْرَةِ الطَّاحُونِ الْفُلَانِيَّةِ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَى مَنْ فِي ذَلِكَ الصِّهْرِيجِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَسْجِدُ مِنْ إمَامٍ وَغَيْرِهِ وَأَنْ يُشْتَرَى بِرُبُعِ مَا يَفْضُلُ مِنْ أُجْرَةِ الطَّاحُونِ فِي كُلِّ يَوْمٍ بَعْدَ حِفْظِ أُصُولِهَا خُبْزٌ يُفَرَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَمَاتَ وَخَرَجَتْ الطَّاحُونُ مِنْ الثُّلُثِ فَاقْتَضَى نَظَرُ الْحَاكِمِ وَقْفَهَا فَوَقَفَهَا عَلَى أَنْ يَصْرِفَ مِنْهَا مَا تَضَمَّنَتْهُ الْوَصِيَّةُ وَمَا فَضَلَ يَكُونُ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ أَوْلَادُ الْمُوصِي وَجُهِلَ تَارِيخُ وَفَيَاتِهِمْ وَبَقِيَ الْآنَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَلَدُ ابْنِهِ وَوَلَدُ ابْنِ ابْنِهِ فَمَا الَّذِي يُصْرَفُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ وَهَلْ يَصِحُّ وَقْفُ الْحَاكِمِ وَهَلْ لِلْوَرَثَةِ الْمَوْجُودِينَ بَيْعُ الطَّاحُونِ إذَا الْتَزَمَ الْمُشْتَرِي بِالدِّرْهَمِ وَنِصْفٍ أَمْ بَيْعُ بَعْضِهَا؟ (أَجَابَ) يُصْرَفُ مِنْ أُجْرَةِ الطَّاحُونِ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ كُلَّ يَوْمٍ لِلصِّهْرِيجِ وَالْمَسْجِدِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى مَا شَرَحَ فِي الْوَصِيَّةِ، وَالْفَاضِلُ مِنْ الْأُجْرَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ يُصْرَفُ رُبُعُهُ بَعْدَ حِفْظِ أُصُولِ الطَّاحُونِ مِنْهُ فِي شِرَاءِ الْخُبْزِ وَيُفَرَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْبَاقِي يُصْرَفُ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي عَلَى حُكْمِ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ فَلِوَلَدِ الِابْنِ الْمَوْجُودِ الْآنَ نَصِيبُ وَالِدِهِ إنْ كَانَ حَائِزًا لِتَرِكَتِهِ وَلِوَلَدَيْ ابْنَةِ الِابْنِ إذَا كَانَا حَائِزَيْنِ لِتَرِكَةِ أُمِّهِمَا مَا انْتَقَلَ إلَيْهَا مِنْ وَالِدِهَا، وَإِنْ كَانَ لِلْمُوصِي وَرَثَةُ أَمْوَالٍ وَقَدْ انْقَرَضُوا فَإِنْ اقْتَضَى الْحَالُ تَوْرِيثَ أَوْلَادِ إخْوَتِهِمْ مِنْهُمْ كَانَ الْمُنْتَقِلُ مِنْهُمْ إلَيْهِمْ

стр. 773

مَضْمُومًا إلَى مَا انْتَقَلَ إلَيْهِمْ مِنْ أُصُولِهِمْ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا الْخِلَافُ يَشْمَلُ مَا إذَا جَهِلَ تَارِيخَ الْوَفَاةِ وَمَا إذَا عَلِمَ وَيَسْتَمِرُّ الْحَالُ كَذَلِكَ فِي الْبَاقِي مِنْ الْأُجْرَةِ عَلَى حُكْمِ انْتِقَالِ الْأُخْتَانِ فِي الْمَوَارِيثِ دَائِمًا. وَهَذَا احْتَمَلَ الثُّلُثَ مِنْ تَرِكَةِ الْمُوصِي فَأَوْصَى بِهِ كُلَّهُ وَمِنْ جُمْلَتِهِ قِيمَةُ الطَّاحُونِ الْمَذْكُورَةِ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يُعْتَبَرْ أَنْ تَقُومَ مَسْلُوبَةُ الْمَنْفَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ تَقُومَ مَسْلُوبَةُ الْمَنْفَعَةِ مُطْلَقًا، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ وَلَا لِوَرَثَتِهِمْ بَيْعُ الطَّاحُونِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَنَافِعُهَا لِلْمُشْتَرِي وَلَا يُشْتَرَطُ الْتِزَامُ الْمُشْتَرِي بِدِرْهَمٍ وَنِصْفٍ وَلَا بِغَيْرِ شَرْطٍ بَلْ تَبْقَى الطَّاحُونُ الْمَذْكُورَةُ دَائِمًا عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، وَأَمَّا بَيْعُهَا مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ هُنَا أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا ثَمَّ مُوصًى مُعَيَّنٌ يَشْتَرِي حَتَّى نَحْكُمَ بِصِحَّةِ بَيْعِهَا مِنْهُ فِي الْأَصَحِّ. وَأَمَّا اقْتِضَاءُ رَأْيِ الْحَاكِمِ وَقْفِهَا وَوَقْفِهِ إيَّاهَا عَلَى هَذَا الْحُكْمِ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَكُونُ الْحَالُ فِيهَا مَوْقُوفًا لِيَمْتَنِعَ الْوَارِثُ مِنْ بَيْعِهَا وَيَسْتَمِرَّ حُكْمُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ دَائِمًا فَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا يُطْلِقُهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي أَرَاضِي الْفَيْءِ أَنَّهَا وَقْفٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى لَكِنْ هُنَا تَوَهُّمٌ أَنَّهَا تَبْقَى مَنَافِعُهَا مُنْتَقِلَةً عَلَى حُكْمِ الْأَوْقَافِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُنْتَقَلُ بِهَا إلَى الْوَرَثَةِ عَلَى حُكْمِ الْمَوَارِيثِ وَالْمُنْتَقَلُ فِيهَا إلَى غَيْرِهِمْ عَلَى حُكْمِ الْوَصَايَا فَلَا وَقْفَ أَصْلًا وَيَنْبَغِي أَنْ نَدَّخِرَ هَذِهِ الْفَتْوَى لِلْعَمَلِ بِهَا وَيُعْلَمَ أَنَّ الْوَرَثَةَ يَدْخُلُ فِيهِمْ الزَّوْجَاتُ وَكُلُّ وَارِثٍ فَلَا يَخْتَصُّ بِالْأَوْلَادِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ الْمُسْتَفْتِي. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ أَوْصَى إلَى شَخْصٍ عَلَى أَوْلَادِهِ] مَسْأَلَةٌ مِنْ حَلَبَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ رَجُلٌ أَوْصَى إلَى شَخْصٍ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ أَوْصَى عَلَى أَوْلَادِهِ الْمَذْكُورِينَ لِشَخْصَيْنِ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ نَاظِرًا وَلَمْ يَكُنْ فِي الْوَصِيَّةِ الثَّانِيَةِ مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ عَنْ الْأَوَّلِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ وَفَاةِ الْمُوصِي تَصَرَّفَ الْوَصِيَّانِ وَالنَّاظِرُ وَبَاعُوا عَلَى الْأَيَّامِ مِلْكًا بِالْغِبْطَةِ وَالشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ بِغَيْرِ عِلْمِ الْمُوصِي الْأَوَّلِ وَلَا إجَازَتِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلِمَ الْمُوصِي بِالْبَيْعِ وَأَجَازَ مَا بَاعَهُ الْوَصِيَّانِ الْمَذْكُورَانِ وَالنَّاظِرُ فَهَلْ يَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا أَمْ بَاطِلًا؟ . (الْجَوَابُ) أَمَّا الْإِجَارَةُ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ عِنْدَنَا لَا تُوقَفُ وَلَكِنَّ النَّظَرَ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّيْنِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ عَزْلًا لِلْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُجُوعٌ

стр. 774

عَنْ الْأَوَّلِ بَلْ وَصِيَّةُ الْأَوَّلِ بَاقِيَةٌ وَوَصِيَّةُ الِاثْنَيْنِ وَالنَّاظِرِ بَاقِيَةٌ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي تَصَرُّفِ الثَّانِيَيْنِ مَعَ النَّاظِرِ عَلَيْهِمَا مُوَافَقَةُ الْأَوَّلِ أَوَّلًا، وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِي تَصَرُّفِ الْأَوَّلِ مُوَافَقَةُ الثَّانِيَيْنِ عَلَيْهِمَا أَوَّلًا. وَكَلَامُ الْبَغَوِيِّ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاطَ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهِ وَمِلْت إلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَقُلْت: إنِّي رَأَيْت كَلَامَ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ يَشْهَدُ لَهُ. فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ أَجَازَ أَوْ لَمْ يُجِزْ، وَأَنَا الْآنَ أَمِيلُ إلَى مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَأَخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُهُمْ بَلْ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَنْفَرِدَ عَنْ الِاثْنَيْنِ وَالنَّاظِرِ وَلِلثَّانِيَيْنِ وَالنَّاظِرِ أَنْ يَنْفَرِدُوا عَنْ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ الثَّانِيَيْنِ وَالنَّاظِرِ أَنْ يَنْفَرِدَ عَنْ صَاحِبَيْهِ؛ فَعَلَى هَذَا الْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّ الْبَيْعَ الْمَذْكُورَ صَحِيحٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَإِنَّمَا اخْتَرْت عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: وَكَّلْت زَيْدًا فِي بَيْعِ دَارِي، ثُمَّ قَالَ: وَكَّلْت عَمْرًا فِي بَيْعِ دَارِي فَمُقْتَضَى اللَّفْظِ أَنَّهُ أَذِنَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: جَعَلْت كُلًّا مِنْهُمَا وَكِيلًا وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: جَعَلْت كُلًّا مِنْهُمَا وَصِيًّا، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ جَازَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِلَا خِلَافٍ. انْتَهَى. (مَسْأَلَةٌ) وَصَّى قَرَابَغَا أَنْ يُوقَفَ عَنْهُ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ فِي مِلْكِهِ وَهُوَ حِصَّةٌ فِي ضَيْعَةٍ وَأَنْ يُشْتَرَى مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ حِصَّةً مَعْلُومَةً مِنْ ضَيْعَةٍ أُخْرَى عَيَّنَهَا وَيُوقَفُ عَلَى تُرْبَتِهِ وَمَسْجِدِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الضَّيْعَةَ الْأُولَى لَيْسَتْ مِلْكَهُ وَلَا يُمْكِنُ تَمَلُّكُهَا؛ لِأَنَّهَا وَقْفٌ وَالثَّانِيَةُ تَعَذَّرَ شِرَاؤُهَا وَأَرَادَ أَوْصِيَاؤُهُ أَنْ يَشْتَرُوا طَاحُونًا وَيُوقِفُوهَا بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَتْ الطَّاحُونُ لِأَيْتَامٍ قَصَدَ الْمُتَكَلِّمُ لِلْأَيْتَامِ بَيْعَهَا عَلَيْهِمْ فِي وَفَاءِ دَيْنِ أَبِيهِمْ فَقِيلَ: إنَّ الطَّاحُونَ الْمَذْكُورَةَ وَرِثَهَا الْأَيْتَامُ مِنْ أُمِّهِمْ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهَا لَكِنْ لَهُمْ أَمْلَاكٌ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِمْ دَيْنُهُ مُتَعَلِّقٌ بِهَا وَبَيْعُ الطَّاحُونِ وَتَبْقِيَةُ غَيْرِهَا مِنْ الْأَمْلَاكِ أَصْلَحُ لَهُمْ مِنْ بَيْعِ غَيْرِهَا مِنْ الْأَمْلَاكِ؛ فَعَرَضَ هُنَا مَسْأَلَتَانِ يَجِبُ النَّظَرُ فِيهِمَا: (إحْدَاهُمَا) صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ بِمَا تَقَدَّمَ وَحُكْمُهَا فَأَمَّا الضَّيْعَةُ الَّتِي أَظُنُّ أَنَّهَا مِلْكُهُ وَتَبَيَّنَ وَقْفِيَّتُهَا فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِوَقْفِ عَيْنِهَا وَلَكِنْ هَلْ يُوقَفُ غَيْرُهَا مَكَانَهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ أَرَ فِي مَذْهَبِنَا

стр. 775

نَقْلًا فِي ذَلِكَ إلَى الْآنَ وَلَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَكِنْ فِي الْمُغْنِي مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ قَبْلَ آخِرِهِ بِسِتِّ وَرَقَاتٍ: وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِي وَلَا عَبِيدَ لَهُ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِلَا شَيْءٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك بِمَا فِي كِيسِي وَلَا شَيْءَ فِيهِ أَوْ بِدَارِي وَلَا دَارَ لَهُ. فَإِنْ اشْتَرَى قَبْلَ مَوْتِهِ عَبْدًا احْتَمَلَ أَنْ لَا تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك بِمَا فِي كِيسِي وَلَا شَيْءَ فِيهِ ثُمَّ جَعَلَ فِي كِيسِهِ شَيْئًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ: أَعْطُوا فُلَانًا مِنْ كِيسِي مِائَةَ دِرْهَمٍ فَلَمْ يُوجَدْ فِي كِيسِهِ شَيْءٌ يُعْطَى مِائَةَ دِرْهَمٍ فَلَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إعْطَاءَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَظَنَّهَا فِي الْكِيسِ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فِي الْكِيسِ أُعْطِيَ مِنْ غَيْرِهِ. فَكَذَلِكَ تَخْرُجُ الْوَصِيَّةُ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَبِيدٌ أَنْ يُشْتَرَى مِنْ تَرِكَتِهِ عَبْدٌ وَيُعْطَى إيَّاهُ. انْتَهَى. وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ يَشْهَدُ لِمَسْأَلَتِنَا وَقَدْ يُفَرِّقُ بَيْنَهَا وَيُفَرِّقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْعَبِيدِ وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَزَانَ مَسْأَلَةِ الْعَبِيدِ أَنْ يَقُولَ: اُعْطُوهُ أَلْفًا مِنْ دَرَاهِمِي الَّتِي فِي الْكِيسِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا قَالَ: أَعْطُوهُ أَلْفًا مِنْ الْكِيسِ وَالْإِعْطَاءُ مِنْ الْكِيسِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فَنَظِيرُهُ أَنْ يَقُولَ: أَعْطُوهُ عَبْدًا مِنْ الدَّارِ وَمِنْ الْمَسْجِدِ فَهَذَا يُفَارِقُ، تِلْكَ مَسْأَلَةُ الْعَبِيدِ وَمَسْأَلَتُنَا وَنَعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ بِنَصِّ أَحْمَدَ لَا فِي هَذِهِ وَلَا فِي هَذِهِ، وَالْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ أَنَّ وُجُودَ الدَّرَاهِمِ فِي تَرِكَتِهِ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّ الْمُوصَى بِهِ جُزْءٌ مِنْهَا وَإِنَّمَا جَعَلَ الْكِيسَ مَحِلَ ابْتِدَاءِ تَمَامِ الْإِعْطَاءِ فَالْمُوصَى بِهِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ. وَلَوْ قَالَ: بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ دَرَاهِمِي الَّتِي فِي الْكِيسِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَرَاهِمُ كَانَ ذَلِكَ نَظِيرَ مَسْأَلَةِ الْعَبِيدِ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى بِهِ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَقَدْ خَرَّجُوا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ إذَا قَالَ: أَعْطُوهُ رَأْسًا مِنْ رَقِيقِي وَلَا كَانَ لَهُ رَقِيقٌ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ وَلَا يَوْمَ الْمَوْتِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ. الَّذِي أَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ يُخَالِفُ الْوَصِيَّةَ بِالْوَقْفِ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْوَقْفِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَنْفَعَةُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ الْمَذْكُورَ شَرَعَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَالتُّرْبَةِ وَتَحْصِيلِ وَقْفٍ لَهُمَا وَأَنْفَقَ مِنْهُ إنْفَاقَ الضَّيْعَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَالِهِ مَبْلَغًا وَأَرْصُدَهُ لِجِهَةِ الْوَقْفِ لِيَشْتَرِيَ بِهِ مَا يُوقِفُهُ فَلَا شَكَّ أَنَّ غَرَضَهُ
следующие страницы →