Полный текст (1 159 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِوَقْفِيَّتِهِ هَلْ يُشْتَرَى وَيُوقَفُ عَلَى مَا ذَكَرَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ تُجَوِّزُوا الْبِنَاءَ وَجَوَّزْتُمْ شِرَاءَ الْمِلْكِ الْمَذْكُورِ فَهَلْ يُشْتَرَى بِالْمَبْلَغِ جَمِيعِهِ مِلْكٌ وَيُوقَفُ وَتَكُونُ مَنَافِعُهَا لِلْجِهَاتِ الْمُعَيَّنَةِ غَيْرِ الْعِمَارَةِ أَمْ يُشْتَرَى بِمِقْدَارِ مَا يَفْضُلُ أَنْ لَوْ حَصَلَتْ عِمَارَةُ التُّرْبَةِ وَتَوَابِعُهَا وَيَكُونُ مَا يُقَابِلُ الْعِمَارَةَ لِلْوَرَثَةِ وَمَنَافِعُهَا لِلْجِهَاتِ الْمُعَيَّنَةِ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِمَنْفَعَةِ دَارِهِ أَبَدًا أَمْ لَا وَمَا حُكْمُ الْمِلْكِ الَّذِي يُشْتَرَى لِبِنْتِ ابْنِهِ الْمَذْكُورَةِ هَلْ يُشْتَرَى وَيُجْعَلُ وَقْفًا عَلَيْهَا وَعَلَى مَنْ بَعْدَهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ بِنَاءً عَلَى الْقَرَائِنِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ الْوَقْفِيَّةِ أَمْ كَيْفَ الْحَالُ فِيهِ وَمَا حُكْمُ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا نَزَلَ فِي حُجَجِهِ صَحِيحٌ وَأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِمِقْدَارِهِ أَمْ لَا؟ بَيِّنُوا ذَلِكَ وَاضِحًا مُوَجَّهًا أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ.
(أَجَابَ) الْحَمْدُ لِلَّهِ أَمَّا الدَّارُ الَّتِي أَوْصَى بِأَنْ تُكْرَى كُلَّ شَهْرٍ بِسِتَّةَ عَشَرَ لَا بِأَكْثَرَ فَالْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ فِيهَا صَحِيحَةٌ وَحَقِيقَتُهَا أَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِسَاكِنِهَا مَنْ كَانَ بِمَا زَادَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهَا عَلَى السِّتَّةَ عَشْرَ وَبِالسِّتَّةِ عَشَرَ لِلْعِمَارَةِ وَالصَّدَقَةِ وَحِصَّةِ الْعِمَارَةِ رَاجِعَةٌ لِلسَّاكِنِ وَالصَّدَقَةُ وَالدَّارُ كُلُّهَا كَالْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا.
وَقَوْلُهُ لَا تُزَادُ أُجْرَتُهَا عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ لَازِمٌ الْعَمَلُ بِهِ مَا دَامَ يُوجَدُ مَنْ يَسْكُنُهَا بِذَلِكَ وَلَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ حِينَئِذٍ فَإِنْ بَذَلَ السَّاكِنُ زِيَادَةً وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَسْكُنُهَا غَيْرَهُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ الْوَصِيَّةَ فَيُقْبَلُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إيرَادِ عَقْدٍ عَلَيْهِ وَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمُ بَاقِي الْأُجْرَةِ مِنْ الصَّرْفِ إلَى الْعِمَارَةِ وَالصَّدَقَةِ وَلِإِطْلَاقِهِ قَوْلَهُ وَيُصْرَفُ مِنْ كِرَائِهَا، وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِبِنَاءِ التُّرْبَةِ وَالْقَبْوِ وَحَفْرِ الْجُبِّ وَالصِّهْرِيجِ إذَا كَانَ فِي أَرْضٍ يُمْكِنُ فِيهَا فَصَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ مَنْ يُقِيمُ هُنَاكَ مِنْ قَيِّمٍ وَمُقْرِئٍ وَزَائِرٍ وَغَيْرِهِمْ، وَاَلَّذِي يُمْنَعُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ وَتَقْصِدُ بِهِ تَعْظِيمَ الْقُبُورِ.
وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ مُسَبَّلَةً لِلدَّفْنِ خَاصَّةً امْتَنَعَ فِيهَا وَإِذَا امْتَنَعَ الْبِنَاءُ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ بُنِيَ فِي غَيْرِهَا تَحْصِيلًا لِغَرَضِهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَكَذَا إذَا فُهِمَ لَفْظُهُ تَحْصِيلُ تُرْبَةٍ وَلَمْ يُمْكِنْ بِالْبِنَاءِ وَأَمْكَنَ بِالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ صُرِفَ إلَى ذَلِكَ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ اشْتَرَى بِالثَّمَانِيَةِ آلَافِ بِجُمْلَتِهَا مِلْكًا لِمَا قُلْنَا: إنَّ مَنْفَعَةَ الْبِنَاءِ رَاجِعَةٌ إلَى الْمَصْرُوفِ لَهُمْ فَهِيَ وَصِيَّةٌ لَهُمْ فَيُصْرَفُ مِنْهُ لِلْمُقْرِئِ الَّذِي وَصَفَهُ وَلِصَدَقَةِ وَلِزَيْتٍ يُوقَدُ بِهِ حَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ وَاَلَّذِي يُشْتَرَى لَا يُوقَفُ بَلْ تَبْقَى رَقَبَتُهُ لِلْوَرَثَةِ وَهُوَ مُوصًى
стр. 772
بِمَنَافِعِهِ جَارٍ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْوَصِيَّةِ، وَالْمِلْكُ الَّذِي يُشْتَرَى لِبِنْتِ ابْنِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ وَارِثَةً لَا يُجْعَلُ وَقْفًا عَلَيْهَا وَعَلَى بَعْدِهَا بَلْ يَبْقَى عَلَى حُكْمِ الْوَصِيَّةِ بِمَنَافِعِهِ لَهُمْ.
وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا نَزَلَ فِي حُجَجِهِ صَحِيحٌ وَأَنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِمِقْدَارِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ عَلِمَهُ لَكِنْ يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَضْبِطَ تِلْكَ الْحُجَجَ حَتَّى لَا يُزَادَ فِي التَّنْزِيلِ فِيهَا بَعْدَ إشْهَادِهِ وَسَوَاءٌ ضُبِطَتْ أَمْ لَا وَكُلُّ شَيْءٍ يُحَقِّقُ أَنَّهُ كَانَ مُنَزَّلًا فِيهَا وَقْتَ إشْهَادِهِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُعِنْهُ بِالشُّهُودِ وَكُلُّ مَنْ تَحَقَّقَ حُدُوثُ تَنْزِيلِهِ بَعْدَ تَارِيخِ الْإِشْهَادِ أَوْ شُكَّ فِيهِ تَوَقَّفَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَتَبَ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ٥٣ وَسَبْعِمِائَةٍ. انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى أَنْ تُكَمَّلَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ عِمَارَةُ مَسْجِدٍ وَصِهْرِيجٍ]
(مَسْأَلَةٌ مِنْ إسْكَنْدَرِيَّةَ) أَوْصَى أَنْ تُكَمَّلَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ عِمَارَةُ مَسْجِدٍ وَصِهْرِيجٍ مَعْرُوفَيْنِ، وَأَنْ يُصْرَفَ مِنْ أُجْرَةِ الطَّاحُونِ الْفُلَانِيَّةِ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَى مَنْ فِي ذَلِكَ الصِّهْرِيجِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَسْجِدُ مِنْ إمَامٍ وَغَيْرِهِ وَأَنْ يُشْتَرَى بِرُبُعِ مَا يَفْضُلُ مِنْ أُجْرَةِ الطَّاحُونِ فِي كُلِّ يَوْمٍ بَعْدَ حِفْظِ أُصُولِهَا خُبْزٌ يُفَرَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَمَاتَ وَخَرَجَتْ الطَّاحُونُ مِنْ الثُّلُثِ فَاقْتَضَى نَظَرُ الْحَاكِمِ وَقْفَهَا فَوَقَفَهَا عَلَى أَنْ يَصْرِفَ مِنْهَا مَا تَضَمَّنَتْهُ الْوَصِيَّةُ وَمَا فَضَلَ يَكُونُ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ أَوْلَادُ الْمُوصِي وَجُهِلَ تَارِيخُ وَفَيَاتِهِمْ وَبَقِيَ الْآنَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَلَدُ ابْنِهِ وَوَلَدُ ابْنِ ابْنِهِ فَمَا الَّذِي يُصْرَفُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ وَهَلْ يَصِحُّ وَقْفُ الْحَاكِمِ وَهَلْ لِلْوَرَثَةِ الْمَوْجُودِينَ بَيْعُ الطَّاحُونِ إذَا الْتَزَمَ الْمُشْتَرِي بِالدِّرْهَمِ وَنِصْفٍ أَمْ بَيْعُ بَعْضِهَا؟
(أَجَابَ) يُصْرَفُ مِنْ أُجْرَةِ الطَّاحُونِ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ كُلَّ يَوْمٍ لِلصِّهْرِيجِ وَالْمَسْجِدِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى مَا شَرَحَ فِي الْوَصِيَّةِ، وَالْفَاضِلُ مِنْ الْأُجْرَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ يُصْرَفُ رُبُعُهُ بَعْدَ حِفْظِ أُصُولِ الطَّاحُونِ مِنْهُ فِي شِرَاءِ الْخُبْزِ وَيُفَرَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْبَاقِي يُصْرَفُ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي عَلَى حُكْمِ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ فَلِوَلَدِ الِابْنِ الْمَوْجُودِ الْآنَ نَصِيبُ وَالِدِهِ إنْ كَانَ حَائِزًا لِتَرِكَتِهِ وَلِوَلَدَيْ ابْنَةِ الِابْنِ إذَا كَانَا حَائِزَيْنِ لِتَرِكَةِ أُمِّهِمَا مَا انْتَقَلَ إلَيْهَا مِنْ وَالِدِهَا، وَإِنْ كَانَ لِلْمُوصِي وَرَثَةُ أَمْوَالٍ وَقَدْ انْقَرَضُوا فَإِنْ اقْتَضَى الْحَالُ تَوْرِيثَ أَوْلَادِ إخْوَتِهِمْ مِنْهُمْ كَانَ الْمُنْتَقِلُ مِنْهُمْ إلَيْهِمْ
стр. 773
مَضْمُومًا إلَى مَا انْتَقَلَ إلَيْهِمْ مِنْ أُصُولِهِمْ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا الْخِلَافُ يَشْمَلُ مَا إذَا جَهِلَ تَارِيخَ الْوَفَاةِ وَمَا إذَا عَلِمَ وَيَسْتَمِرُّ الْحَالُ كَذَلِكَ فِي الْبَاقِي مِنْ الْأُجْرَةِ عَلَى حُكْمِ انْتِقَالِ الْأُخْتَانِ فِي الْمَوَارِيثِ دَائِمًا.
وَهَذَا احْتَمَلَ الثُّلُثَ مِنْ تَرِكَةِ الْمُوصِي فَأَوْصَى بِهِ كُلَّهُ وَمِنْ جُمْلَتِهِ قِيمَةُ الطَّاحُونِ الْمَذْكُورَةِ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يُعْتَبَرْ أَنْ تَقُومَ مَسْلُوبَةُ الْمَنْفَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ تَقُومَ مَسْلُوبَةُ الْمَنْفَعَةِ مُطْلَقًا، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ وَلَا لِوَرَثَتِهِمْ بَيْعُ الطَّاحُونِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَنَافِعُهَا لِلْمُشْتَرِي وَلَا يُشْتَرَطُ الْتِزَامُ الْمُشْتَرِي بِدِرْهَمٍ وَنِصْفٍ وَلَا بِغَيْرِ شَرْطٍ بَلْ تَبْقَى الطَّاحُونُ الْمَذْكُورَةُ دَائِمًا عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، وَأَمَّا بَيْعُهَا مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ هُنَا أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا ثَمَّ مُوصًى مُعَيَّنٌ يَشْتَرِي حَتَّى نَحْكُمَ بِصِحَّةِ بَيْعِهَا مِنْهُ فِي الْأَصَحِّ.
وَأَمَّا اقْتِضَاءُ رَأْيِ الْحَاكِمِ وَقْفِهَا وَوَقْفِهِ إيَّاهَا عَلَى هَذَا الْحُكْمِ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَكُونُ الْحَالُ فِيهَا مَوْقُوفًا لِيَمْتَنِعَ الْوَارِثُ مِنْ بَيْعِهَا وَيَسْتَمِرَّ حُكْمُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ دَائِمًا فَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا يُطْلِقُهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي أَرَاضِي الْفَيْءِ أَنَّهَا وَقْفٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى لَكِنْ هُنَا تَوَهُّمٌ أَنَّهَا تَبْقَى مَنَافِعُهَا مُنْتَقِلَةً عَلَى حُكْمِ الْأَوْقَافِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُنْتَقَلُ بِهَا إلَى الْوَرَثَةِ عَلَى حُكْمِ الْمَوَارِيثِ وَالْمُنْتَقَلُ فِيهَا إلَى غَيْرِهِمْ عَلَى حُكْمِ الْوَصَايَا فَلَا وَقْفَ أَصْلًا وَيَنْبَغِي أَنْ نَدَّخِرَ هَذِهِ الْفَتْوَى لِلْعَمَلِ بِهَا وَيُعْلَمَ أَنَّ الْوَرَثَةَ يَدْخُلُ فِيهِمْ الزَّوْجَاتُ وَكُلُّ وَارِثٍ فَلَا يَخْتَصُّ بِالْأَوْلَادِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ الْمُسْتَفْتِي. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى إلَى شَخْصٍ عَلَى أَوْلَادِهِ]
مَسْأَلَةٌ مِنْ حَلَبَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ
رَجُلٌ أَوْصَى إلَى شَخْصٍ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ أَوْصَى عَلَى أَوْلَادِهِ الْمَذْكُورِينَ لِشَخْصَيْنِ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ نَاظِرًا وَلَمْ يَكُنْ فِي الْوَصِيَّةِ الثَّانِيَةِ مَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ عَنْ الْأَوَّلِ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ وَفَاةِ الْمُوصِي تَصَرَّفَ الْوَصِيَّانِ وَالنَّاظِرُ وَبَاعُوا عَلَى الْأَيَّامِ مِلْكًا بِالْغِبْطَةِ وَالشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ بِغَيْرِ عِلْمِ الْمُوصِي الْأَوَّلِ وَلَا إجَازَتِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلِمَ الْمُوصِي بِالْبَيْعِ وَأَجَازَ مَا بَاعَهُ الْوَصِيَّانِ الْمَذْكُورَانِ وَالنَّاظِرُ فَهَلْ يَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا أَمْ بَاطِلًا؟ .
(الْجَوَابُ) أَمَّا الْإِجَارَةُ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ عِنْدَنَا لَا تُوقَفُ وَلَكِنَّ النَّظَرَ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّيْنِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ عَزْلًا لِلْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُجُوعٌ
стр. 774
عَنْ الْأَوَّلِ بَلْ وَصِيَّةُ الْأَوَّلِ بَاقِيَةٌ وَوَصِيَّةُ الِاثْنَيْنِ وَالنَّاظِرِ بَاقِيَةٌ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي تَصَرُّفِ الثَّانِيَيْنِ مَعَ النَّاظِرِ عَلَيْهِمَا مُوَافَقَةُ الْأَوَّلِ أَوَّلًا، وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِي تَصَرُّفِ الْأَوَّلِ مُوَافَقَةُ الثَّانِيَيْنِ عَلَيْهِمَا أَوَّلًا. وَكَلَامُ الْبَغَوِيِّ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاطَ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهِ وَمِلْت إلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَقُلْت: إنِّي رَأَيْت كَلَامَ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ يَشْهَدُ لَهُ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ أَجَازَ أَوْ لَمْ يُجِزْ، وَأَنَا الْآنَ أَمِيلُ إلَى مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَأَخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُهُمْ بَلْ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَنْفَرِدَ عَنْ الِاثْنَيْنِ وَالنَّاظِرِ وَلِلثَّانِيَيْنِ وَالنَّاظِرِ أَنْ يَنْفَرِدُوا عَنْ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ الثَّانِيَيْنِ وَالنَّاظِرِ أَنْ يَنْفَرِدَ عَنْ صَاحِبَيْهِ؛ فَعَلَى هَذَا الْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّ الْبَيْعَ الْمَذْكُورَ صَحِيحٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كَتَبَهُ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَإِنَّمَا اخْتَرْت عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: وَكَّلْت زَيْدًا فِي بَيْعِ دَارِي، ثُمَّ قَالَ: وَكَّلْت عَمْرًا فِي بَيْعِ دَارِي فَمُقْتَضَى اللَّفْظِ أَنَّهُ أَذِنَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: جَعَلْت كُلًّا مِنْهُمَا وَكِيلًا وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: جَعَلْت كُلًّا مِنْهُمَا وَصِيًّا، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ جَازَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِلَا خِلَافٍ. انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ) وَصَّى قَرَابَغَا أَنْ يُوقَفَ عَنْهُ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ فِي مِلْكِهِ وَهُوَ حِصَّةٌ فِي ضَيْعَةٍ وَأَنْ يُشْتَرَى مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ حِصَّةً مَعْلُومَةً مِنْ ضَيْعَةٍ أُخْرَى عَيَّنَهَا وَيُوقَفُ عَلَى تُرْبَتِهِ وَمَسْجِدِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الضَّيْعَةَ الْأُولَى لَيْسَتْ مِلْكَهُ وَلَا يُمْكِنُ تَمَلُّكُهَا؛ لِأَنَّهَا وَقْفٌ وَالثَّانِيَةُ تَعَذَّرَ شِرَاؤُهَا وَأَرَادَ أَوْصِيَاؤُهُ أَنْ يَشْتَرُوا طَاحُونًا وَيُوقِفُوهَا بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَتْ الطَّاحُونُ لِأَيْتَامٍ قَصَدَ الْمُتَكَلِّمُ لِلْأَيْتَامِ بَيْعَهَا عَلَيْهِمْ فِي وَفَاءِ دَيْنِ أَبِيهِمْ فَقِيلَ: إنَّ الطَّاحُونَ الْمَذْكُورَةَ وَرِثَهَا الْأَيْتَامُ مِنْ أُمِّهِمْ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهَا لَكِنْ لَهُمْ أَمْلَاكٌ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِمْ دَيْنُهُ مُتَعَلِّقٌ بِهَا وَبَيْعُ الطَّاحُونِ وَتَبْقِيَةُ غَيْرِهَا مِنْ الْأَمْلَاكِ أَصْلَحُ لَهُمْ مِنْ بَيْعِ غَيْرِهَا مِنْ الْأَمْلَاكِ؛ فَعَرَضَ هُنَا مَسْأَلَتَانِ يَجِبُ النَّظَرُ فِيهِمَا:
(إحْدَاهُمَا) صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ بِمَا تَقَدَّمَ وَحُكْمُهَا فَأَمَّا الضَّيْعَةُ الَّتِي أَظُنُّ أَنَّهَا مِلْكُهُ وَتَبَيَّنَ وَقْفِيَّتُهَا فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِوَقْفِ عَيْنِهَا وَلَكِنْ هَلْ يُوقَفُ غَيْرُهَا مَكَانَهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ أَرَ فِي مَذْهَبِنَا
стр. 775
نَقْلًا فِي ذَلِكَ إلَى الْآنَ وَلَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَلَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَكِنْ فِي الْمُغْنِي مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ قَبْلَ آخِرِهِ بِسِتِّ وَرَقَاتٍ: وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِي وَلَا عَبِيدَ لَهُ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِلَا شَيْءٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك بِمَا فِي كِيسِي وَلَا شَيْءَ فِيهِ أَوْ بِدَارِي وَلَا دَارَ لَهُ.
فَإِنْ اشْتَرَى قَبْلَ مَوْتِهِ عَبْدًا احْتَمَلَ أَنْ لَا تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك بِمَا فِي كِيسِي وَلَا شَيْءَ فِيهِ ثُمَّ جَعَلَ فِي كِيسِهِ شَيْئًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ: أَعْطُوا فُلَانًا مِنْ كِيسِي مِائَةَ دِرْهَمٍ فَلَمْ يُوجَدْ فِي كِيسِهِ شَيْءٌ يُعْطَى مِائَةَ دِرْهَمٍ فَلَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إعْطَاءَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَظَنَّهَا فِي الْكِيسِ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فِي الْكِيسِ أُعْطِيَ مِنْ غَيْرِهِ. فَكَذَلِكَ تَخْرُجُ الْوَصِيَّةُ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَبِيدٌ أَنْ يُشْتَرَى مِنْ تَرِكَتِهِ عَبْدٌ وَيُعْطَى إيَّاهُ. انْتَهَى.
وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ يَشْهَدُ لِمَسْأَلَتِنَا وَقَدْ يُفَرِّقُ بَيْنَهَا وَيُفَرِّقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْعَبِيدِ وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ وَزَانَ مَسْأَلَةِ الْعَبِيدِ أَنْ يَقُولَ: اُعْطُوهُ أَلْفًا مِنْ دَرَاهِمِي الَّتِي فِي الْكِيسِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا قَالَ: أَعْطُوهُ أَلْفًا مِنْ الْكِيسِ وَالْإِعْطَاءُ مِنْ الْكِيسِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فَنَظِيرُهُ أَنْ يَقُولَ: أَعْطُوهُ عَبْدًا مِنْ الدَّارِ وَمِنْ الْمَسْجِدِ فَهَذَا يُفَارِقُ، تِلْكَ مَسْأَلَةُ الْعَبِيدِ وَمَسْأَلَتُنَا وَنَعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ بِنَصِّ أَحْمَدَ لَا فِي هَذِهِ وَلَا فِي هَذِهِ، وَالْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ أَنَّ وُجُودَ الدَّرَاهِمِ فِي تَرِكَتِهِ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّ الْمُوصَى بِهِ جُزْءٌ مِنْهَا وَإِنَّمَا جَعَلَ الْكِيسَ مَحِلَ ابْتِدَاءِ تَمَامِ الْإِعْطَاءِ فَالْمُوصَى بِهِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ.
وَلَوْ قَالَ: بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ دَرَاهِمِي الَّتِي فِي الْكِيسِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَرَاهِمُ كَانَ ذَلِكَ نَظِيرَ مَسْأَلَةِ الْعَبِيدِ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى بِهِ غَيْرُ مَوْجُودٍ، وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَقَدْ خَرَّجُوا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ إذَا قَالَ: أَعْطُوهُ رَأْسًا مِنْ رَقِيقِي وَلَا كَانَ لَهُ رَقِيقٌ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ وَلَا يَوْمَ الْمَوْتِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ.
الَّذِي أَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ يُخَالِفُ الْوَصِيَّةَ بِالْوَقْفِ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْوَقْفِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَنْفَعَةُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا مَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ الْمَذْكُورَ شَرَعَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَالتُّرْبَةِ وَتَحْصِيلِ وَقْفٍ لَهُمَا وَأَنْفَقَ مِنْهُ إنْفَاقَ الضَّيْعَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَالِهِ مَبْلَغًا وَأَرْصُدَهُ لِجِهَةِ الْوَقْفِ لِيَشْتَرِيَ بِهِ مَا يُوقِفُهُ فَلَا شَكَّ أَنَّ غَرَضَهُ
стр. 776
الْأَعْظَمَ تَحْصِيلُ وَقْفٍ أَيَّ وَقْفٍ كَانَ وَنَصَّ عَلَى الضَّيْعَةِ الْمَذْكُورَةِ بِظَنِّهِ أَنَّهَا لَهُ.
وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: أَعْطُوهُ دَارِي الْفُلَانِيَّةَ وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا لَهُ وَأَعْطُوهُ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا عَبِيدَ لَهُ فَالْغَرَضُ الْأَعْظَمُ فِيهِ وَفِيمَا اشْتَرَى مِنْ الْوَصَايَا إخْرَاجُ جُزْءٍ مِنْ الْمَالِ صَدَقَةً بَعْدَ الْمَوْتِ وَتَعَيَّنَ الْمَصْرِفُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ غَيْرِهِ بِقَصْرٍ وَقَصْدٍ دُونَ قَصْدِ الْأَوَّلِ فَبَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ الْأَعْظَمُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَهُمَا الْوَقْفُ الْمُؤَبَّدُ، وَالْوَصِيَّةُ الْمُعَجَّلَةُ. وَالْوَصِيَّةُ بِالْوَقْفِ الْمُؤَبَّدِ أَيْضًا تَنْقَسِمُ إلَى مَا يَظْهَرُ غَرَضُ الْوَاقِفِ فِي إيثَارِ جِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَإِلَى مَا يَظْهَرُ غَرَضُهُ فِي إخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ صَدَقَةً وَتُجْعَلُ وَقْفًا.
وَالْقَسَمُ الْأَوَّلُ أَقْوَى فِي غَرَضِ الْبَقَاءِ وَالنَّظَرُ إلَى الْمَالِيَّةِ لَا إلَى غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي نَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ لِيَقْوَى قُوَّةً قَوِيَّةً أَنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ وَقْفُ الضَّيْعَةِ الْمَذْكُورُ يُشْتَرَى مِنْ التَّرِكَةِ مَا يَقُومُ مُقَامَهَا، وَلَا يُفَرَّقُ بِرَدِّ ذَلِكَ إلَى الْوَرَثَةِ أَيْضًا لَا فِي الْوَصِيَّةِ بَلْ يُشْتَرَى مُحَافَظَةً عَلَى قَصْدِهِ وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَى مَا يَكُونُ مِثْلَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْ أَجْوَدَ مِنْ الْعَقَارِ، وَلَا يُشْتَرَى مِنْ الْعَقَارِ أَدْوَنَ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مُحَافَظَةً عَلَى غَرَضِهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمَسَائِلِ تَرِدُ الْفَتَاوَى فِيهَا عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مَنْصُوصَةً فِي الْكُتُبِ وَيَكُونُ الْمَأْخَذُ فِيهَا يَخْتَلِفُ بِاعْتِبَارِ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ وَغَرَضِهِ وَتَحْصُلُ الْأَجْوِبَةُ فِيهَا فِي الْغَالِبِ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَفِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ الْقَصْدِ كَمَا اتَّفَقَ فِيمَا حَكَيْنَاهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَحْمَدَ، وَتَقَعُ وَقَائِعُ جُزْئِيَّةٌ فِي الْأَحْكَامِ وَالْفَتَاوَى فِي زَمَانِنَا يَظْهَرُ فِيهَا مِنْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَقَاصِدِ مَا لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ وَوَضْعُهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.
مِثْلُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فَإِنَّ الْقَرَائِنَ الدَّالَّةَ عَلَى قَصْدِ وَاقِفِهَا وَقْفًا دَائِمًا لِتُرْبَتِهِ وَمَسْجِدِهِ كَثِيرَةٌ نَكَادُ نَقْطَعُ بِهَا وَلَا تَحْصُرُهَا الْعِبَارَةُ فَإِبْطَالُ الْوَصِيَّةِ مَعَهَا وَرَدُّ ذَلِكَ عَلَى الْوَرَثَةِ يَكَادُ يُقْطَعُ بِبُطْلَانِهِ، هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالضَّيْعَةِ الَّتِي وَصَّى بِوَقْفِهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا لَهُ.
وَأَمَّا الضَّيْعَةُ الَّتِي وَصَى بِأَنْ تُشْتَرَى وَتُوقَفَ وَتَعَذَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ رَأَيْت فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى بِأَنْ يُشْتَرَى بِهَذِهِ الْأَلْفِ ضَيْعَةٌ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَتُوقَفُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَلَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ ضَيْعَةٌ لَا يَجُوزُ
стр. 777
لِلْقَاضِي أَنْ يَشْتَرِيَ ضَيْعَةً فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
قَالَ أَبُو نَصْرٍ ﵀: لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَصْرِفَ ذَلِكَ إلَى مَئُونَةِ الْمَسَاجِدِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الضَّيْعَةَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يَشْتَرِي ضَيْعَةً فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَمَّى وَيَجْعَلُهَا وَقْفًا عَلَى مَا سَمَّى. انْتَهَى كَلَامُ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ.
وَأَنَا أَخْتَارُ مَا قَالَهُ أَبُو نَصْرٍ مِنْ كَوْنِهِ يَشْتَرِي ضَيْعَةً فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَمَّى إذَا نَصَّ عَلَى الْمَوْضِعِ، وَقَوَاعِدُ الشَّافِعِيَّةِ تَقْتَضِيه وَلَا تَأْبَاهُ. انْتَهَى.
[فَصْلٌ أَوْصَتْ إلَى فُلَانٍ أَنْ يَحْتَاطَ عَلَى تَرِكَتِهَا]
يَقَعُ كَثِيرًا فِي الْوَصَايَا: أَوْصَتْ امْرَأَةٌ إلَى فُلَانٍ أَنْ يَحْتَاطَ عَلَى تَرِكَتِهَا فَيَبْدَأُ بِمَؤُونَةِ تَجْهِيزِهَا وَيَقْضِي دَيْنَهَا وَيُنَفِّذُ وَصَايَاهَا وَقِسْمَةَ تَرِكَتِهَا بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهَا وَتَوَقَّفَتْ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالتَّجْهِيزِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا فَصَحِيحَةٌ بِلَا إشْكَالٍ، وَهَذَا عَامٌّ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ الَّذِي لَهُ أَبٌ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا كَوْنُ الْوَصِيِّ يَحْتَاطُ عَلَى تَرِكَتِهَا فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا ضَبْطُهَا فَصَحِيحٌ وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ إنْ كَانُوا رُشَدَاءَ فَقَدْ انْتَقَلَتْ التَّرِكَةُ إلَيْهِمْ بِالْمَوْتِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ الِانْفِرَادُ بِالْيَدِ عَلَى مِلْكِهِمْ وَلَا وَضَعُ يَدِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ.
وَإِنْ كَانُوا مَحْجُورًا عَلَيْهِمْ فَالنَّظَرُ لِوَلِيِّهِمْ وَحَالِ هَذَا الْوَصِيِّ مَعَ وَلِيِّهِمْ كَحَالِهِ مَعَ الرُّشَدَاءِ.
وَأَمَّا الْقِسْمَةُ فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا تَمَيُّزُ النَّصِيبِ وَفَصْلِ الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ فَقَرِيبٌ إذَا حَصَلَ بِشُرُوطِهِ وَإِنْ أُرِيدَ وَضْعُ الْيَدِ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ لِمَا قُلْنَاهُ، وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ فِيمَا إذَا نُصِّبَ وَصِيًّا لِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَالْوَصَايَا: إنَّ الْوَصِيَّ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إلْزَامِ الْوَرَثَةِ تَسْلِيمَ التَّرِكَةِ لِتُبَاعَ فِي الدَّيْنِ بَلْ لَهُمْ إمْسَاكُهَا وَقَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِمْ فَلَوْ امْتَنَعُوا مِنْ التَّسْلِيمِ وَالْقَضَاءِ مِنْ عِنْدِهِمْ أَلْزَمَهُمْ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ، هَذَا إذَا أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَالْوَصَايَا.
فَإِنْ قَالَ وَدَفَعَ هَذَا الْعَبْدَ إلَيْهِ عِوَضًا عَنْ دَيْنِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَرَثَةِ إمْسَاكُهُ؛ لِأَنَّ فِي أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ أَعْرَاضًا.
وَلَوْ قَالَ بَعْدَ وَاقْضِ الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ الْإِمْسَاكُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَطْيَبَ، وَقَالَ الْأَصْحَابُ أَيْضًا فِيمَا إذَا نَصَّبَ الْأَبُ وَصِيًّا فِي حَيَاةِ الْجَدِّ إنْ كَانَ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ كَانَ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ
стр. 778
وَالْوَصَايَا صَحَّ وَيَكُونُ حِينَئِذٍ الْوَصِيُّ أَوْلَى مِنْ الْجَدِّ فِي ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يُنَصِّبْ وَصِيًّا فَأَبُوهُ أَوْلَى بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَأَبُو الْأَطْفَالِ وَالْحَاكِمُ أَوْلَى بِتَنْفِيذِ الْوَصَايَا، كَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَاقْتَصَرَ الرَّافِعِيُّ عَلَى حِكَايَتِهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْأَطْفَالِ لِلْجَدِّ بِالشَّرْعِ وَفِي الْوَصَايَا لِلْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يُعِنْ وَصِيًّا فَالْأَمْرُ لِلشَّرْعِ وَنَائِبُهُ الْحَاكِمُ.
وَأَمَّا الدُّيُونُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ فَيُفَوِّضُهَا إلَى الْجَدِّ وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَيِّتِ فِيهِ نَظَرٌ.
وَقَدْ خَطَرَ لِي فِي تَوْجِيهِهِ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ حَقٌّ لِنَفْسِ الْمَيِّتِ لِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ.
وَقَدْ تَعَذَّرَ نَظْرُهُ فِيهِ بِمَوْتِهِ وَأَبُوهُ وَلِيُّهُ فَيَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِ وَالْوَصَايَا خَرَجَ عَنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهَا مَنْ يَتَوَلَّاهَا فَيَتَوَلَّاهَا نَائِبُ الشَّرْعِ.
وَقَدْ قَرَأْت عَلَى شَيْخِنَا ابْنِ الرِّفْعَةِ فِي جَوَابِ فُتْيَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّامِ، وَمِنْ جُمْلَةِ أَسْئِلَتِهَا: هَلْ لِلْوَصِيِّ الْمَذْكُورِ إذَا ثَبَتَتْ الدُّيُونُ الْمَذْكُورَةُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِطَرِيقِهَا الشَّرْعِيِّ أَنْ يَبِيعَ التَّرِكَةَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ لِوَفَاءِ الدُّيُونِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَرَثَةِ أَوْ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ وَفَاءِ الدَّيْنِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَوْ لَا يَبِيعُهَا إلَّا إنْ امْتَنَعَتْ الْوَرَثَةُ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِإِذْنِهِمْ لَهُ فِي الْبَيْعِ إذْ هُمْ مُلَّاكُهَا.
فَقَالَ فِي الْجَوَابِ: وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَمَا فَرَضْت فِي الِاسْتِفْتَاءِ بَيْعَ التَّرِكَةِ إذَا كَانَتْ عَقَارًا أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْعُرُوضِ الَّتِي يُمْتَنَعُ مِنْ اقْتِنَائِهَا قَبْلَ مُرَاجَعَةِ الْوَارِثِ وَتَخْيِيرِهِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ إنْ كَانَ قَدْرَ قِيمَةِ التَّرِكَةِ أَوْ دُونَهَا أَوْ يَدُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِهِ إنْ زَادَتْ الدُّيُونُ عَلَى قِيمَةِ التَّرِكَةِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ إمْسَاكِهِ التَّرِكَةَ لِنَفْسِهِ، أَمَّا مَا عَدَّا ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ فَكَلَامُ بَعْضِ الْأَصْحَابِ يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِ ذَلِكَ لِلْوَصِيِّ وَالْحَالَةُ كَمَا فُرِضَتْ فِي الِاسْتِفْتَاءِ قَبْلَ مُرَاجَعَةِ الْوَارِثِ وَتَخْيِيرِهِ وَمُرَاجَعَةِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُحْتَفَلُ بِهِ لِكَثْرَةِ أَمْثَالِهِ وَتَيَسُّرِ وُجُودِهِ.
وَالْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ مُرَاجَعَةِ الْوَارِثِ وَتَخْيِيرِهِ فِي كُلِّ التَّرِكَةِ مَا كَانَتْ؛ لِأَنَّهَا أَعْيَانُ أَمْوَالِهِ لَكِنْ عِنْدَ تَيَسُّرِ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ نَابَ الْحَاكِمُ فِي الْإِذْنِ عَنْهُ.
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الِاحْتِمَالِ أَنَّ صَاحِبَ الْبَحْرِ حَكَى فِيمَا لَوْ بَاعَ الْوَصِيُّ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ مَتَاعَ الْبَيْتِ يَشْمَلُ مَا يُحْتَفَلُ بِهِ وَمَا لَا يُحْتَفَلُ بِهِ وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ أَنَّ بَيْعَهُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ بَدَّلَ الْوَارِثُ
стр. 779
قِيمَةَ التَّرِكَةِ أَوْ قَضَاءَ الدَّيْنِ بَانَ بُطْلَانُهُ وَإِلَّا فَلَا وَكَانَ يُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ فِيمَا إذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ إلَى أَجْنَبِيٍّ بِوَفَاءِ دَيْنِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْآذِنُ فِي بَيْعِ التَّرِكَةِ أَنْ لَا يَتَسَلَّطَ الْوَصِيُّ عَلَى الْبَيْعِ بِحَالٍ لِإِمْكَانِ صُدُورِ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ وَتَسْلِيمِ الثَّمَنِ لَهُ فَلَا يَكُونُ إيصَاؤُهُ بِالْوَفَاءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْبَيْعِ وَكَيْفَ وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: إذَا أَوْصَى إلَيْهِ فِي شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ وَصِيًّا فِي غَيْرِهِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُتَوَلِّي فِي الْبَيْعِ هُوَ الْوَارِثُ إنْ لَمْ يَرْغَبْ فِي إمْسَاكِ ذَلِكَ بِالطَّرِيقِ السَّالِفِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الرَّقَبَةِ وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِهِ إلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الرَّقَبَةِ لِغَيْرِهِ فَكَانَتْ الْعَيْنُ الْمَرْهُونَةُ وَرَقَبَةُ الْعَبْدِ الْجَانِي بِتَوَلِّي الرَّاهِنِ أَوْ وَارِثِهِ بَيْعَهُ وَكَذَا السَّيِّدُ فَإِنْ امْتَنَعَ أَوْ غَابَ نَابَ الْحَاكِمُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإِذْنِ فِي بَيْعِ ذَلِكَ يُفْهَمُ أَنَّهُ لَوْ تَعَرَّضَ لِلْإِذْنِ فِي الْبَيْعِ تَسَلَّطَ الْوَصِيُّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَارِثِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ بَالِغًا وَهُوَ فِي الْبَالِغِ فِي مَحِلِّ النَّظَرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَبِيعُ إلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَهُ وَلَا وَصِيَّةَ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَبِيعُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتِحْقَاقُهُ لِلْبَيْعِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْوَارِثِ مَا لَمْ يَقْضِ الْوَارِثُ الدَّيْنَ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْذَانِهِ لَكِنْ يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيمَا إذَا لَمْ يَنُصَّ الْمَيِّتُ عَلَى الْبَيْعِ لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَارِثُ كَانَ وَكِيلًا عَنْهُ فِي الْبَيْعِ وَعَنْ الْمَيِّتِ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِنْ نَصَّ لَهُ الْمَيِّتُ عَنْ الْبَيْعِ كَانَ وِلَايَةُ الْبَيْعِ لَهُ بِشَرْطِ إذْنِ الْوَارِثِ أَمَّا الِاشْتِرَاكُ فَلِأَجْلِ الْمِلْكِ وَإِلَّا يُصْدَرُ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ وَلَا وَكِيلَ عَنْ الْمَالِكِ وَلَا وَلِيَّ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ لَهُ وِلَايَةُ الْبَيْعِ فَلِتَفْوِيضِ الْمَيِّتِ إلَيْهِ ذَلِكَ وَهُوَ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَيِّتَ يَسْتَحِقُّ الْبَيْعَ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مِلْكُ الْوَارِثِ الرَّقَبَةَ فَهِيَ غَيْرُ اسْتِحْقَاقِ الْبَيْعِ.
نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: إنَّ غَايَةَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ كَالْمُرْتَهِنِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ الْبَيْعَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةُ الْبَيْعِ بَلْ يُطَالِبُ الْمَالِكَ فَإِنْ امْتَنَعَ بَاعَ الْحَاكِمُ.
لَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ هَذَا زَائِدٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ إنَّمَا لَهُ حَقُّ التَّوْثِقَةِ وَالْمَيِّتُ كَانَ مَالِكًا لِلْعَيْنِ وَالْوِلَايَةُ عَلَيْهَا يَبِيعُهَا وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا مَا شَاءَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ فَانْتَقَلَتْ الْعَيْنُ بِمَوْتِهِ لِوَارِثِهِ مَعَ بَقَاءِ حَقِّهِ فِيهَا الْمُوَصِّلُ إلَى
стр. 780
وَفَاءِ دَيْنِهِ مِنْهَا فَيَبْقَى لَهَا وِلَايَةُ الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ وَتَوْصِيَتُهُ وَالْإِيصَاءُ بِذَلِكَ اسْتِيفَاءٌ لِبَعْضِ حَقِّ الْوَرَثَةِ وَبَيْعِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ وَلَا يُنَابُ لَكِنَّهُ بِوِلَايَةٍ مِنْ جِهَةِ الْمَيِّتِ.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوِلَايَةِ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْمَالِكِ بَلْ هِيَ عَلَى الْعَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْمَيِّتِ لِبَقَاءِ ذَلِكَ الْحَقِّ لَهُ أَوْ يُقَالُ: إنَّ الْمَيِّتَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْوَارِثِ لِمَا فِي ذَلِكَ وَقَدْ جَعَلَهُ لِلْوَصِيِّ فَلِلْوَصِيِّ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ رَشِيدًا كَالْحَاكِمِ وَعِنْدَهُ أَقُولُ يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ هَذَا أَنْ يَصِحَّ الْإِيصَاءُ بِالِاحْتِيَاطِ وَإِنْ كَانَ مِنْ امْرَأَةٍ وَمِنْ رَجُلٍ وَارِثِهِ إذَا كَانَ هَذَا فِي دَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ ذَلِكَ وَالتَّوَصُّلِ إلَيْهِ فَلَهُ حَقُّ الِاحْتِيَاطِ، نَعَمْ لَا يَنْفَرِدُ بِالْيَدِ بَلْ يُحْتَاطُ مَعَ الْوَارِثِ الْبَالِغِ فَإِنْ تَعَذَّرَ حُضُورُ الْوَارِثِ لَمْ يُمْنَعْ الْوَصِيُّ مِنْ الِاحْتِيَاطِ وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُتَعَدِّيًا بِوَضْعِ يَدِهِ وَلَا ضَامِنًا، وَيُتَخَيَّلُ مِنْ هَذَا أَنَّ التَّرِكَاتِ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَيْدٍ: يَدُ الْوَارِثِ لِلْمِلْكِ وَيَدُ مَنْ يَقُومُ مُقَامَ الْمَيِّتِ بِحَقِّ نَفْسِهِ لِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ وَهُوَ حَقٌّ مُتَمَحِّضٌ لِلْآدَمِيِّ فَإِنَّ الْمُغَلَّبَ فِي الدُّيُونِ حَقُّ الْمَيِّتِ وَحَقُّ الْغُرَمَاءِ وَلَا أَقُولُ: الْمُغَلَّبُ بَلْ مُتَمَحِّضَةٌ فَإِنْ كَانَ فِيهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلِذَلِكَ سَبَقَ مِنْ كَلَامِي قَوْلِي: الْمُغَلَّبَ.
وَالْيَدُ الثَّالِثَةُ يَدُ الْقَاضِي نِيَابَةً عَنْ الشَّرْعِ لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ فِي الْوَصَايَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا حَقُّ الْآدَمِيِّ الْمُوصَى لَهُ وَلِلْمَيِّتِ أَيْضًا لِمَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ وَلَكِنَّ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا يُغَلَّبُ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ.
وَهَذِهِ الْأَيْدِي الثَّلَاثَةُ عَلَى التَّرِكَةِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَلَى جَمِيعِهَا، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَتْ كَأَيْدِي الشُّرَكَاءِ الَّتِي تَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَى حِصَّةٍ بَلْ هَذِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى الْجَمِيعِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَنْعُ الْآخَرِ وَكَأَنَّهَا ثَلَاثَةٌ مُتَطَابِقَةٌ يَدُ الْوَرَثَةِ أَسْفَلُ وَيَدُ الْوَصِيِّ فَوْقَهَا؛ لِأَنَّهُ كَالْمَيِّتِ وَحَقُّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْوَرَثَةِ وَيَدُ الْقَاضِي فَوْقَهُمَا؛ لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْ الشَّرْعِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَأَمَّا الْقِسْمَةُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَصِيُّ وَارِثًا فَلَا يَتَوَلَّى الْقِسْمَةَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ بَلْ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ لَيُنَصِّبَ مَعَهُ مَنْ يُقْسِمُ بَيْنَهُمْ كَمَا قَالَ الْقَفَّالُ، وَحَاصِلُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ حُقُوقَ الْمَيِّتِ كُلِّهَا بَاقِيَةٌ فِي التَّرِكَةِ مَا عَدَّا الْمِلْكَ فَإِنَّهُ لِلْوَارِثِ مَعَ بَقَاءِ حُقُوقِ الْمَوْرُوثِ كُلِّهَا مَا دَامَتْ دُيُونُهُ وَوَصَايَاهُ بَاقِيَةٌ فَلَا يُصْرَفُ وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ مِلْكٌ إلَّا بَعْدَهَا وَالْوَصِيُّ قَائِمٌ مُقَامَ الْمَيِّتِ فِيمَا أَوْصَى إلَيْهِ فِيهِ كَأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهُ فِي
стр. 781
حَيَاتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ فِي لَيْلَةِ الْأَحَدِ ثَامِنِ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِالْعَادِلِيَّةِ الْكُبْرَى بِدِمَشْقَ.
[مَسْأَلَةٌ أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ]
(مَسْأَلَةٌ) مِثْلُ «قَوْلِهِ ﷺ لِسَعْدٍ وَقَدْ قَالَ لَهُ: أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ: لَا» ، هَلْ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ لَا هَذِهِ الصِّيغَةُ أَتَتْ فِي مَوَاضِعَ كَهَذَا الْحَدِيثِ، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي «أَيُسَلِّمُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: نَعَمْ أَيُصَافِحُ بَعْضُنَا بَعْضًا؟ قَالَ: نَعَمْ، أَيَنْحَنِي بَعْضُنَا لِبَعْضٍ، قَالَ: لَا» وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَهَذَا اسْتِفْهَامُ الْأَصْلِ فِيهِ أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ عَنْ الْخَبَرِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَيَقَعُ هَذَا أَوْ لَا؟
وَجَوَابُهُ فِي الْأَصْلِ خَبَرٌ أَيْضًا بِقَوْلٍ يَقَعُ أَوْ لَا كَقَوْلِك: أَيَقُومُ زَيْدٌ؟ فَتَقُولُ: نَعَمْ أَوْ لَا ثُمَّ قَدْ تَأْتِي قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الِاسْتِفْهَامُ عَنْ الْحُكْمِ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّ الْقَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الِاسْتِفْهَامُ عَنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَمَّا الْوُجُوبُ أَوْ الْجَوَازُ أَوْ الِاسْتِحْبَابُ؛ وَقَدْ يَكُونُ اسْتِرْشَادًا أَيْضًا فَيَكُونُ الْجَوَابُ بِلَا أَوْ نَعَمْ وَارِدًا عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ السُّؤَالِ وَالظَّاهِرُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ الِاسْتِفْهَامُ عَنْ الْجَوَازِ وَكَذَلِكَ أَنَّ الِانْحِنَاءَ حَرَامٌ، وَقَوْلُهُ «نَعَمْ» فِي السَّلَامِ وَالْمُصَافَحَةِ فِيهِ جَوَازُ ذَلِكَ خَاصَّةً وَاسْتِحْبَابُهُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ وَلَا نُقَدِّرُهُ أَمْرًا بَلْ خَبَرًا، وَكَذَا فِي حَدِيثِ سَعْدٍ الظَّاهِرُ فِيهِ أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ عَنْ الْجَوَازِ وَكَذَلِكَ فِي الثُّلُثِ قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ فَإِنَّ «نَعَمْ» مُقَدَّرَةٌ فِيهِ وَلَا نَقْدِرُهُ أَمْرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَحَبًّا كَقَوْلِهِ: إنَّهُ كَثِيرٌ وَلَيْسَ بِنَا ضَرُورَةٌ إلَى تَقْدِيرِهِ أَمْرًا ثُمَّ صَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ. فَهَذَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي ذَلِكَ يُبْنَى عَلَيْهَا مَبَاحِثُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فَافْهَمْهَا. انْتَهَى.
[بَابُ الْوَدِيعَةِ]
قَالَ ﵁: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَرَى الْكَلَامُ فِي الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَمَانَاتِ إذَا مَاتَ مَنْ هِيَ عِنْدَهُ وَهَلْ تَصِيرُ مَضْمُونَةً أَوْ لَا؟ وَأَنَا أُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَوْرَاقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ الِاخْتِصَارِ وَأُوَضِّحُ الْغَرَضَ فِي فَصْلَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) إذَا مَاتَ الْمُودَعُ فَلَمْ نَجِدْ الْوَدِيعَةَ عِنْدَهُ وَلَا عَلِمْنَا مِنْ حَالِهَا شَيْئًا هَلْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطٍ أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ أَوْ لَمْ تَتْلَفْ وَفِي
стр. 782
ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ سِتَّةُ مَذَاهِبَ:
(أَحَدُهَا) أَنَّهَا وَالدَّيْنَ سَوَاءٌ، وَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ السَّلَفِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى الدَّيْنِ وَهُوَ مَذْهَبُ النَّخَعِيِّ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
(وَالثَّالِثُ) أَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ.
(وَالرَّابِعُ) أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا لِأَصْحَابِنَا.
(وَالْخَامِسُ) إنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ مِنْ جِنْسِهَا ضُمِنَتْ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَرُوزِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَحَمَلَ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ.
(وَالسَّادِسُ) إنْ كَانَ قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ: عِنْدِي وَدِيعَةٌ ضُمِنَتْ وَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ تَصَرَّفَ وَاسْتَعْمَلَ عِنْدِي بِمَعْنَى عَلَيَّ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَحَمَلَ نَصَّ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ، وَقَدْ نُسِبَ كُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ إلَى أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ بِحِكَايَتِهِ إيَّاهُمَا وَهُوَ مَعَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ رَجَّحُوا الضَّمَانَ مُطْلَقًا كَمَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرُوا لَهُ مَأْخَذَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ أَدَاءَ الْوَدِيعَةِ وَاجِبٌ وَالْمَسْقَطُ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَلَا نَتْرُكُ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ وَمُنِعَ هَذَا بِأَنَّ الْأَدَاءَ إنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ وُجُودِهَا.
(وَالثَّانِي) أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا فَهُوَ فِي حُكْمِ مَنْ وَضَعَ وَدِيعَةً فِي مَكَان وَجَهِلْنَاهُ فَيَضْمَنُهَا.
وَاَلَّذِي قَالَ: إنْ كَانَ فِي التَّرِكَةِ مِنْ جِنْسِهَا ضَمِنَهَا مَأْخَذُهُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ الْوَدِيعَةُ وَأَنَّهَا اخْتَلَطَتْ بِجِنْسِهَا مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ وَاخْتَلَفُوا عَلَى هَذَا هَلْ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْغُرَمَاءِ أَوْ يُزَاحِمُهُمْ وَأَنَا أَخْتَارُ التَّقَدُّمَ وَأَقُولُ بِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ مِنْ جِنْسِهَا لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا اسْتِعْمَالًا لِجَمِيعِ الْأُصُولِ مِنْ كَوْنِ الْوَدِيعَةِ وَالْمُودَعِ أَمِينًا لَا تُنْسَبُ إلَيْهِ خِيَانَةٌ وَذِمَّتُهُ بَرِيئَةٌ وَالْحُكْمُ بِأَنَّ الْوَدِيعَةَ بَاقِيَةٌ وَنَعْنِي بِجِنْسِ الْوَدِيعَةِ مَا كَانَ عَلَى صِفَتِهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ هِيَ أَوْ بَعْضُهَا. وَمَنْ قَالَ إنْ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: عِنْدِي وَدِيعَةٌ ضَمِنَ قَدْ بَيَّنَ مَأْخَذَهُ وَلَكِنَّا نَقُولُ كَمَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ، أَنَّهَا عِنْدَهُ وَقَدْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَإِقْرَارُهُ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَهَا فِي الذِّمَّةِ فَلِذَلِكَ اخْتَرْت الْقَوْلَ الْمُتَقَدِّمَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا أَمَانَةٌ مُطْلَقًا لَا يَخْفَى وَجْهُهُ وَلَمْ أَرَ مَنْ حَكَاهُ هَكَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا الْمَاوَرْدِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ يَحْكُونَ ثَلَاثَةً خَاصَّةً: الْأَوَّلَ وَالْخَامِسَ وَالسَّادِسَ وَالْمَاوَرْدِيُّ حَكَى أَرْبَعَةً فَأَدْخَلَ الرَّابِعَ مَعَهَا.
وَلَمْ يَذْكُرْ
стр. 783
أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَهُمَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَالْعُكْلِيِّ فَلَيْسَا مَعْدُودَيْنِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَطْلَقَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ هَكَذَا مِنْ تَعْوِيضٍ لَأَنْ يَكُونَ الْمُودِعُ مَاتَ فَجْأَةً وَقُتِلَ بَغْتَةً أَوْ مَاتَ عَنْ مَرَضٍ بِوَصِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ، وَظَاهِرُهُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَسَبَبُهُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي التَّعْلِيلِ وَهُوَ جَارٍ فِي الْأَحْوَالِ وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْهُ الضَّمَانُ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي مَا ذَكَرْته مِنْ التَّفْصِيلِ.
وَحَيْثُ قُلْنَا بِالضَّمَانِ هُنَا فَهُوَ ضَمَانُ الْفِقْدَانِ لَا ضَمَانَ الْعُدْوَانِ فَقَدْ يَنْضَمُّ إلَيْهِ سَبَبٌ عُدْوَانِيٌّ يَقْتَضِي الضَّمَانَ.
فَحَيْثُ قُلْنَا فِي هَذِهِ الْأَوْجُهِ: يَضْمَنُ أَوْ لَا يَضْمَنُ فَلَيْسَ مُرَادُنَا إلَّا مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ وَقَدْ يَجْتَمِعُ سَبَبُ الضَّمَانَيْنِ وَقَدْ يَرْتَفِعَانِ وَقَدْ يُوجَدُ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الرَّافِعِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمُهَذَّبِ تَعَرَّضَ لِلْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَذَكَرَ الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي إِسْحَاقَ وَظَاهِرِ النَّصِّ وَلَكِنَّهُ فَرَضَهُ فِيمَا إذَا أَوْصَى وَوَصَفَ الْوَدِيعَةَ فَلَمْ تُوجَدْ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ تَبِعَهُ فِي التَّصْوِيرِ وَزَادَ وَجْهًا ثَالِثًا وَهُوَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ وَصَحَّحَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّصَّ وَذَكَرَ وَجْهَ أَبِي إِسْحَاقَ عَلَى زَعْمِهِ الْمُفَصَّلَ بَيْنَ أَنْ يُوجَدَ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُهَا أَوْ لَا.
وَوَجْهُ المروذي فَإِنْ أَرَادَ مَا أَرَادَهُ الْأَوَّلُونَ مِنْ الضَّمَانِ بِسَبَبِ فَقْدِهَا مِنْ التَّرِكَةِ فَهُوَ فِي حِكَايَةِ عَدَمِ الضَّمَانِ مُوَافِقٌ لِلْمَاوَرْدِيِّ، وَهُوَ فِي تَصْحِيحِهِ مُخَالِفٌ لِلْجُمْهُورِ وَإِنْ أَرَادَ الضَّمَانَ بِسَبَبِ الْوَصِيَّةِ فَهُوَ فَرَضَهُ فِيمَا إذَا أَوْصَى وَوَصَفَ فَكَيْفَ تَأْتِي الثَّلَاثَةُ أَوْجُهٍ وَالرَّافِعِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْإِمَامُ ذَكَرُوا الْمَسْأَلَةَ فِي الْوَصِيَّةِ وَتَرَكَهَا وَذَكَرُوا الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي أَنَّ التَّضْمِينَ سَبَبُ تَرْكِ الْإِيصَاءِ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْأَصْحَابِ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ الْفَقْدِ فَكَأَنَّهُمْ جَمَعُوا الْمَسْأَلَتَيْنِ وَالصَّوَابُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا وَذَكَرُوا الْخِلَافَ بَيْنَ أَبِي إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ فِيمَا إذَا ذَكَرَ جِنْسَ الْوَدِيعَةِ وَلَمْ يَصِفْهَا فَلَمْ تُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ: يَضْمَنُ خِلَافًا لِأَبِي إِسْحَاقَ.
فَإِنْ كَانَ الرَّافِعِيُّ يُثَبِّتُ هَذَا الْخِلَافَ إذَا وَصَفَهَا أَيْضًا وَلَمْ تُوجَدْ وَيَقُولُ: إنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوصِيَ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ فَهُوَ مُقْتَضَى نَصِّ الشَّافِعِيِّ الَّذِي حَكَيْنَاهُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ،
стр. 784
وَإِنْ كَانَ لَا يُثْبِتُهُ إذَا وَصَفَهَا بَلْ يَجْزِمُ بِعَدَمِ التَّضْمِينِ فَلَا وَجْهَ لَهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بِذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ حَاصِلَةً عِنْدَهُ حِينَ الْإِيصَاءِ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُكْمِ ضَمَانِهَا إذَا جَهِلْنَا هَلْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَ الْإِيصَاءِ وَهُوَ الَّذِي اقْتَضَى إطْلَاقُ النَّصِّ التَّضْمِينَ فِيهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الْجِنْسِ فَقَالَ: عِنْدِي ثَوْبٌ لِفُلَانٍ وَلَمْ يُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ ثَوْبٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ: يَضْمَنُ عِنْدَ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ خِلَافًا لِأَبِي إِسْحَاقَ فَإِنْ كَانَ التَّضْمِينُ لِأَجْلِ التَّقْصِيرِ بِتَرْكِ الْوَصْفِ فَالتَّقْصِيرُ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ حَتَّى يَحْصُلَ عَدَمُ التَّمْيِيزِ بِسَبَبِهِ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ ثَوْبٌ آخَرُ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فَصَارَ اشْتِرَاطُ الْوَصْفِ لَنَفْيِ الضَّمَانِ لَا مَعْنَى لَهُ.
ثُمَّ لَيْتَ شَعْرِي أَيُّ وَصَفٍّ يُشْتَرَطُ وَمَا ضَابِطُ الْأَوْصَافِ الَّتِي يَجِبُ ذِكْرُهَا، وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ زَالَ التَّقْصِيرُ وَمُجَرَّدُ الْجِنْسِ حَيْثُ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْهُ غَيْرُ مَا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ فِي التَّرِكَةِ يَكُونُ كَمَا لَوْ وَصَفَ وَلَمْ يُوجَدْ وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِمَا فِي الْحَالَتَيْنِ وَاحِدًا إمَّا الضَّمَانُ وَإِمَّا عَدَمُ الضَّمَانِ.
وَلْتَعْلَمْ أَنَّا قَدَّمْنَا فِي مَأْخَذِ التَّضْمِينِ عِنْدَ الْفَقْدِ جَعْلَهُ جَهْلَ الْوَدِيعَةِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ ضَمَانُ عُدْوَانٍ فَنُقِيمُ عُذْرًا لِلرَّافِعِيِّ وَمَنْ سَبَقَهُ فِي جَعْلِ الْمَسْأَلَةِ وَاحِدَةً وَلَكِنَّهُ قَدْ يُشَكِّلُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ جَازِمُونَ فِيمَا إذَا مَاتَ فَجْأَةً بِعَدَمِ الضَّمَانِ وَلَا جَوَابَ عَنْهُ إلَّا أَنَّ الرُّويَانِيَّ قَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا إذَا هَلَكَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ يَجِبُ حَمْلُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَيَزُولُ عَنْهُ الْإِشْكَالُ، وَمَتَى جَعَلْنَا الْمَأْخَذَ التَّجْهِيلَ بِسَبَبِ وَضْعِهَا فِي مَكَان لَا يُعْلَمُ اقْتَضَى الضَّمَانَ، وَإِنْ مَاتَ فَجْأَةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنَّهَا إذَا تَلِفَتْ عَقِبَ مَوْتِهِ وَعَلِمْنَا بِهَا حُكِمَ بِضَمَانِهَا لِتَرْكِهِ الْإِيصَاءَ وَإِنَّمَا نَقُولُ: لَا يَضْمَنُ إذَا كُنَّا قَدْ عَلِمْنَا بِهَا وَمَاتَ فَجْأَةً وَتَلِفَتْ بَعْدَهُ أَوْ مِلْنَا بِأَنَّ مَأْخَذَ التَّضْمِينِ جَعَلَهَا مَوْجُودَةً إذَا كَانَ جِنْسُهَا مَوْجُودَةً وَحَكَمْنَا بِأَنَّ هُوَ الْوَدِيعَةُ فَيُقَدَّمُ بِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَمَنْ قَالَ: يُزَاحِمُ الْغُرَمَاءَ يُضْطَرُّ إلَى أَنْ يَجْعَلَ سَبَبَهُ التَّجْهِيلَ الْمُبَيِّنَ لِلضَّمَانِ قُبَيْلَ الْمَوْتِ فَيَتَّحِدُ مَعَ مَسْأَلَةِ تَرْكِ الْوَصِيَّةِ.
(الْفَصْلُ الثَّانِي) إذَا مَاتَ وَتَحَقَّقْنَا تَلَفَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ فَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ فَجْأَةً وَتَلِفَتْ عَقِبَ مَوْتِهِ فَلَا ضَمَانَ قَطْعًا لَا ضَمَانَ عُدْوَانٍ وَإِنْ سَبَّبَ تَرْكُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 785
لَا تَقْصِيرَ مِنْهُ وَلَا تَسَبُّبَ فَقْدٍ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُفْقَدْ بَلْ وُجِدَتْ ثُمَّ تَحَقَّقَ تَلَفُهَا فَهِيَ كَمَا لَوْ تَلِفَتْ فِي حَيَاتِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلَا ضَمَانَ فِيهَا.
وَإِنْ مَاتَ عَنْ مَرَضٍ فَقَدْ قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ الْمَرَاوِزَةُ وَالرَّافِعِيُّ: إنَّ تَرْكَ الْإِيصَاءِ تَقْصِيرٌ مُضَمَّنٌ.
وَمَحِلُّ كَلَامِهِمْ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَرَضُ مَخُوفًا أَوْ عَجَزَ عَنْ الرَّدِّ إلَى الْمَالِكِ أَوْ إلَى وَكِيلِهِ وَكَذَا إلَى الْحَاكِمِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ الْبَغَوِيّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ إلَى الْمَالِكِ بِخِلَافِ السَّفَرِ وَالْأَكْثَرُونَ جَعَلُوا حُكْمَهُ حُكْمَ السَّفَرِ فَأَوْجَبُوا الرَّدَّ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَحَيْثُ عَجَزَ عَنْ الرَّدِّ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَوْ لَمْ يَعْجِزْ عَلَى قَوْلِ الْبَغَوِيِّ فَيُوصِي قَالَ هَؤُلَاءِ فَإِنْ لَمْ يُوصِ صَارَ ضَامِنًا وَهَذَا الضَّمَانُ يَسْتَنِدُ إلَى قَبْلِ الْمَوْتِ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ يَعْنِي إذَا تَلِفَ بَعْدَ مَوْتِهِ يَسْتَنِدُ ضَمَانُهَا إلَى قَبْلِ مَوْتِهِ كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَتَرَدَّى فِيهَا شَخْصٌ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ الْوَصِيَّةِ حَامِلٌ لِلْوَرَثَةِ عَلَى قِسْمَتِهَا فِي التَّرِكَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ يَتَبَيَّنُ الضَّمَانَ مِنْ أَوَّلِ الْمَرَضِ.
وَلَمْ أَرَ هَذَا لِغَيْرِ الرَّافِعِيِّ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهَا إذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فِي مُدَّةِ الْمَرَضِ أَنْ تَكُونَ مِنْ ضَمَانِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ كَالسَّفَرِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الضَّمَانُ إلَّا بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْرِيَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالرَّدِّ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَبِالْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ أَوْ عَلَى رَأْيِ الْبَغَوِيِّ عِنْدَ الْإِمْكَانِ أَيْضًا مُوَسِّعٌ غَايَتَهُ الْمَوْتَ فَيُشْبِهُ الْحَجَّ، وَفِي الْحَجِّ إذَا تَرَكَهُ مَنْ مَضَى عَلَيْهِ سُنُونَ وَهُوَ قَادِرٌ خِلَافٌ هَلْ يَقْضِي مِنْ أَوَّلِ زَمَنِ الْإِمْكَانِ أَوْ مِنْ آخِرِهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ آخِرِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: مِنْ أَوَّلِهِ فَهُوَ يُوَافِقُ الْقَوْلَ هُنَا بِأَنَّ الضَّمَانَ مِنْ أَوَّلِ الْمَرَضِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قُبَيْلَ الْمَوْتِ بِزَمَانٍ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْوَصِيَّةُ أَوْ الرَّدُّ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ حَيْثُ حَكَمْنَا هُنَا بِالضَّمَانِ فَهُوَ ضَمَانُ الْعُدْوَانِ وَتَضْمِينُهُ يُتْلِفُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ انْعَزَلَ بِالْمَوْتِ وَتَلِفَتْ فِي حُكْمِ يَدِهِ بِغَيْرِ وَدِيعَةٍ فَيَضْمَنُ وَلَا يَتَأَتَّى فِي هَذَا خِلَافٌ.
وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهَا إذَا لَمْ تُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلْجَهْلِ عَلَى أَنَّهَا تَلِفَتْ فِي حَيَاتِهِ عَلَى حُكْمِ الْأَمَانَةِ وَهَذَا مُنْتَفٍ هَاهُنَا.
نَعَمْ هَذَا شَرْطُهُ أَنْ نَكُونَ تَحَقَّقْنَا وُجُودَهَا عِنْدَ الْمَوْتِ فَلَوْ لَمْ نَتَحَقَّقْ ذَلِكَ وَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ قَبْلَ الْمَرَضِ فَتَجِيءُ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ إذَا مَاتَ وَلَمْ نَجِدْهَا فِي التَّرِكَةِ فَتَأْتِي فِيهَا الْأَوْجُهُ الْأَرْبَعَةُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ
стр. 786
فِي ذَلِكَ صُورَتَيْنِ:
(إحْدَاهُمَا) إذَا ادَّعَتْ الْوَرَثَةُ التَّلَفَ قَبْلَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى تَقْصِيرٍ بِتَرْكِ الْوَصِيَّةِ وَرَتَّبَهُ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ: إنَّ الْأَوْلَى عَدَمُ الضَّمَانِ يَعْنِي إذَا ادَّعَوْا ذَلِكَ وَأَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا عَلَيْهِ أَمَّا إذَا أَقَامُوا بَيِّنَةً بِتَلَفِهَا قَبْلَ الْمَرَضِ فَلَا ضَمَانَ قَطْعًا.
(الثَّانِيَةُ) إذَا لَمْ يَجْزِمْ الْوَرَثَةُ بِدَعْوَى التَّلَفِ وَلَكِنْ قَالُوا: لَعَلَّهَا تَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى التَّقْصِيرِ، وَقَالَ: إنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الضَّمَانَ وَالرَّافِعِيُّ نُقِلَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّ الظَّاهِرَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَلَيْسَ كَمَا نُقِلَ، وَكَانَ الرَّافِعِيُّ طَالَعَ أَوَّلَ كَلَامِ النِّهَايَةِ دُونَ آخِرِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: إنَّ الْأَصَحَّ فِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ الضَّمَانُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُهُ إنْ تَحَقَّقْنَا تَرْكَ الْإِيصَاءِ وَهُوَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي نِسْبَتِهِ إلَى التَّقْصِيرِ فَلَا نُسْقِطُهُ فِي الشَّكِّ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ وَأَنَّهُ وَافَقَ ظَاهِرَ النَّصِّ.
وَقَوْلُهُ فِي الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إذَا ادَّعَوْا التَّلَفَ أَنَّ الْأَوْلَى عَدَمُ الضَّمَانِ لَعَلَّ مُسْتَنَدَهُمْ أَنْ نُقِيمَهُمْ مَقَامَ مُوَرِّثِهِمْ فِي دَعْوَى التَّلَفِ وَنَقْبَلُ قَوْلَهُمْ فِيهِ بِيَمِينِهِمْ إذَا نَسَبُوهُ إلَى حَيَاةِ الْمُودَعِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُؤْتَمَنِينَ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ لِدَعْوَى لَوْ قَالُوا: رَدَّهُ عَلَيْك مُوَرِّثُنَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ ذَكَرَ فِيمَا إذَا ادَّعَى الْوَرَثَةُ أَنَّ مُوَرِّثَهُمْ رَدَّ الْوَدِيعَةَ أَوْ تَلِفَتْ فِي حَيَاتِهِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، قَالَ الْبَغَوِيّ يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ الْأَوْجَهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا بِدُخُولِهَا فِي أَيْدِيهِمْ.
قُلْت: وَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنَهُمْ، وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي فِيمَا إذَا مَاتَ مَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فَجْأَةً وَلَمْ تُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْوَرَثَةِ فِي أَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِمْ تَسْلِيمُ شَيْءٍ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ.
وَفِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ مَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ نَظَرٌ وَإِنَّمَا يَصِحُّ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ وَيَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُولَى إذَا أَنْكَرُوا أَصْلَ الْإِيدَاعِ، وَقَدْ تُلَخَّصُ مِنْ هَذَا أَنَّهَا إذَا لَمْ تُوصِ مَعَ عِلْمِنَا بِأَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ الْمَرَضِ ثُمَّ لَمْ نَجِدْهَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ بِلَا خِلَافٍ بِسَبَبِ التَّقْصِيرِ وَضَامِنٍ أَيْضًا بِسَبَبِ الْفَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِوُجُودِهَا عِنْدَ الْمَرَضِ فَلَيْسَ ضَامِنًا بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ وَفِي ضَمَانِهِ بِالثَّانِي مَا سَبَقَ، أَمَّا إذَا أَوْصَى فَإِنْ أَوْصَى إلَى غَيْرِ عَدْلٍ ضَمِنَ إنْ سَلَّمَهَا إلَيْهِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِ الْإِيصَاءِ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ وَإِنْ وَصَّى إلَى عَدْلٍ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: عِنْدِي وَدِيعَةٌ لِفُلَانٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يُوَصِّ
стр. 787
وَإِنْ وَصَفَهَا وَمَيَّزَهَا فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِي التِّرْكَةِ فَلَا ضَمَانَ بِسَبَبِ التَّقْصِيرِ قَطْعًا وَفِي ضَمَانِهَا بِسَبَبِ الْفَقْدِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الرَّافِعِيُّ الْخِلَافَ فِي ضَمَانِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ إلَّا فِي ضَمَانِ التَّقْصِيرِ وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَصِفْهَا بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى جِنْسِهَا فَقَالَ: عِنْدِي ثَوْبٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ جِنْسُ الثَّوْبِ ضَمِنَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ عِنْدَ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يَضْمَنُ. وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَ الْغَزَالِيُّ.
وَهَذَا مِنْ الرَّافِعِيِّ لَعَلَّ مُسْتَنَدَهُ أَنَّهُمْ نَقَلُوا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُهَا أَوْ لَا وَاقْتَضَى كَلَامُهُمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ بِذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ وَمِنْ ذَلِكَ يُوجَدُ خِلَافُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيَصِحُّ نَقْلُ الرَّافِعِيِّ عَنْهُ عَلَى هَذَا بِطَرِيقِ التَّوْكِيدِ لَا؛ لِأَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِخُصُوصِهَا وَمَعَ هَذَا كَلَامُ أَبِي إِسْحَاقَ فِي الضَّمَانِ بِسَبَبِ الْفَقْدِ وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ إنَّمَا هُوَ فِي الضَّمَانِ بِسَبَبِ التَّقْصِيرِ.
ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ: إنْ وُجِدَ فِي تَرِكَتِهِ جِنْسُهُ بِأَنْ وُجِدَ أَثْوَابٌ ضَمِنَ وَهَذَا الَّذِي قَطَعَ بِهِ فِي الضَّمَانِ فِيهِ نَظَرٌ وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ يُعْطَى وَاحِدًا مِنْهَا؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ تَجْهِيلَهُ فَقَدْ يَكُونُ غَيْرُهُ خَلَطَهُ بِهِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ نَنْقُلُهُ مِنْ الْأَمَانَةِ إلَى ضَمَانِ الذِّمَّةِ وَضَمَانُ الْفَقْدِ مُتَعَذِّرٌ؛ لِأَنَّ الْفَقْدَ لَمْ يُوجَدْ.
وَأَبُو إِسْحَاقَ يَجْعَلُ وُجُودَ الْجِنْسِ كَوُجُودِ الْوَدِيعَةِ.
ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَإِنْ وُجِدَ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَفِي التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ أَنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ وَاسْتَحْسَنَ أَنَّهُ يَضْمَنُ وَلَا يَتَعَيَّنُ أَمَّا الضَّمَانُ فَلِلتَّقْصِيرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قِيَاسَ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ فَإِنَّمَا ضَمِنُوهُ بِالْفَقْدِ وَالْفَقْدُ هُنَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فَالْأَوْلَى جَعَلُ الْمَوْجُودِ هُوَ الْوَدِيعَةُ، ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ أَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ إذَا قَالَ: عِنْدِي ثَوْبٌ لِفُلَانٍ وَذَكَرَ مَعَهُ مَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ هَذَا صَحِيحٌ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ فِي ضَمَانِ الْفَقْدِ أَمَّا ضَمَانُ الْعُدْوَانِ بِتَرْكِ الْإِيصَاءِ فَلَا يَعْرِفُ هَذَا الْوَجْهَ مَحْكِيًّا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ وَالصَّدَقَاتِ]
(مَسْأَلَةٌ) اُشْتُهِرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يُسَوِّي فِي الْعَطَاءِ. وَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ يُعْطِي بِحَسَبِ الْفَضَائِلِ. وَخَطَرَ لِي أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ
стр. 788
بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا عُمَرُ ﵁ كَثُرَتْ الْفُتُوحُ وَالْأَمْوَالُ فِي زَمَانِهِ وَهُوَ ﵁ يَسُدُّ خَلَلَ الْمُحْتَاجِينَ عَنْهُمْ، وَبَعْدَ كِفَايَةِ الْمُحْتَاجِينَ لَوْ حَصَلَتْ التَّسْوِيَةُ فِي الزَّائِدِ بَيْنَ الْفَاضِلِ وَالْمَفْضُولِ كَانَ الصَّرْفُ إلَى الْمَفْضُولِ مَا زَادَ مِنْ كِفَايَتِهِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَحِرْمَانِ الْفَاضِلِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَاجَةِ غَيْرِهِ إلَيْهِ يَحْسُنُ لِحَقِّهِ فَاقْتَضَتْ الْحَالَةُ التَّفْضِيلَ.
وَفِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ لَمْ تَكُنْ فُتُوحٌ وَكَانَتْ الْأَرْزَاقُ قَلِيلَةً فَلَوْ أَعْطَى الْفَاضِلَ مَا يَسْتَحِقُّهُ لَبَقِيَ الْمَفْضُولُ الْمُحْتَاجُ جَائِعًا وَكِفَايَتُهُ وَاجِبَةٌ فَفَعَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي زَمَانِهِ مَا اقْتَضَاهُ حَالُهُ وَزَمَانُهُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَرَى أَنَّ الدُّنْيَا بَلَاغٌ وَأَنَّ الْفَضَائِلَ تُحَالُ أَجْزَاؤُهَا عَلَى الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ وَأَبْقَى.
وَرَتَّبْت عَلَى هَذَا الْبَحْثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ فِي الْمَصَالِحِ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ زَمَانٌ شَدِيدٌ عَلَى النَّاسِ يُقَدِّمُ سَدَّ الْخَلَّاتِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مَهْمَا أَمْكَنَهُ وَبَعْدَهَا يَنْظُرُ فِي الْفَضَائِلِ لِئَلَّا يَضِيعَ الْمُحْتَاجُونَ.
وَهَذَا فِي الْأَحْوَالِ الْعَامَّةِ أَمَّا الَّتِي هِيَ مَشْرُوطَةٌ بِوَصْفٍ فَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ ذَلِكَ الْوَصْفِ، وَقَدْ يَكُونُ لِذَلِكَ الْوَصْفِ مَرَاتِبُ أَدْنَى وَأَعْلَى فَتَقْتَضِي الْحَاجَةُ الِاكْتِفَاءَ بِالْأَدْنَى وَعِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ لَا يَكْتَفِي بِالْأَدْنَى وَيَطْلُبُ الْأَعْلَى، وَوَقْتُنَا هَذَا وَقْتٌ صَعْبٌ عَلَى النَّاسِ فَأَنَا أَمِيلُ فِيهِ إلَى سَدِّ الْخَلَّاتِ مَا أَمْكَنَ انْتَهَى.
قَوْلُهُ ﷺ «لَا تَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» فِيهِ مَسَائِلُ:
(الْأُولَى) لَا شَكَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُورَثُ. فَقَوْلُهُ " وَرَثَتِي " إمَّا أَنْ يُقَالَ: وَرَثَتِي بِالْقُوَّةِ لَوْ كُنْت مِمَّنْ أُورَثُ. وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ الْوَرَثَةِ أَنْ يَرِثُوا حَتَّى يَجِدُوا مَا يَرِثُونَهُ وَجَمِيعُ مَالِهِ ﷺ انْتَقَلَ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِقَوْلِهِ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ فَيَكُونُ وَرَثَتُهُ بِمَنْزِلَةِ وَرَثَةِ غَيْرِهِ الَّذِينَ لَمْ يَجِدُوا مَا يَرِثُونَهُ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُمْ إنَّمَا سَلَبُوا الْوَرَثَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِتَمَامِهِ فَسَمَّاهُمْ وَرَثَةً بِاعْتِبَارِهِمْ حِينَئِذٍ ثُمَّ سَلَبَ عَنْهُمْ الْإِرْثَ بِتَمَامِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِتَمَامِهِ.
وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الثَّالِثَةَ الْمُحَصِّلَةُ لَا يُقْتَضَى وُجُودُ مَوْضُوعِهَا فَلَا تَقْتَضِي الصِّيغَةُ الْمَذْكُورَةُ وُجُودَ وَرَثَةٍ.
وَإِنْ صَحَّ هَذَا فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُنْكَرِ وَالْمُضَافِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّك إذَا قُلْت " لَا يَقُومُ ابْنُ زَيْدٍ " يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ زَيْدًا لَهُ ابْنٌ وَصَدَقَ هَذَا الْكَلَامُ بِكَوْنِ زَيْدٍ لَا ابْنَ لَهُ لَا يَفْهَمُهُ أَهْلُ الْعُرْفِ إلَّا أَنَّ
стр. 789
الْعُلَمَاءَ ذَكَرُوهُ فِي " عَلَى لَاحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ " وَهُوَ مُضَافٌ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ لَا يَقْتَسِمُ مَا أَتْرُكُهُ لِجِهَةِ الْإِرْثِ فَإِنَّك إذَا قُلْت: لَا يَقْتَسِمُ أَوْلَادِي دِرْهَمًا كَانَ نَفْيًا عَامًا لِلِاقْتِسَامِ عَنْ الْإِرْثِ وَعَنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ هَذَا الْمَقْصُودُ فَالْمَقْصُودُ نَفْيُ الِاقْتِسَامِ عَنْ جِهَةِ الْإِرْثِ فَلِذَلِكَ أَتَى بِلَفْظِ وَرَثَتِي لِيَكُونَ الْحُكْمُ مُعَلَّلًا بِمَا بِهِ الِاشْتِقَاقُ وَهُوَ الْإِرْثُ فَالْمَنْفِيُّ اقْتِسَامُهُمْ بِالْإِرْثِ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْمَبَاحِثِ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ إرْثَ غَيْرِ الْمَالِ هَلْ يَثْبُتُ كَالْمُطَالَبَةِ بِالْحَقِّ وَالْعَفْوِ عَنْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَالَ لَا يُورَثُ عَنْهُ ﷺ لِقَوْلِهِ «لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا» وَمِمَّا صَحَّ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتْرُكْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَإِنَّمَا تَرَكَ أَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً.
وَبِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا» أَمَّا غَيْرُ الْمَالِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا يُورَثُ أَيْضًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ «إنَّا مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرَّثُ» وَبِقَوْلِهِ «إنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ» .
إنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى " إنَّمَا " لِلْحَصْرِ، وَقَدْ يُقَالُ: نُوَرَّثُ وَإِنَّمَا لَيْسَتْ لِلْحَصْرِ، وَقَوْلُهُ: لَا نُوَرَّثُ يُحْمَلُ عَلَى الْمَالِ.
وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا ذَكَرَهَا الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِيمَا لَوْ قَالَ: عَفَى بَعْضُ بَنِي أَعْمَامِهِ عَنْ الْمُفْتَرَضِ وَلِي طَلَبُهُ. وَرَجَّحْت فِي كِتَابِ السَّيْفِ الْمَسْلُولِ أَنَّ الْإِرْثَ لَيْسَ إلَّا فِي الْعِلْمِ وَأَنَّ الْحُقُوقَ كَالْمَالِ لَا تُوَرَّثُ.
ثُمَّ الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ إذَا ثَبَتَ الْوَجْهُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ لَا يَجْرِي فِي هَذَا الزَّمَانِ إلَّا فِي أَوْلَادِ الْعَبَّاسِ؛ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ هُوَ الَّذِي كَانَ عَاصِبًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَفِي أَوْلَادِ فَاطِمَةَ لَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهِمْ مِنْ أُمِّهِمْ، أَمَّا بَقِيَّةُ بَنِي أَعْمَامِهِ فَلَا مَا دَامَ الْحُسَيْنِيُّونَ وَالْحَسَنِيُّونَ وَالْعَبَّاسِيُّونَ مَوْجُودِينَ، وَعَلَى تَفْرِيعِهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ ذَلِكَ لِشَخْصٍ مَعَ وُجُودِ مَنْ يُدْلِي بِهِ، وَقِيلَ: هَذَا مِنْ تَفْرِيعِ الْوَجْهِ الضَّعِيفِ وَلَكِنَّهُ مَعَ ضَعْفِهِ يَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ ﷺ " وَرَثَتِي " سَمَّاهُمْ وَرَثَةً وَوِرَاثَةُ الْعِلْمِ لَا تَخْتَصُّ بِهِمْ هُوَ الْحَقُّ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) ذِكْرُ النَّفَقَةِ لِلنِّسَاءِ وَالْمُؤْنَةِ لِلْعَامِلِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مَدْلُولِ النَّفَقَةِ وَمَدْلُولِ الْمُؤْنَةِ فَإِنْ كَانَا وَاحِدًا فَلِمَ غَايَرَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فَتَبَيَّنَ اخْتِلَافُهُمَا ثُمَّ سَبَبُ اخْتِصَاصِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِمَا خُصَّ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.
وَالْجَوَابُ قَدْ قِيلَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ذَكَرَ الْمُؤْنَةَ فِي النِّسَاءِ فَلَا فَرْقَ وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَقَدْ رَأَيْت فِي كَلَامِ اللُّغَوِيِّينَ
стр. 790
وَأَنَّهُ إذَا قَامَ لِكِفَايَتِهِ وَأَنْفَقَ الشَّيْءَ عَلَى أَهْلِهِ إذَا فَوَّتَهُمْ بِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّفَقَةَ دُونَ الْمُؤْنَةِ فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَيَحْتَمِلُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لِكَمَالِ زُهْدِهِ وَرَغْبَتِهِ عَنْ الدُّنْيَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَمَنْ يَخْتَصُّ بِهِ أَزْوَاجُهُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لِاخْتِيَارِهِمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ إرَادَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا مَعَ إبَاحَتِهَا لَهُنَّ لِتَمْكِينِهِنَّ مِنْهَا وَتَقْرِيرِهِنَّ عَلَيْهَا لَوْ أَرَدْنَهَا فَكَانَتْ رُتْبَتُهُنَّ أَعْظَمَ الْمَرَاتِبِ فَاخْتِيرَ لَهُنَّ النَّفَقَةُ الَّتِي قَدِمَهَا بِالضَّرُورَةِ وَالْقُوتِ وَذَخَرَ نَصِيبَهُنَّ لِلْآخِرَةِ لِيُوَفَّيْنَ أُجُورَهُنَّ مَرَّتَيْنِ وَلِشَفَقَتِهِ عَلَى الْخَلْقِ وَعِلْمِهِ بِأَنْ لَيْسَ كُلُّ النُّفُوسِ تَصْبِرُ عَلَى الضِّيقِ جَعَلَ لِلْعَامِلِ كِفَايَتَهُ لِئَلَّا تُضَيِّقَ نَفْسُهُ وَهُوَ لَيْسَ بِمُعِينٍ بِخِلَافِ الزَّوْجَاتِ اللَّوَاتِي خَبَرَ حَالَهُنَّ وَأَيْضًا فَاَلَّذِي أَخَذَهُ أُجْرَةُ عَمَلٍ، هَذَا الَّذِي خَطَرَ لِي فِي ذَلِكَ إنْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ مِنْ الرُّوَاةِ وَرِوَايَةٍ بِالْمَعْنَى فَإِنَّ الْحَدِيثَ فِي الْبُخَارِيِّ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ [التوبة: ١٢١] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] فَفِي الْآيَتَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى انْقِسَامِ النَّفَقَةِ إلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: النَّفَقَةُ اسْمٌ لِمَا يَخْرُجُ، وَالْمُؤْنَةُ قَدْ تُدَّخَرُ فَلَمْ يَجْعَلْ ﷺ لِنِسَائِهِ إلَّا قَدْرَ مَا يُخْرِجْنَهُ لِيَكُنَّ عَلَى أَفْضَلِ الْحَالَاتِ وَأَكْمَلِهَا مِنْ الزُّهْدِ وَالتَّجَرُّدِ عَنْ الدُّنْيَا وَالتَّبَتُّلِ لِلْآخِرَةِ وَجَعَلَ لِلْعَامِلِ مَا يُمَوِّنُهُ وَقَدْ يَدَّخِرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى عَلَى مَا يَقْوَى عَلَيْهِ بَيْتُ النُّبُوَّةِ وَلِأَنَّهُ أُجْرَةُ عَمَلٍ.
وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَفْضُلُ عَائِشَةَ فِي الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ ﵁ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيمِ مَنْ يُحِبُّهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَفْعَلُ مَا يَلِيقُ بِهَا فَلَمْ تَكُنْ تَدَّخِرُ شَيْئًا ﵂ وَعَنْ أَبِيهَا وَكَذَا بَقِيَّةُ النِّسَاءِ يَجِبُ عَلَيْنَا تَفْضِيلُهُنَّ وَتَفْضِيلُ قِسْمَهُنَّ لِشَرَفِهِنَّ، وَهُنَّ يَفْعَلْنَ مَا يَلِيقُ بِهِنَّ مِنْ الزَّهَادَةِ وَمَا اخْتَارَهُ لَهُنَّ ﷺ فَاخْتِيَارُهُ لَهُنَّ شَيْءٌ وَاخْتِيَارُهُنَّ؛ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْءٌ وَاخْتِيَارُنَا نَحْنُ لَهُنَّ شَيْءٌ وَلَا يُعَوِّضُ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ الْآخَرَ.
وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ فِي حَقِّ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ أَنْ يُكْرِمُوهُمْ وَيُفَضِّلُوهُمْ ثُمَّ هُمْ يَخْتَارُونَ؛ لِأَنْفُسِهِمْ مَا يَرَوْنَهُ بِمَا يَلِيقُ بِعِلْمِهِمْ وَزُهْدِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَهَذَا ظَاهِرٌ
стр. 791
وَلَكِنَّا أَطَلْنَا فِيهِ لِئَلَّا يَقُولَ جَاهِلٌ: إنَّهُ إذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا جَعَلَ لَهُنَّ النَّفَقَةَ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّا نَقُولُ: إنَّهُ يَجِبُ لَهُنَّ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَسَائِرُ مَا يَحْتَجْنَ إلَيْهِ وَكُلُّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي اسْمِ النَّفَقَةِ وَلَهُنَّ أَنْ يَدَّخِرْنَ كِفَايَتَهُنَّ سَنَةً وَإِذَا ثَبَتَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ الَّذِي فِيهِ مُؤْنَةُ نِسَائِي فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَيْنِ ثَابِتَانِ وَأَنَّهُ ﷺ تَكَلَّمَ بِهِمَا مَرَّتَيْنِ فَمَرَّةً ذَكَرَ الْمُؤْنَةَ لِيُعَرِّفَنَا أَنَّ الْوَاجِبَ لَهُنَّ ذَلِكَ وَمَرَّةٌ ذَكَرَ النَّفَقَةَ لِيُنَبِّهَهُنَّ عَلَى الزَّهَادَةِ وَالِاقْتِصَادِ وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَوْسَعَ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ أَنْ يَفْهَمَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَدَّخِرَهُ وَيَكْنِزَهُ بَلْ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ قَدْرَ الضَّرُورَةِ وَيَصْرِفُ الْبَاقِيَ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ فَيَكُونُ زَاهِدًا وَإِنْ كَانَتْ الدُّنْيَا فِي يَدِهِ وَفَقِيرٌ أَوْ كَانَ غَنِيًّا وَصَابِرًا شَاكِرًا. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنَّهُ إنَّمَا اُخْتِيرَ لَفْظُ النَّفَقَةِ فِي النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهَا نَفَقَةُ الزَّوْجِيَّةِ؛ لِأَنَّهُنَّ يُمْنَعْنَ التَّزَوُّجَ بَعْدَهُ فَجُعِلَتْ نَفَقَةُ الزَّوْجِيَّةِ بَعْدَهُ بَاقِيَةً عَلَيْهِنَّ إلَى حِينِ مَوْتِهِنَّ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ قَدْ عَهِدَ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ اسْمَ النَّفَقَةِ دُونَ اسْمِ الْمُؤْنَةِ.
وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ اسْتِحْقَاقَهُنَّ لِلسُّكْنَى كَاسْتِحْقَاقِ الْمُعْتَدَّةِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعُمْرِ فِي حَقِّهِنَّ بِمَثَابَةِ زَمَانِ الْعِدَّةِ فِي حَقِّ غَيْرِهِنَّ لِحُرْمَةِ تَزَوُّجِهِنَّ وَإِنْ اخْتَلَفَ سَبَبُ الْحُرْمَةِ فَفِي حَقِّ غَيْرِهِنَّ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ وَفِي حَقِّهِنَّ تَعْظِيمُ النَّبِيِّ ﷺ وَتَعْظِيمُهُنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ.
[كِتَابُ النِّكَاحِ]
(مَسْأَلَةٌ مِنْ الْفَيُّومِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ) مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَسَمَّى لَهَا مَهْرًا حَالًا وَمُؤَجَّلًا وَلَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى بَعْضِ الْحَالِ فَأَبَتْ أَنْ تُسَلِّمَ نَفْسَهَا إلَّا أَنْ تَقْبِضَ الْحَالَ كُلَّهُ وَهُوَ مَضْرُورٌ إلَى النِّكَاحِ وَيَخَافُ الْعَنَتَ وَوَجَدَ امْرَأَةً هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَعَ بَقَاءِ الْأُولَى فِي عِصْمَتِهِ؟ .
(الْجَوَابُ) إذَا ظَهَرَ لِلْوَلِيِّ حَاجَتُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى أَدَاءِ الْحَالِ وَلَمْ تَرْضَ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا بِدُونِهِ وَكَانَ فِرَاقُهَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ بِهِ وَلَا يَتَوَقَّعُ الْمُطَاوَعَةَ وَلَا الْقُدْرَةَ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَاجَةِ إلَى الْوَطْءِ جَازَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ مَنْ تَنْدَفِعُ بِهَا حَاجَتُهُ فَإِنَّ الْأَصْحَابَ اخْتَلَفُوا هَلْ يُزَوَّجُ السَّفِيهُ بِالْمَصْلَحَةِ أَوْ بِالْحَاجَةِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَصْلَحَةِ فَلَا
стр. 792
إشْكَالَ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَاجَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ فَقَدْ بَنَوْا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُزَوَّجُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ يَخَافُ الْعَنَتَ وَتَحْتَهُ حُرَّةٌ لَا تَصْلُحُ لِلِاسْتِمْتَاعِ هَلْ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ الْجَوَازُ وَعِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ وَالْبَغَوِيِّ الْمَنْعُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ: إنَّهُ أَحْوَطُ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا إشْكَالَ فِي الْجَوَازِ هُنَا أَيْضًا وَعَلَى الثَّانِي يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِالْمَنْعِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِالْجَوَازِ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ مَحْذُورَ رَقِّ الْوَلَدِ أَشَدُّ فِي نَظَرَ الشَّرْعِ.
وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي الْمُحَرَّرِ: إنَّ الْأَحْوَطَ الْمَنْعُ لَعَلَّ مَأْخَذَهُ أَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ دَلِيلُ الْحَظْرِ وَدَلِيلُ الْإِبَاحَةِ فَغَلَّبَ الْحَظْرَ وَإِلَّا فَلَا يُقَالُ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ مِنْ حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ: إنَّهُ أَحْوَطُ، وَلَمْ يَعْتَمِدْ النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ هَذَا بَلْ قَالَ: لَا يَنْكِحُ الْحُرُّ أَمَةً إلَّا بِشُرُوطٍ: أَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ تَصْلُحُ لِلِاسْتِمْتَاعِ، وَقِيلَ: أَوْ لَا تَصْلُحُ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّوَوِيَّ يَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْعِرَاقِيِّينَ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ مِنْ إفَادَاتِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ الْأَحْوَطُ لَا يَقْتَضِي تَصْحِيحًا، وَعَلَى الْجُمْلَةِ الْمَنْعُ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ إذَا قِيلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّصِّ بَلْ يَقْتَضِي مَفْهُومَ النَّصِّ مَنْعَهُ وَلَيْسَ فِي السَّفِيهِ نَصٌّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ تَزْوِيجُ الصِّغَارِ وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُصَرِّحَ السُّلْطَانُ فِي تَقْلِيدِ الْقَاضِي بِذَلِكَ فَنَشَأَ لَنَا عَنْ ذَلِكَ بَحْثَانِ:
(أَحَدُهُمَا) إذَا كَانَ السُّلْطَانُ شَافِعِيًّا لَا يَرَى تَزْوِيجَ الصِّغَارِ هَلْ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَ حَنَفِيًّا؟ وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ الْجَوَازُ وَإِذَا قُلْنَا بِهِ فَهَلْ يَمْتَنِعُ لَهُ أَنْ يَنُصَّ عَلَى تَزْوِيجِ الصِّغَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى فَكَيْفَ يَنُصُّ عَلَيْهِ أَوْ يُجَوِّزُ لَهُ لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا وَإِلَّا فَهُوَ كَالْأَوَّلِ.
وَوَجْهُ احْتِمَالِ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ يَأْذَنُ أَنْ يُزَوِّجَ عَلَى مَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ بِخَطَئِهِ وَهَلْ لِلْقَاضِي الشَّافِعِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لِحَنَفِيٍّ فِي تَزْوِيجِ صَغِيرَةٍ تَحْتَ نَظَرِهِ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ النَّاظِرُ فِي الْأُمُورِ كَالسُّلْطَانِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا قُلْنَاهُ فِي السُّلْطَانِ الشَّافِعِيِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ فَلَا يَنُصُّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ اسْتِنَابَتِهِ حَنَفِيًّا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ.
وَهَذَانِ لَمْ أَرَ أَحَدًا خَرَّجَهُمَا غَيْرِي، وَاَلَّذِي وَجَدْته فِي ذَلِكَ تَصْنِيفُ كَمَالِ الدِّينِ التَّفْلِيسِيِّ فِي أَنَّ عَقْدَ الْحَنَفِيِّ هَلْ هُوَ حُكْمٌ أَوْ لَا وَالْكَلَامُ فِيهِ مَعْرُوفٌ وَلَمْ يَتَعَرَّضُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ لِهَذَيْنِ الْبَحْثَيْنِ مَعَ أَنَّ
стр. 793
ذَلِكَ الْوَقْتَ لَمْ يَكُنْ قَاضٍ حَنَفِيٌّ وَإِنَّمَا الْحَنَفِيُّ الَّذِي يُزَوِّجُهَا كَانَ نَائِبًا عَنْ ابْنِ سَنِيِّ الدَّوْلَةِ الْقَاضِي الشَّافِعِيِّ بِدِمَشْقَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ أَسْلَمَ الْحُرُّ عَلَى أَرْبَعِ إمَاءٍ وَأَسْلَمَ مَعَهُ ثِنْتَانِ وَتَخَلَّفَ ثِنْتَانِ]
(مَسْأَلَةٌ) أَسْلَمَ الْحُرُّ عَلَى أَرْبَعِ إمَاءٍ وَأَسْلَمَ مَعَهُ ثِنْتَانِ وَتَخَلَّفَ ثِنْتَانِ فَعَتَقَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ الْمُتَخَلِّفَتَانِ عَلَى الرِّقِّ انْدَفَعَ نِكَاحُهُمَا وِفَاقًا لِلْغَزَالِيِّ وَالرَّافِعِيِّ وَخِلَافًا لِلْإِمَامِ وَالْفُورَانِيِّ وَابْنِ الصَّلَاحِ؛ لِأَنَّ تَحْتَ زَوْجِهِمَا عَتِيقَةً عِنْدَ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِمَا وَإِسْلَامِ الزَّوْجِ وَلَا تَنْدَفِعُ الرَّقِيقَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ؛ لِأَنَّ عِتْقَ صَاحِبَتِهَا كَانَ بَعْدَ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِمَا وَإِسْلَامِ الزَّوْجِ فَلَا يُؤَيَّدُ فِي حَقِّهَا بَلْ يَخْتَارُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الضَّابِطَ أَنَّهُ إذَا اقْتَرَنَ بِحَالَةِ الْإِسْلَامِ مَانِعٌ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ امْتَنَعَ التَّقْرِيرُ وَحَالَ إسْلَامِ الْمُتَخَلِّفَتَيْنِ اقْتَرَنَ بِهِ حُرِّيَّةُ إحْدَى الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ وَهِيَ مَانِعَةٌ مِنْ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ عَلَى الرَّقِيقَةِ فَيَمْتَنِعُ التَّقْرِيرُ عَلَى الرَّقِيقَتَيْنِ الْمُتَخَلِّفَتَيْنِ.
فَإِنْ قُلْت: الْمُعْتَبَرُ فِي الضَّابِطِ إنَّمَا هُوَ إذَا اقْتَرَنَ بِحَالِ إسْلَامِهِ وَحَالَ إسْلَامِهِ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ قُلْت: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ إذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ حُرَّةٌ وَإِمَاءٌ وَأَسْلَمَتْ الْحُرَّةُ مَعَهُ يَنْدَفِعُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ عَقْدُهُ عَلَى الْإِمَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَنْتَظِرُ زَمَانَ الْعِدَّةِ فَإِنْ أَسْلَمَتْ الْإِمَاءُ فِيهِ بَعْدَ مَا عَتَقْنَ يَتَخَيَّرُ.
فَهَذَا يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ إلَى إسْلَامِ الزَّوْجَةِ أَيْضًا فَمَا كَانَ مَانِعًا عِنْدَهُ مِنْ الِابْتِدَاءِ مَنَعَ مِنْ الدَّوَامِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْحُرَّةِ مَانِعَةٌ مِنْ ابْتِدَائِهِ وَهُوَ حَاصِلٌ فِي مَسْأَلَتِنَا فَمَنَعَ مِنْ الدَّوَامِ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ، وَهَذَا بَيِّنٌ لَا شَكَّ فِيهِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَهِيَ حَالَةُ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِ مَنْ يَخْتَارُهَا وَالْمُتَخَلِّفَتَانِ لَمْ يَجْتَمِعْ إسْلَامُهُمَا مَعَ إسْلَامِهِ إلَّا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى حُرَّةٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَهُمَا وَلَا وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا نَقُولُ بِأَنَّ مُجَرَّدَ عِتْقِ إحْدَى الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ يَنْدَفِعُ نِكَاحُ الْمُتَخَلِّفَتَيْنِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُعْتَقَا ثُمَّ يُسْلِمَا فَيَكُونُ لَهُ الِاخْتِيَارُ فِيهِمَا أَيْضًا لِمُقَارَنَةِ إسْلَامِهِمَا لِحُرِّيَّتِهِمَا وَإِنَّمَا يَنْدَفِعَانِ إذَا أَسْلَمَتَا وَهُمَا عَلَى الرِّقِّ وَإِنْ كَانَ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَعَذَّرَ التَّقْرِيرُ وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا تَنْدَفِعُ الرَّقِيقَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ بِعِتْقِ صَاحِبَتِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ إسْلَامِهِمَا وَإِسْلَامِ الزَّوْجِ لَمْ تَكُنْ حُرَّةً فَهِيَ مِثْلُ صَاحِبَتِهَا فِي الرِّقِّ فَتَقَرَّرَ
стр. 794
نِكَاحُهُمَا، وَكَانَ حُدُوثُ الْعِتْقِ عَلَى إحْدَى اثْنَتَيْنِ فِي دَوَامِ النِّكَاحِ تَحْتَ عَبْدٍ لَا يَدْفَعُ الِاخْتِيَارَ وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ " إنَّ حُدُوثَ الْعِتْقِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لَا أَثَرَ لَهُ " يُرِيدُونَ بِهِ فِي الْمَاضِي بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ تَقَدَّمَ إسْلَامُهُ مِنْ الزَّوْجَاتِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَوَاقِي فَلَا.
وَالْإِمَامُ تَمَسَّكَ بِذَلِكَ الْإِطْلَاقِ وَكَذَلِكَ الْفُورَانِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَا دَلِيلَ يُعَضِّدُهُ وَمِنْ أَيْنَ لَنَا هَذَا الْإِطْلَاقُ وَنَحْنُ إنَّمَا نَقُولُ: لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْمَاضِي وَلَهُ أَثَرٌ فِي الْمُسْتَقْبِلِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الضَّابِطِ طَرْدًا وَعَكْسًا عَلَى أَنَّ لَنَا أَنْ نَقُولَ بِالْإِطْلَاقِ الْمَذْكُورِ مَعَ اسْتِيفَاءِ الدَّاعِي؛ لِأَنَّ انْدِفَاعَ الْمُتَخَلِّفَتَيْنِ لَيْسَ مِنْ أَثَرِ الْعِتْقِ بِمَعْنَى أَنَّ الْعِتْقَ بِخُصُوصِهِ فَيُحْمَلُ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ صَحَّ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَقَوِيَ جِدًّا، وَلَا نَقُولُ: إنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ وَالْفُورَانِيِّ بَاطِلٌ قَطْعًا بَلْ هُوَ مُحْتَمِلٌ لَهُ اتِّجَاهٌ قَلِيلٌ وَلَكِنَّ الْأَرْجَحَ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ.
وَقَدْ بَالَغَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْغَزَالِيِّ فَنَسَبَهُ إلَى السَّهْوِ وَقَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ اخْتِيَارًا لَهُ نَعْتَمِدُهُ وَصَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ نِكَاحُ الْمُتَخَلِّفَتَيْنِ بَلْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَرْبَعِ قَالَ: وَقَدْ يَتَكَلَّفُ الْمُتَكَلِّفُ لَهُ تَأْوِيلًا بِأَنْ يَقُولَ: أَرَادَ بِمَا إذَا اخْتَارَ الْعَتِيقَةَ قَبْلَ إسْلَامِ الْمُتَخَلِّفَتَيْنِ وَوَافَقَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى أَنَّا نُلَاحِظُ وَقْتَ الِاجْتِمَاعِ فِي الْإِسْلَامِ قَالَ: لَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَعَلَّ الْغَزَالِيَّ لَاحَظَ أَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ لِلْحُرَّةِ وَإِمْكَانِهِ كَنَفْسِ اخْتِيَارِهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ فِيمَا إذَا كَانَ تَحْتَهُ أُخْتَانِ فَطَلَّقَ إحْدَاهُمَا ثَلَاثًا ثُمَّ أَسْلَمُوا فَاخْتَارَ إحْدَاهُمَا لِلنِّكَاحِ وَكَانَ كَالِاخْتِيَارِ فِي التَّسَيْطُرِ، وَكَمَا قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ لِابْنِ الصَّبَّاغِ فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى إمَاءٍ وَأَسْلَمَتْ مَعَهُ وَاحِدَةٌ وَهُوَ مُوسِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَتْ الْبَاقِيَاتُ بَعْدَ إعْسَارِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ إسْلَامَ الْأُولَى حَصَلَ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ لَهَا فَكَانَ كَاخْتِيَارِهَا، ثُمَّ اعْتَرَضَ ذَلِكَ وَأَجَابَ وَقَالَ: إنَّهُ بَحْثٌ حَسَنٌ حَرَّكْته لِنَنْظُرَ فِيهِ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَهُوَ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ لِمَا قَدِمْته، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَا يَجْعَلُ ابْتِدَاءَ إسْلَامِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدِ عَلَى الْأَرْبَعِ فَيَكُونُ عَقْدُ إحْدَى الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ بَعْدَ إسْلَامِهِمَا حَادِثًا فِي الدَّوَامِ لَا فِي الِابْتِدَاءِ فَلَا يُؤْثِرُ فِي دَوَامِ الْمُتَخَلِّفَتَيْنِ إذَا أَسْلَمَتَا؟ .
قُلْت: لِهَذَا وَغَيْرِهِ قُلْنَا: إنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ مُحْتَمَلٌ وَلَيْسَ بَاطِلًا قَطْعًا وَلَكِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا أَصَرَّتَا
стр. 795
عَلَى الشِّرْكِ بَانَ لَنَا انْدِفَاعُ نِكَاحِهِمَا بِالْإِسْلَامِ، وَلَا نَقُولُ: إنَّا نُقَدِّرُ وُرُودَ الْعَقْدِ عَلَيْهِمَا ثُمَّ نَرْفَعُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْت: هَلْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّجُلُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا فَلَا فَرْقَ.
قُلْت: الَّذِي تَكَلَّمْنَا فِيهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ حُرًّا وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه كَلَامُ مَنْ حَكَيْنَا كَلَامَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ ثُمَّ تَكَلَّمُوا بَعْدَهُ فِي حُكْمِ الْعَبِيدِ أَمَّا الْعَبْدُ فَلَا يَسْتَمِرُّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحُرَّةِ وَلَوْلَا مَا وَجَدْنَاهُ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ مِنْ ذِكْرِهِ الْحُرَّةَ فِي الْمَسْأَلَةِ لَكِنَّا نُوَفِّقُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ وَنَحْمِلُ كَلَامَهُ عَلَى الْعَبْدِ وَكَلَامَ الْغَزَالِيِّ عَلَى الْحُرِّ وَلَكِنْ مَنَعَنَا مِنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْحَقُّ فِيهَا مَعَ الْغَزَالِيِّ وَالرَّافِعِيِّ، وَبَلَغَنِي عَنْ الشَّيْخِ بُرْهَانِ الدِّينِ الْفَزَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا الْمَوْضِعُ غَلَطٌ فِي الرَّافِعِيِّ.
وَكَانَ الشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ تَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ الصَّلَاحِ وَالْحَقُّ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَوْلَا الْأَدَبُ كُنْت أَقْطَعُ بِهِ وَأَقُولُ: إنَّ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَهْمٌ وَلَعَلَّ الرَّافِعِيَّ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ وَلَوْ وَقَفَ لَنَبَّهَ عَلَى مُخَالَفَتِهِ، وَحَاصِلُ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَشْبَاهِهَا أَنَّ مَا يَسْتَقِرُّ الْحَالُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَيُبْقِيه مِنْ الزَّوْجَاتِ وَمَا يَنْدَفِعُ مِنْهُنَّ بِنَفْسِ إسْلَامِهِ فَيَسْتَقِرُّ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ، وَيَنْدَفِعُ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ هَذَا لَا شَكَّ فِيهِ وَلَكِنْ لَهُ شُرُوطٌ إنْ اعْتَبَرْنَاهَا بِحَالِ إسْلَامِهِ فَقَطْ تَرَجَّحَ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْمُسْتَقِرُّ وَاحِدَةً مِنْ الْإِمَاءِ، فَإِذَا اخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْ الْأَرْبَعِ تَبَيَّنَّ أَنَّ مَا عَدَاهَا مُنْدَفِعٌ بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ فَلَا تَكُونُ الْعَتِيقَةُ الَّتِي لَمْ يَخْتَرْهَا مُحِبَّةً وَلَا مَقْدُورَةً عَلَيْهَا حِينَ إسْلَامِهِ ضَرُورَةً أَنَّهَا كَانَتْ الثِّقَةَ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِنْ اعْتَبَرْنَاهَا بِحَالِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ بِمَا بَيْنَهُمَا تَرَجَّحَ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَيَشْهَدُ لَهُ قَضِيَّةُ مَا إذَا كَانَتْ حُرَّةً أَصْلِيَّةً وَأَمَّا مَا قَالَ: لَوْ اعْتَبِرْنَا حَالَ الْإِسْلَامِ مِنْهُ فَقَطْ تَعَيَّنَتْ الْحُرَّةُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ التَّسَرِّي بِالْجَوَارِي]
(مَسْأَلَةٌ) مَا قَوْلُكُمْ أَثَابَكُمْ اللَّهُ فِيمَا جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ التَّسَرِّي بِالْجَوَارِي مَعَ الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ بِأَنَّ تِلْكَ الْجَارِيَةَ لَا تَخْرُجُ عَنْ أَنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً فِي بِلَادِهَا لَا يَحِلُّ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهَا أَوْ وَقَعَتْ فِي الْغَنِيمَةِ أَوْ لَا فِي الْغَنِيمَةِ فَتَكُونُ فَيْئًا بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ الْأَخْذُ مِنْ سَرِقَةٍ أَوْ شِرَاءٍ مِنْ
стр. 796
وَالِدِ تِلْكَ الْجَارِيَةِ أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِهَا أَوْ غَاصِبِ تِلْكَ الْجَارِيَةِ، وَهَذِهِ قِسْمَةٌ حَاضِرَةٌ لِدَوَرَانِهَا بَيْنَ الْغَنِيمَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ الْفَيْءُ، وَكَيْفَ يَصِحُّ اعْتِمَادُ الْمُشْتَرِي عَلَى ظَاهِرِ الْيَدِ وَدَعْوَى الْبَائِعِ الْمِلْكَ مَعَ الْقَطْعِ بِعَدَمِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِلْمِلْكِ وَأَنَّ دَعْوَى الْمِلْكِ إنَّمَا هُوَ لِتَوَهُّمِهِ مَا لَيْسَ سَبَبًا سَبَبًا وَمَعَ الْقَطْعِ بِعَدَمِ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ كَيْفَ يُسَوِّغُ الِاعْتِمَادَ عَلَى دَعْوَى الْمِلْكِ وَهَلْ ذَلِكَ إلَّا عَمَلٌ بِخِلَافِ الْعِلْمِ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى مَنْ لَهُ نَظَرٌ بِلَا خِلَافٍ وَقَوْلُ الشَّيْخِ فِي التَّنْبِيهِ فِيمَا إذَا طَلَّقَهَا وَادَّعَتْ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ أَحَلَّهَا فَإِنْ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهَا كَرِهَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إنْ أَرَادَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهَا وَلَا الْكَذِبُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ شَاكٌّ وَإِنْ أَرَادَ مَعَ الظَّنِّ الرَّاجِحِ عَلَى الْكَذِبِ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لِلْجَارِيَةِ لَهُ حَقٌّ فِيهَا، وَالْفَيْءَ مَصْرِفُهُ سِتَّةُ أَقْسَامٍ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي مِسْكِينًا وَلَا هَاشِمِيًّا أَوْ مُطَّلِبِيًّا وَلَا يَتِيمًا فَقِيرًا وَلَا ابْنَ السَّبِيلِ وَلَا مُقَابِلًا لَمْ تَكُنْ لَهُ شُبْهَةٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا خُمُسُ الْخُمُسِ الَّذِي لِلْمَصَالِحِ كَسَدِّ الثُّغُورِ وَنَحْوِهِ.
فَالْجَارِيَةُ لَا شُبْهَةَ لِلْإِنْسَانِ فِي غَيْرِ خُمُسِ خُمُسِهَا فَتَكُونُ مُشْتَرَكَةً لِعَدَمِ الْقِسْمَةِ، فَإِنْ تَوَهَّمَ الشَّخْصُ أَنَّ هَذِهِ الْجَارِيَةَ كُلَّهَا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ الَّذِي لِلْمَصَالِحِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ ظَفِرَ بِبَعْضِ حَقِّهِ أَوْ بِمَا يُمَكِّنُهُ صَرْفُهُ فِي الْمَصَالِحِ فَأَيُّ مَصْلَحَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي تَسَرِّيه بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ.
وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ هَذَا مَصْلَحَةٌ لَهُ وَهُوَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَالتَّسَرِّي يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمِلْكِ الصَّحِيحِ، وَمَنْ اسْتَوْلَى عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَقُلْنَا: إنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ فَذَاكَ؛ لِأَنَّهُ يَصْرِفُهُ فِي تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْمِلْكِ فَيَسْتَخْدِمُ الْجَارِيَةَ مَثَلًا وَيُخْدِمُهَا غَيْرَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ الَّتِي يَسُوغُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا بِالْإِبَاحَةِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَسْبَابِ الْكَثِيرَةِ، أَمَّا التَّسَرِّي فَإِنَّ الشَّارِعَ حَصَرَهُ فِي الْمِلْكِ وَكَيْفَ يَصِحُّ الِاعْتِمَادُ عَلَى الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ فِي قَوْلِهِ فِي الْقَوَاعِدِ: مَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ مَلَكَهُ بِانْفِرَادِهِ.
وَاَلَّذِي يَأْخُذُ بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ تَقْلِيدًا مَحْضًا مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ دَلِيلٍ يُسَوِّغُ لَهُ أَوْ تَطِيبُ نَفْسُهُ بِتَرْكِ تَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ إلَى تَقْلِيدِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَيَنْتَقِلُ مِنْ تَقْلِيدِ الْفَاضِلِ إلَى
стр. 797
الْمَفْضُولِ.
وَالْخُرُوجِ عَنْ تَقْلِيدِ إمَامٍ إلَى غَيْرِهِ مِنْ أَقْبَحِ الْأَشْيَاءِ وَإِنْ كَانَ يَأْخُذُ بِقَوْلِهِ قَامَ عِنْدَهُ دَلِيلٌ فَأَيْنَ الدَّلِيلُ وَإِنْ وُجِدَ الدَّلِيلُ فَفِي اعْتِمَادِهِ إطْرَاحُ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ لِمَنْ يَقْصِدُ ذَلِكَ مَعَ قُصُورِهِ فِي الْعِلْمِ جُرْأَةٌ عَظِيمَةٌ مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي تَحَرِّي الِاجْتِهَادِ، وَسَمِعْت أَنَّ لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ كَلَامًا فِي ذَلِكَ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَأَنَّ مِنْ مَضْمُونِهِ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بَعْدَ صَرْفِ قِيمَةِ بَقِيَّةِ الْأَخْمَاسِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَهَذَا عَلَى بُعْدِهِ كَأَنَّهُ فِيمَنْ لَهُ شُبْهَةٌ فِي بَعْضِ الْجَارِيَةِ.
أَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَمَا حُكْمُهُ وَهَلْ التَّسَرِّي هَذِهِ الْأَيَّامَ يَتَرَجَّحُ فِيهِ شُبْهَةُ التَّحْرِيمِ أَوْ شُبْهَةُ الْحِلِّ وَأَمَّا السَّائِلُ فَإِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِيهِ حِلٌّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالِاجْتِهَادُ عَلَى كَوْنِ هَذَا جَرَتْ بِهِ الْعَوَائِدُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَاضِحُ الْفَسَادِ وَالْفَاعِلُ لِذَلِكَ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَعَلَّهُ مُجْتَهِدٍ أَوْ مُقَلِّدٌ لِغَيْرِ الشَّافِعِيِّ أَوْ مُتَسَاهِلٌ.
(أَجَابَ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي كِتَابٍ لَهُ لَطِيفٍ فِي الْوَرَعِ يُسَمَّى بِالتَّبْصِرَةِ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ التَّسَرِّيَ فِي هَذَا الزَّمَانِ إمَّا مَكْرُوهٌ أَوْ كَمَا قَالَ لِعَدَمِ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَتَكَلَّمْت أَنَا عَلَى ذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ الْحَلَبِيَّةِ بِمَا لَا يَحْضُرُنِي الْآنَ، وَكُنْت أَسْمَعُ الشَّيْخَ قُطْبَ الدِّينِ السَّنْبَاطِيَّ يَحْكِي عَنْ بَعْضِ الْمُتَوَرِّعِينَ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ أَنَّهُ كَانَ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً يَشْتَرِيهَا مِنْ سَيِّدِهَا الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ ثُمَّ يَشْتَرِي مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ خُمُسَهَا خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ الْغَزَالِيِّ وَالرَّافِعِيِّ فَإِنَّ الْغَزَالِيَّ يَقُولُ: إنَّ مِنْ سَرَقَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ يَمْلِكُ الْمَسْرُوقَ جَمِيعَهُ وَلَا يُخَمِّسُ وَالرَّافِعِيُّ رَجَّحَ أَنَّهُ يُخَمِّسُ فَلَيْسَ لِلسَّارِقِ مِنْهُ إلَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَالْأُولَى لِلْمُتَوَرِّعِ أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى شِرَاءِ خُمُسِهَا بَلْ يَشْتَرِي جَمِيعَهَا مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الْبَيْعِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ مَعَ شِرَائِهِ لَهَا مِنْ سَيِّدِهَا وَأَنَا قَدْ أَذِنْت لِمِفْتَاحٍ أَنْ يَبِيعَك إيَّاهَا بِمَا يَرَاهُ وَتَرَاهُ مِنْ الْأَثْمَانِ وَالْقَاضِي لَهُ التَّصَرُّفُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاضٍ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَمَنْ اتَّفَقَ الْأَشْبَهُ فَالْأَشْبَهُ إذَا تَعَذَّرَ مَنْ لَهُ صَرْفٌ صَحِيحٌ كَمَا كُنَّا فِي الْبَحْثِ فِيهِ مِنْ أَيَّامٍ فَأَحْسَبُ أَنِّي شَخْصٌ كَذَلِكَ وَلَا يَبْقَى بَعْدَ هَذَا الْفِعْلِ إلَّا احْتِمَالُ بَقَاءِ الثَّمَنِ أَوْ بَعْضُهُ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ سَهْلٌ.
وَأَمَّا التَّقْسِيمُ الَّذِي ذَكَرْته فَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مُسْلِمَةً فِي بِلَادِهَا لَا يَحِلُّ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهَا إنَّمَا مَحِلُّهُ إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ مِنْ الْأَصْلِ
стр. 798
لَا مُطْلَقًا.
وَمِنْ جُمْلَةِ الِاحْتِمَالَاتِ أَنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً وَهِيَ رَقِيقَةٌ بِأَنْ مَسَّ أُمَّهَا رِقٌّ أَوْ أُمَّ أَبِيهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ وَتَكُونُ هِيَ الَّتِي فِي يَدِهِ اشْتَرَاهَا وَهِيَ مُسْلِمَةٌ رَقِيقَةٌ بِرِقٍّ طَرَأَ عَلَى أُصُولِهَا وَدَلَالَةِ الْيَدِ عَلَى الْمِلْكِ وَاعْتِرَافِهَا لِمَالِكِهَا لَا يَزُولُ مَتَى أَمْكَنَ الِاحْتِمَالُ، وَلَكِنْ مَتَى فَرَضَ أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ وَأُصُولُهَا مُسْلِمُونَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ رِقٌّ وَاسْتَحَالَ مِلْكُهَا كَمَا قُلْتُمْ، وَهَذَا الْقِسْمُ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَا مَظْنُونٍ.
وَأَمَّا احْتِمَالُ كَوْنِهَا غَنِيمَةً فَمُحْتَمَلٌ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَكُونُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ وَالْخُمُسُ الْخَامِسُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ وَالْغَانِمُونَ مَجْهُولُونَ وَإِبْقَاءُ الْجَارِيَةِ لَهُمْ مَعَ احْتِيَاجِهَا إلَى النَّفَقَةِ يُفْضِي إلَى فَوَاتِهَا عَلَيْهَا فَيَجُوزُ لِلْقَاضِي بَيْعُهَا وَحِفْظُ ثَمَنَهَا لَهُمْ وَنَصِيبُ أَهْلِ الْخُمُسِ كَذَلِكَ.
وَهَذَا الْحُكْمُ سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ وَاحِدًا مِنْ الْغَانِمِينَ أَوْ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ أَمْ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمْ وَلَا نَصِيبَ لَهُ فِيهَا أَصْلًا فَجَوَازُ بَيْعِهَا لِلْقَاضِي مَعْلُومٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَأَمَّا كَوْنُهَا فَيْئًا فَمُحْتَمَلٌ وَفِيهِ احْتِمَالَانِ:
(أَحَدُهُمَا) أَنْ يَكُونَ مَعَ الْيَدِ لَا حَقَّ فِيهَا لِصَاحِبِ الْيَدِ لِاسْتِيلَائِهِ عَلَيْهَا عُدْوَانًا غَصْبًا مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ فَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَيْضًا بَيْعُهَا وَحِفْظُ ثَمَنِهَا، وَالِاحْتِمَالُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ سَرَقَهَا وَهِيَ كَافِرَةٌ مِنْ كُفَّارٍ حَرْبِيِّينَ، فَعَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ هِيَ مِلْكُهُ كُلُّهَا فَيَصِحُّ شِرَاؤُهَا مِنْهُ، وَعَلَى رَأْيِ الرَّافِعِيِّ هُوَ مَالِكٌ لِأَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا فَإِذَا بَاعَهَا وَفَرَّقَ الصَّفْقَةَ صَحَّ بَيْعُهُ لِأَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا وَيَبْقَى الْخُمُسُ الَّذِي لِأَهْلِ الْخُمُسِ يَصِحُّ بَيْعُهُ إذَا بَاعَهُ مَنْ لَهُ التَّصَرُّفُ عَلَى أَهْلِ الْخُمُسِ وَهُوَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ وَالظَّاهِرُ بَلْ قَطْعًا أَنَّ الْقَاضِيَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ.
هَذَا إذَا تَحَقَّقَ الْحَالُ فَإِنْ جَهِلَ وَاحْتَمَلَ تَعَيَّنَ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ إلَّا الْقَاضِي وَأَنَّهُ لَيْسَ لِوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ وَكِيلَ بَيْتِ الْمَالِ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيمَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَالْقَاضِي إمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ الْمُتَوَلِّي لِحِفْظِ مَالِ الْغَائِبِ وَالْمَجْهُولِ فِي حُكْمِ الْغَائِبِ فَلَهُ الْبَيْعُ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ فِي غَائِبٍ أَوْ مَجْهُولٍ يُرْجَى حُضُورُهُ أَوْ الْعِلْمُ بِهِ.
أَمَّا الْمَأْيُوسُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ فَحُكْمُهُ أَنْ يُوضَعَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ وَسَلَّمْنَا الْيَأْسَ مِنْهُ فَلِلْقَاضِي التَّصَرُّفُ فِيهِ كَمَا اقْتَضَاهُ
стр. 799
إطْلَاقُ الْهَرَوِيِّ وَغَيْرِهِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يَسْتَفِيدُهَا الْقَاضِي بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَلَوْ لَمْ نُسَلِّمْ ذَلِكَ فَفِي هَذَا الزَّمَانِ وَالْحَالُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا يَخْفَى لَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ.
وَهَذَا كُلُّهُ طَرِيقُ الْوَرَعِ، وَأَمَّا الْجَوَازُ الظَّاهِرُ فَيَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى ظَاهِرِ الْيَدِ لِاحْتِمَالِ الْمِلْكِ بِانْتِقَالِهَا إلَيْهِ تَنَاقُلٌ شَرْعِيٌّ مِمَّنْ مَلَكَهَا كُلَّهَا إمَّا بِسَرِقَةٍ عَلَى رَأْيِ الْغَزَالِيِّ وَإِمَّا بِشِرَائِهِ خُمُسَهَا مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ عَلَى رَأْيِ الرَّافِعِيِّ وَإِمَّا بِالشِّرَاءِ مِنْهُمْ وَمِنْ الْغَانِمِينَ إنْ كَانَ غَنِيمَةً وَإِمَّا بِشِرَائِهَا مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ كُلِّهِمْ إنْ كَانَتْ فَيْئًا بِغَيْرِ سَرِقَةٍ فَدَلَالَةُ الْيَدِ عَلَى الْمِلْكِ لَا تُزَالُ مَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ وَإِذَا انْضَافَ إلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَعْلَاهُ كَانَ ذَلِكَ طَرِيقَ الْوَرَعِ.
وَبِهَذَا بَانَ عَدَمُ الْقَطْعِ بِعَدَمِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِلْمِلْكِ وَأَنَّ دَعْوَى الْبَائِعِ الْمِلْكَ لَيْسَ عَمَلًا بِخِلَافِ الْعِلْمِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ لَا عَلَى مَنْ لَهُ نَظَرٌ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ فِي التَّنْبِيهِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَمَا قُلْتُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنْ ظَنَّ الْكَذِبَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ لَا عِبْرَةَ بِهِ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي الْعُقُودِ قَوْلُ أَرْبَابِهَا وَالظَّنُّ الْوَاقِعُ فِي النَّفْسِ بِلَا يَدٍ وَلَا إخْبَارِ ثِقَةٍ مُلْغٍ فِي الشَّرْعِ كَالظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَصُورَةُ مَسْأَلَةِ التَّنْبِيهِ فِيمَا إذَا لَمْ تُعَيِّنْ الزَّوْجَ فَإِنْ عَيَّنَتْهُ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهَا وَهُوَ مُعَيَّنٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا لِمُجَرَّدِ قَوْلِهَا حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى طَلَاقِهِ إيَّاهَا.
وَقَوْلُك الْجَارِيَةُ لَا شُبْهَةَ لِلْإِنْسَانِ فِي غَيْرِ خُمُسِ خُمُسِهَا وَلَا فِي خُمُسِ خُمُسِهَا أَيْضًا إذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَمَّا الظُّفْرُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا سِوَاهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبِيحُ التَّسَرِّي.
وَاَلَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ هُوَ الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَخَالَفَهُمْ الرَّافِعِيُّ وَأَظُنُّنِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْحَلَبِيَّةِ رَجَّحْت أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ لَا يَحْضُرُنِي الْآنَ، وَبِالْجُمْلَةِ مَعَ مَا قَدَّمْته لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
وَأَمَّا صَرْفُ الْقِيمَةِ لِمُسْتَحِقِّهَا فَلَا يَكْفِي. وَبِهَذَا بَانَ أَنَّ الْفَاعِلَ لِذَلِكَ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يَحْتَاجُ إلَيَّ بِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا لِغَيْرِ الشَّافِعِيِّ أَوْ مُتَسَاهِلًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ وَالِد الطِّفْلَة لِوَالِدِ الطِّفْل زَوَّجْت ابْنَتِي مِنْ ابْنِك قَالَ قَبِلْت]
(مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ لَهُ طِفْلَةٌ قَالَ لِرَجُلٍ لَهُ طِفْلٌ: زَوَّجْت ابْنَتِي مِنْ ابْنِك، قَالَ: قَبِلْت التَّزْوِيجَ لَهُ هَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ؟
(أَجَابَ) نَعَمْ يَصِحُّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ فِيهَا قَوْلَانِ فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ
стр. 800
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِذَا صَحَّ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَلَا يَجْرِي فِيهَا الْخِلَافُ فِي الْمُفَوَّضَةِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ بِالْعَقْدِ أَوْ بِالدُّخُولِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الرَّشِيدَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ أَزَالَ بَكَارَةَ زَوْجَتِهِ بِأُصْبُعِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ]
(أَجَابَ) بِإِزَالَةِ الْبَكَارَةِ بِأُصْبُعِهِ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ فِي الزَّوْجِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ عَلَى الصَّحِيحِ فَبِالطَّلَاقِ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ الْحَالُ، وَلَا يُتَخَيَّلُ أَنَّهُ تَبَيَّنَ لَنَا بِالطَّلَاقِ أَنَّ نِصْفَ الْأَرْشِ يَجِبُ وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ فَسْخًا وَلَوْ كَانَ فَسْخًا فَهُوَ مِنْ جِهَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
[كِتَابُ الصَّدَاقِ]
(مَسْأَلَةٌ) أَقْبَضَ زَوْجَتَهُ بَعْضَ الْمَهْرِ وَأَعْسَرَ بِبَاقِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ هَلْ لَهَا الْفَسْخُ؟
(الْجَوَابُ) لَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ خِلَافًا فِي الْفَسْخِ بِالْمَهْرِ وَالْأَصَحُّ الْفَسْخُ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَلَسِ: إنَّهُ لَا يُثْبِتُ الرُّجُوعَ فِي النِّكَاحِ فَذَكَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ هُنَاكَ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ أَنَّ الْخِلَافَ الْمَشْهُورَ فِي الْفَسْخِ فِي الْإِعْسَارِ بِالْمَهْرِ إنَّمَا هُوَ إذَا أَعْسَرَ بِكُلِّهِ، وَقَالَ: إنَّهُ مَا يَظُنُّ الْإِعْسَارَ عَنْ بَعْضِ الصَّدَاقِ يُثْبِتُ الْفَسْخَ.
وَلِابْنِ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ كَلَامٌ يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الْفَسْخِ وَعِلَّتُهُ أَنَّ الْمُقَابِلَ لِلْقَدْرِ الْمَقْبُوضِ لَا يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ فِيهِ وَالْبُضْعُ لَا يَتَبَعَّضُ فَلِذَلِكَ يَمْتَنِعُ الْفَسْخُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
[مَسْأَلَةُ أَعْسَرَ بِبَعْضِ الصَّدَاقِ وَلَمْ تَقْبِضْ مِنْهُ شَيْئًا]
(مَسْأَلَةُ سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ) أَعْسَرَ بِبَعْضِ الصَّدَاقِ وَلَمْ تَقْبِضْ مِنْهُ شَيْئًا.
(الْجَوَابُ) يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الْفَسْخُ لَهَا؛ لِأَنَّا إنَّمَا مَنَعْنَاهَا إذَا قَبَضَتْ بَعْضَهُ؛ لِأَنَّ مُقَابِلَهُ مِنْ الْبُضْعِ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ إطْلَاقِ ابْنِ الرِّفْعَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَقْبِضَ مِنْهُ شَيْئًا أَوْ لَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
قَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجُ الدِّينِ بْنُ الشَّيْخِ فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ وَفِي بَابِ الْفَلَسِ مِنْ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَفِي كِتَابِ الصَّدَاقِ.
[مَسْأَلَةٌ تَقْوِيم الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهِمَا]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: الْقَوْلُ فِي تَقْوِيمِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهِمَا حَيْثُ قِيلَ بِهِ إمَّا فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فَنَعْتَبِرُ قِيمَتَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ عَلَى الصَّحِيحِ وِفَاقًا لِلْغَزَالِيِّ وَإِنْ كُنْت لَمْ أَجِدْهُ مُصَرَّحًا بِهِ إلَّا فِي كَلَامِهِ وَكَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَهُوَ
стр. 801
احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، وَقَالَتْ طَوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِ الْقَفَّالِ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ يُقَدِّرُ الْخَمْرَ خَلًّا وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ الدَّارِمِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ: يُقَدَّرُ عَصِيرًا وَهَكَذَا رَأَيْته فِي التَّهْذِيبِ وَإِنْ كَانَ النَّوَوِيُّ نُقِلَ عَنْهُ تَقْدِيرُهُ خَلًّا، وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَقِيلَ يُقْدَرُ شَاةً.
وَقَالَ الْبَغَوِيّ بَقَرَةً وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَعِبَارَةُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي اخْتِصَارِهِ شَاةٌ أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهَا وَهَذَا مِنْ الْإِمَامِ يَشْعُرُ بِأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْوَجْهِ لَا يُعَيِّنُ الشَّاةَ وَلَا يُدَخِّلُ حَيَوَانًا يُقَارِبُهُ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ التَّقْدِيرُ الْمَذْكُورُ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ضَعِيفٌ وَالصَّوَابُ اعْتِبَارُ قِيمَتِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ فَيَنْزِلُ الْعَقْدُ وَاقْتِضَاؤُهُ التَّقْسِيطَ عَلَيْهِ وَأَمَّا التَّقْدِيرُ عَصِيرًا أَوْ خَلًّا أَوْ شَاةً أَوْ بَقَرَةً لَمْ يَقْصِدْهَا الْمُتَعَاقِدَانِ وَتَقْسِيطُ الثَّمَنِ بِحَسَبِهَا فَذَلِكَ يُؤْثِرُ جَهَالَةً عَظِيمَةً لَا تُحْتَمَلُ وَتُفْضِي إلَى بُطْلَانِ الْعَقْدِ رَأْسًا لِلْإِجَازَةِ بِكُلِّ الثَّمَنِ وَمِمَّا يَدُلُّ لِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ وَعَدَمَ تَقْدِيرِ مَالٍ آخَرَ اتِّفَاقُهُمْ فِيمَا أَوْصَى بِكَلْبٍ وَخَمْرٍ مُحَرَّمَةٍ وَطَبْلٍ لِهَؤُلَاءِ يَمْلِكُ غَيْرَهَا أَنَّهُ يَعْتَبِرُ مِنْ الثُّلُثِ قِيمَتَهَا، وَلَمْ يَقُولُوا بِالتَّقْدِيرِ وَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا هِيَ بِتِلْكَ الْحُقُوقِ وَتَقْدِيرُهَا مَالًا آخَرَ قَدْ يُفْضِي إلَى خِلَافِ الْغَرَضِ وَالزِّيَادَةُ أَوْ النُّقْصَانُ عَلَى مَا يَقْتَضِيه ثُلُثُ تِلْكَ الْحُقُوقِ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَهَكَذَا الْمَأْخَذُ فِي بَابِ التَّفْرِيقِ فَلِيَكُنْ كَذَلِكَ.
وَقَدْ مَالَ الْإِمَامُ إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا إبْطَالُ الْعَقْدِ أَوْ الْإِجَازَةُ بِكُلِّ الثَّمَنِ، وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْأَوَّلُ قَالَ بِهِ طَائِفَةٌ وَالثَّانِي قَالَ بِهِ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ الْأَصَحَّ الْإِجَازَةُ بِالْقِسْطِ وَمَأْخَذُ الْقَائِلِ بِالتَّقْدِيرِ إنَّا إذَا فَرَّعْنَا عَلَى الصِّحَّةِ وَالتَّقْسِيطِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَا قِيمَةَ لَهُمَا فِي نَظَرِ الشَّرْعِ لَا تَحْقِيقًا كَالْعَبْدِ وَلَا حُكْمًا كَالْحُرِّ فَلَا وَجْهَ إلَّا اعْتِبَارَهُمَا بِغَيْرِهِمَا مِمَّا يَقْرَبُ مِنْهُمَا فِي الصُّورَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَيُقَدِّرُ كَأَنَّهُ أَوْقَعَ الْمُقَابَلَةَ عَلَى ذَلِكَ لِاسْتِحَالَةِ إيقَاعِهَا عَلَى عَيْنِهَا بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهَا تَعَلَّقَتْ شَرْعًا بِأَعْيَانِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَنْفَعَةِ، فَهَذَا وَجْهٌ فِي إبْدَاءِ مَأْخَذِ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ نَقُولَ: الْمُقَابَلَةُ الشَّرْعِيَّةُ مُمْتَنِعَةٌ فِي الْمُعَيَّنِ وَفِي بَدَلِهِ الْمُقَدَّرِ لِامْتِنَاعِ بَيْعِ خَلٍّ أَوْ شَاةٍ مُبْهَمَةٍ وَالتَّوْزِيعُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى مَا وَرَدَ الْعَقْدُ.
وَالْمُقَابَلَةُ الَّتِي قَصْدَهَا الْمُتَعَاقِدَانِ
стр. 802
حَاصِلَةٌ فِي الْمُعَيَّنِ وَالتَّوْزِيعُ بِحَسَبِهَا وَإِنْ أَبْطَلَ الشَّرْعُ بَعْضَهُ فَيَبْقَى الْبَاقِي بِتِلْكَ النِّسْبَةِ فَهَذَا وَجْهُ تَقْرِيرِ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ عَلَى حَالِهِ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ.
وَاعْلَمْ أَنَّا سَوَاءٌ اعْتَبَرْنَا قِيمَتَهُ أَوْ قِيمَةَ بَدَلِهِ فَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّا نَزَّلْنَا الْعَقْدَ الشَّرْعِيَّ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الْبَدَلِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ مِعْيَارٌ يُعْرَفُ بِهِ مَا قَابِلَ بِهِ الْمُتَعَاقِدَانِ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَبِيعَيْنِ بِمُقْتَضَى تَوْزِيعِهِمَا فَنَجْعَلُهُ ثَمَنًا لِلصَّحِيحِ شَرْعًا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمُقَابَلَةُ وَالتَّوْزِيعُ شَرْعِيَّيْنِ بَلْ الْمُقَابَلَةُ لَفْظِيَّةٌ وَالتَّوْزِيعُ عُرْفِيٌّ وَالشَّرْعُ يُقِرُّ مِنْ ذَلِكَ مَا يُقِرُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَيُبْطِلُ مَا يُبْطِلُ وَهُوَ الْفَاسِدُ فَلَا يُعْتَقَدُ أَنَّ الشَّارِعَ حَكَمَ بِالْعَقْدِ عَلَى قِيمَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ أَصْلًا بَلْ وَلَا عَلَى الْخَلِّ وَالشَّاةِ الْمُقَدَّرَيْنِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ التَّقْدِيرُ بِمَعْرِفَةِ مَا يَخُصُّ الصَّحِيحَ فَيُنْزِلُ الشَّارِعُ الْعَقْدَ عَلَيْهِ بِهِ، وَمَنْ قَالَ بِالتَّقْدِيرِ قَالَ فِي الْمَيْتَةِ: تُقَدَّرُ مُذَكَّاةً، هَذَا جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَأَمَّا نِكَاحُ الْمُشْرِكِ إذَا أَصْدَقَ الْكَافِرَ امْرَأَتَهُ صَدَاقًا فَاسِدًا وَقَبَضَتْهُ ثُمَّ أَسْلَمَا فَلَا شَيْءَ لَهَا وَقِيلَ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ حَتَّى أَسْلَمَا فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَقِيلَ: لَا شَيْءَ.
وَإِنْ قَبَضَتْ بَعْضَهُ ثُمَّ أَسْلَمَا فَلَهَا مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ بِقِسْطِهِ مَا لَمْ تَقْبِضْ فَإِنْ كَانَ شَيْئًا كَزِقِّ خَمْرٍ يُقَسَّطُ عَلَيْهِ بِالْجُزْئِيَّةِ وَإِنْ تَعَدَّدَ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ كَزِقَّيْ خَمْرٍ قَبَضَتْ أَحَدَهُمَا فَإِنْ تُسَاوَيَا فَذَاكَ وَإِلَّا يُقَسَّطُ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْكَيْلِ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ، وَقِيلَ: الْوَزْنُ وَقِيلَ: الْعَدَدُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ وَلَمْ يَذْكُرْ الرَّافِعِيُّ غَيْرَ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ، وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ احْتِمَالُ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ وَالصَّوَابُ مَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ التَّقْسِيطَ بِالْقِيمَةِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ أَوْ تَمَاثُلِ أَفْرَادِهِ كَمَا فِي الْبِيَاعَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَالتَّقْسِيطُ لِلْجُزْئِيَّةِ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ الْإِصْدَاقَ وَقَعَ مُعْتَبَرًا حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ بِدَلِيلِ الِاكْتِفَاءِ بِقَبْضِهِ، وَإِنَّمَا عَامَلْنَاهُ مُعَامَلَةَ الصَّحِيحِ، وَالْخَمْرُ مُتَمَاثِلُ الْأَجْزَاءِ فَلَا وَجْهَ لِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ أَصْدَقَهَا خِنْزِيرَيْنِ فَهَاهُنَا الْأَصَحُّ بِقِسْطٍ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهَا عِنْدَ مَنْ يَرَاهَا وَقِيلَ: يُقَدَّرَانِ شَاتَيْنِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا لَا يَصْدُرُ إلَّا عَنْ زَلَلٍ وَلَا وَجْهَ إلَّا اعْتِبَارَ قِيمَةِ الْخِنْزِيرِ عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهُ قِيمَةً هَذَا قَالَهُ فِي آخَرِ بَابِ نِكَاحِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَابْنُ الرِّفْعَةِ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ: إنَّهُ يُقَدَّرُ بَقَرَةً وَالرَّافِعِيُّ قَالَ أَيْضًا
стр. 803
فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يُقَدَّرُ بَقَرَةً وَلَمْ يَنْسُبْ الْمَوْضِعَ وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ لَا هُنَا وَلَا فِي الصَّدَاقِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي اخْتِصَارِ النِّهَايَةِ قَالَ وَأَخْطَأَ مَنْ قَدَّرَهُمَا شَاتَيْنِ وَأَوْجَبَ قِيمَةَ الشَّاتَيْنِ.
وَقَوْلُهُ أَوْجَبَ يُوهِمُ أَنَّهُ تَجِبُ قِيمَةُ الْمُقَدَّرِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا هِيَ مِعْيَارٌ وَالْوَاجِبُ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَعِبَارَةُ الْإِمَامِ أَعْتَبِرُ وَهِيَ الصَّوَابُ وَإِنْ كَانَتْ خَنَازِيرَ كِبَارًا وَصِغَارًا وَاعْتَبَرْنَا الْعَدَدَ فَقِيلَ: يُسَوَّى بَيْنَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَقِيلَ: يَجْعَلُ كُلَّ صَغِيرَيْنِ بِكَبِيرٍ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ كَخَمْرٍ وَخَنَازِيرَ وَكِلَابٍ فَقِيلَ: يَعْتَبِرُ الْجِنْسَ، وَقِيلَ: عَدَدُ الْأَفْرَادِ وَيُسَوَّى وَقِيلَ: الْمَالِيَّةُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُرَيْحٍ.
وَعَلَى هَذَا قِيلَ: نَعْتَبِرُ قِيمَتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَقِيلَ: يُقَدَّرُ وَعَلَى هَذَا يُقَدَّرُ الْخَمْرُ خَلًّا وَلَمْ يَذْكُرُوا هُنَا اعْتِبَارَ الْعَصِيرِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَالصَّدَاقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْوَجْهُ التَّسْوِيَةُ وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ عَلَى قَوْلِنَا بِالتَّقْدِيرِ فَقِيلَ: يُقَدَّرُ غَنَمًا حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَصَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَقِيلَ: بَقَرًا، وَقِيلَ: حَيَوَانًا يُقَارِبُهُ فِي الصُّورَةِ وَالْفَائِدَةِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ.
وَالْكَلْبُ قِيلَ: يُقَدَّرُ بِهِ، وَقِيلَ فَهَذَا فَأَمَّا مَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فَوَجْهُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَزِيَادَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْمُقَابَلَةَ هُنَا فِي الشِّرْكِ جَارِيَةٌ مَجْرَى الصَّحِيحِ، وَالتَّوْزِيعُ يَحْسِبُهَا وَيَمْلِكُ ذَلِكَ الْمُعَيَّنَ فِي الشِّرْكِ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا فَإِذَا أَسْلَمَا بَعْدَ قَبْضِ بَعْضِهِ كَانَ كَتَلَفِ بَعْضِ الْعُقُودِ عَلَيْهِ وَرَجَعَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ بِقِسْطِهِ مَا لَمْ يَقْبِضْ مِمَّا اقْتَضَاهُ التَّوْزِيعُ وَقْتَ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَبَعْدَ قَبْضِ ثَمَنِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَأَمَّا التَّقْدِيرُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ الصَّدَاقُ بِالْإِسْلَامِ عَنْ الِاعْتِبَارِ وَقِيمَتُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُنْظَرْ إلَيْهَا وَاعْتَبَرْنَاهَا بِغَيْرِهَا كَمَا فَعَلْنَا فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي وَيُجْعَلُ الْحُكْمُ بِالتَّقْسِيطِ الْآنَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَالتَّقْسِيطِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ابْتِدَاءً.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْبَابَ وَبَابَ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ مُتَقَارِبَانِ وَإِنْ افْتَرَقَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُقَابَلَةَ هُنَا وَقَعَتْ صَحِيحَةً وَفِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بِخِلَافِهِ فَلِذَلِكَ يَكُونُ الْخِلَافُ فِيهِمَا وَيَكُونُ اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ هُنَا أَوْلَى.
وَهَذَا الْمَأْخَذُ لِلْوَجْهَيْنِ مُسْتَمِرٌّ وَإِنْ قُلْنَا: الصَّدَاقُ مَضْمُونٌ فِي يَدِ الزَّوْجِ ضَمَانَ عَقْدٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ عَلَى أَنَّهُ ضَمَانُ
стр. 804
عَقْدٍ كَنَظِيرِهِ مِنْ الْمَبِيعِ عَلَى مَا سَبَقَ وَالْقَوْلُ بِتَقْدِيرِهِ بِغَيْرِهِ مَبْنِيًّا عَلَى ضَمَانِ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّلَفِ لَا يَنْفَسِخُ فَيَنْتَقِلُ إلَى بَدَلِهِ لَكِنَّ هَذَا لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَوَجَبَ ذَلِكَ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَإِنَّمَا يَجِبُ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَذَلِكَ التَّقْدِيرُ مِعْيَارٌ فَقَطْ.
وَأَمَّا كَوْنُهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا الْعَصِيرَ هُنَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْرِيَ الْخِلَافُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَيُسَوَّى بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لِمَا صَحَّ إصْدَاقُ الْخَمْرِ بِعَيْنِهَا فِي الشِّرْكِ وَمَلَكَتْهَا الْمَرْأَةُ ثُمَّ خَرَجَتْ عَيْنُهَا عَنْ الِاعْتِبَارِ رَجَعْنَا إلَى الْخَلِّ لِثُبُوتِ حَالَةِ الْخَمْرِ قَبْلَهَا بِخِلَافِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ الْمِلْكُ بِعَيْنِهَا فَاعْتَبَرْنَا مَا قَبْلَهَا عَلَى وَجْهٍ وَالْأَقْرَبُ التَّسْوِيَةُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَعَلَّ الْقَائِلَ بِالْعَصِيرِ هُنَاكَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَلَامٌ هُنَا وَالْقَائِلُ بِالْخَمْرِ هُنَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَلَامٌ هُنَاكَ.
وَلَوْ تَكَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لَطَرَدَ الْحُكْمَيْنِ فَإِنَّ هَذِهِ تَفَارِيعُ ضَعِيفَةٌ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ وَهُوَ اعْتِبَارُ الْبَدَلِ فَلَمْ يَتَّفِقْ الْكَلَامُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَصْحَابِ فَلَا تَنَاقُضَ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا بِالْقِيمَةِ عِنْدَ أَهْلِهِ أَوْ بِالْبَدَلِ فَالْكَلَامُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ وَأَمَّا الصَّدَاقُ فَعَلَى قَوْلٍ قَدِيمٍ ضَعِيفٍ يَجِبُ فِي إصْدَاقِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ قِيمَتُهُ، وَعَلَى هَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تُقَدَّرُ قِيمَتُهُ عِنْدَ مَنْ لَهُ قِيمَةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ مُعْتَبَرُ الشَّرْعِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهَا قِيمَةً كَمَا صَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي أَنْكِحَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إنَّهُ لَا يَبْعُدُ مَجِيئُهُ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَرَجَّحَ عَلَى مَا سَبَقَ فِي نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ وَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
قُلْت: وَهَذَا التَّخْرِيجُ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِيهِ بَعْدَ وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُنَا يَجِبُ بِعَيْنِهِ وَإِيجَابُ قِيمَةِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَا عَهْدَ بِهَا وَالْقِيمَةُ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَنِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ مُعْتَبَرٌ مِعْيَارًا فَقَطْ فَسَهُلَ احْتِمَالهَا؛ لِأَنَّ الْمُقَابَلَةَ وَالتَّوْزِيعَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالشَّرْعُ أَبْطَلَ مِنْهَا مَا أَبْطَلَ وَصَحَّحَ مَا صَحَّحَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ بِإِيرَادِ الْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ عَلَى فَاسِدٍ وَلَا عَلَى قِيمَتِهِ وَقَدْ شَاءَ ذَلِكَ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَأَمَّا نِكَاحُ الْمُشْرِكَاتِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ مَا قُلْنَاهُ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا تَجَدَّدَ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْإِصْدَاقَ وَقَعَ صَحِيحًا فِيهِمَا وَأَنْ يَقَعَ بِالْإِسْلَامِ فِي بَعْضِهِ فَيَعُودُ مُقَابِلُهُ مِنْ الْبُضْعِ فَيَسْتَحِقُّ قَسْطُهُ مِنْ الْمَهْرِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَمْ
стр. 805
يَحْكُمْ الشَّرْعُ بِإِيرَادِ عَقْدٍ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى فَاسِدٍ وَلَا عَلَى قِيمَتِهِ.
وَهَا هُنَا فِي الْإِصْدَاقِ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يُفَرَّعُ عَلَيْهِ يُحْكَمُ بِوُرُودِ الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ الْمُقَدَّرِ شَرْعًا فَإِذَا كَانَ هُوَ قِيمَةُ الْخَمْرِ أَوْ الْخِنْزِيرِ يَلْزَمُ الْحُكْمُ بِوُرُودِ الْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْهَا وَذَلِكَ بَعِيدٌ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ.
وَأَمَّا مَنْ اعْتَبَرَ الْعَصِيرَ فَأَخَذَ الْعِبَارَةَ وَقَطَعَ النَّظَرَ عَنْ الْمُشَارِ إلَيْهِ إلَّا فِي الْمِقْدَارِ وَإِنْ كَانَتْ الصُّورَةُ أَصَدَقَتْك هَذَا الْخَمْرَ، وَلَمْ يُقَلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ الْبَدَلِ إلَّا عَلَى طَرِيقَةٍ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، وَالْمُمَكَّنُ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ عَلَيْهَا أَنَّ الْمُصَدِّقَ مُلْتَزِمٌ لِمَا جَعَلَهُ صَدَاقًا وَعَيْنُهُ مُلْغَاةٌ فَيُلْغَى مَا جَاءَ مِنْهُ الْفَسَادُ وَهُوَ الشِّدَّةُ الْمُضْطَرِبَةُ وَيَبْقَى وَصْفُ الْعَصِيرِ مُلْتَزِمًا فِي الذِّمَّةِ فَيَأْتِي بِمِثْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَمْزُوجًا فَبِقِيمَتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ وَهَذَا الْحُكْمُ وَالتَّعْلِيلُ جَارٍ فِيمَا إذَا قَالَ: أَصَدَقْتُك هَذَا الْعَصِيرَ أَيْضًا فَكَانَ خَمْرًا وَبِمُلَاحَظَةِ هَذَا التَّعْلِيلِ لَا يَأْتِي تَقْدِيرُ الْخَلِّ أَلْبَتَّةَ.
وَالرَّافِعِيُّ قَالَ الْوَجْهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ يَعْنِي وَإِنْ جَرَى الْقَوْلُ بِاعْتِبَارِ الْخَلِّ هُنَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَوْ قَالَ: أَصَدَقْتُك هَذَا الْخَلَّ فَكَانَ خَمْرًا فَلَا أَعْرِفُ فِيهِ نَقْلًا وَالتَّعْلِيلُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي الْعَصِيرِ لَا يَأْتِي فِيهِ إلَّا الِاكْتِفَاءُ بِالْعِبَارَةِ وَإِنْ صَحَّ تَقْدِيرُ الْخَلِّ فَيَكُونُ هُنَا أَوْلَى.
وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ وَالْوَجِيزِ يُقَدَّرُ شَاةً وَالْمَذْكُورُ فِي نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ بَقَرَةٌ، وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ وَالْبَغَوِيُّ.
قُلْت: أَمَّا الْإِمَامُ فَقَدْ قَدَّمْت أَنِّي لَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِ بَلْ فِي كَلَامِهِ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ كَمَا سَبَقَ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فِي اعْتِبَارِ الشَّاةِ أَوْ الْبَقَرَةِ وَاجِبَةٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَفِي الْمَيْتَةِ نُقَدِّرُهُ مُذَكَّاةً ثُمَّ الْوَاجِبُ فِيهَا وَفِي الْخِنْزِيرِ الْقِيمَةُ يَعْنِي بَعْدَ تَقْدِيرِنَا الْخِنْزِيرَ شَاةً أَوْ بَقَرَةً، وَمُقْتَضَى قَوْلِ الرَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمِ أَنْ نَقُولَ فِي الْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ أَيْضًا بِتَقْوِيمِهَا عِنْدَ مَنْ يَرَى قِيمَتَهَا وَلَمْ يُصَرِّحْ، وَأَمَّا الْغَزَالِيُّ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى الْقَيِّمَ مُمْتَنِعَةً جَزَمَ بِالتَّقْدِيرِ وَخَالَفَ قَوْلَهُ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لِمَا قُلْنَاهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ وَبَعْدَ جَمِيعِ ذَلِكَ وَاضْطِرَابِ الْأَئِمَّةِ فِيهِ يَزِيدُ الْقَوْلُ الْأَصَحُّ قُوَّةً وَهُوَ وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ يَعْنِي إذَا جَرَى الصَّدَاقُ فَاسِدًا، وَهَذَا حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ الضَّعِيفَةُ مِنْ ضَعْفِ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَعْنِي وُجُوبَ بَدَلِ الصَّدَاقِ
стр. 806
الْفَاسِدِ بَلْ الصَّوَابُ الْقَطْعُ بِوُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْحُرِّ وَالْمَغْصُوبِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَصْحَابُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِوُجُوبِ الْبَدَلِ دَلِيلًا صَحِيحًا وَلَا مُخَيَّلًا فَمِنْ ضَعْفِ الْقَوْلِ جَاءَ ضَعْفُ مَا فُرِّعَ عَلَيْهِ وَالضَّعِيفُ كُلَّمَا فُرِّعَ عَلَيْهِ ظَهَرَ ضَعْفُهُ وَرُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى شَيْءٍ لَا يَلْتَزِمُهُ صَاحِبُ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَتَبَيَّنَ لَنَا بِذَلِكَ ضَعْفُهُ فَإِنَّا إذَا عَرَفْنَا أَنَّهُ لَازِمٌ لِلْقَوْلِ وَعَرَفْنَا أَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ بِهِ عَلِمْنَا أَنَّ قَائِلَهُ لَوْ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ لَرَجَعَ عَنْ الْقَوْلِ فَلِذَلِكَ لَا يَنْبَغِي كُلُّ مَا اقْتَضَتْهُ الْأَقْوَالُ الضَّعِيفَةُ مِنْ التَّفْرِيعِ يُقَالُ بِهِ حَتَّى تُلَاحَظَ قَوَاعِدُ الشَّرْعِ وَالْفِقْهِ فَإِنْ شَهِدَتْ بِبُطْلَانِهِ كَفَفْنَا عَنْ ذَلِكَ التَّفْرِيعِ لِئَلَّا نَرْتَكِبَ خَرْقَ الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ نَنْظُرُ إنْ كَانَ لُزُومُ ذَلِكَ الْقَوْلِ ضَرُورِيًّا أَبْطَلْنَا الْقَوْلَ وَإِلَّا أَبْقَيْنَاهُ وَتَرَكْنَا تَفْرِيعَ ذَلِكَ الْفَرْعِ عَلَيْهِ وَتَأَمَّلْنَا مَا يَنْدَفِعُ بِهِ اللُّزُومُ أَوْ تِلْكَ الْقَوَاعِدُ وَأَمَّا ارْتِكَابُ كُلِّ تَفْرِيعٍ لِكُلِّ قَوْلٍ فَلَا يَرْتَضِيه مُحَصِّلٌ.
وَمِنْ تَمَامِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ وَشَيْئًا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَثَلًا يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ الْعَقْدُ عَلَى قَوْلِنَا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ مَا ضُمَّ إلَيْهِ قَدْ عُلِمَتْ وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ عَيْنُهُ، وَلَوْ نَكَحَهَا عَلَى شَيْءٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ مَثَلًا، وَقُلْنَا: إذَا نَكَحَهَا بِمَغْصُوبٍ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ. كَتَبَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ عَاشِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةِ. انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ الْمَنْكُوحَة إنْ كَانَ الْعَيْبُ بِهَا وَفَسَخَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْمَسِيسِ]
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ الْعَيْبِ فِي الْمَنْكُوحَةِ إنْ كَانَ الْعَيْبُ بِهَا وَفَسَخَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْمَسِيسِ سَقَطَ الْمَهْرُ وَلَيْسَ كَمَا لَوْ ارْتَدَّ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَإِنَّا نَقْضِي بِالشَّطْرِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْمَسِيسِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُسَمَّى يَسْقُطُ وَيَثْبُتُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَخَرَّجَ قَوْلَ: إنَّهُ لَا يَسْقُطُ إذَا فُسِخَتْ بِعَيْبِهِ فَقَبْلَ الْمَسِيسِ يَسْقُطُ وَبَعْدَهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ وَالْمَخْرَجِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَخْتَلِجَ فِي نَفْسِ الْفَقِيهِ أَنَّهُ إذَا سَقَطَ بِفَسْخِهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ فَقِيَاسُهُ أَنْ يَشْطُرَ بِفَسْخِهِ اعْتِبَارًا بِالرِّدَّةِ وَإِنْ كَانَ فَسْخُ الزَّوْجِ لَا شَطْرَ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لِعَيْبِهَا فَتُعْذَرُ الْمَرْأَةُ إذَا فَسَخَتْ لِعَيْبِهِ.
وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ فَسْخِهِ وَفَسْخِهَا وَالسَّبَبُ أَنَّ مَسْقَطَ الْمَهْرِ إسْنَادُ الْعَيْبِ إلَى الْعَقْدِ وَلَيْسَ هَذَا مَأْخُوذًا مِنْ مَأْخَذِ الرِّدَّةِ فَإِنَّ الرِّدَّةَ قَاطِعٌ جَدِيدٌ ثُمَّ رَأَى الْفُقَهَاءُ الْفَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ
стр. 807
رِدَّةُ الزَّوْجِ بِمَنْزِلَةِ طَلَاقِهِ وَنَسَبُوا الْمَرْأَةَ إلَى قَطْعِ الْعَقْدِ وَأَسْقَطَهُ رَاجَعَهَا مَنْ جَوَّزَ الْعَقْدَ لَمَّا كَانَتْ هِيَ الْقَاطِعَةُ.
وَالْفَرْقُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: يَقَعُ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ وَالثَّانِي يَقَعُ بَيْنَ مَوْضِعَيْنِ وَمَأْخَذَيْنِ فَمَا ثَبَتَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ يَثْبُتُ وَيَنْتَفِي وَيَنْعَكِسُ وَيَطَّرِدُ وَمَا يَقَعُ بَيْنَ مَأْخَذَيْنِ بَيْنَ مَأْخَذِ كُلِّ جِهَةٍ ثُمَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الِانْفِصَالَ بِنَفِيَّيْنِ وَإِثْبَاتَيْنِ سَأَلَ سَائِلٌ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ الْفَرْقَ الْوَاقِعَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْقَائِسَ جَمَعَ بَيْنَ أَصْلٍ وَفَرْعٍ بِعِلَّةٍ وَالْفَارِقُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِعِلَّةٍ أُخْرَى يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ بِثُبُوتِهَا وَيَنْتَفِي الْفَرْعُ بِانْتِفَائِهَا وَهَذَا مَعْنَى الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ وَاقْتَصَرُوا فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي جَوَابِ الْقِيَاسِ وَكُلٌّ مِنْ الْعِلَّةِ وَاقْتِضَائِهَا الْحُكْمَ مَعْلُومٌ وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي وُجُودِهَا فِي ذَلِكَ الْمَحِلِّ وَعَدَمِهَا فَهُوَ تَصْدِيقٌ مَسْبُوقٌ بِتَصَوُّرٍ، وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْفَرْقِ هُوَ الْوَاقِعُ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ لِيُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا وَيَنْفِيَ اللَّبْسَ عَمَّنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ بَيْنَ اقْتِضَائِهَا لِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِيَتَمَيَّزَ ذَلِكَ وَيَنْتَفِي اللَّبْسُ عَمَّنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ مَأْخَذَ الْحُكْمَيْنِ وَاحِدٌ وَأَنَّ اقْتِضَاءَ الْحَقِيقَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ يُوجِبُ الِانْفِصَالَ بِنَفْيَيْنِ وَإِثْبَاتَيْنِ وَأَنَّهُ حَيْثُ انْتَفَى يَنْتَفِي الْحُكْمُ وَحَيْثُ ثَبَتَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فَهُوَ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ كَالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْفِقْهِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَهُوَ أَكْثَرُ وَأَنْفَعُ مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّ بِهِ تَتَمَيَّزُ الْحَقَائِقُ وَالْمَآخِذُ وَيُفْهَمُ تَرْتِيبُ الْفِقْهِ عَلَيْهَا.
وَمِنْ هَذَا الْفَرْقِ تَبَيَّنَّ حَقِيقَةُ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ فِي الرِّدَّةِ وَفَسْخِهِ بِالْعُيُوبِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُمَا حَقِيقَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ طَارِئٍ غَيْرِ مُسْتَنِدٍ إلَى أَمْرٍ مُقَارَنٍ، وَالثَّانِي مُسْتَنِدٌ إلَى مُقَارَنٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَ رِدَّةِ الزَّوْجِ وَرِدَّةِ الزَّوْجَةِ حَيْثُ كَانَتْ رِدَّتُهُ مُنْتَظَرَةً بَيِّنَتَهُمَا بِطَلَاقِهِ وَرِدَّتِهَا حَيْثُ كَانَتْ هِيَ الْقَاطِعَةُ كَالرَّضَاعِ فَاخْتَلَفَ الْمَأْخَذُ.
وَلَوْ أَرَدْنَا ذِكْرَ أَمْثِلَةِ النَّوْعَيْنِ لَاحْتَجْنَا إلَى مُجَلَّدٍ ضَخْمٍ وَلَكِنَّ التَّنْبِيهَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مُحَصِّلٌ لِلْغَرَضِ.
وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَمَعْنَاهُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ فَهُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَحِلَّيْنِ فَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي
стр. 808
وَالْأَوَّلُ أَنْفَعُ وَأُفُقُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُمْكِنُ رَدُّ الْأَوَّلِ إلَى الثَّانِي وَإِدْرَاجُهُ فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْفَرْقُ أَبَدًا مَعْنِيٌّ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ مَفْقُودٌ فِي الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ صُورَتَيْنِ أَعْنِي فِي الْقِيَاسِ فَالْفَارِقُ إنْ نَازَعَ فِي حَقِيقَةِ الْعِلَّةِ أَوْ فِي اقْتِضَائِهَا فَهُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ وَإِذَا تَمَّ لَهُ مَا ادَّعَاهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَإِنْ سَلَّمَ حَقِيقَةَ الْعِلَّةِ وَاقْتِضَائِهَا وَنَازَعَ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَالْفَرْعِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي، وَالْمَقْصُودُ بِالْفَرْقِ تَحْصِيلٌ عَلَى التَّقْرِيرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ يَوْمَ السَّبْتِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِالدَّهْشَةِ.
[بَابُ الْقَسَمِ وَالنُّشُوزِ]
ِ (مَسْأَلَةٌ) إذَا كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَوَهَبَتْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ نَوْبَتَهَا مِنْ الزَّوْجِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ تَخْصِيصَ وَاحِدَةٍ بِنَوْبَةِ الْوَاهِبَةِ، وَالثَّانِي لَا بَلْ يَجْعَلُ الْوَاهِبَةَ كَالْمَعْدُومَةِ وَيُقَسِّمُ بَيْنَ الثَّلَاثِ، وَبِهَذَا أَجَابَ الْعَبَّادِيُّ وَأَشَارَ فِي الْوَسِيطِ إلَى الْقَطْعِ بِالْمَنْعِ فِيمَا إذَا قَالَتْ: وَهَبْت مِنْك وَاقْتَصَرَتْ عَلَيْهِ وَتَخْصِيصُ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا قَالَتْ: وَهَبَتْ مِنْك فَخَصِّصْ مَنْ شِئْت وَحَكَى الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سَاعَةٌ أَوْ لَا يَبِيتُ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَصْلًا أَوْ يَخُصُّ بِهَا فِي كُلِّ دَوْرٍ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً وَإِنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا مِنْ جَمِيعِ الضَّرَائِرِ فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْبَاقِيَاتِ وَبِمِثْلِهِ أُجِيبُ فِيمَا إذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مُطْلَقًا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
فَإِنْ قُلْت: إذَا وَهَبَتْ حَقَّهَا مِنْ جَمِيعِ الضَّرَائِرِ اقْتَضَى أَنْ يُرِيدَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدَةٍ ثُلُثَ لَيْلَةٍ وَإِذَا سَوَّى بَيْنَهُنَّ لَا يَبِيت عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ إلَّا لَيْلَةً.
قُلْت: النِّسْبَةُ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ مِنْ ثَلَاثٍ كَاللَّيْلَةِ وَثُلُثٍ مِنْ أَرْبَعٍ، فَإِنْ قُلْت: هَذَا فِيمَا إذَا وَهَبَتْ مُطْلَقًا ظَاهِرٌ فَإِذَا وَهَبَتْ لَيْلَتَهَا مِنْ دَوْرِ وَاحِدَةٍ فَيَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ لَيْلَةً وَثُلُثًا تَأْتِي نَوْبَتُهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ؟ قُلْت: إذَا وَهَبَتْ نَوْبَتَهَا مِنْ دَوْرِ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَرْبَعُ لَيَالٍ وَكَانَتْ نَوْبَتُهَا اللَّيْلَةَ الرَّابِعَةَ مَثَلًا فَاَلَّذِي تَسْتَحِقُّهُ فِي الْحَقِيقَةِ رُبُعُ الزَّمَانِ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ فَيَسْقُطُ عَلَى الثَّلَاثِ فَيَصِيرُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ ثُلُثَ يَوْمٍ فَإِذَا تَكَمَّلَتْ الْأَيَّامُ الثَّلَاثُ تَكَمَّلَ مَا وَهَبَ لَهُنَّ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثِ وَأَمَّا الْيَوْمُ الرَّابِعُ فَيَصِيرُ مُسْتَحَقًّا لَهُنَّ أَثْلَاثًا فَإِنْ قَسَّمَهُ بَيْنَهُنَّ جَازَ
стр. 809
وَابْتَدَأَ الدَّوْرُ مِنْ الْخَامِسِ وَتَأْتِي نَوْبَةُ الْوَاهِبَةِ فِي الثَّامِنِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُقَسِّمْهُ بَيْنَهُنَّ بَلْ جَعَلَهُ ابْتِدَاءً فَقَدْ جَازَ بِحُصُولِ التَّسْوِيَةِ وَتَأْتِي نَوْبَةُ الْوَاهِبَةِ فِي السَّابِعِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْوَاهِبَةَ إنْ طَلَبَتْ ذَلِكَ تَعَيَّنَ تَعْجِيلًا لِحَقِّهَا فَإِنَّ لَهَا الرُّجُوعَ فِي أَصْلِ الْهِبَةِ إلَى هَذَا النَّوْعِ أَوْلَى وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ تَوْفِيَةً لِحُقُوقِ الثَّلَاثِ وَتَتَأَخَّرُ نَوْبَةُ الْوَاهِبَةِ إلَى الثَّمَانِيَةِ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ تَخْيِيرًا بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ كَمَا بَيَّنَّا. وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَقْلًا انْتَهَى.
[بَابُ الْخُلْعِ]
(بَابُ الْخُلْعِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: اخْتِيَارِي فِي لَفْظِ الْخُلْعِ، الْقَوْلُ الثَّالِثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذَا لَمْ يَقْتَرِنُ بِهِ نِيَّةٌ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ فُرْقَةٌ لَا بِطَرِيقِ الْفَسْخِ وَلَا بِطَرِيقِ الطَّلَاقِ وَمَعْنَى كَوْنِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَرْته فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَوْ سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةِ وَأَنَا إذْ ذَاكَ فِي الْقَاهِرَةِ لِعَدَمِ إيضَاحِ الدَّلِيلِ عِنْدِي عَلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ أَوْ فَسْخٌ.
وَإِنْ كَانَا هُمَا الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَّضِحْ لِي دَلِيلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ الْمَذْكُورُ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَلَكِنَّهُ عِنْدِي قَوِيٌّ لِعَدَمِ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِهِ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْعِصْمَةِ. ثُمَّ وَقَعَتْ لِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَأَنَا حَاكِمٌ بِدِمَشْقَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةِ رَجُلٌ وَامْرَأَتُهُ تَخَالَعَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا لَفْظِ طَلَاقٍ عَلَى عِوَضٍ فَذَكَرْت مَا كُنْت اخْتَرْته مِنْ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَجْرِيَ لَفْظُ الْخُلْعِ مُقْتَرِنًا بِذِكْرِ الْعِوَضِ وَأَنْ يَجْرِيَ مُجَرَّدًا كِلَاهُمَا سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ فُرْقَةٌ إلَّا إذَا نَوَى الطَّلَاقَ، وَكَذَا أَقُولُ: إذَا نَوَى بِهِ الْفَسْخَ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ عِنْدِي دَلِيلٌ عَلَى جَوَاز فَسْخِ النِّكَاحِ بِالتَّرَاضِي كَالْبَيْعِ وَإِنَّمَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِالْأُمُورِ الْمُقْتَضِيَةِ لِفَسْخِهِ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الدَّوَامِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
وَلَكِنِّي مَعَ ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ يَنْشَرِحْ صَدْرِي لَأَنْ أَحْكُمَ بِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمُتَخَالِعَيْنِ لِمُخَالَفَةِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةَ مِنْهَا مَا يَقْوَى قُوَّةً شَدِيدَةً تَنْشَرِحُ النَّفْسُ
стр. 810
لِلْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِهِ.
وَمِنْهَا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ يَحْصُلُ الْوَرَعُ عَنْ تَقَلُّدِهِ، وَالْقَصْدُ طَاعَةُ اللَّهِ وَإِخْلَاصُ الْعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ، كَمَا تَوَرَّعْت عَنْ الْحُكْمِ بِهَذِهِ الْمُخْتَلِعَةِ لِهَذَا الرَّجُلِ كَذَلِكَ أَتَوَرَّعُ عَنْ تَمْكِينِهَا بِالِاتِّصَالِ بِغَيْرِهِ حَتَّى تَحْصُلَ فُرْقَةٌ صَحِيحَةٌ بِغَيْرِ لَفْظِ الْخُلْعِ الْمُجَرَّدِ عَنْ النِّيَّةِ عَمَلًا بِاسْتِصْحَابِ الْعِصْمَةِ، وَانْشَرَحَتْ نَفْسِي لِلْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالْمَنْعِ مِنْ تَزْوِيجِهَا بِهَذَا الْمُقْتَضَى، وَإِنْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ أَوْ وَضَعَتْ حَمْلًا حَتَّى تَحْصُلَ فُرْقَةٌ صَحِيحَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يَعْتَرِضُ جَاهِلٌ بِأَنَّ هَذِهِ:
إمَّا أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً لِلْأَوَّلِ فَتُرَدُّ إلَيْهِ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بَائِنَةً فَتُزَوَّجُ بِغَيْرِهِ لِأَنِّي أَقُولُ: الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهَا زَوْجَةٌ وَلَكِنَّ مَرَاتِبَ الظُّهُورِ مُتَفَاوِتَةٌ، وَهَذَا الظُّهُورُ الَّذِي حَصَلَ عَارَضَهُ فَتْوَى أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِخِلَافِهِ وَعَضَّدَهُ الدَّلِيلُ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا بَلْ ظَنِّيًّا، وَمَرَاتِبُ الظُّنُونِ مُتَفَاوِتَةٌ كَذَلِكَ. وَهَذَا لَيْسَ مِنْ أَعْلَاهَا وَالْأَبْضَاعُ يُحْتَاطُ لَهَا فَكَمَا نَحْتَاطُ فَلَا نَرُدُّهَا إلَى هَذَا الرَّجُلِ كَذَلِكَ نَحْتَاطُ فَلَا نُبِيحُهَا لِغَيْرِهِ وَهِيَ أَوْقَعَتْ نَفْسَهَا فِي ذَلِكَ فَأَمَّا أَنْ تَرْضَى بِرُجُوعِهَا إلَى زَوْجِهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ يُزِيلُ الشُّبْهَةَ، وَإِمَّا أَنْ تَصْبِرَ وَإِمَّا أَنْ نُوَافِقَهَا عَلَى إنْشَاءِ طَلَاقٍ بَائِنٍ تَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْهُ.
وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: إلَى أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ سُلْطَانٍ وَاحْتَجَّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَلِهَذَا أَشَارَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إلَى مُخَالَفَتِهِمَا بِقَوْلِهِ: يَجُوزُ الْخُلْعُ بِسُلْطَانٍ وَغَيْرِ سُلْطَانٍ، وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إلَى ثُبُوتِ الرَّجْعَةِ فِي الْخُلْعِ وَوَافَقَهُمَا أَبُو ثَوْرٍ إذَا كَانَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ.
فَإِذَا فُرِضَ اخْتِيَارَ هَذَا الْمُخَالِعِ لِلرَّجْعَةِ قَوِيَ تَمَسُّكُهُ بِهَا، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ تُوجِبُ التَّوَقُّفَ عَنْ إبَاحَتِهَا لِلْأَزْوَاجِ، وَالظُّهُورُ الَّذِي عِنْدِي مِنْ اسْتِصْحَابِ الْعِصْمَةِ الْأُولَى كَافٍ فِي مَنْعِهَا مِنْ التَّزْوِيجِ حُرْمَةً لِلْأَبْضَاعِ مَعَ مَا عَضَّدَهُ مِنْ ذَلِكَ وَتَضْعُفُ مُعَارَضَةُ فَتْوَى الْأَكْثَرِينَ بِخِلَافِهِ فِي هَذَا الظَّرْفِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّا نَأْخُذُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْجَانِبَيْنِ فَإِنْ قَالَ: الِاحْتِيَاطُ لَا يَكُونُ لِلْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْكُمُ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ وَهُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
قُلْت: حُكْمِي بِمَنْعِهَا مِنْ التَّزْوِيجِ حُكْمٌ بِمَا ظَهَرَ لِي وَلَا مُعَارِضَ لَهُ إلَّا فَتْوَى الْأَكْثَرِ وَلَيْسَتْ مُعَارِضَةً قَوِيَّةً فَلِذَلِكَ يَنْشَرِحُ صَدْرِي لِلْحُكْمِ فِي هَذَا الظَّرْفِ وَالْحُكْمِ بِرَدِّهَا إلَى الْأَوَّلِ
следующие страницы →