← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11498

فتاوى السبكي

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 159 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الْفَاسِدِ بَلْ الصَّوَابُ الْقَطْعُ بِوُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْحُرِّ وَالْمَغْصُوبِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَصْحَابُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِوُجُوبِ الْبَدَلِ دَلِيلًا صَحِيحًا وَلَا مُخَيَّلًا فَمِنْ ضَعْفِ الْقَوْلِ جَاءَ ضَعْفُ مَا فُرِّعَ عَلَيْهِ وَالضَّعِيفُ كُلَّمَا فُرِّعَ عَلَيْهِ ظَهَرَ ضَعْفُهُ وَرُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى شَيْءٍ لَا يَلْتَزِمُهُ صَاحِبُ ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَتَبَيَّنَ لَنَا بِذَلِكَ ضَعْفُهُ فَإِنَّا إذَا عَرَفْنَا أَنَّهُ لَازِمٌ لِلْقَوْلِ وَعَرَفْنَا أَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ بِهِ عَلِمْنَا أَنَّ قَائِلَهُ لَوْ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ لَرَجَعَ عَنْ الْقَوْلِ فَلِذَلِكَ لَا يَنْبَغِي كُلُّ مَا اقْتَضَتْهُ الْأَقْوَالُ الضَّعِيفَةُ مِنْ التَّفْرِيعِ يُقَالُ بِهِ حَتَّى تُلَاحَظَ قَوَاعِدُ الشَّرْعِ وَالْفِقْهِ فَإِنْ شَهِدَتْ بِبُطْلَانِهِ كَفَفْنَا عَنْ ذَلِكَ التَّفْرِيعِ لِئَلَّا نَرْتَكِبَ خَرْقَ الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ نَنْظُرُ إنْ كَانَ لُزُومُ ذَلِكَ الْقَوْلِ ضَرُورِيًّا أَبْطَلْنَا الْقَوْلَ وَإِلَّا أَبْقَيْنَاهُ وَتَرَكْنَا تَفْرِيعَ ذَلِكَ الْفَرْعِ عَلَيْهِ وَتَأَمَّلْنَا مَا يَنْدَفِعُ بِهِ اللُّزُومُ أَوْ تِلْكَ الْقَوَاعِدُ وَأَمَّا ارْتِكَابُ كُلِّ تَفْرِيعٍ لِكُلِّ قَوْلٍ فَلَا يَرْتَضِيه مُحَصِّلٌ. وَمِنْ تَمَامِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ وَشَيْئًا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَثَلًا يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ الْعَقْدُ عَلَى قَوْلِنَا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ مَا ضُمَّ إلَيْهِ قَدْ عُلِمَتْ وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ عَيْنُهُ، وَلَوْ نَكَحَهَا عَلَى شَيْءٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ مَثَلًا، وَقُلْنَا: إذَا نَكَحَهَا بِمَغْصُوبٍ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ. كَتَبَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ عَاشِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةِ. انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ الْمَنْكُوحَة إنْ كَانَ الْعَيْبُ بِهَا وَفَسَخَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْمَسِيسِ] قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ الْعَيْبِ فِي الْمَنْكُوحَةِ إنْ كَانَ الْعَيْبُ بِهَا وَفَسَخَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْمَسِيسِ سَقَطَ الْمَهْرُ وَلَيْسَ كَمَا لَوْ ارْتَدَّ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَإِنَّا نَقْضِي بِالشَّطْرِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْمَسِيسِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُسَمَّى يَسْقُطُ وَيَثْبُتُ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَخَرَّجَ قَوْلَ: إنَّهُ لَا يَسْقُطُ إذَا فُسِخَتْ بِعَيْبِهِ فَقَبْلَ الْمَسِيسِ يَسْقُطُ وَبَعْدَهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ وَالْمَخْرَجِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَخْتَلِجَ فِي نَفْسِ الْفَقِيهِ أَنَّهُ إذَا سَقَطَ بِفَسْخِهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ فَقِيَاسُهُ أَنْ يَشْطُرَ بِفَسْخِهِ اعْتِبَارًا بِالرِّدَّةِ وَإِنْ كَانَ فَسْخُ الزَّوْجِ لَا شَطْرَ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لِعَيْبِهَا فَتُعْذَرُ الْمَرْأَةُ إذَا فَسَخَتْ لِعَيْبِهِ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ فَسْخِهِ وَفَسْخِهَا وَالسَّبَبُ أَنَّ مَسْقَطَ الْمَهْرِ إسْنَادُ الْعَيْبِ إلَى الْعَقْدِ وَلَيْسَ هَذَا مَأْخُوذًا مِنْ مَأْخَذِ الرِّدَّةِ فَإِنَّ الرِّدَّةَ قَاطِعٌ جَدِيدٌ ثُمَّ رَأَى الْفُقَهَاءُ الْفَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ

стр. 807

رِدَّةُ الزَّوْجِ بِمَنْزِلَةِ طَلَاقِهِ وَنَسَبُوا الْمَرْأَةَ إلَى قَطْعِ الْعَقْدِ وَأَسْقَطَهُ رَاجَعَهَا مَنْ جَوَّزَ الْعَقْدَ لَمَّا كَانَتْ هِيَ الْقَاطِعَةُ. وَالْفَرْقُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: يَقَعُ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ وَالثَّانِي يَقَعُ بَيْنَ مَوْضِعَيْنِ وَمَأْخَذَيْنِ فَمَا ثَبَتَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ يَثْبُتُ وَيَنْتَفِي وَيَنْعَكِسُ وَيَطَّرِدُ وَمَا يَقَعُ بَيْنَ مَأْخَذَيْنِ بَيْنَ مَأْخَذِ كُلِّ جِهَةٍ ثُمَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الِانْفِصَالَ بِنَفِيَّيْنِ وَإِثْبَاتَيْنِ سَأَلَ سَائِلٌ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ الْفَرْقَ الْوَاقِعَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْقَائِسَ جَمَعَ بَيْنَ أَصْلٍ وَفَرْعٍ بِعِلَّةٍ وَالْفَارِقُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِعِلَّةٍ أُخْرَى يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ بِثُبُوتِهَا وَيَنْتَفِي الْفَرْعُ بِانْتِفَائِهَا وَهَذَا مَعْنَى الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ وَاقْتَصَرُوا فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي جَوَابِ الْقِيَاسِ وَكُلٌّ مِنْ الْعِلَّةِ وَاقْتِضَائِهَا الْحُكْمَ مَعْلُومٌ وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي وُجُودِهَا فِي ذَلِكَ الْمَحِلِّ وَعَدَمِهَا فَهُوَ تَصْدِيقٌ مَسْبُوقٌ بِتَصَوُّرٍ، وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْفَرْقِ هُوَ الْوَاقِعُ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ لِيُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا وَيَنْفِيَ اللَّبْسَ عَمَّنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ بَيْنَ اقْتِضَائِهَا لِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِيَتَمَيَّزَ ذَلِكَ وَيَنْتَفِي اللَّبْسُ عَمَّنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ مَأْخَذَ الْحُكْمَيْنِ وَاحِدٌ وَأَنَّ اقْتِضَاءَ الْحَقِيقَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ يُوجِبُ الِانْفِصَالَ بِنَفْيَيْنِ وَإِثْبَاتَيْنِ وَأَنَّهُ حَيْثُ انْتَفَى يَنْتَفِي الْحُكْمُ وَحَيْثُ ثَبَتَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فَهُوَ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ كَالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْفِقْهِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَهُوَ أَكْثَرُ وَأَنْفَعُ مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّ بِهِ تَتَمَيَّزُ الْحَقَائِقُ وَالْمَآخِذُ وَيُفْهَمُ تَرْتِيبُ الْفِقْهِ عَلَيْهَا. وَمِنْ هَذَا الْفَرْقِ تَبَيَّنَّ حَقِيقَةُ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ فِي الرِّدَّةِ وَفَسْخِهِ بِالْعُيُوبِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُمَا حَقِيقَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ طَارِئٍ غَيْرِ مُسْتَنِدٍ إلَى أَمْرٍ مُقَارَنٍ، وَالثَّانِي مُسْتَنِدٌ إلَى مُقَارَنٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَ رِدَّةِ الزَّوْجِ وَرِدَّةِ الزَّوْجَةِ حَيْثُ كَانَتْ رِدَّتُهُ مُنْتَظَرَةً بَيِّنَتَهُمَا بِطَلَاقِهِ وَرِدَّتِهَا حَيْثُ كَانَتْ هِيَ الْقَاطِعَةُ كَالرَّضَاعِ فَاخْتَلَفَ الْمَأْخَذُ. وَلَوْ أَرَدْنَا ذِكْرَ أَمْثِلَةِ النَّوْعَيْنِ لَاحْتَجْنَا إلَى مُجَلَّدٍ ضَخْمٍ وَلَكِنَّ التَّنْبِيهَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مُحَصِّلٌ لِلْغَرَضِ. وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَمَعْنَاهُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ فَهُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَحِلَّيْنِ فَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي

стр. 808

وَالْأَوَّلُ أَنْفَعُ وَأُفُقُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُمْكِنُ رَدُّ الْأَوَّلِ إلَى الثَّانِي وَإِدْرَاجُهُ فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْفَرْقُ أَبَدًا مَعْنِيٌّ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ مَفْقُودٌ فِي الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ صُورَتَيْنِ أَعْنِي فِي الْقِيَاسِ فَالْفَارِقُ إنْ نَازَعَ فِي حَقِيقَةِ الْعِلَّةِ أَوْ فِي اقْتِضَائِهَا فَهُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ وَإِذَا تَمَّ لَهُ مَا ادَّعَاهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَإِنْ سَلَّمَ حَقِيقَةَ الْعِلَّةِ وَاقْتِضَائِهَا وَنَازَعَ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَالْفَرْعِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي، وَالْمَقْصُودُ بِالْفَرْقِ تَحْصِيلٌ عَلَى التَّقْرِيرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ يَوْمَ السَّبْتِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِالدَّهْشَةِ. [بَابُ الْقَسَمِ وَالنُّشُوزِ] ِ (مَسْأَلَةٌ) إذَا كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَوَهَبَتْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ نَوْبَتَهَا مِنْ الزَّوْجِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ تَخْصِيصَ وَاحِدَةٍ بِنَوْبَةِ الْوَاهِبَةِ، وَالثَّانِي لَا بَلْ يَجْعَلُ الْوَاهِبَةَ كَالْمَعْدُومَةِ وَيُقَسِّمُ بَيْنَ الثَّلَاثِ، وَبِهَذَا أَجَابَ الْعَبَّادِيُّ وَأَشَارَ فِي الْوَسِيطِ إلَى الْقَطْعِ بِالْمَنْعِ فِيمَا إذَا قَالَتْ: وَهَبْت مِنْك وَاقْتَصَرَتْ عَلَيْهِ وَتَخْصِيصُ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا قَالَتْ: وَهَبَتْ مِنْك فَخَصِّصْ مَنْ شِئْت وَحَكَى الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سَاعَةٌ أَوْ لَا يَبِيتُ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَصْلًا أَوْ يَخُصُّ بِهَا فِي كُلِّ دَوْرٍ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً وَإِنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا مِنْ جَمِيعِ الضَّرَائِرِ فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْبَاقِيَاتِ وَبِمِثْلِهِ أُجِيبُ فِيمَا إذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مُطْلَقًا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ. فَإِنْ قُلْت: إذَا وَهَبَتْ حَقَّهَا مِنْ جَمِيعِ الضَّرَائِرِ اقْتَضَى أَنْ يُرِيدَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدَةٍ ثُلُثَ لَيْلَةٍ وَإِذَا سَوَّى بَيْنَهُنَّ لَا يَبِيت عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ إلَّا لَيْلَةً. قُلْت: النِّسْبَةُ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ مِنْ ثَلَاثٍ كَاللَّيْلَةِ وَثُلُثٍ مِنْ أَرْبَعٍ، فَإِنْ قُلْت: هَذَا فِيمَا إذَا وَهَبَتْ مُطْلَقًا ظَاهِرٌ فَإِذَا وَهَبَتْ لَيْلَتَهَا مِنْ دَوْرِ وَاحِدَةٍ فَيَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ لَيْلَةً وَثُلُثًا تَأْتِي نَوْبَتُهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ؟ قُلْت: إذَا وَهَبَتْ نَوْبَتَهَا مِنْ دَوْرِ وَاحِدَةٍ وَهُوَ أَرْبَعُ لَيَالٍ وَكَانَتْ نَوْبَتُهَا اللَّيْلَةَ الرَّابِعَةَ مَثَلًا فَاَلَّذِي تَسْتَحِقُّهُ فِي الْحَقِيقَةِ رُبُعُ الزَّمَانِ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ فَيَسْقُطُ عَلَى الثَّلَاثِ فَيَصِيرُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ ثُلُثَ يَوْمٍ فَإِذَا تَكَمَّلَتْ الْأَيَّامُ الثَّلَاثُ تَكَمَّلَ مَا وَهَبَ لَهُنَّ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الثَّلَاثِ وَأَمَّا الْيَوْمُ الرَّابِعُ فَيَصِيرُ مُسْتَحَقًّا لَهُنَّ أَثْلَاثًا فَإِنْ قَسَّمَهُ بَيْنَهُنَّ جَازَ

стр. 809

وَابْتَدَأَ الدَّوْرُ مِنْ الْخَامِسِ وَتَأْتِي نَوْبَةُ الْوَاهِبَةِ فِي الثَّامِنِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُقَسِّمْهُ بَيْنَهُنَّ بَلْ جَعَلَهُ ابْتِدَاءً فَقَدْ جَازَ بِحُصُولِ التَّسْوِيَةِ وَتَأْتِي نَوْبَةُ الْوَاهِبَةِ فِي السَّابِعِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْوَاهِبَةَ إنْ طَلَبَتْ ذَلِكَ تَعَيَّنَ تَعْجِيلًا لِحَقِّهَا فَإِنَّ لَهَا الرُّجُوعَ فِي أَصْلِ الْهِبَةِ إلَى هَذَا النَّوْعِ أَوْلَى وَإِنْ لَمْ تَطْلُبْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ تَوْفِيَةً لِحُقُوقِ الثَّلَاثِ وَتَتَأَخَّرُ نَوْبَةُ الْوَاهِبَةِ إلَى الثَّمَانِيَةِ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ تَخْيِيرًا بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ كَمَا بَيَّنَّا. وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَقْلًا انْتَهَى. [بَابُ الْخُلْعِ] (بَابُ الْخُلْعِ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: اخْتِيَارِي فِي لَفْظِ الْخُلْعِ، الْقَوْلُ الثَّالِثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذَا لَمْ يَقْتَرِنُ بِهِ نِيَّةٌ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ فُرْقَةٌ لَا بِطَرِيقِ الْفَسْخِ وَلَا بِطَرِيقِ الطَّلَاقِ وَمَعْنَى كَوْنِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَرْته فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَوْ سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةِ وَأَنَا إذْ ذَاكَ فِي الْقَاهِرَةِ لِعَدَمِ إيضَاحِ الدَّلِيلِ عِنْدِي عَلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ أَوْ فَسْخٌ. وَإِنْ كَانَا هُمَا الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتَّضِحْ لِي دَلِيلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ الْمَذْكُورُ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَلَكِنَّهُ عِنْدِي قَوِيٌّ لِعَدَمِ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِهِ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْعِصْمَةِ. ثُمَّ وَقَعَتْ لِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَأَنَا حَاكِمٌ بِدِمَشْقَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةِ رَجُلٌ وَامْرَأَتُهُ تَخَالَعَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا لَفْظِ طَلَاقٍ عَلَى عِوَضٍ فَذَكَرْت مَا كُنْت اخْتَرْته مِنْ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَجْرِيَ لَفْظُ الْخُلْعِ مُقْتَرِنًا بِذِكْرِ الْعِوَضِ وَأَنْ يَجْرِيَ مُجَرَّدًا كِلَاهُمَا سَوَاءٌ فِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ فُرْقَةٌ إلَّا إذَا نَوَى الطَّلَاقَ، وَكَذَا أَقُولُ: إذَا نَوَى بِهِ الْفَسْخَ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ عِنْدِي دَلِيلٌ عَلَى جَوَاز فَسْخِ النِّكَاحِ بِالتَّرَاضِي كَالْبَيْعِ وَإِنَّمَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِالْأُمُورِ الْمُقْتَضِيَةِ لِفَسْخِهِ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الدَّوَامِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ. وَلَكِنِّي مَعَ ذَلِكَ لَمَّا وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ يَنْشَرِحْ صَدْرِي لَأَنْ أَحْكُمَ بِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمُتَخَالِعَيْنِ لِمُخَالَفَةِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاخْتِيَارَاتِ الْفِقْهِيَّةَ مِنْهَا مَا يَقْوَى قُوَّةً شَدِيدَةً تَنْشَرِحُ النَّفْسُ

стр. 810

لِلْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِهِ. وَمِنْهَا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ يَحْصُلُ الْوَرَعُ عَنْ تَقَلُّدِهِ، وَالْقَصْدُ طَاعَةُ اللَّهِ وَإِخْلَاصُ الْعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ، كَمَا تَوَرَّعْت عَنْ الْحُكْمِ بِهَذِهِ الْمُخْتَلِعَةِ لِهَذَا الرَّجُلِ كَذَلِكَ أَتَوَرَّعُ عَنْ تَمْكِينِهَا بِالِاتِّصَالِ بِغَيْرِهِ حَتَّى تَحْصُلَ فُرْقَةٌ صَحِيحَةٌ بِغَيْرِ لَفْظِ الْخُلْعِ الْمُجَرَّدِ عَنْ النِّيَّةِ عَمَلًا بِاسْتِصْحَابِ الْعِصْمَةِ، وَانْشَرَحَتْ نَفْسِي لِلْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالْمَنْعِ مِنْ تَزْوِيجِهَا بِهَذَا الْمُقْتَضَى، وَإِنْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ أَوْ وَضَعَتْ حَمْلًا حَتَّى تَحْصُلَ فُرْقَةٌ صَحِيحَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يَعْتَرِضُ جَاهِلٌ بِأَنَّ هَذِهِ: إمَّا أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً لِلْأَوَّلِ فَتُرَدُّ إلَيْهِ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بَائِنَةً فَتُزَوَّجُ بِغَيْرِهِ لِأَنِّي أَقُولُ: الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهَا زَوْجَةٌ وَلَكِنَّ مَرَاتِبَ الظُّهُورِ مُتَفَاوِتَةٌ، وَهَذَا الظُّهُورُ الَّذِي حَصَلَ عَارَضَهُ فَتْوَى أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِخِلَافِهِ وَعَضَّدَهُ الدَّلِيلُ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا بَلْ ظَنِّيًّا، وَمَرَاتِبُ الظُّنُونِ مُتَفَاوِتَةٌ كَذَلِكَ. وَهَذَا لَيْسَ مِنْ أَعْلَاهَا وَالْأَبْضَاعُ يُحْتَاطُ لَهَا فَكَمَا نَحْتَاطُ فَلَا نَرُدُّهَا إلَى هَذَا الرَّجُلِ كَذَلِكَ نَحْتَاطُ فَلَا نُبِيحُهَا لِغَيْرِهِ وَهِيَ أَوْقَعَتْ نَفْسَهَا فِي ذَلِكَ فَأَمَّا أَنْ تَرْضَى بِرُجُوعِهَا إلَى زَوْجِهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ يُزِيلُ الشُّبْهَةَ، وَإِمَّا أَنْ تَصْبِرَ وَإِمَّا أَنْ نُوَافِقَهَا عَلَى إنْشَاءِ طَلَاقٍ بَائِنٍ تَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْهُ. وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: إلَى أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ سُلْطَانٍ وَاحْتَجَّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَلِهَذَا أَشَارَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إلَى مُخَالَفَتِهِمَا بِقَوْلِهِ: يَجُوزُ الْخُلْعُ بِسُلْطَانٍ وَغَيْرِ سُلْطَانٍ، وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إلَى ثُبُوتِ الرَّجْعَةِ فِي الْخُلْعِ وَوَافَقَهُمَا أَبُو ثَوْرٍ إذَا كَانَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ. فَإِذَا فُرِضَ اخْتِيَارَ هَذَا الْمُخَالِعِ لِلرَّجْعَةِ قَوِيَ تَمَسُّكُهُ بِهَا، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ تُوجِبُ التَّوَقُّفَ عَنْ إبَاحَتِهَا لِلْأَزْوَاجِ، وَالظُّهُورُ الَّذِي عِنْدِي مِنْ اسْتِصْحَابِ الْعِصْمَةِ الْأُولَى كَافٍ فِي مَنْعِهَا مِنْ التَّزْوِيجِ حُرْمَةً لِلْأَبْضَاعِ مَعَ مَا عَضَّدَهُ مِنْ ذَلِكَ وَتَضْعُفُ مُعَارَضَةُ فَتْوَى الْأَكْثَرِينَ بِخِلَافِهِ فِي هَذَا الظَّرْفِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّا نَأْخُذُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْجَانِبَيْنِ فَإِنْ قَالَ: الِاحْتِيَاطُ لَا يَكُونُ لِلْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْكُمُ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ وَهُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ. قُلْت: حُكْمِي بِمَنْعِهَا مِنْ التَّزْوِيجِ حُكْمٌ بِمَا ظَهَرَ لِي وَلَا مُعَارِضَ لَهُ إلَّا فَتْوَى الْأَكْثَرِ وَلَيْسَتْ مُعَارِضَةً قَوِيَّةً فَلِذَلِكَ يَنْشَرِحُ صَدْرِي لِلْحُكْمِ فِي هَذَا الظَّرْفِ وَالْحُكْمِ بِرَدِّهَا إلَى الْأَوَّلِ

стр. 811

مُعَارَضٌ بِحُرْمَةِ الْأَبْضَاعِ وَتَوَقُّفِي عَنْهُ لَيْسَ حُكْمًا بِشَيْءٍ فَهُوَ أَسْهَلُ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى حُكْمٍ بِمَا لَا أَرَاهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ لِنَبِيِّهِ ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] هَذَا مَا عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ فِي ثَالِثَ عَشْرَيْ الْقَعْدَةِ سَنَة ٥٢ وَسَبْعِمِائَةِ. . [مَسْأَلَةٌ أُكْرِهْت عَلَى سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ بِعِوَضٍ فَطَلَّقَهَا] (مَسْأَلَةٌ) إذَا أُكْرِهْت عَلَى سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ بِعِوَضٍ فَطَلَّقَهَا عَلَى الْعِوَضِ مُخْتَارًا وَهِيَ مُكْرَهَةٌ هَلْ يَقَعُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا أَوْ لَا وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ أَشْهَدَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا بِالْخُلْعِ، ثُمَّ ادَّعَتْ الْإِكْرَاهَ وَلَمْ تُقِمْ بَيِّنَةً لَكِنْ ظَهَرَتْ مَخَائِلُ تَقْتَضِيهِ وَهُوَ أَنَّهُ أَحْضَرَ إلَيْهَا جَنَادِرَةَ الْوَالِي وَقَالَ الشُّهُودُ إنَّهُمْ مَعَهَا عَلَى الْإِكْرَاهِ وَقَبِلْت قَوْلَهَا وَجَعَلْت الطَّلَاقَ بَائِنًا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مُكَذِّبٌ لَهَا فِي الْإِكْرَاهِ وَلَمْ أُكَذِّبْهَا بِحَالٍ لِقَبُولِ قَوْلِهَا فِي الْإِكْرَاهِ وَهَذَا كُلُّهُ مَنْقُولٌ، ثُمَّ إنَّهُ أَرَادَ رَجْعَتَهَا فَأَشَرْت عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ احْتِيَاطًا، يُرَاجِعُ وَيُجَدِّدُ الْعَقْدَ فَتَحِلُّ لَهُ بِيَقِينٍ إمَّا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ رَجْعِيًّا وَارْتَجَعَهَا وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ بَائِنًا وَجَدَّدَ نِكَاحَهَا. [مَسْأَلَةٌ الْخُلْعُ إذَا جَرَى بِلَفْظِ الْخُلْعِ مَعَ ذِكْرِ الْعِوَضِ] (مَسْأَلَةٌ) الْخُلْعُ إذَا جَرَى بِلَفْظِ الْخُلْعِ مَعَ ذِكْرِ الْعِوَضِ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ شَيْئًا، نَصَّ فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ طَلَاقٌ وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَنَصَّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ فَسْخٌ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ وَلَمْ يَنْوِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى صَرَاحَتِهِ لَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا فِي الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَكَرَّرْ فِي الْقُرْآنِ، وَقَوْلُهُمْ تَكَرَّرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الشَّرْعِ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ هَلْ هُوَ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ لِإِشْعَارِهِ بِهِ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَحَدِيثُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ لَيْسَ فِيهِ لَفْظُ الْخُلْعِ بَلْ قَالَ «خُذْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» انْتَهَى. قَالَ وَلَدُهُ قَاضِي الْقُضَاةِ الْخَطِيبُ تَاجُ الدِّينِ سَلَّمَهُ اللَّهُ: مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مِنْ أَنَّ الْخُلْعَ لَيْسَ بِشَيْءٍ مَذْهَبٌ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ قَوْلًا شَاذًّا فَلَا يُقَلِّدُهُ فِيهِ مَنْ يُرِيدُ تَقْلِيدَ الشَّافِعِيِّ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ هَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَشَرْحُ الْمِنْهَاجِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَعَلَّهُ رَجَعَ عَنْهُ انْتَهَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. [كِتَابُ الطَّلَاقِ] (كِتَابُ الطَّلَاقِ) (مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁: إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ. إنْ طَلَّقْتُك

стр. 812

فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلْقَةُ الْمُنَجَّزَةُ وَطَلْقَتَانِ قَبْلَهَا مِنْ الْمُعَلَّقِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ صَادِرٌ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ فَوَجَبَ إعْمَالُهُ إلَّا فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحِيلِ وَهُوَ وُقُوعُ ثَلَاثٍ قَبْلَ طَلْقَةٍ أُخْرَى فَيَبْطُلُ مِنْهُ مَا اقْتَضَى الْمُحَالَ لِعَدَمِ إمْكَانِ تَصْحِيحِهِ شَرْعًا وَيَصِحُّ فِيمَا عَدَاهُ عَمَلًا بِالْمُقْتَضَى لِلصِّحَّةِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ هَلْ نَقُولُ: إنَّ الطَّلْقَتَيْنِ مِنْ الْمُعَلَّقِ يَقَعَانِ قَبْلَ الْمُنْجَزِ بِأَدْنَى زَمَانٍ أَوْ يَتَبَيَّنُ وُقُوعُهُمَا عَقِيبَ التَّعْلِيقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي، لَمْ أَرَ لِلْأَصْحَابِ تَصْرِيحًا فِي ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ وَجْهَانِ نَنْظُرُ فِي أَحَدِهِمَا إلَى مَوْضُوعِ اللَّفْظِ كَمَا فِي قَوْلِهِ قَبْلَ مَوْتِي وَفِي الْآخَرِ إلَى الْمُتَبَادَرِ إلَى الْفَهْمِ وَهُوَ الزَّمَانُ الْمُسْتَعْقَبُ بِالتَّنْجِيزِ وَلَعَلَّ سَبَبَهُ التَّرْتِيبُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فَلَا يُصْرَفُ بِلَفْظِ الْقَبْلِيَّةِ إلَّا إلَى أَقْرَبِ مَا يُمْكِنُ. وَإِذَا قِيلَ: بِالْإِسْنَادِ إلَى عَقِيبِ التَّعْلِيقِ فَقَدْ تَكُونُ الْعِدَّةُ انْقَضَتْ بَيْنَهُمَا فَيُؤَدِّي الْقَوْلُ بِإِيقَاعِهِمَا فِي ذَلِكَ إلَى الدَّوْرِ فَيَعْدِلُ إلَى زَمَانٍ بَعْدَهُ لِيَسْلَمَ مِنْ الدَّوْرِ. وَإِنَّمَا يُسْنَدُ بَابُ الطَّلَاقِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ إذَا قِيلَ: بِإِسْنَادِ الْوُقُوعِ إلَى عَقِبِ التَّعْلِيقِ أَمَّا إذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ بَلْ قَبْلَهُ بِأَدْنَى زَمَانٍ قَدْ يَنْسَدُّ بَابُ الطَّلَاقِ وَيَكُونُ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ إلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي هَذَا الْمُصَنَّفِ أَوْ فِي غَيْرِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقٌ أَصْلًا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَحُذَّاقِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ ابْنُ الْحَدَّادِ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ صَحِيحٌ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ وَالْوُقُوعُ يَسْتَلْزِمُ الدَّوْرَ الْمُحَالَ فَلَا يَقَعُ وَجَوَابُهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّعْلِيقِ جَمِيعِهِ، سَنَدُ هَذَا الْمَنْعِ أَنَّ صِحَّةَ جَمِيعِهِ تَقْتَضِي لُزُومَ ثَلَاثِ طَلْقَاتٍ لِطَلْقَةٍ بَعْدَهَا وَأَنَّهُ مُحَالٌ. أَمَّا اقْتِضَاؤُهُ لُزُومَ ذَلِكَ فَهُوَ مَدْلُولُ الشَّرْطِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي لُزُومَ تَالِيهَا لِمُقَدَّمِهَا، وَالشَّرْطِيَّاتُ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا اتِّفَاقِيًّا فَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ الصَّحِيحَ شَرْعًا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِي شَرْطُهُ جَزَاءَهُ وَلِجَعْلِ الْجَزَاءَ فِيهِ مُسْتَحَقًّا بِالشَّرْطِ وَهَذَا مَعْنَى صِحَّةِ التَّعْلِيقِ. وَيَتَوَقَّفُ أَيْضًا الْجَزَاءُ فِيهِ عَلَى الشَّرْطِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ أَعْنِي مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ جَعَلَهُ مُعَلَّقًا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُوجَدُ بِشَرْطٍ آخَرَ فَقَدْ تَبَيَّنَّ أَنَّ اللُّزُومَ حَاصِلٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ

стр. 813

وَأَمَّا الِاسْتِحَالَةُ فَلِعَدَمِ مِلْكِ الزَّوْجِ أَرْبَعَ طَلْقَاتٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ طَلْقَةٌ وَيَقَعَ قَبْلَهَا ثَلَاثٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَإِنَّ الطَّلْقَةَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهَا إنْ وُجِدَتْ فِي هَذَا النِّكَاحِ لَمْ تُوجَدْ الثَّلَاثُ قَبْلَهَا وَإِلَّا كُنَّ أَرْبَعًا وَإِنْ وُجِدَ فِي نِكَاحٍ آخَرَ بِأَنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَطَلَّقَهَا لَمْ يُمْكِنْ الْقَوْلُ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَبِينُ، وَيَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ الْفَسْخِ، وَيَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الْفَسْخِ بُطْلَانُ النِّكَاحِ الثَّانِي وَبُطْلَانُ الطَّلَاقِ فِيهِ فَيَبْطُلُ وُقُوعُ الثَّلَاثِ فِي الْأَوَّلِ إلَى نَفْيِهِ، وَكُلَّمَا أَدَّى إثْبَاتُهُ إلَى نَفْيِهِ بَطَلَ مِنْ أَصْلِهِ. فَإِنْ قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الْفَسْخِ بُطْلَانِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ خَلْفَهُ بَيْنُونَةٌ أُخْرَى بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ؟ قُلْت لَمْ يَعْلَمْ بِهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَشَرْطُ صِحَّةِ النِّكَاحِ الْعِلْمُ بِالْبَيْنُونَةِ. فَإِنْ قُلْت قَدْ يَفْسَخُ نِكَاحَهَا فَيَتَزَوَّجُهَا غَيْرُهُ وَنُوَكِّلُهُ فِي طَلَاقِهَا فَيُطَلِّقُهَا فَيَصْدُقُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا؟ قُلْت كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الْفَسْخِ الْمُقْتَضِي بُطْلَانَ نِكَاحِ غَيْرِهِ الْمُقْتَضِي بُطْلَانَ الْوَكَالَةِ وَالطَّلَاقَ الْمُقْتَضِي بُطْلَانَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ قَبْلَهُ فَعُلِمَ أَنَّ لُزُومَ طَلْقَاتِ ثَلَاثٍ لِطَلْقَةٍ بَعْدَهَا مُحَالٌ فَالتَّعْلِيقُ الْمُقْتَضِي لَهُ بَاطِلٌ فِيهِ وَإِنْ كُنَّا لَا نَقُولُ بِبُطْلَانِهِ فِي غَيْرِهِ عَمَلًا بِالدَّلِيلِينَ الْمُصَحِّحِ وَالْمُبْطِلِ بِقَدْرٍ. (وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَقَعُ فِي الْمُنْجَزِ فَقَطْ هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ وَلَهُ مَأْخَذَانِ: إحْدَاهُمَا إبْطَالُ التَّعْلِيقِ جُمْلَةً وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ وَالْأَصْلُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى الصِّحَّةِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ وَلَا مُعَارِضَ يَقْتَضِي الْإِبْطَالَ فِي الْجَمِيعِ. الثَّانِي قَطْعُ الدَّوْرِ مِنْ وَسَطِهِ فَيَصِحُّ الْمُنْجَزُ وَيَبْطُلُ الْمُعَلَّقُ الَّذِي هُوَ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفْضِي بُطْلَانَ مَجْمُوعِ الْمُعَلَّقِ وَهُوَ الثَّلَاثُ، أَمَّا بُطْلَانُ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ فَلَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّعْلِيقَ يَقْتَضِي وُقُوعَ كُلِّ جُزْءٍ فَلِمَ لَا يَقَعُ مَا لَا يَقْتَضِي الْوُقُوعُ اسْتِحَالَتَهُ. فَإِنْ قُلْت: التَّعْلِيقُ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَهَذَا التَّعْلِيقُ اقْتَضَى تَأَخُّرَ الشَّرْطِ عَنْ الْمَشْرُوطِ فَكَانَ بَاطِلًا. قُلْت: الشَّرْطُ فِي اللَّفْظِ لَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ [يوسف: ٢٦] وَأَلْفُ مِثَالٍ لِذَلِكَ. وَأَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ وَالْحُكْمِ فَيَعُمُّ وَهُوَ هُنَا الزَّمَانُ الَّذِي قَبْلَ الطَّلَاقِ الْمُنْجَزِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: إنْ قَامَ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ. فَإِنْ

стр. 814

قُلْت: الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مُتَغَايِرَيْنِ وَالطَّلَاقُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلزَّوْجِ وَالطَّلْقَةُ الْمُنْجَزَةُ وَالثَّلَاثُ إمَّا غَيْرُ مُتَغَايِرَةٍ وَإِمَّا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَمْلِكُ أَرْبَعًا؟ قُلْت مَتَى تَصَوَّرْتَ تَصَوُّرًا صَحِيحًا عَلِمْت التَّغَايُرَ بَيْنَ الطَّلْقَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا وَالثَّلَاثِ الْمُعَلَّقَةِ وَبَيْنَ الْمَمْلُوكِ وَالْمُعَلَّقِ وَالْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَإِنَّ الطَّلْقَةَ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهَا لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً، وَبَيَانُ ذَلِكَ إمَّا كَوْنُ الطَّلْقَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً فَكَالضَّرْبِ وَالدُّخُولِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي يُعَلَّقُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ. وَقَدْ أَشَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ إلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُهَا فِي نِكَاحٍ آخَرَ وَذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّهَا لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً وَيُبَيِّنُ لَك ذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ طَلَّقْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ، ثُمَّ فَسَخَ نِكَاحَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَطَلَّقَهَا فَإِنَّا نَحْكُمُ بِعِتْقِ عَبْدِنَا فِيمَا يَظْهَرُ لَنَا بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا كَوْنُ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ وَالْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ مُغَايِرًا لِلْمَمْلُوكِ فَتَبْيِينُهُ أَنَّهُ يَقُولُ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ أَكَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَإِنْ شَرِبْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ لَبِسْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَمَا أَشْبَهَهُ فَيَصِيرُ الطَّلَاقُ مُعَلَّقًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ وَقَدْ يَنْتَهِي إلَى الْأَلْفِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ إلَّا ثَلَاثًا، فَالطَّلَاقُ الْمَمْلُوكُ أَعَمُّ وَالطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ أَخَصُّ؛ لِأَنَّا نَأْخُذُهُ مُقَيَّدًا بِالْإِضَافَةِ إلَى شَرْطِهِ فَبَيْنَ الطَّلَاقِ الْمَمْلُوكِ وَالْمُعَلَّقِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، وَهُوَ يَكْفِي فِي التَّغَايُرِ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ الْمَمْلُوكِ وَالْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ أَيْضًا فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ مُتَغَايِرَانِ لَا مَانِعَ مِنْ تَصْحِيحِهِمَا فِيمَا عَدَا مَحَلِّ الدَّوْرِ. (وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ) فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَقَعُ الْمُنْجَزُ وَطَلْقَتَانِ مِنْ الْمُعَلَّقِ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْمَشْرُوطَ مَعَ الشَّرْطِ أَوْ بَعْدَهُ وَيَلْغُو قَوْلُهُ قَبْلَهُ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَإِنْ شَارِكْ الْأَوَّلَ فِي إيقَاعِ الثَّلَاثِ، وَإِنَّمَا قُلْت بِضَعْفِهِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إلْغَاءَ الِاسْتِحَالَةِ بِإِلْغَاءِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ إلْغَاءَهَا بِطَلْقَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ الْمُعَلَّقَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الطَّلْقَاتِ هِيَ الْمُتَصَرَّفُ فِيهَا الْقَابِلَةُ لِلتَّصْحِيحِ وَالْإِلْغَاءِ وَالْقَبْلِيَّةُ زَمَانُ ضِدَّيْنِ، الْمُرَادُ الْمُتَكَلِّمُ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي قَصَدَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ فِيهِ فَهُوَ وَاقِعٌ ثَلَاثًا فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَعْقِبِ لِزَمَانِ التَّنْجِيزِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ مِنْهَا ثِنْتَانِ إلْغَاءٌ لِمَا أَوْقَعَهُ بِغَيْرِ مُوجِبٍ وَإِيقَاعُ طَلْقَتَيْنِ مَعَ الْمُنْجَزِ إيقَاعٌ لِمَا لَمْ يُوقِعْهُ بِغَيْرِ مُوجِبٍ وَلَا إرَادَةٍ فَهَذَا الْقَائِلُ تَوَقَّعَ مَا لَمْ يَقْصِدْهُ الْمُتَكَلِّمُ

стр. 815

وَيَمْنَعُ وُقُوعَ مَا قَصَدَهُ مَعَ عَدَمِ اسْتِحَالَتِهِ فَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ وَحَمَلَهُ عَلَيْهِ - اعْتِقَادُهُ أَنَّ إلْغَاءَ الْقَبْلِيَّةِ بِهَذَا، وَبِهَذَا فَهُمَا سَوَاءٌ وَلَمْ يَتَأَمَّلْ مَا قُلْنَاهُ. وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَأْخَذٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يُقَدِّرَ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ كَأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ وَقْتَ وُجُودِ الصِّفَةِ وَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقِ أَمْسِ ثَلَاثًا وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَكَانَ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَمْسِ لَكِنْ هَلْ يَلْغُو وَيَقَعُ الْآنَ قَوْلَانِ فَعَلَى الْوُقُوعِ الْآنَ يَصِحُّ هَذَا الْوَجْهُ وَإِنَّهُ يَقَعُ طَلْقَتَانِ مِنْ الْمُعَلَّقِ مَعَ الْمُنْجَزِ لَوْ فُعِلَ. وَهَذَا الَّذِي يَلِيقُ بِأَصْلِ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّ عِنْدَهُمْ الْمُعَلَّقَ يُقَدَّرُ إنْشَاؤُهُ وَقْتَ الصِّفَةِ وَعِبَارَتُهُمْ أَنَّهُ يَنْزِلُ ذَلِكَ الْوَقْتَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَنَا وَجْهٌ مِثْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ التَّعْلِيقَ هُوَ السَّبَبُ وَهُوَ الْحَقُّ، وَقَدْ اسْتَنْظَرَ لَهُ دَلِيلًا مِنْ الْبَدِيَّةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ الْوَصِيِّ إذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ فَلَوْ قَدَّرَ الْعِتْقَ مَعَ الْمَوْتِ أَوْ بَعْدَهُ لَزِمَ إلْغَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ بَعْدَ إزَالَةِ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي فِي حَالَةٍ فِي الْمِلْكِ الْمَوْجُودِ بِعِتْقٍ مُضَافٍ إلَى حَالَةِ الْمَوْتِ جَوَّزَهُ الشَّارِعُ تَوْسِعَةً لِلْمَالِكِ لِمَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الثَّوَابِ وَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ فَافْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ وَمَأْخَذٌ قَوِيٌّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. (الْوَجْهُ الْخَامِسُ) فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ فِي قَوْلِهِ: إنْ طَلَّقْتُكِ خَاصَّةً أَنَّهُ يَقَعُ الْمُعَلَّقُ وَحْدَهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ. وَمَأْخَذُهُ أَنَّ أَلْفَاظَ الْعُقُودِ تُطْلَقُ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ عِنْدَهُمْ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَعِنْدِي فِي ضَعْفِهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي لَمْ تُحَقَّقْ مِنْ الشَّرْعِ كَالْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِمَا لَمْ يَقُمْ عِنْدِي دَلِيلٌ عَلَى قَصْرِ اللَّفْظِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهَا بَلْ الْأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ الْمَنْقُولَةُ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لَهَا أَرْكَانٌ وَشُرُوطٌ وَبِدُونِ الْأَرْكَانِ يَظْهَرُ عَدَمُ إطْلَاقِ اللَّفْظِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْهَا وَأَمَّا بِدُونِ الشَّرْطِ فَإِنَّا نَحْكُمُ عَلَيْهَا بِالْفَسَادِ وَإِذَا سَلَّمْنَا الِاسْمَ عَنْهَا فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ بِالْمَجَازِ. وَيُمْكِنُ لِهَذَا الْوَجْهِ مَأْخَذٌ آخَرُ وَهُوَ: أَنَّ الِاسْمَ وَإِنْ قَصُرَ عَلَى الصَّحِيحِ لَكِنَّ هُنَا قَرِينَةً تَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ التَّطْلِيقُ الَّذِي لَوْلَا الْمَانِعُ لَوَقَعَ وَالْمَانِعُ مَا جَعَلَهُ جُزْءًا مِنْ وُقُوعِ الثَّلَاثِ قَبْلَهُ، هَذَا مَا تَيَسَّرَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سَرِيعًا فِي بَعْضِ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ سَابِعَ عَشَرَ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةِ، حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. (تَنْبِيهٌ) أَشَرْت إلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُلْحَقِ إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقٌ

стр. 816

أَصْلًا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وَإِنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ، قَبْلِيَّةٌ مُتَّسَعَةٌ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ التَّعْلِيقِ، أَمَّا إذَا قَالَ بِأَدْنَى زَمَانٍ أَوْ إنْ طَلَّقْتُك فِي الزَّمَانِ الْفُلَانِيِّ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَفِي كُلِّ هَذِهِ الصِّيَغِ لَنَا طَرِيقٌ إذَا طَلَّقَهَا يَقَعُ قَبْلَهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ، وَلَا دَوْرَ وَلَا إشْكَالَ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: إذَا طَلَّقْتُك فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَحْذُورٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الطَّلَاقَ الَّذِي حَكَمْنَا بِوُقُوعِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِهِ عَدَمُ شَرْطِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ عَدَمُ الْوُقُوعِ بَعْدَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَكَمْنَا بِوُقُوعِهِ لِأَجْلِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ عَدَمِ وُقُوعِ شَرْطِهِ الْمُقْتَضَى لِعَدَمِ وُقُوعِهِ وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ مِنْ اتِّحَادِ الزَّمَانِ وَتَأَخُّرِهِ عَنْ زَمَانِ التَّعْلِيقِ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بِأَنْ جَعَلْنَا الْقَبْلِيَّةَ مُتَّسِعَةً: إمَّا بِالتَّنْصِيصِ وَإِمَّا بِالْحَمْلِ عَلَى ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي أَيِّ زَمَنٍ فُرِضَ مُتَرَاخِيًا وُقُوعَ طَلَاقٍ قَبْلَهُ بِمُقْتَضَى الْيَمِينِ الْأُولَى، وَيَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِهِ قَبْلَهُ عَدَمُ وُقُوعِهِ فَيَدُورُ وَهَكَذَا حَتَّى يَسْتَنِدَ إلَى الزَّمَانِ الَّذِي عُقِبَ بِزَمَانِ التَّعْلِيقِ الْأَوَّلِ. وَالْفَرْضُ أَنَّ التَّعْلِيقَ الثَّانِيَ بَعْدَ الْأَوَّلِ فَلَا يُمْكِنُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بَعْدَ التَّعْلِيقِ الثَّانِي أَصْلًا وَلَا مَعَهُ، نَعَمْ لَوْ فَرَضَ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلًا: إنْ طَلَّقْتُك فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ، ثُمَّ قَالَ إنْ وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ. فَنَقُولُ: إنَّهُ يُحْكَمُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِمُقْتَضَى الْيَمِينِ الْأُولَى مَعَ التَّعْلِيقِ الثَّانِي قَبْلَ انْعِقَادِهِ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ حِينَئِذٍ وَإِنَّ الْيَمِينَ الدَّائِرَةَ الْمَانِعَةَ مِنْهُ إلَى الْآنَ مَا انْعَقَدَتْ، فَافْهَمْ ذَلِكَ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا تَنَبَّهْ لَهُ وَإِنْ كَانَ تَنَبَّهَ لِبَعْضِهِ. (تَنْبِيهٌ آخَرُ) قَدَّمْنَا أَنَّ الصِّفَةَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً وَالطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا أَعْنِي عُمُومَ الْمَمْلُوكِ الصَّادِقِ عَلَيْهِ فَإِذَا قَالَ: إنْ دَخَلَتْ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ خَالَعَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ دَخَلَتْ قَالَ الْأَصْحَابُ يَتَخَلَّصُ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَخَذُوهُ مِنْ أَنَّهُ يَصِيرُ تَعْلِيقًا قَبْلَ الْمِلْكِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا تَعُودُ بِمَا بَقِيَ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ فَالطَّلَاقُ لَوْ قِيلَ: بِوُقُوعِهِ هُوَ الْمَمْلُوكُ الَّذِي كَانَ النِّكَاحُ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ تَعْلِيقًا قَبْلَ الْمِلْكِ فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ عَوْدِ الصِّيغَةِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ وَالصِّفَةَ كِلَاهُمَا حَالُ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا تَخَلَّلَتْ حَالَةٌ بَيْنَهُمَا فَلْيُنْظَرْ إلَى أَنَّهَا هَلْ تَمْنَعُ الْوُقُوعَ أَوْ لَا - وَاَللَّهُ

стр. 817

أَعْلَمُ -. أَلْحَقْت ذَلِكَ فِي دَرْسِ الْأَتَابِكِيَّةِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سَادِسَ قِعْدَةٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةِ. وَهَذَا التَّنْبِيهُ الثَّانِي إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَسْأَلَةِ الدَّوْرِ إلَّا أَنَّهُ عَرَضَ عِنْدَ النَّظَرِ فِيهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي بْنِ عَلِيِّ بْنِ تَمَّامٍ السُّبْكِيُّ - غَفَرَ اللَّه لَهُ وَلِوَالِدِيهِ - انْتَهَى. قَالَ وَلَدُهُ مَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجُ الدِّينِ عَبْدُ الْوَهَّابِ: هَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُهُ وَأَمْلَى بَعْدَهُ عَلَيَّ فِيهِ مُصَنَّفًا آخَرَ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا هُوَ عِنْدِي وَكَانَ صَنَّفَ قَبْلَهُمَا فِي مِصْرَ مُصَنَّفَيْنِ نَصَرَ فِيهِمَا قَوْلَ ابْنِ الْحَدَّادِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَاسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلَى هَذَا فَلْيُتَنَبَّهْ، ثُمَّ أَمْلَى عَلَيَّ مَا هُوَ مَعْنَاهُ إلَّا أَنَّهُ أَبْسَطُ، ثُمَّ كَتَبَ بِخَطِّهِ مَا هُوَ نَصُّهُ نُقِلَ مِنْ خَطِّهِ. . [فَصْلٌ الِاجْتِمَاع وَالِافْتِرَاق فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ وَالطَّلَاقِ] (فَصْلٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: هَذِهِ مُؤَاخَذَاتٌ عَلَى التَّصْنِيفِ الصَّغِيرِ الَّذِي عَمِلَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ وَسَمَّاهُ بِالِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ وَالطَّلَاقِ لَا أُطَوِّلُ فِيهَا؛ لِأَنِّي قَدْ تَكَلَّمْت عَلَى كَلَامِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ أُنَبِّهُ عَلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِي هَذَا التَّصْنِيفِ بِحَسْب الِاخْتِصَارِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ: قَوْلُهُ إنَّ صِيغَةَ قَوْلِهِ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، يَمِينٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَإِنَّهَا صِيغَةُ قَسَمٍ، قُلْت كَيْفَ يَدَّعِي اتِّفَاقَ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى ذَلِكَ وَلَا أَعْرِفُ هَذِهِ الصِّيغَةَ وَرَدَتْ فِي كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا سَمِعْتُ مِنْ عَرَبِيٍّ لَا فِي نَظْمٍ وَلَا فِي نَثْرٍ. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ أَيْضًا يَمِينٌ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّهَا تُسَمَّى يَمِينًا. قُلْت قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كَلَامِنَا وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا يَلْزَمُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِعِ عَلَى عُرْفِ الْفُقَهَاءِ مَا لَمْ يُعْلَمْ وُجُودُهُ فِي زَمَنِهِ ﷺ . وَقَوْلُهُ إنَّ مِنْهُمْ مَنْ غَلَّبَ عَلَيْهَا جَانِبَ الْيَمِينِ فَلَمْ يُوقِعْ بِهِ بَلْ قَالَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. قُلْت: هَذَا الْقَوْلُ لَا أَعْرِفُ أَحَدًا صَرَّحَ بِهِ مِنْ سَلَفٍ وَلَا خَلَفٍ. وَأَمَّا اقْتِضَاءُ كَلَامِ ابْنِ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ الْمُصَنَّفِ فِي الْإِجْمَاعِ لِنَقْلِهِ فَقَدْ تَكَلَّمْت عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى مِنْ الْكَلَامِ الْمُسَمَّى بِالتَّحْقِيقِ فِي مَسْأَلَةِ التَّعْلِيقِ الَّتِي سَتُكْتَبُ بَعْدَ هَذَا. وَقَوْلُهُ إنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ إنَّمَا عُرِفَ عَنْ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي التَّحْقِيقِ. وَقَوْلُهُ: إنَّ التَّعْلِيقَ الَّذِي قَصَدَ صَاحِبُهُ الْحَلِفَ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، إمَّا أَنْ يُرِيدَ فِي كَوْنِهِ يُسَمَّى حَلِفًا أَوْ فِي تَسَاوِي أَحْكَامِهِمَا، فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ

стр. 818

فَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِيَ فَمَمْنُوعٌ. وَسَنَدُ الْمَنْعِ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ التَّعْلِيقَ صَرِيحٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الطَّلَاقِ يَلْزَمُنِي هَلْ هُوَ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا نَجِدُ وَاحِدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ يُسَوِّي بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقُولُ إمَّا أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ فِيهِمَا أَوْ لَا يَقَعُ فِيهِمَا بَلْ أَكْثَرُهُمْ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الْوُقُوعِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ وَالْحُكْمُ بِالْوُقُوعِ فِيهِمَا الَّذِي مِنْ لَازِمِهِ التَّسْوِيَةُ فِيهِ لَيْسَ حُكْمًا بِالتَّسْوِيَةِ بِالتَّفْسِيرِ الْمُتَقَدَّمِ حَتَّى يَسْتَنْتِجَ مِنْهُ عَدَمَ الْوُقُوعِ فِيهِمَا الَّذِي هُوَ خِلَافُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، وَمَنْ أَرَادَ إشْبَاعَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فَعَلَيْهِ بِالتَّحْقِيقِ مَعَ اخْتِصَارِهِ. قَوْلُهُ: إنَّ أَنْوَاعَ الْأَيْمَانِ ثَلَاثَةٌ ١ - بِاَللَّهِ ٢ - لِلَّهِ ٣ - أَنْ يَعْقِدَهَا بِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ لِغَيْرِ اللَّهِ. قُلْت الْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ الْأَوَّلُ بِاَللَّهِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَتَصَدَّقَنَّ. الثَّانِي بِاَللَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَسْرِقَنَّ الثَّالِثُ بِغَيْرِ اللَّهِ لِلَّهِ كَقَوْلِهِ: وَالْكَعْبَةِ لَأَتَصَدَّقَنَّ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا إنْ فَعَلْت كَذَا لَأَتَصَدَّقَنَّ أَوْ فَعَلَيَّ الْحَجُّ، وَالرَّابِعُ بِغَيْرِ اللَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: وَالْكَعْبَةِ لَأَسْرِقَنَّ. وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْقَسَمِ إنْ فَعَلْت كَذَا لَأَسْرِقَنَّ أَوْ فَهُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ فَالْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ مُنْعَقِدَانِ تَجِبُ فِيهِمَا الْكَفَّارَةُ، وَالثَّالِثُ فِيهِ مِثَالَانِ: أَحَدُهُمَا الْقَسَمُ الصَّرِيحُ كَقَوْلِهِ: وَالْكَعْبَةِ لَا يَنْعَقِدُ وَلَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ وَالثَّانِي إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ الْحَجُّ يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَنَّ، كَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ كَالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْقَسَمُ الصَّرِيحُ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ فَمَا هُوَ فِي حُكْمِهِ بِطَرِيقِ أَوْلَى. وَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنِدُ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِهِ شَيْءٌ لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الصِّيغَةِ الثَّانِيَةِ تَعْظِيمٌ لِغَيْرِ اللَّهِ بَلْ الْتِزَامٌ مُجَرَّدٌ فَارَقَ قَوْلَهُ، وَالْكَعْبَةِ وَمَا أَشْبَهُهُ فَإِنَّ فِيهَا تَعْظِيمَ غَيْرِ اللَّهِ فَلِذَلِكَ أَبْطَلَ أَثَرَهَا، وَأَمَّا الصِّيغَةُ الثَّانِيَةُ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْتِزَامٌ مُجَرَّدٌ، وَالشَّخْصُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إلْزَامِ نَفْسِهِ بِدَلِيلِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَنَذْرِ التَّبَرُّرِ وَالضَّمَانِ فَقَدْ الْتَزَمَ شَيْئًا لَيْسَ فِيهِ تَعْظِيمُ غَيْرِ اللَّهِ وَلَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَهَذَا الْمَأْخَذُ أَعَوْصُ وَأَقْرَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ السَّلَفِ أَعْنِي مِنْ اعْتِبَارِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُتَرَتِّبِ، فَمِنْ قَائِلٍ: وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَ لِمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ الْتَزَمَ شَيْئًا لَيْسَ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا مَانِعَ مِنْ اعْتِبَارِهِ كَنَذْرِ التَّبَرُّرِ وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ الْمُلْتَزِمَ لِذَلِكَ لَمْ يَقْصِدْ الْتِزَامَهُ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بَلْ إنَّمَا قَصَدَ ذَلِكَ لِيَمْنَعَ نَفْسَهُ مِمَّا حَلَفَ

стр. 819

عَلَيْهِ أَوْ يَحُثَّهَا، وَالنَّذْرُ الَّذِي حَكَمَ الشَّرْعُ بِوُجُوبِهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَقْصِدُ التَّقَرُّبَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ هُنَا الْوَفَاءُ وَيَتَخَلَّصُ مِنْهُ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ مُشْبِهٌ لِلْيَمِينِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مَنَعَ نَفْسَهُ بِالْتِزَامِ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ تَعْظِيمُ غَيْرِ اللَّهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي آخِرِهَا: إنَّهُ حَلَفَ حَقِيقَةً عَلَى الْحَجِّ مَثَلًا فَيَرُدُّهُ أَنَّ السَّلَفَ وَالْخَلَفَ يُطْلِقُونَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّهُ حَلَفَ بِالْحَجِّ وَحَلَفَ بِالْعَتَاقَةِ وَحَلَفَ بِالصَّدَقَةِ فِيمَنْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلَيَّ حَجٌّ أَوْ عَتَاقَةٌ أَوْ صَدَقَةٌ. وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ لَكَانُوا يَقُولُونَ حَلَفَ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَتَصَدَّقَ أَوْ يُعْتِقَ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ إلَّا حَلَفَ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ بِالْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَهُ وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَفْهَمُهُ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ، فَالْفِعْلُ الْمَقْصُودُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ هُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَالْحَجُّ مَثَلًا هُوَ الْمَحْلُوفُ بِهِ وَيُسَمُّونَهُ إذَا فَعَلَ الْفِعْلَ حَانِثًا، وَلَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُ لَمْ يَكُنْ حَانِثًا إلَّا بِتَرْكِ الْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَهُ فَهُوَ نَادِرٌ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» ؛ لِأَنَّ عَلَى وَجْهِ الْحَلِفِ لَيْسَ قَصْدُهُ الطَّاعَةَ وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ الْمَشْيَ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُخَالَفَةِ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْمَشْيِ لَهُ جِهَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ وَذَلِكَ هُوَ الطَّاعَةُ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ آخَرَ كَمَا هَاهُنَا فَإِنَّهُ إنَّمَا قَصَدَهُ لِيَكُونَ مَانِعًا لَهُ مِنْ الْفِعْلِ فَإِذَا لَمْ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» فَلَا يَجِبُ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا أَوْجَبَهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَفِيمَا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الطَّاعَةَ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَوَجَبَ وَهَا هُنَا لَيْسَ الْمَقْصُودُ الطَّاعَةَ. وَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ: كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ فَقَدْ تَرَتَّبَ الْمَنْذُورُ فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَفَاؤُهُ عَيْنًا بَلْ لَهُ أَنْ يُسْقِطَهُ بِالْكَفَّارَةِ. وَقَدْ بَسَطَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فِي التَّحْقِيقِ. قَوْلُهُ إنَّ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ، مِثْلُ أَنْ يَحْلِفَ بِالطَّوَاغِيتِ أَوْ بِأَبِيهِ أَوْ بِالْكَعْبَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ أَنَّهَا يَمِينٌ غَيْرُ مُحْتَرَمَةٍ فَلَا تَنْعَقِدُ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. يَرُدُّ عَلَيْهِ فِي إيجَابِهِ الْكَفَّارَةَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ. وَأَمَّا حُكْمُنَا نَحْنُ بِانْعِقَادِهَا؛ فَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَعْنَى مَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ انْعِقَادِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا تَعْظِيمُ

стр. 820

غَيْرِ اللَّهِ بِخِلَافِ الْحَلِفِ بِالطَّوَاغِيتِ وَأَبِيهِ وَالْكَعْبَةِ. وَقَوْلُهُ فِي الْمَعْقُودَةِ لِلَّهِ فِيمَا إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ التَّقَرُّبَ لَا الْحَلِفَ إلَى آخِرِهِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فِي كُلِّ نَذْرٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ نَذْرَ التَّبَرُّرِ لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَكَأَنَّ النُّسْخَةَ سَقِيمَةٌ فَلْيَنْظُرْ فِي أُخْرَى. وَإِدْرَاجُهُ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي فِي الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ لِلَّهِ يَقْتَضِي: أَنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ يَمِينٌ مَعْقُودَةٌ لِلَّهِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ: مَعْقُودٌ لِلَّهِ إنْ أُرِيدَ بِهَا التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ فَالْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ الْتَزَمَ بِهَا شَيْئًا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ كَالْحَجِّ وَالصَّدَقَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ بِالطَّلَاقِ لَيْسَ مَقْصُودُهُ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ الْحِنْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَلَا أَنْ يُنْشِئَ طَلَاقًا بَلْ مَقْصُودُهُ أَنَّهَا تَطْلُقُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الشَّرْطِ. قَوْلُهُ: وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا عَقَدَهُ لِلَّهِ مِنْ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْحَلِفُ بِالنَّذْرِ وَمَا عَقَدَهُ لِلَّهِ مِنْ تَحْرِيمٍ وَهُوَ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَقَالُوا فِي الْأَوَّلِ: كَفَّارَةٌ وَفِي الثَّانِي مَا حَلَفَ، هَذَا وَإِنْ كَانَ قَوْلَ الْجُمْهُورِ وَلَكِنْ لَمْ يَقُولُوهُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ وَلَيْسَ مَأْخَذُهُمْ كَوْنَ هَذَا تَحْرِيمًا وَإِيجَابًا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَأْخَذُهُمْ لَزِمَهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِهِ مِنْ كُلِّ تَحْرِيمٍ كَمَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتِي أَوْ أَمَتِي حَرَامٌ وَهَذَا الطَّعَامُ عَلَيَّ حَرَامٌ فَيَحْرُمُ إذَا وَجَدَ الشَّرْطَ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ. بَلْ مَأْخَذُهُمْ أَنَّ هَذَا وُقُوعٌ وَذَاكَ الْتِزَامٌ، وَالْأَوَّلُ مُفَوَّضٌ إلَى الْعَبْدِ يُصِيبُ بِسَبَبِهِ تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا وَمَتَى وَجَدَ سَبَبَهُ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ. (وَالثَّانِي) لَيْسَ مُفَوَّضًا إلَيْهِ مُطْلَقًا بَلْ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ وَإِذَا وَجَبَ سَبَبُهُ وَتَرَتَّبَ فِي الذِّمَّةِ يُمْكِنُ سُقُوطُهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَاسْتِدْلَالُهُ بِالْآيَاتِ وَالْحَدِيثِ الدَّالِ عَلَى تَكْفِيرِ الْأَيْمَانِ، وَدَعْوَاهُ أَنَّهَا شَامِلَةٌ لِهَذِهِ الْيَمِينِ مَمْنُوعَةٌ. وَقَوْلُهُ: إنَّ هَذِهِ دَاخِلَةٌ فِي أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ وَأَيْمَانِ الْبَيْعَةِ، وَدَعْوَاهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ فِيهَا نِزَاعًا فَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَنَا أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ وَأَيْمَانُ الْبَيْعَةِ إنَّمَا صَارَتْ يَدْخُلُ فِيهَا الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ مِنْ زَمَنِ الْحَجَّاجِ فَإِنَّهُ زَادَهَا فِي أَيْمَانِ الْبَيْعَةِ وَصَارَ يُحَلِّفُ الْمُسْلِمِينَ بِهَا وَاشْتَهَرَتْ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِذَا نَوَاهَا الْحَالِفُ دَخَلَتْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا لَا تَدْخُلُ وَلَوْلَا ذَلِكَ دَخَلَتْ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِيهَا نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ، فَالْإِيهَامُ بِكَوْنِهَا مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُفِيدُ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: أَيْمَانُ

стр. 821

الْمُسْلِمِينَ إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا مَا شُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ الْحَلِفُ بِهَا أَوْ مَا يَتَعَارَفُ الْمُسْلِمُونَ الْحَلِفَ بِهِ وَجَرَتْ عَادَتْهُمْ بِهِ فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ فَالْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاق لَمْ يُشْرَعْ لِلْمُسْلِمِينَ الْحَلِفُ بِهَا بَلْ هِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُت» وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا يَتَعَارَفُهُ الْمُسْلِمُونَ وَجَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالْحَلِفِ بِهِ فَالْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لَمْ تَجْرِ عَادَةُ الْمُسْلِمِينَ حِينَ الْأَوَّلِ وَلَا فِي زَمَنِهِ ﷺ بِالْحَلِفِ بِهَا وَهُوَ قَدْ سَلَّمَ، فَكَيْفَ يَقُولُ إنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ وَيَحْتَجُّ بِعُرْفٍ طَارِئٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوٍ مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً؟ ،، ثُمَّ إنَّ سِيَاقَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ فِي مَعْرِضِ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي الْأَيْمَانِ لَا فِي مَعْرِضِ تَبْيِينِ مَا تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ مِنْ الْأَيْمَانِ وَأَنَّهَا مِنْ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ أَيْمَانِ غَيْرِهِمْ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وَهِيَ أَعَمُّ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ» وَالْخِطَابُ وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً فَيَدْخُلُ فِي حُكْمِهِ كُلُّ مُكَلَّفٍ لِعُمُومِ شَرِيعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِكُلِّ أَحَدٍ بِكُلِّ مُكَلَّفٍ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ يَدْخُلُ فِي حُكْمِ هَذَا الْخِطَابِ وَلَكِنْ تَبَيَّنَّ بِدَلِيلٍ آخَرَ: أَنَّ الْأَيْمَانَ الَّتِي لَا حُرْمَةَ لَهَا لَا يَجِبُ فِيهَا كَفَّارَةٌ فَعَلِمْنَا خُرُوجُهَا مِنْ الْآيَاتِ وَالْحَدِيثِ بِالْأَدِلَّةِ الْخَاصَّةِ، وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَحْلِفُونَ بِآبَائِهِمْ حَتَّى نُهُوا. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (وَاللَّيْلِ) (وَالضُّحَى) (وَالشَّمْسِ) وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ وَهُوَ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ» . قَوْلُهُ: وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَهُوَ أَنَّ فَرْضَ الْكَفَّارَةِ لِئَلَّا تَكُونَ الْأَيْمَانُ مُوجِبَةً أَوْ مُحَرَّمَةً لَا مَخْرَجَ مِنْهَا فَلَوْ كَانَ مِنْ الْأَيْمَانِ مَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ كَانَتْ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ مَوْجُودَةً. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ وُجُودَهَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَفْسَدَةَ عَلَى تَقْدِيرِ مُخَالَفَةِ الْيَمِينِ ارْتِكَابُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ مِنْ فِعْلٍ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ. وَقَدْ تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَى مُخَالَفَةِ الْيَمِينِ فَشُرِعَتْ الْكَفَّارَةُ لِذَلِكَ، وَالْمَفْسَدَةُ هُنَا: وُقُوعُ الطَّلَاقِ فَلَيْسَ فِيهِ مَعْصِيَةٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ أُخْرَى لَكِنَّ الْمَعْصِيَةَ أَشَدُّ عِنْدَ الْمُسْلِمِ مِنْ كُلِّ مَفْسَدَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ. وَالْمَفْسَدَةُ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْيَمِينِ مُشْتَرَكَةٌ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ وَحْدَهَا هِيَ الْمُلَاحَظَةُ بَلْ الْمَجْمُوعُ الَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ فِي الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ.

стр. 822

فَإِنْ قُلْتَ فَفِي نَذْرِ الْحَاجِّ لِمَ حَلَّتْ الْكَفَّارَةُ؟ . قُلْت؛ لِأَنَّهُ فِيهِ إيجَابٌ وَيَحْصُلُ بِتَرْكِهِ الْمَعْصِيَةُ فَلَوْ لَمْ تُشْرَعْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ قَبْلَ شَرْعِ الْكَفَّارَةِ لِحُصُولِ الْعِصْيَانِ عَلَى تَقْدِيرِ تَرْكِ مَا الْتَزَمَهُ فَهُوَ بِالْيَمِينِ مِنْ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الَّذِي لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ. وَقَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ نَهَاكُمْ أَنْ تَجْعَلُوا الْحَلِفَ بِاَللَّهِ مَانِعًا لَهُمْ، إلَى آخِرِهِ. قُلْت الَّذِي فَهِمْته مِنْ كَلَامِ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الْحَلِفُ لِأَجْلِ هَذَا الْغَرَضِ، وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ مَا وَرَدَ عَنْهُمْ مِمَّا ظَاهِرُهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَكَيْفَ يُجْعَلُ بِالْبَقَاءِ عَلَى الْيَمِينِ جَاعِلًا اللَّهَ عُرْضَةً لِيَمِينِهِ. هَذَا مِمَّا يَنْبُو الْفَهْمُ عَنْهُ. وَكَلَامُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الْمُعْتَمَدِ عَلَى تَفْسِيرِهِمْ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِهِ بَلْ يُفْهَمُ مِنْهُ مَا قُلْته أَوَّلًا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. وَقَوْلُهُ فِي الْإِيلَاءِ إلَى آخِرِهِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ دُخُولَ الْحَالِفِ بِالطَّلَاقِ فِي لَفْظِ الْآيَةِ بَلْ فِي حُكْمِهَا بِالْقِيَاسِ وَلَوْ سَلَّمْنَا وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِيهِ مَقْصُودُهُ الْمُزَوَّجَةُ وَهِيَ مُتَعَدِّدَةٌ هُنَا وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّ كُلَّ مُولٍ يُمْكِنُ أَنْ يَفِيءَ هَذِهِ الْفَيْئَةَ الْخَاصَّةَ وَلَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَالْمَرْأَةُ إذَا تَحَقَّقَتْ أَنَّهَا مَتَى وُطِئَتْ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا تَكْرَهُ صُحْبَتَهُ إنْ كَانَتْ رَاغِبَةً فِي الْوَطْءِ فَيَحْصُلُ مَقْصُودُهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ غَيْرَ رَاغِبَةٍ فِي الْوَطْءِ وَتَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ الصُّحْبَةِ فَلَا تَطْلُبُهُ، وَالْفَيْئَةُ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الطَّلَبِ أَوْ التَّعَرُّضِ لَهُ. وَقَوْلُهُ إنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّأْجِيلِ بَلْ التَّعْجِيلُ إلَيْهَا قُلْنَا: التَّأْجِيلُ لَيْسَ لِأَجْلِهَا بَلْ لِأَجْلِهِ فَيُمْهَلُ هَذِهِ الْمُدَّةَ الَّتِي لَا تَضُرُّ بِالْمَرْأَةِ، ثُمَّ تُطَالِبُ بَعْدَ الْمُدَّةِ دَفْعًا لِضَرَرِهَا. وَأَمَّا أَنَّ التَّأْجِيلَ شُرِعَ لِنَفْعِ الْمَرْأَةِ فَلَا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ فَتْوَى الصَّحَابَةِ فِيمَنْ قَالَ إنْ فَعَلَتْ كَذَا فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ قَدْ حَصَلَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي التَّحْقِيقِ وَفِيهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ لَا يُحْتَمَلُ ذِكْرُهُ هُنَا. وَالْإِمَام أَحْمَدُ لَمْ يُثْبِتْهُ وَتَقْرِيرُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَيْمَانٌ مَحْضَةً قَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى شَيْءِ مِنْهُ وَقَدْ ذَكَرْت - أَنَا - قَرِيبًا مِنْهُ فِي التَّحْقِيقِ قَبْلَ أَنْ أَقِفَ عَلَى كَلَامِهِ فِيهِ وَلَكِنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِهِ بَعْضُ الْمُبَايَنَةِ وَهُوَ أَنَّنِي - أَنَا - أَجْعَلُهُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ فِي نَذْرِ الْحَاجِّ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْحَالِفِ عَلَى الْحَجِّ مَثَلًا وَصَيْرُورَتُهُ كَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَى كَلَامِهِ بَلْ الشَّرْعُ نَزَّلَهُ مَنْزِلَتَهُ

стр. 823

وَأَمَّا مُقْتَضَى كَلَامِهِ فَالْتِزَامٌ الْتَزَمَهُ لَا غَيْرَ، وَأَمَّا ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ هَذَا أَنْ يَجْعَلَهُ مُقْتَضَى كَلَامِهِ الْحَلِفُ لَا النَّذْرُ. وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ بِقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَهُوَ يَهُودِيٌّ وَمَا أَشْبَهَهُ فَقَدْ أَجَبْت عَنْهُ فِي التَّحْقِيقِ وَكَذَلِكَ قِيَاسُهُ عَلَى قَوْلِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ أَنْ أُطَلِّقَ امْرَأَتِي. وَقَوْلُهُ: إنَّ الْمُعَلِّقَ لِلطَّلَاقِ مُلْتَزِمٌ لِوُقُوعِهِ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّ مَنْ عَقَدَ الْيَمِينَ لِلَّهِ فَهُوَ أَبْلَغُ مِمَّنْ عَقَدَهَا بِاَللَّهِ وَلِهَذَا كَانَ النَّذْرُ أَبْلَغَ مِنْ الْيَمِينِ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ لَيْسَ عَقْدَ يَمِينٍ لَا بِاَللَّهِ وَلَا لِلَّهِ بَلْ هُوَ عَقْدُ يَمِينٍ لِغَيْرِ اللَّهِ وَهُوَ الطَّلَاقُ عَلَى فِعْلٍ قَدْ يَكُونُ لِلَّهِ وَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ وَسُلُوكُهُ بِهِ مَسْلَكَ النَّذْرِ هُوَ أَصْلُ مَا بَنَى عَلَيْهِ وَحَصَلَ لَهُ مِنْهُ الِاشْتِبَاهُ وَبَيْنَهُمَا مِنْ الِافْتِرَاقِ بَوْنٌ عَظِيمٌ وَلَمْ يُوجِبْ لَهُ هَذَا الشَّغَبُ الْكَثِيرُ إلَّا تَسْوِيَتُهُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَسْتَوِيَانِ - وَاَللَّهُ تَعَالَى يُلْهِمُنَا رُشْدَنَا بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ -. كَتَبْت ذَلِكَ مُخْتَصِرًا جِدًّا بِحَسْبِ الرَّاغِبِ فِيهِ وَلِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ بِمَا يُغْنِي. وَذَلِكَ بُكْرَةَ نَهَارِ الْأَرْبِعَاءِ عَشْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُعَظَّمِ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَسَبْعِمِائَةٍ - نَفَعَنِي اللَّهُ بِهَا وَالنَّاظِرَ فِيهَا بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ -. كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيُّ انْتَهَى. نَقَلَ مِنْ خَطِّ مَنْ نَقَلَ مِنْ خَطِّهِ وَسَمَّاهُ نَقْدُ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ وَالطَّلَاقِ. [مَسْأَلَةٌ الْحَلِف بِالطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ] (مَسْأَلَةٌ مُسَمَّاةٌ بِالنَّظَرِ الْمُحَقَّقِ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ) لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ ﵀ كِتَابَانِ فِي الرَّدِّ عَلَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ: أَحَدُهُمَا كِتَابُهُ الْكَبِيرُ الْمَشْهُورُ الْمُسَمَّى بِالتَّحْقِيقِ فِي مَسْأَلَةِ التَّعْلِيقِ، وَالثَّانِي كِتَابُ رَفْعِ الشِّقَاقِ عَنْ مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ. وَهَذِهِ فُتْيَا مُخْتَصَرَةٌ قَالَ ﵀: مَسْأَلَةٌ: إذَا عَلَّقَ الرَّجُلُ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ عَلَى شَرْطٍ قَاصِدًا الْيَمِينَ إمَّا لِحَثٍّ أَوْ مَنْعٍ أَوْ تَصْدِيقٍ، ثُمَّ وُجِدَ ذَلِكَ الشَّرْطُ وَقَعَ الطَّلَاقُ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ مُقْتَضَى الْقَضِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ الْحُكْمُ بِالْمَشْرُوطِ عَلَى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ خَبَرِيَّةً كَانَتْ أَوْ إنْشَائِيَّةً، وَالْمُعَلَّقُ فِيهَا هُوَ نِسْبَةُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ إلَى الْآخَرِ لَا الْحُكْمُ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ الَّذِي هُوَ مُنْقَسِمٌ إلَى الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَسْتَحِيلُ تَعْلِيقُهُ فَالْمُعَلَّقُ فِي مَسْأَلَتِنَا هُوَ الطَّلَاقِ وَأَمَّا التَّطْلِيقُ فَهُوَ فِعْلُ الزَّوْجِ يُوقِعُهُ مُنْجَزًا أَوْ مُعَلَّقًا وَيُوصَفُ التَّعْلِيقُ بِكَوْنِهِ تَطْلِيقًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ حَقِيقَةً فَإِنْ لَمْ يُجِزْ التَّعْلِيقَ يَخْرُجُ الَّذِي

стр. 824

حَصَلَ مُقْتَضَاهُ عَنْ الشَّرْطِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا الْمُعَلَّقَةِ بِالْمَشْرُوطِ، وَمَنْ مَنَعَ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالصِّفَاتِ مُطْلَقًا فَقَدْ الْتَبَسَ عَلَيْهِ التَّعْلِيقُ بِتَعْلِيقِ الْإِنْشَاءِ فَظَنَّ أَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ مِنْ الثَّانِي وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْأَوَّلِ وَقَدْ عَلَّقَ اللَّهُ إحْلَالَ امْرَأَةٍ لِنَبِيِّهِ ﷺ عَلَى هِبَتِهَا نَفْسَهَا لَهُ وَإِرَادَتِهِ اسْتِنْكَاحَهَا وَإِنْ خَرَجَ الْيَمِينُ فَالْأَمْرُ كَذَلِكَ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ تَعْلِيقٌ خَاصٌّ فَيَجِبُ ثُبُوتُ حُكْمِ التَّعْلِيقِ الْعَامِّ لَهُ. الثَّانِي ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الْمُلَاعِنَ يَقْصِدُ بِهَذَا الشَّرْطِ التَّصْدِيقَ فَهُوَ خَارِجٌ مَخْرَجَ الْيَمِينِ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مُوجَبُ اللَّعْنَةِ وَالْغَضَبِ عَلَى تَقْدِيرِ الْكَذِبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إنَّهَا مُوجِبَةٌ وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى ذَلِكَ الْكَفَّارَةَ لَكَانَ الْإِتْيَانُ بِالْقَسَمِ أَوْلَى. (الثَّالِثُ) أَنَّ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَأَشْعَارِ الْعَرَبِ وَكَلَامِ الْفُصَحَاءِ مِنْ التَّعْلِيقَاتِ الَّتِي الْحَثُّ أَوْ الْمَنْعُ أَوْ التَّصْدِيقُ مَا لَا يُحْصَى مَعَ الْقَطْعِ بِحُضُورِ الْمَشْرُوطِ فِيهَا عِنْدَ الشَّرْطِ. (الرَّابِعُ) أَنَّ تَسْمِيَةَ التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ يَمِينًا لَا يَعْرِفُهُ الْعَرَبُ وَلَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَلَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ وَإِنَّمَا يُسَمَّى بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي حُكْمِ الْأَيْمَانِ وَأَنَّهَا قَابِلَةٌ لِلتَّكْفِيرِ. (الْخَامِسُ) أَنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ وَإِنْ قُصِدَ بِهِ الْمَنْعُ فَالطَّلَاقُ مَقْصُودٌ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَلِذَلِكَ نَصَبَهُ الزَّوْجُ مَانِعًا لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا امْتَنَعَ، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي كَوْنِ الطَّلَاقِ غَيْرَ مَقْصُودٍ لِلزَّوْجِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَمَقْصُودًا لَهُ عَلَى تَقْدِيرٍ وَإِذَا كَانَ مَقْصُودًا وَوُجِدَ الشَّرْطُ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَى مُقْتَضَى تَعْلِيقِهِ وَقَصْدِهِ. (السَّادِسُ) أَنَّهُ عِنْدَ الشَّرْطِ يَصِحُّ اسْمُ التَّطْلِيقِ لِمَا تَقَدَّمَ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] . وَالسَّابِعُ أَنَّ التَّطْلِيقَ مُفَوَّضٌ إلَى الْعَبْدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَهُوَ أَعَمُّ مَنْ الْمُنَجَّزُ وَالْمُعَلَّقُ فَيَنْدَرِجُ الْمُعَلَّقُ تَحْتَ الْآيَةِ. (الثَّامِنُ) الْإِجْمَاعُ نَقَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ. فَإِنْ قُلْت يَرِدُ عَلَيْك أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا طَلَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ نَذْرِ الْحَاجِّ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهُ يَتَخَلَّصُ مِنْهُ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَالثَّانِي فِي دَعْوَاك الْإِجْمَاعَ. وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُ النَّاسِ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ

стр. 825

بِهِ شَيْءٌ. وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِهِ كَفَّارَةٌ. قُلْت أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الطَّلَاقَ إسْقَاطُ حَقٍّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ وَفِي اللَّجَاجِ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الشَّرْطُ وَلَمْ يَأْذَنْ الشَّرْعُ فِيهِ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ إيجَابٌ وَلَا تَحْرِيمٌ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ عَلَى مَا قُلْنَاهُ وَهُوَ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى خُرُوجِ اللَّجَاجِ عَنْهُ بَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَأَمَّا أَنْ نَجْعَلَ اللَّجَاجَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ الْخَارِجَ عَنْ الْأَصْلِ أَصْلًا وَنُلْحِقُ بِهِ الْجَارِي عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ فَغَيْرُ سَدِيدٍ، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ مَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ - إلَّا أَنَّ طَاوُسًا نُقِلَ عَنْهُ لَفْظٌ مُحْتَمَلٌ لِذَلِكَ أَوَّلْنَاهُ - وَلَا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ إلَّا الشِّيعَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ. وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالْكَفَّارَةِ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ حَزْمٍ فِي مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ نَقْلُ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ مَعَ إبْهَامِهِ وَعَدَمِ تَعْيِينِ قَائِلِهِ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّعْلِيقِ فَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ صُوَرِ الْحَلِفِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. كَتَبَهُ مُصَنِّفُهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ فِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةِ. [مَسْأَلَةٌ قَالَ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي ثَلَاثًا مَا بَقِيَ بَيْنِي وَبَيْنَك مُعَامَلَةٌ] (مَسْأَلَةٌ) قَالَ لِزَوْجَتِهِ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي ثَلَاثًا مَا بَقِيَ بَيْنِي وَبَيْنَك مُعَامَلَةٌ. يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ نَوَى مُعَامَلَةً خَاصَّةً. كَمُدَايَنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَيَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَيْهَا وَتَكُونُ يَمِينُهُ مُنْعَقِدَةً عَلَيْهَا، وَالزَّوْجِيَّةُ بَيْنَهُمَا مُسْتَمِرَّةٌ لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الْيَمِينُ الْمَذْكُورَةُ وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَالزَّوْجِيَّةُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُعَامَلَاتِ فَإِنْ أَبَانَهَا عَلَى الْفَوْرِ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ وَلَهُ رَدُّهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَإِلَّا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لِبَقَاءِ الْمُعَامَلَةِ بِدَوَامِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَلَوْ لَحْظَةً، وَلَوْ نَوَى مُعَاشَرَةً خَاصَّةً أَوْ نَحْوَهَا حُمِلَ عَلَيْهِ كَالْمُدَايَنَةِ وَكَانَتْ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً عَلَيْهَا مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ ثَالِثَ عَشْرَ ذِي الْقَعَدَةِ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةِ. [مَسْأَلَةٌ قَالَ لِزَوْجَتِهِ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي مَا بَقِيَّتِي تَكُونِي لِي بِامْرَأَةٍ] (مَسْأَلَةٌ) قَالَ لِزَوْجَتِهِ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي مَا بَقِيَّتِي تَكُونِي لِي بِامْرَأَةٍ. (الْجَوَابُ) تَطْلُقُ بِذَلِكَ الطَّلَاقِ الَّذِي حَلَفَ إنْ كَانَ ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ وَإِنْ كَانَ وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - انْتَهَى.

стр. 826

[مَسْأَلَةٌ قَالَتْ لَهُ تَزَوَّجْت عَلَى بِنْتِي فَقَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي غَيْرَ بِنْتِك طَالِقٌ] مَسْأَلَةٌ) قَالَتْ لَهُ حَمَاتُهُ تَزَوَّجْت عَلَى بِنْتِي فَقَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي غَيْرَ بِنْتِك طَالِقٌ وَلَيْسَ لَهُ زَوْجَةٌ غَيْرَهَا هَلْ تَطْلُقُ لِكَوْنِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مُسْتَغْرَقًا. (الْجَوَابُ) لَا تَطْلُقُ وَلَيْسَ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ بَلْ هُوَ صِفَةٌ وَلَوْ كَانَ اسْتِثْنَاءً فَنَحْنُ إنَّمَا نَقُولُ: الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ بَاطِلٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّ آخِرَهُ يَرْفَعُ أَوَّلَهُ وَلَفْظَهُ مُتَهَافِتٌ كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا عَشْرَةً أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا، أَمَّا إذَا لَمْ يَحْصُلْ فِي اللَّفْظِ تَهَافُتٌ بَلْ كَانَ مُنْتَظِمًا فَقَدْ لَا نَقُولُ بِبُطْلَانِهِ، وَمِثَالُهُ أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا إلَّا ثَلَاثًا إذَا جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْمَمْلُوكِ مُسْتَغْرِقًا فَيَبْطُلُ وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ الْمَلْفُوظِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا فَلَا يَبْطُلُ فَإِذَا خَرَجَ ثَلَاثًا مِنْ خَمْسٍ بَقِيَ ثِنْتَانِ فَيَقَعُ وَيَبْقَى لَهُ عَلَيْهَا وَاحِدَةٌ وَمَسْأَلَتُنَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " كُلُّ امْرَأَةٍ لِي " لَفْظَةٌ مُجَرَّدَةٌ لَا تُنَاقِضُ قَوْلَهُ إلَّا أَنْتِ إذَا أَخَذْنَا أَنَّهُ لَا امْرَأَةَ لَهُ غَيْرُهَا. وَفِي كَوْنِ هَذَا مُسْتَغْرِقًا نَظَرٌ إذْ لَا تَهَافُتَ فِيهِ لَكِنْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى غَيْرِ التَّهَافُتِ وَهُوَ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يُوقِعْ يَلْزَمُ إلْغَاءُ اللَّفْظِ وَأَنَّهُ أَطْلَقَ الْمَرْأَةَ عَلَى غَيْرِ الْمَرْأَةِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: بِالْوُقُوعِ. وَهَذَا الْمَأْخَذُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ نَجْعَلَهُ صِفَةً أَوْ اسْتِثْنَاءً فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّنِي بَعْدَ أَنْ كُنْت جَازِمًا بِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ لِأَجْلِ كَوْنِهِ صِفَةً عَرَضَ لِي وَقْفَةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّا هَلْ نُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ أَوْ نُوجِبُ حَمْلَ الْمَرْأَةِ عَلَى مَنْ فِي عِصْمَتِهِ؟ ، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي وَهُوَ مُقْتَضَى الْوُقُوعِ، وَلَا يُنْجِي مِنْ هَذَا إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا: الْكَلَامُ إنْ كَانَتْ لِي امْرَأَةٌ غَيْرُكِ فَهِيَ طَالِقٌ فَهِيَ قِصَّةٌ فِي مَعْنَى قِصَّةٍ أُخْرَى وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرَهَا مِنْ إيقَاعِ الطَّلَاقِ مُنْجَزًا عَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ لَهُ غَيْرَ هَذِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا امْرَأَةَ لَهُ غَيْرُ هَذِهِ لَا يُقْصَدُ بِهَذَا الْكَلَامِ إلَّا التَّعْلِيقُ وَهِيَ أَنْ تَكُونَ لَهُ امْرَأَةٌ أُخْرَى فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ انْتَهَى. ثُمَّ كَتَبَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَلَى الْحَاشِيَةِ بِخَطِّهِ مَا نَصُّهُ: الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيِي فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ سَوَاءً جَعَلْنَاهُ صِفَةً أَمْ اسْتِثْنَاءً إلَّا أَنْ يُؤَخَّرَ فَيَقُولُ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ غَيْرَك أَوْ إلَّا أَنْتِ طَالِقٌ فَلَا يَقَعُ وَلَيْسَ مُسْتَغْرِقًا. وَالْمُسْتَغْرِقُ إنَّمَا هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَدْلُولَهُمَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ وَاحِدٌ وَأَنْ يَرْفَعَ حُكْمًا بَعْدَ ثُبُوتِهِ كَمَا إذَا تَأَخَّرَ. وَرَأَيْت

стр. 827

بَعْدَ هَذَا فِي نُسْخَةٍ مِنْ فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ غَيْرِ الْفَتَاوَى الْمَشْهُورَةِ: مَسْأَلَةٌ مَا نَصُّهُ إذَا قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ غَيْرَك طَالِقٌ وَلَا امْرَأَةَ لَهُ غَيْرُهَا قَالَ الشَّيْخُ إنْ كَانَ قَالَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ لَمْ يَقَعْ وَإِلَّا وَقَعَ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْهَا فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْتِ قُلْت - أَنَا - كَيْفَ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَى امْرَأَةِ الْقَائِلِ. قُلْت لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ وَلَعَلَّهُ الَّذِي جَمَعَ الْفَتَاوَى. قَالَ مَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجُ الدِّينِ عَبْدُ الْوَهَّابِ فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ: ثُمَّ خَرَّجَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ مُخْتَصَرَةً وَلَمْ يَحْكِ فِيهَا النَّقْلَ. [مَسْأَلَةٌ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا إنْ انْقَضَتْ مُدَّةُ كَذَا وَلَمْ أَدْخُلْ بِهَا فَهِيَ طَالِقٌ] (مَسْأَلَةٌ) مِنْ فَارَسْكُورَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ: رَجُلُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا إنْ انْقَضَتْ مُدَّةُ كَذَا وَلَمْ أَدْخُلْ بِهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَهُوَ غَائِبٌ. (أَجَابَ) إنْ شَهِدَ أَرْبَعٌ مِنْ الْقَوَابِلِ بِبَكَارَتِهَا حَلَفَتْ لِأَجْلِ غَيْبَتِهِ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ وَحُكِمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ يُعْطِي فُلَانًا كُلَّ يَوْمِ نِصْفَ دِرْهَمٍ] (مَسْأَلَةٌ) حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ يُعْطِي فُلَانًا كُلَّ يَوْمِ نِصْفَ دِرْهَمٍ فَإِذَا مَضَى يَوْمٌ وَلَمْ يُعْطِهِ وَقَعَ عَلَيْهِ طَلْقَةٌ وَرَاجَعَ، ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي هَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ. (أَجَابَ) تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِعَدَمِ الْإِعْطَاءِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِعْطَاءِ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الطَّلَاقُ الْمُنَجِّزِ] (مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀ اخْتِيَارِي فِي الْمَسْأَلَةِ الشَّرِيحِيَّةِ وُقُوعُ الْمُنْجَزِ وَكَذَا يَقَعُ مِنْ الْمُعَلَّقِ بِكَلِمَةِ الثَّلَاثِ إلَّا أَنْ يُفْضِيَ إلَى أَنْ تَكُونَ الْعِدَّةُ انْقَضَتْ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ إذَا قَالَ إنْ وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا قَالَ بَعْضُهُمْ التَّعْلِيقُ بَاطِلٌ لِمُنَافَاةِ الْجَزَاءِ لِلشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَسَخَ نِكَاحَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ وَدَخَلَ بِهَا، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى الْأَوَّلِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي فَإِنْ قُلْنَا: الْقَبْلِيَّةُ مُضَيَّقَةٌ تَخْرُجُ عَلَى عَوْدِ الْحِنْثِ إنْ عَادَ دَارَ وَإِلَّا فَلَا، وَوَقَعَ الْمُنْجَزُ، وَإِنْ قُلْنَا الْقَبْلِيَّةُ مُتَّسَعَةٌ بِأَنَّ وُقُوعَ الثَّلَاثِ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَبُطْلَانَ الْفَسْخِ وَنِكَاحِ الْأَجْنَبِي صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهَا بَائِنٌ بِالثَّلَاثِ وَرُجُوعُهَا إلَى الْأَوَّلِ صَحِيحٌ لِحُصُولِ التَّحْلِيلِ وَوُقُوعِ الثَّلَاثِ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ

стр. 828

الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ تَطْلِيقٌ غَيْرُ مُعْتَدٍ بِهِ وَالْمُعَلَّقُ مُقَيَّدٌ بِالْقَبْلِيَّةِ فَقَدْ بَانَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ التَّعْلِيقَ لَيْسَ مُحَالًا كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ فَإِذَا نُجِزَ وَاقْتَضَى الْحَالُ الدَّوْرَ تَعَارَضَ مَعَنَا مَا يَقْتَضِي إلْغَاءَ إمَّا الْمُنْجَزُ وَإِمَّا الْمُعَلَّقُ وَإِلْغَاءُ الْمُعَلَّقِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ نَاشِئٌ عَنْ تَصْرِفْهُ وَوُقُوعِ الْمُنْجَزِ نَاشِئٌ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ وَهُوَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ أَقْوَى مِنْ الْمُعَلَّقِ فَيُرَجَّحُ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَإِنَّمَا قُلْت يَكْمُلُ الثَّلَاثُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ لِصِحَّةِ التَّعْلِيقِ انْتَهَى. قَالَ وَلَدُهُ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجُ الدِّينِ عَبْدُ الْوَهَّابِ - سَلَّمَهُ اللَّهُ -: هَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ الشَّرِيحِيَّةِ وَعَلَيْهِ مَاتَ وَصَنَّفَ فِيهِ تَصْنِيفًا أَمْلَاهُ عَلَيَّ وَكَانَ صَنَّفَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مُصَنَّفَيْنِ سَمَّى أَحَدَهُمَا قَطْفَ النُّورِ فِي مَسَائِلِ الدَّوْرِ وَسَمَّى الثَّانِيَ النُّورَ فِي الدَّوْرِ وَنَصَرَ فِيهِمَا قَوْلَ ابْنِ شُرَيْحٍ وَابْنِ الْحَدَّادِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي الشَّامِ عَنْ ذَلِكَ وَاسْتَقَرَّ عِلْمُهُ عَلَى هَذَا انْتَهَى. [بَابُ الْعِدَّةِ] (بَابُ الْعِدَّةِ) (مَسْأَلَةٌ) الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ هَلْ لِلزَّوْجِ أَنْ يَنْقُلَهَا إلَى مَنْزِلٍ آخَرَ؟ (أَجَابَ) لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُرَاجِعَ أَوْ يَحْصُلَ مِنْهَا بَذَاءَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ صَرِيحًا. وَقَالَ الشَّيْخُ فِي الْمُهَذَّبِ دَارُ سُكْنَاهَا حَيْثُ يَجْتَازُ الزَّوْجُ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَصْلُحُ لِسُكْنَى مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْقُلَهَا. وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَوْلَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْبَوَائِنِ كَمَا لَا يَخْفَى مِنْ آخِرِ الْآيَةِ. وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مَلِيحَةٌ قَلَّ مَنْ صَرَّحَ بِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تُحْفَظَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - انْتَهَى. (صُورَةُ فَتْوَى) مَا يَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ قَالَ «وَالْغَوْرَى خَالَتِي فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ بَلَى فَجُدِّي نَخْلَكِ فَإِنَّك عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا» . قَالَ فِي التَّتِمَّةِ هَذَا فِي الْحَائِلِ أَمَّا الْحَامِلُ فَإِذَا قُلْنَا تُعَجَّلُ نَفَقَتُهَا فَهِيَ مَكْفِيَّةٌ بِهَا فَلَا تَخْرُجُ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَهَلْ هَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَسَكَتَ

стр. 829

عَلَيْهِ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ وَلَمْ يَعْقُبْهُ بِنَكِيرٍ هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَمْ لَا وَهَلْ لِمُسْتَدِلٍّ شَافِعِيٍّ أَنْ يَقُولَ: اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى خُرُوجِهَا مُطْلَقًا لِكَوْنِهِ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْهَا هَلْ تَجِدُ لَهَا كَافِيًا يَكْفِيهَا ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهَذَا لِكَوْنِهِ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْهَا فَهَلْ لِمَانِعٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا لَمْ يَسْتَفْصِلْهَا لِكَوْنِهِ ﷺ عَلِمَ أَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا كَافِلٌ يَكْفِيهَا ذَلِكَ فَهَلْ هَذَا الْقَوْلُ مَقْبُولٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُلْنَا هَذَا مِنْ الْمَانِعِ فَهَذَا يَرُدُّ عَلَى كُلِّ حَدِيثٍ أَخَذَ الِاسْتِدْلَالَ مِنْهُ مَنْ تَرَكَ الِاسْتِفْصَالَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا وَرَدَ هَذَا السُّؤَالُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِتَرْكِ الِاسْتِفْصَالَ فَهَلْ يَكُونُ جَوَابُهُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ وَهُوَ جَوَازُ كَوْنِهِ ﷺ عَلِمَ الْوَاقِعَةَ مِنْ حَالِ السَّائِلِ؟ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ حَالَ السَّائِلِ فَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُ لِكَوْنِهِ عَلِمَ وَالسَّامِعُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ وَلَا بَيَّنَهُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا لِغَيْرِهِ فَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَيَبْقَى ذَلِكَ شَرْعًا عَامًّا وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى وُقُوعِ النَّاسِ فِي الْمَحْذُورِ فَهَلْ يَكُونُ هَذَا جَوَابًا كَافِيًا أَمْ لَا؟ بَيِّنُوا لَنَا الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ بَيَانًا شَافِيًا وَاضِحًا بِحَيْثُ يَزُولُ اللَّبْسُ عَنْ هَذَا كُلِّهِ وَعَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَثَابَكُمْ اللَّهُ. (الْجَوَابُ) الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بَابٌ فِي الْمَبْتُوتَةِ تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ نَخْلُ الْأَنْصَارِ قَرِيبٌ وَالْجِدَادُ إنَّمَا يَكُونُ نَهَارًا، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْخِلَافِيَّاتِ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ الْخِلَافِيَّاتِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ لِلْمُطَلَّقَةِ طَلَاقًا بَائِنًا أَنْ تَخْرُجُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ. وَمَأْخَذُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ أَنَّهُ يَقُولُ بِوُجُوبِ نَفَقَةِ الْبَائِنِ، وَالْجَدِيدُ أَنَّهَا كَالْمُعْتَدَّةِ عَنْ الْوَفَاةِ فَتَخْرُجُ لِحَاجَتِهَا نَهَارًا لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهَا تَخْرُجُ لِلْعُذْرِ الْمُلْجِئِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْخُرُوجِ لِحَوَائِجِهَا الْمُعْتَادَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُلْجِئَةٍ، مِثْلُ شِرَاءِ الطَّعَامِ وَالْقُطْنِ وَبَيْعِ الْغَزْلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ

стр. 830

وَجِدَادُ النَّخْلِ مِنْهُ وَلَا سِيَّمَا مَعَ قُرْبِهِ كَمَا أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَيْهِ وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِيهِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: الْمُطَلَّقَةُ الْمَبْتُوتَةُ لَهَا السُّكْنَى كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ حَمْلًا لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي قَوْلِهِ ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] عَلَى جَمِيعِ الْمُطَلَّقَاتِ أَوْ يَقُولَ لَهَا كَمَا هُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ حَمْلًا لِلْآيَةِ عَلَى الرَّجْعِيَّاتِ لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي رِوَايَتِهَا فِي الْمَبْتُوتَةِ أَنَّهَا لَا سُكْنَى لَهَا، وَيَرُدُّهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] بَعْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِأُولَاتِ الْأَحْمَالِ وَإِنْ كَانَتْ مَبْتُوتَةً وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ مِثْلُهُ وَأَنَّ الْآيَاتِ كُلَّهَا فِي الْمُطَلَّقَاتِ كُلِّهِنَّ، وَلِهَذَا رَدَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. وَالتَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وَبِقَوْلِهِ ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] عَلَى أَنَّ صَدْرَهَا خَاصٌّ بِالرَّجْعِيَّاتِ مَمْنُوعٌ، وَيَكْفِي عَوْدُ الْآيَتَيْنِ إلَى بَعْضِ مَا تَقَدَّمَ، وَهُنَّ الرَّجْعِيَّاتُ لِاشْتِمَالِ الْمُطَلَّقَاتِ اللَّوَاتِي فِي صَدْرِ الْآيَةِ عَلَيْهِنَّ أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ تَجْدِيدَ الْعَقْدِ وَالصَّحِيحُ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَةٌ. وَأَمَّا قَوْلُهَا وَلَا سُكْنَى فَهُوَ مَحَلُّ تَوَقُّفٍ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إنَّ السُّنَّةَ مَعَ فَاطِمَةَ لَا مَعَ عُمَرَ، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ ابْنِ حَزْمٍ مَرْدُودٌ وَعُمَرُ أَفْهَمُ مِنْهُ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَمِنْ أَلْفِ أَلْفٍ مِثْلَهُ. وَقِصَّةُ فَاطِمَةَ مَعْرُوفَةٌ وَكَانَتْ فِيهَا بَذَاءَةٌ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِهَا شَرٌّ فَلِذَلِكَ أَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْخُرُوجِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ لَهَا " اعْتَدِّي حَيْثُ شِئْتِ " وَإِنَّمَا عَيَّنَ لَهَا مَنْزِلًا وَهِيَ كَتَمَتْ السَّبَبَ الَّذِي اقْتَضَى لَهَا الِانْتِقَالَ وَهُوَ الشَّرُّ وَإِنَّمَا صَرَّحْنَا بِهِ لِئَلَّا يُتَخَيَّلَ أَنَّهَا رِيبَةٌ، وَمَعَاذَ اللَّهِ فَهِيَ امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ وَإِنَّمَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يُنْكِرُ عَلَيْهَا كِتْمَانَهَا السَّبَبِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ عُمَرُ وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ يُشِيرُونَ إلَيْهِ وَيَعْرِفُونَهُ فِي بَلَدِهِمْ وَحُضُورِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ ابْنُ حَزْمٍ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ بِنَحْوِ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ وَكَانَ الَّذِي طَلَّقَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ غَائِبًا وَلِوَلِيِّ الْغَائِبِ مَا لَهُ مِنْ إخْرَاجِهَا بِالْعُذْرِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ الْغَائِبِ فَيَفْرِضُ لَهَا مَنْزِلًا فَيُحْصِنُهَا فِيهِ يَعْنِي فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِالِاعْتِدَادِ عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِأَجْلِ اسْتِطَالَتِهَا

стр. 831

عَلَى أَحْمَائِهَا فَإِنْ صَحَّتْ رِوَايَتُهَا وَلَا سُكْنَى فَمَعْنَاهُ وَلَا سُكْنَى فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ الَّذِي جَعَلَتْ الِاسْتِطَالَةُ فِيهِ فَتَخْرُجُ إلَى مَسْكَنٍ آخَرَ مِنْ جِهَتِهِ. وَهَذَا تَأْوِيلٌ أَوْلَى مِنْ دَفْعِ الرِّوَايَةِ وَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِنَا هُنَا؛ لِأَنَّ مُلَازَمَةَ الْمَسْكَنِ الَّذِي فِيهِ الْعِدَّةُ وَاجِبَةٌ سَوَاءٌ كَانَ مَنْزِلَ الْمُطَلَّقِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ أَمْ غَيْرِهِ، وَاَلَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ مِنْ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا وَقُلْنَا تُعَجَّلُ نَفَقَتُهَا لَا تَخْرُجُ إلَّا لِضَرُورَةٍ حَسَنٌ. وَهُوَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا حَصَلَتْ لَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مَكْفِيَّةٌ لَا حَاجَةَ لَهَا إلَى الْخُرُوجِ لَتُحَصِّلَ النَّفَقَةَ وَيَنْبَغِي قَصْرُ قَوْلِهِ عَلَى هَذَا، وَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ لِبَقِيَّةِ حَوَائِجِهَا مِنْ شِرَاءِ الْقُطْنِ وَبَيْعِ الْغَزْلِ لِاحْتِيَاجِهَا إلَيْهِ فِي غَيْرِ النَّفَقَةِ وَكَذَلِكَ إذَا أُعْطِيت النَّفَقَةَ دَرَاهِمَ وَاحْتَاجَتْ إلَى الْخُرُوجِ؛ لَأَنْ تَشْتَرِيَ بِهَا خُبْزًا أَوْ أُدْمًا وَنَحْوَهُ لَا تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَالضَّابِطُ أَنَّ الْخِلَافَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ قَطْعًا وَعِنْدَ الضَّرُورَةِ يَجُوزُ قَطْعًا وَلَمْ أَرَ أَحَدًا قَالَ إنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ بِلَا حَاجَةٍ إلَّا أَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ قَالَ فِي الْإِشْرَافِ اخْتَلَفُوا فِي خُرُوجِ الْمَبْتُوتَةِ بِالطَّلَاقِ مِنْ بَيْتِهَا فِي عِدَّتِهَا فَمَنَعْت مِنْ ذَلِكَ طَائِفَةٌ، وَمِمَّنْ رَأَى أَنْ لَا تَخْرُجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ يَرَوْنَ أَنْ تَقْعُدَ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا حَيْثُ طَلُقَتْ. وَذَكَرَ أَبُو غَسَّانَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَبِهِ نَقُولُ، وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ: أَنَّهَا تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ تَخْرُجُ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا عَلَى حَدِيثِ فَاطِمَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَوْ طَلْقَةً لَا رَجْعِيَّةَ عَلَيْهَا أَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَإِنَّهَا فِي مَكَانِ الْأَزْوَاجِ فِي قَوْلِ كُلِّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قُلْت وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ وَهُمَا مَسْأَلَتَانِ كَمَا قُلْنَا: مَسْأَلَةُ الْخُرُوجِ غَيْرُ مَسْأَلَةِ الْإِسْكَانِ وَلَا لَازِمَةَ لَهَا، وَخِلَافُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْإِسْكَانِ فَقَطْ لَا فِي مَسْأَلَةِ الْخُرُوجِ الَّذِي نَحْنُ نَتَكَلَّمُ فِيهِ وَكَانَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَرَادَ بِالْخُرُوجِ الْخُرُوجَ مِنْ مَنْزِلِ الزَّوْجِ. وَقَوْلُك هَلْ لِمُسْتَدِلٍّ شَافِعِيٍّ أَنْ

стр. 832

يَسْتَدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى خُرُوجِهَا مُطْلَقًا فَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ فِيهِ خِلَافًا وَلَا نَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا. وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِعَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ فَإِنَّمَا يَكُونُ إذَا اسْتَوَتْ الِاحْتِمَالَاتُ أَوْ تَقَارَبَتْ وَهَا هُنَا الْقَرِينَةُ الظَّاهِرَةُ تَقْتَضِي حَاجَتَهَا إلَى الْخُرُوجِ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ ضَرُورَةً فَلِذَلِكَ أَثْبَتْنَاهُ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ بِالْحَاجَةِ دُونَ الضَّرُورَةِ. وَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى أَنْ نَقُولَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ يَكُونُ عَلِمَ حَاجَتَهَا وَإِذَا وَرَدَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ يُقْبَلُ، وَكُلُّ حَدِيثٍ لَهُ بَحْثٌ يَخُصُّهُ فَلَا يَتَقَرَّرُ فِي ذَلِكَ قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَإِذَا رَفَعْنَا إلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ فَمَتَى تَسَاوَتْ الِاحْتِمَالَاتُ أَوْ تَقَارَبَتْ تَمَسَّكْنَا بِتَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِمَ مِنْ صُورَةِ الْحَالِ مَا يَقْتَضِي الْجَوَابَ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ؛ لِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِلَفْظِهِ ﷺ وَلَفْظُهُ مَعَ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ، وَالْعُمُومُ يُتَمَسَّكُ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ وَإِنْكَارِ إرَادَتِهِ فَكَمَا لَا نَقُولُ بِالتَّخْصِيصِ هُنَا لِاحْتِمَالِ الْعِلْمِ بِمَا يَقْتَضِيهِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَأْتِي فِي وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ الَّتِي يَحْصُلُ فِيهَا الْإِجْمَالُ وَيَسْقُطُ بِهَا الِاسْتِدْلَال وَهِيَ غَيْرُ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ وَهُمَا قَاعِدَتَانِ: تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ مَعَ لَفْظٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعَامِّ فَالتَّمَسُّكُ بِوَقَائِعِ الْأَحْوَالِ لَا لَفْظَ فِيهَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا الْكَلَامُ هُنَا رُبَّمَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ، وَكَذَلِكَ السُّؤَالُ غَيْرُ مُفْصِحٍ فَنَقُولُ: إنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الِاسْتِدْلَال عَلَى خُرُوجِهَا لِجِدَادِ النَّخْلِ نَهَارًا سَوَاءٌ كَانَ لَهَا مَنْ يَكْفِيهَا ذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا تَقْصِدُ جِدَادَ نَخْلِهَا بِنَفْسِهَا أَوْ بِحُضُورِهَا - فَالِاسْتِدْلَالُ صَحِيحٌ وَالتَّمَسُّكُ لَهُ بِعَدَمِ الِاسْتِفْصَالِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّا نَجْعَلُ الْوَاقِعَةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ كَالسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، مِثَالُهُ مَا نَحْنُ فِيهِ «امْرَأَةٌ مَبْتُوتَةٌ مُعْتَدَّةٌ أَرَادَتْ أَنْ تَخْرُجَ لِجِدَادِ نَخْلِهَا نَهَارًا فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ جُدِّي نَخْلَكِ» وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ فَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ " كُلُّ امْرَأَةٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَهَا أَنْ تَجِدَّ نَخْلَهَا " فَيَعُمُّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهَا مَنْ يَكْفِيهَا ذَلِكَ وَغَيْرَهَا وَأَحْوَالَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُنَا: إنَّهَا لَا تَخْرُجُ إلَّا لِحَاجَةٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَاجَةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى أَنَّهَا

стр. 833

تَخْرُجُ لِذَلِكَ وَلِغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ مَا تُرِيدُ لِحَاجَةٍ وَلِغَيْرِ حَاجَةٍ فَلَا يَجُوزُ وَلَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ؛ لِأَنَّ إفْرَادِ غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَدْخُلْ فِي السُّؤَالِ وَلَا فِي الْجَوَابِ فَكَيْفَ يَكُونُ عَامًّا فِيهَا. وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ مِيزَانٌ كَقَوْلِنَا: تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ. وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا قُلْنَاهُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ فَهِمَ تَنْزِيلَهُ عَلَى كُلِّ صُورَةٍ سِوَاهَا وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ هَلْ عَلِمَ أَوْ مَا عَلِمَ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لَا نُنْزِلُهُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ بِالْعَامِّ فِي جَزَاءِ شَرْطٍ فَالْوَاقِعَةُ بِعُمُومِهَا كَالشَّرْطِ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ كَالْجَزَاءِ دَعْ يَحْصُلُ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ كَالنُّطْقِ بِالْعَامِّ ابْتِدَاءً. وَأَمَّا وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا وَاقِعَةٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ لَفْظِ الشَّارِعِ فَلَا حُجَّةً فِيهَا مَا قَالَهُ الْمَذْكُورُ مِنْ احْتِمَالِ الْعِلْمِ قَالَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي الْمَحْصُولِ عَلَى جَلَالَتِهِ وَنَحْنُ نُخَالِفُهُ وَنَقْتَدِي بِمَنْ هُوَ أَجَلُّ مِنْهُ وَهُوَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فَاَلَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ تَقْيِيدٌ لِنَوْعِ حَاجَةِ الْخُرُوجِ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ بِمَنْ تَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ النَّوْعِ وَنَحْنُ قَدْ أَبَحْنَا لَهَا الْخُرُوجَ لِأَنْوَاعٍ: مِنْهَا النَّفَقَةُ وَتَحْصِيلُهَا وَمِنْهُ الْحَدِيثُ لَيْلًا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةً قَوِيَّةً، وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي طِبَاعِ الْبَشَرِ فَرُخِّصَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، وَمِنْهَا جِدَادُ النَّخْلِ وَشِبْهُهُ مِمَّا يُقَاسُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ، بَقِيَ هُنَا نَظَرٌ آخَرُ لَا بُدَّ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ وَهُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يُسْأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ امْرَأَةٍ صِفَتُهَا كَذَا فَيُجِيبُ فَهَذَا هُوَ الَّذِي نَقُولُ فِيهِ بِالْعُمُومِ لِكُلِّ مَنْ كَانَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ شَخْصًا مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الصُّورَةِ وَهِيَ خَالَةُ جَابِرٍ. وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِهَا أَنَّهَا مِمَّنْ لَيْسَ كَافٍ كَذَلِكَ وَأَنْكَرَ عَلَيْهَا وَجَاءَتْ تَسْأَلُ فَلَمْ تَكُنْ مِنْ الْمُخَدَّرَاتِ اللَّوَاتِي مِنْ عَادَتِهِنَّ عَدَمُ الْخُرُوجِ فَلَا نَرَى تَعْدِيَةَ جَوَازِ ذَلِكَ إلَى كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ بَلْ تَعُمُّ خَالَةَ جَابِرٍ وَمَنْ كَانَتْ فِي مِثْلِ حَالِهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تُكَلَّفُ وَيَحْصُلُ لَهَا مَنْ يَكْفِيهَا فَهَذَا لَا يَجِبُ كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ تُكَلَّفُ تَرْكَ الْحَدِيثِ بِاللَّيْلِ مَعَ صَوَاحِبَاتِهَا وَلَمْ يُوجِبْهُ الشَّرْعُ عَلَيْهَا وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَدَّرْنَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّا نَقُولُ: التَّقْدِيرُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ خَالَةِ جَابِرٍ فَأَبَاحَ لَهَا فَنَقِيسُ عَلَيْهَا مَنْ هُوَ مِثْلُهَا وَيَعُمُّ الْأَحْوَالَ مِنْ وُجُودِ

стр. 834

الْكَافِي وَعَدَمِهِ لَا يَنْضَبِطُ وَلَا نُعَدِّيهِ إلَى الْمُخَدَّرَةِ لِلِانْضِبَاطِ فَلِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي الْعُمُومِ فَهِيَ مَرَاتِبُ الْخُرُوجِ لِلضَّرُورَةِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ لِكُلِّ مُعْتَدَّةٍ، وَالْخُرُوجُ لِنُزْهَةٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُعْتَدَّاتِ. وَكَذَا الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ الْمَسْكَنِ، وَالْخُرُوجُ لِحَاجَةٍ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً وَهِيَ أَنْوَاعٌ فَمَا كَانَ مِنْهَا مَظِنَّةُ حَاجَةٍ جَازَ وَلَا تَنْضَبِطُ أَفْرَادُهُ فَيُنَاطُ بِالْمَظِنَّةِ وَمَا كَانَ مِنْهَا لَيْسَ مَظِنَّةَ حَاجَةٍ وَانْضَبَطَ فَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ جَعَلَ خُرُوجَ الْحَامِلِ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ الَّتِي هِيَ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْهَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَمَنَعَهُ، وَسَكَتَ الرَّافِعِيُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا يَقْتَضِي مُخَالَفَتَهُ بَلْ مُوَافَقَتَهُ. وَالْحَدِيثُ لَا يُعَارِضُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ النَّوْعَ مَظِنَّةُ حَاجَةٍ، وَالْفَصْلُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَنْ يَكْفِيهَا أَمْ لَا لَا يَنْضَبِطُ، اللَّهُمَّ إلَّا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّنْ تَكُونُ مُخَدَّرَةً لَمْ تَجْرِ لَهَا عَادَةٌ بِالْخُرُوجِ إلَى مِثْلِهِ فَهُوَ أَمْرٌ مُنْضَبِطٍ فَيُمْتَنَعُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ أَنْ تَخْرُجَ لِجِدَادِ نَخْلِهَا الَّذِي يُسْتَنْكَرُ مِنْ مِثْلِهَا الْخُرُوجُ إلَيْهِ وَهِيَ غَيْرُ مُعْتَدَّةٍ فَكَيْفَ تَخْرُجُ إلَيْهِ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - انْتَهَى. [بَابُ الرِّدَّةِ] (بَابُ الرِّدَّةِ) (مَسْأَلَةٌ نَحْوِيَّةٌ فِقْهِيَّةٌ) رَجُلٌ قَالَ: مَا أَعْظَمَ اللَّهَ قَالَ لَهُ آخَرُ: هَذَا لَا يَجُوزُ. (الْجَوَابُ) يَجُوزُ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] أَيْ مَا أَبْصَرَهُ وَمَا أَسْمَعَهُ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ التَّعَجُّبِ فِي ذَلِكَ قَالَ ﵁ وَقَدْ رُفِعَتْ إلَى فَتْوَى فِيمَنْ قَالَ مَا أَعْظَمَ اللَّهَ هَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَوْ لَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ فَكَتَبْت عَلَيْهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي غَايَةِ الْعَظَمَةِ وَمَعْنَى التَّعَجُّبِ فِي ذَلِكَ لَا يُنْكَرُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَحَارُ فِيهِ الْعُقُولُ وَالْإِتْيَانُ بِصِيغَةِ التَّعَجُّبِ فِي ذَلِكَ جَائِزَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] وَالصِّيغَةُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ إعْظَامَ اللَّهِ وَتَعْظِيمَهُ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِالْعَظَمَةِ أَوْ اعْتِقَادُهَا وَكِلَاهُمَا حَاصِلٌ وَالْمُوجِبُ لَهُمَا أَمْرٌ عَظِيمٌ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِمَا أَعْظَمُ فَبَلَغَنِي بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ شَيْخِنَا أَبِي حَيَّانَ أَنَّهُ كَتَبَ فَنَظَرْتُ فَرَأَيْت أَبَا بَكْرِ بْنَ السَّرَّاجِ فِي الْأُصُولِ قَالَ فِي شَرْحِ التَّعَجُّبِ: وَقَدْ حُكِيَتْ أَلْفَاظٌ مِنْ أَبْوَابٍ مُخْتَلِفَةٍ مُسْتَعْمَلَةٌ بِحَالِ التَّعَجُّبِ

стр. 835

فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَنْتَ مِنْ رَجُلٍ، تَعَجُّبٌ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَكَالْيَوْمِ رَجُلًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلًا وَحَسْبُك بِزَيْدٍ رَجُلًا وَمِنْ رَجُلٍ وَالْعَظَمَةُ لِلَّهِ مِنْ رَبٍّ وَكَفَاكَ بِزَيْدٍ رَجُلًا، تَعَجُّبٌ، فَقَوْلُهُ الْعَظَمَةُ لِلَّهِ مِنْ رَبٍّ دَلِيلٌ لِجَوَازِ التَّعَجُّبِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِصِيغَةِ مَا أَفْعَلَهُ وَأَفْعِلْ بِهِ. وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لَا فَرْقَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ تَعَجُّبًا. : وَقَالَ كَمَالُ الدِّينِ أَبُو الْبَرَكَاتِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن الْأَنْبَارِيِّ فِي كِتَابِ الْإِنْصَافِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ فِي النَّحْوِ. (مَسْأَلَةٌ) ذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إلَى أَنَّ الْفِعْلَ فِي التَّعَجُّبِ نَحْوُ مَا أَحْسَنَ زَيْدًا اسْمٌ وَالْبَصْرِيُّونَ إلَى أَنَّهُ فِعْلٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْكِسَائِيُّ، أَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَاحْتَجُّوا وَذَكَرَ أُمُورًا، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ تَمَسَّكَ. فَذَكَرَ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ التَّقْدِيرُ فِيهِ مَا أَحْسَنَ زَيْدًا قَوْلُهُمْ مَا أَعْظَمَ اللَّهَ، وَلَوْ كَانَ التَّقْدِيرُ فِيهِ مَا زَعَمْتُمْ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ شَيْءٌ أَعْظَمَ اللَّهَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى عَظِيمٌ لَا بِجَعْلِ جَاعِلٍ وَقَالَ الشَّاعِرُ: مَا أَقْدَرَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِي عَلَى شَحَطٍ ... مَنْ دَارُهُ الْحُزْنُ مِمَّنْ دَارُهُ الصُّوَلُ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فِيهِ شَيْءٌ أَقْدَرَهُ اللَّهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ لَا بِجَعْلِ جَاعِلٍ، قَالَ وَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ فَاحْتَجُّوا بِهِ، ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ كَلِمَاتِ الْكُوفِيِّينَ فَذَكَرَ إلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِيمَا أَعْظَمَ اللَّهَ قُلْنَا مَعْنَاهُ شَيْءٌ أَعْظَمَ اللَّهَ أَيْ وَصَفَهُ بِالْعَظَمَةِ كَمَا تَقُولُ عَظَّمْت عَظِيمًا، وَلِذَلِكَ الشَّيْءِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ: أَحَدُهَا أَنْ نَعْنِيَ بِالشَّيْءِ مَنْ يُعَظِّمُهُ مِنْ عِبَادِهِ. وَالثَّانِي أَنْ نَعْنِيَ بِالشَّيْءِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُدْرَتهِ مِنْ مَصْنُوعَاتِهِ. وَالثَّالِثُ أَنْ نَعْنِيَ بِهِ نَفْسَهُ أَيْ أَنَّهُ عَظِيمٌ لِنَفْسِهِ لَا لِشَيْءٍ جَعَلَهُ عَظِيمًا، فَرْقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. وَحُكِيَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ الْمُبَرِّدِ قَدِمَ مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى بَغْدَادَ قَبْلَ قُدُومِ الْمُبَرِّدِ فَحَضَرَ حَلَقَةَ ثَعْلَبٍ فَسَأَلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَجَابَ بِجَوَابِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقَالَ التَّقْدِير شَيْءٌ أَحْسَنَ زَيْدًا فَقِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي قَوْلِنَا: مَا أَعْظَمَ اللَّهَ فَقَالَ: شَيْءٌ أَعْظَمَ اللَّهَ، فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: هَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ عَظِيمٌ لَا بِجَعْلِ جَاعِلٍ، ثُمَّ سَحَبُوهُ مِنْ الْحَلَقَةِ فَأَخْرَجُوهُ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمُبَرِّدُ أَوْرَدُوا عَلَيْهِ هَذَا الْإِشْكَالَ فَأَجَابَ بِمَا قَدَّمْنَا فَبَانَ بِذَلِكَ قَبِيحُ إنْكَارِهِمْ عَلَيْهِ وَفَسَادُ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ، وَقِيلَ:

стр. 836

يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا شَيْءٌ أَعْظَمَ اللَّهَ بِمَنْزِلَةِ الْإِخْبَارِ أَنَّهُ عَظِيمٌ لَا شَيْءَ جَعَلَهُ عَظِيمًا لِاسْتِحَالَتِهِ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّاعِرِ: مَا أَقْدَرَ اللَّهَ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ التَّعَجُّبِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] جَاءَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ أَمْرًا، وَإِنْ شِئْت قَدَّرْته تَقْدِيرَ مَا أَعْظَمَ اللَّهَ عَلَى مَا بَيَّنَّا. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، وَهُوَ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَنَاطِقٌ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّةِ إطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ وَلَكِنَّهُ مُخْتَلَفٌ هَلْ يَبْقَى عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ التَّعَجُّبِ، وَتُحْمَلُ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَوْ تُجْعَلُ مَجَازًا عَنْ الْإِخْبَارِ. وَأَمَّا إنْكَارُ اللَّفْظِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مَعْنَاهُ مِنْ التَّعَجُّبِ وَتَأْوِيلِ الشَّيْءِ عَلَى مَا ذُكِرَ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَنِ مِنْ تَصْنِيفِهِ قَالَ بَابُ أَدْعِيَةٍ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ مُسْتَحَبَّةٍ فَذَكَرَ مِنْهَا مَا أَحْلَمَك عَنْ مَنْ عَصَاكَ وَأَقْرَبَكَ مِمَّنْ دَعَاكَ وَأَعْطَفَكَ عَلَى مَنْ سَأَلَكَ وَذَكَرَ شِعْرًا لِغَيْرِهِ مَنْ جُمْلَتِهِ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ مَا ... أَجَلَّ عِنْدِي مِثْلَك انْتَهَى مَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَنِ مِنْ تَصْنِيفِهِ، وَرَأَيْت فِي السِّيرَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ وَنَاهِيك بِهِمَا فِي جِوَارِ ابْنِ الدُّغُنَّةِ قَالَ الْقَاسِمُ إنَّ أَبَا بَكْرٍ لَقِيَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ وَهُوَ عَائِدٌ إلَى الْكَعْبَةِ فَحَثَى عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا فَمَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَوْ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَلَا تَرَى مَا يَصْنَعُ هَذَا السَّفِيهُ قَالَ أَنْتَ فَعَلْت ذَلِكَ بِنَفْسِك أَيْ وَرَبًّا مَا أَحْلَمَك انْتَهَى. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا إلَّا كَلَامُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ لَكَفَى فَضْلًا عَنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَإِنْ كَانَتْ مُرْسَلَةً. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] مَعْنَاهُ الَّذِي يُجِلُّهُ الْمُوَحِّدُونَ عَنْ التَّشَبُّهِ بِخَلْقِهِ أَوْ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: مَا أَجَلَّكَ وَأَكْرَمَكَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] إنَّهُ جَاءَ بِمَا دَلَّ عَلَى التَّعَجُّبِ مِنْ إدْرَاكِهِ لِلْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ فِي الْإِدْرَاكِ خَارِجٌ عَنْ حَدِّ مَا عَلَيْهِ إدْرَاكُ

стр. 837

السَّامِعِينَ وَالْمُبْصِرِينَ؛ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ أَلْطَفَ الْأَشْيَاءِ وَأَصْغَرَهَا كَمَا يُدْرِكُ أَكْبَرَهَا حَجْمًا وَأَكْثَفَهَا جُرْمًا وَيُدْرِكُ الْبَوَاطِنَ كَمَا يُدْرِكُ الظَّوَاهِرَ، وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ الضُّمَيْرِيُّ فِي كِتَابِ التَّبْصِرَةِ وَالتَّذْكِرَةِ فِي النَّحْوِ: وَإِذَا قُلْت مَا أَعْظَمَ اللَّهَ وَذَلِكَ الشَّيْءُ، عِبَادُهُ الَّذِينَ يُعَظِّمُونَهُ وَيَعْبُدُونَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عَظَمَتِهِ مِنْ بَدَائِعِ خَلْقِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ اللَّهُ فَيَكُونُ لِنَفْسِهِ عَظِيمًا لَا لِشَيْءٍ جَعَلَهُ عَظِيمًا وَمِثْلُ هَذَا مُسْتَعْمَلٌ كَثِيرًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَامًا انْتَهَى. وَهَذَا كَمَا قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. وَقَالَ الْمُتَنَبِّي: مَا أَقْدَرَ اللَّهَ أَنْ يَجْزِي خَلِيقَتَهُ ... وَلَا يُصَدِّقُ قَوْمًا فِي الَّذِي زَعَمُوا قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي شَرْحِهِ: يَقُولُ اللَّهُ ﵎ قَادِرٌ عَلَى إجْزَاءِ خَلِيقَتِهِ بِأَنْ يُمَلِّكَ عَلَيْهِمْ لَئِيمًا سَاقِطًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصَدِّقَ الْمُلْحِدَةَ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِقِدَمِ الدَّهْرِ، يُشِيرُ إلَى أَنَّ تَأْمِيرَ مِثْلِهِ إجْزَاءٌ لِلنَّاسِ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُمْ وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُ الْمُلْحِدَةُ إنَّ تَمْلِيكَ مِثْلِهِ يُشَكِّكُ النَّاسَ فِي حِكْمَةِ الْبَارِي فَيُظَنُّ التَّعْطِيلُ. وَقَالَ ابْنُ الدَّهَّانِ سَعِيدُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنُ عَلِيٍّ فِي شَرْحِ الْإِيضَاحِ: فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا قَدَّرْتَ " مَا " تَقْدِيرَ شَيْءٍ وَإِذَا قُلْت مَا أَحْسَنَ زَيْدًا قَدَّرْته تَقْدِيرَ شَيْءٍ أَحْسَنَ زَيْدًا فَمَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِمْ مَا أَعْظَمَ اللَّهَ. فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ نَفْسُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَالثَّالِثِ مَنْ يُعَظِّمُهُ مِنْ عِبَادِهِ، الرَّابِعُ - أَنْ تَكُونَ الْأَفْعَالُ الْجَارِيَةُ عَلَيْهِ لِحَمْلِهَا عَلَى مَا يَجُوزُ مِنْ صِفَاتِهِ وَيَلِيقُ بِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ عَظِيمٌ فِي نَفْسِهِ لَا عَلَى شَيْءٍ عَظَّمَ اللَّهَ وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] وَالْمَعْنَى تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِ الْعَجْزِ وَالتَّعَجُّبُ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقِ جَمِيلٍ مِثْلِهِ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] فَالتَّعَجُّبُ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى خَلْقِ عَفِيفٍ مِثْلِهِ. . [مَسْأَلَةٌ السَّاحِر وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ] (مَسْأَلَةٌ) سُئِلَ ﵀ عَنْ حُكْمِ السَّاحِرِ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَمَا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ؟ (أَجَابَ) مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ رَأَى قَتْلَهُ بِكُلِّ حَالٍ تَابَ أَوْ لَمْ يَتُبْ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ

стр. 838

مَالِكٍ، وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَحَاصِلُهُ أَنَّ السَّاحِرَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: حَالٌ يُقْتَلُ كُفْرًا وَحَالٌ يُقْتَلُ قِصَاصًا وَحَالٌ لَا يُقْتَلُ أَصْلًا بَلْ يُعَزَّرُ. أَمَّا الْحَالَةُ الَّتِي يُقْتَلُ فِيهَا كُفْرًا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أَنْ يَعْمَلَ بِسِحْرِهِ مَا يَبْلُغُ الْكُفْرَ. وَشَرَحَ أَصْحَابُهُ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَمْثِلَةٍ: (أَحَدُهَا) أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ هُوَ كُفْرٌ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ وَمَتَى تَابَ مِنْهُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَسَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ، وَهُوَ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ وَبِالْبَيِّنَةِ. (الْمِثَالُ الثَّانِي) أَنْ يَعْتَقِدَ مَا اعْتَقَدَهُ مِنْ التَّقَرُّبِ إلَى الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ وَأَنَّهَا تَفْعَلُ بِأَنْفُسِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا الْقَتْلُ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَلَا يَثْبُتُ هَذَا الْقِسْمُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ. (الْمِثَالُ الثَّالِثُ) أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ حَقٌّ يَقْدِرُ بِهِ عَلَى قَلْبِ الْأَعْيَانِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ أَيْضًا إلَّا بِالْإِقْرَارِ وَإِذَا تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَسَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ، وَأَمَّا الْحَالَةُ الَّتِي يُقْتَلُ فِيهَا قِصَاصًا فَإِذَا اعْتَرَفَ أَنَّهُ قَتَلَ بِسِحْرِهِ إنْسَانًا فَكَمَا قَالَهُ، وَأَنَّهُ مَاتَ بِهِ وَإِنَّ سِحْرَهُ يَقْتُلُ غَالِبًا فَهَاهُنَا يُقْتَلُ قِصَاصًا وَلَا يُثْبِتُ هَذِهِ الْحَالَةَ إلَّا الْإِقْرَارُ وَلَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ بِالتَّوْبَةِ، وَأَمَّا الْحَالَةُ الَّتِي لَا يُقْتَلُ فِيهَا أَصْلًا وَلَكِنْ يُعَزَّرُ فَهِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ وَيَضْمَنُ مَا اعْتَرَفَ بِإِتْلَافِهِ بِهِ كَمَا إذَا اعْتَرَفَ أَنَّهُ قَتَلَ رُوَالَهُ لَا بِقَتْلِ عَيْنٍ فَيَضْمَنُ الدِّيَةَ، وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئِ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ وَزِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ وَقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» قُلْت الْقَتْلُ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ وَفِي الْحَالَة الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ وَقَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ وَامْتَنَعَ فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِإِحْدَى الثَّلَاثِ فَلَا يَحِلُّ دَمُهُ فِيهَا عَمَلًا بِصَدْرِ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الصَّادِرَةُ عَلَى السَّاحِرِ فَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا شَيْءٌ يَقْتَضِي الْقَتْلَ وَوَرَدَ عَنْهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» وَضَعَّفَ التِّرْمِذِيُّ إسْنَادَهُ وَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَنْ جُنْدُبٍ مَوْقُوفٌ يَعْنِي فَيَكُونُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ. وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ بَعْضَ يَهُودَ سَحَرَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْقَتْلِ وَلَا عَدَمِهِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعَفْوِهِ ﷺ عَنْهُمْ وَالْمَصْلَحَةُ الَّتِي اقْتَضَتْ تَرْكَ إخْرَاجِهِ

стр. 839

مِنْ الْبِئْرِ خَشْيَةَ إثَارَةِ شَرٍّ عَلَى النَّاسِ، وَالْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ مُخْتَلِفَةٌ: فَعَنْ عُمَرَ ﵁ " اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ " وَعَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا بَاعَتْ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا وَجَعَلَتْ ثَمَنَهَا فِي الرِّقَابِ، وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَحَفْصَةَ عَلَى السِّحْرِ الَّذِي فِيهِ كُفْرٌ، وَمَا يُقَالُ عَنْ عَائِشَةَ عَلَى السِّحْرِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ كُفْرٍ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْآثَارِ، وَاعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَالْحَدِيثُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا عُمْدَةً لَهُ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلَفُوا وَجَبَ اتِّبَاعُ أَشْبَهِهِمْ قَوْلًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَكُفْرُ الْقَتْلِ عَمَّنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ كُفْرٌ وَلَا قَتْلٌ وَلَا زِنًا أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَدْ سُئِلَ الزُّهْرِيُّ شَيْخُ مَالِكٍ ﵄ أَعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ قَتْلٌ؟ قَالَ: قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ صَنَعَهُ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. هَذَا مَا تَيَسَّرَ ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ السَّاحِرَ إنْ تَكَلَّمَ بِمَا هُوَ كُفْرٌ أَوْ اعْتَقَدَهُ قُتِلَ إجْمَاعًا فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَسَقَطَ الْقَتْلُ عَنْهُ. وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَسْقُطُ، وَحُكْمُهُ عِنْدَهُمَا حُكْمُ الزِّنْدِيقِ وَإِنْ قَتَلَ بِسَحَرِهِ قُتِلَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُعَزَّرُ وَعِنْدَ مَالِكٍ يُقْتَلُ وَالْأَوْلَى مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِعَدَمِ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِهِ، وَلَيْسَ فِي الْآثَارِ عَنْ الصَّحَابَةِ تَصْرِيحٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَصْرِيحِ عَائِشَةَ ﵂ مُخَالَفَةٌ دَفْعًا بِثَلَاثَتِهِمْ بِتَتَبُّعِ الدَّلِيلِ، وَمِمَّنْ أُطْلِقَ عَنْهُ الْقَوْلُ بِقَتْلِ السَّاحِرِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنَتُهُ حَفْصَةُ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَجُنْدُبٌ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. كَتَبَهُ فِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ ثَالِثِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ. . (مَسْأَلَةٌ) رَجُلُ نُسِبَ إلَيْهِ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ وَهُوَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ عَلَى خَيْرٍ وَطُلِبَ مِنْ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ بَيِّنَةٌ فَلَمْ يَأْتِ بِهَا وَقَصَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ أَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِعِصْمَةِ دَمِهِ خَشْيَةً مِنْ أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةُ زُورٍ عِنْدَ حَاكِمٍ مَالِكِيٍّ فَلَا تُقْبَلُ

стр. 840

تَوْبَتُهُ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ إذَا جَدَّدَ هَذَا الرَّجُلُ إسْلَامُهُ أَنْ يَحْكُمَ بِإِسْلَامِهِ وَعِصْمَةِ دَمِهِ وَإِسْقَاطِ التَّعْزِيرِ عَنْهُ وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَكِنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ حَتَّى يَثْبُتَ عَلَيْهِ إمَّا بِبَيِّنَةٍ وَإِمَّا بِاعْتِرَافٍ، ثُمَّ يُجَدِّدُ إسْلَامَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ . (أَجَابَ) الَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الَّذِي مِنْ مَذْهَبِهِ قَبُولُ التَّوْبَةِ إذَا تَلَفَّظَ هَذَا الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَطَلَبَ مِنْهُ الْحُكْمَ لَهُ وَقَدْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِخِلَافِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ وَعِصْمَةِ دَمِهِ وَإِسْقَاطِ التَّعْزِيرِ عَنْهُ وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى اعْتِرَافِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَرِيئًا فَإِلْجَاؤُهُ إلَى الِاعْتِرَافِ عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافٍ مَا وَقَعَ مِنْهُ لَا مَعْنَى لَهُ بَلْ وَلَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ هُوَ أَيْضًا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بَلْ يَحْكُمُ الْقَاضِي مُسْتَنِدًا إلَى مَا سَمِعَهُ مِنْهُ مِنْ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ الْعَاصِمَةِ لِلدَّمِ الْمَاحِيَةِ لِمَا قَبْلَهَا وَيَمْنَعُ بِحُكْمِهِ ذَلِكَ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُ. وَإِنَّمَا قُلْت ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهُ الْآنَ وَعِصْمَةَ دَمِهِ أَمْرُ حَقٍّ مَقْطُوعٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَدَرَ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ فَإِسْلَامُهُ مُسْتَمِرٌّ وَعِصْمَتُهُ مُسْتَمِرَّةٌ وَإِنْ كَانَ صَدَرَ مِنْهُ فَشَهَادَتُهُ بِالْإِسْلَامِ الْآنَ مَاحِيَةٌ لَهُ فَكَانَتْ عِصْمَتُهُ ثَابِتَةً عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَازِمَةً لِلنَّقِيضَيْنِ، وَلَازِمُ النَّقِيضَيْنِ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ فَكَانَ حَقًّا وَالْحُكْمُ بِالْحَقِّ حَقٌّ لِقَوْلِهِ ﷺ «قَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ وَهُوَ يَعْلَمُ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ» فَإِنْ قُلْت: إنْ تَأَتَّى لَكَ هَذَا فِي الْعِصْمَةِ فَكَيْفَ يَتَأَتَّى فِي الْإِسْلَامِ وَالْإِسْلَامُ إنْشَاءٌ وَالْإِنْشَاءُ الَّذِي حَصَلَ مِنْهُ الْآنَ إنَّمَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ لَوْ سَبَقَهُ كُفْرٌ وَمَعَ الشَّكِّ فِي ذَلِكَ كَيْفَ نَحْكُمُ؟ وَأَيْضًا الْحُكْمُ بِالْعِصْمَةِ إنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى الْإِسْلَامِ الْمُسْتَمِرِّ لَمْ يُفِدْ مَنْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ مَا نُسِبَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى هَذَا الْإِسْلَامِ عَادَ السُّؤَالُ؟ . قُلْت يَتَأَتَّى فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا الْعِصْمَةُ فَلِاسْتِنَادِهَا إلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْمَقْطُوعِ بِأَحَدِهِمَا، وَلَا يَضُرُّ الشَّكُّ فِي تَعْيِينِهِ وَلَهُ شَوَاهِدُ: مِنْهَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ جَارِيَةٍ فَاشْتَرَاهَا بِعِشْرِينَ وَقَالَ الْمُوَكِّلُ إنَّمَا أَمَرْتُك أَنْ تَشْتَرِيَهَا بِعَشْرَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ فَإِذَا حَلَفَ ثَبَتَتْ الْجَارِيَةُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ لِلْوَكِيلِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ أُحِبُّ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَرْفُقَ الْحَاكِمُ بِالْأَمْرِ لِلْمَأْمُورِ فَيَقُولُ: إنْ كُنْت أَمَرْتُك أَنْ تَشْتَرِيَهَا بِعِشْرِينَ فَقَدْ بِعْتُك إيَّاهَا بِعِشْرِينَ

стр. 841

وَيَقُولُ الْآخَرُ قَدْ قَبِلْت لِيَحِلَّ لَهُ الْفَرْجُ. قَالَ الْأَصْحَابُ إنْ جَزَمَ الْبَيْعَ صَحَّ وَإِنْ عَلَّقَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّافِعِيِّ صَحَّ أَيْضًا فِي الْأَصَحِّ. وَقَدْ وَافَقَنَا الْمَالِكِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ؛ فَأَقُولُ إذَا فَعَلَ الْحَاكِمُ ذَلِكَ وَطَلَبَ مِنْهُ الْوَكِيلُ أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ مِلْكِهِ لِلْجَارِيَةِ فَلَا شَكَّ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ. نَعَمْ صِحَّةُ الْبَيْعِ الَّذِي صَدَرَ بَيْنَ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ لَا يَحْكُمُ الْقَاضِي بِصِحَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الْحُكْمَ الظَّاهِرَ لِلْوَكِيلِ بِمِلْكِ الْجَارِيَةِ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِالْمِلْكِ وَالْحَلِّ وَصِحَّةُ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ لِلْقَطْعِ بِهَا وَمُسْتَنَدُ الْقَطْعِ الْعِلْمُ بِسَبَبِهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِبْهَامِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْيِينِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِهِ عَلَى التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِالْحِلِّ وَلَا بِالْمِلْكِ الْبَاطِنِ فِي مَسْأَلَةِ الْجَارِيَةِ. فَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَمِثْلُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا وَهُوَ أَنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بِعِصْمَةِ دَمِ هَذَا الرَّجُلِ وَكَوْنِهِ مُسْلِمًا مُسْتَنِدًا إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الْإِسْلَامُ الْمُسْتَمِرُّ وَإِمَّا الْمَوْجُودُ الْآنَ وَأَحَدُهُمَا مَقْطُوعٌ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ مَقْطُوعٌ بِهِ وَهُوَ أَحَدُهُمَا فَأَيُّ بَيَانٍ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا، وَإِذَا ظَهَرَ الْحِلُّ وَالْمِلْكُ الْبَاطِنُ فِي الْجَارِيَةِ وَإِنْ شِئْنَا نَقْتَصِرُ وَنَكْتَفِي بِذَلِكَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَنَقُولُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِصِحَّةِ الْإِسْلَامِ الْمَوْجُودِ الْآنَ؛ لِأَنَّهُ نَظِيرُ الْبَيْعِ الصَّادِرِ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ وَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ لَكِنَّ الْحُكْمَ بِكَوْنِهَا لِلْوَكِيلِ فِي الظَّاهِرِ يَمْنَعُ مِنْهُ وَإِنْ شِئْنَا نَزِيدُ وَنُفَرِّقُ وَنَقُولُ: إنَّ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ هُنَا بِصِحَّةِ هَذَا الْإِسْلَامِ الْمَوْجُودِ الْآنَ مَعَ الشَّكِّ فِي كَوْنِهِ تَقَدَّمَهُ كُفْرٌ أَوْ لَا وَإِنْ كَانَ لَا يَحْكُمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَيْعَ قَابِلٌ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَإِنْ وُجِدَ بِشُرُوطِهِ مِنْ مِلْكٍ كَانَ صَحِيحًا وَإِلَّا كَانَ فَاسِدًا وَالشَّكُّ فِي الْمِلْكِ يَقْتَضِي الشَّكَّ فِي الصِّحَّةِ بِلَا إشْكَالٍ فَلِذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَا يَكُونُ إلَّا صَحِيحًا وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْفَسَادِ، وَالتَّلَفُّظُ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ إمَّا إقْرَارٌ كَقَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِمَّا إنْشَاءٌ كَقَوْلِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَهَذِهِ الصِّيغَةُ هِيَ الَّتِي بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ تَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْشَاءَ وَمَعْنَى الْإِقْرَارِ الْإِخْبَارُ عَنْ الْعِلْمِ بِهَا وَمَعْنَى الْإِنْشَاءِ مَعْرُوفٌ كَالشَّهَادَةِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ وَبِأَيِّ مَعْنًى فُرِضَ فَهُوَ إقْرَارٌ صَحِيحٌ وَإِنْشَاءٌ صَحِيحٌ وَمَعْنَى صِحَّتِهِ تَرَتُّبُ أَثَرِهِ عَلَيْهِ وَمِنْ آثَارِهِ

стр. 842

عِصْمَةُ الدَّمِ وَجَبُّ مَا قَبْلَهُ فَإِذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِذَلِكَ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَتَرَتَّبُ هَذِهِ الْآثَارُ عَلَيْهِ وَسَبَبُ الِاحْتِيَاجِ إلَى حُكْمِهِ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا الْكَافِرُ مُسْلِمًا ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ وَقَسَّمُوا الْكُفَّارَ إلَى أَقْسَامٍ مِنْهُمْ مَنْ يَصِيرُ بِبَعْضِ الْأَلْفَاظِ مُسْلِمًا وَمِنْهُمْ مَنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ زِيَادَةٌ بِحُكْمِ الْقَاضِي بِالْإِسْلَامِ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّفْظِ الْمَوْجُودِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَافٍ فِي صَيْرُورَتِهِ مُسْلِمًا فَحُكْمُ الْقَاضِي بِذَلِكَ يَرْفَعُ الْخِلَافَ فِي مَحَلَّيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي اشْتِرَاطِ لَفْظٍ آخَرَ، وَالثَّانِي فِي إبَاحَةِ دَمِهِ بِكُلِّ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ سَوَاءٌ أَعَلِمَ أَمْ جَهِلَ وَلَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْقَاضِي رَفْعِ الْخِلَافِ وَلَوْ اُشْتُرِطَ لَمْ يَضُرَّ هُنَا؛ لِأَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ مَا يُنَافِي الْإِسْلَامَ فَالْقَاضِي إنَّمَا حَكَمَ لِيَدْرَأَ عَنْهُ الْقَتْلَ بِمَا عَسَاهُ يَثْبُتُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِسْلَامَ إسْلَامٌ صَحِيحٌ، وَالْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْإِسْلَامِ سَبْقُ دَمٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ إسْلَامٌ، سَوَاءٌ أَصَدَرَ مِنْ كَافِرٍ يَنْتَقِلُ بِهِ عَنْ الْكُفْرِ أَمْ مِنْ مُسْلِمٍ مُسْتَمِرِّ الْإِسْلَامِ حَتَّى إنِّي أَقُولُ: إنَّ الذَّاكِرَ بِلَفْظِهِ كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَنْدَرِجَ ذِكْرُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ ﷺ «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» فَيَجُبُّ هَذَا الْإِسْلَامُ الْمَعَاصِيَ السَّابِقَةَ عَلَيْهِ وَفِي فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَخُصُّهُ بِالصَّغَائِرِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَطَّرِدَ فِي الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ سَبَبُ أَنَّ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ؛ لِأَنَّهَا كَفَّرَتْ كُلَّ شَيْءٍ قَبْلَهَا وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي هَذَا حَتَّى نُقَرِّرَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْبَيْعِ وَأَنَّ الْإِسْلَامَ أَوْلَى مِنْ الْبَيْعِ بِأَنْ نَحْكُمَ بِتَرَتُّبِ أَثَرِهِ، وَمِنْهَا إذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَوْ لَا؟ فَالْوَرَع أَنْ يُرَاجِعَ فَلَوْ رَاجَعَ وَاسْتَمَرَّتْ حَتَّى مَضَى عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ، ثُمَّ أَقَامَتْ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَ وَأَرَادَتْ الْحُكْمَ بِالْبَيْنُونَةِ وَأَرَادَ هُوَ الْحُكْمَ بِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ بِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ وَيَرْفَعُ بِالرَّجْعَةِ الَّتِي حَصَلَتْ أَثَرَ الطَّلَاقِ الَّذِي قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ وَإِنْ كَانَ حِينَ الرَّجْعَةِ شَاكًّا فِي صِحَّتِهَا فَهَكَذَا هُنَا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَذَا بَعْدَ هَذَا الْحُكْمِ بِأَنَّهُ كَانَ صَدَرَ مِنْهُ كُفْرٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا وَيُحْكَمُ بِأَنَّهُ ارْتَفَعَ أَثَرُهُ بِالْإِسْلَامِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِهِ كَانَ حُكْمًا صَحِيحًا مَانِعًا مِنْ حُكْمِ حَاكِمٍ مَالِكِيٍّ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ وَلْيُفْرَضْ فِي الرَّجْعَةِ مِثْلُهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَاجَعَهَا وَحَكَمَ الْقَاضِي بِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ وَكَانَ شَكَّ أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِلَفْظِ

стр. 843

الْحَرَامِ أَوَّلًا ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: أَنْتِ حَرَامٌ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكِنَايَاتِ بَوَائِنٌ وَأَرَادَتْ أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى حَاكِمٍ حَنَفِيٍّ وَحَكَمَ بِالْبَيْنُونَةِ فَنَقُولُ: إنَّهُ لَنْ يَجِدَ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ الشَّافِعِيَّ حَكَمَ بِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ خَاطَبَهَا بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ حَالَ الْحُكْمِ فَخَاطَبَهَا بِذَلِكَ بَلْ يَسْتَنِدُ فِي بَقَاءِ الْعِصْمَةِ أَنَّهَا بَائِنَةٌ عِنْدَهُ عَلَى النَّقِيضَيْنِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ خَاطَبَهَا بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ مُرِيدًا الطَّلَاقَ، ثُمَّ رَاجَعَ، وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ النَّقِيضَيْنِ مُسَوِّغٌ لِلشَّافِعِيِّ الْحُكْمَ بِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ، وَقَدْ حَكَمَ بِذَلِكَ مُسْتَنِدًا إلَى أَحَدِهِمَا فَلَا يَضُرُّ تَعْيِينُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَمِنْهَا لَوْ قَالَ: إنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَارَ وَلَمْ يَعْرِفْ طَلُقَتْ، وَلِلْقَاضِي الْحُكْمُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهَا لَازِمٌ لِلنَّقِيضَيْنِ وَلَازِمُ النَّقِيضَيْنِ وَاقِعٌ وَإِنْ جَهِلَ مَا يَقَعُ بِهِ، وَلْنَفْرِضْ ذَلِكَ فِي مَحَلِّ اخْتِلَافٍ بِأَنْ يَكُونَ التَّعْلِيقُ بِلَفْظٍ مُخْتَلَفٍ فِي كَوْنِهِ صَرِيحًا أَوْ لَا وَلَمْ يَنْوِ وَرَأَى الْحَاكِمُ أَنَّهُ صَرِيحٌ فَحَكَمَ بِالطَّلَاقِ أَوْ رَأَى أَنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ فَحَكَمَ بِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غُرَابٌ فَلَيْسَ لِحَاكِمٍ آخَرَ أَنْ يَنْقُضَ ذَلِكَ الْحُكْمَ أَوْ يَحْكُمَ بِخِلَافِهِ مُسْتَنِدًا إلَى أَنَّهُ إنَّمَا قَطَعَ قَبْلَ أَنْ يَثْبُتَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَّجِهْ حُكْمٌ أَصْلًا وَكَانَ يَحْصُلُ الضَّرَرُ بِبَقَاءِ الْمَرْأَةِ مَعَ الْجَهْلِ بِالْحَالِ مُعَلَّقَةً لَا مَنْكُوحَةً وَلَا مُطَلَّقَةً. وَاعْلَمْ أَنَّ قَصْدَ الْحَاكِمِ أَنْ يَرْفَعَ الْخِلَافَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَعْتَقِدُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا فَيَحْكُمُ بِهَا وَلَا يُنْتَقَضُ حُكْمُهُ، نَعَمْ قَدْ يَحْكُمُ مُسْتَنِدًا إلَى سَبَبٍ وَهُنَاكَ شَيْءٌ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ فَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِثْلُ أَنْ يَحْكُمَ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ ثُمَّ يَظْهَرُ لِلدَّاخِلِ بَيِّنَةٌ وَهُوَ يَرَى تَقْدِيمَ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ فَهَاهُنَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَمَّا إذَا كَانَ لَا يَرَى تَقْدِيمَ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ فَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَذَلِكَ لَوْ فُرِضَ أَنَّ الْحَاكِمَ بِالْعِصْمَةِ مَالِكِيٌّ وَإِنَّمَا حَكَمَ مُسْتَنِدًا إلَى الْإِسْلَامِ الْمُسْتَمِرِّ حَتَّى لَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مَا نُسِبَ إلَيْهِ لَمْ يَحْكُمْ وَكَانَ يَحْكُمُ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ فَهَاهُنَا يَظْهَرُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْإِسْلَامِ وَالْعِصْمَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ حُكْمِ الْمَالِكِيِّ الْمَذْكُورِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُوَافِقُهُ إذَا ظَهَرَتْ بَيِّنَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُقْتَضَاهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْكُمُ بِظَنِّ عَدَمِهَا، وَمَسْأَلَتُنَا هُنَا إنَّمَا هِيَ فِي حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ يَرَى الْعِصْمَةَ بِالْإِسْلَامِ سَوَاءٌ ثَبَتَ

стр. 844

مَا نُسِبَ إلَيْهِ أَمْ لَا فَهُوَ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ بِالْبَيِّنَةِ شَيْءٌ لَوْ قَارَنَ الْحُكْمَ أَيُمْنَعُ مِنْ الْحُكْمِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ صَحِيحًا. وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ قَارَنَهُ مَا لَوْ عَلِمَ بِهِ الْحَاكِمُ لَمْ يَحْكُمْ فَقَدْ نَقُولُ بِأَنَّهُ إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِخِلَافِهِ وَكَذَلِكَ لِغَيْرِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا " قَدْ " لِأَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْقُدْسِ. وَكُلُّ حُكْمٍ قَارَنَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَا لَوْ عَلِمَ بِهِ الْحَاكِمُ لَمْ يَمْتَنِعْ مَعَهُ مِنْ الْحُكْمِ فَإِنَّ الْحُكْمَ مَعَهُ نَافِذٌ قَاطِعٌ لِأَثَرِهِ. وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْقَاضِي عَامًّا وَكَانَ هُنَاكَ صُورَةٌ لَمْ يُمْكِنْ انْدِرَاجُهَا فِيهِ شَمِلَهَا كُلَّهَا عَلِمَهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَامًّا وَكَانَ هُنَاكَ صُورَةٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا وَلَا شَمِلَهَا حُكْمُهُ فَلَا يَمْتَنِعُ هُنَا حُكْمُ قَاضٍ آخَرَ فِيهَا بِمَا يَرَاهُ إذْ لَا مُعَارَضَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُكْمِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَبِالْجُمْلَةِ هَذَا الَّذِي اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ لَمْ يَثْبُتْ وَإِذَا فَرَضْنَا ذَا سُلْطَانٍ أَرَادَ قَتْلَهُ بِذَلِكَ وَطَلَبَ الشَّخْصُ الْمَذْكُورُ مِنْ الْحَاكِمِ أَنْ نَحْكُمَ بِعِصْمَتِهِ وَيَلْفِظُ بِالشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَهُ إنْ مَنَعْنَا الْقَاضِي مِنْ الْحُكْمِ لَهُ مَعَ اعْتِقَادِ الْقَاضِي عِصْمَتَهُ كَانَ ذَلِكَ إسْرَافًا كَيْفَ يُمَكَّنُ مِنْ قَتْلِهِ مَعَ اعْتِقَادِهِ عِصْمَتَهُ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ - وَهَلْ جُعِلَ الْقَاضِي إلَّا لِيَحْكُمَ بِالْحَقِّ وَيَمْنَعَ الظَّالِمَ عَنْ الْمَظْلُومِ وَإِنْ قُلْنَا يَحْكُمُ اسْتِنَادًا إلَى الِاسْتِمْرَارِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي دَفْعِ مَا قِيلَ عَنْهُ كَانَ الْحُكْمُ عُرْضَةً لِلنَّقْضِ وَأَحْكَامُ الْحُكَّامِ تُصَانُ عَنْ النَّقْضِ وَنَفْرِضُ أَنَّهُ حَكَمَ فَهَذَا حُكْمٌ لَا يُقْطَعُ بِبُطْلَانِهِ وَكُلُّ حُكْمٍ لَا يُقْطَعُ بِبُطْلَانِهِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ فَثَبَتَ أَنَّهُ يَحْكُمُ وَلَا يَنْقُضُ وَهُوَ الْمُدَّعِي وَالْمَانِعُ مِنْ النَّقْضِ كَوْنُ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الِاحْتِمَالِ لَا اعْتِقَادِ الْقَاضِي أَنَّهُ رَافِعٌ لِلْخِلَافِ الْمُتَوَقَّعِ وَقَالَ: شِبْهُ ذَلِكَ حِلُّ هَذَا لَا يُشْتَرَطُ وَمَنْ اشْتَرَطَهُ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ بِاشْتِرَاطِهِ. وَمِنْهَا الْمَسْأَلَةُ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا إذَا ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى عَمْرٍو دَارًا فِي يَدِهِ وَجَاءَ بِبَيِّنَةٍ وَقَضَى الْقَاضِي لَهُ بِهَا، ثُمَّ جَاءَ الدَّاخِلُ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا لَهُ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي نَقْضِ الْقَضَاءِ قِيلَ: يُنْقَضُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذَاهِبِ وَقِيلَ: لَا وَقِيلَ: يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ نُقِضَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يُنْقَضْ، هَذَا إذَا كَانَ قِيَامُ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ وَمِنْ مَذْهَبِهِ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ أَمَّا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْحَاكِمَ الْأَوَّلَ إنَّمَا حَكَمَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ فَكَذَلِكَ

стр. 845

وَإِنْ احْتَمَلَ أَنَّهُ حَكَمَ ذَهَابًا إلَى تَرْجِيحِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ أَوْ أُشْكِلَ الْحَالُ فَفِي جَوَازِ النَّقْضِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ بَلْ يُقَرُّ فِي يَدِ الْمَحْكُومِ لَهُ فَإِذَا كَانَ هَذَا قَوْلُ الْأَصْحَابِ فَمَنْ لَمْ يُقْصَدْ بِحُكْمِهِ مَنْعُ مَا يُتَوَقَّعُ ثُبُوتُهُ فَكَيْفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَصَدَ الْحَاكِمُ بِحُكْمِهِ عِصْمَةَ الْمَحْكُومِ لَهُ عَمَّا نُسِبَ إلَيْهِ وَيُتَوَقَّعُ ثُبُوتَهُ. وَبِالْجُمْلَةِ لَمَّا حَكَمَ بِذَلِكَ ادَّعَى شَخْصٌ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ ثُبُوتِ خِلَافِهِ بِحُكْمِ ذَلِكَ الْقَاضِي بِصِحَّةِ الْحُكْمِ كَانَ حُكْمًا صَحِيحًا رَافِعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ مَقْطُوعًا بِهِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ تُحَرَّرَ وَيُعْتَنَى بِهَا فَإِنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا. وَلَقَدْ حَدَّثَنِي الْفَقِيهُ بُرْهَانُ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ أَنَّ قَاضِيَ الْقُضَاةِ شَمْسَ الدِّينِ أَحْمَدَ السُّرُوجِيَّ الْحَنَفِيَّ أَشْهَدَهُ وَالْفَقِيهَ عِزَّ الدَّيْنِ عَبْدَ الْعَزِيزِ النَّمْرَاوِيَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ حَكَمَ بِعِصْمَةِ دَمِ الْقَايَاتِيِّ الْمَالِكِيِّ لَمَّا نُسِبَ إلَيْهِ شَيْءٌ فِي مِصْرَ وَالْتَمَسَ مِنْهُمَا أَنْ يَشْهَدَا عِنْدَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ فَذَهَبَ الْفَقِيهَانِ الشَّافِعِيَّانِ إلَى تَقِيِّ الدِّينِ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُمَا: وَأَيْشٍ هَذَا الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ حَتَّى يَحْكُمَ بِإِسْلَامِهِ وَعِصْمَةِ دَمِهِ اذْهَبَا إلَى الْقَايَاتِيِّ وَاشْهَدَا عَلَيْهِ بِمَا نُسِبَ إلَيْهِ وَتَعَالَيَا فَذَهَبَا إلَيْهِ وَشَهِدَا عَلَيْهِ ثُمَّ جَاءَا إلَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فَشَهِدَا عِنْدَهُ فَقَالَ: اشْهَدَا عَلَى أَنَّنِي حَكَمْت بِعِصْمَةِ دَمِهِ حُكْمًا مُبْتَدَأً لَا تَنْفِيذًا؛ وَهَذَا مِنْ الشَّيْخِ ﵀ إمَّا أَنْ يَكُونَ احْتِيَاطًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ عَدَمِ نَظَرٍ فِي الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَنِّي كُنْت مُغْتَبِطًا بِهَذِهِ الْحِكَايَةِ كَثِيرًا وَكُنْت أَسْتَعْمِلُهَا حَتَّى نَظَرْتُ الْآنَ فِي الْمَسْأَلَةِ فَوَجَدْت الْحَقَّ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ. وَمِنْهَا إذَا بَاعَ خَادِمَةً فَجَحَدَ الْمُشْتَرِي وَحَلَفَ وَقَضَى الْقَاضِي بِهَا لِلْبَائِعِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لِلْجَاحِدِ: إنْ كُنْت اشْتَرَيْتهَا فَاسْتَقِلْهُ وَيَقُولُ لِلْبَائِعِ إنْ كُنْت بِعْتهَا مِنْهُ فَأَقِلْهُ لِيَحِلَّ لِلْبَائِعِ بَاطِنًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا لَا يَحِلُّ. وَالثَّانِي أَنَّ الْجُحُودَ رَدٌّ فَيَقْبَلُ الْبَائِعُ الرَّدَّ لِتَحِلَّ. وَالثَّالِثُ أَنَّ الْبَائِعَ يَرْجِعُ بِالتَّعَذُّرِ كَرُجُوعِ غَرِيمِ الْمُفْلِسِ. وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ تَلَفُّظِ الْقَاضِي هُنَا كَمَا سَبَقَ مِثْلُهُ الْوَكَالَةُ، وَمِنْهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَوْ
следующие страницы →