← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11498

فتاوى السبكي

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 159 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

أُثْبِتَتْ الْقَاعِدَةُ أَمْ لَا؟ وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَيْضًا لَهُ وَجْهٌ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا سَوَاءٌ أُثْبِتَتْ الْقَاعِدَةُ أَمْ لَا. وَإِذَا عَرَفْت الْخِلَافَ بَيْنَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْأَصْحَابِ فَقَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ ﵀ فِي لَا كَلَّمْت زَيْدًا وَلَا عَمْرًا بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ مُخَالِفٌ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَمَّا أَبُو حَامِدٍ فَلِأَنَّهُ يَرَى فِي الْإِيلَاءِ بِكَفَّارَتَيْنِ فَفِي لَا كَلَّمْتُ زَيْدًا وَلَا عَمْرًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَأَمَّا الْأَصْحَابُ فَلِأَنَّهُمْ إنَّمَا رَأَوْا كَفَّارَةً وَاحِدَةً كَقَوْلِهِمْ إنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَابْنُ الرِّفْعَةِ يَقُولُ: إنَّهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مَعَ تَوَهُّمِ أَنَّهَا يَمِينَانِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالرَّافِعِيُّ لَمَّا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ قَالَ ذَلِكَ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا أُجَامِعُك كُلُّ وَاحِدَةٍ، تَخْصِيصُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِالْإِيلَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِصَوَاحِبَاتِهَا فَالْوَجْهُ بَقَاءُ الْإِيلَاءِ فِي الْبَاقِيَاتِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذِهِ الصُّورَةِ حُكْمَ قَوْلِهِ، وَاَللَّهِ لَا أُجَامِعُكُنَّ عَلَى مَا سَبَقَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَحَدِهِمَا، وَهُوَ شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ عَلَى ابْنِ الرِّفْعَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. [كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ] (كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ) (مَسْأَلَةٌ) قَوْلُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ فِي مَسْأَلَةٍ سُئِلَ عَنْهَا فِي مِلْكٍ اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِهِ عَلَى يَتِيمٍ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ قِيمَتَهُ مِائَةُ وَخَمْسُونَ فَبَاعَهُ الْقَيِّمُ بِذَلِكَ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِأَنَّ قِيمَتَهُ حِينَئِذٍ مِائَتَانِ هَلْ يُنْقَضُ الْحُكْمُ وَيُحْكَمُ بِفَسَادِ الْبَيْعِ؟ فَأَجَابَ ابْنُ الصَّلَاحِ بَعْدَ التَّمَهُّلِ أَيَّامًا وَبَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ أَنَّهُ يُنْقَضُ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا حُكِمَ بِنَاءً عَلَى الْبَيِّنَةِ السَّالِمَةِ عَنْ الْمُعَارَضِ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي هِيَ مِثْلُهَا أَوْ أَرْجَحُ وَقَدْ بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ وَتَبَيَّنَ إسْنَادُ مَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ إلَى حَالَةِ الْحُكْمِ، فَهُوَ كَمَا قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ حَكَمَ لِلْخَارِجِ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ بِبَيِّنَةٍ فَانْتُزِعَتْ الْعَيْنُ مِنْهُ ثُمَّ أَتَى صَاحِبُ الْيَدِ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ لِمِثْلِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ رَجَعَ الشَّاهِدُ بَعْدَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ إسْنَادُ مَانِعٍ إلَى حَالَةِ الْحُكْمِ لِأَنَّ قَوْلَهُ الشَّاهِدُ مُتَعَارِضٌ وَلَيْسَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْمُهَذَّبِ وَجْهٌ حَكَاهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَغَيْرُهُ يَطْرُدُهُ هَاهُنَا مَا رَأْيُكُمْ فِي ذَلِكَ؟ (أَجَابَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ الصَّلَاحِ

стр. 947

- ﵀ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ وَلَيْسَ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَطَعَ بِهَا صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ. وَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً: قَوْلُهُ إنَّمَا حُكِمَ بِنَاءً عَلَى الْبَيِّنَةِ السَّالِمَةِ عَنْ الْمُعَارَضِ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي هِيَ مِثْلُهَا أَوْ أَرْجَحُ يَعْنِي أَنَّهَا لَمْ تُعَارَضْ لَا بِمِثْلِهَا وَلَا بِأَرْجَحَ فَانْتَفَى عَنْهَا كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ. قَوْلُهُ: وَقَدْ بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ أَيْ الْمُعَارَضَةِ بِأَحَدٍ وَهُوَ هَاهُنَا الْمُعَارَضَةُ بِمِثْلِهَا، قَوْلُهُ، وَيَتَبَيَّنُ اسْتِنَادُ مَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ إلَى حَالَةِ الْحُكْمِ. قُلْنَا عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لِمَ قُلْت إنَّمَا يُمْنَعُ الْحُكْمُ حَالَةَ الْحُكْمِ يُوجِبُ نَقْضَهُ وَهَذَا فِيهِ شَكٌّ مِنْ وَجْهَيْنِ: (أَحَدِهِمَا) الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا مُنِعَ مِنْ الِابْتِدَاءِ مُنِعَ الدَّوَامَ. وَالثَّانِي أَنَّ لَنَا مَسَائِلَ تَتَبَيَّنُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِمَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ حَالَةَ الْحُكْمِ وَلَا يُنْقَضُ إمَّا قَطْعًا وَإِمَّا عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ فَمِنْهَا أَنْ نَحْكُمَ عَنْ دَلِيلٍ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ ثُمَّ يَظْهَرَ لَهُ دَلِيلٌ آخَرُ مُسَاوٍ لِلْأَوَّلِ أَوْ أَرْجَحُ مِنْهُ وَهُوَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ أَيْضًا فَلَا يُنْقَضُ بِهِ قَطْعًا. وَلَوْ وُجِدَ حَالَةَ الْحُكْمِ لَمَنَعَ الْحُكْمَ إمَّا لِكَوْنِهِ لَوْ وُجِدَ حَالَةَ الْحُكْمِ لَمَنَعَ الْحُكْمَ فَلِتَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ، وَعِنْدَ التَّعَارُضِ يَجِبُ التَّوَقُّفُ، وَنَحْنُ لَا نُفَرِّعُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ يَتَخَيَّرُ عِنْدَ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يُنْقَضُ بِظُهُورِهِ فَلِأَنَّهُ لَوْ نُقِضَ لَمْ يَسْتَقِرَّ حُكْمٌ. فَإِنْ قُلْت التَّعَارُضُ فِي الْأَدِلَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ وَهُوَ أَمْرٌ مُتَجَدِّدٌ بَعْدَ الْحُكْمِ لَا يَتَحَقَّقُ إسْنَادُهُ إلَى حَالَةِ الْحُكْمِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاحْتِمَالُ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ وَتَرَجَّحَ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ سَاوَاهُ لَوْ وُجِدَ حَالَةَ الْحُكْمِ لَكَانَ مَرْجُوحًا وَالْمَرْجُوحُ لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُعَارَضَةُ بِالْمِثْلِ وَلَا بِالْأَرْجَحِ. قُلْت نَفْرِضُهُ فِيمَا إذَا قَاسَ عَلَى أَصْلٍ مُعْتَقِدٍ انْفِرَادَهُ وَتَذَكَّرَ أَوْ ظَهَرَ لَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ أَصْلٌ آخَرُ يَقْتَضِي الْقِيَاسُ عَلَيْهِ بُطْلَانَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ فَهُوَ قَاطِعٌ بِتَعَارُضِ الْأَصْلَيْنِ حَالَ الْحُكْمِ لِوُجُودِهِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَعَدَمُ النَّظَرِ فِي رُجْحَانِ الْإِلْحَاقِ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مَانِعٌ مِنْ الْحُكْمِ حَالَ الْحُكْمِ، وَظُهُورُهُ بَعْدَهُ لَا يُوجِبُ نَقْضَهُ قَطْعًا، وَقَوْلِي قَطْعًا بِاعْتِبَارِ كَلَامِ أَصْحَابِنَا، وَإِلَّا فَلِغَيْرِ أَصْحَابِنَا مِنْ الْعُلَمَاءِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ، وَمِنْهَا لَوْ حُكِمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا فَاسِقَيْنِ عِنْدَ الْحُكْمِ فَفِي النَّقْضِ خِلَافٌ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ يُنْقَضُ كَمَا لَوْ بَانَ أَنَّهُمَا عَبْدَانِ أَوْ

стр. 948

كَافِرَانِ. وَالثَّانِي لَا يُنْقَضُ لِأَنَّ عَدَالَةَ الْبَيِّنَةِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهَا فَيَكُونُ الْفِسْقُ الَّذِي ثَبَتَ بِهَا مَظْنُونًا وَالْفِسْقُ الْمَظْنُونُ لَا يُنْقَضُ بِهِ. فَهَذَا أَمْرٌ لَوْ قَارَنَ لَمَنَعَ الْحُكْمَ فَإِنْ ظَهَرَ لَا يُوجِبُ النَّقْضَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، قَوْلُهُ: فَهُوَ كَمَا لَوْ قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ حَكَمَ لِلْخَارِجِ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ بِبَيِّنَةٍ فَانْتُزِعَتْ الْعَيْنُ مِنْهُ ثُمَّ أَتَى صَاحِبُ الْيَدِ بِبَيِّنَةٍ فَإِنَّ الْحُكْمَ يُنْقَضُ لِمِثْلِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ. قُلْت: نَقْضُ الْحُكْمِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْبَيِّنَةِ الَّتِي هِيَ أَرْجَحُ فَقَوْلُ الشَّيْخِ لِمِثْلِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ إنْ أَرَادَ مِثْلَهَا فِي عُمُومِ كَوْنِهِ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُ أَنَّ الْعِلَّةَ هُوَ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ لَا خُصُوصُ كَوْنِهِ أَرْجَحَ وَلَنْ يَجِدَ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، وَمَتَى نَظَرَ إلَى الْخُصُوصِ افْتَرَقَتْ الْمَسْأَلَتَانِ فَإِنَّ الَّذِي ظَهَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ الْبَيِّنَةُ الرَّاجِحَةُ غَيْرُ الَّذِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُسْتَفْتَى عَنْهَا، وَهِيَ الْبَيِّنَةُ الْمُمَاثِلَةُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّقْضِ بِالْأَرْجَحِ النَّقْضُ بِالْمِثْلِ وَبَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فِيهَا احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ النَّقْضُ بِهَا لِتَرَجُّحِهَا بِالْيَدِ أَوْ بِالْيَدِ لِتَرَجُّحِهَا بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِمَجْمُوعِهِمَا. وَعَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقَادِيرِ الثَّلَاثَةِ لَا تَكُونُ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَاسَهَا ابْنُ الصَّلَاحِ فَقِيَاسُهَا عَلَيْهَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْعِلَّةِ عَلَى هَذِهِ التَّقَادِيرِ الثَّلَاثَةِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي مُطْلَقِ التَّعَارُضِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ لِلْخَارِجِ وَمُطْلَقِ التَّعَارُضِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قَوْلُهُ: وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ رَجَعَ الشَّاهِدُ بَعْدَ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ اسْتِنَادُ مَانِعٍ إلَى حَالَةِ الْحُكْمِ لِأَنَّ قَوْلَ الشَّاهِدِ مُتَعَارِضٌ، وَلَيْسَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، أَقُولُ الرُّجُوعُ لَهُ صُورَتَانِ: (إحْدَاهُمَا) أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ: رَجَعْتُ عَمَّا شَهِدْت بِهِ وَلَا يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ أَمْرٌ مُتَجَدِّدٌ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَكُنْ حَالَ الْحُكْمِ وَلَا يَتَضَمَّنَ إخْبَارًا عَنْ شَيْءٍ مُعَارِضٍ لِلشَّهَادَةِ الْمَاضِيَةِ إلَّا عَدَمُ الْجَزْمِ فَقَطْ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ الشَّكِّ فِيهَا أَوْ اعْتِقَادِ خِلَافِهَا. (الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ يُخْبِرَ بِخِلَافِ مَا شَهِدَ بِهِ أَوَّلًا وَهَذِهِ الَّتِي يَصِيرُ قَوْلُهُ فِيهَا مُتَعَارِضًا، فَقَوْلُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ عَدَمَ إسْنَادِ مَانِعٍ إلَى حَالَةِ الْحُكْمِ صَحِيحٌ فِي الصُّورَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ لِأَنَّ قَوْلَ الشَّاهِدِ مُتَعَارِضٌ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ. وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ لَا يَكْفِي فِي الِاسْتِدْلَالِ

стр. 949

لِعَدَمِ نَقْضِ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ الْمُتَعَارِضَتَيْنِ كَذَلِكَ لَيْسَتْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ فِي عَدَمِ النَّقْضِ بِالرُّجُوعِ لِأَنَّ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ مُكَذِّبٌ لِقَوْلِهِ الثَّانِي، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ سَوَاءٌ أَكَانَ مَعَهُمَا تَرْجِيحٌ لِأَحَدِهِمَا أَمْ لَمْ يَكُنْ، وَإِذَا تَبَيَّنَ وَجْهُ عَدَمِ النَّقْضِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَوْلَى، وَقَوْلُهُ: وَفِي مَسْأَلَةِ الْمُهَذَّبِ وَجْهٌ حَكَاهُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَغَيْرُهُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَقَالَ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ وَإِنَّهُ أُشْكِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَتَرَدَّدَ جَوَابُهُ فِيهَا لِمَا فِيهَا مِنْ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ وَاسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَمْ بَعْدَهُ. وَفِيهَا وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَمْ يُنْقَضْ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ نُقِضَ لِتَأَكُّدِ الْحُكْمِ بِالتَّسْلِيمِ، وَلَكِنَّ الَّذِي قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ كُلُّهُمْ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ النَّقْضُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا قَدْ يَطُولُ. فَإِنْ قُلْت دَعْهُ يَطُولُ فَاذْكُرْهُ هَاهُنَا لِأَنَّ بِهِ تَتَقَرَّرُ الْمَسْأَلَةُ. قُلْت: نَعَمْ وَهُوَ أَخْصَرُ مِنْ أَفْرَادِهَا لِتَقَدُّمِ بَعْضِ الْكَلَامِ فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّمَا قُلْنَا بِالنَّقْضِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ عِنْدَنَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، وَكَانَتْ وَاجِبَةَ التَّقْدِيمِ كَمَا يُقَدَّمُ النَّصُّ عَلَى الِاجْتِهَادِ فَالْحُكْمُ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ مَعَ وُجُودِهَا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْحَاكِمُ كَالْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ الْمُخَالِفِ لَهُ يَنْقُضُهُ فَكَذَلِكَ إذَا ظَهَرَتْ لَهُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ يَنْقُضُهُ، وَالْقَائِلُ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ مَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَبَعْدَهُ لَعَلَّ مَأْخَذَهُ أَنْ لَا نَحْكُمَ بِالشَّكِّ وَكَذَا لَا نُسَلِّمَ بِالشَّكِّ وَلَا نَنْقُضَ بِالشَّكِّ. وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بِبَيِّنَةِ الْخَارِجِ لِعَدَمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ فَإِنَّهُ احْتَمَلَ أَنَّهُ حَكَمَ بِهَا ذَهَابًا إلَى تَرْجِيحِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ وَأَشْكَلَ الْحَالُ فَفِي جَوَازِ النَّقْضِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ بَلْ يُقَرُّ فِي يَدِ الْمَحْكُومِ لَهُ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَنْقُولٌ فِي فَرْعٍ حَكَاهُ الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ ابْنِ شُرَيْحٍ. وَنُرِيدُ أَنْ نُنَبِّهَ هُنَا عَلَى فَائِدَةٍ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يُنْقَضُ لِتَبَيُّنِ خَطَئِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَاكِمَ مَنْصُوبٌ لَأَنْ يَحْكُمَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ مَنُوطَةٌ بِأَسْبَابٍ تَتَعَلَّقُ بِوُجُودِهَا وَوُجُودُهَا يَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ فَالْخَطَأُ لَا يَعْدُو هَذِهِ الْمَوَاطِنَ الثَّلَاثَةَ: (أَحَدَهَا) أَنْ يَكُونَ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِأَنْ يَكُونَ

стр. 950

حَكَمَ بِخِلَافِ النَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ أَوْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ فَيُنْقَضُ إذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ الْخَلَلِ فِي الْحُكْمِ وَلَيْسَ مَعْنَى النَّقْضِ الْحِلَّ بَعْدَ الْعَقْدِ بَلْ الْحُكْمُ يَبْطُلُ بِبُطْلَانِ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ وَبَيَانِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ صَحِيحًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَالْحَاكِمُ نَائِبُ الشَّرْعِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْحُكْمُ بِغَيْرِ حُكْمِهِ، وَلَفْظَةُ نَقْضِ الْحُكْمِ مُمْكِنَةٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إبْطَالُ ذَاتِ الْحُكْمِ الَّذِي وَقَعَ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ إذَا حَكَمَ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ، وَإِنْ صَادَفَ الْحَقَّ، وَالْخَلَلُ هُنَا فِي الْحَاكِمِ لَا فِي الْحُكْمِ لَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ وَلَفْظَةُ النَّقْضِ هُنَا أَيْضًا مُمْكِنَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إبْطَالُ فِعْلِ الْحَاكِمِ وَيَبْقَى الْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يَصْدُرَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مِنْ أَهْلِهِ كَمَا يَبْطُلُ تَصَرُّفُ مَنْ لَيْسَ بِوَكِيلٍ. (الْمَوْطِنُ الثَّانِي) أَنْ يَحْصُلَ الْحُكْمُ عَلَى سَبَبٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ وَيَظُنُّ الْقَاضِي وُجُودَهُ بِبَيِّنَةِ زُورٍ وَنَحْوِهَا فَإِذَا انْكَشَفَ ذَلِكَ يُنْقَضُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي بَعْضِهَا بِخِلَافٍ فِيهِ. وَالْخِلَافُ هُنَا فِي السَّبَبِ وَوَضْعِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَالنَّقْضُ هُنَا مَعْنَاهُ إبْطَالُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ الْمَحَلِّ وَلَفْظَةُ النَّقْضِ فِيهِ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ لِأَنَّا نَنْقُضُ الْحُكْمَ فِي ذَاتِهِ لِخَطَئِهِ، وَإِنَّمَا نَقَضْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَأَخْرَجْنَا الْمَحَلَّ عَنْهُ فَالْخَطَأُ فِي السَّبَبِ لَا فِي الْحُكْمِ وَالْمُخْطِئُ هُوَ الشَّاهِدُ لَا الْحَاكِمُ؛ نَعَمْ الْحَاكِمُ بِفَرْعٍ مِنْ الْخَطَأِ وَهُوَ ظَنُّهُ وُجُودَ السَّبَبِ الْحَاصِلِ بِالْبَيِّنَةِ. (الْمَوْطِنُ الثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ الْخَلَلُ فِي الطَّرِيقِ كَمَا إذَا حَكَمَ بِشَهَادَةِ كَافِرَيْنِ فَإِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ يُنْقَضُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ صَحِيحًا أَمْ لَا لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنْ الْحُكْمِ مَا كَانَ بِطَرِيقِهِ الشَّرْعِيِّ فَإِذَا كَانَ بِغَيْرِ طَرِيقِهِ الشَّرْعِيِّ فَقَدْ حَصَلَ الْخَطَأُ فِي الطَّرِيقِ فَنَنْقُضُهُ لِوُقُوعِهِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ. وَالْخَطَأُ هُنَا مِنْ الْقَاضِي فِي اعْتِقَادِهِ عَدَالَةَ الشُّهُودِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُرَتَّبًا عَلَى بَيِّنَةِ التَّزْكِيَةِ وَقَدْ يَكُونُ عَلَى ظَنِّهِ إذَا عَدَلَهُمْ بِعِلْمِهِ، وَلَفْظَةُ النَّقْضِ هُنَا كَهِيَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَ الْفُقَهَاءُ أَطْلَقُوا النَّقْضَ عَلَى الْجَمِيعِ وَهُوَ صَحِيحٌ. وَلَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ اعْتَقَدَ عَدَالَتَهُمَا نُقِضَ فِي الْأَصَحِّ كَالْكَافِرَيْنِ. وَقِيلَ لَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَبَيَّنُ بِطَرِيقٍ ظَنِّيٍّ فَيَصِيرُ كَنَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا فِي النَّقْضِ بِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ، وَلَوْ بَانَ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ مُعَارِضٌ لِدَلِيلِ حُكْمِهِ فَلَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ قَطْعًا لِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ

стр. 951

الرَّاجِحُ مَرْجُوحًا وَالْمَرْجُوحُ رَاجِحًا. وَلَوْ بَانَ تَعَارُضُ بَيِّنَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ هُوَ كَتَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ تَعَارُضُهُمَا مُسْتَقِرٌّ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى التَّرْجِيحَ فِي الْبَيِّنَاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَيَقْطَعُ بِاسْتِوَاءِ الْمَانِعِ مِنْ ابْتِدَاءِ الْحُكْمِ، وَقَدْ تَلَخَّصَ أَنَّهُ مَتَى بَانَ الْخَطَأُ قَطْعًا نُقِضَ قَطْعًا وَمَتَى بَانَ الْخَطَأُ ظَنًّا فَفِي بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ مَعَ الْخَارِجِ يُنْقَضُ فِي الْأَصَحِّ وَفِي الدَّلِيلَيْنِ لَا يُنْقَضُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الظَّنَّ فِي الْيَدِ مَقْطُوعٌ بِهِ فَهُوَ اعْتِقَادُ رُجْحَانٍ. وَفِي الدَّلِيلَيْنِ رُجْحَانُ اعْتِقَادٍ وَلَيْسَ مَقْطُوعًا بِهِ وَلَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ الْخَطَأُ بَلْ التَّعَارُضُ الْمُجَرَّدُ عَنْ الْقَطْعِ وَالظَّنِّ كَقِيَامِ بَيِّنَةٍ بَعْدَ الْحُكْمِ بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي تَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْحُكْمُ فَقَدْ ذَكَرْنَا احْتِمَالَيْنِ وَلَمْ نَجِدْ فِيهِمَا نَقْلًا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ وَيَتَرَجَّحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ لِعَدَمِ تَبَيُّنِ الْخَطَأِ وَكَيْفُ يُنْقَضُ حُكْمٌ مُحْتَمِلٌ لِلصَّوَابِ وَحِينَ صَدَرَ كَانَ عَنْ مُسْتَنَدٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ ابْنِ شُرَيْحٍ فِيمَا لَوْ ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى عَمْرٍو عَبْدًا وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَانْتَزَعَهُ فَجَاءَ خَالِدٌ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِمِلْكِهِ فَإِنْ قُلْنَا بَيِّنَةُ الْمِلْكِ الْقَدِيمِ مُقَدَّمَةٌ تَعَارَضَتَا لِاسْتِصْحَابِ الْمِلْكِ الْمَاضِي. وَإِنْ قُلْنَا لَا تُقَدَّمُ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا تَتَعَارَضَانِ، وَالثَّانِي لَا تَتَعَارَضَانِ حَتَّى تُعِيدَ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى الشَّهَادَةَ لِأَنَّ شَرْطَ التَّعَارُضِ أَنْ يَكُونَ حِينَ التَّنَازُعِ، وَلَمْ يُبَيِّنُوا مَا الْحُكْمُ إذَا قُلْنَا بِالتَّعَارُضِ أَوْ بِعَدَمِهِ. وَاَلَّذِي فَهِمْتُهُ أَنَا إنْ لَمْ نَقُلْ بِالتَّعَارُضِ نَقْضِي لِلثَّانِي إلَّا أَنْ تُعِيدَ الْبَيِّنَةُ الشَّهَادَةَ فَيَحْصُلُ التَّعَارُضُ إمَّا بِالْإِعَادَةِ إنْ شَرَطْنَاهَا وَإِمَّا بِدُونِهَا. فَإِنْ قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ أَوْ الْقُرْعَةِ فَالتَّفْرِيعُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّسَاقُطِ فَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنْ يَبْقَى فِي يَدِ الْمَحْكُومِ لَهُ وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ يُرَدُّ إلَى ذِي الْيَدِ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ بِالشَّكِّ، هَذَا إذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ أَطْلَقَتْ الْمِلْكَ أَمَّا إذَا أَسْنَدَتْهُ إلَى مَا قَبْلَ الْحُكْمِ وَأَعَادَتْ الْأُولَى الشَّهَادَةَ كَذَلِكَ أَوْ قُلْنَا لَا يُشْتَرَطُ إعَادَتُهَا فَالتَّعَارُضُ حَاصِلٌ. وَالْوَجْهُ أَنْ يَبْقَى الْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحُكْمِ لِأَنَّ هَذِهِ الْيَدَ قَدْ عَرَفَتْ سَبَبَهَا فَلَا تَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ وَالْبَيِّنَتَانِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ مُتَقَاوِمَتَانِ وَهُمَا شَاهِدَتَانِ الْآنَ بِالْمِلْكِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَيَتَعَيَّنُ رَفْعُ الْيَدِ وَتَبْقِيَةُ الْأَمْرِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُنَا مِثْلُ هَذَا فِي تَعَارُضِهِمَا فِي الْقِيمَةِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْقِيمَةِ لَيْسَتْ شَهَادَةً بِالْحَقِّ. وَغَايَتُهَا أَنَّ بِالتَّعَارُضِ تُجْهَلُ

стр. 952

الْقِيمَةُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ أَوْ الْحُكْمِ بِهِ فَإِنَّ الْبَيْعَ لَوْ وَقَعَ وَلَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِالْقِيمَةِ أَصْلًا لَا نَحْكُمُ بِبُطْلَانِهِ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ بِدُونِ الْقِيمَةِ. فَإِنْ قُلْت وَلَا نَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ. قُلْنَا نَعَمْ وَلَكِنْ هُنَا قَدْ حَكَمْنَا بِصِحَّتِهِ فَلَا يُغَيَّرُ مَا حَكَمْنَا بِهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا بِفَسَادِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اسْتِصْحَابِ مَا ثَبَتَ فِي الْمَاضِي مُعْتَمَدٌ يَشْهَدُ لَهُ هَذَا الْفَرْعُ وَفَرْعٌ آخَرُ إذَا ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ غَيْرِهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، فَقَالَ الْقَاضِي قَدْ عَرَفْتهَا مِلْكَ فُلَانٍ وَوَرِثَهَا فُلَانٌ فَأَقِمْ بَيِّنَةً عَلَى تَمَلُّكِهِ مِنْهُ لَهُ ذَلِكَ وَتَنْدَفِعُ بَيِّنَتُهُ. وَفَرْعٌ ثَالِثٌ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِعَيْنٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ يَمْلِكُهَا وَلَمْ يَقُولُوا إنَّهَا الْآنَ مِلْكُهُ قُبِلَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ وَاكْتُفِيَ بِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَحَكَى الْقَفَّالُ فِيهَا قَوْلَيْنِ: (أَحَدَهُمَا) أَنَّهَا كَالشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ أَمْسِ، وَعَكْسُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إذَا ثَبَتَ شَيْءٌ الْآنَ لَا يَلْزَمُ اسْتِصْحَابُهُ فِي الْمَاضِي إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا اشْتَرَى عَيْنًا وَأُخِذَتْ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْهُ أَوْ مِنْ الْمُتَّهَبِ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ إنَّمَا يَثْبُتُ قَبِيلُهَا وَلَا يَتَعَدَّى إلَى النِّتَاجِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ وَعَجَبٌ أَنْ يَنْزِلَ النِّتَاجُ فِي يَدِهِ ثُمَّ هُوَ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إنَّهُ أَكْثَرَ الْبَحْثَ وَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْجَوَابِ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْكَى إلَّا فَقِيهًا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ إنَّ الْبَائِعَ بِالْبَيْعِ كَأَنَّهُ ضَمِنَ سَلَامَةَ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ وَأُخِذَ مِنْهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِحُكْمِ الضَّمَانِ الَّذِي يُضَمِّنُهُ الْبَيْعَ، وَقِيلَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ حَتَّى تُصَرِّحَ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ مَلَكَهُ مِلْكًا سَنَدًا إلَى مَا قَبْلَ الْبَيْعِ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمُخْتَارُ، وَقِيلَ: إنَّ الْمِلْكَ يَتَعَدَّى إلَى النِّتَاجِ، وَقَدْ يُقَالُ لَوْ صَحَّ اسْتِصْحَابُ الْمَاضِي إلَى الْحَالِ لَقُبِلَتْ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ أَمْسِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ أَمْسِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا) أَنْ يَضُمَّ الشَّاهِدُ إلَيْهَا أَنَّهُ مِلْكُهُ الْآنَ فَهِيَ مَقْبُولَةٌ مَحْكُومٌ بِهَا. (الثَّانِي) أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهَا فَلَا تُقْبَلُ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهَا لَمْ تَشْهَدْ بِحَقٍّ لَهُ الْآنَ. وَنَحْنُ إنَّمَا قُلْنَا نَسْتَصْحِبُ مَا ثَبَتَ فِي وَقْتِهِ، وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ. (الثَّالِثُ) أَنْ يَقُولَ مَعَهَا لَا نَعْلَمُ لَهُ مُزِيلًا فَهَذِهِ لَا تُرَدُّ وَلَا نَحْكُمُ بِهَا وَحْدَهَا بَلْ يُضَافُ إلَيْهَا يَمِينُ الْمُدَّعِي وَنَحْكُمُ لَهُ لِأَنَّهَا بِذَلِكَ قَوَّتْ جَانِبَهُ عَلَى جَانِبِ ذِي الْيَدِ فَانْتَقَلَتْ الْيَمِينُ إلَيْهِ

стр. 953

وَلَمْ نَجْزِمْ بِالشَّهَادَةِ الْآنَ فَلَمْ نَحْكُمْ بِهَا. وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا قُلْنَاهُ إنَّهُ إذَا ثَبَتَتْ الْقِيمَةُ وَحَكَمَ الْقَاضِي بِحُكْمٍ مُسْتَنِدًا إلَيْهَا ثُمَّ ظَهَرَتْ بَيِّنَةٌ مُعَارِضَةٌ لَهَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَثَرٌ وَلَا تُسْمَعُ، وَلَا يُقَالُ هُنَا إنَّ يَدَ الْيَتِيمِ مُرَجِّحَةٌ لِلْبَيِّنَةِ لِأَنَّ الْيَدَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ السَّابِقِ، وَلَا مُنَازَعَةَ فِيهِ وَلَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى الْقِيمَةِ الَّتِي وَقَعَ التَّعَارُضُ فِيهَا. فَإِنْ قُلْت لَوْ وَقَعَ هَذَا التَّعَارُضُ قَبْلَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الْبَيْعِ. قُلْت: يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ، وَالْحُكْمُ لِلشَّكِّ فِي الْقِيمَةِ وَقْتَهُ لِلتَّعَارُضِ فِيهِ. وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ سَرَقَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ وَآخَرَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ عِشْرُونَ لَزِمَهُ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ، وَهَذَا مُسْتَنَدُهُ إيجَابُ الْمُحَقِّقِ وَتَرْكُ الزَّائِدِ الَّذِي وَقَعَ التَّعَارُضُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَهَلْ يَتَعَارَضَانِ أَوْ يَحْلِفُ مَعَ الزَّائِدِ؟ وَجْهَانِ اخْتَارَ الرُّويَانِيُّ الثَّانِيَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ بَيِّنَةٌ كَامِلَةٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْلِفْ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ الزَّائِدَيْنِ وَقَدْ يَقْتَضِي الْحُكْمُ بِتَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي الْقِيمَةِ وَلَا نَقُولُ ثَبَتَ أَنَّ الْقِيمَةَ الْأَقَلَّ. وَلَوْ قُلْنَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَقَلَّ هُوَ الْقِيمَةُ لَزِمَ جَوَازُ الْبَيْعِ بِهَا، وَالْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهَا وَلَكِنْ لَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنْ قُلْت لَوْ اعْتَقَدَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ أَنَّ الْحَقَّ مَعَ الَّذِي شَهِدَتْ بِالْأَقَلِّ هَلْ لَهُ اعْتِمَادُهُ. قُلْت: نَعَمْ إذَا لَمْ يَجِدْ رَاغِبًا بِأَزْيَدَ لِأَنَّ الْإِثْبَاتَ إنَّمَا نَجْعَلُهُ احْتِيَاطًا لِئَلَّا يَدَّعِيَ عَلَيْهِ الطِّفْلَ بَعْدَ الْبُلُوغِ. فَإِنْ قُلْت فَالْقَاضِي إذَا عَلِمَ ذَلِكَ هَلْ لَهُ اعْتِمَادُهُ فِي الْحُكْمِ بِهِ. قُلْت: لَا لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعِلْمٍ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ تَخْمِينِيٌّ فَلَا يَخْرُجُ عَلَى الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ. فَإِنْ قُلْت فَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ دُونَ الْقِيمَةِ وَلَمْ نَجِدْ رَاغِبًا بِأَكْثَرَ، وَدَعَتْ حَاجَةُ الْيَتِيمِ إلَى الْبَيْعِ لِلْأَكْلِ مَثَلًا، وَلَمْ نَجِدْ مَنْ يُقْرَضُ مِنْهُ عَلَيْهِ. قُلْت لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ إذَا فَرَضَ ذَلِكَ، وَخَفَّتْ الْحَاجَةُ الْجَوَازُ وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْمَدْيُونِ إذَا طَالَبَ الْغَرِيمَ وَلَمْ يَجِدْ طَرِيقًا غَيْرَهُ، وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ عَبْدٌ لِكَافِرِ أَنَّهُ لَا يُرْهَقُ إلَى بَيْعِهِ بِدُونِ الْقِيمَةِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءَ بِالْحَيْلُولَةِ وَعِظَمِ الضَّرَرِ فِي الْبَيْعِ بِدُونِ الْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. فَإِنْ قُلْت كَيْفَ تَثْبُتُ الْقِيمَةُ قَبْلَ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى وَكَيْفَ يَدَّعِي بِهَا، وَلَا إلْزَامَ؟ قُلْت لِلدَّعْوَى بِهَا طَرِيقٌ وَهِيَ إنْ كَانَ غَصَبَهَا غَاصِبٌ فَيَدَّعِي بِقِيمَتِهَا لِلْحَيْلُولَةِ وَإِلَّا فَيَنْذُرُ شَخْصٌ التَّصَدُّقَ

стр. 954

عَلَى فَقِيرٍ مُعَيَّنٍ بِعُشْرِ قِيمَتِهَا مَثَلًا أَوْ عُشْرِ عُشْرِهَا ثُمَّ يَدَّعِي ذَلِكَ الْفَقِيرُ عَلَى النَّاذِرِ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا نَحْكُمُ أَنَّهُ عُشْرُ الْقِيمَةِ، وَأَنَّهُ الَّذِي لَزِمَهُ بِالنَّذْرِ وَيُنْكِرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقِيمَةَ فَتُقَامُ الْبَيِّنَةُ حِينَئِذٍ فَالدَّعْوَى مُلْزِمَةٌ، وَالْبَيِّنَةُ مَسْمُوعَةٌ، وَلَا يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ هَلْ لِلْحَاكِمِ الْمُطَالَبَةُ بِالنَّذْرِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ وَهُنَا الْمُسْتَحِقُّ مُعَيَّنٌ وَهُوَ الْمُطَالَبُ فَيَسْمَعُ الْقَاضِي دَعْوَاهُ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي ﵁ فِي آخِرِهِ كَتَبَ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ. قَالَ وَلَدُهُ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو نَصْرٍ - فَسَّحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ -: وَلَقَدْ بَالَغَ ابْنُ الصَّلَاحِ فَأَفْتَى فِيمَنْ أَجَّرَ شَيْئًا بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ بَعْدَ مَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْأُجْرَةَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ثُمَّ تَغَيَّرَتْ الْأَحْوَالُ وَطَرَأَتْ أَسْبَابٌ تُوجِبُ زِيَادَةَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ بِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْعَقْدِ وَأَنَّ الشَّاهِدَ لَمْ يُصِبْ فِي شَهَادَتِهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ تَقْوِيمَ الْمَنَافِعِ فِي مُدَّةٍ مُمْتَدَّةٍ إنَّمَا تَصِحُّ إذَا اسْتَمَرَّتْ الْحَالُ الْمَوْجُودَةُ حَالَةَ التَّقْوِيمِ، أَمَّا إذَا لَمْ تَسْتَمِرَّ وَطَرَأَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ أَحْوَالٌ تَخْتَلِفُ بِهَا قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُقَوِّمَ لَهَا يُطَابِقُ تَقْوِيمُهُ الْمُقَوَّمَ قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا كَتَقْوِيمِ السِّلَعِ الْحَاضِرَةِ بِمَالٍ. وَإِذَا ضَمَمْنَا مَا ذَكَرْنَاهُ إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْأُجْرَةِ تَفْسَخُ الْعَقْدَ كَانَ قَاطِعًا بِاسْتِبْعَادِ مَنْ لَمْ يَنْشَرِحْ صَدْرُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ نَفَائِسِ النُّكَتِ. قُلْت: وَهُوَ جَوَابٌ ضَعِيفٌ فَإِنَّ الشَّاهِدَ إنَّمَا يَقُومُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْقِيمَةِ لَا يُوجِبُ الْفَسْخَ وَلَا يَنْقُضُ الشَّهَادَةَ، وَلَوْ تَمَّ مَا قَالَهُ لَمْ يَتَهَيَّأْ لِشَاهِدٍ أَنْ يَشْهَدَ بِقِيمَةِ عَيْنٍ أَنْ تُؤَجَّرَ أَصْلًا. وَقَدْ أَفْتَى النَّوَوِيُّ بِخِلَافِ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَكَلَامُهُ فِي الْمِنْهَاجِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَإِذَا أَجَّرَ النَّاظِرُ فَزَادَتْ الْأُجْرَةُ فِي الْمُدَّةِ أَوْ ظَهَرَ طَالِبٌ بِالزِّيَادَةِ لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ فِي الْأَصَحِّ. وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِهَا ابْنُ الصَّلَاحِ لَيْسَتْ مَسْأَلَتُهُ وَلَا حُكْمُهَا حُكْمَهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، أَمَّا الثَّانِي فَوَاضِحٌ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْأُجْرَةِ لَا تَفْسَخُ الْعَقْدَ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَسْأَلَتُهُ فَإِنَّ ظُهُورَ الطَّالِبِ بِالزِّيَادَةِ لَا يُوجِبُ تَبَيُّنَ خَطَأِ الشَّاهِدِ بِالْقِيمَةِ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يَسْنُدُ شَهَادَتَهُ إلَى حَالَةِ الشَّهَادَةِ وَمَا بَعْدَهَا

стр. 955

تَبَعٌ لَهَا مَسُوقٌ عَلَيْهِ حُكْمُ الْأَصْلِ، وَقَدْ يَظْهَرُ طَالِبٌ بِالزِّيَادَةِ مَعَ كَوْنِ الْأُجْرَةِ لَمْ تَتَغَيَّرْ. إذَا عَرَفْت هَذَا فَالتَّحْقِيقُ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ إنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ الْقِيمَةُ وَلَكِنْ ظَهَرَ طَالِبٌ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْقِيمَةِ لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ وَالْقَوْلُ بِانْفِسَاخِهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ لَعَلَّ مَأْخَذَهُ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْقِيمَةَ مَا تَنْتَهِي إلَيْهِ الرَّغَبَاتُ، وَهُوَ شَيْءٌ حَكَاهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ وَجْهًا أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ تَغَيَّرَتْ فَالْإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ إلَى وَقْتِ التَّغْيِيرِ وَكَذَا بَعْدَ التَّغْيِيرِ فِيمَا يَظْهَرُ وَلَا يَظْهَرُ خِلَافُهُ، وَيُحْتَمَلُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يُقَالَ طَرَآنُ ارْتِفَاعِ الْقِيمَةِ كَأَمْرٍ حَادِثٍ فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ فَيُوجِبُ الْفَسْخَ أَوْ الِانْفِسَاخَ ثُمَّ فِي انْعِطَافِهِ عَلَى مَا مَضَى مَا فِي الْفَسْخِ بِعُرُوضِ خَلَلٍ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبَاحِثُ نَفِيسَةٌ تَرَكْت ذِكْرَهَا خَشْيَةَ الْخُرُوجِ عَنْ جَمْعِ فَتَاوَى الشَّيْخِ الْإِمَامِ إلَى مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ غَرَضُنَا إلَّا التَّنْبِيهُ عَلَى إفْرَاطِ ابْنِ الصَّلَاحِ فِيمَا أَفْتَى بِهِ ﵀ انْتَهَى. (فَائِدَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ أَمْ لَا وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَثْبُتَ الْحَقُّ أَوْ السَّبَبُ فَإِنْ أَثْبَتَ السَّبَبَ، كَقَوْلِهِ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ زَيْدًا وَقَفَ هَذَا، فَلَيْسَ بِحُكْمٍ لِأَنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى نَظَرٍ آخَرَ هَلْ ذَلِكَ الْوَقْفُ صَحِيحٌ أَوْ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَإِنْ أَثْبَتَ الْحَقَّ كَقَوْلِهِ: ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ هَذَا وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْحُكْمِ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَتْ صُورَةُ الْحُكْمِ وَهُوَ الْإِلْزَامُ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ، وَيُبَيِّنُ لَك هَذَا أَنَّ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لَوْ طَلَبَ الْمُدَّعِي مِنْ الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ لَمْ يَلْزَمْهُ حَتَّى يُتِمَّ نَظَرَهُ، وَفِي الثَّانِي يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ يَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ قَطْعًا، وَرُجُوعُ الشَّاهِدِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَ الثُّبُوتِ لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا، وَاَلَّذِي أَخْتَارُهُ أَنَّهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي كَالرُّجُوعِ بَعْدَ الْحُكْمِ فَلَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ. وَفِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَمْنَعُ وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَنَقْلُ الثُّبُوتِ فِي الْبَلَدِ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي فِي الْقِسْمِ الثَّانِي الْقَطْعُ بِجَوَازِ النَّقْلِ وَتَخْصِيصِ مَحَلِّ الْخِلَافِ بِالْأَوَّلِ وَالْأَوْلَى فِيهِ أَيْضًا الْجَوَازُ وِفَاقًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهُ حَكَمَ بِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.

стр. 956

[مَسْأَلَةٌ الْكِتَابَة عَلَى الْمَكَاتِيبِ الَّتِي يَظْهَرُ بُطْلَانُهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا] مَسْأَلَةٌ) فِي الْكِتَابَةِ عَلَى الْمَكَاتِيبِ الَّتِي يَظْهَرُ بُطْلَانُهَا بِأَنَّهَا بَاطِلَةٌ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا وَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ يَفْعَلُهُ ﵀ فَعُوتِبَ مَرَّةً فِي وَاقِعَةِ كِتَابٍ مُتَعَلِّقٍ بِصِيغَةٍ مِنْ قُرَى بَعْلَبَكَّ وَهِيَ حُرَيْثًا قَالَ ﵀ إنْ قِيلَ مَا سَنَدُكُمْ فِي الْكِتَابَةِ عَلَى كِتَابِ بَعْلَبَكَّ؟ . (فَالْجَوَابُ) أَنَّ مُسْتَنَدَنَا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَالْقِيَاسُ: أَمَّا كِتَابُ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: ٨] فَإِبْطَالُ الْبَاطِلِ مِنْ سُنَّةِ اللَّهِ فَكِتَابَتِي عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ لِذَلِكَ. وَقَالَ ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» وَكِتَابَتِي عَلَيْهِ تَغْيِيرٌ بِيَدِي. وَفِي الصَّحِيحِ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَقُولَ أَوْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» فَكِتَابَتِي عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَامِ بِالْحَقِّ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] فَكِتَابَتِي عَلَيْهِ مِنْ الْبَيَانِ لِلنَّاسِ. وَقَالَ ﷺ «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» وَالْكِتَابُ الزُّورُ: عِرْقٌ ظَالِمٌ فَتَجِبُ إزَالَتُهُ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا رَأَيْتَ أُمَّتِي تَهَابُ الظَّالِمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ أَنْتَ ظَالِمٌ فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ» . وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا. فَهَذَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مَعَ عُثْمَانَ ﵃ عَلَى تَحْرِيقِ الْمَصَاحِفِ الْبَاطِلَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ عَلَى الْمُصْحَفِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، فَإِذَا جَازَ تَحْرِيقُ الْكِتَابِ لِبَاطِلٍ فِيهِ فَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ أَوْلَى، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَعَلَى خَصْمِ الْكُتُبِ فِي الِابْتِيَاعَاتِ وَالْأَوْقَافِ وَغَيْرِهَا حَتَّى لَا يَغْتَرَّ النَّاسُ بِهَا إذَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهَا فَكَانَ الْوَاجِبُ فِي هَذَا الْكِتَابِ بَيَانَ مَا فِيهِ وَهُوَ بِهِ عِنْدِي فِي هَذَا الْوَقْتِ أَوْلَى مِنْ إعْدَامِهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ إعْدَامِهِ قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ كَانَ مَا فِيهِ حَقًّا، وَأَمَّا عِنْدَ وُجُودِهِ فَالْفَاضِلُ يَتَأَمَّلُهُ فَيَفْهَمُ بُطْلَانَهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى لِمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ لِأَمْرَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَقَدْ تَحْصُلُ مِنْهُ إزَالَةُ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ وَيَلْتَبِسُ وَيُوَصِّلُ إلَى الْبَاطِلِ وَلَكِنْ يُحْفَظُ فِي سَلَّةِ الْحُكْمِ فَيَرَاهُ كُلُّ قَاضٍ يَأْتِي فَيَعْتَمِدُ الْحَقَّ وَيَجْتَنِبُ الْبَاطِلَ. (وَالثَّانِي) أَنَّ مَا يَمْلِكُهَا مَنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ فَإِذَا بِيعَتْ الدَّارُ فَكَتَبَهَا يَنْتَقِلُ مِلْكُهَا

стр. 957

بِانْتِقَالِ الدَّارِ إلَى الْمُشْتَرِي لِيَشْهَدَ لَهُ بِمِلْكِهَا، وَهَذَا الْكِتَابُ لَا حَقَّ فِيهِ لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ لِتَزْوِيرِهِ وَبُطْلَانِهِ فَلَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ بَلْ وَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَغْسِلَ وَيَمْحِيَ مَا فِيهِ وَيَدْفَعَ لَهُ الرِّقَّ مَغْسُولًا فَلَا يُمْنَعُ ذَلِكَ وَتَوَهُّمُ مَنْ نَظَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مُنْدَفِعٌ بِعِلْمِهِ بِفِعْلِ وُلَاةِ الْأُمُورِ، لِذَلِكَ هُمْ مُنْتَصِبُونَ لِتَحْقِيقِ الْحَقِّ وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ. وَقَدْ «أَزَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَصْنَامَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الْكَعْبَةِ بِيَدِهِ» وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ إتْلَافِ مَا يُوجَدُ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَإِنْ كَانَ لِوَرَقِهَا مَالِيَّةٌ وَقَدْ كَانَتْ مِلْكَ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ أَشْخَاصٍ أَوْ الْمُسْلِمِينَ فَإِذْهَابُ مَالِيَّتِهَا عَلَيْهِمْ إنَّمَا هُوَ لِانْطِوَائِهَا عَلَى الْبَاطِلِ، فَهَذَا مِثْلُهُ لَوْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ فَكَيْفَ وَلَا قِيمَةَ لَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُنْتَفَعُ بِهِ لِشَهَادَتِهِ بِمَا فِيهِ وَمَا فِيهِ بَاطِلٌ فَلَا مَنْفَعَةَ لَهُ وَمَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ الْكِتَابُ قَدْ دَفَعَهُ إلَيْنَا وَهُوَ مَعَ غَرِيمِهِ مُتَدَاعِيَانِ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ. وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ فَوَجَبَ عَلَيْنَا بِحُكْمِ الشَّرْعِ أَنْ نُبْطِلَهُ وَنَرْفَعَ يَدَهُ عَنْهُ وَيَصِيرَ فِي يَدِ الشَّرْعِ لِيَسْتَمِرَّ عَمَلُ الْحَقِّ فِيهِ وَفِي مُقَابِلِهِ. وَمَا بَرِحَ النَّاسُ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ وَالشُّهُودِ وَالْكُتَّابِ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَغَيْرِهَا يَكْتُبُونَ عَلَى الْمَكَاتِيبِ مَا تَجِبُ كِتَابَتُهُ مِنْ انْتِقَالٍ أَوْ خَصْمٍ أَوْ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ هَذَا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا مِلْكُ الْغَيْرِ فَلَا يَجُوزُ إمْسَاكُهُ جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ وَعَدَمُ عِلْمٍ بِالشَّرْعِ بَلْ وَبِأَحْوَالِ النَّاسِ فَمَا زَالَتْ الْخُلَفَاءُ وَالْمُلُوكُ مَعَ الْقُضَاةِ وَجَمِيعِ وُلَاةِ الْأُمُورِ إذَا رَأَوْا تَوْقِيعًا بَاطِلًا أَمْسَكُوهُ وَمَنَعُوهُ عَنْ صَاحِبِهِ. وَقَالَ ﷺ «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ» وَإِمْسَاكُ كِتَابِ الظَّالِمِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَخْذِ عَلَى يَدِهِ. وَقَالَ ﷺ «اُنْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ تَمْنَعُهُ مِنْ الظُّلْمِ فَذَلِكَ نَصْرُكَ إيَّاهُ» وَأَخْذُ كِتَابِ الظَّالِمِ مَنْعٌ لَهُ مِنْ ظُلْمِهِ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الظُّلْمِ قَدْ يَكُونُ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ فَيَعُودُ إلَيْهِ وَأَخْذُ كِتَابِ الظَّالِمِ مَنْعٌ مُسْتَمِرٌّ فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى يَجِدُ طَرِيقًا إلَى الظُّلْمِ بِهِ فَكَانَ وَاجِبًا وَهَذَا لَا يَتَرَدَّدُ فَقِيهٌ فِيهِ وَلَا يَرْتَابُ فِيهِ ذُو مُسْكَةٍ وَلَا يُنْكِرُهُ إلَّا

стр. 958

مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَفَاسِدُ عِرْضٍ. وَإِذَا كُنَّا نَرْسُمُ عَلَى الْمُبْطِلِ وَنَحْبِسُهُ وَنُعَاقِبُهُ حَتَّى نُخَلِّصَ الْحَقَّ مِنْهُ وَنَرُدَّهُ عَنْ ظُلْمِهِ وَبَاطِلِهِ بِكُلِّ مَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ فَكَيْفَ بِكِتَابَةٍ عَلَى أَوْرَاقٍ فِيهَا اتِّبَاعُ أَمْرِ اللَّهِ وَالِانْقِيَادُ لِحُكْمِ اللَّهِ وَالشَّهَادَةِ لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] انْتَهَى. قَالَ سَيِّدُنَا وَلَدُهُ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو نَصْرٍ سَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ قَوْلُ الصَّيْمَرِيِّ فِيمَا إذَا رَأَى عَلَى فُتْيَا جَوَابَ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْفُتْيَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِ بِإِذْنِ صَاحِبِ الرُّقْعَةِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ، وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ بِالْحَجْرِ الْغَرِيبِ، وَهُوَ الْحَجْرُ عَلَى الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ وَسَائِرِ أَمْوَالِهِ عَلَى الصَّحِيحِ فَإِنَّا نَحْجُرُ عَلَيْهِ فِي مَالٍ لَا تَعَلُّقَ لِأَحَدٍ بِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْحَقِّ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي خَصْمُ الْمَكْتُوبِ الْبَاطِلِ إذَا لَمْ يَرْضَ صَاحِبُهُ أَنْ يَنْقَادَ إلَى الْحَقِّ وَكَذَلِكَ حَبْسُ الْقَاتِلِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الصَّبِيُّ أَوْ يَعْقِلَ الْمَجْنُونُ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَهْرَبَ فَيَضِيعَ الْحَقُّ وَقْتَ الِاسْتِيفَاءِ فَإِذَا عُوقِبَ بِالْحَبْسِ خَوْفًا عَلَى حَقٍّ قَدْ يَضِيعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَعَ أَنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ ثُبُوتُهُ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَأَنْ يَخْصِمَ وَرِقَهُ خَوْفًا مِنْ الْعُدْوَانِ بِهَا فِي الْحَالِ أَوْلَى وَأَجْدَرُ، وَكَذَلِكَ قَالُوا إذَا اُبْتُلِيَ الْقَاضِي بِظَالِمٍ يُرِيدُ مَا لَا يَجُوزُ وَاحْتَاجَ إلَى مُلَايَنَتِهِ يَكْتُبُ لَهُ مَا يُوهِمُهُ أَنَّهُ أَسْعَفَهُ بِمَطْلُوبِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَكْتُوبُ فِي الْحَقِيقَةِ يَضُرُّهُ وَلَوْ عَلِمَ صَاحِبُ الرُّقْعَةِ أَنَّ الْمَكْتُوبَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ يُمْنَعُ مِنْهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ. وَبِالْجُمْلَةِ شَوَاهِدُ مَا قَالَهُ فِي الْفِقْهِ كَثِيرَةٌ. [مَسْأَلَةٌ الْحَاكِمَ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمٌ لَا يَرَاهُ] (مَسْأَلَةٌ) نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمٌ لَا يَرَاهُ أَنَّهُ يَعْرِضُ عَنْهُ وَلَا يُنَفِّذُهُ، وَذَكَرُ الْأَصْحَابُ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يُنْفِذُهُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَأَنَا أَخْتَارُ التَّفْصِيلَ، وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَرَاهُ إنْ كَانَ مِمَّا عُرِفَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَاسْتَقَرَّتْ الْمَذَاهِبُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْحَاكِمِ دَلِيلٌ عَلَى خَطَئِهِ إمَّا لِقُصُورِ الْحَاكِمِ عَنْ الِاجْتِهَادِ حَيْثُ يَجُوزُ لِمِثْلِهِ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا، وَإِمَّا لِقُوَّةِ الِاخْتِلَافِ وَتَفَاوُتِ الْمَأْخَذِ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يُنَفِّذُهُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ بُطْلَانُ حَقِّ الْمَحْكُومِ لَهُ. وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ فَدَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى التَّنْفِيذِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَرَاهُ مِمَّا يُعْتَقَدُ خَطَؤُهُ أَوْ يَقْرُبُ عِنْدَهُ ذَلِكَ أَمَّا فِيمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ لِقُوَّةِ نَظَرِ الْقَاضِي حَيْثُ

стр. 959

يَكُونُ لَهُ هَذِهِ الْقُوَّةُ وَأَمَّا فِيمَا يَحْدُثُ مِنْ الْوَقَائِعِ الَّتِي يَكُونُ عَدَمُ رُؤْيَتِهِ لَهُ لِمَا فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ الْخَاصَّةِ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَدَارِكُ الْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ إلَى اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ . وَكَثِيرًا مَا يَتَّفِقُ ذَلِكَ وَيَكُونُ قَاضِيَانِ مُتَّفِقَانِ فِي الْمَذْهَبِ أَوْ تَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مُجْمَعًا عَلَى حُكْمِهَا مِنْ حَيْثُ الْفِقْهُ وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ نَظَرُ الْحَاكِمِينَ فِي حَالِ الشُّهُودِ وَالْمُتَخَاصَمِينَ وَالْحِجَجِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمَا وَيَظْهَرُ لِأَحَدِ الْحَاكِمَيْنِ مَا لَا يَظْهَرُ لِلْآخَرِ مِمَّا لَا يَنْتَهِي إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ قَبْلُ أَرَى أَنَّ هَذَا يَعْرِضُ عَنْهُ وَلَا يُنَفِّذُهُ لِأَنَّ التَّنْفِيذَ مَعَ اعْتِقَادِ خِلَافِهِ حُكْمٌ بِغَيْرِ مَا يَعْتَقِدُ وَلَا يَحِلُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا لَا يَعْتَقِدَ وَقَوْلِي هُنَا بِأَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عَلَى جِهَةِ الْمَنْعِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِذَ ذَلِكَ وَقَوْلِي فِي الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَنْفُذُ إنَّمَا أَقُولُهُ عَلَى سَبِيلِ الْجَوَازِ، وَلَا أَقُولُهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ لِأَمْرَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْفِذُهُ فَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْجَوَازِ. (وَالثَّانِي) أَنَّهُ لَا يُعْتَقَدُ وَإِنَّمَا جَوَّزْنَاهُ لِتَفَاوُتِ الْمَأْخَذِ عِنْدَهُ وَعَدَمِ اعْتِقَادِ خَطَئِهِ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ صَارَ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ فِي عَدَمِ النَّقْضِ خَاصَّةً أَمَّا فِي اعْتِقَادِهِ فَلَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) تَوَلَّدَتْ عَنْ ذَلِكَ الْقَاضِي الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَمِنْ أَزْمَانٍ طَوِيلَةٍ هُوَ النَّاظِرُ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ وَالْمُتَوَلِّي الْأَوْقَافَ وَالْأَيْتَامَ وَبَيْتَ الْمَالِ وَغَيْرَهَا فَكُلُّ مَا هُوَ تَحْتَ نَظَرِهِ يَنْبَغِي أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْقُضَاةِ لَا يَحْكُمُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِهِ لِأَنَّهُ إذَا حَكَمَ بِمَا لَا يَرَاهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُنَفِّذَهُ بِالْقَوْلِ وَلَا بِالْفِعْلِ أَمَّا بِالْقَوْلِ فَلِمَا سَبَقَ وَأَمَّا بِالْفِعْلِ فَلِأَنَّهُ أَعْظَمُ لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْمَحْكُومِ بِهِ وَإِخْرَاجَهُ مِنْ يَدِهِ إلَى مَنْ حَكَمَ لَهُ غَيْرُهُ بِهِ أَعْظَمُ مِنْ قَوْلِهِ نَفَّذْت فَإِذَا مَنَعْنَاهُ مِنْ التَّنْفِيذِ بِالْحُكْمِ الْقَوْلِيِّ فَلَأَنْ نَمْنَعَهُ مِنْ هَذَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ مِمَّا يَرَاهُ فَإِنَّهُ هُوَ يَحْكُمُ بِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى حُكْمٍ غَيْرِهِ، نَعَمْ قَدْ يَعْتَقِدُ فِي قَضِيَّةٍ أَنَّهَا حَقٌّ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا مِثْلَ أَنْ يَمُوتَ مَيِّتٌ وَيَظْهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِمَسْطُورٍ فِيهِ شُهُودٌ قَدْ مَاتُوا وَيَكُونَ هُنَاكَ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْمَسْطُورِ وَبَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ فَهَاهُنَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِقَاضٍ مَالِكِيٍّ فَيُثْبِتَهُ بِالْخَطِّ عَلَى مَذْهَبِهِ تَوَصُّلًا إلَى بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ وَوُصُولِ الْحَقِّ إلَى صَاحِبِهِ أَوْ يَكُونَ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ

стр. 960

عَلَى جِهَةِ بِرٍّ وَيَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي إذْنِهِ لِقَاضٍ حَنْبَلِيٍّ أَوْ حَنَفِيٍّ يَحْكُمُ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَيْضًا بِنِيَّةٍ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصَةً وَأَمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَقَائِعُ مِنْ ذَلِكَ يَطْلُبُ الْغَرِيمُ فِيهَا الْمُحَاكَمَةَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّة أَوْ الْحَنَفِيِّ أَوْ الْحَنْبَلِيِّ، وَرُبَّمَا يَنْتَجِزُ مَرَاسِيمُ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ بِذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا لَا يَجُوزُ فَجَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَاضِي الشَّافِعِيِّ لَا يَحْكُمُ فِيهِ إلَّا هُوَ أَوْ نَائِبُهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَلَا نُوَّابِهِمْ أَنْ يَحْكُمَ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى. (مَسْأَلَةٌ) مِنْ نَحْوِ عَشْرِ سِنِينَ رَجُلٌ وَقَفَ وَقْفًا مِنْ جُمْلَتِهِ حِصَّةٌ مِنْ ضَيْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي سَنَةِ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةِ، وَثَبَتَ ذَلِكَ الْوَقْفُ عَلَى حَاكِمٍ بِأَسْجَالٍ مِنْ مَضْمُونِهِ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ إشْهَادُ الْوَاقِفِ عَلَى نَفْسِهِ بِجَمِيعِ مَا نُسِبَ إلَيْهِ مِنْ وَقْفِهِ الْوَقْفَ الصَّحِيحَ الشَّرْعِيَّ، وَثَبَتَ هَذَا الثُّبُوتُ عَلَى حَاكِمٍ بَعْدَ حَاكِمٍ إلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَمِنْ مَضْمُونِهِ التَّصْرِيحُ بِالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ بِلَا ثُبُوتِ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ وَأَنَّ شَخْصًا فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ وَقَفَ وَقْفًا مِنْ جُمْلَةِ الْحِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ حَاكِمٍ وَثَبَتَ عِنْدَهُ الْمِلْكُ وَالْحِيَازَةُ وَحُكْمُهُ بِصِحَّةِ هَذَا الْوَقْفِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَازَعَ وَكِيلٌ مِنْ جِهَةِ مَنْ الْحِصَّةُ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَأَنَّهَا وَقْفٌ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ فِي ذَلِكَ الْكَائِنِ حُكْمُهُ بِرَفْعِ يَدِهِ عَنْ الْحِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْعَمَلُ فِيهَا بِمُقْتَضَى شَرْطِ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ وَنَفَّذَ حُكْمَهُ جَمَاعَةٌ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ انْعَزَلَ الْحَاكِمُ الْمَذْكُورُ ثُمَّ بَعْدَ عَزْلِهِ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ لَمَّا حَكَمَ بِمَا نُسِبَ إلَيْهِ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَكُنْ اطَّلَعَ قَبْلَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ عَلَى كِتَابِ الْوَقْفِ الثَّانِي وَلَا وَقَفَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَوْ أُحْضِرَ إلَيْهِ حِينَ اطَّلَعَ عَلَى مَا فِيهِ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا حُكِمَ بِهِ وَأَنَّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ إسْجَالُ الْحَاكِمُ الَّذِي حَكَمَ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ الثَّانِي رَافِعٌ غَيْرَهُ لِمَا حُكِمَ بِهِ. (أَجَابَ) ﵀ أَنَّ الضَّيْعَةَ إنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَصْحَابِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالْوَقْفِ الثَّانِي فَحُكْمُ بَدْرِ الدِّينِ الْمَالِكِيِّ صَحِيحٌ وَتُرَدُّ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ لَهُمْ يَدٌ صَحِيحَةٌ عَلَيْهَا فَحُكْمُ بَدْرِ الدِّينِ الْمَالِكِيِّ بَاطِلٌ وَيُسَلَّمُ لِأَصْحَابِ الْوَقْفِ الثَّانِي بِمُقْتَضَى حُكْمِ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ. هَذَا مُلَخَّصُ الْجَوَابِ بِحَسَبِ مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ، وَأَمَّا تَفْصِيلُهُ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ فَنَقُولُ إشْهَادُ الْحَاكِمِ عَلَى

стр. 961

نَفْسِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ لَا اعْتِبَارَ بِهِ فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ حُكْمِهِ فَفِيهِ فَائِدَةٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَقْضَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَرَدْت بِذَلِكَ نَقْضَ الْأَوَّلِ لِأَمْرٍ اقْتَضَاهُ قُبِلَ مِنْهُ وَلَا يُفِيدُ إبْطَالَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى حُكْمِهِ الرُّجُوعُ عَمَّا حَكَمَ بِهِ فِي الْوَقْفِ الثَّانِي، وَالْحَاكِمُ بِالْوَقْفِ الثَّانِي سَابِقٌ عَلَى هَذَا الْحَاكِمِ فَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُ بِمُقْتَضَى الْبَيِّنَةِ الَّتِي قَامَتْ عِنْدَ الثَّانِي وَلَوْ شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ وَالْوَقْفِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الضَّيْعَةُ حِينَ حَكَمَ الْأَوَّلُ بِالْوَقْفِ الثَّانِي فِي يَدِ أَصْحَابِ الْوَقْفِ فَهَلْ يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالْوَقْفِ الْأَوَّلِ وَتُرَدُّ إلَى مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ تَتَخَرَّجُ عَلَى خِلَافٍ فِي مَسْأَلَةٍ ذَكَرَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ فِي مَسْأَلَةِ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَهِيَ إذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَادِلَةً وَلَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَأَزَالَ الْقَاضِي يَدَهُ، وَسَلَّمَ الْعَيْنَ الْمُدَّعَاةَ إلَى الْمُدَّعِي فَلَوْ جَاءَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ وَقَالَ حَضَرَتْ بَيِّنَتِي فَهَلْ يَسْمَعُهَا؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي وَقَالَ: أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ لِأَنَّا نَقَضْنَا يَدَهُ فَلَوْ قَبِلْنَا بَيِّنَتَهُ لَكَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلْقَضَاءِ السَّابِقِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعِي الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْيَدِ الْآنَ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إنَّ الْأَصَحَّ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ، وَنَقْضُ الْقَضَاءِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُزِيلَتْ لِعَدَمِ الْحُجَّةِ، وَقَدْ قَامَتْ الْحُجَّةُ الْآنَ. فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فَلَا أَثَرَ لِحُكْمِ الْقَاضِي الْمَالِكِيِّ وَيَسْتَمِرُّ حُكْمُ الْأَوَّلِ الَّذِي حَكَمَ بِالْوَقْفِ الثَّانِي، وَإِنْ قُلْنَا بِمَا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَمُقْتَضَاهُ أَنْ يُنْقَضَ. وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي قَضِيَّةٍ ادَّعَى شَخْصٌ أَنَّهَا مِلْكُهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً، وَحَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِهَا ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ شَخْصٌ أَنَّهَا وَقْفٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً فَرَجَّحَ الْحَاكِمُ بَيِّنَةَ الْمِلْكِ ذَهَابًا إلَى أَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَقْفِ الَّذِي لَمْ يَحْكُمْ بِهِ، ثُمَّ نَازَعَهُ آخَرُ يَدَّعِي وَقْفَهَا أَيْضًا وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ قَدْ قُضِيَ بِصِحَّتِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْمِلْكِ وَتَرْجِيحُهُ عَلَى الْوَقْفِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْحُكْمُ بِالْوَقْفِ وَيُنْقَضُ الْحُكْمُ بِالْمِلْكِ. هَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ لِلْحَاكِمِ الْأَوَّلِ هُنَا أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَ الثَّانِي بِشَرْطَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَاكِمُ مِنْ مَذْهَبِهِ اسْتِوَاءُ الْبَيِّنَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُؤَرَّخَةِ فَإِنْ كَانَ يُرَجِّحُ الْمُؤَرَّخَةَ عَلَى الْمُطْلَقَةِ تَعَيَّنَ

стр. 962

تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْوَقْفِ الْقَدِيمِ. (وَالثَّانِي) زَوَالُ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ مِنْ لَفْظِ إسْجَالِ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهُ بِمُقْتَضَى الْوَقْفِ الْقَدِيمِ فِي قَوْلِهِ الْوَقْفُ الصَّحِيحُ الشَّرْعِيُّ هَلْ هَذَا يَكُونُ مُتَمَسِّكًا بِهِ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ الْمَشْهُودِ بِهِ عَلَى الْحَاكِمِ فَيَكُونُ الْحَاكِمُ قَدْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ الْوَقْفَ صَحِيحٌ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْحُكْمِ الْمُتَأَخِّرِ الَّذِي حَكَمَ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ الثَّانِي وَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُنْسَبُ إلَى الْحَاكِمِ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِأَنَّهُ مِنْ الْمُوَارِدَيْنِ. هَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، ثُمَّ إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ وَجَوَازِ النَّقْضِ فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُ هَذَا الْمَالِكِيِّ نَقْضًا وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ الْأَظْهَرِ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ صَحِيحٌ وَتَسْمِيَتُهُ أَيْضًا أَوْ لَيْسَ نَقْضًا يَرْجِعُ إلَى الْعِبَارَةِ وَإِلَّا فَهُوَ يُصَادِفُ الْمَحَلَّ وَلَا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِ هَذَا الْمَالِكِيِّ. فَإِنْ قُلْت فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَقَدْ حَكَمَ الْحَاكِمُ. قُلْت لَمْ نَحْكُمْ بِرُجُوعِهَا إلَى صَاحِبٍ بِذَلِكَ السَّبَبِ حَتَّى يَكُونَ حُكْمُهُ بِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ بَلْ بِسَبَبِ ظَنٍّ أَنَّهُ مِنْ مَظَانِّ الْإِجْمَاعِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ كَانَتْ فِي يَدِ أَصْحَابِ الثَّانِي فَحُكْمُ الْمَالِكِيّ بِالْأَوَّلِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِبَيِّنَةٍ مُعَارَضَةٍ بِبَيِّنَةٍ رَاجِحَةٍ عَلَيْهَا فَحَكَمَ الْحَاكِمُ. وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ وَمَسْأَلَةِ الْوَجْهَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَجْهَيْنِ النَّقْضِ بِالْيَدِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ وَقَضَى لَا بُدَّ فَلَوْ نَقَضْنَا الْحُكْمَ نَقَضْنَاهُ مَعَ التَّعَارُضِ، وَعَدَمُ التَّعْرِيضِ مُسْتَنَدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ﵁ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَانَتْ مُسَوَّدَةً وَنَقَلْتهَا الْآنَ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ فِيهَا وَأَظُنُّ أَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ فَلْتُتَأَمَّلْ. وَكَتَبَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ. (الْكِيلَانِيَّةُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَقَّهَنَا فِي الدِّينِ وَعَلَّمَنَا التَّأْوِيلَ وَهَدَانَا بِفَضْلِهِ إلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ وَحَفِظَنَا بِلُطْفِهِ أَنْ نَزِيغَ عَنْهُ أَوْ نَمِيلَ، أَحْمَدُهُ حَمْدَ مُعْتَرَفٍ بِتَرَادُفِ نِعَمِهِ وَتَجَدُّدِهَا فِي كُلِّ بُكْرَةٍ وَأَصِيلٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةً أَتَّقِي بِهَا مِنْ عَذَابٍ وَبِيلٍ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي هُوَ وَسِيلَتُنَا إلَى اللَّهِ فِي

стр. 963

فِي كُلِّ كَثِيرٍ وَقَلِيلٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ صَلَاةً تَلِيقُ بِقَدْرِهِ الْجَلِيلِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا وَيَتَهَلَّلُ لَهُ ذَلِكَ الْوَجْهُ الْجَمِيلُ. وَبَعْدُ فَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُحَاكَمَاتِ مَسْأَلَةٌ صُورَتُهَا: رَجُلٌ مِنْ كِيلَانَ مَاتَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَتَرَكَ زَوْجَةً وَأَبْنَاءَ مِنْهَا وَتَرِكَةً قِيلَ: إنَّهُ أَوْصَى إلَى زَوْجَتِهِ وَبِيعَتْ تَرِكَتُهُ وَوَفَّى مِنْهَا دَيْنَهُ وَقَبَضَتْ الزَّوْجَةُ الْبَاقِيَ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ وَأَثْبَتَتْ وَصِيَّتَهَا عِنْدَ حَاكِمِ إسْكَنْدَرِيَّةَ ثُمَّ حَضَرَتْ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ بِدِمَشْقَ لِيَصِلَ ثُبُوتَهَا بِهِ، وَأَوْدَعَتْ ذَهَبًا وَدَرَاهِمَ عِنْدَ رَجُلٍ بِدِمَشْقَ وَقَالَتْ لَهُ إنَّ ذَلِكَ لِابْنِهَا مِمَّا خَلَفَهُ زَوْجُهَا أَوْ مِنْ الْمَالِ الْمَتْرُوكِ عَنْ زَوْجِهَا أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ وَأَشْهَدَتْ عَلَى نَفْسِهَا بِذَلِكَ بِمَكْتُوبٍ يَتَضَمَّنُ الشَّهَادَةَ عَلَيْهَا وَعَلَى الْمُودَعِ، ثُمَّ حَضَرَ مَكْتُوبٌ فِيهِ ثُبُوتٌ عَلَى قَاضِي بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْعَجَمِ أَنَّ لِذَلِكَ الْمَيِّتِ أَيْضًا مِنْ الْوَرَثَةِ هُنَاكَ زَوْجَةً أُخْرَى وَبِنْتَيْنِ وَابْنًا، وَاتَّصَلَ هَذَا الْإِثْبَاتُ بِنَائِبِي وَحَضَرَتْ الْمَرْأَةُ الْمَذْكُورَةُ عِنْدَهُ وَنَازَعَتْ فِي ذَلِكَ وَاعْتَرَفَتْ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ آخَرِينَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَنَّ تِلْكَ الْوَدِيعَةَ مُخَلَّفَةٌ عَنْ زَوْجِهَا الْمَذْكُورِ وَهُوَ مُغَلْطَايُ التَّاجِرُ الْمُتَوَفَّى فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة الْمَعْرُوفُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ادَّعَتْ الْوَدِيعَةَ لِنَفْسِهَا وَأَنْكَرَتْ هِيَ الْوَصِيَّةَ وَقَالَتْ: إنَّهَا لَيْسَتْ وَصِيَّةً وَأَنْكَرَتْ قَوْلَهَا إنَّهَا لِوَلَدِهَا مُخَلَّفَةً عَنْ زَوْجِهَا فَأَحْضَرَ الْمُودَعُ الْوَدِيعَةَ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَسَأَلَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهَا فَادَّعَتْ عَلَى وَكِيلِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ لِوَرَثَةِ مُغَلْطَايَ وَأَحْضَرَ بَيِّنَةً شَهِدَتْ عَلَيْهَا بِمَا أَقَرَّتْ بِهِ فِي مَجْلِسِ نَائِبِي مِنْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ الْمُودَعَ مُخَلَّفٌ عَنْ زَوْجِهَا وَأَنْكَرَتْ هِيَ الْوَصِيَّةَ، وَقَالَتْ إنَّهَا لَيْسَتْ وَصِيَّةً وَأَنْكَرَتْ الْمَكْتُوبَ الَّذِي قِيلَ إنَّهُ كُتِبَ عَلَيْهَا بِالشَّهَادَةِ بِالْإِيدَاعِ، وَصَمَّمَتْ عَلَى دَعْوَى ذَلِكَ الْمَالِ لِنَفْسِهَا ثُمَّ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بِحُضُورِي وَحُضُورِ غَيْرِي قَالَتْ: إنَّهَا كَانَتْ قَالَتْ إنَّهُ لِابْنِهَا خَوْفًا عَلَيْهِ وَإِنِّي مَا بَقِيتُ أُعْطِي لِابْنِي شَيْئًا. هَذِهِ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ وَالنَّظَرُ فِي أَنَّ هَذَا الْمَالَ الْمُودَعَ هَلْ يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ الْمُدَّعِيَةِ وَحْدَهَا بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ لَهَا بِالْيَدِ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ لِغَيْرِهَا أَوْ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا أَوْ يَكُونَ لِوَلَدِهَا وَحْدَهُ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهَا الَّذِي قَالَهُ الْمُودَعُ وَاَلَّذِي صَدَرَ مِنْهَا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَوْ يَكُونَ تَرِكَةً عَنْ زَوْجِهَا بِمُقْتَضَى شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِ نَائِبِي

стр. 964

فَيَكُونُ لَهَا مِنْهُ نِصْفُ الثَّمَنِ وَالْبَاقِي بَيْنَ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ. (وَالْجَوَابُ) أَمَّا كَوْنُهُ لَهَا وَحْدَهَا فَبَاطِلٌ قَطْعًا لِتَضَافُرِ إقْرَارِهَا فِي مَجْلِسٍ حُكْمِيٍّ بِإِقْرَارِهَا السَّابِقِ الَّذِي قَالَهُ الْمُودَعُ، وَاَلَّذِي صَدَرَ مِنْهَا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَنْ يَكُونَ تَرِكَةً عَنْ زَوْجِهَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ يَقْتَضِي عَدَمَ اخْتِصَاصِهَا بِهِ، وَنَقْطَعُ حُكْمَ يَدِهَا وَمَا تَدَّعِيهِ مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى مِلْكِيَّتِهَا لِذَلِكَ. فَإِنْ قُلْت إنَّمَا قَالَتْ الْآنَ أَنَّهَا قَالَتْ إنَّهُ لِابْنِهَا خَوْفًا. قُلْت إقْرَارُهَا بِإِقْرَارِهَا أَنَّهُ لِابْنِهَا إقْرَارٌ بِأَنَّهُ لِابْنِهَا، وَقَوْلُهَا خَوْفُهَا لَا يُزِيلُ حُكْمَهُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ كَذِبًا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُزِيلُ حُكْمَهُ وَإِنْ كَانَ صِدْقًا فَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْخَوْفَ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ فَلَا يُزِيلُ حُكْمَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَرَضٌ مِنْ الْأَعْرَاضِ لَا يُزِيلُ حُكْمَ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَقَارِيرِ فَالْإِقْرَارُ صَحِيحٌ وَالْمُؤَاخَذَةُ بِهِ وَاجِبَةٌ شَرْعًا سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُقَرُّ بِهِ صَحِيحًا أَمْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ الَّتِي لَمْ يُكَلِّفْنَا الشَّرْعُ بِحُكْمِهَا. وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ لَمْ تَدَّعِ الْإِكْرَاهَ الْمَانِعَ مِنْ الْقَبُولِ الشَّرْعِيِّ، وَلَوْ ادَّعَتْهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أُمُورٍ تَقْتَضِي تَصْدِيقَهَا فِيهِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ تَرْسِيمٍ وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَظَهَرَ الْقَطْعُ بِبُطْلَانِ الْحُكْمِ بِكَوْنِ هَذَا الْمَالِ لَهَا وَحْدَهَا وَأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِهِ وَظَهَرَ الْقَطْعُ بِتَكْذِيبِهَا فِي دَعْوَاهَا ذَلِكَ وَأَعْنِي بِالْقَطْعِ بِتَكْذِيبِهَا الْقَطْعَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صَادِقَةٌ إلَّا أَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ لِأَنَّهُ مِنْ السَّرَائِرِ الَّتِي اللَّهُ مُتَوَلِّيهَا لِعَدَمِ الطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ إلَيْهَا وَأَمَرَ الشَّارِعُ بِالْحُكْمِ الظَّاهِرِ الْمُخَالِفِ لَهَا لِحُصُولِ ظُهُورِ الشَّرْعِيِّ فَنَحْنُ فِي امْتِثَالِ أَمْرِ الشَّرْعِ مُكَلَّفُونَ بِطَرِيقِهِ لَا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلِلَّهِ أَنْ يَقْطَعَ حُكْمَ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إذَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَيَحْكُمَ بِالتَّكْلِيفِ الظَّاهِرِ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَإِنْ خَالَفَ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَالْأَحْكَامُ إنَّمَا هِيَ تَبَعٌ لِلْأَمْرِ مِنْ الشَّارِعِ فَهُوَ مَالِكُ الْأَمْوَالِ وَالْأَبْدَانِ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا كَمَا يَشَاءُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. (فَصْلٌ) الْيَدُ دَلِيلُ الْمِلْكِ وَلَكِنَّهَا قَدْ تَنْفَرِدُ بِمَا يَدَّعِي عَلَيْهَا بِهِ وَقَدْ لَا تَنْفَرِدُ كَأَمِينِ الْأَيْتَامِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَهُ وَأَنَّهُ لِلْأَيْتَامِ فَإِنْ لَمْ نَتَحَقَّقْ دُخُولَ شَيْءٍ لِلْأَيْتَامِ تَحْتَ يَدِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلِذَلِكَ إذَا تَحَقَّقْنَا وَلَكِنْ هُوَ غَيْرُ الْعَيْنِ الْمُتَنَازَعِ

стр. 965

فِيهَا. أَمَّا إذَا احْتَمَلَ كَمَا إذَا تَحَقَّقْنَا دُخُولَ أَلْفِ دِرْهَمٍ مَثَلًا لِلْأَيْتَامِ فِي يَدِهِ وَجَدْنَا عِنْدَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ. فَقَالَ هِيَ لِي وَاحْتَمَلَ ذَلِكَ وَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ هِيَ عَيْنُ الْأَلْفِ الَّتِي لِلْأَيْتَامِ كَيْفَ يُقَالُ هُنَا أَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ مِلْكِهِ وَإِنَّمَا هِيَ دَلِيلٌ أَنَّهَا بِحَقٍّ وَكِلَاهُمَا حَقٌّ فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ إنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهَا وَإِلَّا فَهِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَيْتَامِ وَتَصِيرُ يَدُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَكَانَ ذَلِكَ الْأَلْفُ فِي يَدِ شَخْصَيْنِ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ شَخْصَيْنِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَأْخَذُ فِي مُشَاطَرَةِ عُمَرَ ﵁ الْعُمَّالَ فَإِنَّ الْعَامِلَ إذَا دَخَلَتْ الْأَمْوَالُ الَّتِي فِي عَمَلِهِ فِي يَدِهِ صَارَتْ يَدُهُ كَيَدَيْنِ: إحْدَاهُمَا كَيَدِ نَفْسِهِ وَالْأُخْرَى يَدُ أَصْحَابِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ. فَإِذَا جُهِلَ الْحَالُ جُعِلَتْ الْأَمْوَالُ بَيْنَهُمَا، فَهَذَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الِاحْتِمَالِ فِي مُشَاطَرَةِ عُمَرَ الْعُمَّالَ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ أَحَدٍ وَلَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ لَا يَدْرِي كَيْفَ الْحَالُ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ سَبَبَهُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّهُمْ اتَّجَرُوا وَاكْتَسَبُوا بِجَاهِ الْعَمَلِ فَجَعَلَهُمْ كَعَامِلِ الْقِرَاضِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَعُمَرُ ﵁ أَعْلَمُ مِنَّا وَأَتْقَى لِلَّهِ، وَأَعْرَفُ بِكُلِّ خَيْرٍ وَأَقْوَمُ بِكُلِّ هُدًى وَحَقٍّ. وَإِنَّمَا غَرَضُنَا ذِكْرُ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَسْأَلَتِنَا هَذِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَلْنَسْتَفِدْ، وَلْنَبْحَثْ عَنْهُ وَقَدْ اقْتَضَى نَظَرِي عَدَمَ قَبُولِ قَوْلِهِ بِانْفِرَادِهِ بِذَلِكَ بَلْ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ يَحْلِفُ هُوَ عَلَى النِّصْفِ لَهُ وَتَبْقَى الْيَمِينُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْيَتِيمُ فَيَحْلِفَ، وَهَكَذَا إذَا كَانَ وَصِيٌّ عَلَى يَتِيمٍ مُعَيَّنٍ قَدْ قَبَضَ لَهُ شَيْئًا ثُمَّ وُجِدَ فِي يَدِ الْوَصِيِّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَتَنَازَعَا فِيهِ. وَهَكَذَا عَامِلُ الْقِرَاضِ يَتَنَازَعُ هُوَ وَالْمَالِكُ لَكِنْ هُنَا الْقَوْلُ قَوْلُ عَامِلِ الْقِرَاضِ لِأَنَّ الْعَامِلَ ائْتَمَنَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَصْدِيقُهُ وَكَذَا الْمُودَعُ يَجِبُ عَلَى الْمُودِعِ تَصْدِيقُهُ لِائْتِمَانِهِ إيَّاهُ وَإِنَّمَا الْبَحْثُ الَّذِي بَحَثْنَاهُ فِي الْأَمَانَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَفِي أَمِينِ الْأَيْتَامِ وَفِي الْعُمَّالِ وَفِي الْأَوْصِيَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَائْتِمَانُ الْحَاكِمِ لَهُمْ لَيْسَ كَائْتِمَانِ الْمَالِكِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ تَصْدِيقُهُمْ بَلْ حُكْمُ الْأَمَانَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِمْ فَإِنْ صَدَّقْنَاهُمْ فِي الْعَيْنِ قَبِلْنَا قَوْلَهُمْ فِيمَا يَدَّعُونَ أَنَّهُ لَهُمْ دُونَ الْأَيْتَامِ وَالْمُوصَى عَلَيْهِمْ وَعُمَّالِهِمْ، وَإِنْ لَمْ نُصَدِّقْهُمْ جَعَلْنَا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِمَّا يَحْتَمِلُ الِاشْتِرَاكَ كَالْمُشْتَرَكِ. وَلَمْ أَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَقْلًا إلَى الْآنِ وَلَعَلِّي أَجِدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ

стр. 966

تَعَالَى، هَذِهِ فَائِدَةٌ ذَكَرْنَاهَا وَلَيْسَ بِنَا حَاجَةٌ فِيمَا تَقَدَّمَ إلَيْهَا لِأَنَّ الْحُكْمَ بِكَوْنِ هَذَا الْمَالِ لَا تَخْتَصُّ بِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ مَقْطُوعٌ بِهِ لِإِقْرَارِهَا وَالْبَيِّنَةُ عَلَيْهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ سَوَاءٌ أَثْبَتَ لَهَا حُكْمَ الْيَدِ الْمُنْفَرِدَةِ أَمْ الْمُشْتَرَكَةِ أَمْ لَمْ يُثْبِتْ. وَإِنَّمَا تَكَلَّمْنَا فِي هَذِهِ الْفَائِدَةِ لِمَا يَأْتِي بَعْدَهَا لَا لِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ فِيمَا قَبْلَهَا فَلْنَضْبِطْ ذَلِكَ لِأَجْلِ مَا سَيَأْتِي، وَلَعَلَّ مَا لَعَلَّهُ سَيَقَعُ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُحْتَاجَةِ إلَى النَّظَرِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ أَصْلٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَتَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى. (فَصْلٌ) قَدْ يَعْتَرِضُ مُعْتَرِضٌ عَلَى الْقَطْعِ بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا بِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ لِوَلَدِهِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ هِبَةٌ وَقَصَدَ الرُّجُوعَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ إنَّمَا هُوَ انْفِرَادُ الْإِقْرَارِ، وَهُنَا قَدْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهَا أَنَّهُ مُخَلَّفٌ عَنْ زَوْجِهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ إنَّهَا مُنْفَرِدَةٌ بِهِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: إنَّ ضَعْفَ الْمَرْأَةِ وَقَرِينَةَ خَوْفِهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا يَقْتَضِي تَصْدِيقَهَا. وَجَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا فَالشَّرْعُ لَمْ يَعْتَبِرْهُ إذَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْقَرَائِنَ مُعَارَضَةٌ بِقَرَائِنَ أُخْرَى فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْخَاصَّةِ تَقْتَضِي بِغَيْرِ كَلَامِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَالِارْتِيَابِ فِي أَمْرِهَا، وَبُطْلَانِ قَوْلِهَا وَإِنَّهَا لَيْسَتْ مُحِقَّةً وَلَا هِيَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ لَا سِيَّمَا مَعَ إخْفَائِهَا وَرَقَةَ الْإِشْهَادِ الْوَدِيعَةِ وَوَرَقَةِ الْوَصِيَّةِ وَإِنْكَارِهَا الْوَصِيَّةَ مَعَ إخْبَارِ قَاضٍ كَبِيرٍ أَنَّهَا جَاءَتْ إلَيْهِ وَرَآهَا وَأَرْسَلَ إلَيْهَا مَنْ شَهِدَ عَلَيْهَا بِالتَّوْكِيلِ فِي إثْبَاتِهَا وَأُمُورٍ أُخْرَى، وَهَذِهِ الْقَرَائِنُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُحِقَّةٍ أَقْوَى مِنْ تِلْكَ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا الْمُعْتَرِضُ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: إنَّ لَنَا وَجْهًا فِيمَنْ قَالَ وَهَبْت وَأَقْبَضْت ثُمَّ قَالَ كَذَبْت أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ جَرَيَانُ مِثْلِهِ هُنَا، وَنَحْنُ لَا نُرِيدُ بِالْقَطْعِ هُنَا إلَّا مَا يُوجِبُ عَلَيْنَا الْحُكْمَ وَوُجُوبُ الْحُكْمِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مَقْطُوعٌ بِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ احْتِمَالُ خِلَافٍ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لِبُطْلَانِهِ، عَلَى أَنَّ هَاهُنَا شَيْئًا آخَرَ يَمْنَعُ مِنْ التَّمَسُّكِ بِهِ وَهُوَ حُضُورُ اثْنَيْنِ فِي مَجْلِسٍ حُكْمِيٍّ الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ وَشَهِدَا عَلَى الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا قَبَضَتْ مِنْ ثَمَنٍ قَلِيلٍ مِنْ تَرِكَةِ زَوْجِهَا الْمَذْكُورِ وَعَيَّنَا مِقْدَارَ الذَّهَبِ الَّذِي قَبَضَتْهُ بِقَدْرٍ مُوَافِقٍ لِلْمُودَعِ وَإِذَا ثَبَتَ قَبْضُهَا لِذَلِكَ الْقَدْرِ وَقَدْ جَحَدَتْهُ فَقَدْ لَزِمَهَا فَهَذَا إمَّا هُوَ وَإِمَّا غَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ إيَّاهُ فَهُوَ تَرِكَةٌ فَلَا تَنْفَرِدُ. وَإِنْ كَانَ

стр. 967

غَيْرُهُ فَإِنْ اعْتَمَدْنَا إقْرَارَهَا لِابْنِهَا أَوْ إقْرَارَهَا أَنَّهُ مُخَلَّفٌ عَنْ زَوْجِهَا فَلَا تَنْفَرِدُ بِهِ وَإِنْ لَمْ نَعْتَمِدْهُ وَكَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَهَا وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ نَظِيرَهُ يَلْزَمُهَا فَيُوجَدُ لِلظَّفْرِ بِهِ وَهِيَ مُنْكِرَةٌ فَقَدْ ظَهَرَ الْقَطْعُ عَلَى كُلِّ التَّقَادِيرِ بِعَدَمِ تَمْكِينِهَا مِنْهُ. (فَصْلٌ) لَوْ اشْتَبَهَ عَلَى حَاكِمٍ وَحَكَمَ بِهِ لِلْمَرْأَةِ عَلَى انْفِرَادِهَا بِمُقْتَضَى يَدِهَا نُقِضَ حُكْمُهُ، وَهَذَا لَيْسَ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ وَهُوَ أَوْلَى بِالنَّقْضِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُقَالُ فِيهَا يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي إذَا خَالَفَ النَّصَّ أَوْ الْإِجْمَاعَ أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ أَوْ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا اجْتَهَدَ. وَالْإِقْدَامُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ عَنْ اجْتِهَادٍ بَلْ عَنْ جَهْلٍ وَاشْتِبَاهٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ أَوْ يَكُونُ حُكْمًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا عُلِمَ مِنْ الشَّرِيعَةِ مِنْ الْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ. (فَصْلٌ) وَأَمَّا الْحُكْمُ بِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَرَثَةِ زَوْجِهَا وَهُمْ وَلَدُهَا الَّذِي هُنَا وَالْبَقِيَّةُ الَّذِينَ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ. هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ إنْ سَلِمَ عَنْ الرِّيبَةِ وَهُوَ مُقْتَضَى شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى إقْرَارِهَا أَنَّهُ مُخَلَّفٌ عَنْ زَوْجِهَا مَعَ ثُبُوتِ إرْثِ الْمَذْكُورِينَ مِنْهُ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهَا مِنْ الْمَالِ نِصْفُ الثَّمَنِ إنْ لَمْ يُعَارِضْهُ إقْرَارُهَا لِابْنِهَا، وَالْبَاقِي مَقْسُومٌ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ لِبَاقِي الْوَرَثَةِ وَهُوَ أَيْضًا مُقْتَضَى جَوَابِ وَكِيلِ الشَّخْصِ الَّذِي فِي يَدِهِ الْوَدِيعَةُ لِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ. وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لِوَرَثَةِ مُغَلْطَايَ، وَاسْتَفْسَرُوهُ عَنْ الْإِيدَاعِ فَلَمْ يُجَاوِبْ عَنْهُ. قُلْت لَا يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ وَلَوْ أَجَابَ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ أَوْدَعَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمٌ لِأَنَّهُ صَاحِبُ يَدٍ لَوْ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ لِمُعَيَّنٍ وَهُمْ وَرَثَةُ مُغَلْطَايَ تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِهِ فَإِذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّهُ مِنْ جِهَةِ هَذِهِ وَدِيعَةٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُبْطِلًا حَقَّ الْمُقَرِّ لَهُمْ لِسَبْقِهِ فَلَا الْتِفَاتَ إلَى قَوْلِهَا الْمُخَالِفِ لِذَلِكَ بَعْدَهُ. وَهَذَا عِنْدِي لَا شَكَّ فِيهِ إذَا تَقَدَّمَ الْإِقْرَارُ بِهِ لِلْوَرَثَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي جَوَابِ الْوَكِيلِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَ الْإِقْرَارُ بِالْإِيدَاعِ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ إنَّهَا قَالَتْ إنَّهُ مِنْ تَرِكَةِ زَوْجِهَا فَيَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى بَيِّنَةٍ، وَإِذَا كَانَ الْمُودَعُ أَهْلًا لِقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَقَدْ أَتَى بِالْمَالِ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَيَخْلُصُ مِنْهُ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُثْبِتَ ذَلِكَ شَهَادَتَهُ مَعَ يَمِينِ الشَّخْصِ إنْ كَانَ بَالِغًا أَوْ يُؤَخِّرَ إلَى أَنْ يَبْلُغَ فَيَحْلِفَ مَعَ شَهَادَةٍ وَيَثْبُتُ لَهُ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ لَمْ يَتَرَاخَ الْإِقْرَارُ لِلْعَدِّ بِهِ عَنْ

стр. 968

الْإِقْرَارِ بِالْإِيدَاعِ بِأَنْ قَالَ أَوْدَعْتَنِيهِ لِلْوَرَثَةِ فَهَلْ نَقُولُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ قُبِلَ، وَمَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي شَيْءٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي صِفَتِهِ وَقَدْ أَقَرَّ بِالْإِيدَاعِ عَلَى صِفَةٍ، أَوْ نَقُولُ قَوْلُهُ سُمِعَ فِي الْإِيدَاعِ فَثَبَتَ حَقُّهَا وَنَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِ الْمِلْكِ عَنْهَا إلَى بَيِّنَةٍ وَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَقَدْ وَقَعَتْ لِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَرَّةً فِي الْوَاقِعَةِ وَمَرَّةً فِي شَخْصٍ تُوُفِّيَ قَالَ شَخْصٌ إنَّهُ سَلَّمَنِي هَذَا الْمَالَ وَقَالَ هُوَ لِوَالِدَتِي وَمِلْت إلَى قَبُولِ قَوْلِهِ وَاخْتِصَاصِ الْأُمِّ بِهِ عَنْ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ لِعَدَمِ مُنَازَعَةِ الْمَيِّتِ وَقَوْلُ ذِي الْمَيِّتِ مَقْبُولٌ مَا لَمْ يُنَازِعْهُ مَنْ اسْتَفَادَ الْيَدَ مِنْ جِهَتِهِ كَمَا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ عَيْنٌ فَقَالَ إنَّهَا لِفُلَانٍ وَإِنَّهُ وَكِيلٌ فِي بَيْعِهَا جَازَتْ مُعَامَلَتُهُ فِيهَا وَشِرَاؤُهَا مِنْهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ يَرْجِعُ فِيهَا إلَى الْعَامِلِ صَاحِبِ الْيَدِ لَكِنْ لَوْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَأَنْكَرَ التَّوْكِيلَ قُبِلَ قَوْلُهُ وَبَطَلَ الْبَيْعُ لِلِاعْتِرَافِ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَالْمَيِّتُ لَيْسَ مُنَازِعًا وَقِيَامُ وَرَثَتِهِ فِي الْمُنَازَعَةِ مَقَامَهُ فِيهَا نَظَرٌ فَلِذَلِكَ مِلْتُ إلَى قَبُولِ قَوْلِ الْوَصِيِّ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي دَفْعِهَا إلَى وَالِدَتِهِ، وَلَسْتُ جَازِمًا بِذَلِكَ، وَقَدْ رَأَيْتُ فِي رَوْضَةِ الْحُكَّامِ لِشُرَيْحٍ الرُّويَانِيِّ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ مَالُ الْمَيِّتِ. فَقَالَ: أَوْصَى إلَيَّ رَبُّ الْمَالِ أَنْ أَصْرِفَهُ فِي كَذَا فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَهَذَا كَلَامُ شُرَيْحٍ الرُّويَانِيِّ وَيُسْتَأْنَسُ بِهِ لِمَا قُلْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إيَّاهُ، هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَيِّتِ وَمَسْأَلَتُنَا هَذِهِ الْوَاقِعَةُ رُتْبَةً بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ تُفَارِقُ مَسْأَلَةَ الْمَيِّتِ لِأَنَّ الْمُودِعَةَ هُنَا بَاقِيَةٌ مُنَازِعَةٌ وَتُفَارِقُ مَسْأَلَةَ الْوَكِيلِ لِاعْتِرَافِ الْمُوَكِّلِ لِلْمِلْكِ بِالْمُدَّعِي، وَهُنَا الْمُودَعُ لَا يَعْتَرِفُ لِلْمُودِعَةِ بِالْمِلْكِ؛ فَلِذَلِكَ أَنَا مُتَوَقِّفٌ فِيهَا. وَهَذِهِ فَائِدَةٌ أَبْدَيْتُهَا لَا احْتِيَاجَ إلَيْهَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهَا تَرِكَةٌ فَلَا الْتِفَاتَ إلَى مُنَازَعَتِهَا. فَالْحُكْمُ بِكَوْنِ هَذَا الْمَالِ إرْثًا عَنْ الزَّوْجِ لَهَا وَلِابْنِهَا وَلِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ فِي مَحَلِّ الِاحْتِمَالِ إذَا حَكَمَ بِهِ نَائِبِي أَوْ غَيْرُهُ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ نَفَذَ حُكْمُهُ وَإِنَّمَا لَمْ أَقْطَعْ بِهِ لِقَوْلِ الْمُودَعِ: إنَّهَا قَالَتْ لَهُ قَبْلَ قَوْلِهَا لِلشُّهُودِ الثَّانِيَةِ إنَّهُ لِابْنِهَا كَمَا ادَّعَى أَنَّ شُهُودَ الْإِيدَاعِ شَهِدُوا بِهِ وَلَوْ ظَهَرَ ذَلِكَ الْإِشْهَادُ كَفَى وَلَكِنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ وَفِي قَبُولِ قَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ النَّظَرِ، وَإِذَا كَانَ أَهْلًا لِقَبُولِ شَهَادَتِهِ جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ خَصْمًا، وَيَحْلِفَ ابْنُهَا مَعَهُ إذَا بَلَغَ

стр. 969

إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَالُ مِنْ التَّرِكَةِ أَوْ كَانَ مِنْهَا وَلَكِنَّهُ اخْتَصَّ بِهِ الِابْنُ الْمَذْكُورُ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ كَقِسْمَةِ حَاكِمٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَقَدْ قَالَ الْمُودَعُ: إنَّهَا قَالَتْ هُوَ لِابْنِي مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِظَنِّهَا أَنْ لَا وَارِثَ مَعَهَا سِوَاهُ، وَتَكُونَ قَدْ أَخَذَتْ نَصِيبَهَا وَبَقِيَ هَذَا لَهُ. وَهَذَا كُلُّهُ فَرْعُ قَبُولِ الْمُودَعِ عَلَيْهَا، وَهُوَ مَحَلُّ تَوَقُّفٍ وَيَحْتَاجُ أَيْضًا فِي الْحُكْمِ لِلْوَرَثَةِ الْغَائِبِينَ إلَى اتِّصَالِ ثُبُوتِ حَاكِمِ تِلْكَ الْبَلَدِ. وَقَدْ حَصَلَ اتِّصَالُهُ إلَى نَائِبِي وَعِنْدِي نَظَرٌ فِي الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتٍ أَنَّ ذَلِكَ الْحَاكِمَ لَهُ وِلَايَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَإِنَّ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ نَحْنُ نُنَفِّذُ أَحْكَامَ الْحُكَّامِ الَّذِينَ عَلِمْنَا وِلَايَتَهُمْ وَاَلَّذِينَ اسْتَفَاضَ عِنْدَنَا وِلَايَتُهُمْ وَمَا يَزَالُ فِي نَفْسِي شَيْءٌ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ تَكَلَّمُوا فِي الْإِشْهَادِ عَلَى وِلَايَةِ الْقَاضِي وَالِاكْتِفَاءُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الِاكْتِفَاءُ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْأَخْذِ بِقَوْلِهِ عَلَى أَهْلِ بَلَدِ وِلَايَتِهِ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ تَصْرِيحًا بِالْكَلَامِ فِي اتِّصَالِ ذَلِكَ بِحَاكِمٍ آخَرَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحُكْمَ بِتَنْفِيذِ حُكْمِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى ثُبُوتِ وِلَايَتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي الَّذِي يُرِيدُ التَّنْفِيذَ بِحُكْمِهِ. فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ سَمِعْت لَفْظَ مَنْ وَلَّاهُ مِنْ إمَامٍ أَوْ قَاضٍ لَهُ تَوْلِيَتُهُ فَذَاكَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَنَدُ الْبَيِّنَةِ الِاسْتِفَاضَةَ خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَفِي ثُبُوتِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ أَصْلًا وَلَكِنْ اسْتَفَاضَ عِنْدَ الْقَاضِي فَهَلْ لَهُ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ جَزْمًا أَوْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ جَزْمًا أَوْ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ؟ لَمْ أَرَ لِلْأَصْحَابِ تَصْرِيحًا بِذَلِكَ؛ وَالْأَقْرَبُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ تَفْرِيعًا عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَعَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْعِلْمِ وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا خِلَافٌ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الْقُضَاةِ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ وَلَا تَكَلَّمَ فِيهِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْقُضَاةِ الَّذِينَ عِنْدَنَا فِي هَذِهِ الْبِلَادِ وَكَذَا قَاضٍ اُشْتُهِرَ عِنْدَنَا اسْمُهُ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ وَاشْتُهِرَ عِنْدَنَا أَهْلِيَّتُهُ. أَمَّا حُضُورُ مَكْتُوبٍ مِنْ قَاضٍ لَا يُعْرَفُ فِي بِلَادٍ بَعِيدَةٍ فَقَبُولُهُ وَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ التَّوَقُّفِ وَشَهَادَةُ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا فِي الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَاضٍ فِي قَبُولِهَا نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ قَبُولُهَا إذَا قُلْنَا نَكْتَفِي بِالِاسْتِفَاضَةِ لَكِنْ يَحْتَاجُ مَعَهَا إلَى مَعْرِفَتِنَا بِالْأَهْلِيَّةِ فَهَلْ إذَا جَهِلْنَاهَا يُكْتَفَى بِكَوْنِهِ مُنْتَصِبًا لِلْقَضَاءِ وَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا تَقْتَضِيهِ، كَذَلِكَ

стр. 970

الْأَمْرُ هُنَا قَالَ أَوَّلًا فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ وَكَذَا إذَا جَهِلْنَا مَنْ وَلَّاهُ هَلْ هُوَ سُلْطَانٌ ذُو شَوْكَةٍ نَافِذُ الْأَحْكَامِ أَوْ لَا يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ أَوَّلًا فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ لِأَنَّ الْبِلَادَ الْإِسْلَامِيَّةَ لَا يَكُونُ فِيهَا غَالِبًا إلَّا ذَلِكَ وَقَدْ يَضْعُفُ ذَلِكَ فِي الْبِلَادِ الَّتِي لَمْ نَتَحَقَّقْ قُوَّةَ تَرَدُّدِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِيهَا فَيُقَلَّدُ بِالْعَمَلِ بِذَلِكَ وَالْحُكْمُ بِهِ فِيهِ مَا فِيهِ حَتَّى تَحْصُلَ مَعْرِفَتُهُ وَالْإِنْذَارُ بِتَسَلُّمِ طَرِيقِ الثُّبُوتِ عَنْ الرِّيبَةِ وَالْبِلَادُ بَعِيدَةُ وَالشُّهُودُ لَا يُدْرَى مَا حَالُهُمْ وَالتَّلْبِيسُ كَثِيرٌ فَهَيْهَاتَ السَّلَامَةُ عَنْ الرِّيبَةِ. وَهَذَا الْوَلَدُ مُحَقَّقٌ وَوَالِدُهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ لَهُ أَوْلَادًا أُخَرَ فَعِنْدِي فِي الْحُكْمِ بِالشَّرِكَةِ مَعَ هَذِهِ الرِّيبَةِ تَوَقُّفٌ. وَأَيْضًا فَقَدْ قِيلَ إنَّ لِلْمَيِّتِ أَمْوَالًا أُخْرَى فِي تِلْكَ الْبِلَادِ فَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ أَوْلَادٍ هُنَاكَ تَكُونُ تِلْكَ الْأَمْوَالُ نَظِيرَ مَالِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ فَالْحُكْمُ بِإِخْرَاجِ بَعْضِ هَذَا الْمَالِ عَنْ هَذَا الْوَلَدِ الْمُحَقَّقِ الثَّابِتِ النَّسَبِ بِلَا رِيبَةٍ مَعَ إقْرَارِ الَّتِي كَانَ فِي يَدِهَا لَهُ عِنْدِي فِيهِ تَوَقُّفٌ كَثِيرٌ فَإِنْ أَقْدَمَ حَاكِمٌ عَلَى الْحُكْمِ بِذَلِكَ مَعَ هَذِهِ الرِّيبَةِ فَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ وَيَعْرِفُهُ الَّذِي وَلَّاهُ وَإِنَّ لَهُ أَهْلِيَّةَ التَّوْلِيَةِ، وَإِذَا حَكَمَ بِذَلِكَ كَمَا قُلْنَاهُ فَيَقْسِمُ هَذَا الْمَالَ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَهْمًا لِلزَّوْجَةِ الْغَائِبَةِ بِحَقِّ الثُّمُنِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَلِكُلِّ بِنْتٍ سَبْعَةُ أَسْهُمٍ وَلِلِابْنِ الْغَائِبِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَلِلِابْنِ الْحَاضِرِ بِالْإِرْثِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَلَهُ بِمُقْتَضَى إقْرَارِ أُمِّهِ مَا كَانَ يَحْصُلُ بِحَقِّ نِصْفِ الثُّمُنِ لَوْلَا إقْرَارُهَا فِي مَجْلِسٍ حُكْمِيٍّ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ فَيَجْتَمِعُ لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَلَيْسَ لِأُمِّهِ شَيْءٌ بَلْ تُحْرَمُ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهَا مُؤَاخَذَةً لَهَا أَعْنِي الْإِقْرَارَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِأَنَّهَا كَانَتْ أَقَرَّتْ أَنَّهُ لِابْنِهَا. (فَصْلٌ) وَلَيْسَ لَهَا وَضْعُ يَدِهَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ أَنَّهَا لَيْسَتْ وَصِيَّةً وَلَا لِلْمُودَعِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَسْتَمِرَّ يَدُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ لَهُ قَبُولُ الْوَدِيعَةِ عَلَى أَنَّهَا وَصِيَّةٌ وَالْآنَ قَدْ أَنْكَرَتْ فَيَجِبُ دَفْعُهَا إلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يَثْبُتَ مُسْتَحَقٌّ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ الْعَزِيزِ فِي حِفْظِهِ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ حَتَّى يَثْبُتَ مُسْتَحَقُّهُ. (فَصْلٌ) وَقَدْ حَصَلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا بِقَبْضِهَا مِنْ الذَّهَبِ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة مَبْلَغًا قَدْرُهُ قَدْرَ هَذِهِ الْوَدِيعَةِ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لَزِمَهَا وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي التَّلَفِ بَعْدَ ذَلِكَ

стр. 971

لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ لِأَصْلِ الْقَبْضِ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْمَبْلَغُ الْمَذْكُورُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا أَنَّهُ هُوَ هَذَا لِجُحُودِهَا وَلِإِقْرَارِهَا أَنَّ هَذَا لِابْنِهَا. فَإِنْ شَهِدَتْ الشُّهُودُ أَنَّ هَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ الَّذِي قَبَضَتْهُ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ آخَرُ وَإِلَّا فَيَلْزَمُهَا مَعَ هَذَا الْمَالِ إذَا حَكَمَ بِهِ لِابْنِهَا نَظِيرُهُ وَهُوَ مَا كَانَتْ قَبَضَتْهُ مِنْ التَّرِكَةِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا الْمَالَ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهَا الْأَخِيرِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ لِابْنِهَا لَا حَقَّ لَهَا فِيهِ لَا مِنْ الثُّمُنِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ مَسْبُوقٌ بِالْإِقْرَارِ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ الَّذِينَ كَانُوا حَاضِرِينَ عِنْدَ نَائِبِي مُخَلَّفٍ عَنْ زَوْجِهَا فَلَا يُقْبَلُ فِي غَيْرِ نَصِيبِهَا وَيُقْبَلُ فِي نَصِيبِهَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ الْمَكْتُوبُ وَشُهُودُهُ الْمُتَضَمِّنُ إقْرَارَهَا أَنَّهُ لِابْنِهَا فَيَكُونُ كُلُّهُ لِلِابْنِ وَيُلْغَى الْإِقْرَارُ الْمُتَوَسِّطُ مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ غَيْرِ التَّرِكَةِ فَيَكُونُ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ إلَّا هِيَ لِمُؤَاخَذَتِهَا بِإِقْرَارِهَا فَيَكُونُ نَصِيبُهَا لِابْنِهَا. (فَصْلٌ) وَأَمَّا الْحُكْمُ بِكَوْنِهِ لِوَلَدِهَا وَحْدَهُ فَإِنْ ظَهَرَتْ الْبَيِّنَةُ الَّتِي قَالَهَا الْمُودَعُ وَثَبَتَ بِشَهَادَتِهَا إقْرَارُهَا وَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ عَيْنِ تِلْكَ الْوَدِيعَةِ مِنْ التَّرِكَةِ وَلَا قَالَتْهُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ الْإِيدَاعِ فَصَحِيحٌ لَازِمٌ، وَلَا يَضُرُّنَا ثُبُوتُ وَرَثَةٍ آخَرِينَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَالُ مِنْ عَيْنِ التَّرِكَةِ، وَإِنْ كَانَتْ قَالَتْ: إنَّهُ لَهُ مِنْ التَّرِكَةِ، فَإِنْ ثَبَتَتْ قِسْمَةٌ أَوْ أَمْرٌ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ حُكِمَ بِاخْتِصَاصِهِ وَإِلَّا فَلَا، بَلْ تَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ مَا عَدَاهَا وَكَذَلِكَ إنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ مِنْ عَيْنِ التَّرِكَةِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى التَّرِكَةِ وَلَمْ يُعْرَفْ قَدْرُهَا وَقَبِلْنَا قَوْلَهَا فِي أَنَّ هَذِهِ الْوَدِيعَةَ لِابْنِهَا مِنْ التَّرِكَةِ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بِقِسْمَةٍ صَحِيحَةٍ اقْتَضَى أَنْ يَلْزَمَهَا مَعَ ذَلِكَ لِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ لِكُلِّ ابْنٍ مِثْلُهُ وَلِكُلِّ بِنْتٍ مِثْلُ نِصْفِهِ وَلِلزَّوْجَةِ الْأُخْرَى مِثْلُ نِصْفِ سُبْعِ مَجْمُوعِ ذَلِكَ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ قَدْ وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى التَّرِكَةِ وَأَقَرَّتْ بِاسْتِحْقَاقِ ابْنِهَا مِنْهَا ذَلِكَ فَيَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِحْقَاقُ الْبَاقِينَ مَا قُلْنَاهُ وَهِيَ الْوَصِيَّةُ الْوَاضِعَةُ يَدَهَا فَتُطَالَبُ بِهِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي التَّلَفِ لِإِنْكَارِهَا الْوَصِيَّةَ وَلَا يُفِيدُهَا إنْكَارُ الْوَصِيَّةِ فِي دَفْعِ الْمُطَالَبَةِ إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ وَوَضْعُ الْيَدِ ثَبَتَا بِالْبَيِّنَةِ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَ ذَلِكَ حَضَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَالِمٍ الْقَرْعُونِيُّ وَهُوَ أَحَدُ الشُّهُودِ الَّذِي قَالَ الْمُودَعُ عَنْهُمْ وَشَهِدَ عِنْدِي عَلَى

стр. 972

إقْرَارِهَا أَنَّهُ لِابْنِهَا مِنْ تَرِكَةِ وَالِدِهِ وَأَنَّهُ كَتَبَ الْمَكْتُوبَ بِخَطِّهِ. وَكَذَلِكَ شَهِدَ عِنْدِي بِذَلِكَ رَفِيقُهُ عَلَاءُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ رَسْلَانَ الْحَرَّانِيُّ وَإِنَّهُمَا عَارِفَانِ وَإِنَّهُمَا بَالِغَانِ زَوْجَةَ بَدْرِ الدِّينِ الْآنَ وَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَيْهَا إنَّهَا قَبَضَتْ مِنْ إسْكَنْدَرِيَّةَ مِنْ ثَمَنِ الْفُلْفُلِ الْمَبِيعِ مِنْ تَرِكَةِ زَوْجِهَا خَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشْرَةَ دِينَارًا. (فَصْلٌ) قَوْلُهَا أَنَّهُ مِنْ التَّرِكَةِ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ لَهُ، وَكَذَا قَوْلُهَا أَنَّهُ مُخَلَّفٌ عَنْ زَوْجِهَا لِأَنَّ ظَاهِرَ كَوْنِهِ مُخَلَّفًا عَنْهُ أَنَّهُ تَرِكَةٌ لَهُ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنَّهُ مُوصٍ بِهِ أَوْ مُخْتَصٌّ بِبَعْضِ وَرَثَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلُهَا أَنَّهُ لِابْنِهَا مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ أَوْ مِمَّا خَلَّفَهُ أَبُوهُ أَوْ عَنْ أَبِيهِ قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِيهِ وَأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ لِأَنَّهُ خَصَّهُ بِقِسْمَةِ حَاكِمٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَهُوَ مَقْبُولٌ عَلَيْهَا وَلَا يُقْبَلُ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْوَرَثَةِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ إذَا لَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهَا مَقْبُولًا أَمَّا إذَا جَعَلْنَا قَوْلَهَا مَقْبُولًا كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي نَظِيرِهِ فَيَعُودُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ بِعَيْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) إذَا تَعَذَّرَ الِاعْتِمَادُ عَلَى إثْبَاتٍ يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ بِشُهُودٍ يَشْهَدُونَ عَلَى وُجُودِ الْوَرَثَةِ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ وَيُزَكَّوْنَ عِنْدَنَا فَيَثْبُتُ وَيَعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَنْفِيذِ حُكْمِ ذَلِكَ الْقَاضِي وَلَا إثْبَاتِهِ. (فَصْلٌ) وَقَدْ تَضَمَّنَ الْمَكْتُوبُ الثَّابِتُ عَلَى قَاضِي تِلْكَ الْبِلَادِ وَتَوْكِيلِهِ عَلَى الْأَيْتَامِ وَتَوْكِيلِ الْبَالِغِينَ لِوَكِيلٍ وَالْإِذْنِ لِلْوَكِيلِ فِي التَّوْكِيلِ وَوَكَّلَ ذَلِكَ الْوَكِيلُ غَيْرَهُ فَيُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ أَيْضًا بِشُهُودٍ يَشْهَدُونَ عَلَى الْبَالِغِينَ بِالتَّوْكِيلِ. وَأَمَّا الْإِمَامُ فَإِنْ ثَبَتَ وُجُودُهُمْ هُنَاكَ وَلَمْ نَعْلَمْ حَالَ الْقَاضِي الَّذِي هُنَاكَ وَثَبَتَ عِنْدَنَا وُجُودُهُمْ حَفِظْنَا مَالَهُمْ أَوْ أَرْسَلْنَا مَعَ مَنْ يُؤْمَنُ لِيُوَصِّلَهُ إلَى مَنْ يَتَوَلَّى مِنْ الثِّقَاتِ هُنَاكَ إنْ كَانَ قَاضٍ فَهُوَ وَإِلَّا فَقِيهٌ غَيْرُهُ. كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سَادِسَ عَشَرٍ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ. [بَابُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ] (مَسْأَلَةٌ) الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ مَسْمُوعَةٌ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ سَائِغٌ عِنْدَنَا فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ حَاضِرٌ بَالِغٌ بِدَيْنٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَحَلَفَ مَعَهَا قُضِيَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يُقْضَ لَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَهَذِهِ الْيَمِينُ لِنَفْيِ الْمُسْقِطِ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ لَوْ كَانَ حَاضِرًا كَانَ لَهُ طَلَبُ الْيَمِينِ فَقَامَ الْقَاضِي مَقَامَهُ.

стр. 973

مَسْأَلَةٌ ثَانِيَةٌ) لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَاضِرًا فَادَّعَى الْبَرَاءَةَ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي قَالَ الْقَفَّالُ وَتِلْمِيذُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: أُلْزِمُ بِدَفْعِ الْحَقِّ وَكَانَ دَعْوَاهُ الْقَضَاءَ وَالْإِبْرَاءُ دَعْوَى أُخْرَى وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِدَفْعِ الْحَقِّ عَلَى الْفَوْرِ بَلْ إنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ قَرِيبَةٍ سُمِعَتْ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ حَلَفَ الْمُدَّعِي ثُمَّ يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ، وَلَوْ أَرَادَ التَّأْخِيرَ لِإِحْضَارِ بَيِّنَةٍ لَمْ يُمْهَلْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا مُعَارَضَةَ فِيهَا لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ قَدْ أَقَرَّ فَهُوَ الَّذِي أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِخِلَافِ الْغَائِبِ. [مَسْأَلَةٌ ادَّعَى وَكِيلٌ عَنْ غَائِبٍ عَلَى حَاضِرٍ فَقَالَ أَبْرَأَنِي مِنْ ذَلِكَ] (مَسْأَلَةٌ ثَالِثَةٌ) ادَّعَى وَكِيلٌ عَنْ غَائِبٍ عَلَى حَاضِرٍ فَقَالَ: أَبْرَأَنِي مِنْ ذَلِكَ أَمَرْنَاهُ بِالدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ تَحْلِيفٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ فَأَلْزَمَ نَفْسَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَالْوَكِيلُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَالتَّأْخِيرُ إلَى حُضُورِ الْمُوَكِّلِ لَا وَجْهَ لَهُ مَعَ إقْرَارِهِ بِلَا مُعَارَضَةٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. [مَسْأَلَةٌ ادَّعَى قَيِّمُ صَبِيٍّ عَلَى حَاضِرٍ] (مَسْأَلَةٌ رَابِعَةٌ) ادَّعَى قَيِّمُ صَبِيٍّ عَلَى حَاضِرٍ فَقَالَ: إنْ أَتْلَفَ لِي مَالًا بِنَظِيرِ ذَلِكَ لَمْ يُسْمَعْ بَلْ عَلَيْهِ مُصَادَمَةُ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْقَيِّمُ فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ حَلَّفَهُ، كَذَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَجَعَلَهُ خَلِيفَةَ الْوَكِيلِ وَسَبَبُهُ إقْرَارُهُ كَمَا أَشَرْت إلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فِيهِمَا. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ وَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ لَكِنَّ الظَّاهِرَ فِي التَّحْلِيفِ لِإِمْكَانِهِ وَفِيهِمَا عَدَمُهُ لِعَدَمِ إمْكَانِهِ وَعَدَمِ فَائِدَتِهِ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ الْحَقُّ الْمُدَّعَى بِهِ لِصَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ ادَّعَاهُ وَلِيُّهُ عَلَى غَائِبٍ] (مَسْأَلَةٌ خَامِسَةٌ) لَوْ كَانَ الْحَقُّ الْمُدَّعَى بِهِ لِصَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ ادَّعَاهُ وَلِيُّهُ عَلَى غَائِبٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَوْ عَلَى حَاضِرٍ فَأَقَرَّ وَادَّعَى الْقَضَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ مِنْ وَالِدِ الصَّبِيِّ الْمَيِّتِ فَأَمَّا الْحَاضِرُ فَيَتَّجِهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَلَا يُؤَخَّرُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ لِيَحْلِفَ؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِإِقْرَارِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، وَأَمَّا الْغَائِبُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يُؤَخَّرُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ إلَى بُلُوغِ الصَّبِيِّ وَإِفَاقَةِ الْمَجْنُونِ لِيَحْلِفَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ الْآنَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ ثَبَتَ فَلَا يُؤَخَّرُ بِالِاحْتِمَالِ؛ وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ بَعْدَ بُلُوغِهِ الْحَلِفُ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ وَهُوَ كَالْحَاصِلِ. (مَسْأَلَةٌ سَادِسَةٌ) لَوْ كَانَ الْحَقُّ لِصَبِيٍّ عَلَى صَبِيٍّ. قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: احْتِمَالَيْنِ فِي التَّأَخُّرِ إلَى الْبُلُوغِ فَيَحْلِفُ وَبَنَاهُمَا عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ وَاجِبَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ وَاقْتَضَى هَذَا الْبِنَاءُ وُجُوبَ الْآخَرِ مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ ذَلِكَ وَسَكَتَ عَلَيْهِ،

стр. 974

وَالظَّاهِرُ عِنْدِي الْحُكْمُ وَعَدَمُ التَّأْخِيرِ لِمَا ذَكَرْته فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ فِي الْغَائِبِ. وَالْمَسْأَلَتَانِ سَوَاءٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِصَبِيٍّ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ لِصَبِيٍّ عَلَى بَالِغٍ غَائِبٍ لَكِنْ احْتَاطَ الْقَاضِي فِيهِمَا بِأَخْذِ كَفِيلٍ إنْ أَمْكَنَ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَلَا وَجْهَ إلَّا لِقَضَاءِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ وَتَأَخُّرُهُ مَعَ الظُّهُورِ؛ بِالْوَهْمِ بَعِيدٌ لَا سِيَّمَا وَهُوَ يَبْقَى مُعَرَّضًا لِلضَّيَاعِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَقَعُ كَثِيرًا فِي مَالِ الْأَيْتَامِ. وَقَدْ اغْتَرَّ بَعْضُ الْقُضَاةِ بِكَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِيهِمَا وَصَارَ يَتَوَقَّفُ عَنْ الْحُكْمِ. وَعِنْدِي لَا وَجْهَ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ ١٩ شَوَّالٍ سَنَةَ ٧٤٩. (فَرْعٌ) لَيْسَ بِمَنْقُولٍ وَأَذْكُرُ أَنَّهُ اسْتَفْتَى فِيهِ بِالْقَاهِرَةِ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً: يَقَعُ كَثِيرًا فِي مَكَاتِيبَ: أَقَرَّ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ مَثَلًا لِفُلَانٍ بِكَذَا وَبِذَيْلِهِ شَهَادَةُ شُهُودٍ بِذَلِكَ وَهُمْ ذَاكِرُونَ الشَّهَادَةَ وَأَدَّوْهَا وَثَبَتَ ذَلِكَ الْمَكْتُوبُ بِشَهَادَتِهِمْ. وَيَقَعُ الِاخْتِلَافُ فِي نَسَبِ زَيْدٍ وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي الْمَكْتُوبِ أَنَّهُ شَرِيفٌ حُسَيْنِيٌّ أَوْ حَسَنِيٌّ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُقْصَدُ إثْبَاتُهُ وَيُقَالُ: إنَّ هَذَا الْمَكْتُوبَ ثَابِتٌ عَلَى الْقَاضِي الْفُلَانِيِّ فَهَلْ ذَلِكَ مُسْتَنَدٌ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ (وَالْجَوَابُ) أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُسْتَنَدًا صَحِيحًا فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ إنَّمَا هُوَ إقْرَارٌ بِكَذَا لِلْمُقِرِّ لَهُ. وَهُوَ عَلَى حَالَيْنِ تَارَةً لَا يَكُونُ الشُّهُودُ يَعْرِفُونَهُ فَيَشْهَدُونَ عَلَى حِلْيَتِهِ وَشَخْصِهِ وَالْأَخْلَصُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكْتُبَ أَقَرَّ مَنْ ذُكِرَ أَنَّ اسْمَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ وَعِنْدَ الْأَدَاءِ لَا يَشْهَدُونَ إلَّا عَلَى شَخْصِهِ فَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّهَادَةِ بِالنِّسْبَةِ، وَتَارَةً لَا يَكْتُبُ الشُّهُودُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ وَهُوَ تَقْصِيرٌ مِنْهُمْ وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ كَثِيرًا لِأَنَّهُ قَدْ كَثُرَ ذَلِكَ وَعُرِفَ أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى تَسْمِيَةِ الشَّخْصِ نَفْسَهُ مَا لَمْ يَقُولُوا وَهُوَ مَعْرُوفٌ فَيُغْتَفَرُ لِلشُّهُودِ ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ وَهُوَ مَعْرُوفٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمَعْرِفَةِ بِهِ وَهُوَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا يَعْرِفُهُمْ الشَّخْصُ مَعْرِفَةً جَيِّدَةً وَيُعَاشِرُهُمْ مُعَاشَرَةً طَوِيلَةً وَلَا يَعْرِفُ أَبَاهُ وَلَا نَسَبَهُ فَإِذَا أَشْهَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ مَنْ احْتَاجَ أَنْ يَسْأَلَهُ أَوْ يَسْأَلُ غَيْرَهُ عَنْ نَسَبِهِ وَيَكْتُبُهُ اعْتِمَادًا عَلَى إخْبَارِهِ أَوْ إخْبَارِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ حَصَلَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ قَوِيٌّ يَسُوغُ لَهُ الشَّهَادَةُ بِذَلِكَ النَّسَبِ هَكَذَا الْوَاقِعُ بَلْ فِي الْمَشْهُورِينَ الَّذِينَ نَعْتَقِدُ أَنَّهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالنَّسَبِ لِتَكَرُّرِ ذِكْرِ الشَّخْصِ أَبَاهُ

стр. 975

وَجَدَّهُ أَوْ ذَكَرَ غَيْرَهُ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ انْتِهَاءٍ إلَى تَوَاتُرٍ أَوْ اسْتِفَاضَةٍ أَوْ رُكُونٍ بِحَيْثُ يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ مُسَوِّغٌ لِلشَّهَادَةِ فَكَثِيرٌ مِمَّنْ هُوَ مَشْهُورٌ بَيْنَ النَّاسِ بِالشَّرَفِ لَوْ سُئِلْنَا أَنْ نَشْهَدَ لَهُ بِالشَّرَفِ لَمْ يُخَلِّصْنَا ذَلِكَ مَعَ أَنَا نُطْلِقُ عَلَيْهِ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فِي مُخَاطَبَتِنَا لَهُ وَلِغَيْرِهِ بِالشَّرَفِ. وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَنْسَابِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي الْعُرْفِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ انْتِهَاءٍ إلَى الرُّتْبَةِ الْمُسَوِّغَةِ لِلشَّهَادَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ ظَنَّا ضَعِيفًا وَذَلِكَ الظَّنُّ الضَّعِيفُ يَكْفِي فِي إطْلَاقِ التَّخَاطُبِ وَلَا يَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ وَكَأَنَّا إذَا قُلْنَا: يَا شَرِيفُ أَوْ جَاءَ الشَّرِيفُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مُوَافِقًا الشَّرِيفَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَإِذَا رَأَيْنَا مَكْتُوبًا لَيْسَ مَقْصُودُهُ إثْبَاتَ النَّسَبِ لَمْ نَحْمِلْهُ عَلَى إثْبَاتِ النَّسَبِ وَلَا يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ فِي إثْبَاتِهِ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ غَيْرَهُ، وَقَدْ عَرَضَ لِي فِي ذَلِكَ بَحْثٌ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ وَالْجَوَابِ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ احْتَجُّوا عَلَى صِحَّةِ نِكَاحِ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] وَقَوْلُهُ ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَتَمَسُّكُهُمْ بِذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَضْعَ هَذَا الْكَلَامِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهَا امْرَأَتُهُ، وَقَوْلُنَا: قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو كَذَلِكَ فَيَكُونُ إخْبَارًا بِأَنَّهُ ابْنُ عَمْرٍو فَتَحْصُلُ الشَّهَادَةُ بِذَلِكَ فَيَقْتَضِي ثُبُوتُهُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٩] يَقْتَضِي أَنَّهَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَدَلَالَتُهُ عَلَى ذَلِكَ دَلَالَةُ الْتِزَامٍ وَدَلَالَةٌ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْهَا بِالْقَوْلِ دَلَالَةُ مُطَابَقَةٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يَعْلَمُ كَوْنَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْمُعَيَّنَةِ الْمُخْبَرِ عَنْهَا بِالْقَوْلِ هَلْ هِيَ امْرَأَتُهُ أَمْ لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ فَلَمَّا قَالَ ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٩] اقْتَضَى أَنَّهَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ لَمْ يَصِحَّ نِسْبَةُ الْقَوْلِ إلَى امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَقَدْ نُسِبَ الْقَوْلُ فِيهَا فِي أَصْدَقِ الْكَلَامِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قَطْعًا الْتِزَامًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا الشُّهُودُ فَلَيْسُوا عَالِمِينَ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ فَإِنْ شَهِدُوا عَلَى الشَّخْصِ أَوْ بِالْحِلْيَةِ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلنَّسَبِ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ قَالُوا: نَشْهَدُ عَلَى زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو خَالِدٍ الْحَسَنِيِّ وَصَرَّحُوا بِالشَّهَادَةِ بِنَسَبِهِ وَنِسْبَتِهِ رَجَعْنَا إلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا فَيُحْمَلُ كَلَامُهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِمَا يُعْلَمْ مِنْ جَهْلِهِمْ بِحَقَائِقِ الْحَالِ وَالنَّسَبِ وَغَالِبًا وَأَنَّهُمْ إنَّمَا اعْتَمَدُوا عَلَى أَدْنَى ظَنٍّ فَكَانَتْ

стр. 976

الدَّلَالَةُ الِالْتِزَامِيَّةُ فِي كَلَامِهِمْ ضَعِيفَةً وَلَوْ كَانَتْ قَوِيَّةً لَمْ يُعْتَمَدْ عَلَيْهَا فِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ الَّذِي يَقْصِدُ إثْبَاتَهُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَهُ الشَّاهِدُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مُطَابَقَةً، وَأَمَّا كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى فَيُحْتَجُّ بِهِ وَبِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مُطَابَقَةً كَانَ أَوْ الْتِزَامًا فَافْهَمْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ سَابِعَ عَشَرَ شَهْرَ صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ. انْتَهَى. ثُمَّ كَتَبَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَقِيبَهُ مَا نَصُّهُ: (فَرْعٌ) شَبِيهٌ بِهَذَا وَتَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ نَجِدُ كِتَابُ مُبَايَعَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا بِعَقَارٍ أَوْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا يَشْتَمِلُ عَلَى حُدُودِ وَيَقَعُ اخْتِلَافٌ فِي تِلْكَ الْحُدُودِ وَيُطْلَبُ مِنَّا إثْبَاتُ أَنَّ الْحُدُودَ كَمَا تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الْكِتَابُ وَمَا فَعَلْته قَطُّ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ فِي الْبَيْعِ أَوْ الْوَقْفِ أَوْ نَحْوِهِمَا هُوَ الْعَقْدُ الصَّادِرُ عَلَى الْمَحْدُودِ بِتِلْكَ الْحُدُودِ وَقَدْ لَا يَكُونُ الشَّاهِدُ عَارِفًا بِتِلْكَ الْحُدُودِ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا سَمِعَ لَفْظَ الْعَاقِدِ فَهُوَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ وَالْحُدُودُ مَحْكِيَّةٌ مِنْ كَلَامِ الْعَاقِدِ، وَهَكَذَا إذَا كَانَ كِتَابُ إقْرَارٍ فَالْمَشْهُودُ بِهِ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ وَالْحُدُودُ مِنْ كَلَامِهِ لَا مِنْ كَلَامِ الشَّاهِدِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْعُقُودِ وَالْأَقَارِيرِ وَظُهُورُهُ فِي الْأَقَارِيرِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَلَامِ الْمُقِرِّ لَا مِنْ كَلَامِ الشَّاهِدِ وَفِي الْعُقُودِ دُونَهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْعَقْدِ مِنْ كَلَامِ الشَّاهِدِ وَحِكَايَتِهِ عَنْ حُضُورِهِ الْعَقْدَ وَسَمَاعِهِ فَهُوَ شَاهِدٌ بِالْبَيْعِ وَالْوَقْفِ لَا بِالْإِقْرَارِ بِهِمَا فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِ بِصُدُورِ الْبَيْعِ عَنْ الْمَبِيعِ وَالْوَقْفِ عَلَى الْمَوْقُوفِ. لَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَدْعِي مَعْرِفَةَ الْمَبِيعِ وَالْمَوْقُوفِ لِجَوَازِ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك الْبَلَدَ أَوْ الدَّارَ الَّتِي حَدُّهَا كَذَا وَلَا يَكُونُ عِنْدَ الشَّاهِدِ عِلْمٌ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيُسَوَّغُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى جَرَيَانِ الْبَيْعِ عَلَى الْحُدُودِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَلَا حُدُودَهُ بَقِيَ عَلَيْنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ قَدْ يُشْكِلُ وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ فَكَثِيرًا مَا يَقَعُ هَذَا فِي كُتُبِ الْمُبَايَعَاتِ وَالْأَوْقَافِ مُسْتَقِلًّا تَقُومُ بَيِّنَةٌ أَنَّ فُلَانًا مَالِكٌ حَائِزٌ لِلْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ الَّذِي حُدُودُهُ كَذَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَكَانُ مَعْرُوفًا مَشْهُورًا لَا مُنَازَعَةَ فِيهِ وَتَقَعُ الْمُنَازَعَةُ فِي حُدُودِهِ أَوْ فِي بَعْضِهَا وَالشُّهُودُ قَدْ مَاتُوا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْمَكْتُوبُ بِشَهَادَتِهِمْ وَقَصَدَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمَكْتُوبُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ فِي الْحُدُودِ وَيَنْتَزِعَ مِنْ صَاحِبِ

стр. 977

يَدٍ بَعْضَ مَا فِي يَدِهِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ وَيَدَّعِي أَنَّ تِلْكَ الْحُدُودِ ثَابِتَةٌ لَهُ بِمُقْتَضَى مَكْتُوبِهِ وَقَدْ طَلَبَ مِنِّي ذَلِكَ فَلَمْ أَفْعَلْهُ؛ لِأَنِّي أَعْلَمُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ أَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَعْلَمُ مِلْكَ زَيْدٍ لِلْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مَثَلًا عِلْمًا يُسَوِّغُ لَهُ الشَّهَادَةَ بِمِلْكِهِ وَيَدِهِ وَذَلِكَ الْبَلَدُ مُشْتَهِرٌ وَتَحْقِيقُ حُدُودِهِ قَدْ لَا يُحِيطُ عِلْمُ الشَّاهِدِ بِهَا فَيَشْتَمِلُهَا مِمَّنْ يَعْرِفُهَا هَكَذَا رَأَيْنَا الْعَادَةَ كَمَا يَشْهَدُ عَلَى زَيْدٍ الَّذِي يَعْرِفُهُ وَيَتَحَقَّقُهُ وَلَا يَتَحَقَّقُ نَسَبُهُ فَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى وَاحِدٍ فِيهِ، فَالتَّمَسُّكُ فِي إثْبَاتِ الْحُدُودِ كَالتَّمَسُّكِ فِي إثْبَاتِ الشَّرَفِ وَنَحْوِهِ هُنَاكَ بِذَاكَ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَتْ يَدُهُ عَلَى شَيْءٍ وَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ بِحَقٍّ لَا تُنْزَعُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِأَنَّ يَدَهُ عَادِيَةٌ وَلَا يَعْتَمِدُ فِي رَفْعِ يَدِهِ عَلَى كِتَابٍ قَدِيمٍ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ الَّتِي لَا نَدْرِي مُسْتَنَدَهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ فِي التَّارِيخِ الْمَذْكُورِ. انْتَهَى. [كِتَابُ الْقِسْمَةِ] (كِتَابُ الْقِسْمَةِ) (مَسْأَلَةٌ) رَجُلَانِ بَيْنَهُمَا شَرِكَةٌ فِي أَنْسَابٍ وَبَسَاتِينَ وَهُمَا مُسْتَأْجِرَانِ لِلْأَرْضِ الْحَامِلَةِ لِذَلِكَ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الْأَنْسَابِ وَالْبِئْرِ هَلْ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ؟ (أَجَابَ) لَا إجْبَارَ فِي الْبِئْرِ فِي الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ صَغِيرَةً كَانَتْ الْبِئْرُ أَوْ كَبِيرَةً وَلَا فِي الْأَنْسَابِ إنْ اخْتَلَفَ جِنْسُهَا أَوْ نَوْعُهَا أَوْ قِيمَتُهَا بِحَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ التَّعْدِيلُ، وَإِنْ اتَّحَدَ النَّوْعُ وَأَمْكَنَ التَّعْدِيلُ فَعِنْدِي فِيهِ تَوَقُّفٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. (مَسْأَلَةٌ) مِنْ النَّحْرَارِيَّةِ قِسْمَةُ رَدٍّ ظَهَرَ فِيهَا عَيْنٌ كَرِهَ وَكَانَتْ بِالتَّرَاضِي لَمْ أَكْتُبْ عَلَيْهَا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا رَدَّ لَكِنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ فِي الْوَجِيزِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إذَا جَرَتْ بِلَفْظِ الْقِسْمَةِ تُرَدُّ لِاقْتِضَاءِ لَفْظِ الْقِسْمَةِ التَّعَادُلَ، وَهَذَا عِنْدِي قَوِيٌّ وَهُوَ مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ أَجْسُرْ عَلَى الْفَتْوَى بِهِ حَتَّى أَتَرَوَّى فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (فَتْوَى) مِنْ قَاضِي حَمَاةَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ٤٩ فِي قِسْمَةِ أَرْضٍ نِصْفُهَا مِلْكٌ وَنِصْفُهَا وَقْفٌ وَأَحَدُ طَرَفَيْهَا يَلِي النَّهْرَ دُونَ الْآخَرِ وَهِيَ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْزَاءِ. (الْجَوَابُ) مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ لَا يَجُوزُ قِسْمَتُهَا وَلَا يُجَابُ صَاحِبُ الْمِلْكِ إلَى مَا سَأَلَهُ مِنْ الْقِسْمَةِ لَا إجْبَارًا وَلَا بِاخْتِيَارِهِمْ، وَقِسْمَةُ مِثْلِ هَذِهِ الْأَرْضِ بَيْعٌ وَبَيْعُ الْوَقْفِ لَا يَجُوزُ. وَقَدْ اخْتَارَ الرُّويَانِيُّ جَوَازَ قِسْمَةِ الْمِلْكِ مِنْ الْوَقْفِ

стр. 978

وَوَافَقَهُ النَّوَوِيُّ، وَمُسْتَنَدُهُمَا الْمَصْلَحَةُ ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلَا عَمَلُ الْقُضَاةِ الشَّافِعِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ وَلَدُهُ سَيِّدُنَا قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو نَصْرٍ تَاجُ الدِّينِ سَلَّمَهُ اللَّهُ: أَمْلَى عَلَيَّ وَالِدِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵁ سُئِلَ وَالِدِي عَنْ قِسْمَةِ الْحَدِيقَةِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْمُسَاقَاةِ يَصِحُّ أَوْ لَا؟ ، وَهَلْ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ أَوْ لَا؟ ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ رِضَا الْعَامِلِ أَمْ لَا؟ وَهِيَ قَابِلَةٌ لِقِسْمَةِ التَّعْدِيلِ؟ (الْجَوَابُ) تَصِحُّ وَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهَا وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْعَامِلِ وَيَبْقَى حَقُّهُ بَعْدَهَا كَمَا كَانَ قَبْلَهَا، وَلَكِنْ يَحْذَرُ مِنْ الرِّبَا بِأَنْ تَجْرِيَ الْقِسْمَةُ بَعْدَ وُجُودِ الثَّمَرَةِ وَيَقَعُ فِي كُلٍّ مِنْ النَّصِيبَيْنِ فَيَصِيرُ بَيْعُ رُطَبٍ وَنَخْلٍ بِمِثْلِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ. هَذَا الْجَوَابُ الْجُمَلِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَمَّا التَّفْصِيلِيُّ فَالْكَلَامُ فِي فَصْلَيْنِ بَيْعُ الْحَدِيقَةِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا ثُمَّ قِسْمَتُهَا. أَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ: بَيْعُ الْحَدِيقَةِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ تُشْبِهُ بَيْعَ الْمُسْتَأْجِرِ وَلَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا، نَعَمْ فِي فَتَاوَى صَاحِبِ التَّهْذِيبِ أَنَّ الْمَالِكَ إنْ بَاعَهَا قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ لِلْعَامِلِ حَقًّا فِي ثِمَارِهَا فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى بَعْضَ الثَّمَرَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْأَشْجَارِ وَنَصِيبُ الْمَالِكِ مِنْ الثِّمَارِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى شَرْطِ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهَا مَبِيعَةٌ مَعَ الْأُصُولِ وَيَكُونُ الْعَامِلُ مَعَ الْمُشْتَرِي كَمَا كَانَ مَعَ الْبَائِعِ، وَإِنْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ وَحْدَهَا لَمْ يَصِحَّ لِلْحَاجَةِ إلَى شَرْطِ الْقَطْعِ وَتَعَذُّرُهُ فِي الشَّائِعِ. انْتَهَى. وَاسْتَحْسَنَ النَّوَوِيُّ مَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَأَلْحَقَهَا ابْنُ الرِّفْعَةِ بِبَيْعِ الثَّوْبِ عِنْدَ الْقَصَّارِ الْأَجْرُ عَلَى قِصَارَتِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَكُلُّ عَيْنٍ ثَبَتَ لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ حَقُّ حَبْسِهَا لِيَسْتَوْفِيَ مَا وَجَبَ لَهُ بِسَبَبِ الْعَمَلِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ عَقْدٌ لَازِمٌ وَقَدْ اسْتَحَقَّ الْعَامِلُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ أَجْرًا. قَالَ: وَبَعْضُ النَّاسِ كَانَ يَقُولُ: يَتَّجِهُ أَنْ يَتَخَرَّجَ عَلَى بَيْعِ الْأَعْيَانِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَامِلَ قَدْ اسْتَحَقَّ جُزْءًا مِنْ الثَّمَرَةِ الَّذِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ وَغَفَلَ عَنْ مُلَاحَظَةِ هَذَا الْمَأْخَذِ. وَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: كِلَا الْكَلَامَيْنِ مُعْتَرِضٌ، أَمَّا كَلَامُ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ فَلِأَنَّهُ عَلَّلَ الْبُطْلَانَ قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ بِأَنَّ لِلْعَامِلِ جُزْءًا فِي الثَّمَرَةِ

стр. 979

فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى بَعْضَهَا، وَمُرَادُهُ بِخُرُوجِ الثَّمَرَةِ وُجُودُهَا لَا تَأْبِيرُهَا فَإِنَّهُ إذَا بَاعَ نَخْلَةً وَعَلَيْهَا ثَمَرَةٌ غَيْرُ مُؤَبَّرَةٍ وَاسْتَثْنَاهَا لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ فَاسْتَثْنَى مَا يَحْدُثُ مِنْ ثَمَرَتِهَا بَطَلَ الْعَقْدُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيُّ وَإِنْ كَانَ أَظْهَرَ مِنْ أَنْ يُعْزَى إلَى نَقْلٍ فَنَزَّلَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ اسْتِحْقَاقَ الْعَامِلِ لِمَا مِنْ الثَّمَرَةِ مَنْزِلَةَ اسْتِثْنَائِهِ لَفْظًا، وَلَوْ اسْتَثْنَاهُ لَفْظًا لَبَطَلَ الْعَقْدُ فَكَذَلِكَ هَذَا. وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ التَّأْبِيرَ لَمْ يَضُرَّ. وَلَمْ يَتِمَّ اسْتِدْلَالُهُ لِمَا بَيِّنَاهُ لَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعَامِلِ اسْتِثْنَاءٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يُعْطَى حُكْمَ الِاسْتِثْنَاءِ اللَّفْظِيِّ كَمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ الشَّرْعِيِّ وَاللَّفْظِيِّ فِي الْمَنَافِعِ، فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ عَيْنًا وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَتَهَا شَهْرًا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلَوْ بَاعَ عَيْنًا مُسْتَأْجَرَةً صَحَّ فِي الْأَصَحِّ، وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ يُوَافِقُ عَلَى أَنَّ التَّصْحِيحَ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَقَالَ: إنَّهُ الْأَصَحُّ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الصُّلْحِ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ يُفَرِّقُ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ بَيْنَ الْمَنَافِعِ وَالْأَعْيَانِ فَيُلْحِقُ الِاسْتِثْنَاءَ الشَّرْعِيَّ بِاللَّفْظِيِّ فِي الْأَعْيَانِ دُونَ الْمَنَافِعِ. قُلْت: قَدْ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْمَاشِيَةَ الْمُوصَى بِنِتَاجِهَا صَحَّ الْبَيْعُ إذَا وَقَعَ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحَمْلِ. وَنَصَّ هُوَ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُمَا فِي كِتَابِ الْوَصَايَا عِنْدَ الْكَلَامِ فِي الْوَصِيَّةِ بِمَنْفَعَةِ الدَّارِ وَخِدْمَةِ الْعَبْدِ وَثَمَرَةِ الْبُسْتَانِ وَأَنَّهُ يَعْتَبِرُ مِنْ الثُّلُثِ قِيمَةَ الرَّقَبَةِ كَامِلَةً عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ أَوْ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا بِالْمَنْفَعَةِ وَدُونَهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ شُرَيْحٍ ﵀، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُؤَبَّدِ وَالْمُؤَقَّتِ فَذَكَرُوا عَنْ الْحُصَرِيِّ تَفْصِيلًا اسْتَحْسَنَهُ الْقَاضِي وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُؤَبَّدًا أَوْ مُؤَقَّتًا بِعَامٍ مَجْهُولٍ يُفَوِّضُ لِلْوَارِثِ تَعْيِينَهُ أَوْ يُوصِي بِثِمَارِ بُسْتَانِهِ مَثَلًا لِعَامٍ فَإِنْ لَمْ يُثْمِرْ الْعَامَ اسْتَحَقَّ ثَمَرَةَ الْعَامِ الثَّانِي فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ الْعَبْدَ إنْ جَعَلَ لَهُ خِدْمَتَهُ عَامًا حَتَّى إنْ مَرِضَ هَذَا الْعَامَ خَدَمَ عَامًا آخَرَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَيُعْتَبَرُ خُرُوجُ رَقَبَتِهِ فَأَمَّا إذَا عَيَّنَ خِدْمَةَ عَامٍ مَعْلُومٍ أَوْ ثَمَرَةَ الْبُسْتَانَ عَامًا مَعْلُومًا بِحَيْثُ إنْ أَخْلَفَ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَفِي جَوَازِ بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ أَوْ هَذَا الْبُسْتَانِ قَوْلَانِ كَالْقَوْلَيْنِ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ، فَإِنْ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَنْقَضِ زَمَانُ الْوَصِيَّةِ فَيُعْتَبَرُ خُرُوجُ الرَّقَبَةِ مِنْ الثُّلُثِ

стр. 980

لِأَنَّ الْحَيْلُولَةَ حَاصِلَةٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالرَّقَبَةِ، وَالْحَيْلُولَةُ لَا تَجُوزُ مَا لَمْ يَخْرُجْ الشَّيْءُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُحَابَاةٌ وَإِنْ جَوَّزَ بَيْعَ هَذَا الْعَبْدِ أَوْ هَذَا الْبُسْتَانِ فَحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ خُرُوجُ النُّقْصَانِ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا قَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ. فَفِي هَذَا النَّقْلِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ بَيْعَ الشَّجَرَةِ الْمُوصَى بِثَمَرَتِهَا سَنَةً مُخَرَّجٌ عَلَى الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ عَيْنًا مُسْتَثْنَاةً شَرْعًا مَعَ أَنَّهَا إذَا اُسْتُثْنِيَتْ لَفْظًا لَا يَصِحُّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا يَأْتِي إذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ كُلَّ مَنْفَعَةِ الشَّجَرِ، أَمَّا إذَا كَانَتْ بَعْضَ الْمَنْفَعَةِ فَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْأَصْحَابِ الْقَطْعُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْمُوصِي بِنِتَاجِهِ لِبَقَاءِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ ظَهَرَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الشَّرْعِيَّ فِي ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ اللَّفْظِيَّ فِي ذَلِكَ قَادِحٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيُّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِيمَا إذَا بَاعَ نَخْلَةً لَا ثَمَرَةَ عَلَيْهَا وَاسْتَثْنَى مَا يُحْدِثُ مِنْ ثَمَرَتِهَا بَاطِلٌ وَعَلَى قِيَاسِهِ بَيْعُ الْجَارِيَةِ وَاسْتِثْنَاءُ مَا يَحْدُثُ مِنْ حَمْلِهَا فَقَدْ ظَهَرَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمَنَافِعِ وَالثِّمَارِ وَالْحَمْلِ الْمَعْدُومِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ الشَّرْعِيِّ وَاللَّفْظِيِّ فَيَصِحُّ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي، وَمَسْأَلَةُ الْمُسَاقَاةِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الشَّرْعِيِّ فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَسْتَمِرُّ لَكُمْ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ الشَّرْعِيِّ وَاللَّفْظِيِّ فِي الْأَعْيَانِ وَقَدْ سَوُّوا بَيْنَهُمَا فِي الْحَمْلِ الْمَوْجُودِ فَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً حَامِلَةً بِحُرٍّ بَطَلَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَيْضًا خِلَافًا لِلْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِمَا، وَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً مُوصًى بِحَمْلِهَا الْمَوْجُودِ لِغَيْرِ مَالِكِ الْأُمِّ فَكَالْحَامِلِ بِحُرٍّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ فَقَدْ سَوُّوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ اللَّفْظِيِّ وَالشَّرْعِيِّ صَرِيحًا. قُلْت: إنَّمَا سَوَّيْنَا بَيْنَ الشَّرْعِيِّ وَاللَّفْظِيِّ فِي الْحَمْلِ الْمَوْجُودِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي اسْتِثْنَاءِ جُزْءٍ أَوْ مُنَزِّلٍ مَنْزِلَةَ الْجُزْءِ مَجْهُولٍ قَدْرًا وَصِفَةً لَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ فِي الْبَيْعِ فَأَشْبَهَ اسْتِثْنَاءَ يَدِ الْجَارِيَةِ وَالْمَعْنَى فِيهِ تَعَذُّرُ تَسْلِيمِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَحْدَهُ، وَكَذَا قُلْنَا فِي بَيْعِ الشَّاةِ إلَّا يَدَهَا إنْ كَانَتْ حَيَّةً لَمْ يَصِحَّ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَبَعْدَ الذَّكَاةِ يَصِحُّ إذَا كَانَ اللَّفْظُ مَعْلُومًا كَالْأَرْضِ لَا مَكَانَ التَّسْلِيمِ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْمَأْخَذَ تَعَذُّرُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ عَلَى حَالِهِ وَالْحَامِلُ بِحُرٍّ لَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ بِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِهَا بِدُونِهِ وَلَيْسَ لِتَأَخُّرِ التَّسْلِيمِ غَايَةً مَعْلُومَةً؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ تَطُولُ وَتَقْصُرُ مَعَ مَا فِي جَهَالَةِ الْحَمْلِ الْمُسْتَثْنَى وَعَدَمِ الْعِلْمِ

стр. 981

بِقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ فَجَرَّ ذَلِكَ غَرَرًا عَظِيمًا فَلَمْ يَصِحَّ سَوَاءٌ اسْتَثْنَى لَفْظًا أَوْ شَرْعًا وَالثَّمَرَةُ بَعِيدَةٌ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ وَيَصِحُّ إفْرَادُهَا وَيُمْكِنُ تَسْلِيمُ الشَّجَرَةِ بِدُونِهَا فَصَحَّ اسْتِثْنَاءُ الْمَوْجُودِ مِنْهَا لَفْظًا أَوْ شَرْعًا وَالثَّمَرَةُ الْمَعْدُومَةُ إذَا اسْتَثْنَاهَا لَفْظًا خَالَفَ مَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ مِنْ حُدُوثِهَا عَلَى الْمِلْكِ الْمُشْتَرَى وَلَا يَأْتِي فِيهَا الْخِلَافُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ نُقَدِّرُ كَأَنَّهَا انْتَقَلَتْ إلَى الْمُشْتَرِي وَعَادَتْ إلَيْهِ بِإِجَارَةٍ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْرِيرُ ذَلِكَ هُنَا، وَإِذَا اسْتَثْنَاهَا شَرْعًا فَقَدْ أَحَلَّ الْمُشْتَرِي مَحَلَّهُ وَمَلَّكَهُ جَمِيعَ مَا كَانَ يَمْلِكُ، وَالْمَنَافِعُ مَعْلُومَةٌ وَيَصِحُّ إفْرَادُهَا لَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ التَّسْلِيمِ فَفِي الِاسْتِثْنَاءِ اللَّفْظِيِّ أَبْطَلْنَا؛ لِأَنَّهُ كَشَرْطِ تَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ اسْتِحْقَاقُ جَمِيعِ مَا يَمْلِكُهُ الْبَائِعُ وَوُجُوبُ تَسْلِيمِهِ عَلَى الْفَوْرِ فَشَرْطُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ مُفْسِدٌ وَفِي الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مَلَكَ الْمُشْتَرِي جَمِيعَ مَا عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَرَفَعَ يَدَهُ الْكَائِنَةَ عَلَى الْعَيْنِ وَأَحَلَّ الْمُشْتَرِي مَحَلَّهُ وَصَارَ الْمُسْتَأْجِرُ مَعَهُ كَمَا كَانَ مَعَ الْبَائِعِ فَلِذَلِكَ صَحَّ، وَالْحَمْلُ الْمَعْدُومُ لَيْسَ مَانِعًا مِنْ التَّسْلِيمِ فَإِنَّ مَا يُقْدَحُ اسْتِثْنَاؤُهُ اللَّفْظِيُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ كَذَلِكَ. فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَمْلِ وَالثَّمَرَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَعُلِمَ أَنَّ مُجَرَّدَ الِاسْتِثْنَاءِ الشَّرْعِيِّ لَا يَضُرُّ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى صِحَّةِ بَيْعِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ وَلَوْ بَاعَ أَمَةً وَاسْتَثْنَى الِانْتِفَاعَ بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا لَمْ يَصِحَّ اتِّفَاقًا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ فِيهَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَتِهَا شَرْعًا وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: ثُبُوتُ يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَيْهَا وَالْمَزْرُوعَةُ لَا يَدٌ حَائِلَةٌ عَلَيْهَا وَلَا اسْتِثْنَاءٌ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهَا وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَبْقِيَةُ الزَّرْعِ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: طَرِيقَةُ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَأَصَحُّهُمَا الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلِأَنَّ الْبَائِعَ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَ الْأَرْضِ وَإِحْلَالِهِ مَحَلَّهُ وَيَصِحُّ تَسْلِيمُهَا مَزْرُوعَةً عَلَى الصَّحِيحِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُ الْأَرْضِ الْمَغْرُوسَةِ إذَا اسْتَثْنَى غِرَاسَهَا وَلَا خِلَافَ فِي الصِّحَّةِ، وَيَدْخُلُ الْغَرْسُ الَّذِي هُوَ فِي مَوْضِعِ الشَّجَرِ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ تَفْرِيغُ الْأَرْضِ عَنْ الشَّجَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ

стр. 982

وَغَيْرُهُمَا، وَلَا يَلْزَمُهُ أُجْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ غَرْسٌ فِي مِلْكِهِ وَالْمَزْرُوعَةُ بِزَرْعٍ يُسْتَخْلَفُ كَالْمَغْرُوسَةِ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَتَسْتَحِقُّ إبْقَاءَ الزَّرْعِ. وَفِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ لِإِبْقَاءِ الزَّرْعِ الَّذِي لَا يُسْتَخْلَفُ وَجْهَانِ الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا عَدَمُ الْوُجُوبِ وَالدَّارُ الْمَشْحُونَةُ بِأَمْتِعَةِ الْبَائِعِ يَصِحُّ بَيْعُهَا جَزْمًا؛ لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِالتَّسْلِيمِ عَقِيبَ الْعَقْدِ بِخِلَافِ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ فَلَيْسَ فِي الدَّارِ الْمَشْحُونَةِ بِالْأَمْتِعَةِ إلَّا اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَةٍ وَلَا يَدٌ حَائِلَةٌ وَلَا تَأَخُّرُ اشْتِغَالٍ بِأَسْبَابِ التَّسْلِيمِ عَقِيبَ الْعَقْدِ وَالْمُسْتَأْجَرَةُ فِيهَا الِاسْتِثْنَاءُ وَالْيَدُ الْحَائِلَةُ؛ فَجَرَى الْقَوْلَانِ وَالْمُسَاقَاةُ عَلَيْهَا كَذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ فَإِنَّ يَدَ الْعَامِلِ لَيْسَتْ حَائِلَةً فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ وَقَدْ يُشَارِكُ الْمَالِكُ فِي الْيَدِ أَوْ يَعْمَلُ فِي يَدِهِ، وَالْمَغْرُوسَةُ وَالْمَزْرُوعَةُ لَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ الْمَزْرُوعَةَ فِيهَا خِلَافٌ وَاتَّفَقُوا فِي الْمَغْرُوسَةِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْيَدِ الْحَائِلَةِ بِدُونِ اسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَةٍ فَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ ﵀ فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ كَلَامَ ابْنِ الرِّفْعَةِ تَضَمَّنَ أُمُورًا: (أَحَدُهَا) مَا حَكَاهُ عَمَّنْ نَسَبَهُ إلَى الْغَفْلَةِ بِسَبَبِ تَخْرِيجِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا عَلَى الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَقَدْ ظَهَرَ صِحَّةُ التَّخْرِيجِ وَيَزْدَادُ ظُهُورًا بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَالثَّانِي) قَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَامِلَ اسْتَحَقَّ جُزْءًا مِنْ الثَّمَرَةِ الَّتِي بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ أَنْ تَكُونَ لِلْبَائِعِ، هَكَذَا نَقَلْته مِنْ كِتَابِهِ بِخَطِّهِ. وَالثَّمَرَةُ إنَّمَا تَكُونُ لِلْبَائِعِ إذَا كَانَتْ مُؤَبَّرَةً فَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّ صَاحِبَ التَّهْذِيبِ قَالَ بِالصِّحَّةِ فِيهَا وَفِيمَا قَبْلَهَا بَعْدَ وُجُودِ الثَّمَرَةِ، وَتَشْبِيهِهَا بِالْإِجَارَةِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ تِلْكَ الْحَالَةِ وَقَبْلِهَا وَبَعْدِهَا إلَّا انْقِضَاءَ الْمُدَّةِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ بِخَطِّهِ لَكُنْت أَقُولُ: إنَّ النَّاسِخَ غَلِطَ فِي قَوْلِهِ: لِلْبَائِعِ، وَيَكُونُ مَوْضِعُهَا " لِلْمُشْتَرِي " وَلَوْ قَالَ كَذَلِكَ لَكَانَ مُوَافِقًا لِصَاحِبِ التَّهْذِيبِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا قَبْلَ وُجُودِ الثَّمَرَةِ وَبَعْدَهَا وَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَنْ يُخْرِجُهَا عَنْ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَهَذِهِ الْعِلَّةُ مُنَافِيَةٌ لِلْحُكْمِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَلَوْ سَكَتَ عَنْ هَذَا التَّعْلِيلِ وَنَقَلَ الْحُكْمَ مُجَرَّدًا سَلِمَ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ إذْ هَذَا كَلَامٌ لَا يَلْتَئِمُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ سَوَاءً قَالَ لِلْبَائِعِ أَمْ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ حَالِهِ وَحَالِهِ، وَالْإِلْحَاقُ بِالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ ثُمَّ هُوَ لَا يُلَائِمُ الْمَأْخَذَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ اسْتِحْقَاقِ حَقِّ الْعَامِلِ الْأَجْر اسْتِحْقَاقِ الْعَامِلِ حَقَّ الْحَبْسِ. (الْأَمْرُ

стр. 983

الثَّالِثُ) الْكَلَامُ عَلَى الْمَأْخَذِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ اسْتِحْقَاقِ حَقِّ الْحَبْسِ وَقِيَاسِهِ عَلَى الثَّوْبِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَى قِصَارَتِهِ. ذُكِرَ هَذَا فِي بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَمَسْأَلَةُ الثَّوْبِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى قِصَارَتِهِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي أَخَوَاتٍ لَهَا فَقَالُوا: إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِصَبْغِ ثَوْبٍ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ وَصَبَغَهُ فَإِنْ وَفَّرَ الْأُجْرَةَ جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِرْجَاعِهِ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الصَّبْغَ عَيْنٌ فَيَسْتَحِقُّ حَبْسَهُ إلَى اسْتِيفَاءِ الْأُجْرَةِ، وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِرْجَاعِهِ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الصَّبْغَ إذَا كَانَ قَدْ وَفَّرَ الْأُجْرَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَالْعَيْنِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَإِلَّا لَامْتَنَعَ كَمَا يَمْتَنِعُ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنْ وَفَّرَ الثَّمَنَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ غَرَضِنَا، قَالُوا: وَيَمْتَنِعُ بَيْعُهُ قَبْلَ صَبْغِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ حَبْسَهُ لِعَمَلِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْأُجْرَةَ وَالثَّوْبُ الَّذِي اسْتَأْجَرَ عَلَى قِصَارَتِهِ وَسَلَّمَهُ قَبْلَ الْقَصْرِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَبَعْدَهُ إنْ وَفَّرَ الْأُجْرَةَ جَازَ وَإِلَّا فَإِنْ قُلْنَا: الْقِصَارَةُ عَيْنٌ كَالصَّبْغِ، وَإِنْ قُلْنَا: أَثَرٌ فَلَهُ الْبَيْعُ، وَهَكَذَا صَوْغُ الذَّهَبِ وَرِيَاضَةُ الدَّابَّةِ وَنَسْجُ الْغَزْلِ. إذَا عَرَفْت هَذَا فَنَقُولُ: الِاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ مِنْ وُجُوهٍ: (أَحَدُهَا) أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ اسْتِحْقَاقِ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ بَلْ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ إلَى غَايَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِالْعَمَلِ وَزَمَانُهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَأَشْبَهَ بَيْعَ دَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْإِقْرَارِ وَالْحَمْلِ، وَقَدْ حَمَكْنَا بِالْبُطْلَانِ فِيهَا وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَدَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْأَشْهُرِ مَعَ اشْتِرَاكِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَبْسِ وَالْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الْمُسْتَأْجَرَةِ وَدَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْأَشْهُرِ فَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ. وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا، وَبِهِ تَتَّضِحُ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا حَتَّى لَوْ فَرَضْنَا تَقْدِيرَ الْعَمَلِ بِمُدَّةٍ كَانَ كَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ سَوَاءً وَيَأْتِي فِيهَا الْقَوْلَانِ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ فِيمَا نَعْتَقِدُهُ، مِثَالُهُ إذَا اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِإِرْضَاعِ عَبْدِهِ الصَّغِيرِ حَوْلَيْنِ ثُمَّ بَاعَهُ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (الثَّانِي) لَوْ صَحَّ هَذَا الْمَأْخَذُ لَاقْتَضَى الْمَنْعَ فِي الْمُسَاقَاةِ إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ وَلَا نَعْلَمُ مَنْ قَالَ بِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّيْخَ بْنَ الرِّفْعَةِ حِينَ تَصْنِيفِهِ لِهَذَا الْكَلَامِ لَمْ يَسْتَحْضِرْ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ فِيهَا وَكَذَلِكَ فِي بَابِ الْمُسَاقَاةِ ذَكَرَهُ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. (الثَّالِثُ) الْكَلَامُ عَلَى قُوَّةِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ فِي نَفْسِهَا فَنَقُولُ: إنَّ الْعَيْنَ الَّتِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْعَمَلِ فِيهَا لَوْ بَدَأَ

стр. 984

الْمَالِكُ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ فَإِمَّا قَبْلَ تَسْلِيمِهَا لِلْأَجِيرِ أَوْ بَعْدَهُ إنْ كَانَ قَبْلَهُ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ: الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ. وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ هَذَا عَنْهُ وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافَهُ قَالَ الْإِمَامُ ﵀: لَكِنْ تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ إذَا سَلَّمَ الْأَجِيرُ نَفْسَهُ وَمَضَى مُدَّةُ إمْكَانِ الْعَمَلِ إنْ قُلْنَا بِاسْتِقْرَارِ الْأُجْرَةِ بِتَسْلِيمِ الْأَجِيرِ نَفْسَهُ وَلَيْسَ لِلْأَجِيرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ؛ وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَسْتَقِرُّ فَلَهُ الْفَسْخُ وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ بِحَالٍ. قُلْت: وَالصَّحِيحُ اسْتِقْرَارُهَا بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا تَلِفَ الْمُسْتَوْفَى وَلَمْ يَأْتِ بِبَدَلِهِ إلَى أَنْ مَضَى إمْكَانُ الْعَمَلِ لَا تَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ ﵀؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى إذَا مَا لَمْ يُسَلِّمْ نَفْسَهُ جَمْعًا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، وَقَوْلُهُ: إنْ قُلْنَا: لَا تَسْتَقِرُّ فَلِلْأَجِيرِ الْفَسْخُ، فِيهِ نَظَرٌ يَقْتَضِي أَنَّا نُمَكِّنُ الْمَالِكَ مِنْ الِامْتِنَاعِ مَعَ قَوْلِنَا بِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ بِذَلِكَ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ كَالْمُسَلَّمِ إلَيْهِ إذَا أَحْضَرَ الْمُسَلَّمَ فِيهِ فَامْتَنَعَ الْمُسَلِّمُ مِنْ قَبُولِهِ فَيَلْزَمُ بِالْقَبْضِ أَوْ الْإِبْرَاءِ كَذَلِكَ هَاهُنَا الْعَمَلُ وَاجِبٌ عَلَى الْأَجِيرِ وَقَدْ سَلَّمَ نَفْسَهُ لَهُ فَإِمَّا أَنْ يُبْرِئَ وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الْعَيْنَ لِيَعْمَلَ فِيهَا وَإِمَّا بَدَلَهَا إنْ جَوَّزْنَا لَهُ الْإِبْدَالَ. فَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِقْرَارِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَيَظْهَرُ جَوَازُ الْبَيْعِ إذْ لَا غَرَضَ لِلْأَجِيرِ فِي عَيْنِهَا. وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ فَعَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ كَذَلِكَ وَعَلَى مَا قُلْنَاهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ إلَّا أَنْ يُبَرَّأَ أَوْ يُبَدِّلَ، كَمَا نَقُولُ: إنَّ الْوَاجِبَ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ الْقَبُولُ إلَّا أَنْ يُبَرِّئَ، هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ تَسْلِيمِ الثَّوْبِ أَمَّا بَعْدَ تَسْلِيمِهِ فَالْكَلَامُ فِي شَيْئَيْنِ اسْتِرْجَاعُهُ وَالْمَنْعُ مِنْ الْعَمَلِ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ قُلْنَا: الْأُجْرَةُ تَسْتَقِرُّ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ فَلِلْمَالِكِ الْمَنْعُ مِنْ الْعَمَلِ فِيهِ وَيَجِبُ امْتِثَالُ أَمْرِهِ إذْ لَا غَرْضَ لِلْأَجِيرِ فِيهِ فَإِنَّ أُجْرَتَهُ تَسْتَقِرُّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَسْتَقِرُّ فَلِلْعَامِلِ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ مَا لَمْ يَأْتِ الْمَالِكُ بِبَدَلِهِ إنْ جَوَّزْنَا الْإِبْدَالَ أَوْ يُبَرِّئُهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الِاسْتِرْجَاعُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَالْحُكْمِ بِالِاسْتِقْرَارِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ سَلَّمَ نَفْسَهُ وَلَكِنْ تَأَخَّرَ الْعَمَلُ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْآخَرِ غَرَضٌ وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْجِعْ وَكَانَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا وَلَكِنْ لَمْ تَسْتَقِرَّ بِحُكْمِ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ نَفْسَهُ أَوْ سَلَّمَ، وَفَرْعُنَا عَلَى عَدَمِ

стр. 985

الِاسْتِقْرَارِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الْإِبْدَالُ أَوْ يَجُوزُ وَلَكِنْ بِالتَّرَاضِي فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَإِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ الْإِبْدَالُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ الْبَيْعُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمَّا تَأَكَّدَ حَقُّهُ بِالتَّسْلِيمِ ثَبَتَ لَهُ التَّوَثُّقُ بِهَا حَتَّى يَأْخُذَ بَدَلَهَا فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَأْتِ بِالْبَدَلِ. وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى قَصَّارٍ لِيُقَصِّرَهُ بِأُجْرَةٍ ثُمَّ اسْتَرْجَعَهُ وَقَالَ: لَا أُرِيدُ أَنْ يُقَصِّرَهُ فَلَمْ يَرُدَّهُ وَتَلِفَ عِنْدَهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ وَإِنْ قَصَّرَهُ وَرَدَّهُ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْأُجْرَةَ فَتَكُونُ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةَ، أَمَّا الصَّحِيحَةُ فَالْقِيَاسُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِيهَا وَإِلَّا يَتَنَاقَضُ كَلَامُهُ هُنَا وَفِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ. فَإِنْ قُلْت: إذَا حَكَمْتُمْ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْأَشْجَارِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا فَالْعَمَلُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْبَائِعِ عَلَى الْعَامِلِ لَا يُمْكِنُ إبْقَاؤُهُ لِلْبَائِعِ بِخُرُوجِ الْأَشْجَارِ عَنْ مِلْكِهِ وَلَا نَقْلِهِ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْبَائِعِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ، وَلَوْ نَقَلَهُ لَمْ يَصِحَّ نَقْلُهُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ إبْدَالُ الْأَشْجَارِ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ لِلْعَامِلِ غَرَضًا فِي عَيْنِهَا بِخِلَافِ الثَّوْبِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى قِصَارَتِهِ وَنَحْوِهِ. قُلْت: أَمَّا إبْدَالُ الْأَشْجَارِ فَلَا يُمْكِنُ وَالْعَمَلُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى الْعَامِلِ يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي بِانْتِقَالِ الْأَشْجَارِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِهَا وَلَا امْتِنَاعَ مِنْ انْتِقَالِ ذَلِكَ بَيْعًا كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَأَلْزَمْنَا الْبَائِعَ بِتَنْقِيَتِهَا وَسَقْيِهَا فَبَاعَهَا صَاحِبُهَا لِأَجْنَبِيِّ فَإِنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ السَّقْيِ كَمَا كَانَ لِمَنْ اشْتَرَى مِنْهُ وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى حَقَّ الْبِنَاءِ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ فَبَنَى ثُمَّ بَاعَ الْبِنَاءَ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ بِحَقِّهِ مِنْ الْإِبْقَاءِ وَكَذَلِكَ أَنَّ الْمَالِكَ لَوْ بَنَى فِي مِلْكِهِ ثُمَّ بَاعَ الْبِنَاءَ يَلْزَمُ تَبْقِيَتُهُ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ فَإِنَّهُ حِينَ وَضْعَهُ كَانَ كَذَلِكَ فَيَنْتَقِلُ لِلْمُشْتَرِي بِتِلْكَ الصِّفَةِ. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَبَنَى فِيهَا ثُمَّ بَاعَهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَيَجِبُ تَبْقِيَتُهُ لَكِنْ هَلْ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ إجَارَةُ الْبَائِعِ يَجِبُ لِلْبَائِعِ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ أَوْ لَا؟ ، لَا نَقْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَالْعَمَلُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ وَتَعْلِيلُهُ أَنَّهُ وَضَعَ بِأُجْرَةٍ فَيَنْتَقِلُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ غَيْرَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا الْعِوَضُ بَدَّلَهُ الْبَائِعُ وَالْعِوَضُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَهُوَ الْجُزْءُ مِنْ الثِّمَارِ لَمْ يُبَدِّلْهُ الْبَائِعُ بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ الْأَشْجَارِ الْمَبِيعَةِ، فَلَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَكِنَّا لَا نَخُصُّهُ بِذَلِكَ بَلْ نَطْرُدُهُ فِيمَا يُبَدِّلُ الْبَائِعُ الْعِوَضَ فِيهِ، كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَى الْإِرْضَاعِ سَنَةً ثُمَّ بَاعَ الْعَبْدَ الرَّضِيعَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ عَلَى إرْضَاعِهِ وَنَحْوَهُ كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى
следующие страницы →