← Фикх шафии

Фикх шафии · id 11498

فتاوى السبكي

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 159 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

بِقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ فَجَرَّ ذَلِكَ غَرَرًا عَظِيمًا فَلَمْ يَصِحَّ سَوَاءٌ اسْتَثْنَى لَفْظًا أَوْ شَرْعًا وَالثَّمَرَةُ بَعِيدَةٌ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ وَيَصِحُّ إفْرَادُهَا وَيُمْكِنُ تَسْلِيمُ الشَّجَرَةِ بِدُونِهَا فَصَحَّ اسْتِثْنَاءُ الْمَوْجُودِ مِنْهَا لَفْظًا أَوْ شَرْعًا وَالثَّمَرَةُ الْمَعْدُومَةُ إذَا اسْتَثْنَاهَا لَفْظًا خَالَفَ مَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ مِنْ حُدُوثِهَا عَلَى الْمِلْكِ الْمُشْتَرَى وَلَا يَأْتِي فِيهَا الْخِلَافُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ نُقَدِّرُ كَأَنَّهَا انْتَقَلَتْ إلَى الْمُشْتَرِي وَعَادَتْ إلَيْهِ بِإِجَارَةٍ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْرِيرُ ذَلِكَ هُنَا، وَإِذَا اسْتَثْنَاهَا شَرْعًا فَقَدْ أَحَلَّ الْمُشْتَرِي مَحَلَّهُ وَمَلَّكَهُ جَمِيعَ مَا كَانَ يَمْلِكُ، وَالْمَنَافِعُ مَعْلُومَةٌ وَيَصِحُّ إفْرَادُهَا لَكِنْ يُمْنَعُ مِنْ التَّسْلِيمِ فَفِي الِاسْتِثْنَاءِ اللَّفْظِيِّ أَبْطَلْنَا؛ لِأَنَّهُ كَشَرْطِ تَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ اسْتِحْقَاقُ جَمِيعِ مَا يَمْلِكُهُ الْبَائِعُ وَوُجُوبُ تَسْلِيمِهِ عَلَى الْفَوْرِ فَشَرْطُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ مُفْسِدٌ وَفِي الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مَلَكَ الْمُشْتَرِي جَمِيعَ مَا عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَرَفَعَ يَدَهُ الْكَائِنَةَ عَلَى الْعَيْنِ وَأَحَلَّ الْمُشْتَرِي مَحَلَّهُ وَصَارَ الْمُسْتَأْجِرُ مَعَهُ كَمَا كَانَ مَعَ الْبَائِعِ فَلِذَلِكَ صَحَّ، وَالْحَمْلُ الْمَعْدُومُ لَيْسَ مَانِعًا مِنْ التَّسْلِيمِ فَإِنَّ مَا يُقْدَحُ اسْتِثْنَاؤُهُ اللَّفْظِيُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ كَذَلِكَ. فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَمْلِ وَالثَّمَرَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَعُلِمَ أَنَّ مُجَرَّدَ الِاسْتِثْنَاءِ الشَّرْعِيِّ لَا يَضُرُّ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى صِحَّةِ بَيْعِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ وَلَوْ بَاعَ أَمَةً وَاسْتَثْنَى الِانْتِفَاعَ بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا لَمْ يَصِحَّ اتِّفَاقًا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ فِيهَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَتِهَا شَرْعًا وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: ثُبُوتُ يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَيْهَا وَالْمَزْرُوعَةُ لَا يَدٌ حَائِلَةٌ عَلَيْهَا وَلَا اسْتِثْنَاءٌ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهَا وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ تَبْقِيَةُ الزَّرْعِ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: طَرِيقَةُ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَأَصَحُّهُمَا الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلِأَنَّ الْبَائِعَ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَ الْأَرْضِ وَإِحْلَالِهِ مَحَلَّهُ وَيَصِحُّ تَسْلِيمُهَا مَزْرُوعَةً عَلَى الصَّحِيحِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُ الْأَرْضِ الْمَغْرُوسَةِ إذَا اسْتَثْنَى غِرَاسَهَا وَلَا خِلَافَ فِي الصِّحَّةِ، وَيَدْخُلُ الْغَرْسُ الَّذِي هُوَ فِي مَوْضِعِ الشَّجَرِ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ تَفْرِيغُ الْأَرْضِ عَنْ الشَّجَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ

стр. 982

وَغَيْرُهُمَا، وَلَا يَلْزَمُهُ أُجْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ غَرْسٌ فِي مِلْكِهِ وَالْمَزْرُوعَةُ بِزَرْعٍ يُسْتَخْلَفُ كَالْمَغْرُوسَةِ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَتَسْتَحِقُّ إبْقَاءَ الزَّرْعِ. وَفِي وُجُوبِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ لِإِبْقَاءِ الزَّرْعِ الَّذِي لَا يُسْتَخْلَفُ وَجْهَانِ الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا عَدَمُ الْوُجُوبِ وَالدَّارُ الْمَشْحُونَةُ بِأَمْتِعَةِ الْبَائِعِ يَصِحُّ بَيْعُهَا جَزْمًا؛ لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِالتَّسْلِيمِ عَقِيبَ الْعَقْدِ بِخِلَافِ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ فَلَيْسَ فِي الدَّارِ الْمَشْحُونَةِ بِالْأَمْتِعَةِ إلَّا اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَةٍ وَلَا يَدٌ حَائِلَةٌ وَلَا تَأَخُّرُ اشْتِغَالٍ بِأَسْبَابِ التَّسْلِيمِ عَقِيبَ الْعَقْدِ وَالْمُسْتَأْجَرَةُ فِيهَا الِاسْتِثْنَاءُ وَالْيَدُ الْحَائِلَةُ؛ فَجَرَى الْقَوْلَانِ وَالْمُسَاقَاةُ عَلَيْهَا كَذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ فَإِنَّ يَدَ الْعَامِلِ لَيْسَتْ حَائِلَةً فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ وَقَدْ يُشَارِكُ الْمَالِكُ فِي الْيَدِ أَوْ يَعْمَلُ فِي يَدِهِ، وَالْمَغْرُوسَةُ وَالْمَزْرُوعَةُ لَيْسَ فِيهِمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ الْمَزْرُوعَةَ فِيهَا خِلَافٌ وَاتَّفَقُوا فِي الْمَغْرُوسَةِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْيَدِ الْحَائِلَةِ بِدُونِ اسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَةٍ فَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ ﵀ فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ كَلَامَ ابْنِ الرِّفْعَةِ تَضَمَّنَ أُمُورًا: (أَحَدُهَا) مَا حَكَاهُ عَمَّنْ نَسَبَهُ إلَى الْغَفْلَةِ بِسَبَبِ تَخْرِيجِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا عَلَى الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَقَدْ ظَهَرَ صِحَّةُ التَّخْرِيجِ وَيَزْدَادُ ظُهُورًا بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَالثَّانِي) قَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَامِلَ اسْتَحَقَّ جُزْءًا مِنْ الثَّمَرَةِ الَّتِي بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ أَنْ تَكُونَ لِلْبَائِعِ، هَكَذَا نَقَلْته مِنْ كِتَابِهِ بِخَطِّهِ. وَالثَّمَرَةُ إنَّمَا تَكُونُ لِلْبَائِعِ إذَا كَانَتْ مُؤَبَّرَةً فَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّ صَاحِبَ التَّهْذِيبِ قَالَ بِالصِّحَّةِ فِيهَا وَفِيمَا قَبْلَهَا بَعْدَ وُجُودِ الثَّمَرَةِ، وَتَشْبِيهِهَا بِالْإِجَارَةِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ تِلْكَ الْحَالَةِ وَقَبْلِهَا وَبَعْدِهَا إلَّا انْقِضَاءَ الْمُدَّةِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ بِخَطِّهِ لَكُنْت أَقُولُ: إنَّ النَّاسِخَ غَلِطَ فِي قَوْلِهِ: لِلْبَائِعِ، وَيَكُونُ مَوْضِعُهَا " لِلْمُشْتَرِي " وَلَوْ قَالَ كَذَلِكَ لَكَانَ مُوَافِقًا لِصَاحِبِ التَّهْذِيبِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا قَبْلَ وُجُودِ الثَّمَرَةِ وَبَعْدَهَا وَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِمَنْ يُخْرِجُهَا عَنْ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَهَذِهِ الْعِلَّةُ مُنَافِيَةٌ لِلْحُكْمِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَلَوْ سَكَتَ عَنْ هَذَا التَّعْلِيلِ وَنَقَلَ الْحُكْمَ مُجَرَّدًا سَلِمَ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ إذْ هَذَا كَلَامٌ لَا يَلْتَئِمُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ سَوَاءً قَالَ لِلْبَائِعِ أَمْ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ حَالِهِ وَحَالِهِ، وَالْإِلْحَاقُ بِالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ ثُمَّ هُوَ لَا يُلَائِمُ الْمَأْخَذَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ اسْتِحْقَاقِ حَقِّ الْعَامِلِ الْأَجْر اسْتِحْقَاقِ الْعَامِلِ حَقَّ الْحَبْسِ. (الْأَمْرُ

стр. 983

الثَّالِثُ) الْكَلَامُ عَلَى الْمَأْخَذِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ اسْتِحْقَاقِ حَقِّ الْحَبْسِ وَقِيَاسِهِ عَلَى الثَّوْبِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَى قِصَارَتِهِ. ذُكِرَ هَذَا فِي بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَمَسْأَلَةُ الثَّوْبِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى قِصَارَتِهِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي أَخَوَاتٍ لَهَا فَقَالُوا: إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِصَبْغِ ثَوْبٍ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ وَصَبَغَهُ فَإِنْ وَفَّرَ الْأُجْرَةَ جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِرْجَاعِهِ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الصَّبْغَ عَيْنٌ فَيَسْتَحِقُّ حَبْسَهُ إلَى اسْتِيفَاءِ الْأُجْرَةِ، وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِرْجَاعِهِ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الصَّبْغَ إذَا كَانَ قَدْ وَفَّرَ الْأُجْرَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَالْعَيْنِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَإِلَّا لَامْتَنَعَ كَمَا يَمْتَنِعُ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنْ وَفَّرَ الثَّمَنَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ غَرَضِنَا، قَالُوا: وَيَمْتَنِعُ بَيْعُهُ قَبْلَ صَبْغِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ حَبْسَهُ لِعَمَلِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْأُجْرَةَ وَالثَّوْبُ الَّذِي اسْتَأْجَرَ عَلَى قِصَارَتِهِ وَسَلَّمَهُ قَبْلَ الْقَصْرِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَبَعْدَهُ إنْ وَفَّرَ الْأُجْرَةَ جَازَ وَإِلَّا فَإِنْ قُلْنَا: الْقِصَارَةُ عَيْنٌ كَالصَّبْغِ، وَإِنْ قُلْنَا: أَثَرٌ فَلَهُ الْبَيْعُ، وَهَكَذَا صَوْغُ الذَّهَبِ وَرِيَاضَةُ الدَّابَّةِ وَنَسْجُ الْغَزْلِ. إذَا عَرَفْت هَذَا فَنَقُولُ: الِاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ مِنْ وُجُوهٍ: (أَحَدُهَا) أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ اسْتِحْقَاقِ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ بَلْ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ إلَى غَايَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِالْعَمَلِ وَزَمَانُهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَأَشْبَهَ بَيْعَ دَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْإِقْرَارِ وَالْحَمْلِ، وَقَدْ حَمَكْنَا بِالْبُطْلَانِ فِيهَا وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَدَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْأَشْهُرِ مَعَ اشْتِرَاكِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَبْسِ وَالْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الْمُسْتَأْجَرَةِ وَدَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْأَشْهُرِ فَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ. وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا، وَبِهِ تَتَّضِحُ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا حَتَّى لَوْ فَرَضْنَا تَقْدِيرَ الْعَمَلِ بِمُدَّةٍ كَانَ كَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ سَوَاءً وَيَأْتِي فِيهَا الْقَوْلَانِ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ فِيمَا نَعْتَقِدُهُ، مِثَالُهُ إذَا اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِإِرْضَاعِ عَبْدِهِ الصَّغِيرِ حَوْلَيْنِ ثُمَّ بَاعَهُ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (الثَّانِي) لَوْ صَحَّ هَذَا الْمَأْخَذُ لَاقْتَضَى الْمَنْعَ فِي الْمُسَاقَاةِ إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ وَلَا نَعْلَمُ مَنْ قَالَ بِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّيْخَ بْنَ الرِّفْعَةِ حِينَ تَصْنِيفِهِ لِهَذَا الْكَلَامِ لَمْ يَسْتَحْضِرْ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ وَالرَّافِعِيِّ فِيهَا وَكَذَلِكَ فِي بَابِ الْمُسَاقَاةِ ذَكَرَهُ وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. (الثَّالِثُ) الْكَلَامُ عَلَى قُوَّةِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ فِي نَفْسِهَا فَنَقُولُ: إنَّ الْعَيْنَ الَّتِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْعَمَلِ فِيهَا لَوْ بَدَأَ

стр. 984

الْمَالِكُ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ فَإِمَّا قَبْلَ تَسْلِيمِهَا لِلْأَجِيرِ أَوْ بَعْدَهُ إنْ كَانَ قَبْلَهُ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ: الَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ. وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ هَذَا عَنْهُ وَلَمْ يَنْقُلْ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافَهُ قَالَ الْإِمَامُ ﵀: لَكِنْ تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ إذَا سَلَّمَ الْأَجِيرُ نَفْسَهُ وَمَضَى مُدَّةُ إمْكَانِ الْعَمَلِ إنْ قُلْنَا بِاسْتِقْرَارِ الْأُجْرَةِ بِتَسْلِيمِ الْأَجِيرِ نَفْسَهُ وَلَيْسَ لِلْأَجِيرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ؛ وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَسْتَقِرُّ فَلَهُ الْفَسْخُ وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ بِحَالٍ. قُلْت: وَالصَّحِيحُ اسْتِقْرَارُهَا بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا تَلِفَ الْمُسْتَوْفَى وَلَمْ يَأْتِ بِبَدَلِهِ إلَى أَنْ مَضَى إمْكَانُ الْعَمَلِ لَا تَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ ﵀؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى إذَا مَا لَمْ يُسَلِّمْ نَفْسَهُ جَمْعًا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، وَقَوْلُهُ: إنْ قُلْنَا: لَا تَسْتَقِرُّ فَلِلْأَجِيرِ الْفَسْخُ، فِيهِ نَظَرٌ يَقْتَضِي أَنَّا نُمَكِّنُ الْمَالِكَ مِنْ الِامْتِنَاعِ مَعَ قَوْلِنَا بِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ بِذَلِكَ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ كَالْمُسَلَّمِ إلَيْهِ إذَا أَحْضَرَ الْمُسَلَّمَ فِيهِ فَامْتَنَعَ الْمُسَلِّمُ مِنْ قَبُولِهِ فَيَلْزَمُ بِالْقَبْضِ أَوْ الْإِبْرَاءِ كَذَلِكَ هَاهُنَا الْعَمَلُ وَاجِبٌ عَلَى الْأَجِيرِ وَقَدْ سَلَّمَ نَفْسَهُ لَهُ فَإِمَّا أَنْ يُبْرِئَ وَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الْعَيْنَ لِيَعْمَلَ فِيهَا وَإِمَّا بَدَلَهَا إنْ جَوَّزْنَا لَهُ الْإِبْدَالَ. فَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِقْرَارِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَيَظْهَرُ جَوَازُ الْبَيْعِ إذْ لَا غَرَضَ لِلْأَجِيرِ فِي عَيْنِهَا. وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ فَعَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ كَذَلِكَ وَعَلَى مَا قُلْنَاهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ إلَّا أَنْ يُبَرَّأَ أَوْ يُبَدِّلَ، كَمَا نَقُولُ: إنَّ الْوَاجِبَ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ الْقَبُولُ إلَّا أَنْ يُبَرِّئَ، هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ تَسْلِيمِ الثَّوْبِ أَمَّا بَعْدَ تَسْلِيمِهِ فَالْكَلَامُ فِي شَيْئَيْنِ اسْتِرْجَاعُهُ وَالْمَنْعُ مِنْ الْعَمَلِ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ قُلْنَا: الْأُجْرَةُ تَسْتَقِرُّ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ فَلِلْمَالِكِ الْمَنْعُ مِنْ الْعَمَلِ فِيهِ وَيَجِبُ امْتِثَالُ أَمْرِهِ إذْ لَا غَرْضَ لِلْأَجِيرِ فِيهِ فَإِنَّ أُجْرَتَهُ تَسْتَقِرُّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَسْتَقِرُّ فَلِلْعَامِلِ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ مَا لَمْ يَأْتِ الْمَالِكُ بِبَدَلِهِ إنْ جَوَّزْنَا الْإِبْدَالَ أَوْ يُبَرِّئُهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الِاسْتِرْجَاعُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَالْحُكْمِ بِالِاسْتِقْرَارِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ سَلَّمَ نَفْسَهُ وَلَكِنْ تَأَخَّرَ الْعَمَلُ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِلْآخَرِ غَرَضٌ وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَرْجِعْ وَكَانَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا وَلَكِنْ لَمْ تَسْتَقِرَّ بِحُكْمِ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ نَفْسَهُ أَوْ سَلَّمَ، وَفَرْعُنَا عَلَى عَدَمِ

стр. 985

الِاسْتِقْرَارِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الْإِبْدَالُ أَوْ يَجُوزُ وَلَكِنْ بِالتَّرَاضِي فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَإِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ الْإِبْدَالُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ الْبَيْعُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمَّا تَأَكَّدَ حَقُّهُ بِالتَّسْلِيمِ ثَبَتَ لَهُ التَّوَثُّقُ بِهَا حَتَّى يَأْخُذَ بَدَلَهَا فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَأْتِ بِالْبَدَلِ. وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى قَصَّارٍ لِيُقَصِّرَهُ بِأُجْرَةٍ ثُمَّ اسْتَرْجَعَهُ وَقَالَ: لَا أُرِيدُ أَنْ يُقَصِّرَهُ فَلَمْ يَرُدَّهُ وَتَلِفَ عِنْدَهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ وَإِنْ قَصَّرَهُ وَرَدَّهُ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْأُجْرَةَ فَتَكُونُ الْإِجَارَةُ فَاسِدَةَ، أَمَّا الصَّحِيحَةُ فَالْقِيَاسُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِيهَا وَإِلَّا يَتَنَاقَضُ كَلَامُهُ هُنَا وَفِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ. فَإِنْ قُلْت: إذَا حَكَمْتُمْ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْأَشْجَارِ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا فَالْعَمَلُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْبَائِعِ عَلَى الْعَامِلِ لَا يُمْكِنُ إبْقَاؤُهُ لِلْبَائِعِ بِخُرُوجِ الْأَشْجَارِ عَنْ مِلْكِهِ وَلَا نَقْلِهِ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْبَائِعِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ، وَلَوْ نَقَلَهُ لَمْ يَصِحَّ نَقْلُهُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ إبْدَالُ الْأَشْجَارِ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ لِلْعَامِلِ غَرَضًا فِي عَيْنِهَا بِخِلَافِ الثَّوْبِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى قِصَارَتِهِ وَنَحْوِهِ. قُلْت: أَمَّا إبْدَالُ الْأَشْجَارِ فَلَا يُمْكِنُ وَالْعَمَلُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى الْعَامِلِ يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي بِانْتِقَالِ الْأَشْجَارِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِهَا وَلَا امْتِنَاعَ مِنْ انْتِقَالِ ذَلِكَ بَيْعًا كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَأَلْزَمْنَا الْبَائِعَ بِتَنْقِيَتِهَا وَسَقْيِهَا فَبَاعَهَا صَاحِبُهَا لِأَجْنَبِيِّ فَإِنَّهُ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ السَّقْيِ كَمَا كَانَ لِمَنْ اشْتَرَى مِنْهُ وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى حَقَّ الْبِنَاءِ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ فَبَنَى ثُمَّ بَاعَ الْبِنَاءَ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ بِحَقِّهِ مِنْ الْإِبْقَاءِ وَكَذَلِكَ أَنَّ الْمَالِكَ لَوْ بَنَى فِي مِلْكِهِ ثُمَّ بَاعَ الْبِنَاءَ يَلْزَمُ تَبْقِيَتُهُ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ فَإِنَّهُ حِينَ وَضْعَهُ كَانَ كَذَلِكَ فَيَنْتَقِلُ لِلْمُشْتَرِي بِتِلْكَ الصِّفَةِ. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَبَنَى فِيهَا ثُمَّ بَاعَهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَيَجِبُ تَبْقِيَتُهُ لَكِنْ هَلْ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ إجَارَةُ الْبَائِعِ يَجِبُ لِلْبَائِعِ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ أَوْ لَا؟ ، لَا نَقْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَالْعَمَلُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ وَتَعْلِيلُهُ أَنَّهُ وَضَعَ بِأُجْرَةٍ فَيَنْتَقِلُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ غَيْرَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا الْعِوَضُ بَدَّلَهُ الْبَائِعُ وَالْعِوَضُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَهُوَ الْجُزْءُ مِنْ الثِّمَارِ لَمْ يُبَدِّلْهُ الْبَائِعُ بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ الْأَشْجَارِ الْمَبِيعَةِ، فَلَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَكِنَّا لَا نَخُصُّهُ بِذَلِكَ بَلْ نَطْرُدُهُ فِيمَا يُبَدِّلُ الْبَائِعُ الْعِوَضَ فِيهِ، كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَى الْإِرْضَاعِ سَنَةً ثُمَّ بَاعَ الْعَبْدَ الرَّضِيعَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ عَلَى إرْضَاعِهِ وَنَحْوَهُ كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى

стр. 986

الْعَامِلِ مِنْ وَجْهٍ فَهُوَ مُسْتَحَقٌّ لَهُ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ بِهِ تَحْصُلُ الثَّمَرَةُ الْمَشْرُوطَةُ لَهُ، وَلَا إشْكَالَ فِي بَقَاءِ حَقِّهِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ بَيْعَ الْحَدِيقَةِ الْمُسَاقَى عَلَيْهَا صَحِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ مُخَرَّجٌ عَلَى بَيْعِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَقَدْ اشْتَمَلَ هَذَا الْفَصْلُ عَلَى عِدَّةِ مَسَائِلَ تَرْجِعُ إلَى مَأْخَذَيْنِ الِاسْتِثْنَاءُ وَالْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ، مِنْهَا مَا يَصِحُّ قَطْعًا كَبَيْعِ الْأَرْضِ الْمَغْرُوسَةِ وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ وَالْمُوصَى بِمَا سَيَحْدُثُ مِنْ حَمْلِهَا وَثَمَرَتِهَا وَالدَّارِ الْمَشْحُونَةِ بِالْأَمْتِعَةِ وَالشَّجَرَةِ الْمُسْتَثْنَى ثَمَرَتُهَا الْمَوْجُودَةِ وَالشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ إلَّا أَكَارِعَهَا. وَمِنْهَا مَا يَبْطُلُ قَطْعًا كَبَيْعِ دَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْإِقْرَارِ وَالْحَمْلِ وَالشَّجَرَةِ الْمُسْتَثْنَى مَا يَحْدُثُ مِنْ ثَمَرَتِهَا وَالْجَارِيَةِ إلَّا مَا يَحْدُثُ مِنْ حَمْلِهَا. وَمِنْهَا مَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ كَبَيْعِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْمَزْرُوعَةِ وَدَارِ الْمُعْتَدَّةِ بِالْأَشْهُرِ وَالْمُسَاقَاةُ عَلَيْهَا كَانَ الْخِلَافُ فِيهَا مُتَقَارِبًا. وَمِنْهَا مَا يَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ كَبَيْعِ الْحَامِلِ إلَّا حَمْلَهَا وَالْحَامِلُ بِحُرٍّ وَتُحْمَلُ لِغَيْرِ مَالِكِهَا وَالثَّوْبُ الْمُسْتَأْجَرُ عَلَى قِصَارَتِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِلْبَحْثِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَاللَّبَنُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالْحَمْلِ وَقِيلَ: أَوْلَى بِالصِّحَّةِ. وَالْبَيْضُ كَالْحَمْلِ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا فِيهِ بِالْخِلَافِ بَلْ اقْتَصَرُوا عَلَى الْبُطْلَانِ فِيهِ وَفِي السِّمْسِمِ إلَّا كُسْبَهُ وَالْقُطْنِ إلَّا حَبَّهُ. (الْفَصْلُ الثَّانِي فِي قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ) إذَا أَمْكَنَتْ فِي الْأَشْجَارِ الْمُسَاقَى عَلَيْهَا وَذَلِكَ إمَّا قَبْلَ وُجُودِ الثَّمَرَةِ وَإِمَّا بَعْدَهَا إنْ كَانَ قَبْلَهُ. فَإِنْ قُلْنَا: الْقِسْمَةُ إقْرَارٌ صَحَّتْ وَإِنْ قُلْنَا: بَيْعٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَإِنْ جَوَّزْنَا بَيْعَ الْمُسَاقَى عَلَيْهِ صَحَّتْ قِسْمَتُهُ، وَإِنْ مَنَعْنَا بَيْعَهُ فَقَدْ يُقَالُ: بِمَنْعِ قِسْمَتِهِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الرَّافِعِيَّ فَرَّعَ بَيْعَ النَّصِيبِ الْخَارِجِ بِالْقِسْمَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى كَوْنِهَا بَيْعًا أَوْ إقْرَارًا فَمَنَعَهُ عَلَى الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّ الْقِسْمَةَ تَجُوزُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ، الْقَبْضِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا بَيْعًا نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ الْمُتَوَلِّي؛ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهَا فَلَا يَمْتَنِعُ كَالشُّفْعَةِ. وَيُوَافِقُهُ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ وَالْبَغَوِيَّ وَالرُّويَانِيَّ قَالُوا فِيمَا إذَا هَرَبَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ وَلَا مَالَ لَهُ: إنَّ الْحَاكِمَ يَبِيعُ الْمَبِيعَ وَيُوَفِّي مِنْهُ الثَّمَنَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالُوهُ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ لَكِنَّ مَقْصُودَنَا مِنْهُ صِحَّةُ بَيْعِ الْحَاكِمِ قَبْلَ الْقَبْضِ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ

стр. 987

إذْ قَالُوا: إنَّهُ يَبِيعُ وَإِطْلَاقُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ تَقَدَّمَ قَبَضَ عَنْهُ شَاهِدٌ لِمَا قُلْنَاهُ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ الَّذِي هُوَ بِصَدَدِ الِانْفِسَاخِ فَهُنَا أَوْلَى وَلِأَنَّهُ ضَرَرٌ عَلَى الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَى جَمِيعِ الشَّجَرِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَمَا قَبْلَهَا، أَمَّا بَعْدَ وُجُودِ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَقَطْ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْجَانِبَيْنِ فَإِنْ أَفْرَدَ الشَّجَرَ بِقِسْمَةٍ وَالثَّمَرَ بِقِسْمَةٍ فَالْكَلَامُ فِي الشَّجَرِ عَلَى مَا سَبَقَ وَالْكَلَامُ فِي الثَّمَرَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى قِسْمَةِ الثِّمَارِ عَلَى الشَّجَرِ وَهِيَ غَيْرُ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ لَا يَجُوزُ قَطْعًا وَفِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ ثَلَاثُ طُرُقٍ، ثَالِثُهَا: إنْ قُلْنَا: إقْرَارٌ جَازَ، وَإِنْ قُلْنَا: بَيْعٌ فَلَا. وَمَحَلُّهَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَمَّا قَبْلَهُ فَلَا يَجُوزُ قَطْعًا، وَإِنْ قَسَّمَ الشَّجَرَ وَالثِّمَارَ جُمْلَةً وَوَقَعَتْ الثِّمَارُ فِي الْجَانِبَيْنِ فَلَا يَجُوزُ لِقَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ شَجَرٍ وَرُطَبٍ بِمِثْلِهِ إلَّا إذَا قُلْنَا: قِسْمَةُ التَّعْدِيلِ إقْرَارٌ فَيَصِحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَتَبَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، ثُمَّ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ ظَفَرْت بِنَقْلٍ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ مِنْ كَلَامِهِ فِي بَابِ الْمُسَاقَاةِ قَالَ: وَإِذَا أَفْلَسَ رَبُّ الْحَائِطِ ثُمَّ كَانَ الْمُسَاقِي عَلَى مُعَامَلَتِهِ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْمُسَاقَاةِ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَشْتَرِيَ الْأَصْلَ وَلِلْمُسَاقِي فِيهِ حَقٌّ إلَى أَجَلٍ؟ . قِيلَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَجَازَ بَيْعَ النَّخْلِ وَفِيهِ ثَمَرَةٌ قَدْ أُبِّرَتْ. انْتَهَى كَلَامُ الْبُوَيْطِيِّ وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ. قَالَ وَلَدُهُ قَاضِي الْقُضَاةِ الْخَطِيبُ أَبُو نَصْرٍ تَاجُ الدِّينِ سَلَّمَهُ اللَّهُ: أَمْلَاهَا عَلَيَّ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ سَادِسَ شَعْبَانَ سَنَةَ ٧٤٤ بِالدَّهْشَةِ خَارِجَ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. [كِتَابُ الشَّهَادَاتِ] (كِتَابُ الشَّهَادَاتِ) (مَسْأَلَةُ) الشَّاهِدِ إذَا شَهِدَ بِمَا يَشْهَدُ فِيهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَبَتَّ شَهَادَتَهُ ثُمَّ قَالَ مُسْتَنَدِي الِاسْتِفَاضَةُ هَلْ يُقْبَلُ أَوْ لَا؟ . (الْجَوَابُ) يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَزَمَ بِالشَّهَادَةِ وَتَبْيِينُهُ الْمُسْتَنَدَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُقْدَحُ مَعَ جَزْمِهِ، وَقَدْ الْتَبَسَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمَوْجُودِينَ ذَلِكَ وَقَالُوا: لَا يُقْبَلُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا شَهِدَ بِالِاسْتِفَاضَةِ بِمَعْنَى شَهِدَ أَنَّهُ اسْتَفَاضَ فَهَذَا لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ

стр. 988

بِالْمَقْصُودِ وَإِنَّمَا شَهِدَ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَفَوَّضَ النَّظَرَ فِيهَا إلَى الْحَاكِمِ، وَالِاسْتِفَاضَةُ تَحْتَاجُ إلَى قَرَائِنَ حَالِيَّةٍ يَتَعَذَّرُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا فَلِذَلِكَ لَمْ يَكْتَفِ الْحَاكِمُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ، عَلَى أَنَّ الرَّافِعِيَّ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ فِي كَلَامِهِ مَيْلٌ إلَى الِاكْتِفَاءِ بِهَا فِي سَبَبِ الْجَرْحِ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: فِيمَا إذَا شَهِدَ بِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْأَمْسِ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِالْمِلْكِ فِي الْحَالِ اسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ مَا عَرَفَهُ مِنْ قَبْلُ كَشِرَاءٍ وَإِرْثٍ وَغَيْرِهِمَا. وَلَوْ كَانَ يَجُوزُ زَوَالُهُ وَلَوْ صَرَّحَ فِي شَهَادَتِهِ أَنَّهُ يَعْتَمِدُ الِاسْتِصْحَابَ فَوَجْهَانِ، حُكِيَ فِي الْوَسِيطِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ كَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّضَاعِ عَلَى امْتِصَاصِ الثَّدْيِ وَحَرَكَةِ الْحُلْقُومِ، وَعَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ الْقَبُولُ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ سِوَاهُ بِخِلَافِ الرَّضَاعِ فَإِنَّهُ يُدْرَكُ بِقَرَائِنَ لَا تَدْخُلُ فِي الْعِبَارَةِ. انْتَهَى مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ. وَقَدْ يُقَالُ: قِيَاسُهُ جَرَيَانُ الْوَجْهَيْنِ فِي التَّصْرِيحِ بِالِاسْتِفَاضَةِ لَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ مَحَلَّهُمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إذَا لَمْ يَجْزِمْ الشَّاهِدُ فِي الْحَالِ بِأَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ مَلَكَهُ أَمْسِ، وَاسْتَصْحَبَ ذَلِكَ إلَى الْحَالِ أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ بَاقٍ إلَى الْحَالِ بِالِاسْتِصْحَابِ، أَمَّا إذَا قَالَ: أَشْهَدُ بِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ فِي الْحَالِ وَمُسْتَنَدِي الِاسْتِصْحَابُ فَلِمَ لَا يَقْبَلْ إذَا لَمْ يَذْكُرْهُ عَلَى سَبِيلِ الرِّيبَةِ، وَفِي الرَّضَاعِ يَنْبَغِي إذَا جَزَمَ، ثُمَّ قَالَ: مُسْتَنَدِي وَضْعُ الثَّدْيِ وَحَرَكَةُ الْفَمِ وَقَرَائِنُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ أَبِي الدَّمِ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ وَفِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْوَسِيطِ لَهُ أَنَّ ذِكْرَهُ لِلِاسْتِفَاضَةِ يَمْنَعُ مِنْ الْقَبُولِ وَأُخِذَ ذَلِكَ مِنْ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ وَذِكْرُهُ الِاسْتِصْحَابَ وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ رَدُّوا هَذِهِ الشَّهَادَةَ، وَقَدْ غَلِطَ فِي فَهْمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ بَيَّنَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ وَصَرَّحَ فِي صُورَتِهَا بِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ بَلْ اسْتَصْحَبَ وَاقْتَصَرَ عَلَى الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ وَاسْتِصْحَابِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ بِالْمِلْكِ فِي الْحَالِ، وَهَذَا نَظِيرُهُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ اسْتَفَاضَ فَلْتَفْهَمْ الْمَسْأَلَةَ هَكَذَا، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَالرَّافِعِيِّ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ ذَلِكَ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْإِمَامِ الَّذِي بَيَّنَهَا. وَقَدْ تَبِعَ ابْنُ الرِّفْعَةِ ابْنَ أَبِي الدَّمِ فَنَقَلَ كَلَامَهُ فِي الْكِفَايَةِ ثُمَّ أَتَى فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ بِهِ كَالْمَفْرُوغِ مِنْهُ فَلَا تَغْتَرَّ بِذَلِكَ وَلْتُحَقِّقْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ. نَعَمْ إنْ فُرِضَ أَنَّ الشَّاهِدَ أَتَى بِذَلِكَ عَلَى صُورَةِ الِارْتِيَابِ فِي الشَّهَادَةِ وَظَهَرَ لِلْحَاكِمِ مِنْهُ ذَلِكَ كَانَ كَمَا لَوْ تَرَدَّدَ

стр. 989

فِي الشَّهَادَةِ بَعْدَ أَدَائِهَا وَقَبْلَ الْحُكْمِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ أَبِي الدَّمِ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ. لَوْ صَرَّحَ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ الْآنَ مِلْكُهُ بِنَاءً عَلَى اسْتِصْحَابِي أَنَّهُ مَلَكَهُ أَمْسِ لَا يَبْنِي عَلَى شَيْءٍ آخَرَ وَلَمْ أَعْلَمْ لَهُ مُزِيلًا. قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا عَنْهُمْ فِي مَوَاضِعَ أَنَّ مَنْ شَهِدَ بِمِلْكٍ لِزَيْدٍ يَنْبَغِي أَنْ يَجْزِمَ بِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِسَبَبِهِ وَمُسْتَنِدِهِ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ إلَّا بِنَاءً عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ مَاتَ بِالِاسْتِفَاضَةِ الَّتِي حَصَلَتْ عِنْدِي لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُ. وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْهُ: إنَّهُ قَالَ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ: إنَّهُ لَوْ قَالَ أَشْهَدُ بِالِاسْتِفَاضَةِ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مِلْكُ زَيْدٍ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ يُمْكِنُ تَنْزِيلُهَا عَلَى مَا قُلْنَاهُ وَحَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَيْضًا فِي آخِرِ بَابِ الشَّرْطِ فِي الطَّلَاقِ وَقَيَّدَهُ بِأَنْ يَقُولَ ذَلِكَ قَبْلَ السُّؤَالِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا قُلْنَاهُ فَإِنَّ ذِكْرَهُ ذَلِكَ قَبْلَ السُّؤَالِ يُوَرِّثُ رِيبَةً. فَلَوْ سُئِلَ عَنْ مُسْتَنَدِهِ فَقَالَ: الِاسْتِفَاضَةُ، لَمْ يُقْدَحْ جَزْمًا وَهُوَ يُؤَكِّدُ مَا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِارْتِيَابِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ عَقْد نِكَاحٍ يُخَالِفُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَيُوَافِقُ غَيْرَهُ] (مَسْأَلَةٌ) فِي عَقْدِ نِكَاحٍ يُخَالِفُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَيُوَافِقُ غَيْرَهُ هَلْ لِلشَّاهِدِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يُقَلِّدَ ذَلِكَ الْمَذْهَبَ وَيَشْهَدُوا إذَا شَهِدَ وَلَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَمَا يَكُونُ حُكْمُ الشَّهَادَةِ؟ . (الْجَوَابُ) لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِجَرَيَانِ النِّكَاحِ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالزَّوْجِ، سَوَاءٌ أَقَلَّدَ ذَلِكَ الْمَذْهَبَ أَمْ لَمْ يُقَلِّدْهُ إذَا طَلَبَ مِنْهُ الشَّهَادَةَ بِذَلِكَ. وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ بِالزَّوْجِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُقَلِّدَ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَيَعْتَقِدَهُ بِطَرِيقٍ تَقْتَضِي لِمِثْلِهِ اعْتِقَادَ حَقِّيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَسَبَّبَ فِي الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ وَيَتَعَاطَى مَا يُعِينُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَلِّدَ ذَلِكَ الْمَذْهَبَ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ بِغَيْرِ تَقْلِيدِ الشَّهَادَةِ بِجَرَيَانِ الْعَقْدِ إذَا اتَّفَقَ حُضُورُهُ وَطُلِبَ مِنْهُ الْأَدَاءُ فَلَا يَمْتَنِعُ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ الْعَدَاوَة الَّتِي تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ] (مَسْأَلَةٌ فِي تَحْقِيقِ الْعَدَاوَةِ الَّتِي تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ فِي رِسَالَةٍ مُطَوَّلَةٍ كَتَبَهَا إلَى بَعْضِ النَّاسِ مَا نَصُّهُ: وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَتَى أَنِّي لَا أَقْصِدُ أَذَى مَخْلُوقٍ وَلَا أَجِدُ فِي قَلْبِي بُغْضًا لِأَحَدٍ إلَّا إذَا تَوَقَّعْت مِنْ أَحَدٍ أَنَّهُ يُؤْذِينِي فَأَقْصِدُ أَنَّ اللَّهَ يَدْفَعُهُ عَنِّي وَيَكْفِينِي إيَّاهُ بِمَا شَاءَ، وَإِنِّي أَتَعَجَّبُ مِنْ

стр. 990

قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: إنَّ الْعَدُوَّ هُوَ الَّذِي يَفْرَحُ بِمُسَاءَةِ عَدُوِّهِ وَيُسَاءُ بِمَسَرَّتِهِ. وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: كَيْفَ يَتَّفِقُ هَذَا وَإِنَّ الشَّخْصَ تَسُوءُهُ مَسَرَّةُ غَيْرِهِ وَيَسُرُّهُ مُسَاءَتُهُ مِنْ حَيْثُ هِيَ فَإِنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ وَأَتَعَجَّبُ إنْ كَانَ ذَلِكَ يَقَعُ لِأَحَدٍ؟ ، نَعَمْ قَدْ يَتَّفِقُ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَا يَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ خَيْرٌ وَلَا يَنْدَفِعُ عَنْهُ شَرٌّ إلَّا بِهَا فَيَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلَى خَيْرِهِ أَوْ دَفْعِ ضُرَّهُ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ هُوَ فَلَا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِ هَذَا فَإِنَّ الْعَدَاوَةَ قَدْ وَرَدَ بِهَا الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] وَقَالَ تَعَالَى ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ» فَيَجِبُ عَلَيْنَا تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ النُّفُوسَ الطَّاهِرَةَ السَّلِيمَةَ لَا تَبْغُضُ أَحَدًا وَلَا تُعَادِيه إلَّا بِسَبَبٍ إمَّا وَاصِلٌ إلَيْهَا أَوْ إلَى مَنْ تُحِبُّهُ أَوْ يُحِبُّهَا أَوْ تَوَقَّعُ وُصُولَ ذَلِكَ فَيَحْصُلُ لَهَا نَفْرَةٌ مِنْهُ وَيَنْبُو طَبْعُهَا عَنْهُ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ عَدَاوَتُنَا لِلْكُفَّارِ بِسَبَبِ تَعَرُّضِهِمْ إلَى مَنْ هُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، وَعَدَاوَتُنَا لِإِبْلِيسِ كَذَلِكَ وَلِقَصْدِهِ أَذَانًا، وَعَدَاوَتُنَا لِلْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ لِتَوَقُّعِ الْأَذَى مِنْهُمَا. وَالْعَدَاوَةُ هِيَ النَّفْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ ذَلِكَ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الْفَرَحُ بِالْمَسَاءَةِ وَلَا بِالْمَسَرَّةِ وَلَا الْمَسَاءَةُ بِالْمَسَرَّةِ كَمَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ. وَنَحْنُ نُحِبُّ لِلْكُفَّارِ أَنْ يُؤْمِنُوا وَيَهْتَدُوا وَنَبْغُضُهُمْ لِكُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ وَنَمْتَثِلُ أَمْرَ اللَّهِ فِي قَتْلِهِمْ وَجِهَادِهِمْ. وَالْغَرَضُ أَنَّ النُّفُوسَ الطَّاهِرَةَ لَا تَبْغُضُ أَحَدًا إلَّا بِسَبَبٍ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى بُغْضِهَا إيَّاهُ إلَّا مُجَرَّدَ النَّفْرَةِ وَالِاحْتِرَاسِ عَنْ أَذَاهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] أَمَّا قَصْدُ أَذَاهُ أَوْ الْفَرَحُ بِذَلِكَ فَلَا. نَعَمْ لَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ نُفُوسٌ خَبِيثَةٌ جُبِلَتْ عَلَى الشَّرِّ كَالْحَيَّةِ وَإِبْلِيسٍ مِنْ طَبْعِهَا الْأَذَى، فَيَحْصُلُ لَهَا هَذِهِ الْحَالَةُ كَمَا يَحْصُلُ مِنْهَا ذَلِكَ الْفِعْلُ لِمَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ إلَيْهَا أَذًى فَلَعَلَّ فِي نَوْعِ الْإِنْسَانِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. لَكِنِّي وَاَللَّهِ لَا أَجِدُ ذَلِكَ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ وَالنَّاسُ عِنْدِي أَقْسَامٌ: (أَحَدُهَا) رَجُلٌ لَهُ عَلَيَّ إحْسَانٌ وَإِنْ قَلَّ فَلَا أَنْسَاهُ لَهُ أَبَدًا، وَجَرَّبْت نَفْسِي فِي هَذَا مَرَّاتٍ فِيمَنْ تَقَدَّمَ لَهُ إحْسَانٌ ثُمَّ صَدَرَتْ مِنْهُ إسَاءَةٌ فَأَرَدْت أَنْ أَنْسَخَ مَا حَصَلَ مِنْهُ مِنْ الْإِحْسَانِ فَأَحْسَنْت إلَيْهِ نَظِيرَ

стр. 991

إحْسَانِهِ السَّابِقِ لِيَتَعَارَضَا وَتَبْقَى إسَاءَتُهُ ثُمَّ افْتَقَدْت نَفْسِي فَلَمْ أَجِدْ مَحَبَّتَهُ خَرَجَتْ مِنْ قَلْبِي وَعَالَجْت نَفْسِي عَلَى أَنْ أَمْحُوَ أَثَرَ إحْسَانِهِ الْمُتَقَدِّمِ إلَيَّ فَلَمْ أَقْدِرْ وَاسْتَمَرَّتْ مَوَدَّتُهُ فِي قَلْبِي وَلَمَّا مَاتَ رَثَيْته. وَهَذَا حَالِي مَعَ كُلِّ أَحَدٍ لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي غَيْرَ ذَلِكَ. (الثَّانِي) رَجُلٌ لَهُ عَلَيَّ إحْسَانٌ لَكِنْ لَهُ صُحْبَةٌ وَمَوَدَّةٌ فَهُوَ كَالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الصُّحْبَةَ مِنْ الْإِنْسَانِ وَاَللَّهُ يَسْأَلُ عَنْهَا وَقَدْ اتَّفَقَ لِي. (الثَّالِثُ) رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ إحْسَانٌ وَلَا صُحْبَةٌ لَكِنْ لَهُ فَضْلٌ أَوْ نَفْعٌ لِلنَّاسِ فَأَنَا أَرْعَى لَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ اتَّفَقَ لِي ذَلِكَ فِي شَخْصٍ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، وَبَلَغَنِي عَنْهُ فِي حَقِّي كُلَّ قَبِيحٍ وَقَصَدَ أَذَايَ مَرَّاتٍ وَشَهِدَ بِالزُّورِ فِي حَقِّي مَرَّاتٍ وَمَا غَيَّرَنِي ذَلِكَ عَلَيْهِ أَعْنِي أَذَاهُ لَا وَاَللَّهِ، وَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَ مَوْتِهِ تَأَلَّمْت لَهُ وَلِفَقْدِهِ وَنَظَمْت قَصِيدَةً فِي ذَلِكَ هَذَا فِيمَنْ يَقْصِدُ أَذَايَ فَكَيْفَ فِيمَنْ لَمْ يَحْصُلْ لِي مِنْهُ أَذًى مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ. (الرَّابِعُ) رَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ وَلَا يَعْرِفُنِي فَكَيْف أُعَادِيه بَلْ إذَا بَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ فِي ضَرَرٍ أَتَأَلَّمُ، وَإِذَا حَصَلَ لَهُ خَيْرٌ أُسَرَّ بِهِ فَإِنَّ النَّاسَ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ أَرَى الْخَيْرَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ يُغْنِيه عَنِّي فَكَأَنَّنِي غُنِيت بِهِ وَيَكُونُ غِنَاهُ غِنًى لِي أَلَيْسَ لَوْ احْتَاجَ وَجَبَ عَلَيَّ إسْعَافُهُ. وَزِيَادَةٌ أُخْرَى أَذْكُرُهَا وَهِيَ أَنَّ الشَّخْصَ قَدْ لَا يَقْصِدُ الْأَذَى وَلَكِنْ تَلُوحُ لَهُ مَصْلَحَةٌ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِضَرَرِ غَيْرِهِ فَيَفْعَلُهُ تَوَصُّلًا لِمَصْلَحَتِهِ، وَهَذَا يَقَعُ لِلنَّاسِ كَثِيرًا وَلَكِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لَمْ يَتَّفِقْ لِي وَلَا أَجِدُ قَلْبِي يُوَافِقُ عَلَيْهِ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ أَقَرَّ أَنَّ فِي ذِمَّتِهِ لِشَخْصٍ أَلْف دِرْهَمٍ وَعَشَرَة دَرَاهِمَ] (مَسْأَلَةٌ) أَنْتَجَهَا الْبَحْثُ فِي دَرْسِ الْغَزَالِيَّةِ سُنَّةٌ جَرَتْ مِنْ عِنْدِ قَاضِي بُلْبَيْسَ وَكَتَبْت عَلَيْهَا فِي غُرَّةِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ صَوَّرْتهَا فِي رَجُلٍ أَقَرَّ أَنَّ فِي ذِمَّتِهِ لِشَخْصٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ، ثُمَّ إنَّهُ وَفَّى مِنْهَا أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَادَّعَى الْمُدَّعِي اسْتِحْقَاقَهُ لِسِتِّمِائَةٍ وَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَهَلْ يُسَوَّغُ لِلشُّهُودِ الْأَدَاءُ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى إقْرَارِ الْمُقِرِّ بِجُمْلَةِ الدَّيْنِ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِمْ أَوْ يَقْدَحُ لِكَوْنِهِمْ شَهِدُوا بِمَا لَا يَدَّعِي الْمُدَّعِي أَوْ بِزِيَادَةٍ عَلَى الْمُدَّعَى بِهِ؟ وَإِذَا لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِمْ فَهَلْ يُكْتَبُ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ إقْرَارُ الْمُقِرِّ بِجُمْلَةِ الدَّيْنِ أَمْ بِبَاقِي الدَّيْنِ؟ وَهُوَ سِتُّمِائَةٍ وَعَشَرَةٌ أَمْ لَا أَفْتَوْنَا مَأْجُورِينَ.

стр. 992

الْجَوَابُ) هَذِهِ مَسْأَلَةٌ أَشْكَلَتْ عَلَى فُقَهَاءِ الزَّمَانِ حَتَّى رَأَيْت الشَّيْخَ قُطْبَ الدِّينِ السَّنْبَاطِيَّ وَكَانَ قَدْ وُلِّيَ نِيَابَةَ الْحُكْمِ بِالْقَاهِرَةِ وَنَدَبَنِي أَنَا وَسِرَاجَ الدِّينِ الْمَحَلِّيَّ إلَى مُلَازَمَةِ مَجْلِسِهِ لِمَا عَسَاهُ يَعْرِضُ لَهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُشْكِلَةِ فَنَتَوَخَّى الْحَقَّ فِيهَا فَكَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَرَى بِأَنَّ الشُّهُودَ يَشْهَدُونَ بِجُمْلَةِ الدَّيْنِ بَلْ بِمَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي وَلَا يُسَجِّلُ وَلَا يُثْبِتُ إلَّا لِأَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمُدَّعِي، وَبَسَطَ شَيْخُنَا ابْنُ الرِّفْعَةِ الْقَوْلَ فِيهَا فِي فَرْعٍ مُفْرَدٍ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ قَالَ: إذَا كَانَ لِشَخْصٍ دَيْنٌ عَلَى شَخْصٍ وَلَهُ بَيِّنَةٌ بِهِ فَقَضَاهُ بَعْضَهُ ثُمَّ مَاتَ أَوْ جَحَدَ فَأَرَادَ صَاحِبُ الْحَقِّ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ تَشْهَدُ؟ قَالَ: فُقَهَاءُ زَمَانِنَا: إنْ شَهِدَ الشَّاهِدُ عَلَى إقْرَارِهِ بِبَاقِي الدَّيْنِ فَقَدْ شَهِدَ بِخِلَافِ مَا وَقَعَ، وَإِنْ شَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ بِكُلِّ الدَّيْنِ شَهِدَ بِمَا اُسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ وَبِمَا لَمْ يَشْهَدْ فِيهِ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ الِاسْتِشْهَادِ يَصِيرُ مَجْرُوحًا، فَإِنْ قُلْنَا: يَصِيرُ مَجْرُوحًا - بَطَلَتْ جُمْلَةُ الشَّهَادَةِ وَإِلَّا خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فَالطَّرِيقُ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِهِ بِكَذَا مِنْ جُمْلَةِ كَذَا فَيَكُونُ تَنْبِيهًا عَلَى صُورَةِ الْحَالِ. قَالَ: وَمَا قَالُوهُ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ قَدْ رَأَيْت مِثْلَهُ فِي الْإِسْرَافِ فِيمَا إذَا ادَّعَى أَلْفًا فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ وَآخَرُ بِأَلْفَيْنِ. وَفِي الْبَحْرِ قَبْلَ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى تِسْعَةً فَشَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِعَشَرَةٍ فَالشَّهَادَةُ زَائِدَةٌ عَلَى الدَّعْوَى فَتَبْطُلُ فِي الزَّائِدِ وَهَلْ تَبْطُلُ فِي الْبَاقِي؟ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَبْعِيضِ الْإِقْرَارِ لَكِنَّهُ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ إنَّ الْبَيِّنَةَ لَوْ خَالَفَتْ الدَّعْوَى فِي الْجِنْسِ لَا تُسْمَعُ. وَفِي الْقَدْرِ إنْ خَالَفَتْهَا إلَى نُقْصَانِ حُكْمٍ فِي الْقَدْرِ بِالْبَيِّنَةِ دُونَ الدَّعْوَى وَإِلَى زِيَادَةِ حُكْمٍ بِالدَّعْوَى دُونَ الْبَيِّنَةِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُدَّعِي تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ فِي الزِّيَادَةِ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلرَّمْلِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ ادَّعَى عَشَرَةً فَشَهِدَ لَهُ بِالْبَيِّنَةِ بِعِشْرِينَ صَحَّ لَهُ الْعَشَرَةُ وَلَا يَكُونُ طَعْنًا عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَذِّبْهُمْ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ فِي الْأَصْلِ عِشْرِينَ قَبَضَ مِنْهَا عَشَرَةً. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَعِنْدِي أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْقَدْرِ الْبَاقِي لَا يَمْتَنِعُ؛ لِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالْعَشَرَةِ أَقَرَّ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا وَيُؤَيِّدُهُ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: لَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِعِشْرِينَ وَشَاهِدٌ بِثَلَاثِينَ ثَبَتَتْ الْعِشْرُونَ

стр. 993

عَلَى الْأَصَحِّ. الثَّانِي: أَنَّ مَنْ اشْتَرَى عَيْنًا بِعَشَرَةٍ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْتهَا بِتِسْعَةٍ؟ وَجْهَانِ: إنْ قُلْنَا: يَجُوزُ فَهُنَا كَذَلِكَ وَإِلَّا فَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ بِعَشَرَةٍ مُخَالِفٌ لِلْعَقْدِ بِتِسْعَةٍ وَهَذَا مُنْتَفٍ فِي الْإِقْرَارِ، وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ إنَّا إذَا أَرَدْنَا بِالشَّهَادَةِ فِي الْأَلْفِ الزَّائِدِ لِوُقُوعِ الشَّهَادَةِ بِهِ قَبْلَ الدَّعْوَى فَهَلْ نَرُدُّهَا فِي الْأَلْفِ الْمُدَّعَى بِهَا فِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْقَبُولِ. وَالثَّانِي: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ انْتَهَى مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ. وَاَلَّذِي أَقُولُهُ فِي ذَلِكَ وَأَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ وَأَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ أَنَّ هُنَا صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا وَهِيَ غَالِبُ مَا يَقَعُ: أَنْ يَدَّعِيَ بِسِتِّمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ مِنْ جُمْلَةِ أَلْفِ وَعَشَرَةٍ أَقَرَّ لَهُ بِهَا وَيُحْضِرُ مَسْطُورًا مَثَلًا فِيهِ الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ الدَّيْنِ وَفِيهِ رَسْمُ الشُّهُودِ وَنَسْأَلُهُمْ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ. فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا رِيبَةَ عِنْدِي فِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ بِالْكُلِّ. وَمِمَّا يَدُلُّ لَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَسْأَلَتَانِ: (إحْدَاهُمَا) إذَا حَلَّفَ اثْنَيْنِ دَيْنًا فَادَّعَى أَحَدُ الِاثْنَيْنِ بِجُمْلَةِ الدَّيْنِ وَأَخُوهُ غَائِبٌ وَشَهِدَ الشُّهُودُ بِجُمْلَتِهِ حُكِمَ لَهُ بِنَصِيبِهِ، وَأَخَذَ الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْغَائِبِ. (وَالثَّانِيَةُ) إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّ أَبَاهُ أَوْصَى لَهُ وَلِرَجُلٍ بِكَذَا وَأَقَامَ بَيِّنَةً قُضِيَ لَهُ بِنَصِيبِهِ وَبَقِيَ نَصِيبُ الرَّجُلِ إذَا حَضَرَ وَأَعَادَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةَ قُضِيَ لَهُ، فَفِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِجُمْلَةِ الدَّيْنِ وَجُمْلَةِ الْوَصِيَّةِ مَعَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الْبَعْضَ فَهِيَ شَهَادَةٌ قَبْلَ الدَّعْوَى بِالنِّسْبَةِ إلَى نَصِيبِ الْغَائِبِ فَكَمَا اُغْتُفِرَ ذَلِكَ تَبَعًا لِلشَّهَادَةِ لِلْحَاضِرِ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا يُغْتَفَرُ ذَلِكَ تَبَعًا لِلشَّهَادَةِ بِمَا ادَّعَى بِهِ وَيَدُلُّ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَالْفِقْهِ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِالْأَسْبَابِ مِنْ الْعُقُودِ وَالْأَقَارِيرِ وَنَحْوِهَا. وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَهِيَ إلَى الْحُكَّامِ فَالْمُدَّعِي يَدَّعِي الِاسْتِحْقَاقَ وَالشَّاهِدُ يَشْهَدُ بِسَبَبِهِ هَكَذَا غَالِبُ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَطْلُبُ أَمْرًا لَازِمًا فَهُوَ إنَّمَا يَذْكُرُ الِاسْتِحْقَاقَ وَالشَّاهِدُ فِي الْغَالِبِ لَا يَذْكُرُ الِاسْتِحْقَاقَ؛ لِأَنَّهُ لَا إطْلَاعَ لَهُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَذْكُرُ الْأَسْبَابَ، وَيُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «عَلَى مِثْلِ هَذَا فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ» أَشَارَ إلَى الشَّمْسِ طَالِعَةً، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ مُسْتَنَدَ الشَّاهِدِ أَمْرٌ مَحْسُوسٌ وَغَالِبُ الْمَشْهُودِ بِهِ هَكَذَا مَحْسُوسٌ بِسَمْعٍ أَوْ بَصَرٍ، وَالِاسْتِفَاضَةُ رَاجِعَةٌ إلَى السَّمْعِ.

стр. 994

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ تَرَكَ الشَّاهِدُ ذِكْرَ السَّبَبِ وَشَهِدَ بِالْحَقِّ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالسَّبَبِ مَسْمُوعَةٌ وَالدَّعْوَى لَا تَكُونُ بِالسَّبَبِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ حِكَايَةِ الْحَالِ وَالِاسْتِحْقَاقُ الْمُلْزَمُ إنَّمَا هُوَ لِلْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى السَّبَبِ فَالْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ الدَّيْنِ هُوَ الْمَشْهُودُ بِهِ الَّذِي سَمِعَهُ الشُّهُودُ مِنْ الْمُقِرِّ. وَلَوْ اشْتَرَطْنَا مُطَابَقَةَ الشَّهَادَةِ لِلدَّعْوَى مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَانَ يَنْبَغِي إذَا ادَّعَى اسْتِحْقَاقَ مَبْلَغٍ أَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدُ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ وَلَا يَشْهَدُ عَلَى سَبَبِهِ وَلَا عَلَى إقْرَارِ أَلْبَتَّةَ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ بَلْ الشَّهَادَةُ إنَّمَا هِيَ بِالْأَسْبَابِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي تِلْكَ الْأَسْبَابِ إلَى الْحُكَّامِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِجُمْلَةِ الدَّيْنِ وَاعْتِرَافُ الْمُدَّعِي بِقَبْضِ مَا قَبَضَ مِنْهُ وَحُكِمَ لَهُ بِالْبَاقِي وَلَا يَحْتَاجُ الشُّهُودُ إلَى زِيَادَةٍ عَلَى مَا شَهِدُوا بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَرِفًا وَكَانَ الشُّهُودُ يَعْلَمُونَ الْقَبْضَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ مَعَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْجُمْلَةِ أَنْ يَقُولُوا: قَبَضَ مِنْهَا قَبْضًا وَلَا يُطْلِقُوا الشَّهَادَةَ لِئَلَّا يَحْكُمَ الْقَاضِي بِالْجَمِيعِ. وَلَا يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ بِالْقَبْضِ قَبْلَ الدَّعْوَى بِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَهَادَةٍ بَلْ تَنْبِيهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِجُمْلَةِ مَا شَهِدُوا بِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي مَوَاضِعَ إذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ مُطْلَقًا وَكَانَ يَعْرِفُ مِنْ التَّفْصِيلِ مَا يَقْتَضِي فَسَادَ ذَلِكَ الْمُطْلَقِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْقَاضِي ذَلِكَ وَلَا يَقْتَصِرَ عَلَى نَقْلِ لَفْظِ الْمُقِرِّ أَوْ الْعَاقِدِ بَلْ يُفَصِّلُ مَا عَلِمَهُ وَيَشْرَحُهُ. فَإِنْ قُلْت: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُنَبِّهَ الْغَرِيمَ عَلَى الْقَبْضِ لِيَسْأَلَهُ الشَّهَادَةَ بِهِ وَيَحْتَرِزَ عَنْ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الدَّعْوَى. قُلْنَا: قَدْ يَكُونُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَائِبًا فَيَتَعَذَّرُ فِيهِ ذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِ الشَّاهِدِ مَعَ إخْبَارِ الْقَاضِي بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الشَّاهِدَانِ الْقَبْضَ جَازَ لَهُمَا الشَّهَادَةُ بِالْجُمْلَةِ، وَإِنْ عَرَفَا قَبْضَ الْجَمِيعِ لَمْ تَجُزْ لَهُمَا الشَّهَادَةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ شَهَادَةً بِغَيْرِ دَعْوَى وَبِغَيْرِ سُؤَالٍ، وَإِنْ صَدَرَتْ دَعْوَى وَسُؤَالٌ فَهُمَا يَعْرِفَانِ كَذِبَهَا فَلَا يَشْهَدَانِ بِمَا يُعِينُ عَلَيْهَا وَقَدْ يَكُونَانِ عَدُوَّيْنِ لِلْمُدَّعِي فَلَوْ شَهِدَا لَهُ بِالْإِقْرَارِ وَأَرَادَ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ لَمْ يُقْبَلْ فَالْوَجْهُ الْكَشْفُ عَنْ الشَّهَادَةِ وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَا بِقَبْضِ الْبَعْضِ وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ الْمُنْتَقَى وَسَأَلَهُمَا الشَّهَادَةَ بِالْجُمْلَةِ وَكَانَا عَدُوَّيْنِ لِلْمُدَّعِي بِحَيْثُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ وَلَا شَاهِدَ غَيْرَهُمَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَا عَنْ الشَّهَادَةِ بِجُمْلَةِ الدَّيْنِ حَذَرًا مِنْ التَّسْلِيطِ عَلَى أَخْذِ مَا لَا يَسْتَحِقُّ،

стр. 995

وَهَلْ يُسَوَّغُ لَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الشَّهَادَةُ بِالْبَعْضِ أَوْ يَمْتَنِعَا حَتَّى يَعْتَرِفَ الْمُدَّعِي بِمَا قَبَضَ ثُمَّ يَشْهَدَانِ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي أَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمَا الِامْتِنَاعُ حَتَّى يَعْتَرِفَ بِالْحَقِّ. وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِبَعْضِ الْحَقِّ فَسَتَأْتِي، فَإِنْ قُلْت مَا تَقُولُ فِيمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْإِشْرَافِ؟ . قُلْت جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي الْإِقْرَارِ وَإِنَّمَا قَالَ: إنَّهُ شَهِدَ بِأَلْفَيْنِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَهِدَ بِثُبُوتِهِمَا فِي ذِمَّتِهِ وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِبَعْضِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ شَهَادَةً عَلَى سَبَبٍ يَحْكِيه عَنْ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا هِيَ بِحَقٍّ يُخْبِرُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ. (الثَّانِي) أَنَّ الْمُدَّعِيَ ادَّعَى أَلْفًا وَلَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا بَعْضُ الْأَلْفَيْنِ الْمَشْهُودِ بِهَا فَقَدْ يَكُونُ دَيْنًا آخَرَ. فَإِنْ قُلْت: مَا تَقُولُ فِيمَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ؟ قُلْت: هُوَ مُشْكِلٌ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِنَقْلِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَقْصِيرٌ مِنْهُ وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَلَعَلَّهُ الْتَبَسَ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الْإِقْرَارِ بِغَيْرِهَا ثُمَّ كَلَامُهُ قَبْلَ ذَلِكَ يُخَالِفُهُ، وَيُؤَيِّدُ أَحَدُ كَلَامَيْهِ كَلَامَ الْمَاوَرْدِيِّ وَالرَّمْلِيِّ فَهُوَ مُوَافِقٌ لَهُمَا. فَإِنْ قُلْت: فَكَلَامُ الْإِمَامِ. قُلْت: لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهُ فِي الْإِقْرَارِ أَيْضًا فَهُوَ مِثْلُ كَلَامِ صَاحِبِ الْإِشْرَافِ وَجَوَابُهُ جَوَابُهُ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ قَيَّدْت جَوَازَ الشَّهَادَةِ بِالْكُلِّ فَهُوَ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْبَعْضِ الْبَاقِي مِنْهُ. قُلْت: يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِالْجَوَازِ لِمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَيَحْتَمِلُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَفْظَ الْمُقِرِّ وَلَا مَعْنَاهُ بَلْ لَازِمُهُ وَمُتَضَمِّنُهُ، وَالشَّاهِدُ قَدْ قُلْنَا: إنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي الْمَشْهُودِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَنْقُلَ مَدْلُولَ كَلَامِ الْمُقِرِّ مُطَابِقَةً بِلَفْظِهِ أَوْ مَعْنَاهُ. وَأَمَّا التَّصَرُّفُ فِيهِ وَالشَّهَادَةُ بِلَوَازِمِهِ فَلَا لَا سِيَّمَا إذَا أَطْلَقَ فَإِنَّهُ يُوهِمُ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهَا. نَعَمْ إنْ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِهِ بِسِتِّمِائَةٍ وَعَشَرَةً مِنْ جُمْلَةِ أَلْفٍ وَعَشَرَةٍ فَهَذَا قَرِيبٌ لَا يُشْعِرُ بِالْمَقْصُودِ، وَالْأَوْلَى بِالشَّاهِدِ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا الْمَكَانِ قَطْعِيًّا فَقَدْ يَأْتِي فِي مَكَان آخَرَ يُظَنُّ أَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَضْمُونِ كَلَامِ الْمُقِرِّ وَلَيْسَ مَضْمُونَهُ، وَلَيْسَ كُلُّ الشُّهُودِ عُلَمَاءَ فَالصَّوَابُ أَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَتَجَاوَزُ كَلَامَ الْمُقِرِّ بِلَفْظِهِ أَوْ بِمَعْنَاهُ الْجَلِيِّ الَّذِي لَا رِيبَةَ فِيهِ. وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ فَهِيَ أَنْ يَدَّعِيَ بِسِتِّمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ وَلَا يُضِيفُهَا إلَى مَسْطُورٍ حَاضِرٍ وَلَا إلَى دَيْنٍ مُعَيَّنٍ وَيَسْأَلُ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَشْهَدَا لَهُ وَكَانَا قَدْ سَمِعَا الْإِقْرَارَ لَهُ بِأَلْفٍ وَعَشَرَةٍ فَلَا يُسَوَّغُ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا لَهُ بِشَيْءٍ لِاحْتِمَالِ

стр. 996

إنَّ الَّذِي ادَّعَى بِهِ غَيْرَ الَّذِي شَهِدَا بِهِ، فَإِنْ قَالَ: إنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَلْفِ وَعَشَرَةٍ جَاءَتْ الْمَسْأَلَةُ السَّابِقَةُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَلَكِنْ سَأَلَهُمَا لَهُ الشَّهَادَةَ بِسِتِّمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ مِنْ جُمْلَةِ الْأَلْفِ وَعَشَرَةٍ جَاءَ الْكَلَامُ السَّابِقُ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى (فَصْلٌ) قَوْلُهُ ﷺ «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَيْئًا مِنْ الذُّنُوبِ مَطْلُوبٌ وَلَا مَحْبُوبٌ وَلَا مَرْغُوبٌ فِيهِ وَلَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا مَدْلُولُهُ الرَّبْطُ بَيْنَ " لَوْ " وَجَوَابِهَا وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْمُلَازَمَةُ مِنْ مَجِيءِ اللَّهِ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يُذْنِبَ الْمَوْجُودُونَ. فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ لَا تُعَلَّلُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ فَذَاكَ، وَإِنْ قُلْنَا: تُعَلَّلُ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْمَجِيءُ بِقَوْمٍ مَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ مُرَادًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إرَادَةُ الصِّفَةِ فَالْإِرَادَةُ غَيْرُ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ، وَلَوْ سَلَّمَ أَنَّ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةَ مِنْ الْإِرَادَةِ فَثَلَاثَتُهَا غَيْرُ الطَّلَبِ وَالتَّقَرُّبُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْمَطْلُوبِ وَلَيْسَ كُلُّ مُرَادٍ وَمَحْبُوبٍ وَمَرَضِيٍّ بِهِ مَطْلُوبًا، أَمَّا إذَا مَنَعْنَا التَّعْلِيلَ فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا إذَا عَلَّلْنَا فَإِنَّا نُعَلِّلُ الْإِرَادَةَ وَالْمَحَبَّةَ وَالرِّضَا فِي غَيْرِ الْمَطْلُوبِ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الْخَيْرِ إمَّا مِنْ ظُهُورِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَكَرْمِهِ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَدْ وَرَدَ كُنْت كَنْزًا لَا أُعْرَفُ فَأَحْبَبْت أَنْ أُعْرَفَ فَبِالْحَقِّ عَرَفْنَا قُدْرَةَ اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ وَفَضْلَهُ وَكَرْمَهُ وَأَمَّا لِفَاعِلِهَا أَعْنِي فَاعِلَ الْمُرَادِ الْمَرَضِيِّ الْمَحْبُوبِ لِغَيْرِهِ وَإِمَّا لِغَيْرِ فَاعِلِهَا فَإِنَّهُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى الذَّنْبِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ لِفَاعِلِهِ انْكِسَارٌ وَصَلَاحُ قَلْبٍ لَمْ يَكُنْ يَحْصُلُ بِدُونِهِ وَلِغَيْرِ فَاعِلِهِ بِأَنْ يُعْتَبَرَ بِهِ كَمَا حَصَلَ لَنَا مِنْ الْخَيْرِ بِمَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ قَصَصِ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِخِلَافِ إرَادَةِ الطَّاعَةِ وَمَحَبَّتِهَا وَالرِّضَا بِهَا فَإِنَّهَا لِصِفَتِهَا وَالرَّغْبَةِ فِيهَا نَفْسِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ لِفَاعِلِيهَا وَلِغَيْرِهِ، وَالتَّقَرُّبُ إنَّمَا هُوَ بِالْمَطْلُوبِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْمَعَاصِي مَطْلُوبًا كَبُرَ أَوْ صَغُرَ وَدَعْوَةُ الْأَنْبِيَاءِ إنَّمَا هِيَ لِلتَّقْوَى وَالطَّاعَةِ. قَالَ نُوحٌ ﵊ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٨] ، وَكَذَلِكَ قَالَ هُودٌ ﵊ وَغَيْرُهُ، وَالتَّقْوَى اجْتِنَابُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَالطَّاعَةُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَامْتِثَالُ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابُ النَّهْيِ كُلُّهُ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ فَلَيْسَ

стр. 997

شَيْءٌ مِنْ الْمَعَاصِي عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ بَلْ كُلُّهَا طَرِيقُ جَهَنَّمَ فَمَنْ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْهَا وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَهَا فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَانْفَتَحَ لَهُ طَرِيقُ جَهَنَّمَ يَنْتَقِلُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الصَّغِيرِ إلَى صَغِيرٍ آخَرَ أَكْبَرَ مِنْهُ وَيَنْدَرِجُ إلَى كَبِيرٍ ثُمَّ أَكْبَرَ حَتَّى يَسْقُطَ فِي جَهَنَّمَ فَكَيْف يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا قُرْبَةً إلَى اللَّهِ وَإِنَّمَا يُقَدِّرُهُ عَلَى بَعْضِ عِبَادِهِ لِيَكُونَ لُطْفًا بِهِمْ أَوْ بِغَيْرِهِمْ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ خَيْرٌ لَهُمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ اعْتِبَارًا وَالْأَشْيَاءُ قَدْ تُرَادُ إرَادَةَ الْمَقَاصِدِ وَقَدْ تُرَادُ إرَادَةَ الْوَسَائِلِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ فَلَا يَلْتَبِسُ أَحَدُهُمَا بِالْآخِرِ. وَالْمَطْلُوبَاتُ كُلُّهَا إمَّا مَقَاصِدُ وَإِمَّا وَسَائِلُ صَالِحَةٌ لِمَا هُوَ أَصْلَحُ مِنْهَا وَالْمَنْهِيَّاتُ كُلُّهَا مَفَاسِدُ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى بَعْضِهَا صَلَاحٌ فَلَا يُوَصِّلُهُ ذَلِكَ إلَى حَدِّ الطَّلَبِ وَلَا الْقُرْبَةِ وَالْمَطْلُوبُ هُوَ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ ثَانِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ. انْتَهَى. [كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ] (كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ) (مَسْأَلَةٌ) دَارٌ فِي يَدِ ثَلَاثَةٍ ادَّعَى أَحَدُهُمْ كُلَّهَا وَالْآخَرُ ثُلُثَيْهَا وَالْآخَرُ نِصْفَهَا وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمْ بَيِّنَةً. (الْجَوَابُ) لِكُلٍّ مِنْهُمْ ثُلُثُهَا كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ كُلٍّ مِنْهُمْ شَهِدَتْ لَهُ بِمَا فِي يَدِهِ وَزِيَادَةً فَلَمْ تَثْبُتْ الزِّيَادَةُ، أَمَّا مُدَّعِي الْكُلِّ فَلِأَنَّ بَيِّنَتَهُ فِي الزَّائِدِ مُعَارَضَةٌ بِبَيِّنَةِ مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ فِي الثُّلُثَيْنِ، وَبَيِّنَةِ مُدَّعِي النِّصْفِ فِي النِّصْفِ فَتَسَاقَطَا وَسَقَطَتْ دَعْوَاهُ فِي الثُّلُثَيْنِ، وَأَمَّا مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ فَلِأَنَّ بَيِّنَتَهُ فِي الزَّائِدِ مُعَارَضَةٌ بِبَيِّنَةِ مُدَّعِي الْكُلِّ فِيهِ وَبَيِّنَةِ مُدَّعِي النِّصْفِ فِي نِصْفِهِ وَهُوَ السُّدُسُ فَتَسَاقَطَتْ وَسَقَطَتْ دَعْوَاهُ بِالثُّلُثِ الزَّائِدِ، وَأَمَّا مُدَّعِي النِّصْفِ فَلِأَنَّ بَيِّنَتَهُ بِالسُّدُسِ الزَّائِدِ مُعَارَضَةٌ بِبَيِّنَةِ مُدَّعِي الْكُلِّ فِيهِ وَبِبَيِّنَةِ مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ فِي نِصْفِهِ وَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ فَتَسَاقَطَتْ وَسَقَطَتْ دَعْوَاهُ بِالسُّدُسِ الزَّائِدِ وَاسْتَقَرَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ الثُّلُثُ الَّذِي فِي يَدِهِ وَلَكِنَّ مَا طَرِيقُهُ هَلْ هُوَ بِالْيَدِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ وَالْيَدِ جَمِيعًا؟ نُقَدِّمُ عَلَى هَذَا مُقَدِّمَةً وَهِيَ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحُكْمَ بِهَا وَبِالْيَدِ بِمَعْنَى أَنَّهَا رَجَّحَتْ الْيَدَ وَلَا يَحْلِفُ صَاحِبُهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ: يَحْلِفُ، وَقِيلَ: تَتَسَاقَطُ الْبَيِّنَتَانِ وَتَبْقَى الْيَدُ وَحْدَهَا فَيَحْلِفُ قَطْعًا، وَبَيِّنَةُ الدَّاخِلِ مَسْمُوعَةٌ بَعْدَ قِيَامِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ

стр. 998

لَا قَبْلَهُ، وَإِذَا ادَّعَى الْخَارِجُ بِالنِّصْفِ وَالدَّاخِلُ بِالْكُلِّ وَيَدُهُ عَلَى الْجَمِيعِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّ بَيِّنَتَهُ فِي الزَّائِدِ عَلَى النِّصْفِ لَا تُسْمَعُ قَبْلَ قِيَامِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَوْ لَمْ نَسْمَعْهَا لَأَدَّى إلَى عَدَمِ تَمَكُّنِ الدَّاخِلِ مِنْ مُعَارَضَةِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَيْنِ لَا يَتَعَارَضَانِ وَإِنَّمَا يَتَعَارَضُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ بِنِصْفِ الشَّهَادَةِ لِلدَّاخِلِ بِالزَّائِدِ عَلَيْهِ لِتَنْتَفِيَ بِهِ دَعْوَى الْخَارِجِ، فَدَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى سَمَاعِهَا. ثُمَّ إذَا سَمِعْنَاهَا وَرَجَّحْنَاهَا عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ بِالنِّصْفِ لَا بُدَّ أَنْ نَحْكُمَ لَهُ بِالْجَمِيعِ وَإِلَّا لَمْ يَنْدَفِعْ الْخَارِجُ فَدَعَتْنَا الضَّرُورَةُ الْمَذْكُورَةُ إلَى سَمَاعِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْحُكْمِ بِهَا فِي النِّصْفِ الَّذِي وَقَعَ التَّعَارُضُ فِيهِ وَالنِّصْفُ الزَّائِدُ لِيَصِحَّ التَّعَارُضُ وَتَنْدَفِعُ الدَّعْوَى عَنْ الدَّاخِلِ بَعْدَ قِيَامِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ، إذَا عُرِفَ هَذَا فَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي دَارٍ فِي يَدِ ثَلَاثَةٍ ادَّعَى أَحَدُهُمْ كُلَّهَا وَالْآخَرُ نِصْفَهَا وَالْآخَرُ ثُلُثَهَا وَأَقَامَ الْأَوَّلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى مَا يَدَّعِيه دُونَ الثَّالِثِ - إنَّ لِمُدَّعِي الْكُلِّ الثُّلُثَ بِالْبَيِّنَةِ وَالْيَدِ النِّصْفَ كَذَلِكَ وَلِمُدَّعِي الْكُلِّ نِصْفَ مَا فِي يَدِ الثَّالِثِ أَيْضًا بِبَيِّنَتِهِ السَّلِيمَةِ وَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ يَتَعَارَضُ بِبَيِّنَتِهِ وَبَيِّنَةِ مُدَّعِي النِّصْفِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّسَاقُطِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّالِثِ فِي السُّدُسِ. انْتَهَى. وَصَاحِبُ الْكُلِّ هَاهُنَا يَدَّعِي عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مُدَّعِي النِّصْفِ بِنِصْفِ سُدُسٍ وَفِيهِ يَحْصُلُ تَعَارُضُ بَيِّنَتَيْهِمَا وَبَقِيَّةُ مَا فِي يَدِ مُدَّعِي الْكُلِّ وَهُوَ الرَّابِعُ لَمْ يَدَّعِهِ أَحَدٌ فَلَا تَعَارُضَ فِيهِ وَلَكِنَّا نَحْكُمُ لَهُ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ كَمَا حَكَمْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ لِمُدَّعِي الْكُلِّ بِالْكُلِّ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِ إلَّا النِّصْفَ لَكِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ فَفِي الرُّبُعِ بِيَدٍ وَبَيِّنَتُهُ لَا مُعَارِضَ لَهَا وَفِي نِصْفِ السُّدُسِ بِيَدٍ مُرَجَّحَةٍ بِبَيِّنَتِهِ وَقَعَ التَّعَارُضُ فِيهَا وَالسُّدُسُ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنْ الثُّلُثَيْنِ بِالْبَيِّنَةِ وَحْدَهَا وَمُدَّعِي النِّصْفِ مُدَّعًى عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مُدَّعِي الْكُلِّ بِجَمِيعِ مَا فِي يَدِهِ وَهُوَ الثُّلُثُ فَتَقْرِيرُهُ فِي يَدِهِ بِالْيَدِ الْمُرَجَّحَةِ بِالْبَيِّنَةِ الْمُعَارِضَةِ. فَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ بِالْبَيِّنَةِ وَالْيَدِ صَحِيحًا لَكِنَّا أَحْبَبْنَا زِيَادَةَ بَيَانٍ فِي ذَلِكَ. رَجَعْنَا إلَى مَسْأَلَتِنَا فَنَقُولُ: يَسْتَقِرُّ لِكُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ الثُّلُثُ بِالْيَدِ وَالْبَيِّنَةِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ. وَتَفْصِيلُهُ أَنْ نَقُولَ: مُدَّعِي الْكُلِّ مُدَّعًى عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ بِالسُّدُسِ وَمِنْ جِهَةِ مُدَّعِي النِّصْفِ بِنِصْفِ سُدُسٍ فَفِي هَاتَيْنِ الْحِصَّتَيْنِ تَتَعَارَضُ

стр. 999

الْبَيِّنَاتُ فَيَبْقَى فِي يَدِهِ مَجْمُوعُهُمَا وَهُوَ الرُّبُعُ بِالْيَدِ الْمُرَجَّحَةِ بِالْبَيِّنَةِ الْمُعَارَضَةِ وَبَقِيَّةُ مَا فِي يَدِهِ وَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ يَبْقَى فِي يَدِهِ بِالْيَدِ وَالْبَيِّنَةِ الَّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا وَمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ مُدَّعًى عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مُدَّعِي الْكُلِّ بِالثُّلُثِ وَمِنْ جِهَةِ مُدَّعِي النِّصْفِ بِنِصْفِ سُدُسٍ فَيَسْتَقِرُّ فِي يَدِهِ الرُّبُعُ بَعْدَ تَعَارُضِ بَيِّنَتِهِ وَبَيِّنَةِ الْخَارِجِ فِيهِ وَهُوَ مُدَّعِي الْكُلِّ بِحُكْمِ التَّرْجِيحِ لِبَيِّنَةِ الدَّاخِلِ. وَيَسْتَقِرُّ فِي يَدِهِ أَيْضًا نِصْفُ سُدُسٍ بَعْدَ تَعَارُضِ بَيِّنَتِهِ وَبَيِّنَةِ مُدَّعِي الْكُلِّ وَمُدَّعِي النِّصْفِ فِيهِ فَتَسَاقَطَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجَيْنِ وَبَقِيَتْ لَهُ يَدٌ وَبَيِّنَةٌ وَمُدَّعِي النِّصْفِ مُدَّعًى عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مُدَّعِي الْكُلِّ بِجَمِيعِ مَا فِي يَدِهِ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الثُّلُثَيْنِ بِالسُّدُسِ فَخَرَّجَهُ عَلَى مَا سَبَقَ. فَهَذَا بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعَصْرِ غَلِطَ فِيهَا وَظَنَّ أَنَّ مُدَّعِيَ الْكُلِّ بِبَيِّنَتِهِ يَحْصُلُ لَهُ ثُلُثٌ سَالِمٌ عَنْ الْمُعَارَضَةِ وَيُشَارِكُ الْبَاقِينَ. وَهَذَا غَلَطٌ عَلَى قَوْلِ التَّسَاقُطِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى عَيْنًا فَادَّعَتْ زَوْجَةُ الْبَائِعِ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَهَا] (مَسْأَلَةٌ سَأَلَهَا ابْنُ الْوَرَّاقِ قَاضِي سَمَنُّودَ) رَجُلٌ فِي يَدِهِ عَيْنٌ اشْتَرَاهَا مِنْ رَجُلٍ مِنْ مُدَّةِ أَرْبَعِ سِنِينَ بِشَاهِدَيْنِ فَادَّعَتْ زَوْجَةُ الْبَائِعِ عَلَى مَنْ فِي يَدِهِ الْعَيْنِ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَهَا؛ لِأَنَّهَا تَعَوَّضَتْهَا مِنْ زَوْجِهَا الْبَائِعِ الْمَذْكُورِ مِنْ مُدَّةِ خَمْسِ سِنِينَ وَأَقَامَتْ بَيِّنَةً شَاهِدًا وَاحِدًا فَهَلْ يُقَدَّمُ الدَّاخِلُ لِيَدِهِ وَشَاهِدَيْهِ أَمْ الْمَرْأَةُ لِسَبْقِ تَارِيخِهَا؟ . (أَجَابَ) ﵀: قَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلْبَاسٌ فَلَا بُدَّ مِنْ نَقْلِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِيهِ: قَالَ الرَّافِعِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ: الْمُرَجَّحَاتُ أَسْبَابٌ: (أَحَدُهَا) زِيَادَةُ قُوَّةٍ وَلَهُ صُوَرٌ إحْدَاهَا لَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا شَاهِدَيْنِ وَالْآخَرُ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ فَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ تَرْجِيحُ الشَّاهِدَيْنِ فَلَوْ كَانَ مَعَ صَاحِبِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ يَدُ قِدَمٍ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْآخَرُ، وَقِيلَ: يَتَعَارَضَانِ. (السَّبَبُ الثَّانِي) الْيَدُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي سَمَاعِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ الْمِلْكِ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا فَرْقَ فِي تَرْجِيحِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ بَيْنَ أَنْ يُبَيِّنَ الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ سَبَبَ الْمِلْكِ أَوْ يُطْلِقَا وَلَا بَيْنَ إسْنَادِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَإِطْلَاقِهِمَا. وَلَوْ فَرَضْنَا السَّبَبَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَتَّفِقَ الْبَيِّنَتَانِ أَوْ تَخْتَلِفَا وَلَا بَيْنَ أَنْ يُسْنِدَا الْمِلْكَ إلَى شَخْصٍ بِأَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ اشْتَرَيْته مِنْ زَيْدٍ، أَوْ

стр. 1000

يُسْنِدَا إلَى شَخْصَيْنِ، وَفِيمَا إذَا أَسْنَدَا إلَى شَخْصٍ وَجْهٌ أَنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ، وَلَوْ أَطْلَقَ الْخَارِجُ دَعْوَى الْمِلْكِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً، وَقَالَ الدَّاخِلُ: هُوَ مِلْكِي اشْتَرَيْته مِنْك، وَأَقَامَ بَيِّنَةً فَالدَّاخِلُ أَوْلَى، وَلَوْ قَالَ الْخَارِجُ: هُوَ مِلْكِي وَرِثْته مِنْ أَبِي، وَقَالَ الدَّاخِلُ: اشْتَرَيْته مِنْ أَبِيك فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، وَلَوْ انْعَكَسَتْ الصُّورَةُ فَقَالَ الْخَارِجُ: مِلْكِي اشْتَرَيْته مِنْك وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَأَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مِلْكُهُ فَالْخَارِجُ أَوْلَى لِزِيَادَةِ عِلْمِ بَيِّنَتِهِ. وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ اشْتَرَيْته مِنْك وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَخَفِيَ التَّارِيخُ فَالدَّاخِلُ أَوْلَى، وَلَوْ أَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكِي الدَّاخِلُ غَصَبَهَا مِنِّي أَوْ قَالَ: أَجَّرْتهَا لَهُ وَأَوْدَعْتهَا وَأَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ فَالْأَصَحُّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ وَالْعِرَاقِيُّونَ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ. وَصَحَّحَ الْبَغَوِيّ تَقْدِيمَ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ. (السَّبَبُ الثَّالِثُ) التَّارِيخُ إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةُ زَيْدٍ أَنَّهُ مِلْكُهُ مِنْ سَنَةٍ وَبَيِّنَةُ عَمْرٍو أَنَّهُ مِلْكُهُ مِنْ سَنَتَيْنِ فَالْمَذْهَبُ تَقْدِيمُ أَسْبَقِهِمَا تَارِيخًا وَيُطْرَدُ الْخِلَافُ فِي النِّكَاحِ وَفِيمَا إذَا تَعَارَضَتَا مَعَ اخْتِلَافِ التَّارِيخِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ بِأَنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً بِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ مُنْذُ سَنَةٍ وَالْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ عَمْرٍو مُنْذُ سَنَتَيْنِ، وَلَوْ نَسَبَا الْعَقْدَيْنِ إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ فَأَقَامَ هَذَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ مُنْذُ سَنَةٍ وَالْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَالسَّابِقُ أَوْلَى بِلَا خِلَافٍ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَصْلِهَا مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي فِي يَدِ ثَالِثٍ، فَلَوْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَقَامَتْ بَيِّنَتَانِ مُخْتَلِفَتَا التَّارِيخِ فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ أَسْبَقَ قُدِّمَتْ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَسْبَقَ فَإِنْ لَمْ نَجْعَلْ السَّبَقَ مُرَجَّحًا قُدِّمَ الدَّاخِلُ قَطْعًا، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مُرَجَّحًا فَكَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ: يَتَعَارَضَانِ. هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ، وَقَدْ تَوَهَّمَ أَنَّ سَبْقَ التَّارِيخِ لَا أَثَرَ لَهُ مَعَ الْيَدِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسْنَدَ الْمِلْكُ إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ أَوْ لَا فَيَقْتَضِي هَذَا أَنْ نُقَدِّمَ صَاحِبِ الْيَدِ، وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَسْبَقَ تَارِيخًا وَنُسِبَتْ الْمِلْكُ إلَى الشِّرَاءِ مِنْ زَيْدٍ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى وَيَكُونُ قَوْلُهُ فِيمَا سَبَقَ لَوْ نَسَبْنَا الْعَقْدَيْنِ إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ فَالسَّابِقُ أَوْلَى بِلَا خِلَافٍ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا. هَذَا وَجْهُ الْإِشْكَالِ فَإِنَّ مَعَ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ إذَا كَانَتْ أَسْبَقَ تَارِيخًا زِيَادَةَ عِلْمٍ فَلِمَ

стр. 1001

لَا تَثْبُتُ كَمَا لَوْ قَالَ اشْتَرَيْته مِنْك وَقَدْ جَزَمَ فِيهَا بِالْقَبُولِ لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ وَهَذَا مِثْلُهُ؛ هَذَا إذَا كَانَتْ بَيِّنَتَانِ كَامِلَتَانِ وَفِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ نَظَرٌ آخَرُ لِكَوْنِهِ أَضْعَفَ، وَنَظَرْت كَلَامَ غَيْرِ الرَّافِعِيِّ أَيْضًا وَبَحَثْنَا فِيهَا فِي الدَّرْسِ أَيَّامًا وَاسْتَشْكَلَ كُلُّ الْحَاضِرِينَ تَقْدِيمَ صَاحِبِ الْيَدِ فِي هَذِهِ، وَصَمَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَّا تَقْدِيمَ الْخَارِجِ وَلَمْ يُصَمِّمْ الْبَاقُونَ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ عَسُرَ عَلَيْهِمْ الْجَوَابُ فَفَكَّرَتْ فِي ذَلِكَ وَظَهَرَ لِي مَا أَرْجُو بِهِ الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُوَ أَنَّ هَاهُنَا ثَلَاثُ صُوَرٍ: (إحْدَاهَا) أَنْ يَعْتَرِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْآنَ صَاحِبُ الْيَدِ بِأَنَّ الدَّارَ كَانَتْ بِيَدِ الزَّوْجِ عِنْدَ التَّعْوِيضِ أَوْ تَقُومُ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ فَيَقْضِي لِلْمَرْأَةِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْيَدَ الْقَدِيمَةَ صَارَتْ لِلزَّوْجِ وَيَدُ الْمُشْتَرِي حَادِثَةٌ عَلَيْهَا فَلَا تُقَدَّمُ عَلَيْهَا وَلَا يَبْقَى إلَّا الْعَقْدَانِ فَيُقَدَّمُ أَسْبَقُهُمَا وَهُوَ عَقْدُ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ الْيَدَ الْمَوْجُودَةَ إنَّمَا يُعْمَلُ بِهَا وَبِعَدَمِهَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ حُدُوثُهَا فَإِذَا عَلِمْنَا حُدُوثَهَا فَالْيَدُ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ الْأَوْلَى. (الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ لَا يَعْتَرِفَ بِذَلِكَ وَلَا تَقُومُ الْبَيِّنَةُ بِهِ لَكِنْ تَشْهَدُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي أَنَّ الزَّوْجَ بَاعَهَا لَهُ وَهِيَ مِلْكُهُ، وَتَشْهَدُ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ أَنَّ الزَّوْجَ عَوَّضَهَا إيَّاهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ، وَلَا نَتَعَرَّضُ لِلْيَدِ فَهَاهُنَا الْبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ وَيُقَدَّمُ صَاحِبُ الْيَدِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَا نَعْلَمُ حُدُوثَهَا فَنَسْتَصْحِبُهَا فِي الْمَاضِي إلَى زَمَانِ التَّعْوِيضِ، وَبَيِّنَةُ التَّعْوِيضِ لَوْ انْفَرَدَتْ لَكَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَيْهَا لَكِنْ عَارَضَتْهَا بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ الْمُزَوِّجِ فِي الْوَقْتَيْنِ وَيَدُ الْمُشْتَرِي مُرَجَّحَةٌ. وَهَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيهَا وَلَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ أَوْ الرَّجُلِ شَاهِدَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ فَإِنَّا نُقَدِّمُ صَاحِبَ الْيَدِ عَلَى الْأَصَحِّ، نَعَمْ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ لَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ شَاهِدًا وَيَمِينًا هَلْ تُقَدَّمُ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَهُوَ نَظَرٌ لَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى تَحْقِيقِهِ. (الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا لَمْ تَعْتَرِفْ بَيِّنَةٌ سَابِقَةٌ وَلَا قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ وَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ وَإِنَّمَا شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ بِالتَّعْوِيضِ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي بِالشِّرَاءِ فَهُنَا نُقَدِّمُ صَاحِبَ الْيَدِ بِلَا إشْكَالٍ فِي ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَهَذَا تَحْرِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ وَالِاحْتِيَاجُ إلَيْهَا كَثِيرٌ، وَقَلِيلٌ مَنْ يُحَرِّرُهَا بَلْ لَا أَعْرِفُ أَحَدًا يُحَرِّرُهَا وَلَا هِيَ مَسْطُورَةٌ بِهَذَا

стр. 1002

التَّحْرِيرِ فِي كِتَابٍ فَيَنْبَغِي أَنْ تُتْقَنَ وَتُحْفَظَ وَتُسْتَفَادَ. وَكُتِبَ عَلَى الْفَتْوَى مَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إنْ اعْتَرَفَ صَاحِبُ الْيَدِ الْآنَ بِأَنَّ الدَّارَ كَانَتْ فِي يَدِ الزَّوْجِ حِينَ التَّعْوِيضِ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ حُكِمَ لِلْمَرْأَةِ بِهَا سَوَاءً أَكَانَ لِلْمَرْأَةِ شَاهِدَانِ أَمْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ اقْتَصَرَتْ كُلُّ بَيِّنَةٍ عَلَى الْعَقْدِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ أَوْ أَضَافَتْ إلَيْهِ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ كَأَنْ تَقُولَ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ أَنَّهُ عِوَضُهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ وَتَقُولُ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ إنَّهُ بَاعَهَا لَهُ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ فَتَبْقَى فِي يَدِ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ الْآنَ سَوَاءٌ أَكَانَتْ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ شَاهِدَيْنِ أَمْ شَاهِدًا وَيَمِينًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمُلَخَّصُ ذَلِكَ إذَا تَنَازَعَ الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ فَإِنْ اعْتَرَفَ الدَّاخِلُ لِلْخَارِجِ أَوْ لِأَصْلِهِ بِيَدٍ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَى مَا يَدَّعِيه الْخَارِجُ مِنْ سَبَبِ الِانْتِقَالِ إلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْخَارِجِ وَلَيْسَ الدَّاخِلُ فِي ذَلِكَ صَاحِبَ يَدٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَذَا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ لِلدَّاخِلِ وَالْخَارِجُ يَعْتَقِدُ بِهِمَا فَلَا الْتِفَاتَ إلَيْهَا مَعَ الْيَدِ وَتَبْقَى فِي صَاحِبِ الْيَدِ، وَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِمِلْكِ الدَّاخِلِ مُؤَرَّخَةً أَوْ مُطْلَقَةً وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ بِالْمِلْكِ أَيْضًا مُؤَرَّخَةً أَوْ مُطْلَقَةً لَهُ أَوْ لِأَصْلِهِ فَهَذَا مَحَلُّ خِلَافٍ. وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْيَدِ وَحَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى اسْتِمْرَارِ الْيَدِ فِي الزَّمَانِ الَّذِي اقْتَضَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِيهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى دَارًا وَصَدَّقَ الْبَائِعَ أَخُوهُ عَلَى صِحَّةِ مِلْكِهِ] (مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ اشْتَرَى دَارًا وَصَدَّقَ الْبَائِعَ أَخُوهُ عَلَى صِحَّةِ مِلْكِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا الْمُصَدِّقُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَحَلَّ فَادَّعَى الْمُصَدِّقُ أَنَّ بَعْضَ الْمَبِيعِ وَقْفٌ عَلَيْهِ وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً. (أَجَابَ) إذَا ظَهَرَ لِلْقَاضِي قَرِينَةٌ تَقْتَضِي خَفَاءَ ذَلِكَ عَلَى الْمُصَدِّقِ حِينَ تَصْدِيقِهِ فَلَهُ سَمَاعُ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتِهِ. [مَسْأَلَةٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً بَائِنًا خُلْعًا فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ إنَّهَا ثَالِثَةٌ] (مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً بَائِنًا خُلْعًا فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: إنَّهَا ثَالِثَةٌ، ثُمَّ رَجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ وَزُوِّجَتْ مِنْهُ بِغَيْرِ مُحَلَّلٍ ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا فَطَلَبَتْ مِيرَاثَهَا مِنْهُ فَتَوَقَّفَ بَعْضُ الْحُكَّامِ فِي ذَلِكَ لِإِقْرَارِهَا بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ. (أَجَابَ) نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ وَآخِرِ بَابِ الرَّجْعَةِ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ زَعَمَ

стр. 1003

أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي كِتَابِ الْعُدَدِ: إذَا أَقَرَّ بِطَلَاقِهَا وَاحِدَةً وَارْتَجَعَهَا وَادَّعَتْ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَا رَجْعَةَ لَهُ بِهَا ثُمَّ صَدَّقَتْهُ وَأَكْذَبَتْ نَفْسَهَا حَلَّ لَهَا الِاجْتِمَاعُ مَعَهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ لَوْ ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ فَحَلَفَتْ ثُمَّ كَذَّبَتْ نَفْسَهَا فَإِنَّهُ لَا يُعَوِّلُ عَلَى كَذِبِهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا اسْتَنَدَ إلَى أَنْ تَنْوِيَ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَأْخَذُهُ إنْ قُلْت بِوَجْهٍ نَحْوِ التَّحْرِيمِ فَصَبْرًا فَلَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ عَنْهُ أَوْ مَأْخَذُهُ أَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْإِقْرَارِ، وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى طَلَاقِهِ أَوْ أَقَرَّ بِهِ ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمَا وَكَذَا هُنَا، قَالَ ﵁ وَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ صَحِيحٌ فَلَا يُعَارَضُ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ بِكَلَامِ الْإِمَامِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَثْبُتُ الطَّلَاقُ بِقَوْلِهَا فَإِذَا رَجَعَتْ حَلَّلَهَا لِاعْتِقَادِهَا وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَثْبُتْ لَكِنَّ ذَاكَ إذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا وَارْتَجَعَهَا؛ لِأَنَّ سُلْطَتَهُ بَاقِيَةٌ، أَمَّا مَسْأَلَتُنَا فَالطَّلَاقُ بَائِنٌ وَلَا سُلْطَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَبِرُجُوعِهَا لَمْ يَحْصُلْ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهَا وَلَا حَقَّ لِلْمُطَلِّقِ. فَفِي الْإِبَاحَةِ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ نَظَرٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا تَحِلُّ لِإِقْرَارِهَا بِالتَّحْرِيمِ، وَالتَّمَسُّكُ بِكَلَامِ الْإِمَامِ الْمَذْكُورِ فِي ذَلِكَ رَدٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: كَلَامُهَا لَمْ يَثْبُتْ بِهِ طَلَاقٌ وَقَدْ رَجَعَتْ عَنْهُ فَالْحُكْمُ بِالتَّحْرِيمِ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا وَزَوْجُهَا الْمُجْبَرُ لِمُوَافَقَتِهِ الْمُطَلِّقَ فِي دَعْوَاهُ حَلَفَ وَكَذَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ فَرَفَعَهُ بِقَوْلِهَا: إنَّهَا مُطَلَّقَةٌ ثَلَاثًا فِيهِ هَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ لَا يُرْفَعُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الزَّوْجِ، فَإِذَا مَاتَ فَإِرْثُهَا مِنْهُ تَابِعٌ لِلْحُكْمِ بِبَقَائِهَا مَعَهُ إنْ قُلْنَا: تَبْقَى مَعَهُ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَرِثَتْ لِأَنَّا لَمْ نَجْعَلْ لِدَعْوَاهَا الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ حُكْمًا. وَإِنْ قُلْنَا: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فَلَا تَرِثُ فَلَا يَثْبُتُ لَهَا صَدَاقٌ مُسَمًّى بَلْ مَهْرُ الْمِثْلِ إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا. وَلَمْ يَتَّضِحْ عِنْدِي فِي الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ شَيْءٌ يَجُوزُ أَنْ أَكْتُبَهُ وَلَعَلَّ اللَّهَ يَفْتَحُ بِهِ بَعْدَ هَذَا، وَلَيْسَ هَذَا كَقَوْلِهَا أَنَّ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةً مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ كَمَا فَرَّقَ بِهِ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ وَلَا كَقَوْلِهَا: إنَّهَا مَا أَذِنَتْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَفْيٌ وَهَذَا إثْبَاتٌ، وَالْمَسْأَلَةُ تَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ بَعْدَ رُجُوعِهَا يُجَدَّدُ تَزْوِيجُهَا بِهِ وَيُرْشَدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا أَذْكُرُهُ فِيهَا أَنَّ الْوَرَثَةَ لَوْ وَافَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا كَمَا قَالَ مُورِثُهُمْ فَيَظْهَرُ ظُهُورًا قَوِيًّا أَنَّهَا تَرِثُ لِتَصْدِيقِ الْغُرَمَاءِ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقُوا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُهَا إلَى أَنْ يَصْطَلِحُوا وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي لِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ فَإِنَّ صِحَّةَ النِّكَاحِ

стр. 1004

لَا شَكَّ أَنَّهَا مُحْتَمَلَةٌ وَلَيْسَتْ مَقْطُوعًا بِهَا فَكَيْفَ نُعْطِي لِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ بِالشَّكِّ فَلْيُنْظَرْ فِي ذَلِكَ. هَذَا كُلُّهُ إذَا رَجَعَتْ عَنْ دَعْوَاهَا الثَّلَاثَ فَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ بَلْ نُحَرِّرُ تَزْوِيجَهَا بِهِ أَصْلًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. تُخَلَّى بَيْضَاءَ فَإِنْ تَحَرَّرَ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا نَكْتُبُ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ كَتَبْت عَلَيْهَا لِلْمُسْتَفْتِي نَصَّ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورَ وَإِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِالْبَيْنُونَةِ وَالْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ، وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي ثُبُوتُ الزَّوْجِيَّةِ وَالْمِيرَاثُ وَذَلِكَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ. (مَسْأَلَةٌ مِنْ حُمَاةَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ) اشْتَرَى قَرَاسُنْقُر مِنْ عِمَادِ الدِّينِ صَاحِبِ حُمَاةِ بُسْتَانِ الْحُبُوسَةِ بِظَاهِرِ حُمَاةٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِعِمَادِ الدِّينِ بِالْمِلْكِ وَثَبَتَ ذَلِكَ عَلَى الْقَاضِي شَرَفِ الدِّينِ ثُمَّ حَضَرَتْ وَالِدَةُ عِمَادِ الدِّينِ وَزَوْجَتُهُ عِنْدَ الْقَاضِي شَرَفِ الدِّينِ الْحَاكِمِ بِحَمَاةِ الْمَذْكُورِ وَأَقَرَّا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ وَهَذَا الْكِتَابُ بِيَدِ عَلَاءِ الدِّينِ قَرَاسُنْقُر وَحَضَرَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ مُتَكَلِّمٌ عَنْ بَيْتِ صَاحِبِ حُمَاةَ وَأَخْرَجَ مَكْتُوبًا فِيهِ أَنَّ الْقَاضِيَ شَرَفَ الدِّينِ بْنَ الْبَارِزِيِّ الْمَذْكُورَ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ عِمَادَ الدِّينِ فِي سَنَةِ سَبْعِمِائَةٍ أَقَرَّ أَنَّهُ مَلَّكَ أُمَّهُ نِصْفَ الْبُسْتَانِ الْمَذْكُورِ وَمَكْتُوبًا آخَرَ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ حَرَّرَ أَنَّهُمَا قَبِلَتَا ذَلِكَ مِنْهُ وَأَنَّهُ سَلَّمَهُ لَهُمَا وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ التَّبَايُعَ الْمَشْرُوحَ أَعْلَاهُ وَأَنَّهُ لَمَّا تَكَامَلَ ذَلِكَ عِنْدَهُ حَكَمَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ وَكَانَ ذَلِكَ بِحُضُورِ الْقُضَاةِ الْأَرْبَعَةِ بِدِمَشْقَ فِي سَابِعَ عَشَرَ شَعْبَانَ الْمَذْكُورِ عِنْدَ نَائِبِ دِمَشْقَ بِدَارِ السَّعَادَةِ. فَاسْتَشْكَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ حُكْمَ الْقَاضِي شَرَفِ الدِّينِ بِالْإِبْطَالِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لِلْبَائِعِ حَالَةَ الْبَيْعِ وَلَا يُنَافِيه إقْرَارُهُ قَبْلَهُ بِعَشْرِ سِنِينَ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ انْتَقَلَ إلَيْهِ وَأَنَّهُ اسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ بِمُقْتَضَى الْمَكْتُوبِ الْمَذْكُورِ الْإِقْرَارُ بِالنِّصْفِ فَكَيْفَ نَحْكُمُ بِإِبْطَالِ الْكُلِّ وَحَاوَلَ الْمُتَكَلِّمُ عَنْ ابْنِ قَرَاسُنْقُر نَقْضُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ وَأَشَارَ الْمُتَكَلِّمُ عَنْ بِنْتِ صَاحِبِ حُمَاةَ إلَى كِتَابٍ آخَرَ مَعَهُ بِالنِّصْفِ وَأَخْرَجَهُ فَكَانَ كَمَا قُلْنَاهُ. وَمَالَ وَالِدِي - أَبْقَاهُ اللَّهُ - إلَى عَدَمِ نَقْضِ

стр. 1005

الْحُكْمِ وَقَالَ: أَمَّا التَّوَقُّفُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الثُّبُوتَ إنَّمَا هُوَ فِي النِّصْفِ وَلَعَلَّ الْحَاكِمَ الْمَذْكُورَ كَانَ يَرَى أَنَّ الصَّفْقَةَ لَا تُفَرِّقُ، هَذَا قَبْلَ خُرُوجِ الْمَكْتُوبِ الْآخَرِ فَلَمَّا خَرَجَ تَبَيَّنَّ أَنَّ بِمَجْمُوعِ الْكِتَابَيْنِ ثَبَتَ بُطْلَانُ الْكُلِّ وَلَكِنْ قَصُرَتْ الْعِبَارَةُ فِي كُلٍّ مِنْ الْكِتَابَيْنِ عَنْ الْمَقْصُودِ، وَأَمَّا الْإِشْكَالُ مِنْ أَنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ عِنْدَ الْبَيْعِ لَا يُعَارِضُهُ الْإِقْرَارُ السَّابِقُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَسْبِقُ إلَى ذِهْنِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ. فَجَوَابُهُ مِنْ مَسَائِلَ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا فِي الْمَذْهَبِ: (إحْدَاهَا) مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِأَجْنَبِيِّ أَنَّهُ مَلَكَهُ وَأُطْلِقَتْ وَلَمْ يُسْنِدْهُ إلَى زَمَنٍ مَاضٍ وَانْتُزِعَ مِنْهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ وَمَا ذَاكَ إلَّا؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي شُمُولَ الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ حُدُوثِ سَبَبٍ آخَرَ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ وَاَلَّتِي شَهِدَتْ لِعِمَادِ الدِّينِ بِالْمِلْكِ تَقْتَضِي اسْتِصْحَابَهُ إلَى مَا مَضَى وَذَلِكَ يُنَافِي إقْرَارَهُ بِهِ لِوَالِدَتِهِ، وَأَيْضًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ مُسْتَنَدَهَا الِاسْتِصْحَابُ وَالْيَدُ وَخَفِيَ عَنْهَا الْأُمُورُ الْمُتَقَدِّمَةُ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فِي أَدَبِ الْقُضَاةِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِعَةِ مِنْ الْفَصْلِ السَّادِسِ فِي التَّدَاعِي بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ مَنْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِالْمِلْكِ ثُمَّ ادَّعَاهُ مُطْلَقًا لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ حَتَّى يَدَّعِيَ تَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْهُ خِلَافًا لِلْقَاضِي الْحُسَيْنِ قَالَ: وَخَالَفَ فِيهِ جَمِيعُ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِإِقْرَارِهِ فِي مُسْتَقْبِلِ الْأَمْرِ وَلَا مُبَالَاةَ بِقَوْلِ يُمْكِنُ انْتِقَالُ الْمِلْكِ مِنْ الْمُقِرِّ لَهُ إلَى الْمُقِرِّ بَعْدَ إقْرَارِهِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ لَزِمَهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ فَإِذَا عَادَ يَدَّعِيه فَمَعْنَاهُ نَقَلْته إلَيَّ أَوْ إلَى مَنْ نَقَلَهُ إلَيَّ وَهَذَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ فَإِنَّ النَّوَافِلَ الشَّرْعِيَّةَ هِيَ بَيْعٌ أَوْ هِبَةٌ أَوْ عِوَضٌ يَجْرِي مَجْرَى دَيْنٍ وَإِذَا أَمْكَنَ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى السَّبَبِ النَّاقِلِ مَعَ سَابِقَةِ الْإِقْرَارِ وَجَبَ إظْهَارُهُ بِخِلَافِ دَعْوَى الْمِلْكِ لَا مَعَ سَابِقَةِ إقْرَارٍ فَإِنَّ أَسْبَابَ الْمِلْكِ كَثِيرَةٌ فَجَازَ إطْلَاقُ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةُ بِهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ وَلَدُهُ قَاضِي الْقُضَاةِ الْخَطِيبُ أَبُو نَصْرٍ تَاجُ الدِّينِ سَلَّمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ اجْتَمَعُوا فِي ثَامِنَ عَشْرَ شَعْبَانَ الْمَذْكُورِ بِدَارِ السَّعَادَةِ فَجَزَمَ وَالِدِي بِصِحَّةِ حُكْمِ قَاضِي الْقُضَاةِ الْمَذْكُورِ الصَّادِرِ فِي حَيَاةِ أُمِّ عِمَادِ الدِّينِ وَزَوْجَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَأْخَذِ أَنَّ كُلًّا مِنْ وَالِدَتِهِ وَزَوْجَتِهِ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ أَقَرَّتْ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَإِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِقَرَاسُنْقُرَ لَا حَقٌّ

стр. 1006

لَهُمَا فِيهِ. وَقَالَ وَالِدِي أَيْضًا لِاسْمِهِ إذَا ثَبَتَ هَذَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ وَلَمْ يَتَضَمَّنْ إسْجَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ شَرَفِ الدِّينِ التَّعَرُّضَ لِذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ اتَّصَلَ بِهِ لَمْ يَحْكُمْ بِالْبُطْلَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ تَصْدِيقٌ مِنْهُمَا بِمِلْكِ الْبَائِعِ أَوْ أَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهُمَا فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ هَذَا الْمَحْضَرُ لَكَانَ يَتَوَقَّفُ أَيْضًا الْحُكْمُ لِوَرَثَةِ عِمَادِ الدِّينِ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِإِبْطَالِ الْبَيْعِ فِي حَيَاةِ أُمِّ عِمَادِ الدِّينِ وَإِنْ صَحَّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا فَبَعْدَهَا وَلَا وَارِثَ لَهَا إلَّا ابْنُهَا قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِمُقْتَضَى بَيْعِهِ فَكَأَنَّهُ أَقَرَّ بِمِلْكِهِ لِمُقْتَضَى صِحَّةِ بَيْعِ قَرَاسُنْقُرَ وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ الْإِرْثِ عَلَى سَبِيلِ الْمُؤَاخَذَةِ وَانْفَصَلَ الْحَالُ فِي ثَامِنَ عَشْرَ شَعْبَانَ بِمَرْسُومِ وَالِدِي ﵀ عَلَى أَنَّ الْبُسْتَانَ الْمَذْكُورَ يَبْقَى فِي يَدِ ابْنِ قَرَاسُنْقُرَ حَتَّى يُقِيمَ الْمُتَكَلِّمُ عَنْ وَرَثَةِ صَاحِبِ حُمَاةَ دَافِعًا لِإِقْرَارِ الْمَذْكُورِينَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ وَالِدِي أَيْضًا: إنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ هَلْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ عِمَادِ الدِّينِ لَمَّا بَاعَهُ أَوْ يَدِ أُمِّهِ وَزَوْجَتِهِ الْمُقِرِّ لَهُمَا فَإِنَّ الْكِتَابَ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ ابْنِ أَبِي الدَّمِ بِعَيْنِهَا وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الشَّاهِدِ لَهُ بِالْمِلْكِ عَلَى أُمِّهِ وَزَوْجَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ حَالَةَ الْبَيْعِ فَقَدْ يُقَالُ: إنَّ هَاهُنَا انْضَمَّتْ لِلْبَيِّنَةِ فَظَاهِرُ الْيَدِ أَنَّهَا مُحِقَّةٌ فَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ لِبَيِّنَةِ الْأَصْلِ وَتُفَارَقُ مَسْأَلَةُ ابْنِ أَبِي الدَّمِ. وَقَالَ أَيْضًا: إنَّ إبْطَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ شَرَفِ الدِّينِ الْبَيْعَ فِي سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَكَانَ قَرَاسُنْقُرَ ذَلِكَ الْوَقْتَ فِي بِلَادِ التَّتَرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِهَتِهِ أَحَدٌ حَاضِرٌ فَكَيْفَ حَكَمَ عَلَيْهِ، وَكَانَ عِمَادُ الدِّينِ ذَلِكَ الْوَقْتَ صَاحِبَ قُوَّةٍ فَفِي النَّفْسِ شَيْءٌ مِنْ احْتِمَالِ مُرَاعَاتِهِ لَكِنْ قَاضِي الْقُضَاةِ شَرَفُ الدِّينِ الْبَارِزِيُّ دِينُهُ وَعِلْمُهُ لَا شَكَّ فِيهِ وَالظَّنُّ بِهِ حَسَنٌ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْإِقْدَامُ عَلَى نَقْضِ حُكْمِهِ فَلَا يُمْكِنُ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا النَّظَرُ فِي إقْرَارِ الْوَالِدَةِ وَالزَّوْجَةِ فَإِنْ انْشَرَحَتْ النَّفْسُ لِكَوْنِهِ صَدَرَ مِنْهُمَا فَيَنْبَغِي الْحُكْمُ بِبَقَاءِ الْبَيْعِ لِقَرَاسُنْقُرَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْكُمْ بِالْإِبْطَالِ وَإِنَّ فِيهِ رِيبَةً فَيَتَوَقَّفُ عَنْهُ لِاحْتِمَالِ ذَلِكَ فِي شُهُودِهِ وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلْحُكْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِشَيْءٍ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِ حُكْمٍ وَالتَّقْرِيرِ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ الْمَسَائِلِ أَيْضًا مَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَمِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِمِلْكٍ لَمْ تُسْمَعْ بَعْدَهُ دَعْوَاهُ

стр. 1007

حَتَّى يَدَّعِيَ تَلَقِّيَ الْمِلْكِ مِنْ الْمُقِرِّ لَهُ، وَلَمْ يَحْكِ الرَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ ابْنِ أَبِي الدَّمِ بِعَيْنِهَا الَّتِي حَكَى فِيهَا خِلَافَ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَإِنَّمَا حَكَى الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا أَخَذَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ غَيْرِ الْإِقْرَارِ وَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِيمَا إذَا أَخَذَ مِنْهُ بِغَيْرِ حُجَّةِ الْإِقْرَارِ سَمَاعَ دَعْوَاهُ مُطْلَقًا. وَهَا هُنَا مَسْأَلَةٌ قَدْ تُشْكِلُ وَهِيَ أَنَّ الدَّاخِلَ إذَا أَقَامَ بَيِّنَةً بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْعَيْنِ لِلْخَارِجِ وَتَسْلِيمِهَا إلَيْهِ قَالُوا: إنْ لَمْ يُسْنَدْ الْمِلْكُ إلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ الْآنَ مُدَّعٍ خَارِجٌ وَهَذَا قَدْ يُشْكِلُ عَلَى رُجُوعِ الْمُشْتَرِي إذَا اُنْتُزِعَتْ الْعَيْنُ مِنْهُ بِبَيِّنَةٍ مُطْلَقَةٍ عَلَى الْبَائِعِ فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ الْمُطْلَقَةَ إنْ لَمْ تَقْتَضِ تَقَدُّمَ الْمِلْكِ أَشْكَلَ الرُّجُوعُ وَإِنْ اقْتَضَتْ أَشْكَلَ جَعْلُ هَذَا مُدَّعِيًا خَارِجًا، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّ بَيِّنَةً تَقْتَضِي إسْنَادَ الْمِلْكِ فَتَصِيرُ كَمَا لَوْ اُسْتُنِدَتْ وَقَالُوا: إذَا اُسْتُنِدَتْ إلَى مَا قَبْلَ إزَالَةِ الْيَدِ الصَّحِيحُ سَمَاعُهَا وَيَنْقَضِ الْقَضَاءُ، وَالثَّانِي: لَا لِأَنَّ تِلْكَ الْيَدِ تَقْضِي بِهِ إلَى إبْطَالِ حُكْمِهَا أَمَّا إذَا أَقَامَهَا بَعْدَ الْقَضَاءِ وَقَبْلَ تَسْلِيمِهِ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأُشْكِلَتْ عَلَى الْقَاضِي يُسْرٍ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ اسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلَى أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ لِئَلَّا يُنْقَضَ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ. وَمِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُنْظَرُ فِيهَا: دَارٌ فِي يَدِ إنْسَانٍ وَقَدْ حَكَمَ لَهُ حَاكِمٌ بِمِلْكِيَّتِهَا فَادَّعَى خَارِجٌ انْتِقَالَ الْمِلْكِ مِنْهُ إلَيْهِ وَشَهِدَ الْمَشْهُودُ عَلَى انْتِقَالِهِ إلَيْهِ بِسَبَبٍ صَرِيحٍ وَلَمْ يُبَيِّنُوهُ أَفْتَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَفُقَهَاءُ هَمَذَانَ لِسَمَاعِهَا وَالْحُكْمُ بِهَا لِلْخَارِجِ، وَمَالَ أَبُو سَعْدٍ الْهَرَوِيُّ إلَى أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ حَتَّى يُثْبِتُوهُ وَهُوَ طَرِيقَةُ الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ الِانْتِقَالِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى أَنَّ فُلَانًا وَارِثٌ لَا تُقْبَلُ مَا لَمْ يُثْبِتُوا جِهَةَ الْإِرْثِ. قُلْت: إنْ كَانَ السَّبَبُ هَذَا مُقَدَّمَ حُكْمِ الْحَاكِمِ فَلَمْ يُقَسْ عَلَى الشَّهَادَةِ بِالْإِرْثِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَتُشْكَلُ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ أَنَّهَا مَسْمُوعَةٌ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْإِرْثِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ شُرُوطُ الْحُكْمِ فِي الدَّعْوَى] (مَسْأَلَةٌ) تَوَلَّدَتْ عَنْ ذَلِكَ فِي شَرْطِ حُكْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا ذِكْرُهَا ﵀ عَقِبِ مَسْأَلَةٍ مِنْ بَابِ الْأَقْضِيَةِ قَالَ ﵀: وَشُرُوطُ الْحُكْمِ كَثِيرَةٌ وَنَقْتَصِرُ مِنْهَا عَلَى مَا نَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي حَقِّ آدَمِيٍّ فَلَا بُدَّ

стр. 1008

مِنْ مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى لِمَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ تَحْتَ نَظَرِ الْحَاكِمِ أَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ فَالْقَاضِي الشَّافِعِيِّ هُوَ الَّذِي يُقِيمُ مَنْ يَدَّعِي وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ ذَلِكَ، وَتَكُونُ الدَّعْوَى عَنْ الْمَيِّتِ أَوْ الْغَائِبِ أَوْ الْمَحْجُورِ أَوْ بَيْتِ الْمَالِ بِإِقَامَةِ الْقَاضِي النَّاظِرِ فِي أَيْدِيهِمْ عَنْهُ أَمَّا فِي الْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ وَبَيْتِ الْمَالِ فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْمَحْجُورُ فَتَحْرِيرُ الْعِبَارَةِ فِيهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَيَدِّعِي لَهُ وَلَا يُقَالُ عَنْهُ. وَلَوْ قِيلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّسَمُّحِ فِي الْعِبَارَةِ كَانَ جَائِزًا وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فَالْقَاضِي الشَّافِعِيُّ يُقِيمُ مَنْ يَسْمَعُ الدَّعْوَى الْمُتَوَجِّهَةَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَنْصُوبُ قَائِمًا مَقَامَ الْمَيِّتِ أَوْ الْغَائِبِ أَوْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ عَلَى مَا جَوَّزْنَاهُ مِنْ الْعِبَارَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهُوَ مَنْصُوبٌ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَيَسْمَعُ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ الدَّعْوَى مِنْ الْمَذْكُورَيْنِ اللَّذَيْنِ نَصَّبَهُمَا وَلَيْسَا وَكِيلَيْنِ عَنْهُ بَلْ مَنْصُوبَيْنِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِنَصْبِهِ إيَّاهُمَا وَهُوَ نَائِبُ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ وَنُوَّابُ الْقَاضِي الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ مِثْلُهُ فَاَلَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ فَقَطْ مَعَ بَقِيَّةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْحُكْمُ مِنْ بَيِّنَةٍ أَوْ عِلْمٍ عِنْدَ مَنْ يَرَى الْحُكْمَ بِالْعِلْمِ، أَمَّا الْقَاضِي الْمَالِكِيُّ أَوْ الْحَنَفِيُّ أَوْ الْحَنْبَلِيُّ وَنُوَّابُهُمْ فَيَحْتَاجُونَ إلَى أَنْ يُنَصِّبَ الْقَاضِي الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ مَنْ يَدَّعِي وَمَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَكُونُ نَصْبُهُ لِذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَلَوْ أَرَادَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقُضَاةِ أَنْ يَسْمَعَ الدَّعْوَى عَلَى مُبَاشَرَةٍ وَقَفَ تَحْتَ يَدِ الْقَاضِي الشَّافِعِيِّ أَوْ قَيِّمِ يَتِيمٍ أَوْ بَيْتِ مَالٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُبَاشِرَ الْوَقْفِ أَوْ قَيِّمَ الْيَتِيمِ أَوْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ نَائِبُ الْقَاضِي وَالْقَاضِي نَائِبُ الشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ لَا تَتَوَجَّهُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فَالْقَاضِي كَذَلِكَ فَنَائِبُهُ كَذَلِكَ. وَلَقَدْ وَقَعَتْ قَضِيَّةٌ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مِنْ بِضْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً حَضَرَ شَخْصٌ يَدَّعِي نَظَرَ وَقْفٍ تَحْتَ نَظْرِ الْحَاكِمِ وَأَرَادَ الدَّعْوَى بِذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَالِكِيِّ عَلَى مُبَاشِرِ الْوَقْفِ الْمَنْصُوبِ مِنْ جِهَةِ الشَّافِعِيِّ وَتَجَلْجَلَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ وَطَالَمَا حَصَلَ لِلْمُدَّعِي مُسَاعِدُونَ، وَكُنْت أَسْمَعُ قَاضِيَ الْقُضَاةِ إذْ ذَاكَ يَتَعَجَّبُ وَيَقُولُ: كَيْف يَكُونُ نَائِبُ الْقَاضِي يُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَتَعَجَّبُ بَعْضُ مَنْ يُسْمَعُ مِنْهُ هَذَا الْكَلَامَ، وَانْفَصَلَتْ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ وَلَمْ يَحْصُلْ

стр. 1009

لِلْمُدَّعِي شَيْءٌ وَمَا زِلْتُ مُفَكِّرًا فِي ذَلِكَ حَتَّى اسْتَقَرَّ رَأْيِي عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَا تُوَجَّهُ عَلَيْهِ دَعْوَى أَصْلًا وَلَا عَلَى نَائِبِهِ، وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ الْقَاضِيَ نَائِبٌ وَيَدَهُ يَدُ الشَّرْعِ فَكَيْفَ تَتَوَجَّهُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ هُوَ وَلَا نَائِبُهُ وَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ بِوَضْعِ يَدِهِ ضَمَانٌ وَكَذَا لَا يُدَّعَى عَلَيْهِ بِسَبَبِهَا؛ لِأَنَّهَا يَدُ الشَّرْعِ لَا يَدُهُ بَلْ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَدَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَكَلِّمٌ بِلِسَانِ الشَّرْعِ وَالْيَدُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَلِهَذَا السِّرِّ لَا يُتَوَجَّهُ أَصْلًا عَلَى قَاضٍ دَعْوَى فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ مَا دَامَ قَاضِيًا وَإِنَّمَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ دَعْوَى فِي حَالِ قَضَائِهِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِنَفْسِهِ إذَا بَاعَ أَوْ اشْتَرَى أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ لِنَفْسِهِ فَيُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا يُدَّعَى عَلَى سَائِرِ النَّاسِ فَإِذَا أَذِنَ الْقَاضِي الَّذِي لَهُ وِلَايَةُ الْإِذْنِ لِمُبَاشِرِ الْوَقْفِ فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى عَنْ الْمَيِّتِ أَوْ الْغَائِبِ أَوْ الْمَحْجُورِ أَوْ بَيْتِ الْمَالِ سَاغَتْ الدَّعْوَى حِينَئِذٍ لِذَلِكَ لَا لِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ وَلَا لِكَوْنِهِ مُبَاشِرًا؛ لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ لَا يَدَ لَهُ عَلَى الرَّقَبَةِ وَلَا الْمَنْفَعَةِ وَإِنَّمَا لَهُ وِلَايَةُ مَا وَلَّاهُ الْقَاضِي مِنْ حِفْظٍ أَوْ إبْحَارٍ أَوْ قَبْضٍ أَوْ صَرْفٍ أَوْ نَحْوِهِ بِحَسَبِ مَا وَلَّاهُ وَالتَّوْلِيَةُ عَنْ الشَّرْعِ أَوْ عَنْ الْقَاضِي فِيمَا هُوَ نَائِبٌ عَنْ الشَّرْعِ فِيهِ. وَمَنْ لَا يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى غَائِبٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ الدَّعْوَى عَلَى هَذَا الْمَنْصُوبِ عَنْهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَلَوْ قَالَ الْقَاضِي: وَكَّلْتُ زَيْدًا فِيمَا يَتَوَجَّهُ عَلَيَّ مَنْ الدَّعَاوَى لِيَسْمَعَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْمَعَ قَبْلَ الدَّعْوَى الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْقَاضِي وَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُ فُلَانًا لِيَسْمَعَ الدَّعْوَى عَلَيَّ، لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ اللَّفْظِ فِيهِ مَجَازًا وَلَوْ أُرِيدَ الدَّعْوَى عَلَى الْقَاضِي نَفْسِهِ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَمَّا أَوَّلًا فَلِصِيَانَةِ مَنْصِبِ الْقَضَاءِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْقَاضِيَ نَائِبُ الشَّرْعِ وَنَائِبُ الشَّرْعِ لَا تُسْمَعُ عَلَيْهِ دَعْوَى وَإِنَّمَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى مَنْصُوبِهِ عَنْ الْغَائِبِ وَالْمَيِّتِ فَهُوَ كَالْوَكِيلِ عَنْهُمَا وَالْوَلِيِّ عَلَيْهِمَا وَلَيْسَ لِكَوْنِهِ قَائِمًا مَقَامَ الْقَاضِي وَلَوْ ادَّعَى الْقَاضِي بَيِّنَةً سُمِعَتْ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ وَبِمَنْصُوبِهِ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ عَيْنٌ فِي يَدِ شَخْصٍ فَادَّعَاهَا آخِر وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ] (مَسْأَلَةٌ) إذَا كَانَتْ عَيْنٌ فِي يَدِ شَخْصٍ اسْمُهُ بَكْرٌ فَادَّعَاهَا زَيْدٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ وَانْتَزَعَهَا مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ، وَبَعْدَ مُدَّةٍ حَضَرَ عَمْرٌو وَادَّعَى أَنَّهَا مِلْكُهُ وَكِلْتَا الْبَيِّنَتَيْنِ أُطْلِقَتْ وَلَكِنَّ وَقْتَ الْإِشْهَادِ الْأَوَّلِ وَالْحُكْمَ بِهَا

стр. 1010

عَلَى بَكْرٍ مُتَقَدِّمٌ عَلَى وَقْتِ شَهَادَةِ الثَّانِيَةِ لِعَمْرٍو عَلَى زَيْدٍ وَلَيْسَتَا مُتَعَارِضَتَيْنِ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا شَهِدَتْ فِي وَقْتٍ بِمَا هُوَ مُحْتَمَلٌ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَلَيْسَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ زَيْدٌ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ ادَّعَاهَا حَيْثُ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ التَّلَقِّي وَلَا كَمَا إذَا اُنْتُزِعَتْ مِنْهُ بَيِّنَةٌ، ثُمَّ جَاءَ يَدَّعِيهَا حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ ذِكْرِ التَّلَقِّي؛ لِأَنَّ عَمْرًا الْمُدَّعِيَ هُنَا أَجْنَبِيٌّ لَمْ تُنْزَعْ مِنْهُ لَا بِبَيِّنَةٍ وَلَا بِإِقْرَارٍ فَدَعْوَاهُ مَسْمُوعَةٌ قَطْعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَكَذَا بَيِّنَتُهُ انْتَهَى. (مَسْأَلَةٌ) عَيْنٌ وَجَدْنَاهَا فِي يَدِ شَخْصٍ مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَمَعَهُ كِتَابٌ قَدْ ثَبَتَ فِيهِ عَلَى حَاكِمٍ مِلْكُهُ لَهَا، وَجَاءَ خَارِجٌ يَدَّعِيهَا وَبِيَدِهِ كِتَابٌ قَدْ ثَبَتَ فِيهِ عَلَى حَاكِمٍ بِتَارِيخٍ مُتَقَدِّمٍ مِلْكُهُ لَهَا فَهَذَا يُشْبِهُ الْمَسْأَلَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ وَيَزِيدُ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا لَا تُنْزَعُ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَمْ يُعْرَفْ ابْتِدَاؤُهَا فَاشْتَرَكَتْ بَيِّنَتُهُ وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ فِي شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِالْمِلْكِ فِي وَقْتٍ غَيْرِ وَقْتِ الْأُخْرَى وَانْفَرَدَتْ إحْدَاهُمَا بِالْيَدِ فَقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ، هَذَا لَوْ حَصَلَ التَّعَارُضُ فَكَيْفَ وَلَا تَعَارُضَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ. فَلَوْ كَانَ كِتَابُ أَحَدِهِمَا مُتَضَمِّنًا ثُبُوتَ الْمِلْكِ وَالْيَدِ فِي وَقْتٍ وَكِتَابُ الْآخَرِ مُتَضَمِّنًا ثُبُوتَ الْمِلْكِ وَالْيَدِ فِي وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ وَالْعَيْنُ فِي يَدِ ثَالِثٍ كَانَ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَحَكَمْنَا لِلْمُتَأَخِّرِ إذَا جَوَّزْنَا الْحُكْمَ بِالشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْهُ بَنَيْنَا الْأَمْرَ عَلَى مَا مَرَّ هُوَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِ صَاحِبِ التَّارِيخِ الثَّانِي أَقْرَرْنَا مَا فِي يَدِهِ وَاجْتَمَعَ عَلَى إقْرَارِهَا فِي يَدِهِ الْيَدُ وَتَأَخُّرُ كِتَابِهِ إنْ جَوَّزْنَا الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ وَإِلَّا بِالْيَدِ فَقَطْ مَعَ تَسَاوِي الْجَانِبَيْنِ فِي الْبَيِّنَةِ، وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُحَاكَمَاتِ فَقُلْت بِأَنَّهَا لَا تُنْزَعُ لَا سِيَّمَا وَالثَّانِي وَقْفٌ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ، وَقَدْ ثَبَتَ فِيهِ الْمِلْكُ وَالْحِيَازَةُ إلَى تَارِيخِ الْوَقْفِ وَحُكِمَ بِصِحَّتِهِ فَكَيْفَ يُنْزَعُ، وَلَمْ أَجِدْهَا مَسْطُورَةً لَكِنِّي جَازِمٌ بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِيهَا. ثُمَّ وَقَعَ لِي فَتْوَى فِيهَا خَطُّ بُرْهَانِ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ الْحَقِّ الْحَنَفِيِّ وَتَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيِّ تُوَافِقُ مَا قُلْته. انْتَهَى. (مَسْأَلَةٌ) فِي الْكِتَابِ الْمُشَارِ إلَيْهِ الْمُتَقَدِّمِ التَّارِيخِ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الْمِلْكُ لِلْخَصْمِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ شِرَاؤُهُ وَلَمْ يَثْبُتْ مِلْكُ الْبَائِعِ إلَى حِينِ الْبَيْعِ وَإِنَّمَا الْمُشْتَرِي اشْتَرَى مِنْ تَرِكَةٍ فِي وَفَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهَا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ وَثَبَتَ عَلَى الْحَاكِمِ الْمِلْكُ وَالْيَدُ

стр. 1011

لِلْمَيِّتِ إلَى حِينِ الْمَوْتِ. وَلَمْ يَقُولُوا: إنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ وَرَثَتِهِ إلَى حِينِ الْبَيْعِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَاكِمٌ آخَرُ بَاعَهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَصَحَّ بَيْعُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ دَلَالَةَ ذَلِكَ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِالِالْتِزَامِ أَمْ شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ فَلَا تُعَارَضُ الْبَيِّنَةُ الَّتِي شَهِدَتْ صَرِيحًا بِمِلْكِ خَصْمِهِ وَحِيَازَتِهِ وَهُوَ صَاحِبُ يَدٍ الْآنَ فَلَا يَنْزِعُهَا مِنْهُ، وَهَذِهِ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْمُحَاكَمَةِ مَكْتُوبٌ بِشِرَاءِ أَبِي بَكْرٍ أَرْضًا مِنْ تَرِكَةٍ بِإِذْنِ حَاكِمٍ لِوَفَاءِ دَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ، وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِمِلْكِ الْمَيِّتِ إلَى حِينِ وَفَاتِهِ وَجَاءَ وَارِثُ الْمُشْتَرِي يَدَّعِيهَا وَهُوَ خَارِجٌ عَلَى صَاحِبِ يَدٍ بِيَدِهِ مَكْتُوبٌ فِي تَارِيخٍ مُتَأَخِّرٍ أَنَّ زَيْدًا وَقَفَهَا عَلَى أَصْحَابِ الْيَدِ وَثَبَتَ مِلْكُهُ لَهَا إلَى حِينِ الْوَقْفِ وَحَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَلَمْ نَجِدْ بَيِّنَةً الْآنَ تَشْهَدُ بِشَيْءٍ فَلَا تَظْهَرُ إلَّا بِنَفْسِهَا فِي أَيْدِي الْوَاقِفِ لِمَا قُلْنَاهُ وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ ذَلِكَ الْوَقْتَ بِالشِّرَاءِ لَمْ تَكُنْ بِالْمِلْكِ إلَّا لِلْمَبِيعِ عَلَيْهِ حِينَ الْبَيْعِ لِمَا بَيَّنَاهُ وَلَا لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِسَبَبِ الْمِلْكِ وَهُوَ الشِّرَاءُ لَا بِنَفْسِ الْمِلْكِ. فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ عَدَمُ الِانْتِزَاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. (مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ فِي يَدِهِ طَوَاشِي بَالِغٌ بَاعَهُ لِشَخْصٍ فَادَّعَى الطَّوَاشِيُ أَنَّهُ لَيْسَ مِلْكَهُ وَأَنَّ سَيِّدَهُ فُلَانٌ وَأَنَّ سَيِّدَهُ سَلَّمَهُ لِهَذَا الرَّجُلِ هَدِيَّةً إلَى زَيْدٍ. وَقَالَ شَخْصٌ سَيِّدُهُ فُلَانٌ الْمَذْكُورُ بَاعَهُ لِي وَمَلَكْتُهُ مِنْهُ، وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ لَمْ يُتَّفَقْ بِتَزْكِيَتِهِ فَقُلْت لَهُمَا: اتَّفَقْتُمَا عَلَى الْمِلْكِ لِفُلَانٍ وَعَلَى الْيَدِ لِهَذَا الشَّخْصِ وَالْيَدُ لَهُ وَقَدْ بَاعَ وَانْتَقَلَتْ إلَى الْمُشْتَرِي فَلَا نَنْزِعُهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَحَلَفَ الشَّخْصُ عَلَى أَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْ فُلَانٍ وَعَلَى نَفْيِ مَا قَالَهُ الطَّوَاشِيُ انْتَهَى. (مَسْأَلَةٌ) رَجُلٌ فِي يَدِهِ دَارٌ بِمَكْتُوبٍ حَكَمَ لَهُ بِهَا حَاكِمٌ فِي تَارِيخٍ مُتَقَدِّمٍ فَادَّعَاهَا رَجُلٌ وَأَظْهَرَ مَكْتُوبًا حَكَمَ لَهُ بِهَا فِيهِ حَاكِمٌ مِنْ تَارِيخٍ أَقْدَمَ مِنْ التَّارِيخِ الْأَوَّلِ وَلَمْ تَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ الْآنَ بِالْمِلْكِ وَإِنَّمَا قَامَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ الَّذِي حَكَمَ لَهُ. فَنَقُولُ: إنَّهَا لَا تُنْزَعُ مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ لَهُ يَدًا وَحُكْمًا وَلِغَرِيمِهِ حُكْمٌ بِلَا يَدٍ فَلَا يُسَاوِيهِ، أَمَّا عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ فَلِأَنَّ ذَاكَ إذَا شَهِدَتْ لَهُ الْآنَ وَهُنَا لَمْ تَشْهَدْ لَهُ الْآنَ بِشَيْءٍ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَ صَاحِبِ الْيَدِ حُكْمٌ وَلَيْسَ لِغَرِيمِهِ بَيِّنَةٌ الْآنَ إلَّا بِأَنَّ

стр. 1012

حَاكِمًا حَكَمَ لَهُ بِهَا مِنْ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَهَاهُنَا مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْحِيَازَةَ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ بَطَلَ الْحَقُّ وَهُمْ الْمَالِكِيَّةُ لَا يَنْزِعُونَهَا وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَالظَّاهِرُ عَلَى مُقْتَضَى قَوَاعِدِهِمْ أَنَّهَا تُنْزَعُ لِاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا تُنْزَعُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ وَلَا يَصْلُحُ لِابْتِدَاءِ الْحُكْمِ فَلَوْ حَكَمْنَا الْآنَ بِرَفْعِ الْيَدِ لَكُنَّا حَاكِمِينَ بِذَلِكَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ السَّابِقُ إلَى الذِّهْنِ الِانْتِزَاعَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ أَرْضٌ بَيْنَ أَخَوَيْنِ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَخَلَفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَبِنْتًا] (مَسْأَلَةٌ مِنْ الصَّلْتِ) أَرْضٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ أَخَوَيْنِ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَخَلَفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَبِنْتًا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْبَنِينَ وَخَلَفَ إخْوَتَهُ وَوَالِدَتَهُ ثُمَّ إنَّ أَحَدَ الْأَوْلَادِ بَاعَ نَصِيبَهُ وَنَصِيبَ إخْوَتِهِ وَوَالِدَتِهِ الْمُخَلَّفِ عَنْ وَالِدِهِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِمْ بِالْإِرْثِ لِشَخْصٍ وَوَقَفَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ ادَّعَتْ الْبِنْتُ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهَا الْبَائِعِ أَنَّ نَصِيبَهَا بَاقٍ عَلَى مِلْكِهَا مَا بَاعَتْ وَلَا وَكَّلَتْ فَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ نَصِيبَهَا فِي الْأَرْضِ الْمُخَلَّفَةِ عَنْ وَالِدِهَا بَاقٍ هَلْ تَحْتَاجُ الْبَيِّنَةُ إلَى التَّعَرُّضِ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَإِذَا أَقَامَتْ وَرَثَةُ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِالْمِلْكِ إلَى حِينِ وَقْفِهِ فَمَا الَّذِي يُرَجَّحُ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ وَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْتَفْسِرَ مِنْ بَيِّنَتِهَا عِنْدَ الْأَدَاءِ أَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَزَلْ أَوْ يَكْفِي إطْلَاقُ الْمِلْكِ؟ . (الْجَوَابُ) إذَا عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مُخَلَّفٌ عَنْ وَالِدِهَا لَهَا وَلِإِخْوَتِهَا وَوَالِدَتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا أَنَّ نَصِيبَهَا بَاقٍ عَلَى مِلْكِهَا حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِانْتِقَالِهِ عَنْهَا بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ، وَالْبَيِّنَةُ لَهَا بِأَنَّ نَصِيبَهَا بَاقٍ عَلَى مِلْكِهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى قَوْلِهَا لَمْ تَزَلْ بَلْ تُسْمَعُ مُطْلَقَةً بَعْدَ تَقَدُّمِ دَعْوَى مَسْمُوعَةٍ وَالْبَيِّنَةُ لِلْوَاقِفِ بِالْمِلْكِ إلَى حِينِ وَقْفِهِ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ كَوْنَ ذَلِكَ مُخَلَّفًا لِلْمُدَّعِيَةِ وَمَنْ يُشَارِكُهَا كَانَتْ مُعْتَرِضَةً لَكِنْ مَعَ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لَا تَعَارُضَ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ النِّزَاعَ بَيْنَ الْوَاقِفِ وَالْمَيِّتِ الَّذِي ذَلِكَ مُخَلَّفٌ عَنْهُ وَيَقَعُ التَّنَازُعُ مِنْ رَأْسٍ وَتُقَدَّمُ الْبَيِّنَتَانِ هَكَذَا فَحِينَئِذٍ يَقَعُ التَّعَارُضُ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي التَّعَارُضِ بَيْنَ ذِكْرِ السَّبَبِ انْتَهَى. (مَسْأَلَةٌ أُخْرَى) عَمَّرَ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ ثُمَّ مَاتَ وَتَنَازَعَتْ وَرَثَتُهُ مَعَ الْآخَرِ فِي الْعِمَارَةِ. (الْجَوَابُ) مَتَى ثَبَتَ أَنَّ عَمْرَهَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْآلَاتِ كَانَتْ فِي يَدِهِ فَتَكُونُ

стр. 1013

لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَاسْتِفْسَارُ الْبَيِّنَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لَكِنْ إذَا أَرَادَ الْحَاكِمُ فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فَإِنْ نَصَّتْ عَلَى أَمْرٍ اُتُّبِعَ وَإِنْ أَصَرَّتْ عَلَى الْإِطْلَاقِ حُمِلَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَةٌ مَاتَ وَتَرَكَ أَيْتَامًا وَتَرَكَ مَوْجُودًا كَثِيرًا فَوْقَ حَاجَتِهِمْ] (مَسْأَلَةٌ) فِي رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ أَيْتَامًا صِغَارًا وَتَرَكَ مَوْجُودًا كَثِيرًا فَوْقَ حَاجَتِهِمْ مِنْ وَقْفٍ وَعَيْنِ وَمِلْكٍ وَغَلَّاتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ أَنَّ الْحَاكِمَ أَذِنَ لِوَكِيلِ الْحُكْمِ أَنْ يَبِيعَ عَلَى الْأَيْتَامِ الْمَذْكُورِينَ مِلْكًا مِنْ الْمُخَلَّفِ عَنْ مُورِثِهِمْ بِمَبْلَغٍ وَقَامَتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ بِالْحَاجَةِ وَالْغِبْطَةِ فَأَذِنَ فِي الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ ذَلِكَ وَحَكَمَ بِذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ الْمِلْكَ الَّذِي أُبِيعَ فِي ذَلِكَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَثَمَّ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ تَشْهَدُ بِذَلِكَ وَبِعَدَمِ حَاجَةِ الْأَيْتَامِ إلَى بَيْعِ ذَلِكَ فَهَلْ تُقَدَّمُ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى أَمْ الثَّانِيَةُ فَإِذَا قُلْنَا بِتَقْدِيمِ أَحَدِ الْبَيِّنَتَيْنِ فَبَيِّنُوا لَنَا الْحُكْمَ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ. (الْجَوَابُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَشْتَهِي أَنْ أَكْتُبَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْفَتَاوَى؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا تَحَيُّلَاتٌ بِالْبَاطِلِ وَأَيْنَ الْبَيِّنَاتُ الصَّحِيحَةُ فَإِنْ فَرَضَ ذَلِكَ فَقَدْ أَفْتَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ الصَّلَاحِ فِي مِثْلِهَا بِتَقْدِيمِ الْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ وَنَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَأَنَا أَمِيلُ إلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ مُتَعَارِضَتَانِ وَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ، هَذَا إذَا سَلِمَتْ الْبَيِّنَتَانِ مِنْ الْقَدْحِ وَالْغَرَضِ وَمَتَى يَكُونُ ذَلِكَ اللَّهُ يَسْتُرُنَا أَجْمَعِينَ. (فَرْعٌ) وَقَعَ فِي الْمُحَاكَمَاتِ سَنَةَ ٧٤٩ وَقْفٌ ثَابِتٌ فِيهِ الْمِلْكُ وَالْحِيَازَةُ مَحْكُومٌ بِصِحَّتِهِ فِي حُدُودِ الْأَرْبَعِينَ بِكِتَابٍ مُتَّصِلٍ. وَفِي كِتَابٍ آخَرَ مُتَّصِلٌ ذَلِكَ الْمَوْقُوفُ بِعَيْنِهِ أَوْ حِصَّةٌ مِنْهُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الْجِهَاتِ مِنْ وَاقِفٍ آخَرَ فِي سَنَةِ ٦٩٤ ثَابِتٌ فِيهِ الْمِلْكُ وَالْحِيَازَةُ مَحْكُومٌ بِصِحَّتِهِ فَلَمْ أَجِدْ نَقْلًا إلَّا أَنِّي تَفَقَّهْت أَنَّ هُنَا تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ مَعَ زِيَادَةِ اتِّصَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِحُكْمٍ فَمَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ فَذَلِكَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ حَكَمَ أَمَّا هَا هُنَا فَقَدْ حَصَلَ حُكْمٌ وَلَهُ احْتِمَالٌ مَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ الثَّانِي أَطْلَعَ عَلَى بُطْلَانِ الْوَقْفِ الْأَوَّلِ أَوْ أَنَّهُ جَرَتْ مُنَاقَلَةٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَاهَا فَالْإِقْدَامُ عَلَى رَفْعِ الْيَدِ إقْدَامٌ عَلَى نَقْضِ حُكْمٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَسَاغٌ فَلَا يَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.

стр. 1014

[مَسْأَلَةٌ أَرْضٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَقَرَّ أَنَّهُمَا اقْتَسَمَاهَا قِسْمَةً صَحِيحَةً شَرْعِيَّةً] مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ وَقَفْت عَلَى تَصْنِيفٍ لَطِيفٍ لِقَاضِي الْقُضَاةِ شِهَابِ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْخَلِيلِ بْنِ سَعَادَةَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ الشَّافِعِيِّ قَالَ فِيهِ وَقْعٌ عِنْدِي فِي جُمْلَةِ الْمُحَاكَمَاتِ أَرْضٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَقَرَّ أَنَّهُمَا اقْتَسَمَاهَا قِسْمَةً صَحِيحَةً شَرْعِيَّةً وَتَسَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا خَصَّهُ بِالْقِسْمَةِ وَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّ شَرِيكَهُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا خَصَّهُ بِالْقِسْمَةِ وَعَيَّنَ حَدًّا، وَقَالَ: هَذَا الْحَدُّ الَّذِي وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ عَلَيْهِ وَعَيَّنَ الشَّرِيكُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَدًّا ثَانِيًا وَقَالَ: هَذَا الَّذِي وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ عَلَيْهِ فَاَلَّذِي فِي يَدِي هُوَ حَقِّي وَلَمْ أَتَجَاوَزْ الْحَدَّ فَرَأَيْتُ اخْتِصَاصَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا وَرَاءَ الْحَدِّ الْأَوَّلِ لِاتِّفَاقِ الْمُتَنَازِعَيْنِ عَلَيْهِ وَاخْتِصَاصَ الْمُدَّعِي بِمَا وَرَاءَ الْحَدِّ الثَّانِي لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ أَيْضًا وَرَأَيْت أَنَّ مَا بَيْنَ الْحَدَّيْنِ يُقَسَّمُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى نِسْبَةِ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهَا أَرْضٌ أَقَرَّ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ بِنِصْفِهَا، وَهِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَلَا بَيِّنَةَ عَلَى انْتِقَالِ مَا أَقَرَّ بِهِ لِلْخَارِجِ إلَيْهِ فَتُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ إلَى أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهَا دَخَلَتْ فِيمَا خَصَّهُ بِالْقِسْمَةِ. كَمَا لَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ لِزَيْدٍ بِنِصْفِ دَارٍ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَادَّعَى أَنَّهُ مَلَكَ جَمِيعَهَا فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي النِّصْفِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ لِزَيْدٍ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَلَا تَنْفَعُهُ الْيَدُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ الثَّانِيَةَ لَا تُعَارِضُ الْإِقْرَارَ السَّابِقَ. وَوَقَفْتُ عَلَى ثَلَاثَةِ تَصَانِيفَ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ تَيْمِيَّةَ مُخْتَصَرٌ وَمُطَوَّلٌ وَمُلَخَّصٌ مِنْهُ قَالَ فِيهِ: إنَّ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَقَرَّا بِأَنَّهُمَا تَقَاسَمَا جَمِيعَ الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اسْتَوْفَى جَمِيعَ حَقِّهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ بِيَدِ الْآخَرِ شَيْءٌ ثُمَّ وَقَّفَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَانْتَقَلَ نَصِيبُ الْآخَرِ عَنْهُ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ ادَّعَى بَعْضُ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْمِلْكُ بِالْبَيْعِ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ قِطْعَةً بِأَيْدِيهِمْ وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً بِالْغَصْبِ وَنَحْوِهِ عُلِمَ ذَلِكَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ. وَوَسَّعَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي ذَلِكَ جِدًّا فِي التَّصْنِيفِ الْمُطَوَّلِ وَظَنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُ أَجَادَ فِي ذَلِكَ. وَاَلَّذِي أَقُولُهُ: إنَّ كَلَامَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ إنَّمَا يَتِمُّ لَوْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ شَمَلَتْ جَمِيعَ ذَلِكَ وَأَنَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ أَخَذَهُ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ بِحَقِّ الْقِسْمَةِ وَأَنَّهَا وَقَعَتْ غَلَطًا، وَالصُّورَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُدَّعِي يَقُولُ: إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَدْرٍ زَائِدٍ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِالْقِسْمَةِ وَلَا دَفَعَهُ الْقَاسِمُ إلَيْهِ بَلْ تَعَدَّى فِيهِ عَلَى شَرِيكِهِ وَأَخَذَهُ مِنْ نَصِيبِهِ عُدْوَانًا، وَإِذَا صُوِّرَتْ الْمَسْأَلَةُ كَذَلِكَ فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ الْقَاضِي شِهَابُ الدِّينِ وَلَا يَحْتَمِلُ الْحَالُ فِيهَا

стр. 1015

أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كَتَبَهُ عَلِيٌّ السُّبْكِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ٧٤٩ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ مَاتَ وَخَلَفَ ابْنًا وَابْنَتَيْنِ وَخَلَفَ لَهُمْ فَدَّانًا] (مَسْأَلَةٌ وَرَدَتْ مِنْ الْقَاضِي نَجْمِ الدِّينِ الشَّافِعِيِّ بِحَمَاةِ) فِي رَجُلٍ مَاتَ وَخَلَفَ ابْنًا وَابْنَتَيْنِ وَخَلَفَ لَهُمْ فَدَّانًا مِنْ جَمِيعِ خَمْسَةِ أَفْدِنَةِ فِي جَمِيعِ الْقَرْيَةِ الْفُلَانِيَّةِ خَصَّ الِابْنَ مِمَّا خَلَفَهُ أَبُوهُ نِصْفُ فَدَّانٍ وَلِلْبِنْتَيْنِ نِصْفُ فَدَّانٍ فَوَقَّفَ الِابْنُ مِنْ الْقَرْيَةِ نِصْفَ فَدَّانٍ وَرُبُعَ فَدَّانٍ عَلَى نَفْسِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَبَعْدَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ مُتَّصِلًا بِوُجُوهِ الْبِرِّ وَثَبَتَتْ مِلْكِيَّةُ الْمَوْقُوفِ لِلْوَاقِفِ وَلَمْ يَكُنْ بِيَدِ الْوَاقِفِ سِوَى نِصْفِ فَدَّانٍ الْمُخَلَّفِ عَنْ أَبِيهِ وَاسْتَغَلَّهُ كَذَلِكَ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ ثُمَّ تَوَلَّى عَلَى الْوَقْفِ مُسْتَحِقٌّ آخَرُ بَعْدَهُ، وَطَلَبَ أَنْ يَأْخُذَ رُبُعَ نِصْفِ فَدَّانٍ وَرُبُعَ فَدَّانٍ وَهِيَ الْحِصَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ فَهَلْ يَكُونُ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ فَدَّانٍ الْمُخَلَّفِ عَنْ أَبِيهِ لَهُ مِنْ نَصِيبِ أَخَوَاتِهِ مَعَ عَدَمِ تَبْيِينِ شُهُودِ الْمِلْكِيَّةِ سَبَبَ انْتِقَالِ ذَلِكَ مِنْ أَخَوَاتِهِ إلَيْهِ أَمْ مِنْ سَائِرِ الْقَرْيَةِ أَمْ لَيْسَ لَهُ سِوَى مَا هُوَ مُخَلَّفٌ عَنْ ابْنِ الْوَاقِفِ لَهُ الَّذِي كَانَ بِيَدِهِ إلَى أَنْ مَاتَ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى. (الْجَوَابُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ أَمَّا الْفَدَّانُ الْمُخَلَّفُ عَنْ أَبِيهِ فَلَيْسَ لَهُ مِنْهُ إلَّا النِّصْفُ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِأُخْتَيْهِ وَيَحْتَاجُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لَهُ فِيهِ أَوْ فِي بَعْضِهِ إلَى بَيَانِ سَبَبِ الِانْتِقَالِ، وَالْبَيِّنَةُ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ تُسْمَعُ إذَا كَانَ مَعَهَا يَدٌ وَلَمْ تُعَارِضْهَا بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَوْ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِتَقَدُّمِ مِلْكٍ لِغَيْرِ مَنْ شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ إنْسَانٍ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ فَقَالَ الْقَاضِي: قَدْ عَرَفْت هَذِهِ الدَّارَ مِلْكَ فُلَانٍ وَمَاتَ وَانْتَقَلَتْ إلَى فُلَانٍ وَارِثِهِ فَأَقِمْ بَيِّنَةً عَلَى مِلْكِهِ مِنْهُ قَبِلْت ذَلِكَ مِنْهُ وَتَنْدَفِعُ بَيِّنَتُهُ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ وَعِنْدِي أَنَّهُ مُطْلَقٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَضَى لَقَضَى بِخِلَافِ الْعِلْمِ فَلَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ إلَّا بِالشَّرْطِ الَّذِي قُلْنَاهُ، وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ فِي يَدِ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ فِي يَدِ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يُعْلَمْ مِلْكُهُ وَلَا مِلْكُ مَنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ مِنْهُ أَوْ لَا تَكُونُ فِي يَدِ أَحَدٍ فَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثِ الْبَيِّنَةُ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ مَسْمُوعَةٌ مَعْمُولٌ بِهَا وَفِيمَا سِوَاهَا قَدْ تُسْمَعُ وَلَكِنْ لَا يَعْمَلُ بِهَا كَمَا إذَا اُنْتُزِعَتْ الْعَيْنُ مِنْ شَخْصٍ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً بِمِلْكِهَا مُطْلَقَةً

стр. 1016

سَمِعْت فِي الْأَصَحِّ وَلَكِنَّ فَائِدَةَ سَمَاعِهَا مُعَارَضَةُ الْبَيِّنَةِ الَّتِي اُنْتُزِعَتْ مِنْهُ بِهَا وَرُجُوعُهَا إلَى يَدِهِ كَمَا لَوْ أَقَامَهَا قَبْلَ الِانْتِزَاعِ فَلْيَتَنَبَّهْ لِهَذَا فَإِنَّهُ قَدْ يَغْلَطُ فِيهِ وَيَغْتَرُّ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ الدَّعْوَى مَسْمُوعَةٌ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ الِانْتِقَالِ إذَا كَانَ الِانْتِزَاعُ بِبَيِّنَةٍ لَا بِإِقْرَارٍ وَمُرَادُهُمْ مَا بَيَّنَّاهُ هُنَا. فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ عَلِمَ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنَّ نَصِيبَ الْأُخْتَيْنِ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مَقْرُونَةٍ بِبَيَانِ سَبَبِ الِانْتِقَالِ فَمَتَى لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ وَعُرِفَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِي الْفَدَادِينِ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ تَعَذَّرَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ وَقْفِهِ فِي الرُّبُعِ الزَّائِدِ عَلَى نَصِيبِهِ وَلَمْ تُفِدْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مِلْكِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَلَمْ يُفِدْ حُكْمُ الْقَاضِي بِهِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَلَمْ يُنَفَّذْ ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَقَبُولُ الْبَيِّنَةِ الْمُطْلَقَةِ بِالْمِلْكِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَصْلًا لَا حُجَّةً شَرْعِيَّةً لَا مُعَارِضَ لَهَا وَلَيْسَ فِيهَا رَفْعُ يَدٍ وَلَا إبْطَالُ حَقٍّ لِمُعَيَّنِ، وَالْحُكْمُ إذَا ثَبَتَ لِمُعَيَّنِ لَمْ يَجُزْ رَفْعُهُ إلَّا بِمُسْتَنَدٍ بِخِلَافِ الْمَجْهُولِ وَقَبُولُهَا عَلَى ذِي الْيَدِ الَّذِي بِلَا بَيِّنَةٍ لَهُ وَلَا عِلْمِ حَاكِمٍ لِأَنَّ الْيَدَ وَإِنْ كَانَتْ حُجَّةً فَالْبَيِّنَةُ أَقْوَى مِنْهَا وَقَبُولُهَا بَعْدَ الِانْتِزَاعِ بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَضَدَةٌ بِالْيَدِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَتَقَدَّمَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْمُجَرَّدَةِ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيمِ الدَّاخِلِ، وَفِيمَا سِوَى الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ لَا وَجْهَ لِقَبُولِهَا لِوُجُودِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا وَهُوَ بَيَانُ السَّبَبِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى عَدَمِ بَيَانِهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّا دَائِمًا نُقَدِّمُ الْأَرْجَحَ فَالْأَرْجَحَ وَأَمَّا إذَا اُنْتُزِعَتْ الْعَيْنُ بِإِقْرَارٍ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْمُنْتَزِعِ مِنْهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ إلَّا بِبَيَانٍ بِسَبَبِ انْتِقَالٍ جَدِيدٍ لِئَلَّا يَكُونَ مُكَذِّبًا لِغَيْرِهِ؛ هَذَا كُلُّهُ فِي الرُّبُعِ الزَّائِدِ عَلَى نَصِيبِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَصِيبِ أُخْتَيْهِ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْأَرْبَعَةِ الْفَدَادِينِ الْبَاقِيَةِ مِنْ الْقَرْيَةِ فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً لِغَيْرِهِ أَوْ فِي أَيْدِيهِمْ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرُّبُعُ الزَّائِدُ مِنْهُ فَتَكُونُ الزِّيَادَةُ بِمِلْكِهِ مَسْمُوعَةً وَيَكُونُ قَدْ وَقَفَ نِصْفًا مِمَّا خَلَفَهُ أَبُوهُ وَرُبُعًا مِنْ غَيْرِهِ، هَذَا إنْ كَانَ الْأَمْرُ مُمْكِنًا وَالشَّهَادَةُ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَالْأَمْرُ عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ فِي نَصِيبِ أُخْتَيْهِ وَبِعَدَمِ الرُّبُعِ تُوقَفُ وَلَا يُسْمَعُ مِنْ مُسْتَحِقِّ الْوَقْفِ دَعْوَاهُ فِيهِ وَلَا عِبْرَةَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ الَّذِي عُرِفَ اسْتِنَادُهُ إلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا النِّصْفُ الْمَعْرُوفُ مِلْكُهُ لَهُ مِنْ وَالِدِهِ فَوَقْفُهُ صَحِيحٌ إذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ يَرَى صِحَّةَ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ فَيَتَقَدَّرُ ذَلِكَ الْقَدْرُ خَاصَّةً. وَقَدْ ذَكَرَ

стр. 1017

فِي الِاسْتِفْتَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْوَاقِفِ سِوَى نِصْفُ فَدَّانِ الْمُخَلَّفِ عَنْ أَبِيهِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ خَرَجَ أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فِيهَا قَبُولُ الْبَيِّنَةِ الْمُطْلَقَةِ فَإِذَا كَانَتْ يَدٌ لِغَيْرِهِ عَلَى جَمِيعِ الْبَاقِي وَبَيِّنَةٌ خَرَجَ الْمَوْضِعُ الثَّانِي كَانَتْ يَدًا لِغَيْرِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا عِلْمِ سَبَبٍ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَرْبَعَةِ الزَّائِدَةِ عَلَى الْمُخَلَّفِ عَنْ أَبِيهِ بِشَرْطِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ أَنْ تَكُونَ فِي وَجْهِ خَصْمٍ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَأَمَّا هَكَذَا مُطْلَقَةٌ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ خَصْمٍ وَلَا دَعْوَى فَلَا أَثَرَ لَهَا وَلَا الْحُكْمَ بِهَا فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّ النَّاسَ يَتَسَمَّحُونَ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ، وَمَتَى كَانَ خَصْمٌ فَلَا بُدَّ مِمَّا قُلْنَاهُ وَلَا يُقَالُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ. نَعَمْ إذَا قَامَتْ بَيِّنَاتٌ مُطْلَقَاتٌ أَوْ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي الْإِسْنَادِ إلَى أَسْبَابِ تَعْلِيلِهَا كَمَا تُعِيلُ الْمَسَائِلَ فِي الْفَرَائِضِ. وَذَكَرَ مَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاةِ فِي مِثَالِهِ الْكَرِيمِ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ وَنِعْمَ مَا فَعَلَ شَكَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِي مِثَالِهِ الْكَرِيمِ أَنَّهُ كَانَ وَقَعَ فِي زَمَنِ جَدِّهِ ﵀ وَاقِعَةٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا وَهُوَ إنْسَانٌ مَلَكَ بَعْضُ أَقَارِبِهِ عَقَارًا ثُمَّ أَنَّهُ بَاعَهُ وَثَبَتَتْ مَلَكِيَّةُ الْبَائِعِ فَلَمَّا ادَّعَى الْمُقَرِّ لَهُ بِالْعَقَارِ عِنْدَ جَدِّ مَوْلَانَا عَلَى الْمُشْتَرِي وَقَامَتْ بَيِّنَةُ الْإِقْرَارِ السَّابِقِ عَلَى الْبَيْعِ عِنْدَهُ حَكَمَ بِإِبْطَالِ الْبَيْعِ وَتَسْلِيمِهِ إلَى الْمُقِرِّ. فَحَفِظَ اللَّهُ مَوْلَانَا لِحِفْظِهِ لِمَسَائِلِ الْعِلْمِ نِعْمَ هَذِهِ قَضِيَّةُ قَرَاسُنْقُرَ فِي بُسْتَانِ الْجُوسَةِ بِظَاهِرِ حَمَاةَ اشْتَرَاهُ مِنْ عِمَادِ الدِّينِ صَاحِبِ حُمَاةَ فِي سَنَةِ ٧١١ ثُمَّ خَرَجَ مَكْتُوبٌ فِيهِ أَنَّ عِمَادَ الدِّينِ أَقَرَّ بِهِ فِي سَنَةِ ٧ لِأُمِّهِ وَلِزَوْجَتِهِ وَحَضَرَتْ الْمُحَاكَمَةُ هَذِهِ إلَى دِمَشْقَ فِي سَنَةِ ٧٤٣ وَفِيهَا نَظَرٌ آخَرُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَنَّ تِلْكَ فِي الْإِقْرَارِ وَلَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى بَعْدَهُ مُطْلَقَةً وَذَلِكَ مُسْتَنَدُ قَاضِي الْقُضَاةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ جَدِّ مَوْلَانَا ﵁ فَإِنَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَمَسْأَلَتُنَا هَذِهِ لَيْسَ فِيهَا إقْرَارٌ وَقَدْ تَبَيَّنَ الْحُكْمُ فِيهَا أَيْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إلَّا بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ] (مَسْأَلَةٌ دِمْيَاطِيَّةٌ) رَجُلٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إلَّا بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَعْضُ أَرْبَابِ الدَّيْنِ غَائِبٌ عَنْ بَلَدِ الْمَيِّتِ فَادَّعَى وَكِيلُهُ بِدَيْنِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ وَكَالَتِهِ عَنْهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالدَّيْنِ الْمَذْكُورِ فَهَلْ تَسْقُطُ الْيَمِينُ إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا بِسَبَبِ غَيْبَةِ رَبِّ الدَّيْنِ وَيَسُوغُ

стр. 1018

لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَتَسْلِيمُ الْمَالِ لِلْوَكِيلِ الْمَذْكُورِ كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا مِثْلَهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى غَائِبٍ أَمْ يَتَوَقَّفُ الْحَاكِمُ إلَى حُضُورِ رَبِّ الْمَالِ مَنْ خَلَفَهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ وَهَلْ صَرَّحَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَمْ لَا. (الْجَوَابُ) الْحَمْدُ لِلَّهِ تَسْقُطُ الْيَمِينُ الْآنَ إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا وَيَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِالْبَيِّنَةِ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَيُسَلِّمُ الْمَالَ لِلْوَكِيلِ الْمَذْكُورِ كَمَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى غَائِبٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِهِ اخْتِلَافٌ بَلْ إطْلَاقُ الْأَصْحَابِ الْحُكْمَ بِغَيْرِ يَمِينٍ إذَا ادَّعَى وَكِيلٌ غَائِبٌ عَلَى غَائِبٍ أَوْ حَاضِرٍ يَشْمَلُ إطْلَاقُهُ الْبَالِغَ وَالصَّبِيَّ وَالْمَيِّتَ فَكَانَتْ الْمَسْأَلَةُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ مَا أَطْلَقُوهُ فَمَنْ ادَّعَى إخْرَاجَهَا مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ أَيْضًا فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي اقْتَضَى الْحُكْمَ بِغَيْرِ يَمِينٍ لِوَكِيلِ الْغَائِبِ إنَّمَا هُوَ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ وَعَلَّقَهُ بِأَخِيرِهَا وَأَبْقَى كُلَّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَالِغًا غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا أَوْ صَبِيًّا غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا وَوَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ غَيْرُهُ مَتَى كَانَ مُوَكِّلُ الْمُدَّعِي الْمَحْكُومُ لَهُ غَائِبًا فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ. وَأَمَّا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَصْحَابِ صَرَّحَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ يَحْضُرنِي الْآنَ غَيْرَ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي إطْلَاقِهِمْ وَلَا يُقْبَلُ تَخَالُفُهَا مُطْلَقًا وَلَا مُقَيَّدًا وَالْمَعْنَى عَنْهَا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا، وَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ يَحْلِفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الْعِتْقِ] (كِتَابُ الْعِتْقِ) (مَسْأَلَةٌ) سَأَلَ عَنْهَا مِنْ حُمَاةَ: رَجُلٌ مَاتَ وَخَلَفَ عَبْدًا فَادَّعَتْ زَوْجَةُ الْمَيِّتِ أَنَّهُ عَوَّضَهَا إيَّاهُ عَنْ صَدَاقِهَا وَأَنَّهَا أَعْتَقَتْهُ فَهَلْ يَعْتِقُ نَصِيبُهَا وَيَسْرِي إلَى بَاقِيه أَوْ لَا وَهَلْ يَسْقُطُ صَدَاقُهَا أَوْ لَا؟ (الْجَوَابُ) يَعْتِقُ نَصِيبُهَا وَلَا يَسْرِي؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِإِعْتَاقِهِ مُحْتَمَلٌ؛ لَأَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْمَوْتِ بِحُكْمِ التَّعْوِيضِ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ وَيَحْتَمِلُ؛ لَأَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ وَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي الْمُؤَاخَذَةَ فِي نَصِيبِهَا وَعَدَمَ السِّرَايَةِ وَالثَّانِي يَقْتَضِي السِّرَايَةَ فَتُحْمَلُ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ وَهُوَ عَدَمُ السِّرَايَةِ وَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهَا فِي إسْقَاطِ صَدَاقِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. كُتِبَ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ٧٤٥ وَلِلْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ أَحْوَالٍ: (إحْدَاهَا) أَنْ يُصَرِّحَ بِأَنَّهَا أَعْتَقَتْهُ بَعْدَ

стр. 1019

التَّعْوِيضِ وَقَبْلَ الْمَوْتِ فَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ السِّرَايَةِ وَفِي إعْتَاقِ نَصِيبِهَا وَعِتْقُ نَصِيبِهَا إنَّمَا هُوَ لِلْمُؤَاخَذَةِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ. (الثَّانِيَةُ) أَنْ يُصَرِّحَ بِأَنَّهَا أَعْتَقَتْهُ الْآنَ فَيَعْتِقُ نَصِيبُهَا بِإِقْرَارِهَا وَالثَّانِي بِالسِّرَايَةِ وَإِقْرَارُهَا مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّهَا مَالِكَةٌ لِإِنْشَاءِ عِتْقِ نَصِيبِهَا وَمَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ قُبِلَ مِنْهُ الْإِقْرَارُ. (الثَّالِثَةُ) أَنْ يُطْلِقَ وَالْإِقْرَارُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ وَعَلَى أَدْنَى السَّبَبَيْنِ فَلِذَلِكَ قُلْنَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ: إنَّهُ لَا يَسْرِي وَأَنَّهُ يَعْتِقُ نَصِيبُهَا مِنْ بَابِ الْمُؤَاخَذِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَالْحُكْمُ بِسُقُوطِ الصَّدَاقِ مُؤَاخَذَةٌ بِإِقْرَارِهَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسْأَلَة كَاتَبَ اثْنَانِ عَبْدًا ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ] قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ﵀: الْحَمْدُ لِلَّهِ هَذِهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ مِنْ بَابِ الْكِتَابَةِ وَقَعَ فِيهَا الْتِبَاسٌ فَلَخَّصْتُهَا: (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) كَاتَبَ اثْنَانِ عَبْدًا ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ عَتَقَ وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَسْرِي، وَفِي وَقْتِ السِّرَايَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا فِي الْحَالِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ فِي انْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ وَجْهَانِ إنْ قُلْنَا: يَنْفَسِخُ. وَهُوَ الْأَصَحُّ فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ وَإِلَّا فَهُوَ بَيْنُهُمَا، وَأَمَّا عَلَى الْأَظْهَرِ فَإِنْ أَدَّى نَصِيبَ الْآخَرِ عَتَقَ عَنْ الْكِتَابَةِ وَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ عَجَزَ ثَبَتَتْ السِّرَايَةُ حِينَئِذٍ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَنْفَسِخَ الْكِتَابَةُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي انْفِسَاخِهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَنْفَسِخُ كَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ أَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا عَنْ نَصِيبِهِ مِنْ النُّجُومِ فَكَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ وَلَوْ قَبَضَ نَصِيبَهُ أَوْ النُّجُومَ كُلَّهَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْأَصَحِّ فَإِنْ قُلْنَا: يَعْتِقُ بَعْضُهُ فَالسِّرَايَةُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْإِعْتَاقِ وَالْإِبْرَاءِ وَإِنْ قَبَضَ جَمِيعَ النُّجُومِ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْهِمَا وَلَا سِرَايَةَ. [مَسْأَلَة كَاتَبَ عَبْدًا وَمَاتَ عَنْ اثْنَيْنِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) كَاتَبَ عَبْدًا وَمَاتَ عَنْ اثْنَيْنِ فَهُمَا قَائِمَانِ مَقَامَهُ فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا أَوْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ عَتَقَ نَصِيبُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ: الْمُحَرَّرُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ فَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مُعْسِرًا أُبْقِيَتْ الْكِتَابَةُ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ فَإِنْ عَجَزَ عَادَ ذَلِكَ النَّصِيبُ قِنًّا وَإِنْ أَدَّى عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلْأَبِ وَكَذَا وَلَاءُ نَصِيبِ الْأَوَّلِ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَقُلْنَا بِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَمْنَعُ السَّرَيَانَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ فَهَاهُنَا قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَا يَسْرِي

стр. 1020

لِأَنَّ إعْتَاقَهُ تَنْفِيذٌ لِعِتْقِ الْأَبِ وَتَعْجِيلٌ لِمَا أَخَّرَهُ وَلِذَلِكَ كَانَ الْوَلَاءُ لِلْأَبِ وَالْمَيِّتُ لَا يَسْرِي عَلَيْهِ وَالثَّانِي يَسْرِي وَيَقُومُ عَلَى الْمُبَاشِرِ لِلْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْأَبِ فَإِنَّ وَلَاءَ هَذَا النِّصْفِ لِلْمُعْتِقِ عَلَى الْأَصَحِّ وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِلْمَيِّتِ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي عَبْدٍ: أَعْتِقْ نَصِيبَك عَنِّي عَلَى أَلْفٍ فَأَعْتَقَ فَإِنَّهُ يَسْرِي إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَيَكُونُ الْعِتْقُ قَدْ وَقَعَ عَنْ الْمُشْتَرِي السَّائِلِ وَالْوَلَاءُ لَهُ وَالتَّقْوِيمُ عَلَى الْمُبَاشِرِ لِلْعِتْقِ. قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ تَبَعًا لِلْقَاضِي الطَّبَرِيِّ، وَطَرَدَهُ الرُّويَانِيُّ فِيمَا إذَا قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِشَرِيكِهِ: أَعْتِقْ نَصِيبَكَ عَنِّي فَأَعْتَقَهُ سَرَى إلَى نَصِيبِ الشَّرِيكِ وَكَانَ الْوَلَاءُ لِلسَّائِلِ وَالْغُرْمُ عَلَى الشَّرِيكِ الْمُعْتِقِ بِالسُّؤَالِ. وَخَالَفَهُمْ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَقُومُ عَلَى الْمُبَاشِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ عَنْهُ، وَقَدْ يَشْهَدُ لَهُ مَا قَالَهُ هُوَ وَالرَّافِعِيُّ قَبْلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي السِّرَايَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ عَبْدٌ قِيمَتُهُ عِشْرُونَ فَقَالَ رَجُلٌ لِأَحَدِهِمَا: أَعْتِقْ نَصِيبَك عَنِّي عَلَى هَذِهِ الْعَشَرَةِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا فَأَجَابَهُ عَتَقَ نَصِيبُهُ عَنْ الْمُسْتَدْعَى فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ. لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي الْعَبْدِ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ إذَا وَكَّلَ أَحَدُهُمَا شَرِيكَهُ فِي إعْتَاقِ نَصِيبِهِ فَأَعْتَقَهُ أَنَّ وَلَاءَ نَصِيبِ الْمُوَكِّلِ لَهُ وَإِنْ كَانَ الْمُبَاشَرَةُ وَالسَّبَبُ جَمِيعًا مِنْ الْوَكِيلِ وَلِهَذَا تَلِفَ نَصِيبُهُ عَلَيْهِ وَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ وَالْمُبَاشَرَةُ مِنْ غَيْرِهِ إذْ لَوْ كَانَ هُوَ بِتَوْكِيلِهِ سَبَبًا لَضَمَنَ فَلَمَّا لَمْ يَضْمَنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ شَرِيكَهُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِعِتْقِ نَصِيبِ الْمُوَكِّلِ الْمُتَسَبِّبِ فِي عِتْقِ نَصِيبِهِ وَلَا يَنْتَسِبُ إلَى الْمُوَكِّلِ بِسَبَبٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ وَلَك أَنْ تَقُولَ: يَنْتَسِبُ إلَيْهِ بِسَبَبٍ وَلَكِنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُتَقَدِّمَةٌ فَلِذَلِكَ أَحَلْنَا الْإِتْلَافَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَضْمَنْ. هَذَا إنْ كَانَ الْحُكْمُ كَمَا ادَّعَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْقَاضِي الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ يَقْتَضِي أَنَّ عِتْقَ الْجَمِيعِ يَقَعُ عَنْ الْمُوَكِّلِ وَالْوَلَاءُ لَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُثْبِتَ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ وَجْهَيْنِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ بَعْدَ تَثَبُّتِ أَحَدِهِمَا تَقَعُ السِّرَايَةُ عَنْ الْمُسْتَدْعَى وَالثَّانِي عَنْ الْمُعْتِقِ، وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ الْغُرْمِ عَلَى السَّائِلِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ، وَلَوْ وَكَّلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَجْنَبِيًّا فِي أَنْ يَعْتِقَ نَصِيبَهُ فَفَعَلَ فَقِيَاسُ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْغُرْمَ عَلَى الْوَكِيلِ، لَكِنَّ الرَّافِعِيَّ قَالَهُ
следующие страницы →