كما مر في الحديث الذي تكرر كثيرًا: "البيِّنة على المدعي"، وفي حديث الحضرمي والكندي: "البيِّنة". قال له: "البيِّنة"، فلما لم يأت بالبيِّنة قال: "لا بيِّنة عندي". فقال الرسول ﷺ : "ليس لك إِلَّا يمينه" (١).
* قوله: (وَاليَمِينَ فِي حَيِّزِ المُدَّعَى عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَلَّا يَنْقَلِبَ الأَمْرُ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُم عِبَادَةً).
ليس الأمر سهلًا أن يدعي إنسان على الآخر، فليست الدعاوى بالأمور الهينة حتى يأتي إنسان بمجرد أن يكون بينه وبين آخر خلاف، فيريد أن ينتقم منه، فهذا ينبغي أن يؤخذ على يديه؛ كي لا يدعيَ على الآخرين دعوى غير صحيحة.
ولذلك لما جاء هلال بن أمية، وقد رمى زوجته بشريك ابن سحماء، ماذا قال له الرسول؟
قال: "البيِّنة، أو حد في ظهرك" (٢). وفى رواية أُخرى قال: "أربعة، أو حد في ظهرك" (٣). يعني: أربعة شهود، أو حد في ظهرك .. حتى نزلت آية اللعان.
قد يتعدى بعض الناس على بعض، وربما يرمي رجل رجلًا بالزنا أو بغير ذلك من الأمور المحرمة، وربما ينفيه عن نسبه، فإذا علم المدعي على غيره في ذلك بالباطل أنه سيجلد ثمانين جلدة إذا لم يثبت ما ادعاه، فإنه يرتدع وينزجر، فبعض الناس تجد في ألسنتهم تسلطًا، فيقع في القذف مثلًا، مع أن الرسول ﷺ قال: "المسلم ليس بسباب ولا لعان" (٤)، وقال:
يعني إذا ادعى إنسان على الآخر حقًّا من الحقوق، فاعترف المدعى عليه، وكان الحق عينًا موجودة، فإن هذا الحق يرد إليه، هذا لا خلاف فيه.
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَالًا فِي الذِّمَّةِ، فَإِنَّهُ يُكَلِّفُ المُقِرَّ غُرْمَهُ، فَإِفي ادَّعَى العُدْمَ حَبَسَهُ القَاضِي عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ عُدْمُهُ) (١).
فالمدعى عليه إذا اعترف بأن عنده حق هذا المدعي، ثبت الحق بهذا الاعتراف، فإن كان موجودًا رد إلى صاحبه، وإن لم يكن موجودًا يقال له: ائت بحق فلان، فيقول: ليس عندي هنا.
يقول المؤلف: (يحبس)؛ وهذا هو رأي بعض العلماء. والحبس هنا من العقوبات الشرعية حتى يتحقق عدم الوجود، فإذا ثبت بعد ذلك بأنه لا شيء عنده، يدخل ضمن المعسرين الذين يشملهم قول اللّه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
يعني إن كان لا يجد شيئًا، فينظر حتى يجد ذلك الشيء، فيرده إلى صاحبه، وهذا يدخل في باب الرحمة؛ فإن الإنسان إذا كان له حق على آخر، فينبغي له أن ينظره إذا كان معسرًا، ولذلك - كما سبق - في قصة ذلك الرجل الذي لم يعمل خيرًا إِلَّا أنه كان يُنْظِر الغني ويعفو عن المعسر (٢)، فاللّه غفر له، لأدْ اللّه أيضًا يتجاوز عن السيئات، وعن
стр. 10120
تقصير العباد، فاللّه غفر له؛ لأنه كان يعفو، يعني: يسقط الحقوق عن المعسرين، وينظر الميسرين.
* قوله: (إِمَّا بِطُولِ السِّجْنِ أَوْ البيِّنَةِ إِنْ كَانَ مُتَّهَمًا، فَإِذَا لَاحَ عُسْرُهُ خَلَّى سَبِيلَهُ).
يعني إذا ظهر عسره، وتبين أنه لا يملك شيئًا، فيعطى الفرصة، ليعمل ويتعب.
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا أَقَرَّ الخَصْمُ، فَإِنْ كَانَ المُدَّعَى فِيهِ عَيْنًا، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُدْفَعُ إِلَى مُدَّعِيهِ (١). وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَالًا فِي الذِّمَّةِ، فَإِنَّهُ يُكَلِّفُ
стр. 10121
المُقِرَّ غُرْمَهُ، فَإِن ادَّعَى العُدْمَ حَبَسَهُ القَاضِي عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ عُدْمُهُ).
ما يتعلق بالحبس موضع اختلاف بين العلماء؛ بعض العلماء يرى أنه يحبس، إذا كانت هناك تهمة، إذا شك في أمره، وبعضهم يرى أنه لا يحبس (١)، والذي ذكره المؤلف هو مذهب المالكية، ويوافقهم بعض العلماء أيضًا.
* قوله: (إِمَّا بِطُولِ السِّجْنِ أَو البينَةِ إِنْ كلانَ مُتَّهَمًا، فَإِذَا لَاحَ عُسْط خَلَّى سَبِيلَهُ).
يعني إذا لاح عسره، أي ظهر أنه معسر، فإنه يطبق في حقه قول اللّه تعالى:
* قول: (لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
وَقَالَ قَوْئم: يُؤَاجِرُهُ (٢)، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ) (٣).
مع أن أكثر العلماء قالوا: "لا يثبت؛ لأن الحكم إنما قام على هذه البيِّنة، والبيِّنة قد رجعت حينئذ، فيصبح الحكم غير قائم".
وبعضهم يقول: "الحكم قد قام؛ لأن البيِّنة قد ثبتت، وتراجع الشاهدين لا أثر له بعد القضاء".
* قوله: (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الحُكْمِ فَقَالَ مَالِكٌ: يَثْبُتُ الحُكْمُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَثْبُتُ الحُكْمُ، وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الشُّهَدَاءَ يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوا بِشَهَادَتِهِمْ).
يعني إذا تراجع الشهود عن شهادتهم، وترتب على شهادته إضرار بالمدعى عليه.
* قوله: (فَإِنْ كَانَ مَالًا ضَمِنُوهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ قَالَ عَبْدُ المَلِكِ: لَا يَضْمَنُونَ فِي الغَلَطِ (١). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُونَ المَالَ وَإِنْ كانَ دَمًا، فَإِن ادَّعَوُا الغَلَطَ ضَمِنُوا الدِّيَةَ (٢)، وَإِنْ أَقَرُّوا، أُقِيدَ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ (٣)، وَلَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ القَاسِمِ) (٤).
стр. 10124
والإمام أحمد (١) له رواية توافق ما ذهب إليه الإمام الشافعي.
* * *
قال المصنف رحمه اللّه تعالى:
(البَابُ السَّادِسُ فِي وَقْتِ القَضَاءِ
وَأَمَّا مَتَى يُقْضَى؟ فَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى حَالِ القَاضِي فِي نَفْسِهِ).
متى يقضي؟ هناك أمر متصل بالقاضي نفسه، أي: في أحواله، ينبغي أن يكون على حالة معينة بحيث يكون مهيأ للقضاء، وهناك أمر آخر متعلق بمن سيصدر في حقه الحكم.
* قوله: (وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى وَقْتِ إِنْفَاذِ الحُكْمِ وَفَصْلِهِ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى وَقْتِ تَوْقِيفِ المُدَّعَى فِيهِ وَإِزَالَةِ اليَدِ عَنْهُ إِذَا كَانَ غَبْنًا،
стр. 10125
فَأَمَّا مَتَى يَقْضِي القَاضِي؟ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَشْغُولَ النَّفْسِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "لَا يَقْضِي القَاضِي حِينَ يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَانُ").
هذا حديث متفق عليه (١)، ورواه كذلك الإمام أحمد (٢)، وغيره (٣)، ولفظه عند البخاري: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" (٤).
والعلماء ألحقوا بالغضب ما يشبهه.
ومراد العلماء بما يشبه الغضب: ألا يكون القاضي بين اثنين يحكم وهو يعاني من جوع مفرط، أو يكون في حال من شدة العطش، أو يسيطر عليه الهم، أو يكون في غم أو حزن، أو يكون بحيث يدافع الأخبثين - أي: البول والغائط - أو يكون لديه أمر يشغله ويشغل باله، فكل هذا مما يشبه الغضب في الأثر.
قالوا: "لأن المطلوب هو أن يستحضر عقله وفكره وقلبه، حتى يكون حكمه صافيًا، لأنه إذا وجد ما يشوش عليه قد يؤثر على الحكم".
وليست المسألة أيضًا متفقًا عليها، وإنما الخلاف واقع هنا فيما يتعلق بنفاذ الحكم.
يعني لو قدر أنه قضى وهو غضبان، أو في شدة الجوع، أو في هم، أو في غير ذلك مما مضى ذكره وسبق بيانه، هل ينفذ حكمه أو لا؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء:
١ - ذهبت الشافعية (٥) وبعض الحنابلة إلى أنه ينفذ.
стр. 10126
٢ - ذهب بعض العلماء - وهي رواية للحنابلة كذلك - إلى أنه لا ينفذ (١)؛ لأن الرسول ﷺ قال: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان". فهذا نهي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
* قوله: (وَمِثْلُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ عَطْشَانَ).
ليس هذا عند مالك وحده، بل عند الأئمة جميعهم (٢) ﵏ كلهم يرون ألا يكون عطشه شديدًا، بحيث يكون له تأثير على قضائه، أما العطش اليسير فلا أثر له، وكذلك الجوع المفرط الذي يتألم منه الإنسان يصل إلى حد أن يشغل باله، وكذلك من يدافع الأخبثين، أن يكون معه بول شديد أو غائط يشغل باله، فلا يكاد يصفو عقله بتفكير،
стр. 10127
وكذلك إذا كان في هم، فإن الإنسان في هذه الحياة عرضة لأن تنزل به المصائب والهموم والأحزان، وإن كان واجبًا على المسلم مطلقًا أن يلجأ إلى اللّه ؛ فهو الذي يرفع تلك الهموم، ويزيل تلك المصائب، وما أشبهها.
* قوله: (أَوْ جَائِعًا أَوْ خَائِفًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ العَوَارِضِ الَّتِي تَعُوقُهُ عَنِ الفَهْمِ) (١).
لأنه بشر، وهو معرض أيضًا أن ينزل به مرض شديد، أو ألم شديد، أو يبلغه خبر يشوش عليه، فحينئذ هو في حاجة إلى أن يكون صافي الذهن، مستقرّ الفؤاد، حاضر العقل؛ لكي يحكم حكمًا واضحًا له، لأن الحكم - كما هو معلوم - يحتاج إلى جانب ما يستدل إليه من أدلة، أن يكون معه إمعان وإدراك للمسائل، وربط بينها، وترجيح بعضها على بعض؛ لكي يتقرر الحكم، فإذا أصابه في ذلك عارض، فإنه يؤثر على هذا الحكم بلا شك.
* قوله: (لَكِنْ إِذَا قَضَى فِي حَالٍ مِنْ هَذهِ الأَحْوَالِ بِالصَّوَابِ، فَاتَّفَقُوا - فِيمَا أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ) (٢).
стр. 10128
ليس الأمر على الاتفاق كما قال، فهناك رواية للحنابلة، أو قول للحنابلة: "أن الحكم لا ينفذ"، وعند غيرهم أيضًا في مذهب الحنفية (١)، لذلك قال المؤلف: "كما أظن"؛ فهو لم يجزم رحمه الله تعالى، لكن قوله هو ظن فعلًا، فلم تكن المسألة متفقًا عليها.
* قوله: (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَنْفُذُ فِيمَا وَقَعَ عَلَيْهِ النَّصُّ وَهُوَ الغَضْبَانُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ المَنْهِيِّ عَنْهُ).
من العلماء - كما سبق بيان ذلك - من قال: "ينفذ حكمه وهو غضبان"؛ واستدلوا بالحديث المتفق عليه في قصة الزُّبَير بن العوام والأنصاري، عندما شكا الأنصاري إلى رسول اللّه ﷺ في شراج الحرة، يعني في مسير الحرة، فقال رسول الله ﷺ للزبير: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك". فكأن الأنصاري تأثر فقال: "أن كان ابن عمتك؟ "، فغضب رسول اللّه ﷺ ، وحاشاه أن يميل مع أحد، ولو كان أقرب الناس إليه، ولذلك قال رسول اللّه ﷺ : "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر" (٢)، أي: يرتفع.
стр. 10129
حينئذ أمره بأن يأخذ حقه كاملًا.
قالوا: "فرسول اللّه ﷺ قد غضب، ومع ذلك أيضًا نفذ حكمه".
وبعضهم يقول: "فرق بين أن يقرر الحكم قبل الغضب أو بعده".
والمسألة فيها خلاف، لكن لا شك أن القاضي لا ينبغي له أن يكون مهيئًا للخصومة مع أحد الخصمين أو كليهما، وينبغي ألا تكون هناك عوائق أو مشاغل تشغله عن ذلك، حتى لا يتشوش ذهنه، ولا يشتغل فؤاده، ولا ينصرف عقله عن ذلك القضاء إلى أمور أخرى، فإنه بشر، والبشر يتأثر بما يصيبه، وبما ينزل بساحته.
* قوله: (وَأَمَّا مَتَى يَنْفُذُ الحُكْمُ عَلَيْهِ فَبَعْدَ ضَرْبِ الأَجَلِ وَالإِعْذَارِ إِلَيهِ).
يعني ينفذ حكم القاضي عليه، والمراد: على المدعى عليه.
* قوله: (وَمَعْنَى نُفُوذِ هَذَا: هُوَ أَنْ يُحِقَّ حُجَّةَ المُدَّعِي أَوْ يَدْحَضَهَا).
(أن يحق) يعني أن يثبت حجة المدعي.
(أو أن يدحضها)، أي: يرفضها؛ يعني القاضي. فالقاضي في الخصومة إما أن يحق حجة المدعي، أي: البينة فيثبتها، وإما أن يرفضها ويردها، فإن أثبتها وأقرَّها ثبت الحكم، وتبقى الحجة قائمة على المدعى عليه.
* قوله: (وَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ حُجَّةً بَعْدَ الحُكْمِ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَالأَشْهَرُ أَنَّهُ يَسْمَعُ فِيمَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ مِثْلَ الأَحْبَاسِ (١)، وَالعِتْقِ وَلَا يَسْمَعُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ).
стр. 10130
الأحباس - هي الأوقاف - وكذلك العتق يسمع فيهما حجة بعد الحكم، خصصت عند المالكية، وفي المذاهب الأُخرى أيضًا، وفيها خلاف في سماعها وعدمه.
* قوله: (وَقِيلَ: لَا يَسْمَعُ بَعْدَ نُفُوذِ الحُكْمِ، وَهُوَ الَّذِي يسَمَّى التَّعْجِيزَ، وَقِيلَ: لَا يَسْمَعُ مِنْهُمَا جَمِيعًا) (١).
قد انتهى الأمر، ومضى القضاء، وقد حكم فيه، فكيف يسمع فيه حجة أُخرى. هو حكم قام على بيِّنة، فلا يسمع شيء آخر بعده، لكن الآخرين قالوا: "تسمع إذا جاء بما ينقض البيِّنة التي جاء بها المدعي، كأن يثبت أن الشاهدين شهدا بالزور".
* قوله: (وَقِيلَ بِالفَرْقِ بَيْنَ المُدَّعِي وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا إِذَا أَقَرَّ بِالعَجْزِ).
يعني في نقض الحكم، فرق بين المدعى والمدعى عليه، يعني في سماع الدعوى، بعد إقرار الحكم.
* قوله: (وَأَمَّا وَقْتُ التَّوْقِيفِ).
قضاء القاضي لا ينقض إِلَّا أن يخالف نصًّا من كتاب اللّه ، أو من سنة رسول اللّه ﷺ ، أو إجماعًا، وأما من يخالف القياس الجلي، فذلك فيه خلاف.
стр. 10131
* قوله: (فَهُوَ عِنْدَ الثُّبُوتِ وَقَبْلَ الإِعْذَارِ، وَهُوَ إِذَا لَمْ يُرِدِ الَّذِي اسْتُحِقَّ).
يعني لو كان المدعى عليه قد باع السلعة على شخص، ثم تقرر الحكم على المدعى عليه، فذهب إلى من اشترى منه السلعة أو انتقلت إليه على أي صورة من الصور، فطلب ردها، فهذا الذي قد أخذ السلعة من بيع أو غيره لا يخلو من أمرين:
١ - إما أن يستجيب، ويقول: خذ العتق؛ فحينئذ يأخذها، ويرد إليه الثمن، والأمر الآخر أن يخاصمه أيضًا، فيدخل في مخاصمة أُخرى؛ لأنه قد ينكر، ويقول: لم تبعها لي.
إذًا هذا هو المراد، فانتقل الأمر إلى مسألة أُخرى، فبعد أن يصدر الحكم على المدعى عليه بأن تثبت الدعوى، ويكون ما تقدم به المدعي حقًّا، فأحضر شهوده وثبتت حجته، حينئذٍ يتقرر على المدعى عليه الحكم .. ماذا يفعل؟
قد تكون - مثلًا - هذه السلعة المدعى فيها قد انتقلت إلى شخص آخر، فهذا الذي انتقلت إليه، إما أن يستجيب للمدعى عليه، ويسلمه سلعته، ويزول الخلاف ويأخذ المشتري الثمن ويرد السلعة، وإما أن يقول له: لا شيء لك عندي، أو لم يحدث هذا البيع؛ فحينئذ يأتي الخلاف بينهما.
* قوله: (الشَّيْءُ مِنْ يَدِهِ أَنْ يُخَاصِمَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِثَمَنِهِ عَلَى البَائِعِ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ فِي رُجُوعِهِ بِهِ عَلَى البَائِعِ).
أن يوافقه عليه: يعني الذي اشترى السلعة يردها ويرجع بالثمن على من باع عليه، وهو المدعى عليه.
* قوله: (أَنْ يُوَافِقَهُ عَلَيْهِ، فَيُثْبِتَ شِرَاءَهُ مِنْهُ إِنْ أَنْكَرَهُ، أَوْ يَعْتَرِفَ
стр. 10132
لَهُ بِهِ إِنْ أَقَرَّهُ، فَلِلْمُسْتَحَقِّ مِنْ يَدِهِ أَنْ يَأْخُذَ الشَّىْءَ مِنَ المُسْتَحِقِّ، وَيَتْرُكَ قِيمَتَهُ بِيَدِ المُسْتَحِقِّ).
يعني يأخذه من المستحق، ويعطيه الثمن.
*قول: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَشْتَرِيهِ مِنْهُ) (١).
يرى الإمام الشافعي أنه يدخل في أمر آخر، لا يسترد سلعته، وإنما يشتريها مرة أُخرى، لأنه باعه عليه بيعًا صحيحًا، فيعود فيشتريه منه.
* قوله: (فَإِنْ عَطِبَ (٢) فِي يَدِ المُسْتَحِقِّ، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ. وَإِنْ عَطِبَ فِي أَثْنَاءِ الحُكْمِ مِمَّنْ ضَمَانُهُ؟ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ: إِنْ عَطِبَ بَعْدَ الثَّبَاتِ).
المراد إن هلكت هذه السلعة بأن احترقت مثلًا أو غمرها ماء أو غير ذلك، فذهبت بأي صورة كان ذهابها، فمن الذي يضمن ذلك؟ هل يضمن ذلك المدعى عليه أو يضمنها الذي اشتراها؛ لأنه لم يصدر الحكم بعد؟
أكثر العلماء على أنه قبل صدور الحكم، فإنها على من اشتراها، وإن كان بعد صدور الحكم وتقريره، فإنها على المدعى عليه، وإن كانت بعد ثبات الحكم وقبل إقراره، أي: إصداره، ففيها خلاف.
* قوله: (فَضَمَاُنهُ مِنَ المُسْتَحِقِّ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَضْمَنُ المُسْتَحِقُّ بَعْدَ
стр. 10133
الحُكْمِ. وَأَمَّا بَعْدَ الثَّبَاتِ وَقَبْلَ الحُكْمِ، فَهُوَ مِنَ المُسْتَحَقِّ مِنْهُ، قَالَ القَاضِي ﵁: وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ).
القاضي هو ابن رشد، لأول مرة يقول ﵁؛ لأنه الآن في خاتمة الكتاب، فناسب أن يدعو لنفسه برضا اللّه.
* قوله: (أَنَّ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ).
انتهى المؤلف مما يتعلق بكتابه، وشرع في أمر آخر على عادة المحدّثين، وليس الفقهاء كما ذكر هو؛ لأنه متأثر تأثرًا كبيرًا بكتاب "الاستذكار" لابن عبد البر، وابن عبد البر بعد أن انتهى من كثير من الأحكام، تناول في نحو مجلد كامل ما يعرف بكتاب الجامع، أي الذي تذكر فيه كثير من الأحكام المتعلقة بالآداب والأخلاق، وأحكام اللباس، وأحكام الشرب، وأحكام الأطعمة، كذلك ما يتعلق بمعاملة الناس بعضهم بعضًا، وهي أحكام كثيرة جدًّا، ولكن المؤلف لا يذكر ذلك كله، لكنه يريد أن يعطينا بعض إشارات.
* قوله: (قِسْم يَقْضِي بِهِ الحُكَّامُ).
يقضي به الحكام، وهي الأحكام الواجبة، كما سبق في الصلاة كترك الصلاة. فمن الذي يحكم عليه؟ كذلك في الزكاة .. مانعو الزكاة من الذي يأمرهم ويجبرهم على إخراج الزكاة؟ وفي الأنكحة وفي البيوعات، وعند الخصومات، وفي الإجارة، وفي القصاص، وفي الحدود على اختلاف أنواعها، وفي القسامة؟
أكثر أحكام الفقه إنما يقضي بها الحكام.
لكن هناك سننًا لا يقضى بها؛ كرد السلام .. هل هذا يحتاج إلى قضاء؟! وتشميت العاطس، وزيارة المريض، واللباس، وبيان كيف يلبس الإنسان، وما يتعلق بالطعام وبالشراب، من البدء بيمينه، والأكل مما يليه، كذلك أيضًا ما يخص المعاملة بالأخلاق الحسنة من المصافحة، وما يترتب
стр. 10134
عليها، وكذلك المهاداة بين الناس، وكونها سببًا في المحبة بين الناس، كما في الحديث: "تهادوا تحابوا" (١)، إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة، فهذه التي يشير إليها بأنها من السنن، ولو تناولنا هذه السنن بالطريقة التي تناولنا بها الأحكام الأُخرى لطال المقام وطال الوقت، ولكننا نصنع كما صنع المؤلف بلا إطالة.
* قوله: (وَجُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الكِتَابِ هُوَ دَاخِلٌ فِي هَذَا القِسْمِ، وَقِسْمٌ لَا يَقْضِي بِهِ الحُكَّامُ، وَهَذَا أَكْثَرُهُ هُوَ دَاخِلٌ فِي المَنْدُوبِ إِليْهِ، وَهَذَا الجِنْسُ مِنَ الأَحْكَامِ هُوَ مِثْلُ رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ).
الأحكام التكليفية خمسة؛ الواجب والمندوب، والمباح، ثم من الجانب الآخر هناك المحرم، والمكروه. والسنن لا يحتاج إلى أن يقضى فيها؛ لأن السنة المراد بها هنا إذا فعلها الإنسان أثيب عليها، وإن تركها لا يعاقب عليها، لكن فيها من زيادة الأجر والمثوبة من اللّه ما فيها؛ ولذلك نجد في الصلوات أن السنن تجبر الفريضة إذا قصر الإنسان فيها، ولذلك يقول اللّه تعالى: "انظروا إلى عبدي ماذا فعل في سنته" (٢)، يعني: ماذا كان من السنة؟ فيجبروا فريضته من السنن، إن كان له سنن. ولذلك على المسلم أن يحرص على السنن، وخاصة السنن الرواتب.
* قوله: (مِثْلُ رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ).
وكذلك زيارة المريض والمصافحة، وأيضًا عدم المهاجرة بين المؤمنين؛ لأنه "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرضي هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".
стр. 10135
كذلك العلاقة بين الجار وجاره، بين الأخ وأخيه، إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة.
* قوله: (مِمَّا يَذْكرُهُ الفُقَهَاءُ فِي أَوَاخِرِ كتُبِهِمُ الَّتِي يُعَرِّفُونَهَا بِالجَوَامِعِ).
الجوامع: جمع جامع، يعني ما تذكر في الجامع؛ حيث يذكرون في الجوامع الآداب والأخلاق، وما يتعلق بالآداب التي تكون بين المؤمنين، كما نجد أن رسول اللّه ﷺ عندما أرسل معاذًا إلى اليمن قال له: "اتق اللّه، وخالق الناس بخلق حسن" (١).
وجاء في الحديث الآخر: "اتق اللّه حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" (٢).
وتعلمون ما للخلق الحسن من المنزلة الرفيعة؛ ولذلك جاء في الحديث: "أقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، الموطؤون أكنافًا" (٣).
والرسول ﷺ يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (٤). وفي رواية: "صالح الأخلاق" (٥). وفي رواية: "محاسن الأخلاق" (٦).
* قوله: (وَنَحْنُ قَدَ رَأَيْنَا أَنْ نَذْكُرَ أَيْضًا مِنْ هَذَا الجِنْسِ المَشْهُورَ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا مَا يَنْبَغِي قَبْلَ هَذَا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ السُّنَنَ المَشْرُوعَةَ العَمَلِيَّةَ المَقْصُودُ مِنْهَا هُوَ الفَضَائِلُ النَّفْسَانِيَّةُ).
стр. 10136
وهذه الفضائل النفسانية هي المتعلقة بنفس المؤمن، متعلقة بعقله وفكره؛ لأن البدن وحده غير كاف، فإنك عندما تصلي سنة من السنن لا بد أن تنوي بها شيئًا، وهذا الذي تنوي به هو أنك تريد الثواب والأجر عليها، وطلب الثواب إنما هو من الله ، يقول تعالى في الحديث القدسي: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" (١).
فكل هذه السنن إنما هي قربات وطاعات للّه ، واللّه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
* قوله: (فَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى تَعْظِيمِ مَنْ يجِبُ تَعْظِيمُهُ).
من الذي يجب تعظيمه؟
هو اللّه ، فهو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المميت، وهو الذي يستحق أن يحمد، وهو الذي يستحق أن يشكر، وهو الذي يستحق أن يعبد، وهو المتصف بالصفات العليا، والأسماء الحسنى، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾.
* قوله: (وَشُكْرِ مَنْ يَجِبُ شُكْرُهُ، وَفِي هَذَا الجِنْسِ تَدْخُلُ العِبَادَاتُ).
لأنْ اللّه تعالى يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
فكلما شكر العبد اللّه تعالى على نعمة ينعم بها عليه، فإن اللّه
стр. 10137
يعظم له الأجر، ويضاعف له الثواب في شكره لتلك النعم، ومن ذلك أن تتوالى عليه هذه النعم بسبب ذلك الشكر.
* قوله: (وَهَذ هِيَ السُّنَنُ الكَرَامِيَّةُ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى الفَضِيلَةِ).
لما فيها من الكرامة التي كرم اللّه بها المؤمنين، وأنعم عليهم بها، وأعطاهم من الفضل الكبير، فهي سنن، ومع ذلك فإن اللّه يجزي عليها أعظم الجزاء.
* قوله: (الَّتِي تُسَمَّى عِفَّةً) (١).
من الفضائل ما يسمى العفة، وهي أعم مما يتبادر إلى أذهان الكثيرين، فيدخل فيها الترفع عما في أيدي الناس، وتشمل أن يكون الإنسان عفيفًا، لا يقترف ما يخل بشرفه أو قيمته.
* قوله: (وَهَذِهِ صِنْفَانِ: السُّنَنُ الوَارِدَةُ فِي المَطْعَمِ وَالمَشْرَبِ، وَالسُّنَنُ الوَارِدَةُ فِي المَنَاكِحِ).
المطعم والمشرب كما ثبت عن النَّبِيّ ﷺ لمّا شكا إليه رجل قال: "ادعو اللّه أن يجعلني مستجاب الدعوة". فقال النَّبِيّ ﷺ : "أطب مطعمك تستجاب دعوتك" (٢). واللّه تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، فإذا ما أكل الإنسان من حلال - والحلال بيّن والحرام بيّن - فإنه بذلك يسعد في هذه الحياة؛ لأنه يأكل اللقمة الطيبة، فيغذي منها بدنه، ويغذي بها أولاده، وكذلك فإن اللّه يبارك له في ذلك الحلال، ويكتب له الأجر، لأنه جمع ذلك المال الذي تغذى منه من حلال.
стр. 10138
قوله: (وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى طَلَبِ العَدْلِ وَالكَفِّ عَنِ الجَوْرِ).
وكذلك أيضًا المطعم والمشرب ينبغي أن يكون شربه فيما أباح الله له، فإن من شرب في آنية الذهب والفضة، فإنما يجرجر في بطنه نارًا يوم القيامة (١). فعليه أن يتجنب المنهيات، وأن يشرب فيما أذن له.
وكذلك الأمر بالنسبة للمطعم، إذا أكل أن يأكل بيمينه، وأن يأكل مما يليه، وقبل كل ذلك يسمي الله، لأن رسول الله ﷺ لما رأى يد ذاك الغلام تطيش في الإناء في الصحفة قال له: "يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك" (٢).
وكذلك أيضًا إذا شرب الإنسان لا يتنفس في الإناء، فإن رسول الله ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء (٣)، وكذلك لا يشرب في آنية ذهب ولا فضة، فإنها لأولئك الأقوام في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة (٤).
وكذلك لا يلبس ما نهى عن لبسه رسول الله ﷺ من ثياب الحرير، إلا ما جاء الاستثناء منه بالنسبة للحرب، وكذلك إذا كان في الإنسان حكة كما جاء في قصة الزبير (٥).
стр. 10139
قوله: (وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى طَلَبِ العَدْلِ وَالكَفِّ عَنِ الجَوْرِ).
العدل مطلوب، وقد أمر الله تعالى به في كتابه العزيز، وأمر به رسول الله ﷺ ، والعدل عدلان: العدل قد يكون بين الزوجين، وذلك بأن يعدل الرجل بين نسائه، فإن من كانت له زوجتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل.
وكذلك يعدل بين أولاده، كما قال الرسول ﷺ : "اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم"، في قصة الذي جاء ليشهد النبي ﷺ على عطية أعطاها أحد أولاده، فقال الرسول ﷺ : "لا أشهد على جور" (١). وقد سبق بيان الخلاف في هذه المسألة.
وفيما يتعلق بالعدل بين النساء، كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه، وكان يقول ﷺ : "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك" (٢).
فإن الإنسان يقسم فيما هو ظاهر، لكن ميل القلب لا يستطيع أن يتصرف فيه، فتجد أن القلب يميل إلى هذا، وينصرف عن ذاك، ويتعلق بهذا أكثر من تعلقه بذلك، فهذه أمور إنما هي بيد الله .
وهناك أمور أشد خطرًا مما سبق ذكره يجب فيها العدل، كالحال فيما يتعلق بالقصاص في الحدود، فإن الله أمر بالقصاص، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
وقد سبق تناول الحدود الخمسة، ومنها حد الزنا، وبيَّنَّا عقوبته،
стр. 10140
وأن الله قال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾، ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ﴾.
وكذلك حد السرقة، وأن رسول الله ﷺ قال: "وأيم الله … " (١)، وفي رواية: "واللّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (٢).
وكذلك ما يتعلق بحد الحرابة، وحد شرب الخمر، وحد القذف. وهذه الحدود كلها جاء ذكرها في كتاب الله مقدرة إلا حد الشرب، فإنه جاء في سنة رسول الله ﷺ ، هذه الحدود ينبغي أن يعدل فيها، كي لا يكون فيها جور، فلا يتعدى في الحد، والحدود تطبق والقصاص كذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩].
ويقول رسول الله ﷺ فيما يتعلق بإقامة الحدود: "لحد يقام في الأرض، خير من أن يمطر الناس أربعين صباحًا" (٣).
قوله: (فَهَذه هِيَ أَجْنَاسُ السُّنَنِ الَّتِي تَقْتَضِي العَدْلَ فِي الأَمْوَالِ، وَالَّتِي تَقْتَضِي العَدْلَ فِي الأَبْدَان. وَفي هَذَا الجِنْسِ يَدْخُلُ القِصَاصُ وَالحُرُوبُ وَالعُقُوبَاتُ).
العدل في الإعطاء: أن يعدل بين أبنائه، وكذلك هناك عدل متعلق بالأبدان كما يكون بين الزوجات وغير ذلك، وكذلك يعدل فيما يتعلق بالعبيد والمماليك، ويعدل في معاملته للعاملين عنده، فهذه كلها أمور يكون العدل مطلوبًا فيها، واللّه تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠].
حتى لو كان الذي تعدل معه عدوًّا لك، فعليك أن تعطيه حقه؛
стр. 10141
لأن الله يقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
قوله: (لِأَنَّ هَذ كلَّهَا إِنَّمَا يُطْلَبُ بِهَا العَدْلُ، وَمِنْهَا السُّنَنُ الوَارِدَةُ فِي الأَعْرَاضِ).
وكذلك السنن الواردة في المحافظة على الأعراض، فالإنسان ينبغي أن يحافظ على عرضه، وأن يحميه، ولذلك نجد أن رسول الله ﷺ أوصى المسلمين بقوله: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (١).
فعلى الإنسان أن يصون عرضه (٢)، وأن يحميه، وأن يحافظ عليه، وألا يتعدى أيضًا على أعراض الآخرين.
قوله: (وَمِنْهَا السُّنَنُ الوَارِدَةُ فِي جَمِيعِ الأَمْوَالِ وَتَقْوِيمِهَا).
المقصود ب (تقويمها): معرفة قيم الأموال.
وينبغي للمسلم ألا يجمع ماله إلا من حلال؛ فإن الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه.
فعلى المسلم أن يتجنب الحرام؛ من الربا، وكذلك أخذ أموال الناس بالباطل، والتعدي عليهم، ويجب عليه أن يحافظ على حقوق الآخرين، وألا يتعدى على أموال اليتامى، وألا يغصب حقًّا لغيره، وألا يقتطع شبرًا من الأرض حتى لا يطوقه من سبع أرضين يوم القيامة (٣)،
стр. 10142
والحديث في هذا مما يطول، والإشارة تكفي لبيان ما وراءها من أمور كثيرة جدًّا.
قوله: (وَهِيَ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا طَلَبُ الفَضِيلَةِ الَّتِي تُسَمَّى السَّخَاءَ، وَتَجَنُّبُ الرَّذِيلَةِ الَّتِي تُسَمَّى البُخْلَ).
السخاء: هو ما يعرف بالكرم، وفي مقابله البخل الذي هو الإمساك؛ والسخاء ممدوح، والبخل مذموم، والسخي ممدوح، والبخيل مذموم، ولذلك نجد أن أكثر الناس جودًا هو رسول الله ﷺ ، فما طُلب منه شيء فقال للسائل: لا (١)، وكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان ﷺ أشد جودًا من الريح (٢).
هذا هو قدوة المؤمنين، فإن الرسول ﷺ كان جوادًا، ولذلك جاء في الحديث المتفق عليه أن الرسول ﷺ قال: "لا حسد (٣) إلا في اثنتين، رجل آتاه الله تعالى مالًا فسلطه على هلكته بالحق، ورجل آتاه الله الحكمة قهو يقضي بها ويعلمها الناس" (٤)، وفي رواية: "العلم" (٥). والمراد ب (الحكمة) هنا: العلم.
стр. 10143
قال الرسول ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين". والمقصود ب (الحسد) هنا: الغبطة؛ أي أن الإنسان لا يغبط أحدًا إلا في واحد من أمرين. وفي بعض الروايات جاء ما يتعلق بذكر (القرآن) بدل (المال)، وذلك مما يغبط عليه المرء أيضًا.
لكن هنا قال الرسول ﷺ : "رجل آتاه الله مالًا، فسلطه على هلكته في الحق " يعني أنه يصرف هذا المال في القربات، في طاعة الله ، فتجد أن يمينه تنفق أمواله لا تدري شماله شيئًا مما تنفق يمينه، فيكون من السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وقد ذكر منهم النبي ﷺ صنفًا فقال: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (١). واللّه تعالى حض على الصدقات ورغّب فيها في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقرة: ٢٥٤]. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
والرسول ﷺ يقول: "من تصدق بعدل تمرة … "، يعني ب "عدل التمرة" بقيمة التمرة، هذه التمرة قد يراها أحدنا مطروحة في الأرض، "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب" يعني من كسب حلال، ولا يقبل الله تعالى إلا ما كان طيبًا من كسب حلال، "واللّه لا يقبل إلا طيبًا،
стр. 10144
فإن الله يربيها كما يربي أحدكم فلوه" (١)، يعني مهره الفرس الصغير، "حتى تكون كالجبل" (٢).
تمرة واحدة إذا تصدق بها الإنسان وقصد بها وجه الله سبحانه تعالى والدار الآخرة، فإن الله يتقبلها، إذا كانت من كسب طيب، وكذلك فإن الله يربى تلك التمرة كما يربي أحدنا مهره الصغير، حتى تكون كالجبل، فيعظم أجرها ويزداد ثوابها، فيجد المتصدق ذلك مدخرًا له في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من آتى الله بقلب سليم، فما أعظم الصدقات! فإنها مما يرفع الله تعالى بها حسنات المرء، ومما يكفر بها السيئات، ولذلك جاء في أحاديث كثيرة الحض على الصدقة والترغيب فيها.
قوله: (وَالزَّكَاةُ تَدْخُلُ فِي هَذَا البَابِ مِنْ وَجْهٍ).
الزكاة -كما هو معلوم- واجبة، وهي بلا شك مما أمر به الله تعالى كما في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
فهي قربة للّه تعالى، وتذكية للنفوس، وهي أيضًا تجعل الأموال في نماء؛ لأنها طهرة للأموال وسبب في نمائها وزيادتها، وهي أيضًا تطهير للنفوس من الشح والبخل، والبخل يتساهل فيه كثير من الناس، ويظنون أن إمساك الأموال إنما سيكون نافعًا لهم، ولكن في الحقيقة الإنفاق هو الذي ستجده يوم القيامة، ستجده مدونًا لك في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
ولذلك لما سأل رسول الله ﷺ أصحابه: "أيكم مال وارثه أحب إليه ماله؟ ". قالوا: ليس منا من مال وارثه أحب إليه من ماله (٣).
فبيّن الرسول ﷺ بأن ماله ما أنفقه في هذه الحياة، وأما ما يتركه بعد ذلك فهو مال الوارث.
стр. 10145
إذًا على الإنسان أن يغتنم الفرصة، وأن يقدم هذا المال، ولذلك جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم (١) وغيره (٢) أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، دفعهم إلى سفك دمائهم، واستحلال محارمهم".
الشاهد هنا: "واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، دفعهم إلى سفك دمائهم". يعني على قتل بعضهم بعضًا، فهذه نتيجة الشح، نتيجة البخل، نتيجة إمساك المال، قد يدفع هذا الشح النفوس الضعيفة ويؤزها أزًّا حتى يصل بها الأمر إلى القتل، فيقتل بعضهم بعضًا.
ولذلك حذر الرسول ﷺ من البخل، وجعله قرينًا للظلم، والله تعالى قد حرم الظلم على نفسه وجعله بيننا محرمًا، فقال في الحديث القدسي: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا" (٣).
ولما بعث رسول الله ﷺ معاذًا إلى اليمن أخبره أنه سياتي قومًا أهل كتاب، وقال له: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله". وقال بعد ذلك: "واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" (٤)، حتى لو كان المظلوم غير مسلم، فلا يجوز ظلمه.
стр. 10146
قوله: (وَتَدْخُلُ أَيْضًا فِي بَابِ الِاشْتِرَاكِ فِي الأَمْوَالِ، وَكَذَلِكَ الأَمْرُ فِي الصَّدَقَاتِ).
الزكاة ركن من أركان الإسلام هي الركن الثالث بعد الشهادتين والصلاة، والزكاة هي التي قاتل أبو بكر ﵁ مانعيها، وتوقف بعض الصحابة موقفًا مختلفًا لا يرى قتالهم، ثم نزلوا على رأي أبي بكر ﵁ وقال ﵁ قولته المشهورة: واللّه، لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. وقال ﵁: واللّه لو منعوني عناقًا (١) كان يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه (٢). وهذه الزكاة هي التي تكشف ما بداخل الإنسان من صفة الجود أو البخل، هي ركن من أركان الإسلام ولكن النفوس الشحيحة البخيلة قد تمسك ذلك المال ولا تخرجه فتكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤].
الزكاة إذًا واجبة وأداؤها واجب، لكن إذا أخرجها الإنسان بنفس طيبة وقلب مطمئن، كان إخراجه لها إنما هو التزام بأن هذا هو أمر الله تعالى فيجتمع فيه الالتزام بالأمر مع المحبة له، ولا شك أن هذا يدل على سلامة القلب. قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠].
وقوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن
стр. 10147
محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة" (١).
إذا علم أن هذا هو حكم الله، وهو حكم رسوله ﷺ ، والتزم به، وكان وهو يخرج الزكاة يدرك بأن هذا توجيه سماوي، وأنه أمر من رسول الله ﷺ ، وأنه نزول على حكم هذه الشريعة، وأنه يؤدي واجبًا قد فرضه الله تعالى عليه، وكانت نفسه تطيب بإخراجه المال، فإن ذلك يكون سببًا في نماء المال وزيادته، وطهره ونقائه، ولذلك قال الرسول ﷺ : "ما نقص مال من صدقة" (٢)، وهذا مما أقسم عليه رسول الله ﷺ ؛ فالمال لا تأكله الصدقات، ولا تأكله الزكوات، بل إن الله تعالى يبارك للذين يتصدقون، ويبارك للذين يخرجون زكاة أموالهم، كذلك فإن الله يضاعف له الأجر على ذلك.
قوله: (وَمِنْهَا سُنَن وَارِدَة فِي الِاجْتِمَاعِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي حَيَاةِ الإِنْسَافي وَحَفِظِ فَضَائِلِهِ العَمَلِيَّةِ وَالعِلْمِيَّةِ، وَهِيَ المُعَبَّرُ عَنْهَا بِالرِّيَاسَةِ، وَلذَلِكَ لَزِمَ أَيْضًا أَنْ تكونَ سُنَنَ الأَئِمَّةِ وَالقُوَّامِ بِالدِّينِ).
لا شك أن الرئاسة أمر متعين، وهو يشير بذلك إلى الحكم، واللّه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
ورسول الله ﷺ كان يشدد في ذلك الأمر، ويقول: "من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني" (٣).
стр. 10148
والرسول ﷺ يقول: "اسمعوا وأطيعوا، ولو تأمَّر عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة" (١).
فمهما كان الذي أُمِّرَ عليك، فعليك أن تطيعه؛ لأن هذا هو أمر الله ، ولذلك من الالتزام بهذه الشريعة أن يكون المؤمن ملتزمًا بذلك، وقد سبق بيان أن الصحابة ﵃ بايعوا رسول الله ﷺ على المنشط والمكره (٢)، كما سبق بيان أن الإنسان إذا بايع حاكمًا، فعليه أن يطيعه في المعروف، كما جاء في حديث رسول الله ﷺ بأنه إذا أعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فعليه أن يطيعه، فإن جاء آخر ينازعه ذلك، فاضربوا عنق الآخر" (٣).
ورسول الله ﷺ بيّن أن من خرج عن ذلك فمات فميتته جاهلية، فدلت الأحاديث على طاعة ولاة أمر الأمة ما لم يأمروا بمعصية الله ؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذه الطاعة واجبة، وإذا ساد
стр. 10149
الجهال فتسنموا الذرى أفتوا بما لا يصلح أمرًا، فمن المعلوم أنه لا يصلح أمر الناس دون حاكم يسودهم ويقوم بشؤونهم، ويحافظ على أمرهم، ويرعى حقوقهم، ويقوم بتطبيق الحدود وتنفيذ القصاص، ويقوم برد الحقوق إلى أصحابها، فذلك أمر متعين واجب، وقد رأينا رسول الله ﷺ كان إمام المؤمنين، وكان قاضيهم، وكان يقوم على توجيههم، وهو الذي يفتي الناس فيما يستفتون فيه، وهو الذي يقضي بينهم في الخصومات، وهو الذي يصدر الأحكام، وهو الذي يأمر وينهى، وهكذا كان خلفاء رسول الله ﷺ بعده، وما زال على ذلك المؤمنون جيلًا بعد جيل ودهرًا بعد دهر.
قوله: (وَمِنَ السُّنَّةِ المُهِمَّةِ فِي حِينِ الِاجْتِمَاعِ السُّنَنُ الوَارِدَةُ فِي المَحَبَّةِ وَالبِغْضَةِ).
المحبة من أهم الأمور التي ينبغي أن تكون بين المسلمين، ولكن ينبغي أن تكون المحبة خالصة للّه ؛ يقول الرسول ﷺ : "من أحب في الله، وأبغض في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك" (١).
إن المحبة هي المحبة في الله، وليس المحبة المقصودة المحبة القائمة على أغراض من الدنيا، فلا تحب أحدًا لجاهه، ولا ليرفعك في هذه الحياة الدنيا، إن صنع لك معروفًا فكافئه، وإن لم تكافئه فادع له حتى تعلم أنك قد كافأته، ولكن ينبغي أن تقوم المحبة على أساس من إرادة وجه الله تعالى. قال سبحانه: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف: ٦٧].
стр. 10150
فهؤلاء المتقون هم الذين تدوم المحبة بينهم، فإنك تجد شابين نشأا منذ الطفولة تقوم بينهما علاقة من المحبة والود، يشبان على ذلك، ويظلان كذلك حتى تمر وتنتهي بهما الحياة، وترى أن تلك المحبة تتقوى صلتها، وتعظم أواصرها، وتجد أن كل واحد منهما يحس بألم الآخر، ربما أكثر من نفسه، فتجد أحدهما يفرح بفرح أخيه، ويحزن لحزنه، ويشعر بألمه، فهذه المحبة في الله، ولذلك يقول رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" (١).
فلا ينبغي أن تكون محبة فوق محبة الله ، لأنه هو الذي خلقنا، وهو الذي رزقنا، وهو الذي أوجدنا من العدم، وهو الذي تفضل علينا فأخرجنا من بطون أمهاتنا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [النحل: ٧٨].
فهو الذي رزقنا العقل والفؤاد والفكر والبصر والسمع والأرجل التي نمشي عليها، والأيدي التي نبطش بها، وهو الذي أسدى إلينا النعم ظاهرة وباطنة، وحفظنا بحفظه المتين، فينبغي لنا أن نشكره ، ولا ينبغي أن تكون محبة مساوية لمحبة الله.
ومحبة رسول الله ﷺ ينبغي أن تكون فوق كل محبة من البشر، والرسول ﷺ يقول: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده ووالده والناس أجمعين" (٢). ولما قال عمر ﵁ لرسول الله ﷺ : "واللّه يا رسول الله، إنك لأحب الناس إلي إلا من نفسي". قال: "لا، يا عمر". قال: "واللّه، إنك الآن لأحب الناس إليَّ حتى من نفسي". فقال
стр. 10151
رسول الله ﷺ : "الآن يا عمر" (١). إذًا محبة رسول الله ﷺ ينبغي أن نقدمها على محبة آبائنا وأبنائنا وإخواننا وأمهاتنا وأعمامنا، بل وأنفسنا؛ لأن رسول الله ﷺ هو الذي أنقذنا الله تعالى به من الضلالة إلى الهدى، ومن الجهل إلى العلم، ومن الشك إلى اليقين، فهذا النبي الكريم ﷺ هو الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور. قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
ورسول الله ﷺ ينبغي أن ينزل المنزلة لا يقابلها بين البشر منزلة، لكن ينبغي ألا نتجاوز به الحد أيضًا مع هذه المحبة العظيمة التي لا تساويها محبة أحد من الناس، فلا ينبغي أن نرفعه عن مقام العبودية الذي أنزله الله إياه؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" (٢).
فأشرف ما ينادى به رسول الله ﷺ هو عبد الله؛ لأن الله تعالى عندما ذكر النبي ﷺ في سياق الثناء قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١].
إذًا محبة رسول الله ﷺ متعينة، لكن ما علاماتها؟
يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] إذًا محبة رسول الله ﷺ ليست بالتمني، ولا بمجرد الدعوى، محبة رسول الله ﷺ تكون باتباع هديه ﷺ ، فمن يعمل بما جاء به رسول الله ﷺ وبما دعا إليه، يكون من الذين أحبوا رسول الله ﷺ غاية المحبة.
أما الذين يدّعون تلك المحبة، ويخرجون عن شريعة الله ،
стр. 10152
فيتباهون بالمعاصي، ويرتكبون الموبقات، ويجاهرون بالسيئات، ويؤذون المؤمنين والمؤمنات، فأولئك لم يحبوا رسول الله حق المحبة.
إذًا الذين يحبون رسول الله ﷺ هم الذين يتبعون منهجه، ويقتدون بسنته، ويتتبعون آثاره ﷺ ، فيعملون بها، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلون ذلك، كانوا يتلقون من مشكاة رسول الله ﷺ العلم، ويتلقون الأحكام، فيطبقون ذلك بأعمال موافقة لأقوالهم، فهذا هو اتباع رسول الله ﷺ .
قوله: (وَالتَّعَاوُن عَلَى إِقَامَةِ هَذه السُّنَنِ).
فينبغي لك إن أحببت أحدًا أن تحبه للّه، وإذا أبغضت أحدًا أن تبغضه لله، لا يكون البغض بسبب أن من أبغضته خالفك في هواك، ولا يكون الحب، لأن من أحببته حقق لك مأربًا من مآرب الدنيا، أو أنه أعانك ظلمًا على شخص اختلفت معه فوقف معك، فربما يكون وقوفه معك في الباطل ليس من قبيل هذه المحبة.
قوله: (وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ وَالأمْرَ بِالمَعْرُوفِ، وَهِيَ المَحَبَّةُ وَالبِغْضَةُ - أَي: الدِّينِيَّةُ).
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي يكشف المحبة، وهو التي يبيّن البغض؛ فالنهي عن المنكر يتبين فيه المحبة، والكراهة والبغض آية البيان؛ لأنه في هذا المقام إن كان الإنسان لا يفرق بين قريب وبعيد في أمره بالمعروف وفي النهي عن المنكر يكون فعلًا يحبه حقًّا؛ لأنه سيكون حبه في الله وبغضه في الله، أما إذا كان يتغاضى عن القريب، ويشدد على البعيد، يميز بينهم في المعاملة في الدعوة إذا رأى خطأ من قريبه غض طرفه، وإذا رأى خطأً أو تقصيرًا من البعيد أطال لسانه، وربما تجاوز ذلك، فليست هذه هي المحبة المطلوبة.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما خص الله تعالى به هذه الأمة
стр. 10153
أمة محمد ﷺ فقال : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وفي قصة خيبر عندما قال رسول الله ﷺ : "لأعطين الراية رجلًا يحبه الله ورسوله، ويحب الله والرسول" (١)، فاشرأبت الأعناق، وثارت الأسئلة في الأذهان، من الذي سيظفر بذلك، فسأل رسول الله ﷺ عن علي بن أبي طالب: فقيل: "أصاب عينه الرمد"، فجاء به فبصق على عينه، فشفي بإذن الله.
فالرسول ﷺ أعطاه الراية، وقال له: "فواللّه لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" (٢). وهي الإبل العظيمة التي كان يضرب بها المثل في ذلك الوقت، فلم تكن عندهم الطائرات، ولا السيارات، ولا البوارج، ولا غير ذلك، ولكن كان أنفس وأعظم أموالهم هي الإبل، ولذلك جاء ضرب المثل فيها، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم.
ويقول الرسول ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده … " وهذا لولاة الأمر "فإن لم يستطع فبلسانه … ". ويقف هنا إذا أراد أن يغير المنكر بلسانه، فينظر: هل سيترتب على إنكاره باللسان مصلحة أو ضرر؟
стр. 10154
فإن كان سيترتب عليه مصلحة، فليبادر إلى ذلك، ليعمل به استجابة لأمر رسول الله ﷺ وتوجيهه، وإن كان سيترتب عليه ضرر، فعليه أن يبتعد عنه؛ فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإذا علمت أن إنكارك المنكر بلسانك سيثير فتنة، ويوقع خلافًا بين المؤمنين، فعليك أن تجتنبه حتى تجد الفرصة.
" … فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (١)؛ لأن إنكار المؤمن بالقلب هو من الإيمان، لكنه أضعف الدرجات، لكن أن يغير باليد فهذا يقوم به ولي الأمر، كما تقوم به هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وينبغي مراعاة الحكمة في الأمر والنهي، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. إذًا بالحكمة، ولكن قال في الآية الأُخرى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
وقال: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
إذًا هناك منهج للدعوة، منهج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن مميزات هذه الأمة وخصائصها التي خصها الله بها أنها خير أمة بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، فإذا وفق الآمر إلى القيام بهذه المهمة، فعليه أن يكون من أهلها حقًّا، وأن يكون حكيمًا في أداء هذا الواجب، وألا يفرق بين الناس في الأمر والنهي، فلا يكون -مثلًا- الآمر
стр. 10155
في السوق وهو متجه منه إلى المسجد، فيرى مجموعة من الغلمان يتركون الصلاة فيشدد عليهم، ثم يمر في اليوم الثاني فيرى ابنه معهم فيغض الطرف ويلتفت، وكأنه لا يراه، بل ينبغي أن يبدأ بنفسه وأهله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦].
وبقول جل شأنه: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤].
وكل سيُسأل عن بنيه، وعن أهل بيته، والرسول ﷺ يقول: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته" (١).
قوله: (الَّتِي تَكُونُ إِمَّا مِنْ قِبَلِ الإِخْلَالِ بِهَذه السُّنَنِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ سُوءِ المُعْتَقَدِ فِي الشَّرِيعَةِ).
لا شك أن أخطر الأمور سوء المعتقد، أن يكون الإنسان منحرفًا عن طريق العقيدة المستقيمة؛ فالأمور الأُخرى تعالج، لكن إذا كان انحراف الإنسان في عقيدته، فهو أمر خطير؛ لأن هذه العلوم التي ندرسها كلها متصل بعضها بعضًا، لكن لها أصلًا، وأصل هذه الشريعة هو العقيدة التي استمدت من كتاب الله ، ومن سنة رسوله ﷺ .
يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧].
وجاء في آية أُخرى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
فهذه أركان الإيمان الستة، هذه هي العقيدة التي أشار إليها جبريل