هذه المسألة الأُولى صورتها أن هناك خصمين، أحدهما، حاضر: والآخر غائب، فقام الشخص الحاضر وادعى على الآخر الغائب دعوى، ورفع أمره إلى القضاء، فهل يقضي القاضي بذلك أو لا؟
أكثر العلماء قال: "يقضي".
* قوله: (فَأَمَّا القَضَاءُ عَلَى الغَائِبِ فَإِنَّ مَالِكًا (١)، وَالشَّافِعِيَّ) (٢).
مالك والشافعي وأحمد (٣).
* قوله: (قَالَا: يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ البَعِيدِ الغَيْبَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): لَا يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ أَصْلًا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ المَاجِشُونِ (٥)، وَقَدْ قِيلَ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَقْضِي فِي الرَّبَاعِ المُسْتَحَقَّةِ) (٦).
стр. 10082
ما الرباع (١)؟
هي الدور، كما جاء في حديثٍ لما قيل لرسول الله: "أتسكن في دارك؟ " قال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ " (٢)؛ لأنه لا يرث المسلم الكافر، فلما مات أبو طالب، لم يرثه الرسول ﷺ ، ولكن ورثه عقيل؛ لأن عقيلًا كان على دينه، فلم يرث رسول الله ﷺ من أبي طالب. فالمراد بالرباع الدور.
* قوله: (قَالَا: يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ).
هل يجوز القضاء على الغائب؟
لا خلاف بين العلماء في القضاء على الحاضر؛ لأن القضاء إنما يقوم على ركنين؛ مدعٍ ومدعى عليه، فإن حضر كل منهما مجلس القضاء ترتب على ذلك الحكم، فإن المدعي يطالب بالبينة، ثم إذا لم تكن له بينة، ينتقل الأمر إلى المدعى عليه، وذلك كله إذا لم يقر المدعى عليه بالحكم، فإذا أقر المدعى عليه بما ادعي عليه به، انتهى الأمر، ولكن إذا أنكر ذلك، فإن المدعي يطالب بالبينة، فإذا لم تكن له بينة انتقل الحكم إلى المدعى عليه، فإنه يطلب منه اليمين؛ لأن الرسول ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه (٣).
стр. 10083
وفي رواية في غير الصحيحين: "اليمين على من أنكر" (١). يعني من رفض الدعوى وهو المدعى عليه، فلم يقر بما ادعي عليه.
لأنه لا يلزم دائمًا أن يكون المدعي على حق، فهناك من يدعي الباطل، وهناك من يدعي الحق، ولكن من يدعي أمرًا من الأمور، سواء كان متعلقًا بالأموال أو الدماء أو غيرها، فعليه أن يأتي بالبينة.
أما فيما يتعلق بالغائب، فهناك مدعٍ حاضر وغائب مدعى عليه .. فهل يصدر الحكم على الغائب أو لا؟
هذه مسألة اختلف فيها العلماء، فمن العلماء - وهم الجمهور، الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد .. وسيذكرهم المؤلف - من قال: "يقضي على الغائب "، ومعنى ذلك أنه حين يدعي إنسان على غائب دعوى، فإذا ما استكملت الشروط والبينات، فهل للقاضي أن يقضي على الغائب أو ليس له ذلك؟
ذكرنا أن جمهور العلماء قالوا: "نعم ". وأبو حنيفة قال: "لا يقضى على غائب ". ولكل من الطرفين حجة أو أدلة يتمسك بها.
* قوله: (قَالا: يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ البَعِيدِ الغَيْبَةِ).
(قالا) يعني مالكًا والشافعي، وذكرنا أنه قول لأحمد أيضًا.
(البعيد الغيبة) أما القريب الغيبة، فإنه يُدْعَى، ولكن هناك من يختفي، وهذا له حكم، ولم يتعرض له المؤلف، يعني قد يكون الإنسان قريبًا فيتوارى عن الأنظار حتى لا يحكم عليه، فمثل هذا يحكم عليه، وإن كان قريبًا، فكم من الناس يختفي إذا علم أن الحق عليه وليس له، تراه يتوارى عن الأعين ويختفي، فمثل هذا أيضًا تقام عليه الدعوى، وللقاضي أن يحكم عليه.
стр. 10084
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقْضِي عَلَى الغَائِبِ أَصْلًا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ المَاجِشُونِ).
وأيضًا قال به ابن أبي ليلى (١)، والقاضي شريح (٢)، وهي رواية أُخرى للإمام أحمد (٣).
* قوله: (وَقَدْ قِيلَ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَقْضِي فِي الرَّبَاعِ المُسْتَحَقَّةِ) (٤).
قلنا: الرباع هي الدور، وذلك لما قيل إلى رسول الله ﷺ بعد فتح مكة: "أتنزل في دارك؟ " قال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع ". والرباع المراد بها الدور.
* قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى القَضَاءَ حَدِيثُ هِنْدٍ المُتَقَدِّمُ).
حجة جمهور العلماء الذين قالوا: "يقضى على الغائب" دليلان:
الدليل الأول: ما أشار إليه المؤلف، وهو حديث هند بنت عتبة في قصتها مع زوجها أبي سفيان، وهو حديث متفق عليه.
стр. 10085
والدليل الآخر: هو دليل عقلي لم يعرض له المؤلف.
أما حديث هند، فإنها شكت إلى رسول الله ﷺ زوجها أبا سفيان، فقالت: "يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي ". يعني من النفقة.
فقال لها ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (١).
الشاهد أن أبا سفيان لم يكن حاضرًا، وقد حكم عليه الرسول ﷺ ، بأن أذن لزوجته هند أن تأخذ ما يكفيها وولدها، وقيد ذلك بالمعروف، يعني من النفقة.
فقالوا: هذا دليل على أنه يقضى على الغائب، إذ لو لم يكن جائزًا لما قضى عليه رسول الله ﷺ ، وقد سبق الحديث قبل عن هذه المسألة، وقلنا بأن من العلماء من قال بأن هذه فتوى من الرسول ﷺ ، وليست قضاء.
* قوله: (وَلَا حُجَّةَ فِيهِ).
وأما المعقول الذي لم يعرض له المؤلف من حجة الجمهور، فإنهم قالوا: لو كان الخصم موجودًا لقضي عليه لقيام البينة، فكذلك إذا لم يكن موجودًا، وكانت البينة قائمة، فإنه يقضى عليه غائبًا، كما لو كان حاضرًا.
* قوله: (لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَائِبًا عَنِ المِصْرِ، وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَرَ القَضَاءَ قَوْلُهُ ﵊: "فَإِنَّمَا أَقْضِي لَهُ بِحَسَبِ مَا أَسْمَعُ" (٢)).
قوله: "لم يكن غائبًا عن المصر" هذا ليس مسلَّمًا لاحتمال أن يكون
стр. 10086
غائبًا، فإن الحديث لم يحدد إن كان غائبًا عن المجلس أو غائبًا عن المصر، والرسول ﷺ لم يطلبه، فيحتمل أنه كان موجودًا في البلد، ويحتمل أنه كان غير موجود.
* قوله: (وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْر عَنْ عَلِيٍّ).
حجة الفريق الآخر وهو أبو حنيفة ومن معه الحديث الذي مر أن الرسول ﷺ قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من نار، فليأخذها أو فليدعها" (١). والشاهد قوله: "أسمع ".
ولكن الحقيقية أن هؤلاء العلماء لم يستدلوا بهذا الحديث، ولكنهم استدلوا بالحديث الآتي الذي سيورده المؤلف.
* قوله: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ حِينَ أَرْسَلَهُ إِلَى اليَمَنِ: "لَا تَقْضِ لِأَحَدِ الخَصْمَيْنِ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ" (٢)).
هذا الحديث نسبه إلى أبي داود، وهو موجود في سنن أبي داود، ولكن بغير اللفظ الذي أورده المؤلف، وكان الأولى بالمؤلف رحمه الله تعالى أن ينقله مباشرة من سنن أبي داود، فلفظ هذا الحديث في سنن أبي داود، فيه فوائد جمة يستفاد منها في هذا الموضوع وفي غيره.
стр. 10087
ولكن الحديث رواه أيضًا الترمذي مختصرًا (١)، وابن ماجه في سننه (٢)، والإمام أحمد (٣)، والبيهقي (٤)، وغير هؤلاء (٥).
أما الحديث الذي في سنن أبي داود، فلفظه: "قال علي ﵁: في: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا".
وسيظهر الفرق بين ما في سنن أبي داود، وما أورده المؤلف من لفظ، وسيظهر كذلك ما في سنن أبي داود من الفوائد مما يزيد على الحديث الذي معنا.
اللفظ الذي أورده أبو داود، وهذا الحديث حديث صحيح: "قال علي ﵁: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيًا، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن" يعني صغير السن، وليس المراد أنه لم يبلغ، فقد كان ﵁ في سن الرشد، ولكنه بعد في نظره لم يمارس الحياة، ولم يتمرس بالقضاء.
فماذا قال له رسول الله ﷺ ؟
قال له: "إن الله يهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء" (٦).
لا شك أن هذا اللفظ فيه فوائد عظيمة، وكان من المناسب جدًّا أن يأتي به المؤلف؛ فإن رسول الله ﷺ اختار عليًّا فبعثه إلى اليمن قاضيًا، وأيضًا كان قد اختاره ﷺ ليكون قائدًا في فتح خيبر، لكن الشاهد هنا
стр. 10088
قال: "أرسلني رسول اللّه ﷺ إلى اليمن قاضيًا". فشكا إلى رسول اللّه ﷺ
أمرين:
الأمر الأول: بأنه كان حديث السن.
والأمر الآخر: بأنه لا علم له بالقضاء، أي: لم يجربه، ولم يمارس القضاء، لكن رسول اللّه ﷺ طمأنه بأمرٍ، كل مسلم يتمنى أن يكون له ذلك الأمر، قال ﷺ : "إن اللّه يهدي قلبك، ويثبت لسانك".
فما أعظم أن يهدى قلب المرء! وما أعظم أن يثبت لسانه! فإن اللّه يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].
ولا شك أن هداية القلب هي الإخلاص، فإذا ما هدي المرء إلى الحق، فذلكم الإخلاص والنور الذي يشع ضياؤه من القلب، فيأخذ بيد صاحبه إلى طريق الخير، فلا يفعل إِلَّا الخير، ولا يتكلم إِلَّا بالخير، فإذا ما أخلص الإنسان في عمله، وامتلأ قلبه بالإخلاص، فإن جميع أعماله ستكون على هدى من اللّه ، وعلى بينة منه، ولذلك يقول اللّه تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
ويقول تعالى عن نبيه: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤، ١٥].
فالرسول ﷺ قال لعلي ﵁: "إن اللّه يهدي قلبك". وهذا ليس
دعاء بأسلوب إنشائي، ولكنه إخبار يتضمن معنى الدعاء، أي: أنك إذا أقبلت على ذلك الأمر، وكنت متهيبًا فيه، وصادقًا في قضائك، واتجهت إلى اللّه ، فإن اللّه سيهدي قلبك، ويوفقك إلى الإخلاص، وذلك هو سر النجاح، وكذلك فإن اللّه يثبت لسانك. قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
стр. 10089
إذًا في هذا ثبات أيضًا للسانه، فإذا ما ثبت اللسان على الحق، فإنه لا يقول إِلَّا بحق، ولا ينطق إِلَّا بصدق، فإذا ما كان القاضي على هذا النهج، قد هدي قلبه، وثبت لسانه على الحق، فسيكون قضاؤه موافقًا للحق.
ولذلك قال الرسول ﷺ مفسرًا له ذلك: "فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول". إذًا تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، ولذلك أُثر عن علي ﵁ أنه قال: "لو جاءه الخصم يشكو ويده في عينه"، أي: قد قلعها، قال: "لا أقضي حتى يأتي الآخر، فربما قلع المدعي عيني الآخر".
إذًا أرشده الرسول ﷺ إلى طريقة القضاء، وقال له: "فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء". وكان أثر ذلك أن قال علي ﵁: "فما زلت قاضيًا، أي: ما زلت أقضي بين الناس".
ولا شك أن توجيه رسول اللّه ﷺ كان له أعظم الأثر في نفسه، وفي رواية أنه قال: "وما شككت في قضاء بعد". أي: أن نفسه اطمأنت إلى القضاء، فكان يصدر الحكم ونفسه مطمئنة له، وفؤاده مرتاح، وقلبه سعيد بما يصدر منه؛ لأنه كان يسير في ضوء الكتاب، وعلى منهج سنة رسول الله ﷺ .
هذا الحديث استدل به الحنفية ومن معهم بأنه لا يقضى على الغائب، لأن رسول الله ﷺ قال: "لا تقضين … ".
لكن الجمهور أجابوا عن هذا الحديث بأنه ليس المراد بذلك الغائب، وإنما المراد به الغائب عن المجلس، الحاضر في البلد، يعني ألا يحكم لأحد الشخصين والآخر موجود، ولكنه غير حاضر، فلا يقضي لهذا حتى يسمع من الآخر.
стр. 10090
* قوله: (وَأَمَّا الحُكْمُ عَلَى الذِّمِّيِّ (١) فَإِنَّ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ).
من الذمي؟
هو الذي يعطى العهد، والذمي له حقوق يجب أن يُلتزم بها، وأن يؤديها المؤمنون، ولذلك نجد أن رسول اللّه ﷺ يحذر من التعدي أو الاعتداء عليهم، فقال: "من قتل ذميًّا لم يرح رائحة الجنة، وإن رائحتها لتكون من كذا وكذا - أو - لتوجد من كذا وكذا" (٢).
والمؤلف اقتصر على الحكم بالنسبة لأهل الذمة، لكن الواقع أن الذمي إما أن يكون معه مسلم، أو أن يكون وحده، أي: أن تكون هناك خصومة بين ذمي ومسلم، وهذه لم يعرض لها المؤلف، والحالة الثانية أن يكون الخلاف بين الذميين. أما الأولى: فإن العلماء أجمعوا على أنه إذا كانت الخصومة بين مسلم وذمي، فإن الحاكم يحكم بينهما، أي: يقضي (٣)، وثبت أن عليًّا ﵁ القاضي شريح، حين فقد علي ﵁ عند يهودي، فذهب عند القاضي شريح ليقضي بينهما (٤).
فهذا عليٌّ خلفية المؤمنين في ذلك الوقت، ومع ذلك يجلس في
стр. 10091
مجلس القضاء. ولما خصه شريح بمكان خاص، ماذا قال علي ﵁؟
قال: "لو كان خصمي مسلمًا لما جلست هذا المجلس". يعنى: لجلست أنا وهو سيان، وهذا أيضًا ما أنكره عمر ﵁ عندما أراد زيد أن يجلسه في مجلسه، فقال له: "لا، سوِّ بين الخصمين".
إذًا جلس علي عند القاضي شريح، فقضى لليهودي؛ لأن عليًّا ﵁ كان يحتاج إلى بينة يثبت بها أن الدرع درعه.
الشاهد هنا: أنه إذا كانت الخصومة بين مسلم وذمي، فإنه يقضى بينهما، أي: قضاء الإسلام بلا خلاف. المسألة الأُخرى: أن يقع الخلاف بين الذمي والذمي، أي: تقع خصومة بين الذميين، فإذا ما رفعوا ذلك إلى القضاء الإسلامي، فهل يحكم بينهما؟ بمعنى: هل الحاكم مخير أو يجب عليه أن يحكم؟
الأقوال في ذلك ثلاثة أشار إليها المؤلف، وسنعلق عليها فيما يأتي إن شاء اللّه.
*قوله: (أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهُمْ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْهِ بِحُكْمِ المُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ) (١).
إذًاا لقول الأول: إذا ترافعوا طالبين الحكم من المسلمين، فإنه يقضى بينهم، هذا هو الأول، وبه قال أبو حنيفة.
* قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ) (٢).
стр. 10092
وبه قال مالك وأحمد (١)، أي: أنه مخير أن يقضي أو لا يقضي؛ لقوله ﵎: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
* قوله: (وَعَنِ الشَّافِعِيِّ القَوْلَان) (٢).
يعني روي عنه القولان، قول أبي حنيفة، وقول الإمامين مالك وأحمد.
* قوله: (وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ).
وإن لم يتحاكموا إليه، إذا علم الإمام بأمرهم، فإنه يجب عليه أن يقضي بينهم، هذا قول بعض الحنفية.
وحجة هذا القول الأخير أنه كما جاء في حديث البراء بن عازب، وهو حديث صحيح، قال: "مر رسول اللّه ﷺ بيهودي قد جلد، وحمم" (٣).
"حمم" يعني: طلي دهن وجهه بالسواد، أي: بالفحم، هكذا كان اليهود يفعلون، ولكنهم حرفوا ذلك عما كان في التوراة.
"مر رسول اللّه ﷺ بيهودي قد جلد وحمم"، أي: سوَّد وجهه
стр. 10093
بالفحم، فقال رسول اللّه ﷺ : "أهكذا حكم الزاني عندكم؟ "، قالوا: "نعم". فدعا رسول اللّه ﷺ رجلًا من علمائهم، فقال: "أسألك باللّه، أهكذا حكم الزاني عندكم؟ "
قال: "لا" (١).
وهذا سبق بيانه فيما يتعلق بتغليظ الأيمان، وأن أهل الكتاب أيضًا تغلظ لهم الأيمان، وأنه في بعض المواضع أو الأزمنة تجد أنهم يخشون ذلك فيستجيبون.
وسبق أن من أدلة ذلك حديث آخر لرسول اللّه ﷺ قال: "نشدتكم اللّه الذي أنزل التوراة على موسى، أتجدون ذلك حكم الزاني في التوراة؟ "، قالوا: "نعم". يعني الرجم.
وجاء في بعض الروايات أن اليهودي وضع يده على مكان الرجم، فقال له أحد الصحابة: "ارفع يدك". فكانت واضحة (٢). هذا الشاهد.
قالوا: فالرسول ﷺ سأل عن الأمر، ليحكم فيه، هكذا قالوا، فلو
стр. 10094
لم يكن ليحكم فيه لما سأل عنه، هذا دليل الذين يوجبون القضاء بينهم، وإن لم يترافعوا.
* قوله: (فَعُمْدَةُ مَنِ اشْتَرط مَجِيئَهُمْ لِلْحَاكِمِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]).
هذه في سورة المائدة، يقول اللّه تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ مهو، يعني: أهل الكتاب ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] المقسطون (١) هم العادلون، وهم الذين قال رسول اللّه ﷺ فيهم: "المقسطون على منابر من نور يوم القيامة" (٢).
والعدل مطلوب مع المسلم، ومع غيره، فاللّه يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
إذًا العدل مطلوب مع كل إنسان.
* قوله: (وَبِهَذَا تَمَسَّكَ مَنْ رَأَى الخِيَارَ. وَمَنْ أَوْجَبَهُ اعْتَمَدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]).
ويقول اللّه تعالى في آية أُخرى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩].
стр. 10095
لا شك بأن من يعدل عن الكتاب العزيز وعن سنة رسول اللّه ﷺ ، فيطلب الحكم في غيرهما، فإنه ينطبق عليه قول اللّه تعالى الآتي: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
ويقول اللّه تعالى السورة نفسها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وفي سورة أُخرى يقول: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].
* قوله: (وَرَأَى أَنَّ هَذَا نَاسِخٌ لِآيَةِ التَّخْيِيرِ) (١).
يعني: منهم من يرى أن الآية الدالة على الوجوب ناسخة لآية التخيير، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ فيقولون: وقع النسخ بين آيتين من السورة نفسها.
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ رَأَى وُجُوبَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعُوا، فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ. إِذَا سَرَقَ قُطِعَتْ يَدُهُ (٢)).
стр. 10096
هذا دليل عقلي أو إجماعي، ولكن الدليل هو ما سبقت الإشارة إليه في حديث البراء في قصة الذي جلد وحمم، يعني سود وجهه، ومر به على رسول اللّه ﷺ .
وهذا يبين أهمية الشريعة الإسلامية ومكانتها، وأن هذه الشريعة الإسلامية أنزلها اللّه لتكون خاتمة الشرائع والمهيمنة عليها، وأن الذي أنزلها هو اللطيف الخبير، وأنه يعلم ما يصلح عباده، فهو سبحانه قد وضع هذه الشريعة لتبقى إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها، ولذلك نجد أن لفظ الشريعة في لغة العرب يطلق على الطريق الذي يوصلك إلى الماء .. وهذا الماء أليس فيه حياة الأبدان، حياة الإنسان، حياة الحيوان والنبات؟
الجواب: بلى.
كذلك هذه الشريعة الإسلامية أنزلها اللّه ؛ لتكون حياة للقلوب وطمأنينة، بها تستقيم أحوال الناس، فلا شك أن من أخذ بهذه الشريعة وفق إلى الخير، وأن من نزل عند حكمها هداه اللّه إلى طريق مستقيم.
قال المصنف - رَحِمَةُ اَلَلهُ -:
стр. 10097
(البَابُ الخَامِسُ فِي كيْفِيَّةِ القَضَاءِ)
* قوله: (وَأَمَّا كَيْفَ يَقْضِي القَاضِي، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ فِي المَجْلِسِ (١)).
هذه مسألة مهمة فيها نتبين عدالة الإسلام تطبيقًا عمليًّا؛ لأن الإسلام دعا إلى العدل، دعا إلى تحريم الظلم، فإذا كان الظلم حرامًا، فما الحلال؟
الحلال هو العدل، واللّه تعالى حرم الظلم على نفسه، وجعله بيننا محرمًا، فينبغي أن يكون هناك عدل بين الخصمين، حتى إنه جاء في حديث: "من ابتلي بهذا القضاء … " يعني: من تولى هذا القضاء "فليعدل بين الخصمين، في اللفظ، والإشارة، والمقعد".
هذا حديث جاء عن رسول اللّه ﷺ ، وإن كان فيه كلام لبعض
стр. 10098
العلماء، أخرجه البيهقيّ (١) وغيره (٢)، فليعدل بين الخصمين"، أي: المتنازعين اللذين يأتيان إلى مجلس القضاء.
فليعدل في ماذا؟
١ - في اللفظ: أي عندما يتكلم لا يغلظ على أحد الخصمين، ربما يرق في كلامه لهذا، وربما يغلظ على هذا، وكذلك في نظراته؛ فلا ينظر إلى هذا نظرة إعزاز وإكرام، ولا ينظر إلى الآخر نظرة دون ذلك، ولا يصغي إلى هذا أكثر من الإصغاء إلى ذلك، أو أنه يختار لهذا مكانًا أحسن من هذا.
فهنا في مجلس القضاء، لا فرق بين صغير وكبير، ولا بين عزيز وذليل، ولا بين شريف ووضيع: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ولذلك لما دخل عمر بن الخطاب ﵁ في خصومة حصلت بينه وبين أحد الصحابة، ذهب إلى بيت زيد بن ثابت، فأراد زيد أن يجلسه في مكانه، فقال: "لا، أجلس إلى جانب خصمي". وهو أمير المؤمنين وخليفتهم، وهو أحد المبشرين بالجنة، وهو الذي قال رسول اللّه ﷺ فيه: "لو سلك عمر واديًا لسلك الشيطان واديًا آخر" (٣)، وبيّن أنه الملهم (٤)، ونزل القرآن في آيات كثيرة موافقًا لرأيه (٥).
стр. 10099
وهكذا كان رسول اللّه ﷺ ، وهكذا كان أصحاب رسول اللّه ﷺ ، تراهم يطبقون القرآن كما نزل، ويعملون بسنة رسول اللّه ﷺ كما تلقوها من مشكاة النبوة، يعملون بالقرآن صافيًا نقيًّا كما أنزل، حتى أن أحدهم يكون قرآنًا يمشي على الأرض، ولذلك كان الناس يتسارعون ويتسابقون إلى الدخول في دين اللّه.
لماذا؟
لما كانوا يرون من استقامة الصحابة ﵃، ولما كانوا يرون من عملهم ﵃ بتطبيق ما تلقوه عن رسول اللّه ﷺ .
قال عبد اللّه بن مسعود: "كنا إذا تعلمنا من رسول اللّه ﷺ عشر آيات، لا نتجاوزهن حتى نتعلم ما فيهن من العلم والعمل" (١).
ولا شك أن سعادة المرء موقوفة على العمل بما علم، فإن رسول اللّه ﷺ يقول: "من عمل بما علم أورثه اللّه تعالى علم ما لم يعلم" (٢)، ويقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فإذا ما تعلم الإنسان علمًا، ولو كان العلم قليلًا، ولو كان المتعلم شابًّا صغيرًا في مراحل التعليم الأُولى، فطبق العلم الذي تعلمه،
стр. 10100
فإن اللّه يثيبه على ذلك، وما أعظم أن ينشأ الشاب في طاعة اللّه ! ونحن وللّه الحمد ما نزال نرى مجموعة طيبة من الشباب الصغار مقبلين على طلب العلم من مظانه، نسأل اللّه تعالى لهم التوفيق والسداد، وأن يزيدهم توفيقًا ورغبة في طلب العلم، وأن يجعل ذلك في حسناتهم.
وقد ثبت عن رسول اللّه ﷺ حديث عظيم متفق عليه (١)، يقول فيه رسول اللّه ﷺ : "سبعة يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظل إِلَّا ظله … " ثم قال: "شاب نشأ في طاعة اللّه" (٢)؛ لأن صحيفته تبقى بيضاء ناصعة نقية، حتى يلقى ربه ، ليس فيها من ذنب.
وقد جاء في الحديث الآخر: "يعجب ربك من الشاب لى صبوة (٣) " (٤).
يعني: ليس له ميل إلى المعصية، ولا شك في أن الاستقامة على دين الله هي السعادة، فإذا شب الصغير على هذا الأمر العظيم، فإنه بإذن اللّه ينشأ على ذلك، ولذلك كان السلف ﵃ يعنون بأبنائهم؛ يحضرونهم مجالس الذكر، وإذا رأوا عالمًا صالحًا حرصوا على أن يحضر هذا الصغير بجوار ذلك العالم، حتى يستفيد من أخلاقه، ويقتبس من أقواله، ومن توجيهاته، ومن أفعاله التي يقوم بها.
* قوله: (وَأَلَّا بَسْمَعَ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ).
هذه أمور كثيرة ذكرها العلماء فيما يجب من التسوية بين الخصمين؛ فيسوي في دخولهما، وشموي بينهما في جلوسهما، ويسوي بينهما في نظرته إلى الخصمين، ويسوي بينهما أيضًا في كلامه معهما، يسوي بينهما بحيث لا ينهر هذا ويرق لذاك، بل إذا اشتد على هذا
стр. 10101
اشتد على ذاك؛ لأن القاضي أحيانًا يرى من المصلحة أن يستخدم الحزم في موضعه.
وهذا أمر مطلوب، وقد كان رسول اللّه ﷺ ينهر بعض الناس، حتى إنه في خطبه ﷺ كان إذا سمع أمرًا يصس الإسلام احمرت عيناه وعلا صوته، كأنه منذر جيش، يقول: "صبحكم ومساكم" (١)، وكان رسول اللّه ﷺ يغضب إذا انتهكت حرمة من حرمات اللّه (٢).
ولا ننسى أن من الناس من يكون من ألد الخصماء، كما جاء في القرآن، ولذلك جاء في الحديث الصحيح: "أبغض الرجال إلى اللّه الألد الخصم" (٣)، والرسول ﷺ يقول: "هلك المتنطعون" (٤)، فإن من الناس من يتنطع في كلامه، ومن الناس من يكون صاحب خصومة وشقاق ومخالفة، وينبغي مهما كان خلقه أن يتأدب في مجلس القاضي، ولكن الكلام هنا عن القاضي، فإنه يسوي بينهما في كل أمر، بحيث لا يشعر أحدهما أن القاضي قد مال مع الآخر، ولذلك - كما مر - جمهور العلماء على أنه لا يقضي بما يتهم فيه، لا يقضي لوالده، ولا يقضي لابنه؛ لأنه كأنه قضى لنفسه.
стр. 10102
* قول: (وَأَنْ يَبْدَأَ بِالمُدَّعِي فَيَسْأَلَهُ البَيِّنَةَ إِنْ أَنْكَرَ المُدَّعَى عَلَيْهِ).
هذا هو الترتيب المعمول به في القضاء، وكان المناسب للمؤلف أن يورد الحديث الذي ورد في ذلك في قصة الحضرمي والكندي، ويقصد به حديث علقمة بن وائل بن حجر الكندي، فقد تقدم الحضرمي بشكوى إلى رسول اللّه ﷺ بأن الكندي قد انتزع أرضًا منه قد ورثها عن أبيه.
فماذا قال الكندي؟
قال: هذه أرضي ملكي، وأنا أزرعها. فقال رسول اللّه ﷺ للمدعي - أي: للحضرمي -: "ألك بينة؟ ". هل عندك بينة على ما ادعيت؟
قال: لا.
قال: "ليس لك إِلَّا يمينه إذًا" (١).
أنت تدعي أمرًا، فعليك أن تأتي بالبينة.
فأول ما يبدأ القاضي يبدأ بالمدعي؛ لأن الرسول ﷺ يبدأ به في هذا الحديث، وفي الحديث الآخر قال: "لو يعطى الناس بدعواهم … " (٢). وفيه: "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" (٣)، ولأن هذا هو الذي بدأ في طلب الخصومة، فيقال له: "ائت بما تدعي".
* قوله: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَة فَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ وَجَبَتِ اليَمِينُ).
هناك مراحل تمر بها الدعوى كالمساواة بين الخصمين.
وهناك آداب كثيرة لم يعرض لها المؤلف؛ لأن الكتاب - كما هو معلوم - موجز، هالا فهناك مجلس القاضي وهو مجلس خاص يحضره عدد
стр. 10103
من طلاب العلم، بحيث إذا أشكل عليه أمر من الأمور سألهم أو ناقشهم في ذلك الأمر.
وليس شرطًا أن يكون هذا الذي علم مسألة أعلم من الاخر، فأنا قد تكون عندي مسائل قليلة، وعند غيري مسائل كثيرة، ولكنني حفظت أشياء لم يحفظها الآخر، فقد تجد عند بعض الطلاب ما ليس عند شيخه، ليس معنى ذلك أن الطالب أعلم من الشيخ، ولكنه قد وقف على أمر لم يقف عليه شيخه، أو ربما نسي هذا الشيخ تلك المسألة، فيذكره بها.
ولذلك فإن رسول اللّه ﷺ نسي وهو يصلي بالناس، فقال ﷺ : "أين أبيٌّ؟ ". وقد قال في أبي ﵁ في الحديث الذي مر بنا حين أرسل عليًّا إلى اليمن ودعا له ذلك الدعاء المعروف، قال: "أقضاكم علي"، وقال: "أقرؤكم أبي" (١)، وهذا هو الشاهد.
فالرسول ﷺ تردد في آية وهو يصلي، فقال: "أين أبي؟ ألم يكن في القوم؟ " يريد أن يفتح عليه (٢)، فليس عيبًا أن يتردد الإنسان في مسألة يتوقف فيها، فإمام دار الهجرة توقف من أربعين مسألة في ثمان وثلاثين (٣)، وما تغيرت مكانته، بل هو إمام دار الهجرة، وكانت تضرب إليه أكباد الإبل من كل حدب وصوب.
стр. 10104
* قوله: (عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ بِاتِّفَاقٍ) (١).
يعني إذا لم يكن عند المدعي بيِّنة، وبيِّنته هي أن يأتي بشهود، ولا بد أن يكون الشهود عدولًا، وهؤلاء الشهود يطلب القاضي تزكيتهم، فإذا ما زكاهم القاضي، يعني رضي القاضي بعدالتهم، أصبحوا عدولًا، فقبلت شهادتهم، ولا يلزم من ذلك أن يكون هذا الشاهد صادقًا فيما قال. والقاضي ليس له إِلَّا الظاهر.
وقد سبق في ذلك حديث رسول اللّه ﷺ ، حيث قال: "فإنما أقضي على نحو مما أسمع"؛ لأن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، وإنما الذي يعلم الغيب هو اللّه .
أما إن لم يكن له بيِّنة، فإن كانت في مال وجبت اليمين على المدعى عليه باتفاق.
* قوله: (وَإِنْ كانَتْ فِي طَلَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ قَتْلٍ وَجَبَتْ عِنْدَ
стр. 10105
الشَّافِعِيِّ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى) (١).
وجبت عند الجمهور (٢)، كذلك عند أحمد (٣).
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجِبُ إِلَّا مَعَ شَاهِدٍ) (٤).
لماذا اشترط مالك الشاهد؟
أراد زيادة الاحتياط، وأيضًا رفعًا للخلاف؛ لأنه رأى أن عدم هد ربما يوقع البغضاء والعداوة بين المتخاصمين، فإذا ما وجد شاهد
стр. 10106
أضعف موضوع الخصومة والمنازعة والمخالفة التي سيشير إليها المؤلف.
* قوله: (وَإِذَا كَانَ فِي المَالِ فَهَلْ يُحَلِّفُهُ المُدَّعَى عَلَيْهِ بالدَّعْوَى نَفْسِها أَمْ لَا يُحَلِّفُهُ حَتَّى يُثْبِتَ المُدَّعِي الخُلْطَةَ؟).
يقصد بـ (الخلطة): اختلاط الأمور بعضها ببعض؛ والخلط هو الضم، يعني أن يضم هذه الدعوى إلى هذه الدعوى، فيبدأ المدعي فيطالب بالبيِّنة، فبعد أن يعجز عن ذلك، ينتقل الأمر إلى المدعى عليه.
عند مالك يحتاج الأمر إلى شاهد حتى يرفع الخلاف، ولكن هذا خلاف ما في الأحاديث.
* قوله: (اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ: اليَمِينُ تَلْزَمُ المُدَّعَى عَلَيْهِ بالدَّعْوَى نفسها (١)؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ" (٢).
стр. 10107
تمسك الجمهور بظاهر نص الحديث، وفيه: "البيِّنة على المدعي، واليمين على المدعى عليه".
إذًا على المدعى عليه اليمين، ليس في الحديث أن يأتي بشاهد، ولكن مالك - رَحِمَةُ اللَّهُ - والمالكية يأخذون بما يعرف بالاستصلاح، أو ما يعرف بالمصالح المرسلة (١)، يتوسعون فيها أكثر من غيرهم، وإن كثيرًا من الأحكام في هذا الزمان مرتبطة بالمصالح المرسلة - والمصلحة المرسلة معتبرة - أو الاستصلاح، ما لم تتعارض مع نص من نصوص الكتاب والسُّنة، فإذا كان الأمر كذلك، فإنه يعمل بها، وفي ذلك خير؛ لأن هذه الشريعة قامت على أمور؛ منها أنها قامت على التيسير، وقامت على مراعاة مصالح الناس، فالمصالح المرسلة يقصد بها ما يتعلق بمصلحة الناس، والشريعة دائمًا تراعي مصلحة المجتمع، وتقدمها على مصلحة الفرد.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجِبُ اليَمِينُ إِلَّا بِالمُخَالَطَةِ (٢)، وَقَالَ بِهَا السَّبْعَةُ مِنْ فُقَهَاءِ المَدِينَةِ (٣)، وَعُمْدَةُ مَنْ قَالَ بِهَا النَّظَرُ إِلَى المَصْلَحَةِ).
стр. 10108
لفت المؤلف النظر هنا إلى المصلحة، والمقصود بالمصلحة هذه المصلحة أو الاستصلاح، يكثر ذكرها في مذهب المالكية؛ لكي لا يتطرق الناس بالدعاوى إلى تعنيت بعضهم بعضًا.
ما التعنيت (١)؟
هو المشقة، يعني أن يشق بعض الناس على بعض، أو يؤذي بعضهم بعضًا، إذا انتقل الأمر من البينة إلى اليمين، فيقال للمدعى عليه: يا فلان، أقسم باللّه، وفي ذلك من الإيلام ما فيه، فقد ادعي عليه ولم يستطع المدعي أن يأتي ببينة، ثم انتقلت الدعوى، فيقول: أقسم باللّه أنه ليس عندك كذا وكذا.
وقد يكون المدعى عليه مظلومًا، إذا لم يكن عنده حق للآخر، ولذلك قال الرسول ﷺ في هذا الحديث نفسه: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى أناس دماء رجال وأموالهم" (٢).
فليس الناس كلهم على نسق واحد؛ فمن الناس من يخشى اللّه تعالى ويتقي، فلا يفتري على أحد ببهتان، ومن الناس من لا يخشى اللّه، ولذلك لما وجد أهل الباطل، وجد شهداء الزور، ووجد الذي يرتكبون المعاصي، ووجد الذين يجاهرون بها، ووجد الذين يتعدون على حقوق المؤمنين، ووجد الذي يتعدون على حقوق اليتامى، إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة.
والحاصل أن المالكية يرون أن الشاهد كأنه يرفع هذا، ولكن ما في حديث الرسول ﷺ واضح، وهذا مجلس قضاء، ولا ينبغي لأحد أن يغضب من الحق، ولذلك يقول اللّه تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١].
стр. 10109
وكذلك جاء في الآية الأُخرى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
فهناك أركان في هذه الآية بينها اللّه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. أي: فيما وقع بينهم من اختلاف. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾.
لا يستغلهم الشيطان، فيوسوس لهم، وينفث في قلوبهم، بأن هذا الحكم فيه جور، كما جاء في قصة الأنصاري والزبير، عندما قال: إن كان ابن عمتك. وقال الرسول: "إذا لم أعدل فمن يعدل؟! ". فتغير وجه رسول اللّه، ثم طبق الحكم على العدل، بعد أن كان على الفضل، كان رسول اللّه ﷺ يستخدم في حكمه التيسير، فلما قال ذلك الرجل تلك المقالة قال: "اسق يا زبير، حتى يصل إلى الجدر" (١)، يعني: حتى يرتفع. قال تعالى: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
واجب المؤمن أنه إذا دعي إلى اللّه، وإلى رسول اللّه ﷺ أن يُسَلِّم للّه، يعني لكتابه، ويسلِّم لرسوله في وقت حياته، وبعد مماته ﷺ يسلِّم لسنته.
فدائمًا تجد المؤمن إذا حكم عليه بأمر يحمد اللّه، ويقول: الحمد للّه.
стр. 10110
وفي قصة اليهودي عندما حضر هو وأحد المسلمين عند عمر، ليقضي بينهم، قضى عمر ﵁ لليهودي، فقال: لقد قضيت بالحق. فأخذ عمر الدرة فضربه بها (١)، يعني كأن عمر ﵁ فهم منه أنه يمدحه؛ لأن الرسول ﷺ يقول: "احثوا في وجوه المداحين التراب" (٢).
إذا أحببت إنسانًا، فقل: إني أحبك في اللّه. يرد عليك فيقول: أحبك اللّه في الذي أحببت من أجله.
لكن بعض الناس يأتي ويقول حقًّا، ويقول: يا فلال، جزاك اللّه خيرًا، استفدت من كذا وكذا. هذا لا بأس فيه، لكن بعض الناس ترى النفاق في وجهه يأتي ويبالغ ويمدح ويثني.
لذلك ماذا كان رده لما علاه بالدرة عمر ﵁ -؟
قال اليهودي: القاضي إذا قضى بالعدل، فإن اللّه يجعل له ملكين، ينطق بلسانهما. يعني الملكين، يوحيال إليه بماذا؟ يلقنانه الحق، وهو لا يشعر، فيحكم بالعدل. فقال: ما قلت ليس ببعيد؛ لأنه مما قال في التوراة.
وهذا حق، فإن الإنسان إذا أراد أل يقضي في أمر من الأمور مهما قال عسيرًا، والتزم الصدق، فإنه يوفَّق، وقد لا يكون من العلماء الأعلام، لكنه يوفق إلى الصواب؛ لأن قصده الخير، ولذلك في قصة أبي شريح عندما قال له رسول اللّه ﷺ : "إن اللّه هو الحكم، فلِمَ تكنى بأبي الحكم؟ "، قال: إنه إذا اختلف قومي في أمر من الأمور أتوني فقضيتُ بينهم، فرضوا بما قضيت به. فقال رسول اللّه ﷺ : "إن ذلك لحسن، أو ما أحسن هذا! "، وما زاده حسنًا أنهم يرضون بحكمه، ثم سأله الرسول ﷺ : "ما أكبر أبنائك؟ " قال: شريح. قال: "فأنت أبو شريح" (٣).
стр. 10111
* قوله: (لِكَيْلَا يَتَطَرَّقَ النَّاسُ بِالدَّعَاوَى إِلَى تَعْنِيتِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَإذَايَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وَمِنْ هُنَا لَمْ يَرَ مَالِكٌ إِحْلَافَ المَرْأَةِ زَوْجَهَا إِذَا ادَّعَتْ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا شَاهِدٌ) (١).
لماذا لا تحلف المرأة زوجها؟
أنتم تعلمون ما بين الزوجين من العلاقة، ولو لم يرد في ذلك إِلَّا قول اللّه تعالى الآتي لكفى: قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
آية من آيات اللّه .. فهذا العش عش الزوجية يعيش فيه اثنان لا بد أن تخيم فيه المودة والرحمة، نعم، قد يوجد التنغيص، فهذه الحياة لا تكمل فيها السعادة، يعني لا يمكن أن يعيش الإنسان في حياته سعيدًا دائمًا، بل إن أي بيت من البيوت لا بد أن يتطرق إليه شيء من النكد، فإنما السعادة المطلقة والطمأنينة والنعيم في جنات عدن، أما في الحياة الدنيا فمهما كملت للإنسان، فلا بد فيها من تنغيص؛ لأن الإنسان لو كان أكثر الناس مالًا، فربما تأتيه أمور فتنغص عليه في ولد، أو في ماله نفسه، أو ربما في صحته، أو في غير ذلك.
إذًا هذه الحياة لا بد فيها من كمد، فهي لا تدوم لأحد على حال، ربما يسعد الإنسان وقتًا، ويكون عكس ذلك وقتًا آخر، قد يكون فقيرًا فيصير غنيًّا، وربما يرجع الإنسان من الغنى إلى الفقر، ولا يعلم المرء أي الخيرين كتب له، فإن من عباد اللّه من لو أغناه اللّه لكان الفقر خيرًا له، وإن من عباد اللّه من لو أفقره اللّه لكان الغنى خيرًا له، وأهل الفقر يدخلون
стр. 10112
الجنة قبل الأغنياء بسبعين عامًا (١)، فهذه ميزة عظيمة، ولكن من هو الفقير المقصود هنا؟ هو الذي يصبر على قضاء اللّه وقدره، هو الذي إذا أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له، وإذا أصابته ضراء شكر، فكان خيرًا له، فهذا هو شأن المؤمن.
* قوله: (وَمِنْ هُنَا لَمْ يَرَ مَالِكٌ إِحْلَافَ المَرْأَةِ زَوْجَهَا).
لماذا؟ لأن هناك مودة ورحمة، فينبغي دائمًا أن يكون هذا البيت قائمًا على السعادة، وقد يحصل الخلاف ويتكرر، ولكن يطلب من الزوجين أن يصبر أحدهما على الآخر، والزوج لا بد أن يتحمل، لأن اللّه تعالى جعل الطلاق في يده؛ لأنه أكثر تعقلًا، وأعظم حكمة، وأشد صبرًا.
فالمرأة - عند المالكية - لا ينبغي أن تحلف زوجها؛ خشية أن يترك أثرًا في نفسه إن طلبت منه اليمين (٢)، ولا شك أن من حق كل من الزوجين على الآخر أن يتغاضى عنه، ولذلك - كما سبق - إذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر، أيقطع؟
يرى بعض العلماء أنه لا يقطع (٣) لما بينهما من التداخل والتسامح والبذل في الأمور، وما بين الزوجين ليس كما بين غيرهما.
стр. 10113
* قوله: (وَكَذَلِكَ إِحْلَافُ العَبْدِ سَيِّدَهُ فِي دَعْوَى العِتْقِ عَلَيْهِ).
السيد هو مولى العبد، وهو صاحب نعمته، فينبغي أن تبقى العلاقة كريمة بينهما، وهذه العلاقة يحكمها الشرع ويؤطرها، وهذا السيد من عظيم طاعاته أن يعتق هذا العبد؛ لينال الثواب العظيم من اللّه . ومن كانت عنده جارية، أدبها فأحسن تأديبها، ثم علمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران (١)، فهم ممن يكون لهم أجران يوم القيامة. لكن للسيد حقوقًا على العبد؛ منها أنه ينبغي له ألا يحرج سيده بالإحلاف، هذا عند المالكية، أما عند غيرهم فلا.
* قوله: (وَالدَّعْوَى لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ فِي شَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ أَوْ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ).
شيء في الذمة: يعني كالقرض الذي يكون على إنسان، ربما يقرض إنسان آخر، أو يبيع له سلعة إلى أجل، وهذا جائز، يعني كل شيء لم يدخله محرم فهو جائز؛ لأن البيع حاضر، وإلى أجل فهو جائز، لكن إذا سلم من الربا، فهذا الحق قد يكون في الذمة، أي: دينًا عليه، وقد يكون في الذمة قيمة سلعة أو أجرة منزل أو دكان، وقد تكون الدعوى في شيء بعينه ليس في الذمة، أي: حاضر.
стр. 10114
* قوله: (فَإِنْ كانَتِ في الذِّمَّةِ، فَادَّعَى المُدَّعَى عَلَيْهِ البَرَاءَةَ مِنْ تِلْكَ الدَّعْوَى، وَأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً سُمِعَتْ مِنْهُ بَيِّنتُهُ بِاتِّفَاقٍ) (١).
يعني إذا ادَّعى إنسان على آخر بأدن له حقًّا عنده، فأقام المدعى عليه بيِّنة تثبت براءته، وهذا قد يحدث، فإن بعض الناس قد يدعى أمرًا ليس ظلمًا منه ولا تعديًا، فقد يدعي أمرًا على رجل ويكون لهذا الرجل حق عنده كذلك، وربما يكون له حق عنده، فوفاه إياه، فنسيه، فيدعي على حسب ما يذكر أنه له حقًّا.
والنسيان يصيب كل إنسان، والرسول ﷺ ذكر أن آدم نسي، فنسيت ذريته، أخطأ آدم؛ فأخطأت ذريته؛ لأنه أدخل الجنة، فأغواه إبليس هو وزوجه، أمره اللّه تعالى ألا يقرب هذه الشجرة، ثم أغواهما الشيطان حتى أكلا منها، لكنهما تابا وأنابا وعادا إلى اللّه .
نسي آدم فنسيت ذريته، ولذلك لما رأى آدم داود ﵇ سأل ربه: "كم جعلت عمره؟ "، قال: "ستين سنة". وآدم له من العمر الكثير، قال: "أعطيه من عمري أربعين سنة". فلما جاء ملك الموت ليقبضه قال: "بقي من عمري أربعون". نسي.
стр. 10115
فجاء الحديث: "نسي آدم فنسيت ذريته، وغوى آدم فغوت ذريته" (١). يعني: أغواه إبليس، فكذلك يحدث لذريته.
ولذلك نجد أن الشريعة الإسلامية راعت أحكام الناس على اختلاف أحوالهم، فهناك ناسٍ، وهناك جاهل، وهناك مكره، فليس هناك أعظم بعد الشهادتين بعد عقيدة المؤمن من الصلاة، ومع ذلك قد ينام الإنسان، قد ينسى الإنسان صلاة، لأنه بشر، قد ينسى صلاة الظهر مثلًا، ولا يذكرها إِلَّا بعد يومين أو ثلاثة ويصليها، لأن الرسول ﷺ يقول: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها متى ذكرها، فإنه لا كفارة له إِلَّا ذلك" (٢).
* قوله: (وَكَذَلِكَ إِنْ كلانَ اخْتِلَافٌ فِي عَقْدٍ وَقَعَ أو عَيْنٍ مِثْلِ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ).
(أو غير ذلك) يعني مثل الإجارة أو عقد المساقاة والمزارعة، والعقود كثيرة مثل السلم، فهذه العقود كلها قد يحصل فيها اختلاف؛ لأن السلم تدفع مالًا لإنسان، ثم بعد ذلك يعطيك المسلم فيه، والمساقاة يكون فيها عقد بين اثنين، والإجارة كذلك يكون فيها عقد.
كما مر في الحديث الذي تكرر كثيرًا: "البيِّنة على المدعي"، وفي حديث الحضرمي والكندي: "البيِّنة". قال له: "البيِّنة"، فلما لم يأت بالبيِّنة قال: "لا بيِّنة عندي". فقال الرسول ﷺ : "ليس لك إِلَّا يمينه" (١).
* قوله: (وَاليَمِينَ فِي حَيِّزِ المُدَّعَى عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَلَّا يَنْقَلِبَ الأَمْرُ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُم عِبَادَةً).
ليس الأمر سهلًا أن يدعي إنسان على الآخر، فليست الدعاوى بالأمور الهينة حتى يأتي إنسان بمجرد أن يكون بينه وبين آخر خلاف، فيريد أن ينتقم منه، فهذا ينبغي أن يؤخذ على يديه؛ كي لا يدعيَ على الآخرين دعوى غير صحيحة.
ولذلك لما جاء هلال بن أمية، وقد رمى زوجته بشريك ابن سحماء، ماذا قال له الرسول؟
قال: "البيِّنة، أو حد في ظهرك" (٢). وفى رواية أُخرى قال: "أربعة، أو حد في ظهرك" (٣). يعني: أربعة شهود، أو حد في ظهرك .. حتى نزلت آية اللعان.
قد يتعدى بعض الناس على بعض، وربما يرمي رجل رجلًا بالزنا أو بغير ذلك من الأمور المحرمة، وربما ينفيه عن نسبه، فإذا علم المدعي على غيره في ذلك بالباطل أنه سيجلد ثمانين جلدة إذا لم يثبت ما ادعاه، فإنه يرتدع وينزجر، فبعض الناس تجد في ألسنتهم تسلطًا، فيقع في القذف مثلًا، مع أن الرسول ﷺ قال: "المسلم ليس بسباب ولا لعان" (٤)، وقال:
يعني إذا ادعى إنسان على الآخر حقًّا من الحقوق، فاعترف المدعى عليه، وكان الحق عينًا موجودة، فإن هذا الحق يرد إليه، هذا لا خلاف فيه.
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَالًا فِي الذِّمَّةِ، فَإِنَّهُ يُكَلِّفُ المُقِرَّ غُرْمَهُ، فَإِفي ادَّعَى العُدْمَ حَبَسَهُ القَاضِي عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ عُدْمُهُ) (١).
فالمدعى عليه إذا اعترف بأن عنده حق هذا المدعي، ثبت الحق بهذا الاعتراف، فإن كان موجودًا رد إلى صاحبه، وإن لم يكن موجودًا يقال له: ائت بحق فلان، فيقول: ليس عندي هنا.
يقول المؤلف: (يحبس)؛ وهذا هو رأي بعض العلماء. والحبس هنا من العقوبات الشرعية حتى يتحقق عدم الوجود، فإذا ثبت بعد ذلك بأنه لا شيء عنده، يدخل ضمن المعسرين الذين يشملهم قول اللّه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
يعني إن كان لا يجد شيئًا، فينظر حتى يجد ذلك الشيء، فيرده إلى صاحبه، وهذا يدخل في باب الرحمة؛ فإن الإنسان إذا كان له حق على آخر، فينبغي له أن ينظره إذا كان معسرًا، ولذلك - كما سبق - في قصة ذلك الرجل الذي لم يعمل خيرًا إِلَّا أنه كان يُنْظِر الغني ويعفو عن المعسر (٢)، فاللّه غفر له، لأدْ اللّه أيضًا يتجاوز عن السيئات، وعن
стр. 10120
تقصير العباد، فاللّه غفر له؛ لأنه كان يعفو، يعني: يسقط الحقوق عن المعسرين، وينظر الميسرين.
* قوله: (إِمَّا بِطُولِ السِّجْنِ أَوْ البيِّنَةِ إِنْ كَانَ مُتَّهَمًا، فَإِذَا لَاحَ عُسْرُهُ خَلَّى سَبِيلَهُ).
يعني إذا ظهر عسره، وتبين أنه لا يملك شيئًا، فيعطى الفرصة، ليعمل ويتعب.
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا أَقَرَّ الخَصْمُ، فَإِنْ كَانَ المُدَّعَى فِيهِ عَيْنًا، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُدْفَعُ إِلَى مُدَّعِيهِ (١). وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَالًا فِي الذِّمَّةِ، فَإِنَّهُ يُكَلِّفُ