عليه الصلاة والسلام: "مَنْ يُرِدِ الله به خيرًا، يُفقِّهه في الدِّين" (١)، وليسَ هذا في الفقه وَحْده، إنَّما في الدين عمومًا، وَطَالبُ العلم يَنْبغي أن يتَّزن في كلِّ أَمْرٍ من أمورِهِ، وأنْ يكون دقيقًا فيما يتعلَّم ويفهم، وفيما يُبَلِّغه للناس، وأن يكون أيضًا حكيمًا فى ذلك كلِّه، هذا هُوَ المطلوب حقيقةً من طَالِبِ الفِقْهِ، وَمن غَيْره.
قوله: (فَالأَوْلَى أَنْ يُعْطَى عِلَّةً فِي غَسْلِهِ مِنْ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ).
" يُعْطَى عِلَّةً"، "يُعْطى" مبنيٌّ للمجهول، وله نائب فاعلٍ، وهُوَ هنا مُسْتتر، ولذا كان "علَّة" منصوبًا على أنه مفعول به.
قوله: (وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِيمَا بَلَغَنِي بَعْضُ النَّاسِ بِأَنْ قَالَ).
يُرِيدُ المُؤلِّفُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ هذَا التَّعليلَ الَّذي أَوْرَده جَدِّي، اعْتَرضَ عَلَيه بعض الناس، وليسَ فِي قَوْلهم: (بعض النَّاس) انتقاص لأحدٍ، حَيْث إنَّه من المحتمل أنَّه لم يقف على المعترض حتى يذكرَ اسمه، كما أنه من المحتمل أنه يرَى أن هذا المعترض لم يَصِلْ إلى درجةٍ ليعترض على هذا الأعلى، أو يرى أن اعتراضه ضعيفٌ، فَيَقول: قال بعضهم في مِثْلِ هذه المسائل.
قوله: (إِنَّ الكَلْبَ الكَلِبَ لَا يَقْرَبُ المَاءَ فِي حِينِ كلَبِهِ).
بَعْضُهُم ممن تتبعوا طريقة الكلاب، وعرفوا ذلك من عَادَاتها يَقُولون: لا يقرب الماء إذا أصابَه الكَلَب، وإنَّما يلهث ويهيج.
قوله: (وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ هُوَ عِنْدَ اسْتِحْكَامِ هَذِهِ العِلَّةِ بِالكِلَابِ).
يُوَافق المؤلف هؤلاء المعترضين فيما ذهبوا إليه عند اشتداد العلة وتَحكُّمها، أما في أوَّله فيقرب من الماء، ويلغ فيه، وإذْ نُقدِّر للجد جهده،
стр. 422
وَمَعَ أننا لا نردُّ تعليله إلا أنه لم يصل إلى درجة التسليم كما أن العلَّة أصبحت الآن معروفةً.
قوله: (لَا فِي مَبَادِيهَا، وَفِي أَوَّلِ حُدُوثِهَا، فَلَا مَعْنًى لاعْتِرَاضِهِمْ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيثِ ذِكْرُ المَاءِ).
" إذا وَلَغ الكَلبُ في إناءِ أَحَدكمْ" (١)، والرَّسُولُ ﷺ لم يُفرِّق بين الكلب العادي وبين الكلب الكَلِبِ، ولو كان الرسول ﵊ يقصد هذا النوع من الكلَاب لبيَّنه؛ لأنَّ هذا بيانٌ، وتَأْخير البيَان عَنْ وقت الحاجة لا يَجُوز، والرَّسولُ ﵊ مُبلِّغٌ عن الله؛ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا﴾ [الحشر: ٧]، وهُوَ أيضًا هو المبيِّن لمَا في كتاب الله ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقَدْ ترون أنَّ الرسولَ ﵊ يُشْكل، فلو كان ذلك أشكلَ على الصحابة رضوان الله عليهم، فما فَهمُوه، لَسَألوا الرسول ﵊، ولبيَّنه لهم، ولنَقَلوه لنا صافيًا نقيًّا كما نَقَلوا لنا السُّنَّة المطهرة، وهذه الآثار العظيمة التي نُقِلَتْ لنا من أقوالٍ، وما عُرِفَ أنَّ ذلك أشكلَ على الصحابة، ولا أنَّهم تحيَّروا في فهمه، وإنما إذا كان أمرًا واضحًا، رَأَوا أنه أمرٌ؛ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١].
قوله: (وَإِنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ الإِنَاءِ).
وهذا يُضْعف مذهبَ المالكية، "وعَفروه الثامنة في التراب" (٢)، "أُولَاهُنَّ بِالتُّرَاب" (٣)، يعني: أن تتبُّع الآثار أثبتت عدم وُرُود لفظ الماء، إنما الإناء إذا وَلغ فيه الكلب، وإن كان العرف والذهن يتطرق أسرع إلى الماء.
стр. 423
قوله: (وَلَعَلَّ فِي سُؤْرِهِ خَاصِّيَّةً مِنْ هَذَا الوَجْهِ ضَارَّةً).
التقَى المؤلفُ ﵀ مع الشافعيَّة في هذا التعليل "لعلَّ في سؤره خاصية".
وهذه الخاصيَّة التي ظهرت لنا وهي هذا اللعاب اللزج الذي يلصق في الإناء، فيحتاج إلى مُزِيلٍ؛ فيكرر الغسل، ثم احتياطًا يُفْرك بالتُّراب.
ولذَلكَ، اختلفَ الفقهاء قبل أن يُدْركوا هذا الأمر الذي ظهر لنا، هل يكفي الصابون (١)؟ أي: هل هذه المزيلات القوية التي تزيل الأوساخ وغيرها لو استخدمت بدل التراب هل تكفي أم لا؟ وذهب الفقهاء في المسألة مذاهب شتى، ولم يَلْتقوا في قول، ولكنهم التَقوا في قول: إنَّ التُّراب هو الذي يُزيله، وجاء الطب ليثبتَ أن في التراب خاصيةً هي التي تزيل هذا اللعاب.
стр. 424
قوله: (أَعْنِي: قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْكِمَ بِهِ الكَلَبُ، وَلَا يُسْتَنْكَرُ وُرُودُ مِثْلِ هَذَا فِي الشَّرْعِ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ مَا وَرَدَ فِي الذُّبَابِ إِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ أَنْ يُغْمَسَ، وَتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِأَنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً).
لَكن الذُّباب قد بَيَّن الرسول ﵊ العلة فيه، فقال: "في أحَد جَنَاحيه: داء، وفي الآخر: دواء" (١)، وقرأت في إحدى الصحف - ونحن طلبة - أن جرحى كثيرين في الحرب العالمية بقوا أحياء لوقوع الذباب عليهم، فقالوا: هذا تفسيرٌ لما جاء في الحديث: "فإن في أحَد جَناحيه: داء، وفي الآخر: دواء" (٢).
والرسول ﵊ أمَر أن يغمس الذباب، ونحن نجد أنه قد يقَع على بعض الأوساخ، بل يقَع على العذرة، والرسول ﷺ أحرص الناس على النظافة، وعلَى مَا يهم المسلم، وما يهم بدنه، وبيَّن أنَّ لنفسك عليك حقًّا، وقال: "حسب ابن آدم لقيمات يُقِمْنَ صلبه"، وقال: "ما ملأَ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنِهِ"، ومع ذَلكَ قَالَ: "فإنَّ في أحد جناحيه: داءً، وفي الآخر: دواء"، ولكنه ﷺ هنا في الكلب لم يبين العلة إلا أنه عُرِفَ بعد ذلك أن العلةَ في لعابه.
قوله: (وَفِي الآخَرِ دَوَاءً. وَأَمَّا مَا قِيلَ فِي المَذْهَبِ مِنْ أَنَّ هَذَا الكَلْبَ هُوَ الكَلْبُ المَنْهِيُّ).
قوله: (وَأَمَّا مَا قِيلَ فِي المَذْهَبِ)، هو لا يقصد مذهب المالكية.
قوله: (عَنِ اتِّخَاذِهِ).
стр. 425
قوله: (أَوِ الكَلْبُ الحَضَرِيُّ، فَضَعِيفٌ وَبَعِيدٌ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ) (١).
هذه كُلُّها تعليلاتٌ لا أصلَ لها، وهي ضعيفةٌ.
قوله: (إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّ ذَلِكَ - أَعْنِي: النَّهْيَ - مِنْ بَابِ التَّحْرِيجِ فِي اتِّخَاذِهِ).
هذا تخصيصٌ بعد تعميمٍ، فبعد أن عرفنا الأسآرَ عامةً، ثم ركَّز على ما يتعلق بالحيوان، أراد أن يتحدث هنا عما يفضل من وضوء المسلم، والسؤرُ هو ما يبقى في الإناء من وضوءٍ أو غسل.
فائدة مسلكية:
الطلاب في هذا الزمن أصبحوا يميلون إلى الأمور الواضحة السهلة الميسورة؛ كالمذكرات التي تُكتب بأُسلوب واضح وبعبارةٍ سهلة وميسورة وفيها بساطة، لأن الطالب إذا كان دارسًا يُعنى بالامتحان فيجد فيها بغيته، لا يسهر الليالي الطوال، ولا يقف وقفات طويلة حتى يفهم العبارات.
واعلم أنَّ الكتب القديمة لا تكون فوائدها فقط فيما تدرسه من أحكام، وإنما لفهم ما فيها من عبارات، ولها أهداف أُخرى، فتعرف بها أُسلوب القدماء وعنايتهم وكيف يرتبون المسائل وكيف يربطون بعضها ببعض، فنحن عندما نريد أن ندرس العلم إنما ندرس في كتب أولئك العلماء السابقين، ولا مانع أن نقرأ في المؤلفات الحديثة وأن نواصل، لكن لا ينبغي أن تنقطع صلتنا عن الكتب القديمة، وكثيرًا ما يشكو الطلبة
стр. 426
ويقولون لماذا يختلف طالب اليوم عن طالب الأمس؟ مع أن طالب اليوم يُسرت له الأسباب، إضاءة متوفرة، ووسائل مواصلات، كل وسائل الخير، والكتب تُسلم إليه، والدولة جزاها الله خيرًا قدمت كل ما يُساعد طالب العلم حتى تعطيه ما يُساعده في نفقةٍ، فلماذا كان طالب الأمس أحسن حالًا من اليوم؟ مع أنه يعاني من صعوبة المعيشة، ومن وسائل الراحة، ومن وسائل المواصلات.
والجواب: أنَّ الأذهان اليوم قد اختلفت، وتَشَتَّتَتْ، وفيما مضى كانت محصورة، وطالب العلم كان يحرص كل الحرص أن يقرأ في مثل هذه الكتب القديمة، من مثل: "بداية المجتهد"، وكتاب: "المغني" لابن قدامة، و"المجموع" للنووي، وكتب محمد بن الحسن، وكتب المالكية وغيرها من الكتب الكثيرة، يقرأ فيها حتى يروض بها، ذلك أن الإنسان إذا اعتاد أن يحمل شيئًا بسيطًا تعوَّد عليه، وكلَّما زاد في الحمل بدأ يحمل أكثر، كذلك هذا الذهن كلَّما حملته قليلًا قليلًا فإنه يسير معك إلى أن تصبح الأمور التي كنت تراها صعبة ميسورةً عندك.
وهذا الذهن وهذا الفكر يحتاج إلى بحثٍ وإلى تدقيق، وخير وسيلة لذلك المناقشات التي تكون في هذه الآراء، فإنَّ معرفة الآراء: قال فلانٌ كذا، وقال الآخر كذا …
فلنُشغِّل أذهاننا وندقق، وقد نجهدها أيامًا أو أشهرًا أو سنين، لكننا نصل بإذن الله إلى اكتمال المقصود متى صاحب ذلك إخلاص وقَبْله تقوى الله .
وعليه، فإنَّ قراءة هذه الكتب لها من المزايا ما لا تُوجد في غيرها، قد أجدها صعبة اليوم لكنني عندما أتعود عليها لا تكون صعبة، فلماذا الذين سبقونا بقليل ما كانوا يرون صعوبة في هذه الكتب؟
لماذا كانوا يقرؤون في النحو كتب الأشموني، وشروحه وحواشيه، ويقرؤون "أوضح المسالك" وكانوا يقرؤون ذلك في الثانوي وبعضهم المتوسط، ونحن الآن نجد فيها صعوبة في الكليات، لماذا أصبحنا نميل
стр. 427
إلى المذكرات ولا نريد هذه الكتب؟ لأننا ركنَّا إلى الراحة وأصبحت نفوسنا تميل إليها، ولا نريد أن نتعب ونَكُدُّ ونجهد أنفسنا، فمن أراد العلم فليقرأ في هذه الكتب وليمعن النظر، ورسالة العلم لا تقف عند حدٍّ ولا عند وقت معين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي أَسْآرِ الطُّهْرِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ أَسْآرَ الطُّهْرِ طَاهِرَةٌ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ) (١).
ذَهَب بعض العلماء إلى أن أسآرَ الطُّهر طاهرةٌ بإطلاقٍ دون قيد، بحيث لا فرق بين الرجل والمرأة، ولا فرق بين أن يشرعا معًا في الوضوء أو الغسل أو لا، بل ولا فرق بين أن تخلو المرأة به، ولا أن يخلو به .. إلى غير ذلك من مسائل فرعية فصل العلماء القول فيها، ولكنَّنا تماشيًا مع منهج المؤلف، نصب التَّركيز على أمهات المسائل وأصولها؛ لأنك لو تتبَّعت الجزئيات، تَشعَّبت بك السبل، وَصَعب عليك أن تُلمَّ بها.
قوله: (والشافعي (٢)، وأبي حنيفة) (٣).
стр. 428
وهو مذهب مالكٍ والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في رواية (١) أيضًا، إذًا الأئمة الأربعة كلهم في هذه المسألة على رأيٍ، لكن الإمام أحمد له رواية أُخرى (٢)، تقول: إنَّ المرأة إذا خلت بالماء في الرواية الأُخرى، فإن الرجل لا يتوضأ بسؤرها.
قوله: (وذَهب آخرون إلى أنه لا يجوز للرجل أن يتطهَّر بسؤر المرأة، ويجوز للمرأة أن تتطهر بسؤر الرجل).
وهَذَا منسوبٌ إلى الحسن وسعيد بن المسيب (٣)، وهي روايةٌ عن الإمام أحمد (٤).
стр. 429
قوله: (وذَهَب آخرون إلى أنه يَجُوز للرجل أن يتطهَّر بسؤر المرأة ما لم تكن المرأة جنبًا، أو حائضًا).
نقل هذا عن عبد الله بن عمر ﵄ (١).
قوله: (وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز لواحدٍ منهما أن يتطهر بفضل صاحبه إلا أن يشرعا معًا).
هذا في حديث عبد الله بن سرجس الآتي، ويقال: إنه موقوفٌ عليه، فيكون رأيًا له (٢).
قوله: (وقال قوم: لا يجوز وإن شرعا معًا، وهو مذهب أحمد بن حنبل) (٣).
هذه النسبة وهمٌ من المؤلف؛ لأن هذا القول نسب إلى أبي هريرة فقط (٤)، وإذ كالن الكتاب له مزَايا، فإنَّ عليه بعض المآخذ، كأنْ يبحثَ المسألة، ويقصر ببعض الأدلة، وربما يقول: لو صح الحديث وهو صحيح، أو ينسب القول إلى غير صاحبه كما هو الشأن هنا، إلا أنها مآخذ يهتم بها مَنْ يقوم بتدريس هذا الكتاب والعناية به، وهذا شأن كل عملٍ بشريٍّ يعتريه النقص والنسيان.
стр. 430
قوله: (وسبب اختلافهم في هذا اختلاف الآثار).
يقصد بالآثار الأحاديث، وهي أربعةٌ كما ذكر المؤلف، وإلا فهي أكثر.
قوله: (وذلك أن في ذلك أربعة آثار، أحدها: أن النبي ﷺ كان يغتسل من الجنابة هو وأزواجه من إناءٍ واحدٍ).
هذا حديث متفق عليه (١)، وهناك حديثٌ آخر أنه ﵊ توضأ بفضل ميمونة، وهذا أيضًا في "صحيح مسلم" (٢).
وفي حديث ابن عباس أنه قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ من صَحْفَةٍ، فأراد الرسول ﵊ أن يتوضَّأ، فقالت - وهي في بعض الرِّوايات: ميمونة: إنِّى اغتسلت أو توضأت منه، فقال الرسول ﵊: "إنَّ الماءَ لا يجنب"، وهذا حديثٌ رواه الترمذي (٣) وغيره، وحسَّنه الترمذي وغيره، "إن الماء لا يُجْنب" يعني: لا تصيبه الجنابة (٤).
قوله: (والثاني: حديث ميمونة أنه اغتسل من فضلها) (٥).
أي: أن الرسول ﵊ كان يغتسل من فضلها،
стр. 431
وثبت أيضًا أنه توضأ من إناءٍ فيه أثر عجين (١)، وكذلك أيضًا اغتسل هو وعائشة من إناءٍ واحدٍ (٢)، والصحابة ﷺ كانوا يَتوضَّؤون من إناءٍ واحدٍ، ويشتركون في الوضوء (٣)، وغير ذلك.
قوله: (والثالث: حديث الحكم الغفاري أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة .. خرجه أبو داود (٤) والترمذي (٥). والرابع: حديث عبد الله بن سَرْجِس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل" (٦)).
القول بأن أساَرَ المسلمين كلها طاهرة، هو رأي جماهير العلماء ما عدا الرواية الأُخرى عن الإمام أحمد، وعند تدبر الأدلة ومحاولة استقصائها واستقرائها يكون هذا المذهب في نظري هو أرجح المذاهب.
وَلكن الآرَاء الأُخرى لها أدلتها، والفُقَهاء عندما يَقُولُ أحدهم بقولٍ، لا يقوله هكذا أو يلقيه جزافًا، بل يكون له أدلته، فمنهم مَنْ قال: يشرعا معًا؛ لأنه ورد في الحديث، فلا مانع، لكن أن تنفرد المرأة به فلا.
وفي الحديث الآخر: "لا يغتسل كلُّ واحدٍ منهما بفضل الآخر" (٧)،
стр. 432
هذا أيضًا ورد في الحديث، فهذه أحاديث، وتلك أحاديث أُخرى أوردها المؤلف.
قوله: (ولكن يشرعان معًا (١)، فَذَهب العلماء في تأويل هذه الأحاديث مذهبين: مذهب الترجيح، ومذهب الجمع في بعض).
والجَمْعُ هو العمل بجميع الأدلة ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا (٢)، والترجيح هو العمل بأدلةٍ وإهمال أُخرى (٣)، ولو أننا حملنا الأحاديث التي ورد فيها النهي على التنزيه؛ لالتقت كل هذه الأقوال حول مذهب جمهور العلماء، فلو ترك الإنسان سؤر المرأة عندما تنفرد تنزهًا أو عُدُولًا عنه، حِينَئذٍ تَلْتقي الأدلة خصوصًا أن الأحاديث التي ورد فيها أن الرسول ﷺ اغتسل وتوضأ من فضل نسائه أحاديث صحيحة في "الصحيحين"، أو أحدهما.
أما حديث عبد الله بن سرجِس فقالوا: إنه موقوفٌ عليه، وهذا رأي له … نُقِلَ هذا عن الإمام البخاري (٤).
قوله: (والترجيح في بعضٍ، أما مَنْ رجح حديث اغتسال
стр. 433
النبي ﷺ مع أزواجِهِ من إناءٍ واحدٍ على سائر الأحاديث؛ لأنه مما اتفق الصحاح على تخريجه).
وهذا الحديث متفق عليه (١)، وفي حديث مسلم من فضل ميمونة (٢).
قوله: (ولم يكن عنده فرقٌ بين أن يغتسلا معًا، أو يغتسل كل واحدٍ منهما بفضل صاحبه).
يرى بعض العلماء أن قضيَّة أن تنفرد به المرأة - وهذا منسوب إلى الإمام أحمد - قضية غير مُعلَّلة، (٣)، وعلى كل فإن في المسألة محاولات لتلمس العلل كما ورد في الكلب.
قوله: (لأنَّ المغتسلين معًا كل واحدٍ منهما مغتسل بفضل صاحبه).
يَقْصد أنَّنا لو دَقَّقنا في الأمر، وأمعنا في النظر لهذه المسألة، لَوَجدنا أن المغتسلَيْنِ مع بعضٍ، كل واحدٍ منهما مغتسل بفضل الآخر، فهذا يأخُذُ فضل هذا، وهذا فضل هذا، فهل هناك علة كما يذكر بعض العلماء في أن انفراد المرأة له سِرٌّ، هذا السرُّ غير معقول المعنى.
قوله: (وَصَحَّح حديث ميمونة مع هذا الحديث، ورجَّحه على حديث الغفاري، فقال بطهر الأسآر على الإطلاق. وأما من رجَّح حديث الغفاري على حديث ميمونة، وهو مذهب أبي حزم (٤)، وجمع بين حديث الغفاري وحديث اغتسال النبي مع أزواجه من إناءٍ واحدٍ بأن فرق بين الاغتسال معًا، وبين أن يغتسل أحدهما بفضل الآخر، وعمل على هذين
стр. 434
الحديثين فقط، أجاز للرجل أن يتطهر مع المرأة من إناءٍ واحدٍ، ولم يُجز أن يتطهر هو من فضل طهرها، وأجاز أن تتطهر هي من فضل طهره، وأما من ذهب مذهب الجمع بين الأحاديث كلها ما خلا حديث ميمونة، فإنه آخذٌ بحديث عبد الله بن سرجِس، لأنه يمكن أن يجتمع عليه حديث الغفاري، وحديث غسل النبي ﷺ مع أزواجِهِ من إناءٍ واحدٍ، ويكون فيه زيادةٌ، وهي ألا تيوضأ المرأة أيضًا بفضل الرجل، لكن يُعَارضه حديث ميمونة، وهو حديثٌ خرَّجه (١) مسلمٌ، لَكن قَدْ علَّله -كما قلنا- بعض الناس من أن بعضَ رُوَاته قال فيه: أكثر ظنِّي، وأكثر (٢) عِلْمِي أن أبا الشعثاء حدثني (٣)).
ووردت له روايات أُخرى غير هذه الرواية.
قوله: (وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُجِزْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَطَهَّرَ بِفَضْلِ صَاحِبِهِ، وَلَا يَشْرَعَانِ مَعًا، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ مِنَ الأحَادِيتِ إِلَّا حَدِيثُ الحَكَمِ الغِفَارِيِّ، وَقَاسَ الرَّجُلَ عَلَى المَرْأَةِ، وَأَمَّا مَنْ نَهَى عَنْ سُؤْرِ المَرْأَةِ الجُنُبِ، وَالحَائِضِ فَقَطْ، فَلَسْتُ أَعْلَمُ لَهُ حُجَّةً إِلَّا أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَحْسَبُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ) (٤).
هَذَا القولُ نسب إلى عبد الله بن عمر بالنسبة للحائض والجنب، وهذا قولهٌ له.
стр. 435
قوله: (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: صَارَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ بَيْنِ مُعْظَمِ أَصْحَابِهِ وَفُقَهَاءِ الأَمْصَارِ إِلَى إِجَازَةِ الوُضُوءِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ فِي السَّفَرِ) (١).
قوله: (صَارَ أَبُو حَنِيفَةَ)، أَيْ: ذهَب أبو حنيفة، وانفرد من بين فقهاء الأمصار إلى القول بجَوَاز التطهُّر أو الوضوء بنبيذ التمر، والمقصود بفقهاء الأمصار أولئك الأعلام الذين أصبحوا أئمةً في البلاد الإسلامية؛ كالإمام مالكٍ في المدينة، والإمام أحمد في العراق، وقبله الشافعي في العِراق ثم مِصر، وكذلك أيضًا الليث وغيره من الأئمة المعروفين.
قوله: (بِنَبِيذِ التَّمْرِ (٢) فِي السَّفَرِ).
والمؤلف لم يُحرِّر مذهب الحنفية تحريرًا دقيقًا، ونحن عندما نذكر مذهب الحنفية لا نذكر فقط رأي الإمام، ولكنَّنا نصور مذهب الحنفية، وللحنفية في الوضوء بنبيذ التمر أقوالٌ أربعةٌ:
القول الأول: جواز الوضوء بنبيذ التمرِ المطبوخِ في السفرِ إذا لم يوجد ماء، وأبو حنيفة على هذا.
стр. 436
القول الثاني: الجمع بين النبيذ والتيمم، بحيث يتوضأ بالنبيذ، ثم يتيمم خروجًا من الخلاف.
القول الثالث: التطهر بالنبيذ، ثم التيمم استحبابًا (١).
القول الرابع: لا يتوضأ به، وهو قول أبي يوسف (٢).
قوله: (لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ).
نَبِيذُ التَّمْرِ قيد بأن يكون مطبوخًا، وأن يكون في السفرِ مع فَقْد الماء، كما في حديث عبد الله بن مسعود لما سأله الرسول ﷺ عن وجود الماء معه، فأجاب: نبيذٌ في إدَاوَتِي.
قوله: (أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: " هَلْ مَعَكَ مِنْ مَاءٍ"؟).
النبي ﵊ يسأل: ("هَلْ مَعَكَ مِنْ مَاءٍ"؟) فأجاب.
قوله: (فَقَالَ: مَعِي نَبِيذٌ فِي إِدَاوَتِي).
الإداوةُ إناءٌ من جِلْدٍ (٣).
قوله: (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اصْبُبْ"، فَتَوَضَّأَ بِهِ، وَقَالَ:
стр. 437
"شَرَابٌ وَطَهُورٌ" (١). وَحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِمِثْلِهِ، وَفِيهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَمَرَةٌ طَيَّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ" (٢)).
"ثَمَرَةٌ طَيَّبَةٌ"، وفي بعض الروايات: "تَمْرَةٌ طَيَّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ" (٣)، هذا هو استدلال الحنفية.
قوله: (وَزَعَمُوا أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى الصَّحَابَةِ؛ عَلِيِّ (٤) وَابْنِ عَبَّاسٍ) (٥).
بعد أن استدلوا بالحديث، أضافوا إلى ذلك أيضًا أن هذا رُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود (٦)، بل وغَيْرهما من الصحابة رضوان الله عليهم، فقال بعضهم (أي: الحنفية): إذا كان هذا مرويًّا عن عَدَدٍ من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالفٌ، فيكون ذلك إجماعًا، وهذا غير مسلمٍ على أنهم يستدلون بحديثٍ آخر، ويدعمون به مذهبهم، وهو حديث عبَدالله بن عباس أن الرسول ﷺ قال: "النبيذ وضوء مَنْ لم يجد الماء" (٧)، وهذا ضعيفٌ.
قوله: (وَأَنَّهُ لَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَكَانَ كَالإِجْمَاعِ عِنْدَهُمْ).
وهَذَا غير مُسلَّمٍ به.
стр. 438
قوله: (وَرَدَّ أَهْلُ الحَدِيثِ هَذَا الخَبَرَ، وَلَمْ يَقْبَلُوهُ، لِضَعْفِ رُوَاتِهِ).
هذا الحديثُ ضعيفٌ، وضعَّفه العلماء، بل أطبق الحُفَّاظ على تضعيفِهِ، وممَّن ضعَّفه الحافظ ابن حجر (١)، والإمام الطحاوي (٢)، الذي لطالما عني بمذهب الحنفية، وأكثر من الاستدلال لهم، بل والدفاع عنهم، وقد بين في كتابه "معاني الآثار" أن هذا الحديث ضعيفٌ من جميع طرقه، وأنه لا ينبغي أن يشغل كتابه بمثله.
وبالنظر إلى الطرق الأُخرى التي جَاءَ بها حديث عبد الله بن مسعود ﵄، نجد أنه جاء من طريق علقمة، وهو مولى عبد الله بن مسعود، وهو من أخصِّ أصحابه أيضًا، وذكر في ذلك كما في "صحيح مسلم" أنه قال (٣): سألت عبد الله بن مسعود: هل شهد أحد منكم ليلة الجن مع رسول الله؟ فردَّ عليه عبد الله بن مسعود: كنا مع رسول الله ذات ليلةٍ، ففقدناه، فطلبناه في الأودية (٤) والشعاب (٥) فلم نجده. قال: فبتنا بِشَرِّ ليلةٍ،
стр. 439
قَالَ: فلمَّا أصبحنا أتى رسول الله من جهة حراء. فقلنا: يا رسول الله، طلبناك في الشعاب والأودية فلم نجدك. فقال: "أتاني وفدٌ من الجن"، "أتاني داعي الجن وذهبت معه وقرأتُ عَلَيهم القرآن"، قال عبد الله بن مسعود: فانطلق بنا رسول الله، فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم.
وبهذا يَتبيَّن أن عبدَالله بن مسعود وغيره من الصحابة لَمْ يكونوا مع رسول الله، نعم كانوا معه في تلك الليلة، لَكنَّهم ما حضروا، ولَمْ يرد في هذا الأثر الذي رأيتم ذكرٌ للنبيذ ولا غيره.
وأيضًا أخرجه مسلم من طريق علقمة أنه قال: هل شهد أحدٌ منكم ليلة الجن مع رسول الله؟ قال: ما كنت معه، ووددت أني كنت معه (١).
وَعَلى كلٍّ، فإنَّ عبد الله بن مسعود وغيره لم يشهدوا ليلة الجن، فقد فَقَدوا النبي ﷺ في الرواية الأُولى، ثم رأوه في الصباح، فَحَكى لهم ما حدث. وفي الرواية الثانية أن عبد الله لم يكن معه، وود لو كان معه ﷺ في تلك الليلة.
ومع كثرة طرق الحديث، وتعدد رواياته، إلا أن الحفاظ والفقهاء انتهوا إلى تضعيفه.
ولئن كان المؤلف قد ذكر ضعف الحديث الذي ذكره إلا أنه لم يستقصِ القول فيه، مع أن الكلام فيه كثيرٌ جدًّا.
فمن جِهَةٍ هو حديثٌ ضعيفٌ، كما سبق، ومن جِهَةٍ فهو مخالفٌ للأصول قال جمهور العلماء (٢) بمخالفته؛ لقول الله : ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
стр. 440
فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فهنا في الآيةِ لم يجعل واسطةً بين الماء وبين التراب، وإنما إذا عدم الإنسان الماء ينتقل مباشرةً إلى التراب.
وَكَذلك ورَد في الحديث الصحيح: "الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم وإنْ لَمْ يجد الماء عشر سنين" (١).
وفي بعض الروايات كالذي ذكر المؤلف: "عشر حجج" (٢)، "فإذا وجد الماء، فليمسه بشرته" (٣).
إذًا، "الصعيد الطيب وَضُوء المسلم"، وفي بعض الروايات "طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين" (٤)، "فإذا وجد الماء فليمسَّه بشرته"، فالحديث انتقل مباشرةً من الماءِ إلى التراب، إذًا فهو البديل عن الماء.
وإذَا كَانَ جماهير العلماء ضَعَّفوا الحديث نقلًا من الكتاب والسُّنَّة كمَا سَبَق، فَإنَّهمْ أردفوا بتضعيفِهِ عقلًا، فَقَالوا: كلُّ شَيْءٍ لا يَجُوز التطهر به حضرًا، لم يجز التطهر به سفرًا، وعلى هذا كيف يجوز الوضوء بنبيذ التمرِ في السفرِ، ولا يجوز في الحضر مع أن هذه طهارة، ولا تختلف الحال بين المسافر وغير المسافر؛ لأن الله أباح لنا إذا لم نجد الماء أن نتطهر بالتراب "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (٥)، وفي روايةٍ:
стр. 441
"وتربتها طهورًا" (١)، وهذه من خصائص الرسول ﷺ التي أُعْطي فيها خمسًا لم يعطهن أحد قبله (٢).
وهذا الاستدلال القياسي يصلح أن يكون قاعدةً فقهيةً: "كل ما لا يجوز أن يُتَطهر به حضرًا، لم يجز أن يتطهر به سفرًا" (٣)، كما أن الجمهورَ يردُّ على الحنفية في الادعاء بأنَّ النَّبيذَ مائعٌ، وأن المَائعَ لا يَجُوز التطهُّر به في حالة وُجُود الماء.
ويردُّ الجمهور على تخصيص الحنفية الأمر في حالة السفر أنْ ليسَ في أثر عبد الله بن مسعود الذي ذَكَروه واستدلوا به أن الرسول ﷺ كان مسافرًا، وإنما كان في الشعاب والأودية التي كانت بضواحي مكة.
وَقَالوا أيضًا بأن المرادَ بـ "تَمْرَةٌ طَيْبَةٌ"، أنه أُلْقِيَ فيها شيءٌ من التمرات ليعذب ذلك الماء، وهذا مَعْروفٌ عندهم، وكَانَ منتشرًا، بحيث إذا كان الماء مالحًا، يلقون فيه شيئًا من التمرات حتى تَخِفَّ ملوحته، قالوا: وليس في الواقع نبيذًا، وإنما هو ماءٌ أُلقي فيه شيءٌ من التَّمرات، بَل بَعْض العُلَماء قال: ربما أن التمرات التي ألقيت فيه إنما هي كانت جافةً، يعني: يابسة، فلا تُؤثِّر في الماء، بمعنى: لا تُحوِّله نبيذًا.
وقَالَ بَعْضُ أَهْل العلم (٤): إن هَذَا الأثرَ على فرض صحَّته - وهو
стр. 442
غير صحيح - يكون منسوخًا؛ لأن هذا كان بمكة، وآية المائدة إنما هي في المدينة، وتعلمون أن سورة المائدة من أوَاخر ما نزلت.
إذًا، كل الأدلة تشهد بمذهب جمهور العلماء، وتضعف هذا الذي قال به الحنفية ومن لَف لفهم من العلماء كالأوزاعي والثوري.
قوله: (وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أَوْثَقَ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ).
(لِضَعْفِ رُوَاتِهِ)؛ لأنه من بعض رواته مثلًا ابن لهيعة (١)، وهو معروفٌ الكلام فيه.
(وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أَوْثَقَ)، هي التي ذكرتها عن علقمة في "صحيح مسلم"، (الأثرين اللذين ذكرتهما في "صحيح مسلم" هما اللَّذَان يشير إليهما المؤلِّف، ولم يعرض لهم).
قوله: (أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَكُنْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ. وَاحْتَجَّ الجُمْهُورُ لِرَدِّ هَذَا الحَدِيتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]).
وفي هذا الحديث تأكيدٌ على أن رسالته ﷺ عامة، تشمل الإنس والجن، قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [لنساء: ٧٩]، وقال أيضًا: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ [الأحقاف: ٢٩]: … إلى آخر الآيات التي في سورة الأحقاف، كما أن هناك سورة في القرآن تعرف بسورة الجن:
стр. 443
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١]، فالرسول ﵊ رسالتُهُ عامةٌ إلى الثقلين، فهو أيضًا في هذا الأثر (أثر علقمة) فيه أن الرسول ﵊ جاء إليه داعي الجن، وذهب إليهم، وقرأ عليهم القرآن؛ لأنهم بيَّنوا في آية سورة الأحقاف عندما سمعوا القرآن ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣٠، ٣١].
قوله: (وَاحْتَجَّ الجُمْهُورُ لِرَدِّ هَذَا الحَدِيثِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣])، وَهي عُمْدة أدلتهم، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فَمَتى لم يوجد الماء، يتم النقل مباشرةً إلى التيمم).
قوله: (قَالَ: فَلَمْ يَجْعَلْ هَاهُنَا وَسَطًا بَيْنَ المَاءِ وَالصَّعِيدِ، وَبِقَوْلِهِ ﵊: "الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ" (١)).
قالوا: الآية نصٌّ في أنه إذا لم يوجد الماء، يُنْتقل بعد ذلك مباشرةً إلى التراب؛ لأنه "طهور المسلم وإِنْ لَمْ يجد الماء عشر سنين" (٢)، بل إنها لم تجعل واسطةً بين الماء والتراب.
قوله: (وَبِقَوْلِهِ ﵊: "الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ" (٣)).
و"عَشْر سنين"، من كمَال هذه الشريعة وشمولها وسُمُوها؛ لأنها شريعةٌ خالدةٌ، ووضعت للناس كافة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها،
стр. 444
فَهِيَ تَسْتوعب كل حاجات النَّاس، مهما جدَّت المسائل، وتنوعت الوقائع، وتعددت الحوادث، وهي خصبة شاملة، نجد فيها الحل لكل مسألةٍ، ولكل معضلٍ، ولكل مشكلة مهما تعدفى ت المسائل، وتنوعت الوقائع والمشكلات.
قوله: (فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ هَذَا قَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ فِي الحَدِيثِ اسْمُ المَاءِ، وَالزِّيَادَةُ لَا تَقْتَضِي نَسْخًا، فَيُعَارِضَهَا الكِتَابُ).
هذا استدلالٌ ضعيفٌ، ولا شكَّ أن مذهب الجمهور واضح الدلالة في هذه المسألة.
قوله: (لَكِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ).
بهَذِهِ المسألة نَكُونُ قَدْ ختمنا أبواب المياه التي ركَّز فيها المؤلف على أَمهات المسائل وأصولها، فإذا ما عرفت هذه الأصول، فلك أن تُلْحق بها ما يجد، فتلحق بنبيذ التمر نبيذ العسل، ونبيذ الزبيب (١)، وَهَكذا.
وإذا كان المؤلفُ اختصرَ هذا الباب بالاعتماد على أمهات المسائل إلا أنه بابٌ عظيمٌ وهذه المياهُ نعمةٌ من نعم الله، وهو القائل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
ويقول : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩].
стр. 445
﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾ [ق: ٩]
ولهَذَا، ورَد في أحاديث عِدَّة فضل بذل الماء، وإعطائه للمحتاجِ إليه، وتقديمه له، وقصَّة المرأة التي سقت كلبًا، فكان ذلك سببًا في أنْ غَفَر الله لها قصة البغي، ودخلت الجنة (١).
وإذَا كان في بذل الماء ثواب عظيم، وفضلٌ جزيل، فإنَّ في منعه عن المحتاج إليه ومَنْ في مسيس الحاجة إليه عقابًا شديدًا ولعنًا كبيرًا، ولذلك ورد في الحديث الصحيح الذي أخْرَجه البخاري وغيره من حديث أبي هُرَيرة أنَّ الرَّسُولَ ﵊ قال: "ثلاثةٌ لا يَنْظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يُزكَّيهم، ولهم عذابٌ أليم"، ثم قال: "رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنَ ابْنِ السَّبيلِ" (٢)، زاد عنده الماء، ولم يكن في حَاجةٍ مَاسَّة إليه، ولا بضرورةٍ؛ لأنَّه لو كان كذلك لقدَّم نفسه على غيره؛ لأنه أَوْلَى عملًا بالقاعدة المعروفة، وهذا مما استثني منه "الضَّرُورَات تبيح المحظورات" (٣)، فإذا كان الإنسان محتاجًا، فهو أَوْلَى من غيره، وليس لغيره أن يُكْرهه على أن يأخذه، لكن هذا رجلٌ عنده فضلُ ماءٍ زائد عن حاجته، ومع ذلك منعه ابنَ السَّبيل، فَكان جزاؤه أن عد من الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليم، وبهذا نتبين أهمية الماء وفضله وشدة الحاجة إليه.
стр. 446
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(البَابُ الرَّابعُ في نَوَاقِض الوُضُوءِ)
" النواقض": جمع ناقضٍ؛ لأن "ناقض" اسم فاعل لغير العاقل، وجمع اسم الفاعل لغير العاقلَ على "فَوَاعل".
و"الوُضُوء" بالضم: الطهارة التي يرتفع بها الحدث، وبالفتح: الماء الذي يُتَوضأ به، كما يقال: طَهور بالفتح: لما يُتَطهر به، وبالضم لنفس الفعل، وسَحور بالفتح: لما يُتَسحر به، وبالضم لنفس الفعل الذي هو الأكل.
ونواقض الوضوء: مفسداته، أي: التي إذا طرأت عليه أفسدته.
والنواقض نوعان:
الأول: مجمع عليه، وهو المستند إلى كتاب الله، وسُنَّة رسوله ﷺ .
الثاني: فيه خلافٌ، وهو المبني على اجتهادات أهل العلم ﵏.
وعند النزاع يجب الرد إلى كتاب الله، وسُنَّة رسوله ﷺ .
قوله: (وَالأَصْلُ فِي هَذَا البَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، وَقَوْلُهُ ﵊: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" (١).
стр. 447
ومن هنا أجمعت الأُمَّة على أنه لا تجزئ صلاةٌ إلا بطهارة على ما جاء في الحديث.
قوله: (وَاتَّفَقُوا فِي هَذَا البَابِ عَلَى انْتِقَاضِ الوُضُوءِ مِنَ البَوْلِ وَالغَائِطِ وَالرِّيحِ وَالمَذْي وَالوَدْيِ؛ لِصِحَّةِ الآثَارِ فِي ذَلِكَ إِذَا كانَ خُرُوجُهَا عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ) (١).
وَدَليلُ هَذَا الإجماع الحديث الذي ذَكَره المؤلف.
قوله: (وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا البَابِ مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ سَبْعُ مَسَائِلَ تَجْرِي مِنْهُ مَجْرَى القَوَاعِدِ لِهَذَا البَابِ، المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الأَمْصَارِ فِي انْتِقَاضِ الوُضُوءِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الجَسَدِ مِنَ النَّجَسِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ، فَاعْتَبَرَ قَوْمٌ فِي ذَلِكَ الخَارِجَ وَحْدَهُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ خَرَجَ، وَعَلَى أَيِّ جِهَةٍ خَرَجَ، وَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ (٣)
стр. 448
وَجَمَاعَة، وَلَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ السَّلَفِ، فَقَالُوا: كُلُّ نَجَاسَةٍ تَسِيلُ مِنَ الجَسَدِ، وَتَخْرُجُ مِنْهُ، يَجِبُ مِنْهَا الوُضُوءُ كالدَّمِ وَالرُّعَافِ الكَثِيرِ، وَالفَصْدِ وَالحِجَامَةِ وَالقَيْء إِلَّا البَلْغَمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) (١).
قوله: "الخَارج وَحْدَهُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعِ خَرَجَ، وَعَلَى أَيِّ جِهَةٍ خَرَجَ": عام يشمل المعتاد وغير المعتاد؛ ويشمَل الطاهر والنجس، فالمعتاد كالبول، والغائط، والريح من الدبر، قال الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦].
وفي حديث صفوان بن عسال: "لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمِ" (٢)، وغير المعتاد: كالريح من القُبُل.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ (٣) مِنْ أَصحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّهُ إِذَا مَلَأَ
وقال بَعْض أهل العلم: إن كان المخرج من فوق المعدة، فهو كالقيء، وإن كان من تحتها فهو كالغائط.
وهذا قولٌ جيدٌ بدليل أنه إذا تقيأ من المعدة، فإنه لا ينتقض وضوؤه على القول الراجح، أو ينتقض إن كان كثيرًا على المشهور من المذهب.
ويُسْتثنى ممَّا سبق مَنْ حدثُهُ دائمٌ، فإنه لا ينتقض وضوؤه بخروجه؛ كمَنْ به سلس بول، أو ريح، أو غائط، وله حال خاصة في التطهر.
والظَّاهر أن الريحَ لا تنقض إذا خَرَجت من هذا المكان الذي فتح عوضًا عن المخرج، ولو كانت ذات رائحةٍ كريهةٍ.
وقال بعض العلماء: إنها تنقض الوضوء؛ لأن المخرج إذا انسدَّ وانفتح غيره، كان له حكم الفرج في الخارج، لا في المس، لأن مسَّه لا ينقض الوضوء كما سيأتي إن شاء الله.
(أَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَنَامُونَ جُلُوسًا، وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ وَيُصَلُّونَ)، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النَّوْمِ فِي الاضْطِجَاعِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، وَهُوَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "إِنَّمَا الوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا" (١)، وَالرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ بِذَلِكَ عَنْ عُمَرَ. وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَمَّا كانَ النَّوْمُ عِنْدَهُ إِنَّمَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ مِنْ حَيْثُ كَانَ غَالِبًا سَبَبًا لِلْحَدَثِ، رَاعَى فِيهِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: الاسْتِثْقَالَ أَوِ الطُّولَ أَوِ الهَيْئَةَ، فَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي الهَيْئَةِ الَّتِي يَكُونُ مِنْهَا خُرُوجُ الحَدَثِ غَالِبًا لَا الطُّولَ، وَلَا الاسْتِثْقَالَ، وَاشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي الهَيْئَاتِ الَّتِي لَا يَكُونُ خُرُوجُ الحَدَثِ مِنْهَا غَالِبًا).
والقول الرابع من الأقوال في حكم النوم: أن النوم مظنة الحدث، فإذا نام بحيث لو انتقض وضوؤه، أحس بنفسه، فإن وضوءه باقٍ، وإذا نام بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه، فقد انتقض وضوؤه.
وَبِهَذَا القَول تَجْتمع الأدلَّة، فإنَّ حديثَ صفوان بن عسال دلَّ على أنَّ النومَ ناقضٌ، وحديث أنسٍ ﵁ دلَّ على أنه غير ناقضٍ، فيُحْمَل ما ورَد عن الصَّحابة على ما إذا كان الإنسان لو أحدث لأحس بنفسه، ويحمل حديث صفوان على ما إذا كان لو أحدث لم يحس بنفسه.
ويُؤيِّد هذا الجمع الحديث المروي: "العين وكاء السه، فإذا نامت العينان، استطلق الوكاء"، فإذا كان الإنسان لم يحكم وكاءه بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه، فإن نومه ناقض، وإلا فلا.
стр. 459
فعلى هذا يكون النومُ الكثيرُ ناقضًا مطلقًا، والنومُ اليسيرُ ناقضًا أيضًا إلا من قائمٍ أو قاعدٍ، واليسيرُ يُرْجع فيه إلى العرف.
قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الجَابِ الوُضُوءِ مِنْ لَمْسِ النِّسَاءِ بِاليَدِ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَعْضَاءِ الحَسَّاسَةِ).
وَقَوْله: "النِّسَاءِ"؛ يَعْني: المرأة البالغة، ولكن البُلُوغ هنا ليس بشَرْطٍ، لكن قيَّده بعض العُلَماء ببلوغ سبع سنين، سواء من اللامس أم الملموس، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الغالب فيمَنْ كان له سبع سنوات أنه لا يدري عن هذه الأمور شيئًا؛ ولهذا قيَّده بعض العلماء بمَنْ يطأ مثله، ومن توطأ مثلها؛ أي: تشتهى، والذي يطأ مثله من الرجال هو مَنْ له عشر سنواتٍ، والتي توطأ مثلها من النساء هي مَنْ تمَّ لها تسع سنوات، فَعَلى هذا يكون الحكم معلقًا بمَنْ هو محل الشهوة، وهذا أصح؛ لأن الحكم إذا علق على وصفٍ، فلا بد أن يوجد محلّ قابل لهذا الوصف.
قوله: (فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمَسَ امْرَأَةً بِيَدِهِ مُفْضِيًا إِلَيْهَا لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حِجَابٌ وَلَا سِتْرٌ، فَعَلَيْهِ الوُضُوءُ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَبَّلَهَا؛ لِأَنَّ القُبْلَةَ عِنْدَهُمْ لَمْسٌ مَا، سَوَاءٌ التَذَّ أَمْ لَمْ يَلْتَذَّ، وَبِهَذَا القَوْلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ (١)، إِلَّا أَنَّهُ مَرَّةً فَرَّقَ بَيْنَ اللَّامِسِ وَالمَلْمُوسِ، فَأَوْجَبَ الوُضُوءَ