والحنفية (١) يُقَسِّمون الحيوان أربعة أقسام:
١ - مأكول اللحم، فسؤره طاهر، وهذا لا خلاف فيه.
٢ - أسآر السباع من الدواب؛ كالأسد والذئب، فهذه نجسة.
٣ - أسآر السباع من الطيور؛ كالصقر والبازي، ليست نجسةً، لكنها متُكْره تَوقيًا، ولا ينبغي أن يُتَوضَّأ بسؤرها، يعني: لا ينبغي أن يتطهَّر بسؤرها.
٤ - أَسْآر البَغل والحمار، وهُمَا مَشْكوكٌ في طهارة سؤرهما، يقولون: لا نحكم بطهارته، ولا بنجاسته، ولكن ينبغي ألا يُتَطهر به. مع اختلاف المذهب في الفرس (٢)، وبعض الحيوانات الأُخرى.
أمَّا الحنابلَة، فإنَّهم يُقَسِّمون الحيوان إلى قسمين (٣):
١ - طاهر، فيرون أن الإنسان سؤره طاهر، وكذلك الحيوان مأكول
стр. 387
اللحم سؤره طاهر، وكذلك السنور (القطة) وما دونه خلقةً كالفأرة والعقرب وغيرها من الحيوانات الصغيرة إلا أن لهم كلامًا في الهرة فيما لَوْ أكلت نجاسةً.
٢ - نجس، وينقسم إلى نوعين:
النوع الأول: نجسٌ قولًا واحدًا، وهُوَ الكلب والخنزير، فيَلْتقون مع الشافعية في الكلب والخنزير.
النَّوع الآخر: مُخْتلفٌ فيه، وهي السباع التي ذَكَرها الحنفية سباع الطير، وَكَذلك سباع الدواب، فهَذ يرون أنها نجسةٌ، وهَذا هو المشهور المعروف في المذهب، ولكن هناك رواية أو فهم فهمه علماء المذهب، وهو عدَم نَجَاستها.
* قول: (وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ السِّبَاع عَامَّةً، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ القَاسِمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الأَسْآرَ تَابِعَة لِلُّحُومِ).
يشير المُؤلِّف من طرفٍ خفيٍّ إلى مذهب الحنفية حين قسموا الحيوان إلى أربعةٍ سَبَق ذكرها (١).
* قول: (فَإِنْ كَانَتِ اللُّحُومُ مُحَرَّمَةً، فَالأَسْآرُ نَجِسَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً، فَالأَسْآرُ مَكْرُوهَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً، فَالأَسْآرُ طَاهِرَةٌ، وَأَمَّا سُؤْرُ المُشْرِكِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ نَجِسٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَكْرُوهٌ إِذَا كَانَ يَشْرَبُ الخَمْرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ القَاسِمِ).
هَذَا ذكَرَه عن ابن القاسم، وسؤرُ المُشْرك ليس فقط عند ابن القاسم، وإنَّما موجودٌ في المذاهب الأُخرى، فَحتَّى الحنابلة القائلون بطهارة سؤر الإنسان سواء أكان مسلمًا أم كافرًا، فإنَّ لهم روايةً في
стр. 388
المذهب أن سؤر الكافر غير طاهرٍ (١)، استنادًا إلى قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾.
* قول: (وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ جَمِيعُ أَسْآرِ الحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا تَتَوَقَّى النَّجَاسَةَ غَالِبًا مِثْلَ الدَّجَاجِ المُخَلَّاةِ، وَالإِبِلِ الجَلَّالَةِ، وَالكِلَابِ المُخَلَّاةِ (٢).
الإبل الجلالة (٣)؛ يقصد بها التي تأكُلُ الجلَّة (الدمن أو الروث)، وكذلك بعض الدجاج يأكل النجاسات، وكذلك بعض الحيوانات الأخرى.
* قول: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ هُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ).
يَعْني: الخلاف لم يكن بسببٍ واحدٍ، وإنما هي بسبب أمورٍ ثلاثةٍ:
* قوله: (أَحَدُهَا: مُعَارَضَةُ القِيَاسِ لِظَاهِرِ الكِتَابِ. وَالثَّانِي: مُعَارَضَتُهُ لِظَاهِرِ الآثَارِ. وَالثَّالِثُ: مُعَارَضَةُ الآثَارِ بَعْضِهَا بَعْضًا).
كَمَا يَقُول المؤلف هناك تَعارضٌ، ونحن هنا لا نريد أن نوازنَ بين قياس وكتاب، ولكننا نسير مع المؤلف، وحين يذكر مذهب الحنفية (٤)
стр. 389
ومذهبهم في أخبار الآحاد معروف (١) فإنه يشير إلى هذا قصدًا.
ومعارضة القياس الكتاب المتحدث عنها هنا يقصد بها أن دلالة الكتاب ليست نصيَّة" لأنه ذكر ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ بالنسبة للخنزير، وفي الكلب: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، ولم يأمر بغسله، ولكن بعض العلماء يقولون بأن الرَّسُولَ، ﷺ أمَرَ بغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب، وحتى لو لم يأمر بغسلِهِ، فإنه معفوٌّ عنه؛ لأنَّه ممَّا تعمُّ به البلوى (٢).
والمالكية يرون أن الأمر بغسل الإناء منه إنما هو أمرٌ تعبديٌّ (٣)، ولكننا في هذا الزمن الذي شهد التطور الطبي الهائل أظهر العلة، وبين أنه يوجد في لعاب الكلب مادة لا يزيلها إلا التُّراب، وإذا كان الفقهاء قديمًا اختلفوا في مسألة قيام الصابون مقام التراب إلا أن ما توصل إليه الطب الحديث يجعلنا نتمسك أكثر بالتراب المأمور به، واللهُ أَعْلَم.
стр. 390
* قول: (أَمَّا القِيَاسُ، فَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ المَوْتُ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ).
قوله: (المَوْتُ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ)، يُرِيدُ أَنْ يجعلَ سببَ النجاسة وسرَّها الموت حتف الأنف، فإذا مات حيوانٌ، فهو نجسٌ، وقصَّة شاة ميمونة عندما مرَّ بها معروفة. وقيل: إنها مَيِّتة، فَقَال: "هلا أخذتُموها فَانْتفَعتم بجِلْدِهَا" (١).
إذًا، الذكاة هي سبب الطهارة، فإذا مات الحيوان من غير تذكية، أو أُمِيتَ من غير أن يُذكَّى الذكاة الشرعية، فَهَذا هُوَ القياس الَّذي يَقْصده المؤلف.
* قوله: (هُوَ سَبَبَ نَجَاسَةِ عَيْنِ الحَيَوَانِ بِالشَّرْعِ).
سواء كان الميتة (٢)، أو المنخنقة (٣)، أو الموقوذة (٤)، أو المُتَردية (٥)، أو النطيحة (٦)، أو مَا أكل السَّبُع إلا ما ذكَّيتم، فَهَذهِ كلُّها دَاخلة ضمن المحرَّم، ولذلك تجد العلماء الَّذين يبحثون في الآية التي في سورة المائدة التي ذكرت أشياء عشرةً ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، والتي في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا
стр. 391
أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، أربعة حيث أُجْملَت، فأُدْخلَت أصناف الميتة تحت صنفٍ واحدٍ، فلم تذكر النطيحة، ولا ما أكل السَّبع، ولا المتردية … إلى غير ذلك، في حين أنه فصلت في آية المائدة، فتلك أجملت، وهذه فصَّلت.
وَالمُهِمُّ هنا أنَّ المؤلف يريد أن يقول: إن الأصل القياسي أن الذكاة هي سبب لطهارة الحيوان، فإذا مات الحيوان (١) من غير ذكاةٍ فهو نجسٌ، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا نحكم على الحيوان الحي بأنه نجس، فلو أن موت الحيوان من غير ذكاةٍ هو نجاسة، معنى هذا أن حياته هي طهارة، فالحي طاهر.
* قوله: (وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الحَيَاةُ هِيَ سَبَبَ طَهَارَةِ عَيْنِ الحَيَوَانِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَكُلُّ حَيٍّ طَاهِرُ العَيْنِ، وَكُلُّ طَاهِرِ العَيْنِ فَسُؤْرُهُ طَاهِر).
وهَذَا التَّحليلُ منطقيّ.
* قوله: (وَكُلُّ طَاهِرِ العَيْنِ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ، وَأَمَّا ظَاهِرُ الكِتَابِ فَإِنَّهُ عَارَضَ هَذَا القِيَاسَ فِي الخِنْزِيرِ وَالمُشْرِكِ).
(فَإِنَّهُ عَارَضَ هَذَا القِيَاسَ)، يعني: ظاهر الكتاب عَارَض؛ لأنه لو كان الكتاب نصًّا صريحًا لا يقال: عارض، الأصل يُؤخذ ويُسلم؛ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١].
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
стр. 392
لَكن القضيَّة قَضيَّة فَهْمِ يختلف فيها العلماء، فما المُرَاد بكلمة "رجس" في قولِهِ سبحانه: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، وكلمة "نجس" في قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾؟
أهو النجاسة المعروفة التي هي نجاسة الأبدان أو غيرها؟ أم أنه نَجَاسة المعتقد (١)، وللمفسرين وغيرهم في هذا كلامٌ كثيرٌ، وهَذَا الذي يشير إليه المؤلف ﵀، ولذلك يقول: (ظَاهِرُ الكِتَابِ).
* قول: (وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي الخِنْزِيرِ).
ولم يقل: عارض بالنسبة للكلب؛ لأنَّ ظاهر القرآن دلَّ على أنه طاهرٌ، حيث أمر بأكل ما أمسك عليه.
* قول: (﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وَمَا هُوَ رِجْسٌ فِي عَيْنِهِ، فَهُوَ نَجِسٌ لِعَيْنِهِ).
(مَا هُوَ رِجْسٌ فِي عَيْنِهِ)، أي: إذا كانت ذاته رجسًا، فَهو كَذَلك نجسٌ.
стр. 393
* قوله: (وَلذَلِكَ، اسْتَثْنَى قَوْمٌ مِنَ الحَيَوَان الحَيِّ الخِنْزِيرَ فَقَطْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَثْنِهِ).
استثنوه؛ لأن الآية ذكرته ونصَّت عليه ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾.
* قوله: (حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿رِجْسٌ﴾ عَلَى جِهَةِ الذَّمِّ لَهُ. وَأَمَّا المُشْرِكُ فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فَمَنْ حَمَلَ هَذَا أَيْضًا عَلَى ظَاهِرِهِ، اسْتَثْنَى مِنْ مُقْتَضَى ذَلِكَ فِي القِيَاسِ المُشْرِكينَ).
يَعْني: على ظاهره الذي هو النجاسة المعروفة.
* قوله: (وَمَنْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الذَّمِّ لَهُمْ، طَرَّدَ قِيَاسَهُ).
يَجبُ التَّنبيه إلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ توضأ من مزادة مُشْركَةٍ، ووجهة الذين يقولون بأنَّ السُّؤرَ لا علاقة له بقضية مسلمٍ أو كافرٍ؛ أن الرَّسُولَ توضأ من مزادة (١) المشركة (٢)، وكان يَتعَامل مع المُشْركين، ولم يتعرَّض المؤلف للحمار، وكذلك البغل، ووجهة الذين يقولون بطهارة سؤره أو أنه غير نجسٍ، أنه ﵊ كان يركبُهُ، وكذلك الثعلب احتكاكًا واتصالًا، ولا يؤمن أن يكون قد شرب من المياه التي تُعدُّ للوضوء وغيره.
стр. 394
* قوله: (وَأَمَّا الآثَارُ، فَإِنَّهَا عَارَضَتْ هَذَا القِيَاسَ فِي الكَلْبِ وَالهِرِّ وَالسِّبَاعِ).
وهُوَ أن الذكاة سبب الطهارة، وعدم التذكية دليل على النجاسة، عارضت هذا في الكلب، لأنه ورد فيه نصٌّ، وهو حديث متفق عليه، وَرَواه الجماعة، وفي بَعْض رواياتِهِ في "صحيح مسلم "، وفي غيره، وكذلك بالنسبة للهرِّ والسِّباع.
* قوله: (أَمَّا الكَلْبُ، فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ).
من الأدلَّة التي يذكرها المؤلف: حديث القُلَّتين، وهو صالحٌ للذين يقولون: إن السباع أسآرها طاهرة، وحجة للذين يقولون بأنها غير طاهرةٍ؛ لأنَّ الحنفيَّة يَسْتدلُّون بالحديث أنَّ الرَّسُولَ ﵊ سُئِلَ عن الماء وما ينوبُهُ من السباع والدواب، فقال: "إذا بلغ الماء قُلَّتين، لم يحمل خبثًا" (١)، ولكنهم يستدلون به عن طريق دليل الخطاب (٢) (أي: مفهوم المخالفة الذي بينَّاه سابقًا)، والشافعية والحنابلة يردون عليهم بأنكم لا تحتجون أصلًا بدليل الخطاب (أي: بمفهوم المخالفة)، فكيف تحتجُّون بهذا الحديث.
* قوله: (وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيُرِقْهُ، وَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ " ((٣).
قَالَ بَعْض العُلَماء: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "إذَا وَلَغ الكَلبُ في إنَاء … "، ولم يقل: "ولَغَ في المَاء"، وإنَّما: "إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ
стр. 395
أَحَدِكُمْ" عامٌّ، قَدْ يكون الإناء فيه ماءٌ، وقد لا يكون فيه ماءٌ، وإنْ كان الغالب أن فيه ماءً؛ لأنه قال: "فَلْيُرِقْهُ" في بعض الروايات، وكونه يراق إنما يدل على أن فيه ماءً.
* قول: (وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: "أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ" (١)).
وهي عند مسلمٍ أيضًا وغيره.
* قول: (وَفِي بَعْضِهَا: "وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ (٢) ").
يَعْني: هذا الحديث كله بجميع طرقه حديث صحيح لا إشكال فيه، فبعض ألفاظِهِ متفقٌ عليها، وبعضها في أحد "الصحيحين".
* قول: (وَأَمَّا الهِرُّ: فَمَا رَوَاهُ قُرَّةُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "طَهُورُ الإِنَاءِ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الهِرُّ أَنْ يُغْسَلَ مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ" (٣)، وَقُرَّةُ ثِقَة عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ) (٤).
وَجَاء فِي حديثٍ آخَرَ: "طهور الإناء إذا وَلغَ فيه الكلب أن يغسل سبعًا، وإذا ولغ فيه الهرُّ أن يغسلَ مرةً أو مرَّتين " (٥).
* قول: (وَأَمَّا السِّبَاعُ، فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ المُتَقَدِّمُ عَنْ أَبِيهِ). يَقْصد حديث القُلَّتين.
стр. 396
قوله: (قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ المَاءِ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ، فَقَالَ: "إِنْ كاَنَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ، لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا" (١)).
للعُلَمَاء في هذا الحديث كلام، والذين يقولون بأن الماء لا ينجس استندوا إلى أن الرسول ﷺ قال: "إذا بلَغ الماء قُلَّتين … "، يقولون أيضًا: إن هذه الحيوانات السباع كان من بينها الكلاب، والكلاب نجسة منصوص عليها، ولذلك نُهِيَ عن الماء لوُجُود هذه فيه، ولا يمنع أن الكلابَ كانت تبول فيه أيضًا، والآخرون يقولون: لَا، إنَّما هذا دليلٌ على أن السباع نجسة، فتكون أسآرها كذلك.
قوله: (وَأَمَّا تَعَارُضُ الآثَارِ فِي هَذَا البَابِ).
ومن الأدلة أيضًا مع هذا ما عند ابن ماجه (٢) - وإن كان الحديث ضعيفًا - أن الرسول ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تَرِدُها السباع والدواب - وفي بعض الروايات: الكلاب - فقال: "لها ما حملته بطونها، ولنا ما غبر طهور"، وقصة عمر ﵁ أيضًا لما كان معه بعض الصحابة، فمروا بحوض، فتقدم عمرو بن العاص، فسئل صاحب الحوض عما إذا كانت السباع تَرِدُهُ، فقال عمر ﵁: يا صاحب الحوض، لا تُخْبره (٣).
стр. 397
قوله: (فَمِنْهَا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ ﷺ عَنِ الحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ
مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ تَرِدُهَا الكِلَابُ وَالسِّبَاعُ، فَقَالَ: "لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا،
وَلَكُمْ مَا كَبَرَ شَرَابًا وَطَهُورًا" (١)).
ويُضعِّفهُ العلماء المختصون بهذا العلم.
قوله: (وَنَحْوَ هَذَا حَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ في "مُوَطَّئِهِ").
يأخذ البعض على المؤلف أمورًا، مثل قوله: "حَدِيثُ عُمَرَ"، ومعلوم أن الاصطلاح بعد الاستقرار هو أن الحديثَ ما رُفِعَ إلى الرسول ﵊ (٢)، والأثرَ ما وُقِفَ به عن الصحابي (٣)، وعلى هذا، فذاك فليس حديثًا على المصطلح إلا أنه لا يعتبر خطأً علميًّا.
ولهَذَا، تَجد بعضَ العلماء يَتسَامحُون، ويُسَمّونه أثرًا، أي: يسمي الكلَّ أثرًا (٤)، والشَّاهد أنه أرَاد هنا الأثر الذي أشرت إليه قبل قليلٍ حين سُئِلَ صاحب الحوض عما إذا كانت السباع ترده أم لا؟ وبعد إيراد الأثر تأتي مسألة كونه صحيحًا أم لا؟ فهناك مَنْ أورده وسكت، وهناك مَنْ تكلم عنه وقال: إن فيه علتين، هُمَا الإرسال والانقطاع (٥).
стр. 398
قوله: (وَهُوَ قَوْلُهُ: "يَا صَاحِبَ الحَوْضِ، لَا تُخْبِرْنَا، فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ، وَتَرِدُ عَلَيْنَا" (١)، وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ أَيْضًا الَّذِي خَرَّجَهُ مَالِكٌ: أَنَّ كَبْشَةَ سَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبَ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ) (٢).
يَعْني: كبشة ابنة أخيه، أعدت له ماءً ليتوضأ، فأقبلت إليه هرة، فأَصْغَى (يعني: أمَال لها) الإناءَ فَشَربتْ، فتَعجَّبت كَبْشةُ، وَجَلستْ تنظُرُ إليه، فَقَالَ في بعض الرِّوايات: كأنَّك تنظرين إليَّ؟ قالت: نعم. فأَخْبَرها أنَّ الرَّسُولَ ﵊ قال: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ"، أَوِ: "الطَّوَّافَاتِ".
وَوَردَ أيضًا في هَذا حَديثٌ عن عَائِشَةَ ﵄: "إنَّها لَيْسَتْ بنَجَسٍ". وفي بعض الرِّوايات: "إنَّهَا من الطَّوَّافين عَلَيكم أو الطَّوَّافات" (٣)، إذن تَعدَّدت الرِّوايات، أما حديث قرَّة، فالصَّحيح أنه مَوْقوفٌ (٤).
قوله: (حَتَّى شَرِبَتْ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَّافَاتِ"، فَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الآثَارِ).
وَمن هنا توسَّع الفقهُ الإسلاميُّ وامتدَّ، وأَصْبَحت آفاقُهُ رحبةً نتيجةً لجُهُود الفُقَهاء ﵏ حين يُفَرِّعون علَى المسائل، ويُخرِّجون عليها، ويُكْثرون، وكثيرًا ما يَكُون هذه وقائع.
стр. 399
والتكرير الصحي بوضع الأدوية في الماء مشابه لما تكلم عنه العلماء، فمسألة تقيد الفقهاء بالهرة عند مَنْ يقول - وهم أكثر العلماء بل عامتهم - بأنها غير نجسة (١)، نجد أيضًا أنَّهمْ يُفرِّقون بين أن تَكُونَ مطلقةً، وبين أن تأكلَ نَجَاسةً، فَهي في حالة أَكْلها النَّجاسة عند بعض العلماء يَرَون أنها تغيب وتعود، وبعضهم أنها تترك فترةً حتَّى يزول ما فيها، أو أنها تشرب مرةً أُخرى، أو نحو ذلك، ففيه تَفْصيلٌ للعلَماء (٢).
قول: (وَوَجْهِ جَمْعِهَا مَعَ القِيَاسِ المَذْكورِ).
القياس المقصود به هنا هو الذكاة.
стр. 400
قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ بِالأَمْرِ بِإِرَاقَةِ سُؤْرِ الكَلْبِ، وَغَسْلِ الإِنَاءِ مِنْهُ، إِلَى أَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ) (١).
هناك عبادةٌ معلَّلة (٢) (معقولة المعنى)، وأُخرى غير مُعلَّلةٍ (غير معقولة المعنى)، فالوُضُوءُ مثلًا له ناحيتان؛ فَهُو إلى جانب كونه عبادة فهو نظافةٌ، فمَنْ يقول بأنه يشترط فيه النية يقول: هو عبادة محضة. ومَنْ يقول: ليست النية شرطًا فيه، يلحظ فيه قضية النظافة، فهو - من غير شكِّ - عبادة؛ لأنه طاعةٌ لله، واستجابة لما وجه إليه الرسول ﵊: "لا يَقْبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (٣)، "لا يقبل الله صلاةً بغير طهورٍ" (٤)، "الطهور شطر الإيمان" (٥)، وفي نفس الوقت تلحظ أنه عبادةٌ مُعلَّلةٌ يعني: معروفة العلة، ونقف على كنهها، ونستطيع أن نعللها، وهي النظافة.
وبالتطور الطبي فقد وقفنا على العلة في اللُّعاب، حيث إن فيه مادةً لا يزيلها إلا التراب، وبذلك يبين هذا الإعجاز الذي جاء في كتاب الله ، وفي سنة الرسول ﵊، وما أخبر عنه أيضًا قبل قرون كثيرة، ومَا أكثرَ الأُمُورَ التي تحدَّث عنها الكتاب والسُّنة، ثم جاء العِلْمُ الحديثُ وتقدمه، فأثبتها كَمَا جاءَ به الوحي.
стр. 401
قول: (وَأَنَّ المَاءَ الَّذِي يَلَغُ فِيهِ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَلَمْ يَرَ إِرَاقَةَ مَا عَدَا المَاءَ مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي يَلَغُ فِيهَا الكَلْبُ فِي المَشْهُورِ عَنْهُ، وَذَلِكَ - كَمَا قُلْنَا - لِمُعَارَضَةِ ذَلِكَ القِيَاسِ لَهُ).
وجد الإمام مالك ﵀ الأمرَ مترددًا بين الحديث وبين الآية، فالله - سبحان الله وتعالى - يقول في شأن كلاب الصيد: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، فهنا أمر بالأكل منه، ولم يُقيِّد ذلك بالغسل، وَوَرد الأمر بالغسل في أحاديث احتجَّ بها علماء، وقالوا: حتَّى لو لم يرد الأمر بغسلها، فَهَذا معفوٌّ عنه؛ لأنه ممَّا تعمُّ به البلوى.
قوله: (فَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الآثَارِ، وَوَجْهِ جَمْعِهَا مَعَ القِيَاسِ المَذْكورِ).
يقصد بالآثار الأحاديث، ومن ذلك أثر عمر ﵁ الذي مرَّ آنفًا.
قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ في الأَمْرِ بِإِرَاقَةِ سُؤْرِ الكَلْبِ، وَغَسْلِ الإِنَاءِ مِنْهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ عِبَادَة غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ) (١).
يرَى المالكيَّة أنَّ الأمرَ بغسل الإناء، وفي ذكر العدد، وفي إراقة الماء إنما هو تعبديٌّ، وأصحاب المذاهب الأُخرى يعترضون على ذلك ويقولون: ليس الأمر تعبديًّا، وإنما لعلةٍ قد تكون واضحة في هذا الأمر، ولو كان الأمرُ تعبديًّا، لَمَا أمر بإراقة الماء؛ لأنه لو كان تعبديًّا لفهم من ذلك أن السؤرَ ليس بنجسٍ، فلماذا يُرَاق الماء ويُصبُّ؟
قول: (وَأَنَّ المَاءَ الَّذِي يَلَغُ فِيهِ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَلَمْ يَرَ إِراقَةَ مَا عَدَا المَاءِ مِنَ الأَشْيَاءِ).
مع اعتراضِهِ أنَّه لم يَرِدْ تنصيصٌ في الحديث على الماء، وإنَّما في
стр. 402
الإنَاء: "إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ … " (١)، وفي بعض الرِّوايات: "طهور إناء أَحدكُمْ إذا ولغ فيه الكلب … " (٢).
قول: (وَلِأَنَّهُ ظَنَّ أَيْضًا أَنَّهُ إِنْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الكَلْبَ نَجِسُ العَيْنِ، عَارَضَهُ ظَاهِرُ الكِتَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى).
لَكن الجُمْهورَ والمُخَالفين للمالكيَّة يقولون: إن الله - سبحان الله وتعالى - أمَر بالأكل ممَّا أمسك؛ ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، والرَّسُولُ ﵊ أمَرَ بغَسْل ذلك، فنَجْمع بين الأمرين، ونحن مُطَالبون بأن نأخذَ بأَمْرِ الله - سبحان الله وتعالى -، ثمَّ بأمر رَسُولِهِ ﷺ . قول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، يُرِيدُ أَنَّهُ لَوْ كانَ نَجِسَ العَيْنِ، لنَجَّسَ الصَّيْدَ بِمُمَاسَّتِهِ، وَأَيَّدَ هَذَا التَّأْوِيلَ).
ولذَلكَ، نجد أن الإمام الشافعي في كتبه المعروفة ينص على أن العلَّة في تطهير الإناء إنَّما هي مرتبطةٌ بلعاب الكلب (٣)، وَهَذا ما أيَّده الطِّبُّ الآن.
قوله: (وَأَيَّدَ هَذَا التَّأْوِيلَ بِمَا جَاءَ فِي غَسْلِهِ مِنَ العَدَدِ، وَالنَّجَاسَاتُ لَيْسَ يُشْتَرَطُ فِي غَسْلِهَا العَدَدُ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الغَسْلَ).
ولهَذَا، يأخُذُ الحنفيَّة الحديثَ، ويُجزِّئونه قسمين: فيَأخُذُون بجُزْءٍ
стр. 403
منه، وهُوَ نجاسة الكلب، ولا يَأْخُذُون بالقسم الآخر المتعلق بالعدد؛ لأنَّ الأصلَ العام في غسل أي موضعٍ وقعت عليه النجاسة إنَّما هو لإذهاب عين النجاسة (١).
قوله: (إِنَّمَا هُوَ عِبَادَةٌ، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى سَائِرِ تِلْكَ الآثَارِ لِضَعْفِهَا عِنْدَهُ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ، فَاسْتَثْنَى الكَلْبَ مِنَ الحَيَوَانِ الحَيِّ).
قوله: (وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى سَائِرِ تِلْكَ الآثَارِ)، هُوَ يَقْصد الأحاديثَ، ومنها ما هو حديثٌ صحيحٌ، ومنها حديث القُلَّتين أن الرسول ﵊ سُئِلَ عن الماء وما يَنُوبه من السباع والدواب، فَقَال: "إذا بلغ الماء قُلَّتين، لم يحمل الخَبَث" (٢)، وفي روأيةٍ: "لم ينجس" (٣).
قوله: (وَرَأَى أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الحَدِيثِ يُوجِبُ نَجَاسَةَ سُؤْرِهِ، وَأَنَّ لُعَابَهُ هُوَ النَّجِسُ لَا عَيْنُهُ فِيمَا أَحْسِبُ، وَأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُغْسَلَ الصَّيْدُ مِنْهُ) (٤).
стр. 404
وَلذَلكَ، تَرَون أنَّ هناك اختلافًا كبيرًا بين الفقهاء فيما لو وقَع كلبٌ في بِئْرٍ، فتفتت لحمُهُ وشعر، هل يؤثر شعره أو لحمه أو لا؟ فبَعْضهم يرى أن الشعر حتى في الحيوانات النجسة، وكذلك أيضًا الظفر والقرن وغير ذلك، لا تأثير لها (١).
стр. 405
قوله: (وَكَذَلِكَ اسْتَثْنَى الخِنْزِيرَ) (١).
أَرَاد الشافعيُّ ﵀ أن يربطَ بين الآية والحديث، فالآية جَاءَت بالأكل منه، وأطلقت، وفي الحديث: أنه يُغْسل، ففي الجمع بين الأمرين نكون قد أَخَذنا بدليل الكتاب والسُّنَّة.
قوله: الِمَكَان الآيَةِ المَذْكورَةِ، أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ المَفْهُومَ مِنْ تِلْكَ الآثَارِ الوَارِدَةِ بِنَجَاسَةِ سُؤْرِ السِّبَاعِ وَالهِرِّ وَالكَلْبِ) (٢).
قوله: (هُوَ مِنْ قِبَلِ تَحْرِيمِ لُحُومِهَا).
стр. 406
التَّعبير بـ"زعَم" من قبل المؤلف وبعض الفقهاء إنما يُريدُون أنه ادَّعى أو ذهب، بمعنى: قال أو رأى، لكنَّ أبا حنيفة يرى بالنسبة للهرة الكراهة، فهو لا يسوي بينها وبين الكلب.
قوله: (وَأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ العَامُّ، فَقَالَ: الأَسْآرُ تَابِعَة لِلُحُومِ الحَيَوَانِ) (١).
ذَلكَ أنَّ الحَنفيَّة قَسَّموا أسآر الحيوانات إلى أربعة أقسامٍ، وَقد مرَّ بنا تلك الأقسام.
قوله: (وَأَمَّا بَعْضُ النَّاسِ، فَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الكَلْبَ وَالهِرَّ وَالسِّبَاعَ عَلَى ظَاهِرِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ).
يقصد بـ "بعض النَّاس": الآراء المتفرقة داخل المذاهب، ومنها آراء ابن القاسم (٢) الَّتي ذكَرها، وهو من تلاميذ الإمَام مَالِكٍ ﵀، ومن أصْحَاب الإمام مالك صاحب "المدونة" الذي روَاها عنه سحنون.
قوله: (وَأَمَّا بَعْضُهُمْ، فَحَكَمَ بِطَهَارَةِ سُؤْرِ الكَلْبِ وَالهِرِّ، فَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ السِّبَاعَ فَقَطْ).
فِي حَديث قرَّة إشارة إلى نجاسة الهرة، ثمَّ جاء حديث أبي قَتادَة، وهُوَ أصحُّ منه، وهو صَريحٌ عندما أصْغَى لها الإناء، فَشَربت، فَنَظرتْ إلَيه كبشة، فذكر أن الرَّسُولَ ﵊ قَالَ: "إنَّها لَيْسَتْ بنَجَسٍ، إنَّها من الطَّوَّافين عَلَيكم"، أو "الطَّوَّافات" (٣).
стр. 407
قوله: (أَمَّا سُؤْرُ الكَلْبِ فَلِلْعَدَدِ المُشْتَرَطِ فِي غَسْلِهِ، وَلمُعَارَضَةِ ظَاهِرِ الكِتَابِ لَهُ).
الحنفيَّة ﵏ يَقُولُون بنَجَاسة الكلب (١)، لكنَّهم يرونَ أن العَددَ هنا لا معنى له، فليسَ مقصودًا؛ لأنَّ المعروفَ فيما يتعلق بتطهير النَّجاسات هو زوَال العين، وليس العدد.
قوله: (وَلمُعَارَضَةِ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ لَهُ، إِذْ عَلَّلَ عَدَمَ نَجَاسَةِ الهِرَّةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ).
فَمَعْنى هذا أنَّ ما ليسَ بِطَوَّافٍ، فهو نجسٌ.
قوله: (وَالكَلْبُ طَوَّافٌ، وَأَمَّا الهِرَّةُ، فَمَصِيرًا إِلَى تَرْجِيحِ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عَلَى حَدِيثِ قُرَّةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، وَتَرْجِيحِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ، وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ).
حديث ابن عمر ﵄ هو الذي ورد في القُلَّتين، وقوله: "حَدِيثِ عُمَرَ"، ليس حديثًا، وإنما هو أثرٌ (٢).
قول: (لِمُعَارَضَةِ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ لَهُ بِدَلِيلِ الخِطَابِ).
دَليلُ الخطَاب هُوَ مفهوم المخالفة، ولَه عشرة أنواعٍ (٣)، والحنفيَّة لا يأخذون به (٤).
стр. 408
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا عَلَّلَ عَدَمَ النَّجَاسَةِ بالهِرَّةِ بسَبَبِ الطَّوَافِ، فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا لَيْسَ بِطَوَّافٍ وَهِيَ السِّبَاعُ، فَأَسْآرُهَا مُحَرَّمَةٌ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ هَذَا المَذْهَبَ ابْنُ القَاسِمِ (١)، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ كَمَا قُلْنَا بِنَجَاسَةِ سُؤْرِ الكَلْبِ، وَلَمْ يَرَ العَدَدَ فِي غَسْلِهِ شَرْطًا فِي طَهَارَةِ الإِنَاءِ) (٢).
وَأَبو حَنيفَة لا يرَى العددَ لمخالفتِهِ الأصول؛ لأنَّ ما ورَد من أدلةٍ ونصوصٍ في هذه المسألة في عامتها إنَّما هي تدلُّ على أن المقصود من التطهير من النجاسة هو زوال عينها، فلماذا يربط بعددٍ؟!
قوله: (الَّذِي وَلَغَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَارَضَ).
وَالعَددُ مَنصوصٌ عليه في الحديث: "إذا وَلَغ الكَلب في إناء أحدكم، فَليَغْسله سبعًا" (٣)، وفي بعض الرِّوايات: "أولهنَّ بالتراب" (٤)، وفي بعضها: "وعَفروا الثَّامنة بالتُّراب" (٥).
إذًا، العَدَدُ ورَدَ في الحديث إلَّا أنَّ أبا حنيفة يرَى أن المقصودَ هنا هو زوَال عين النجاسة، والنَّجاسَة قَدْ تَزُول بغسلةٍ أو بغَسْلتين، أو أكثر من ذلك،
стр. 409
فلماذا يُربط بعددٍ؟ لكن الحديث له حكمةٌ، وفيه سرٌّ من الأسرار، ألا وهو ما ظهر من أنَّ في لعابه مادةً تحتاج بعد هذا الغسل المتكرر إلى استخدام التُّراب فيها، والمواد اللزجة لو وقع على يد الإنسان منها شيءٌ مثل الأدهان، أو ما يُسمَّى بالدِّيزل، وَهَذِهِ المحروقات أو الزُّيُوت التي تُسْتخدم في السيارات تحتاج إلى عدة غسلاتٍ حتَّى يرفع ذلك عن يديه، فهَذ إذن تحتاج إلى تكرار الغسل بالصَّابون، وربما لا يؤثر الصابون، فتحتاج إلى مادةٍ أخرى لتَرفع ذلك، وبما أن اللُّزُوجة لها أثرها حيث تُلْصق بالإناء، وَفِي الجسم، فقَدْ أرشدَ الرَّسُولُ ﷺ إلى ذلك، وهُوَ ﷺ لا ينطق عن الهوى، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤].
قوله: (ذَلِكَ عِنْدَهُ القِيَاسُ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ، (أَعْنِي: أَنَّ المُعْتَبَرَ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ إِزَالَةُ العَيْنِ فَقَطْ)، وَهَذَا عَلَى عَادَتِهِ فِي رَدِّ أَخْبَارِ الآحَادِ).
الحنفيَّة يردُّون أخبارَ الآحاد، وهذه قضيةٌ أصوليةٌ معروفةٌ عند الحنفية، والجُمْهورُ يُخَالفونهم في ذلك (١).
قول: الِمَكَان مُعَارَضَةِ الأُصُولِ لَهَا. قَالَ القَاضِي: فَاسْتَعْمَلَ).
إذا قال صاحب "بداية المجتهد": "قال القاضي"، فهو يقصد نفسه، وليس ذلك عيبًا أن يقول الإنسان عن نفسه: "قال القاضي"، أو "قال الشيخ"، أو "قال مقيده"، أو "قال كاتبه"، فهو، فإن أراد غيره يقول: "قال القاضي فلان".
стр. 410
قوله: (مِنْ هَذَا الحَدِيثِ بَعْضًا، وَلَمْ يَسْتَعْمِلْ بعضًا).
استعمل هَذَا الجزءَ من الحَديث: "إذَا ولَغ الكَلْبُ فِي إنَاء أَحَدكُمْ، فَلْيَغْسِلْهُ" (١).
فَوَقفَ عند نجَاسة الكلب، وحَكَم بنجَاسته، وعندما جاء عند العدد قال: لا مفهومَ له؛ لأن المَعْروفَ في تطهير النجاسات هو زوال عينها، وإذا أصاب ثوبك دم الحيض مثلًا فإنك تحكه (٢)، ثم تقرصه (٣)، ثم تنضحه (٤) بالماء، ثم تصلي فيه (٥)، وكذلك فيما يتعلق بالبقعة كمَا جَاء في الحديث: "صُبُّوا علَى بول الأعرابيِّ ذنوبًا (٦) من ماءٍ" (٧)، وكذلك فيما يتعلق ببدن المصلي، فإنه يحتاج إلى أن يُطهِّره من النَّجاسات فيما لَوْ كان عليه دمٌ أو بولٌ (٨)، أو غير ذَلكَ، إذن يطهر البدن والملبس والبقعة التي يُصَلى علَيها؛ سواء كانت أرضًا أو فراشةً.
стр. 411
قوله: (أَعْني أنه استعمل منه ما لم تُعَارضه عنده الأُصُولُ، وَلَمْ يَسْتَعْمِلْ مَا عَارَضَتْهُ مِنْهُ الأُصُولُ، وَعَضَّدَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَى الحَدِيثَ) (١).
وهذا نُقِلَ عن أبي هريرة ﵁
قوله: (فَهَذِهِ هِيَ الأَشْيَاءُ الَّتِي حَرَّكَتِ الفُقَهَاءَ إِلَى هَذَا الاخْتِلَافِ الكَثِيرِ).
يَقْصدُ أنَّ ما وَرَد من نصوصٍ وآثارٍ في هذه المسألة هو الذي جَعَل الفقهاء يختلفون هذا الاختلافَ الكبيرَ، ففريقٌ يأخُذُ ببعض أدلة، وفريقٌ آخَر يأخذ بأُخرى، ولكلٍّ فَهْمُهُ، بل تَخْتلف الأدلَّة صحةً وضعفًا بينهم، وأيضًا قَدْ يبلغ هذا الفقيه حديثٌ لا يبلغ الآخر، وقد يبلغه عن طريقٍ صحيحٍ، ويبلغ الآخر عن طريق ضعيفٍ، وهَكَذا، وقد يجد له معارضًا، وهَذَا قدْ لا يثبت عنده المعارضة، وهكَذا، فأَسْبَابُ الخلَاف كثيرةٌ.
قوله: (فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، وَقَادَتْهُمْ إِلَى الافْتِرَاقِ فِيهَا، وَالمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ مَحْضَةٌ يَعْسُرُ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا تَرْجِيحٌ، وَلَعَلَّ الأَرْجَحَ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ طَهَارَةِ أَسْآرِ الحَيَوَان: الكَلْبُ وَالخِنْزِيرُ وَالمُشْرِكُ).
يقول المؤلف ﵀: "يَعْسُرُ" وجود ترجيحِ إلا أنه من طرفٍ خفيٍّ ركَن إليه، وهذا التَّرجيح تطمئن إليه نُفُوسنا.
قال: (وَالمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ مَحْضَةٌ يَعْسُرُ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا تَرْجِيحٌ، وَلَعَلَّ
стр. 412
الأَرْجَحَ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ طَهَارَةِ أَسْآرِ الحَيَوَان الكَلْبُ وَالخِنْزِيرُ وَالمُشْرِكُ).
قال المؤلِّف: "يَعْسُرُ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا تَرْجِيحٌ"، ثم أردف بالقول: "الأَرْجَحَ"، فكأنه يريد أن يقول: حتى تُرَجِّحِ ترجيحًا حاسمًا تطمئن نفسك إليه من كل جانب، فَهَذا أمرٌ صعبٌ، وَلكن على ضوء استقراء الأدلَّة وتتبُّعها، ومُنَاقشتهًا، ومَعْرفة الآراء، ووجهة كل قولٍ، قَدْ تطمئن النفس نسبيًّا إلى ما ذَهَب إليه، حيث إنه انتهى إلى أن النجسَ أنوأعٌ ثلاثةٌ: الكلبُ، والخنزيرُ، والمشركُ.
قوله: (لِصِحَّةِ الآثَارِ الوَارِدَةِ فِي الكَلْبِ).
تَرْجيح المؤلف له موضعٌ من التقدير والاحترام، فهو - لا شكَّ - انتهى إلى هذا القول، استنادًا إلى أَدلَّةٍ.
وَهُوَ فيمَا يَظْهر قارب من التَّرجيح الذي ينبغي أن يُؤْخذ به، ولكننا لا نلتقي معه في كل ما ذكر، ذلك أن قضية الترجيح ليست سهلة المنال، كما أن ترجيح قولٍ ليس معناه أنه هو الصواب، ولا ينبغي أن يكون القول الحق في غيره، فقد يأتي عالمٌ أو مدرسٌ فيرجح قولًا، ويأتي طَالبٌ من الطلاب، فيقف على ما لم يقف عليه غيره ويرجِّحه، وهذا من اختلاف وجهات النظر.
أَمَّا القول الذي أميل إليه في هذه المسألة هو مذهب الشافعية (١)، وأرى أنه أقوى المذاهب، وهو أَنَّ هَذِهِ الأسآر كلها طاهرة عدا سؤر الكلب والخنزير، أمَّا المشرك فلَوْ أردنا أن نتتبع ما وَرَد فيه، سنجد أن الرسول ﵊ وأصحابه تعاملوا معهم، وقد توضأ ﷺ من مزادة (٢) مشركة (٣)، وهناك أحاديث كثيرة تبعد ذلك القول وتضعفه، وعندما نبحث في المذاهب نجد أن فيها قولًا بهذا الرأي، فمذهب الحنابلة
стр. 413
مثلًا فيه رواية (١) - وإن لم تكن المشهورة - بنجاسة سؤر الكافر.
قوله: (وَلأَنَّ ظَاهِرَ الكِتَابِ أَوْلَى أَنْ يُتَّبَعَ فِي القَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِ الخِنْزِيرِ وَالمُشْرِكِ مِنَ القِيَاسِ، وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ الحَدِيثِ).
أعارض رأي المؤلف في أنه وردت أدلة أُخرى في السُّنَّة تتعارض مع هذا.
قوله: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الفُقَهَاءِ (أَعْنِي: عَلَى القَوْلِ بِنَجَاسَةِ سُؤْرِ الكَلْبِ (٢)، فَإِنَّ الأَمْرَ بِإِرَاقَةِ مَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ مُخَيِّلٌ وَمُنَاسِبٌ فِي الشَّرْعِ).
يقصد المؤلف أن التفكير في الأمر، وتدقيق النظر، يُحتِّمان القول بنجاسة سؤر الكلب، وأن هذا يتناسب مع أصول الشرع وأدلته وأقوال العلماء.
قوله: الِنَجَاسَةِ المَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ - أَعْنِي: أَنَّ المَفْهُومَ بِالعَادَةِ فِي الشَّرْعِ مِنَ الأَمْرِ بِإِرَاقَةِ الشَّيْءِ وَغَسْلِ).
ومما يُقوِّي مذهب الشافعية في هذا، وأن المسألة متعلقة باللعاب: حديث بئر بضاعة (٣)، وهو حديثٌ صحيحٌ عندما سُئِلَ الرَّسُولُ ﵊ أنه يُسْتقى له منها، وَهي بئرٌ يُلْقى فيها لحوم الكلاب والعذرة والنتن، وفي بعض الروايات: "إنه يُستقى لك من بئر بضاعة، وهي بئرٌ يُلقى فيها لحوم الكلاب والحيض -يعني: خرق الحيض - وكذلك النتن، فَقَالَ الرَّسُولُ ﵊: "المَاءُ طَهور لا ينجسه
стр. 414
شيءٌ"، فدلَّ ذلك على أن النجاسةَ متعلقة بلعابه، وهو الذي وقف عنده الشافعي، وَدقَّقوا الأمرَ فيه ومَحَّصوه.
قوله: (أَعْنِي: أَنَّ المَفْهُومَ بِالعَادَةِ فِي الشَّرْعِ مِنَ الأَمْرِ بِإِرَاقَةِ الشَّيْءِ).
قال: "العادة"، وَهي قضيةٌ معتبرةٌ في الأحكام الشرعية إذا أحكمت، وهي المبنية على دَلِيلِ، والفُقَهاء ﵏ وَضَعوا هَذه القَاعدة الفقهيَّة الكبيرة "العَادَة مُحكَّمةَ" (١)، وَكثير من الفُقَهاء بَنَوا جملةً من أحْكَامهم في مسائل الحيض استنادًا إليها، وهذا دليلٌ على اعتبارها، كمَا أن للعادة أحكامًا كثيرةً معتبرةً في البيوع والصناعات وغيرها، وتعرف عند الأُصُوليِّين بالعرف، وهو بابُ واسعٌ.
قوله: (الإِنَاءِ مِنْهُ هُوَ لِنَجَاسَةِ الشَّيْءِ، وَمَا اعْتَرَضُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لِنَجَاسَةِ الإِنَاءِ لَمَا اشْتُرِطَ فِيهِ العَدَدُ، فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ يَخُصُّ نَجَاسَةً).
هذا تعليلٌ جَيِّدٌ، فهو يقول: دعوى أن العدد لا مفهوم له، يرد بأنه ليس كل أمرٍ لا نفهمه يكون على مستوى فهمنا، فهناك من الأمور ما لا نُدرك كنهها، وهناك من الأمور ما تظهر لنا الحكمة فيها والعلة، ومنها ما لا تظهر لنا الحكمة فيها، ولذلك نجد العلماء أحيانًا يقولون: هذه المسألة غير معقولة المعنى، وهذه معقولةُ المَعْنى، وهذه معلَّلة، وهذه غير معلَّلة، فكتاب "إعْلَام الموقعين" لابن القيِّم - وهو كتابٌ جيِّد - الذي يُحَاول أن
стр. 415
يتلمَّس الحكمةَ من أحكام الشرع، فقَدْ يصيب في بَعْضها، وقَدْ لا تكون هي عين الصواب.
وَلَكنه تلمس بجمع الأدلة والمقارنة بينها مستقرئًا الأمور في ذلك، ومحاولًا الغوص في أعماق النُّصُوص بُغْية الوصول إلى العلة، ولا شكَّ أنَّ منهَا ما هُوَ مَنصوصٌ عليه، فأحيانًا يذكر الحكم مقرونًا بعلَّته، فيُصْبح الأمر واضحًا.
وإذا ذكر الحكم من غير علة، فحينئذٍ يتردد الفقهاء، وقد تكون العلة غير مذكورةٍ، لكنها تظهر للفقيه، كما تكون دقيقةً تحتاج إلى غوصٍ وفضل تأمل، لا يُدْركها كل فقيه، وقد لا تظهر أيضًا لكافة الفقهاء.
قوله: (دُونَ نَجَاسَةٍ بِحُكْمٍ دُونَ حُكْمٍ، تَغْلِيظًا لَهَا).
النَّجاسَاتُ لَيْست كلها على درجةٍ واحدةٍ، فبَعْضُهَا مخففٌ، كما أن المَشقَّة تَسْتدعي التخفيفَ والتيسيرَ، مثلما وَرَد في قصَّة الصَّحابيَّة أم المؤمنين عندما سألت رسول الله ﵊: إنِّي امرأةٌ أُطِيلُ ذيلي وأمشي، فقال ﷺ : "يُطهِّره ما بعده" (١)، يعني: هي تمشي في الأسواق، وقد يمر الثوب الطويل على بعض النجاسات، فيمر بالتُّراب، فهذا التراب يطهره، وكذلك ما ورد في النعلين (٢).
فَمِنَ النَّجاسات ما يخفف عنها، إما لعسرها، أو لوجود مَشقَّةٍ، أو لأنها أيضًا مما تعمُّ به البلوى.
стр. 416
قوله: (قَالَ القَاضِي: وَقَدْ ذَهَبَ جَدِّي رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ).
" قَالَ القَاضِي"، يقصد نفسه، وهو القَاضي محمد بن أحمد بن رشد (١) المُتَوفَّى سنةَ خمسٍ وتسعينَ وخمسمائة، وجدُّه من الأئمة الأعلام المعتبرين في المذهب المالكي، وحين يورد المالكية قولًا مسندًا إلى ابن رشد معلَّلين ومعتمدين عليه إنما يقصدون به الجدَّ، فهو من الأئمة الكبار المعتد بأقوالهم عند المالكية، وتُوفِّي سنة خمسمائة وعشرين، وهو من علماء القرن السادس، وله كتب قيمة، منها كتابه: "البيان والتحصيل" الذي طبع مع فهارسه في عشرين مجلدًا، وله "فَتاوَاه" القيِّمة التي طبعت في ثلاثة مجلدات كبار، وله كتابه الذي أشار إليه المؤلف هنا "المقدمات الممهدات"، وهو أيضًا كتاب جليل القدر.
وابن رشد الجدُّ مكانته الفقهية أكبر من الحفيد، وهذا يعرف بالحفيد، وذاك يعرف بالجدِّ، والمقدم في المذهب هو الجد، وليس الحفيد، وإِنْ كان من فقهائهم، ولِكُلِّ مَذهبٍ من المذاهب علماء مُعْتَبرون مُقدَّمُون، فَمِنَ العلماء الأعْلَام المعتد بأقوالهم في المذهب الحنبلي ابن قدامة، وقبله القاضي أبو يعلى المعروف الكبير، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن رجب، فهؤلاء لهم مكانة مقدمة في تحرير المذهب، ومن العلماء المعتبرين في الشافعية والذين عنوا بتحريره وتنقيحه وخدمته: الإمام النووي، وهَكَذا في كل مذهب.
قوله: (فِي كتَابِ "المُقَدِّمَاتِ").
كتاب "المقدمات" مطبوع - وأنا أعرف طبعته القديمة - ولا شكَّ أنَّ الطبعات الحديثة أقرب وأيسر لطلاب العلم، أمَّا "البيان والتحصيل" الَّذي في عشرين مجلدًا، وَمَعَ أنه كتابٌ محققٌ وجيِّدٌ إلا أنه تنقصه الأدلة.
стр. 417
قوله: (إِلَى أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ مُعَلَّل مَعْقُولُ المَعْنَى) (١).
علَى كلِّ حالٍ، فهو مجتهدٌ في هذه المسألة، ويحاول أن يتعرَّف إلى العلة، ولا يشترط أن يصيبَ الفقيه أو المجتهد عين الصواب، فهو يريد أن يتلمس العلة، ويبحث عنها، ويقدِّم شيئًا لمن يأتي بعده، وهذا هو شأن الفِقْهِ، والفقيهُ لا يأخذ الأمور من السطح، وإنَّما يدقَق فيها وينقب ويغوص ليأتي بالدُّرر، ولذلك دائمًا أَقُولُ: لا يُؤْخذ العلم ارتجالًا، ولكن عن طريق الجدِّ والمتابعة والتلقِّي من أفواه الرِّجال، وعَنْ طريق الجلوس، وتتبُّع الدُّروس، وحلقات العلم، والتردُّد على العلماء، وهكذا كان شأن العلماء.
ومَنْ قرَأ مقدِّمة السُّيوطي في كتابه "الأشباه والنظائر" يجد كيف كتب عن العلماء، بل وكيف يحصل العلم، وَكَذلك فعل غيره، فالعِلْمُ لا يُنَال بالتسويف، وإنما يحتاج إلى بذل جهد، والعلماء الكبار الذين رزقهم الله - سبحان الله وتعالى - ذكاءً وفطنةً، وبُعْدَ نظرٍ، ودقَّةً، وصفاءَ ذهن، وصلاحًا وتقوى، وهو الأساس فيما يتعلق بتَلقِّي العلم، هؤلاء كانوا يَصِلونَ كلال (٢) الليل بكلال النهار، وما كانوا ينقطعون، ومَنْ ينقطع عن العِلْمِ، ويَنْشغل
стр. 418
عنه، ويَتسَاهل فيه، يَتفلَّت منه، فَطَالبُ العِلْمِ دائمًا يَجِدُّ وَيبْحث ويعقل ويناقش ويقرأ حتى تَبْقَى مَعْلوماتُهُ مستقرَّةً، ويضيف إليها زيادةً، والمؤلف هنا الجدُّ يقدِّم فهمه لهذه المسألة بعد إيراده اختلافات العلماء الواردة.
قوله: (لَيْسَ مِنْ سَبَبِ النَّجَاسَةِ)، وتطبيقًا لقوله: (مَعْقُولُ المَعْنَى) على مَذْهب الشافعيَّة، فإنَّ المقصودَ هو لعابه، وَظَهرت العلَّة بتطوُّر الطِّبِّ.
قوله: (بَلْ مِنْ سَبَبِ مَا يُتَوَقَّعُ أَنْ يَكُونَ الكَلْبُ الَّذِي وَلَغَ فِي الإِنَاءِ كَلِبًا)، الكَلْبُ الكَلِبُ هو المسعور، فيكون معللًا، ورد الآخرون بالقول: إنَّه وجهة نَظَرٍ، وَهَدف ابن رُشْدٍ الجدّ ﵀ محاولة تقديم شَيْءٍ من الفهم في المسألة إلا أن المسألةَ في الوقت الحاضر أصبحت ظاهرةً وواضحةً.
قوله: (فَيُخَافُ مِنْهُ السُّم، قَالَ: وَلذَلِكَ جَاءَ هَذَا العَدَدُ الَّذِي هُوَ السَّبْعُ فِي غَسْلِهِ).
المؤلف الجدُّ هنا أبعد في النظر، فدقَّق وغاص، فرأى أن هذا نوعٌ خاصٌّ من الكلاب، هو الكلبُ الكَلِبُ المسعورُ الذي أصابه الداء، فَهَذا الدَّاءُ هو نوعٌ من السُّمِّ، فربما لو أنه شرب في إناءٍ، فبقي سؤره، فتأثر بذلك السم، فيصيب مَنْ يأتي بعده، هذا هو تعليله.
قوله: (فَإِنَّ هَذَا العَدَدَ قَدِ اسْتُعْمِلَ فِي الشَّرْعِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فِي العِلَاجِ وَالمُدَاوَاةِ مِنَ الأَمْرَاضِ).
أوَّلًا: العدد من حيث هو، فمُعْتبرٌ في مواضعَ كَثِيرةٍ، والرَّسُولُ ﵊ رخَّص للمهاجرين أن يَمْكُثُوا ثلاثةَ أَيَّام بمكَّة، ورخَّص للَّذين أمروا بنَزْحهم عن المدينة بإخْرَاجهم منها أن يمكُثُوا ثلاثةَ
стр. 419
أيامِ، وقال: "يمسح المسافر ثلاثة أيامِ بلياليهن، والمقيم يومًا وليلة" (١)، وقاَل: "لا يحلُّ لامْرَأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُسَافرَ مسيرةَ يومٍ وليلةٍ" (٢)، مع تعدُّد الرِّوايات في ذلك.
إذًا، العدد ورد في مسائل كثيرة من مسائل العلم معتبرًا، وقضية السبع إنما وردت في الكلب، وقد ورد في الهرة، ورُدَّ بأن هذا ضعيفٌ وموقوفٌ (٣).
قوله: (وَهَذَا الَّذِي قَالَه (٤) ﵀ هُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ عَلَى طَرِيقَةِ المَالِكِيَّةِ، فَإِنَّهُ إِذَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ المَاءَ).
قال: "هُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ"، وهذا من الحفيد تَعْليلٌ وتوجيةٌ طيبٌ، أخذ ما قاله جدُّه، فلم يردَّه، ولكنه لم يأخذه مُسلَّمًا على الإطلاق، وإنَّما قال: هَذَا الكلام الذي قَالَه الجدُّ، وهذا التعليل الذي أخذ به واتجه إليه إنما هو تعليلٌ مقبولٌ على مذهب المالكية الذين يقولون بأن الأمر تعبديٌّ، فما دام أنه تعبديٌّ، إذًا هو غير معروف، فينبغي أن نحاول أن نتلمَّس العلة في ذلك، فهذا نوغ من أنواع التلمُّس وبَذْل الجهد في البحث عن الحِكْمَةِ والعلَّة في ذلك، هَذَا هو الَّذي يريد أن يقولَه الحفيد.
قوله: (غَيْرُ نجِسٍ، فَالأَوْلَى أَنْ يُعْطَى عِلَّةً فِي غَسْلِهِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ، وَهَذَا طَاهِرٌ بِنَفْسِهِ).
" فَالأَوْلَى أَنْ يُعْطَى"، يعني: أن يقدر له علة أحسن من أن يقال: لاعلَّة له.
стр. 420
ولا يُشْترط في هذه الأمور البحث عن العلة، ذلك أن لَدَينا أمرًا واضحًا حيث يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
وقَدْ بَيَّن لنا الرَّسُولُ ﵊ ذلك، حيث قال: "إذا ولَغ الكلبُ في إناء أحدكم فَلْيَغْسله" (١)، وهذا فعل مضارع مقترن بلام الأمر، وهذه من صيغ الأمر (٢).
ولا مانعٍ من أن الفقيه يبذل جهده، ويدقق في المسائل، ويغوص في أعماقها محاولاً الكشف عن عِلَلِهَا متى استطاعِ إلى ذلك سبيلًا، وبه يظهر الفرق بين فقيهٍ وآخر، بمَعْنى الفقيه الدَّقيق (أيْ: الفهم الزائد على مجرد الفهم) كما يقول ابن القيم ﵀.
فَكُلَّما ازدَادَ الإنسَانُ فهمًا، ازدَادَ فقهًا، وكُلَّما كَانَ فَهْمُهُ مَحْصورًا، أو لَا يتعمَّق في المسائل، كان أقلَّ فقهًا.
ومن هنا، فَلا يَنْبغي لطَالب العلم عندما يَدْرس مسألةً أو حكمًا أو أحكامًا أن يتسرَّع فيها؛ لأنَّك قد تأخُذ دليلًا على ظَاهِرٍ، فَتَظن أَنَّ هذَا هُوَ، وانتهَى، لكنَّك لو دقَّقت النظرَ، وَبَحثْتَ في آرَاء الفقهَاء وتَتبَّعتها واحدًا واحدًا، وَحَاولتَ أن تَسْتقصي تلكَ العلل، وأَسْبَاب الخلَاف، لَظَهرت بحكمٍ جديدٍ يَخْتلف عمَّا كان في ذهنك، ولذَلكَ يَقُولُ الرَّسُولُ
стр. 421
عليه الصلاة والسلام: "مَنْ يُرِدِ الله به خيرًا، يُفقِّهه في الدِّين" (١)، وليسَ هذا في الفقه وَحْده، إنَّما في الدين عمومًا، وَطَالبُ العلم يَنْبغي أن يتَّزن في كلِّ أَمْرٍ من أمورِهِ، وأنْ يكون دقيقًا فيما يتعلَّم ويفهم، وفيما يُبَلِّغه للناس، وأن يكون أيضًا حكيمًا فى ذلك كلِّه، هذا هُوَ المطلوب حقيقةً من طَالِبِ الفِقْهِ، وَمن غَيْره.
قوله: (فَالأَوْلَى أَنْ يُعْطَى عِلَّةً فِي غَسْلِهِ مِنْ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ).
" يُعْطَى عِلَّةً"، "يُعْطى" مبنيٌّ للمجهول، وله نائب فاعلٍ، وهُوَ هنا مُسْتتر، ولذا كان "علَّة" منصوبًا على أنه مفعول به.
قوله: (وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِيمَا بَلَغَنِي بَعْضُ النَّاسِ بِأَنْ قَالَ).
يُرِيدُ المُؤلِّفُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ هذَا التَّعليلَ الَّذي أَوْرَده جَدِّي، اعْتَرضَ عَلَيه بعض الناس، وليسَ فِي قَوْلهم: (بعض النَّاس) انتقاص لأحدٍ، حَيْث إنَّه من المحتمل أنَّه لم يقف على المعترض حتى يذكرَ اسمه، كما أنه من المحتمل أنه يرَى أن هذا المعترض لم يَصِلْ إلى درجةٍ ليعترض على هذا الأعلى، أو يرى أن اعتراضه ضعيفٌ، فَيَقول: قال بعضهم في مِثْلِ هذه المسائل.
قوله: (إِنَّ الكَلْبَ الكَلِبَ لَا يَقْرَبُ المَاءَ فِي حِينِ كلَبِهِ).
بَعْضُهُم ممن تتبعوا طريقة الكلاب، وعرفوا ذلك من عَادَاتها يَقُولون: لا يقرب الماء إذا أصابَه الكَلَب، وإنَّما يلهث ويهيج.
قوله: (وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ هُوَ عِنْدَ اسْتِحْكَامِ هَذِهِ العِلَّةِ بِالكِلَابِ).
يُوَافق المؤلف هؤلاء المعترضين فيما ذهبوا إليه عند اشتداد العلة وتَحكُّمها، أما في أوَّله فيقرب من الماء، ويلغ فيه، وإذْ نُقدِّر للجد جهده،
стр. 422
وَمَعَ أننا لا نردُّ تعليله إلا أنه لم يصل إلى درجة التسليم كما أن العلَّة أصبحت الآن معروفةً.
قوله: (لَا فِي مَبَادِيهَا، وَفِي أَوَّلِ حُدُوثِهَا، فَلَا مَعْنًى لاعْتِرَاضِهِمْ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الحَدِيثِ ذِكْرُ المَاءِ).
" إذا وَلَغ الكَلبُ في إناءِ أَحَدكمْ" (١)، والرَّسُولُ ﷺ لم يُفرِّق بين الكلب العادي وبين الكلب الكَلِبِ، ولو كان الرسول ﵊ يقصد هذا النوع من الكلَاب لبيَّنه؛ لأنَّ هذا بيانٌ، وتَأْخير البيَان عَنْ وقت الحاجة لا يَجُوز، والرَّسولُ ﵊ مُبلِّغٌ عن الله؛ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا﴾ [الحشر: ٧]، وهُوَ أيضًا هو المبيِّن لمَا في كتاب الله ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقَدْ ترون أنَّ الرسولَ ﵊ يُشْكل، فلو كان ذلك أشكلَ على الصحابة رضوان الله عليهم، فما فَهمُوه، لَسَألوا الرسول ﵊، ولبيَّنه لهم، ولنَقَلوه لنا صافيًا نقيًّا كما نَقَلوا لنا السُّنَّة المطهرة، وهذه الآثار العظيمة التي نُقِلَتْ لنا من أقوالٍ، وما عُرِفَ أنَّ ذلك أشكلَ على الصحابة، ولا أنَّهم تحيَّروا في فهمه، وإنما إذا كان أمرًا واضحًا، رَأَوا أنه أمرٌ؛ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١].
قوله: (وَإِنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ الإِنَاءِ).
وهذا يُضْعف مذهبَ المالكية، "وعَفروه الثامنة في التراب" (٢)، "أُولَاهُنَّ بِالتُّرَاب" (٣)، يعني: أن تتبُّع الآثار أثبتت عدم وُرُود لفظ الماء، إنما الإناء إذا وَلغ فيه الكلب، وإن كان العرف والذهن يتطرق أسرع إلى الماء.
стр. 423
قوله: (وَلَعَلَّ فِي سُؤْرِهِ خَاصِّيَّةً مِنْ هَذَا الوَجْهِ ضَارَّةً).
التقَى المؤلفُ ﵀ مع الشافعيَّة في هذا التعليل "لعلَّ في سؤره خاصية".
وهذه الخاصيَّة التي ظهرت لنا وهي هذا اللعاب اللزج الذي يلصق في الإناء، فيحتاج إلى مُزِيلٍ؛ فيكرر الغسل، ثم احتياطًا يُفْرك بالتُّراب.
ولذَلكَ، اختلفَ الفقهاء قبل أن يُدْركوا هذا الأمر الذي ظهر لنا، هل يكفي الصابون (١)؟ أي: هل هذه المزيلات القوية التي تزيل الأوساخ وغيرها لو استخدمت بدل التراب هل تكفي أم لا؟ وذهب الفقهاء في المسألة مذاهب شتى، ولم يَلْتقوا في قول، ولكنهم التَقوا في قول: إنَّ التُّراب هو الذي يُزيله، وجاء الطب ليثبتَ أن في التراب خاصيةً هي التي تزيل هذا اللعاب.
стр. 424
قوله: (أَعْنِي: قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْكِمَ بِهِ الكَلَبُ، وَلَا يُسْتَنْكَرُ وُرُودُ مِثْلِ هَذَا فِي الشَّرْعِ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ مَا وَرَدَ فِي الذُّبَابِ إِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ أَنْ يُغْمَسَ، وَتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِأَنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً).
لَكن الذُّباب قد بَيَّن الرسول ﵊ العلة فيه، فقال: "في أحَد جَنَاحيه: داء، وفي الآخر: دواء" (١)، وقرأت في إحدى الصحف - ونحن طلبة - أن جرحى كثيرين في الحرب العالمية بقوا أحياء لوقوع الذباب عليهم، فقالوا: هذا تفسيرٌ لما جاء في الحديث: "فإن في أحَد جَناحيه: داء، وفي الآخر: دواء" (٢).
والرسول ﵊ أمَر أن يغمس الذباب، ونحن نجد أنه قد يقَع على بعض الأوساخ، بل يقَع على العذرة، والرسول ﷺ أحرص الناس على النظافة، وعلَى مَا يهم المسلم، وما يهم بدنه، وبيَّن أنَّ لنفسك عليك حقًّا، وقال: "حسب ابن آدم لقيمات يُقِمْنَ صلبه"، وقال: "ما ملأَ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنِهِ"، ومع ذَلكَ قَالَ: "فإنَّ في أحد جناحيه: داءً، وفي الآخر: دواء"، ولكنه ﷺ هنا في الكلب لم يبين العلة إلا أنه عُرِفَ بعد ذلك أن العلةَ في لعابه.
قوله: (وَفِي الآخَرِ دَوَاءً. وَأَمَّا مَا قِيلَ فِي المَذْهَبِ مِنْ أَنَّ هَذَا الكَلْبَ هُوَ الكَلْبُ المَنْهِيُّ).
قوله: (وَأَمَّا مَا قِيلَ فِي المَذْهَبِ)، هو لا يقصد مذهب المالكية.
قوله: (عَنِ اتِّخَاذِهِ).
стр. 425
قوله: (أَوِ الكَلْبُ الحَضَرِيُّ، فَضَعِيفٌ وَبَعِيدٌ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ) (١).
هذه كُلُّها تعليلاتٌ لا أصلَ لها، وهي ضعيفةٌ.
قوله: (إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّ ذَلِكَ - أَعْنِي: النَّهْيَ - مِنْ بَابِ التَّحْرِيجِ فِي اتِّخَاذِهِ).
هذا تخصيصٌ بعد تعميمٍ، فبعد أن عرفنا الأسآرَ عامةً، ثم ركَّز على ما يتعلق بالحيوان، أراد أن يتحدث هنا عما يفضل من وضوء المسلم، والسؤرُ هو ما يبقى في الإناء من وضوءٍ أو غسل.
فائدة مسلكية:
الطلاب في هذا الزمن أصبحوا يميلون إلى الأمور الواضحة السهلة الميسورة؛ كالمذكرات التي تُكتب بأُسلوب واضح وبعبارةٍ سهلة وميسورة وفيها بساطة، لأن الطالب إذا كان دارسًا يُعنى بالامتحان فيجد فيها بغيته، لا يسهر الليالي الطوال، ولا يقف وقفات طويلة حتى يفهم العبارات.
واعلم أنَّ الكتب القديمة لا تكون فوائدها فقط فيما تدرسه من أحكام، وإنما لفهم ما فيها من عبارات، ولها أهداف أُخرى، فتعرف بها أُسلوب القدماء وعنايتهم وكيف يرتبون المسائل وكيف يربطون بعضها ببعض، فنحن عندما نريد أن ندرس العلم إنما ندرس في كتب أولئك العلماء السابقين، ولا مانع أن نقرأ في المؤلفات الحديثة وأن نواصل، لكن لا ينبغي أن تنقطع صلتنا عن الكتب القديمة، وكثيرًا ما يشكو الطلبة