قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ العَمَلِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ).
هذا الكتاب عوَّل عليه كثيرٌ من طلبة الدراسات العليا في رسائلهم العلمية؛ لحسن تقسيماته وجودتها؛ فهو يضع الكتاب، ثم يبوبه، ويفصله، ثم يرتب مسائله، ثم يُقعِّدها على شكل قواعد.
قوله: (وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ).
هذه الطَّهارة لها نَوَاقضُ، مثل الوضوء الذي ينقض بالبول والغائط والمذي والودي، وكذلك أيضًا ما يخرج من السَّبيلين من غير هذه الأشياء خلافًا للمالكية كما مر بنا، وما يخرج أيضًا من غيرهما كالحال عند الحنابلة والحنفية، على تفصيلٍ في ذلك.
قوله: (وَالبَابُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ، فَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ؟ فَعَلَى كُلِّ مَنْ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ).
هذا لَا خِلَافَ فيه؛ لأن كل من لزمته صلاة، وجب عليه أن يتطهر، فإن كان محدثًا حدثًا أصغر، فيلزمه أن يرفع هذا الحدث بالوضوء، وإن كان عليه حَدثٌ أكبر، فَيَجب عليه أن يغتسلَ، سواء كان رجلًا أو امرأةً، وعندما يتحدث عن الأحكام، يدخل النساء في ذلك إلا في أمورٍ اسْتُثْنِينَ فيها.
قوله: (وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا، وَدَلَائِلُ ذَلِكَ هِيَ دَلَائِلُ الوُضُوءِ بِعَيْنِهَا).
" وَدَلَائِلُ ذَلِكَ هِيَ دَلَائِلُ الوُضُوءِ بعَيْنِهَا"، كمَا ذكر المؤلف، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
قوله: (وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا، وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ المِيَاهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهَا).
стр. 492
[الباب الأول: في معرفة العمل في طهارة الغُسل]
قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ العَمَلِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا البَابُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ: هَلْ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ إِمْرَارُ اليَدِ عَلَى جَمِيعِ الجَسَدِ كَالحَالِ).
هل من شرط هذه الطهارة إمرار اليد على أعضاء الوضوء؛ أم أن المهم في ذلك وصول الماء إليها؟ ثمة فرق بين الأمرين، وبالمثال يزول الإشكال: لو أن الإنسان أصابه مطر غزير عمم جسده، هل يكفيه ذلك أم لا بد من إمرار يده؟
القائلون بالرأي الأول (الإمرار والتدليك) يرون أن هذا التعميم لا يكفي، بل لا بد أن يتبعه بالتدليك (١).
أما القائلون بالرأي الثاني (مجرد وصول الماء) (٢)، فيكفي هذا
стр. 493
التعميم الطبيعي من المطر؛ لأنَّ المهم هو وُصُولُ الماء، وقد حدث هذا، وسيأتي أيضًا أن الجمهور الذين لا يشترطون الدلك، ولكن يشترطون أن يصل الماء في غسل الجنابة إلى البشرة بعَكْس ما يتعلَّق بالوضوء، فإنَّه يمسح رأسه فقط؛ لأن المقصودَ هو مسح الشعر كمَا ورد في أحاديث الرسول ﵊ التي حَكَتْ لنا الصِّفة؛ لأنَّ المطلوب هنا هو التعميم، إذًا لا بد أن يصل المَاءُ إلى البشرة دون اشتراط التدليك.
فهَذِهِ هي المسألة التي سيدخل فيها المؤلف تفصيلًا، وَسَترون أن المالكية قد انفردوا في أمر الدلك، ووافقهم من الشافعية الإمام المزني (١)، والإمام المزني هو إمامٌ معروفٌ في مذهب الشافعية، له شهرته وقيمته، وهو صاحب المختصر المعروف "مختصر المزني" (٢)، وهذا المختصر له
стр. 494
عدة شروح يأتي في مقدمتها كتاب "الحاوي"، الكتاب العظيم للإمام الماوردي الذي طُبعَ في عدة مجلدات (١).
قوله: (فِي طَهَارَةِ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ، أَمْ يَكْفِي فِيهَا إِفَاضَةُ المَاءِ عَلَى جَمِيعِ الجَسَدِ).
سَبَق أن ضَرَبنا المثل بماء المطر، وتَبيَّنت وجه الفرق بين القائل بالتدليك والقائل بإجزاء الإفاضة فقط، والآن نضرب مثلًا آخر:
نجد الآن ما يُسمَّى بـ "الدُّش"، الذي هو المحبس، يأتي الإنسان فيقف تحته مغتسلًا، فهل يجب عليه مع هذا التعميم إمرار وتدليك أم يجزئه إفاضة المحبس الطبيعية المعممة؟ على أن هناك مسألةً مسكوتًا عنها من جانب المؤلف، وهي من الأهمية بمكان، ألا وهي الوضوء، فهل الوضوء شرطٌ في غُسْل الجنابة أم لا؟
جَمَاهير العلماء يذهبون إلى أن الوضوء غير وَاجِبٍ في غسل الجنابة، وقد فهم بعض النَّاس أنَّ الوُضُوءَ متعينٌ، وأنه رَأي جمهور العلماء، والصَّحيح أن جماهيرَ العلماء - ومنهم الأئمَّة الأربعة كلهم - مُتَّفِقُونَ على أن الوضوء غير وَاجِبٍ على المغتسل (٢)، وإنما نقل الإيجاب
стр. 495
عن عَالِمَيْنِ مَعْروفَيْنِ؛ أحدهما: داود الظاهري، والآخر أبو ثورٍ من الشَّافعيَّة (١)، وبعضهم يَقُول: إنه إمام مستقل، وهو معروفٌ.
إذًا، جماهير العلماء يَقُولون بعدم وجوب الوضوء على المغتسل، ولماذا اختلفوا في هذه المسألة؟
في حديثي عائشة وميمونة ﵄ أن الرسول ﵊ توضَّأ، حيث غسل يديه ثلاثًا، ثم غسل موضع الأذى، وبعد ذَلكَ توضَّأ، ثم أفاض الماء على رأسه … إلى آخر ما وَرَد في ذينك (٢) الحديثين (٣).
إذن، وَرَد الوضوء في هذين الحديثين، فداود الظاهري وأبو ثور تمسَّكا بظاهر الحديثين، وقالا بوجوب الوضوء على كل مغتسلٍ من جنابةٍ أو حيضٍ، أو بمعنى آخر أوجبا الوضوء على كل مغتسلٍ من حدثٍ أكبر.
وقَدْ خَالَفهما جماهير العلماء في ذلك، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها:
*حَديث مَيْمونة عندما سألت رسول الله ﷺ : أتنقض ضفائرها من غسل الجنابة؟ فقال لها الرسول ﵊: "إنما يَكْفيكِ أن
стр. 496
تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات، ثمَّ تفيضي الماء على بدَنك" (١)، أو: "على جسدك، فإذا أنت قد طهرتِ" (٢).
إذًا، ليسَ في ذلك ذكرٌ للوضوء، وهو يبين لها في هذا المقام الفرائض، ولا يَعْترض على الحديث في أنه لم تُذْكر فيه النية؛ لأنها لم تسأل عنها، وإنما سألت - عند غسل الجنابة - عن نقض الضَّفائر يعني: فك شعرها إذا أرادت أن تغتسل للجنابة .... هذا بالنسبة للجنب، أما بالنسبة للحيض فمسألة مختلفة، وسيأتي الكلام عنها.
* وَكَذلك حديث جبير بن مطعم، قال: تذاكرنا غسل الجنابة عند رسول الله ﷺ ، أو مع رسول الله ﷺ ، فقال: "أما أنا، فيَكْفيني أن أصبَّ على رأسي ثلاث مرات، ثم أفيض الماء على سائر جَسَدي" (٣).
* ومثله أيضًا قول الرسول ﵊ لأبي ذرٍّ في الحديث المعروف بالنسبة لما وَرَد في التيمم: "الصَّعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء … " (٤)، في رواية: "فإذا وجدت الماء فأمسَّه بشرتك" (٥)، وفي روايةٍ: "فأَمسَّه جلدك" (٦)، فقالوا: هنا فقط اكتفى بالإمساس.
إذًا، حديث ميمونة وحديث جبير بن مطعم، وكذلك حديث أبي ذر
стр. 497
الغِفاري كلها أحاديث ليس فيها ذكرٌ للوضوء. قالوا: فدلَّ ذلك على عدم وجوبه.
وهناك فرقٌ بين الوضوء وبين المضمضة والاستنشاق، قَدْ يلتبس على البعض، ولَكن المراد هنا الوضوء الكامل، والسبب الذي دعا العلماء إلى قولهم بأن الوضوء ليس واجبًا على المغتسل إنما هو القاعدة المعروفة أنه: "إذا اجتمع حدثان أصغر وأكبر، هل يدخل الأصغر في الأكبر أم لا" (١)؟
يقولون: نعم، إذا نوى ذلك، لكن شريطة ألا يعزب عن ذلك النية، فأنت إذا أردتَ أن تغتسل، فالأولى والأكمل أن تتوضأ، ولكن وأنت تتوضأ هل تنوي رفع الحدثين، أم تنوي رفع الحدث الأكبر، ويدخل فيه الحدث الأصغر؟
هذا ما يجب أن يراعيه الإنسان، والأكمل الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم هو أن ينوي، ثم يُسمِّي، وبعد ذلك يغسل يديه كما فعل الرسول ﵊، ثم يُفْرغ بيمينه على شماله، فيغسل موضع الأذى، ثمَّ بعد ذلك الأكمل أن يتوضَّأ جملةً، هذا هو الأكمل، وبعد ذلك يصب الماء على رأسه ثلاث مرات، ثم يبدأ بميامنه، ويُدلك أعضاءه خروجًا من خلَاف المالكيَّة، ثم يتنحَّى ويغسل بعد ذلك رجليه على خِلَافٍ بين العلماء في أيهما أفضل، فبَعْض العلماء مثلًا كالشافعيَّة (٢)، يَرَون أن الأولى أن يغسل رجليه دون أن يغسلهما عن بقية الأعضاء، والحنابلة يرون أن الأَوْلَى هو أن يتوضأ إلا ما يتعلق بالرجلين، فإنه يُؤخِّرهما بعد ذلك (٣) حتى ينتقل إلى مكانٍ أنظفَ من ذلك كما ورد في حديث ميمونة (٤)، فإن فيه زيادةً
стр. 498
على حديث عائشة (١)، وكلاهما في "الصحيحين"، هذا فيما يتعلق بالطهارة.
أمَّا بالنسبة للمجمل منها، فإنه ينوي، والتسوية تعلمون محل خلاف، ثم يغسل محل الأذى، ويتمضمض ويستنشق، وبعد ذلك يصبُّ على رأسه ثلاثًا، ثم يفيض الماء على سائر بدنه، ولا يلزم من ذلك أن يدلك.
هذه كلها مقدمة أردت أن أقدِّم بها، وهي هامة لما يتعلق بذلك الأعضاء.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَيْهِ عَلَى بَدَنِهِ؟).
أولًا: حقيقةً سَتَرون أنَّ المؤلفَ هنا يحاول أن يُلْزم الفريق المخالف له (الجمهور) بقياسٍ لم يَسْلم به أصلًا، بمعنى: سَنَجد أن المؤلف في هذه المسألة يقيس لنا الغسل على الوضوء ليلزم بذلك جمهور العلماء (الحنفية والشافعية والحنابلة)، مَعَ أن هذا إلزامٌ بغير ملزم؛ لأنهم أصلًا لا يقولون بذلك أعضاء الوضوء، وإنَّما اللازم عندهم أن يصلَ الماء إلى العضو، دلك أو لم يدلك، فلا يشترط أن يدلك.
إذن، يريد المؤلف أن يقيس الغسل على الوضوء، فكيف يقيس على أمرٍ غير مُسلَّمٍ عند الجمهور؟
стр. 499
قوله: (فَأَكثَرُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ إِفَاضَةَ المَاءِ كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ).
المقصود هم: الحنفية، والشافعية، والحنابلة ومَنْ معهم، فلم يخالف في هذه المسألة إلا مالك والمزني من الشافعية.
قوله: (وَذَهَبَ مَالِكٌ وَجُلُّ أَصْحَابِهِ وَالمُزَنِيُّ) (١).
" جلُّ أصحابه"، يعني أن من المالكية مَنْ خالف رواية المذهب، وَوَافق جمهور العلماء (٢)، كما أن المزني من الشافعية خالف المذهب، بَلْ والجمهور، واتفق مع مالك فيما ذهب إليه.
قوله: (مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهُ إِنْ فَاتَ المُتَطَهِّرَ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ مِنْ جَسَدِهِ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ أَنَّ طُهْرَهُ لَمْ يَكْمُلْ بَعْدُ).
وهَذَا الذي ذهب إليه مالكٌ والمزنيُّ من الشافعية حقيقةً من باب التشديد، وخروجًا من الخلاف يمكن القول بدَلْك المتطهر أعضاءه مع أن المسألة عند التحقيق العلمي تحتاج إلى دليلٍ لا فهمٍ أو استنتاجٍ.
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: اشْتِرَاكُ اسْمِ الغُسْلِ، وَمُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي صِفَةِ الغُسْلِ).
(اشْتِرَاكُ اسْمِ الغُسْلِ)، في هذا إجمالٌ وإبهامٌ يحتاجان إلى تفصيل وتوضيح، ذلك أنهم استدلوا بدليلين فيما ذهبوا إليه:
الأول: قول الله : ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] قالوا: ولا يُسَمى الإنسان مغتسلًا إلا إذا أَمَرَّ يديه على
стр. 500
جسده، فلا يقال لمَنْ نزل عليه المطر أو جلس تحت الميزاب أو صب عليه الماء: إنه مغتسل، إنما يقال: المغتسل لمَنْ دلك أعضاءه، فقالوا: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، فكلمة ﴿تَغْتَسِلُوا﴾، تدل على الدلك، وإذا لم يتم فلم يكمل الطهر.
الدليل الآخر: قياس الغسل (الدلك) على التيمم، ففي التيمم يضرب الإنسان بيديه على الصعيد فيمسح وجهه ويديه، وهو بذلك قد أَمَرَّ اليدين على موضع الطهر، قالوا: فهي طهارةٌ تقاس على طهارة.
وقَدْ ردَّ الجمهورُ عليهم في هذه المسألة، وقالوا: يُقَال لمَنْ غسل الإناء دون أن يُمِرَّ يديه عليه، ألَا يُقَال بأنه غسله؟ بلى، وقالوا بالنسبة للقياس على التيمم: قياس مع الفارق، نعم هذه طهارةٌ من حَدَثٍ، وهذه طهارةٌ من حَدَثٍ، لكن يوجد فارق بينهما، هذه طهارةٌ بالماء، وتلك طهارةٌ بالتراب، وهذه طهارةٌ بالغَسْل، وتلك طهارةٌ بالمسح، والمسحُ يتطلَّب أن تأتي اليد، فَتَقع على البدن في ذلك بخلاف الغسل.
قوله: (لِقِيَاسِ الغُسْلِ عَلَى ذَلِكَ فِي الوُضُوءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي صِفَةِ غُسْلِهِ).
يقصد بالثابتة حديث عائشة وحديث ميمونة، وغيرهما من الأحاديث (١).
قوله: ﵊ مِنْ حَدِيتِ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ التَّدَلُّكِ)، في الحديثين تفصيلٌ، حَيْث ورَد فيهما الوضوء، وهو متمسك القائلين بوجوبه، أما حديث أم سلمة، فقد جاء مجملًا؛ لأنها سألت عن مسألة بعينها (نقض الضفائر)، ولذلك قال العلماء: حديث أم سلمة إنما اقتصر على الواجبات المتعلقة بالغَسل.
стр. 501
قوله: (وَإِنَّمَا فِيهَا إِفَاضَةُ المَاءِ فَقَطْ).
يقصد ليس في الأحاديث كلها ذكرٌ للدلك، ومنها حديث جبير بن مطعم. قال: تذاكرنا غسل الجنابة عند رسول الله ﷺ فقال: "أما أنا فيكفيني أن أصبَّ على رأسي ثلاثًا، ثم أُفيض الماءَ على سائر جسدي" (١)، وليس فيه دَلْكٌ، إنما فيه صبٌّ للماء، ثم إفاضة.
قوله: (فَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرخُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ).
[قوله]: "ثُمَّ يُفْرعُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ"، يعني: يَغْسل موضع الأذى (الفرج).
قوله: (ثُمَّ يَتَوَضَّاُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ).
هذه ذكرت من الوضوء الكامل، يُضَاف إليها النية والتسمية والبدء بالميامن … إلى غَيْر ذَلكَ من الأمور العشرة الكاملة التي يَذْكرها العلماء في الكتب الكبيرة الموسعة في الفقه كـ "المجموع" للنووي (٢)، و"المغني" (٣)
стр. 502
لابن قدامة، ولكنها في تمَام الطهارة، فلَيْست كلها واجبات، وإنْ كَانَ الأولى أن يفعلها المغتسل المتطهر إلأ أنَّ له أن يقتصر على ما يجب دون غيره.
قوله: (ثُمَّ يَأْخُذُ المَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ).
ويقصد التَّخليل، وهو غير المسح المذكور في الوضوء، ولذَلكَ يذكر العلماء أن المتطهِّر إذا مسح رأسه، ثم حلقها، تبقى الطهارة، كما أن المتطهر إذا غسل يده ثم قطعت، فلا تنتقض طهارته، فَفي الوُضُوء مسح على الشعر، وفي الغسل تخليل (غسلٌ)، وقد ورد في حديثٍ سيأتي: "تحت كل شعرةٍ جنابة، فأنقوا البشرة، وبُلُّوا الشعر" (١)، وفيه كلام للعلماء.
قوله: (ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرْفَاتٍ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ).
الطهارة - صغرى كانت أو كبرى - من الأمور المهمة التي ينبغي أن يهتم بها كل مسلم؛ لكونها مدخلًا للصلاة، وطريقًا إليها، وسواء قلنا بأنها شرط وجوب أو شرط صحة، فهي على كلا الحالين واجبةٌ ومتعينةٌ.
قوله: (وَالصِّفَةُ الوَارِدَةُ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَة قَرِيبَةٌ مِنْ هَذَا).
إلا تأخير غسل الرجلين.
قوله: (إِلَّا أَنَّهُ أَخَّرَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ مِنْ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ إِلَى آخِرِ الطُّهْرِ. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَيْضًا).
стр. 503
العُلَماءُ الذين قالوا بوجوب الترتيب والموالاة في الوضوء خفَّفوا في موضع الغسل، فلم يَمِيلُوا إلى الوُجُوب، أو رأيا أنَّ عدم الوجوب أَوْلَى في الغسل كالمالكية (١)، وفي رواية عند الحنابلة في الموالاة (٢)، وكالشافعية (٣) والحنابلة في الترتيب (٤).
قوله: (وَقَدْ سَأَلَتْهُ ﵊: هَلْ تَنْقُضُ ضَفْرَ رَأْسِهَا).
(هَلْ تَنْقُضُ ضَفْرَ رَأْسِهَا)، هذا حديث أم سلمة الذي يستدل به الحنفية على عدم وجوب النية في معرض اعتراضهم وردهم على الجمهور الذي يرى وجوب النية، فيقولون: أنتم تَقُولون بأنَّ النيَّة شرطٌ في الغسل، وحديث أم سلمة اقتصر على الأركان، وليسَ فيه ذكرٌ للنيَّة، فلو كانت واجبةً، لبيَّنها الرسول ﷺ ، لكنه لم يُبيِّنها، فدلَّ على عدم وُجُوبه.
قوله: (لِغُسْلِ الجَنَابَةِ؟ فَقَالَ ﵊: "إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ المَاءَ ثَلَاثَ حَثيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِي عَلَيْكِ المَاءَ" (٥)).
أن تحثي ثلاث حثيات يعني: أن تأخذ الماء وتصبه على الرأس ثلاثًا.
стр. 504
قوله: ("فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْتِ").
يعني: حينئذٍ يكون قد كَمُل طُهْرك.
قوله: (وَهُوَ أَقْوَى فِي إِسْقَاطِ التَّدَلُّكِ).
هذا مَلْمحٌ من ملامح اليسر والتيسير الذي بنيت عليه شريعة الإسلام الغراء، حيث إنَّ الجنبَ يكفيه هذا الغسل اليسير البسيط ليكون طاهرًا متطهرًا سليم البدن.
قوله: (مِنْ تِلْكَ الأَحَادِيثِ الأُخَرِ).
(وَهُوَ أَقْوَى فِي إِسْقَاطِ التَّدَلُّكِ)، وفي هذا إيماءٌ إلى الرد على المالكية الذين ينتسب إلى مذهبهم، وهذا شأن كل طَالِبِ عِلْم، أو هكذا يجب أن يكون طالب العلم حيث لم يمنع الإمام كونه مالكيًّا من الرد عليهم متى ظهر الحق أو صح الدليل واستقام الاستدلال كما حَصل من الإمام الجليل وهو من المالكية هنا، ومن قبل ما حَصَل من الإمام المزني، وَهُوَ من أكَابر الشافعيَّة، بل من خواص تلاميذ الإمام الشافعي الذي خرج على مذهبه، ولا ضره ذلك، وَتَجد أن الشَّافعيَّة أنفسهم عندما يذكرون مذهبهم، يَذْكرون أنَّ المزنيَّ خَالَفهم، ويذكرون ذلك عنه، ولا يَلُومونه بشيءٍ؛ لأن هذه هي حرية القَول المبنيَّة على الأدلة لا على الهوى، ولا على التَّعصُّب، ولا على التشهِّي، ولا على الجهل، والمصيبة الأعظم أنَّنا نجد - مثلًا - بعض المسلمين يُقلَّد بعض الأئمة في الفروع، ويتعصَّب، وربما قدَّم أقوالَهم على قَوْل الرَّسول ﷺ ، ولكنَّك إذا نَاقَشته في أمرٍ من أمر العقيدة الَّتي هي أصل هذا الدين وقطبه، تجد أنَّه يخالف رأي إمامه، وكيف تتابعه في الفروع - وربما يكون رأيه ضعيفًا في المسألة ومع ذلك تتعصب وتتشبث بقوله، وتحاول أن تأتي بوسائلَ وحِيَلٍ لتبحثَ عن أدلةٍ وشواهدَ ومقويات لتدعم قوله - وتخالفه في الأصول في رأيٍ له واضح جلي لا إشكال فيه، بل لا يتطرق إليه شك.
стр. 505
ويدلُّ على إسقاط التدلُّك ما جاء في حديث أبي ذرٍّ ﵁ الذي قال: "فإذا وجدت الماء، فأمسه جلدك" (١)، أو: "بَشَرتك (٢) "، ولا ذكر فيه للدلك، ومجرد الإمساس مجرد المرور.
وَحَديث جبير بين مطعم عندما تَذَاكروا غسل الجنابة، قال الرسول ﷺ : "أما أنا فيكفيني أن أصب الماء على رأسي ثلاثًا، ثم أُفيض الماء على سائر جسدي" (٣)، وبهذا يكون للجمهور ثلاثة أدلة صريحة الدلالة قوية، أما المالكية والمزني فإنَّهم يتمسكون بقضية "فاغتسلوا"، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وفي الآية الأُحْرى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وقالوا: إن الاغتسال من لوازمِهِ إمرار اليد … وهذا غير صحيح؛ لأن الذي يغسل الإناء ولا يضع يديه يكون قَدْ غسله.
قوله: (لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ هُنَالِكَ أَنْ يَكُونَ الوَاصِفُ لِطُهْرِهِ قَدْ تَرَكَ التَّدَلُّكَ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَإِنَّمَا حَصَرَ لَهَا شُرُوطَ الطَّهَارَةِ، وَيذَلِكَ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ صِفَةَ الطَّهَارَةِ الوَارِدَةَ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَعَائِشَةَ هِيَ أَكْمَلُ صِفَاتِهَا، وَأَنَّ مَا وَرَدَ فِي حَدِيتِ أُمِّ سَلَمَةَ).
(هِيَ أَكْمَلُ صِفَاتِهَا)، ويُضَاف إليها أشياء أُخرى، ليست من الغسل في ذاتها، ولكنها ممَّا يَجبُ فيه، ومنها النية، وهي لا بد منها. وقال العلماء بأن الوضوء لا يجب على المغتسل؛ لكونهم يرون أنه يدخل ضمن الحدث الأكبر، وهذا يدرجونه تحت القاعدة المعروفة: "إذا اجتمع أمران في جنس واحد، ولم يختلف مقصودهما، دَخَل أحدهما في الآخر تبعًا" (٤).
стр. 506
ويَقُولُ بَعْضهم: إذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ في وقتٍ ليست إحداهما مفعولةً على جهة الخطإ، ولَا علَى طريقة التبعيَّة للأُخرى، تَدَاخلتْ أفعالهما، واكتُفِيَ فيهما بفعلٍ واحدٍ (١)، فأَنْتَ قَدْ تأتي والإمام قد ركع، وهذا يعني أنه فاتتك تكبيرة الإحرام والفاتحة وتكبيرة الركوع، فلو أنك كَبَّرت تكبيرة الإحرام ناويًا بها الاثنتين معًا، تداخلتا، واكْتُفي بواحدةٍ، وَلَكن لا يصلح أن تأتي وتُكبِّر تكبيرة الرُّكوع، وتنوي أن تدخل معها تكبيرة الإحرام؛ لأن هذه ركنٌ، وتلك واجبٌ.
قوله: (مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ مِنْ أَرْكانِهَا الوَاجِبَةِ).
يريد أن يَقُول: إن حديث أم سلمة اقتصر على الواجبات التي هي الأركان، كما في حديث الأعرابي: "إذا قمت إلى الصلاة، فكبِّر ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثمَّ اركع حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا" .. إلى أن قال: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"، فهُنَاك أمورٌ لم يذكرها في صلاة المسيء (٢)، حتى قراءة الفاتحة ما ذكرها إلا في بعض
стр. 507
الروايات التي في غير "الصحيحين"، حيث قال: "ثم اقرأ بفاتحة الكتاب" (١).
قوله: (وَأَنَّ الوُضُوءَ فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الطُّهْرِ إِلَّا خِلَافاً شَاذَّا رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ).
هَذَا وَهْمٌ من المؤلف يجب التنبه لأمثاله، وإنَّما هو قول أبي ثورٍ من الشافعية، ومعه داود الظاهري (٢) على أن هناك مَنْ يرى أبا ثور إمامًا مستقلًّا (٣)، فجُمْهور العلماء كما سَبَق متفقون على عدم وُجُوب الوضوء في أول الغسل، وإنَّما الخلاف في المضمضة والاستنشاق.
قوله: (وَفِيهِ قُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ ظَوَاهِرِ الأَحَادِيثِ)، فيما ذهب إليه أبو ثور ومَنْ معه قوة بالنظر إلى ظواهر الأحاديث.
قوله: (وَفِي قَوْلِ الجُمْهُورِ قُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ ظَاهِرٌ مِنْ أَمْرِهَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الوُضُوء، لَا أَنَّ الوُضُوءَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا).
" وَفِي قَوْلِ الجُمْهُورِ قُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ ظَاهِرٌ مِنْ أَمْرِهَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّة الوُضُوء"، الطهارة يقصد بها الغسل، فلو أن الجنب توضأ، لا يفيده وضوؤه، لكونه رفع حدثًا أصغر، ومثله الحائض إذا انقطع دمها لا يفيدها الوضوء؛ لأنَّ الوضوءَ يرفع الحدث الأصغر، وَالحَدثُ هنا
стр. 508
حدثٌ أكبَر، ولا تَتَحقَّق الطهارة الصُّغرى إلا بتحقُّق الطهارة الكبرى بشرط أن ينويهما معًا، ولذلك كان بعض الفقهاء في غاية الدقة حين قالوا: إذا اجتمعت عبادتان من جنْسٍ في وقتٍ واحدٍ ليست إحداهما مَفْعولةً على جهة القضاء، فمثلًا إذا أقيمَت الصلاة، وأنت تَدْخل المسجد، فأنت مَأمورٌ بألا تجلس حتى تصلي ركعتين معروفتين بتحية المسجد: "إذا دَخَل أحدُكُم المسجدَ، فلا يَجْلس حتى يصلي ركعتين" (١)، فهل تصلي تحية المسجد المأمور بها في الحديث أم تصلي الصلاة المفروضة مع الإمام؟ يقولون: تَكْفيك هذه عن تحية المسجد لتَداخُل العبادتين (٢)، ولكن لو أن هذه سنن
стр. 509
رواتب، لا تكفيك عنها الصلاة المفروضة، هذه من ناحية، ومن ناحية أُخرى ألا تكون هذه العبادة مقضيةً كأن تأتي المسجد، فتجد الإمام دخل مثلًا في صلاة الظهر، وقد فاتك ظهر الأمس نسيانًا وتذكرتها، فلا تكفيك هذه عن تلك (١).
فالمؤلف يُشير إلى أن الحدث الأصغر يدخل ضمنًا مع الحدث الأكبر، وهذا عند جمهور العلماء.
قوله: (وَفي قَوْلِ الجُمْهُورِ قُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ؛ لَأَنَّ الطَّهَارَةَ ظَاهِرٌ مِنْ أَمْرِهَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الوُضُوء، لَا أَنَّ الوُضُوءَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا).
"لَا أَنَّ الوُضُوءَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا"، فلو توضأت مائة مرة لن يُغْنيك عن الغسل.
قوله: (فَهُوَ مِنْ بَابِ مُعَارَضَةِ القِيَاسِ لِظَاهِرِ الحَدِيثِ، وَطَرِيقَةُ الشَّافِعِيِّ تَغْلِيبُ ظَاهِرِ الأَحَادِيثِ عَلَى القِيَاسِ).
هَذَا القول لأبي ثور وداود الظاهري ومَنْ معهما.
قوله: (فَذَهَبَ قَوْمٌ - كَمَا قُلْنَا - إِلَى ظَاهِرِ الأَحَادِيثِ، وَغَلَّبُوا ذَلِكَ عَلَى قِيَاسِهَا عَلَى الوُضُوءِ)، والمُلَاحظ أن المؤلفَ ما جاء بأدلة الجمهور التي ينصُّون عليها إلا حديث أم سلمة، ولكن حديث جبير بن مطعم وحديث أبي ذر أيضًا يرى الجمهور أنهما نصٌّ فيما ذهبوا إليه.
قوله: (فَلَمْ يُوجِبُوا التَّدَلُّكَ، وَغَلَّبَ آخَرُونَ قِيَاسَ هَذِهِ الطَّهَارَةِ عَلَى الوُضُوءِ عَلَى ظَاهِرِ هَذِهِ الأحَادِيثِ، فَأَوْجَبُوا التَّدَلُّكَ كَالحَالِ فِي الوُضُوءِ).
يقصد بالدَّلك صب الماء، وإمرار اليد.
стр. 510
قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ القِيَاسَ، صَارَ إِلَى إِيجَابِ التَّدَلُّكِ).
وَالسُّؤالُ الَّذي يرد هنا هُوَ: ماذا لو أن إنسانًا اغتسلَ ولم يتدلَّك، أيصحُّ غسله أم لا؟
هُوَ صحيحٌ عند كافَّة العلماء، وقد رأينا أحاديثَ رسول الله ﷺ الصحيحة صريحة الدلالة، دالة على المُدَّعَى دلالة واضحة بيِّنة لا يتطرق إليها أي لبسٍ، إلا أن هناك آخرين يرون أنه لا بد من الدلك، ولكن هنا أيهما الأسلم؟
لا شك أن الأكمل والأفضل - بل الأسلم - هو أن يدلك أعضاءه، ولذلك ذكر العلماء أن الغسلَ مرتبٌ في أمور عشرة، منها دلك الأعضاء، إلا أن هناك فرقًا بين تقرير مسألة علمية بأدلتها، وتبيين الحق فيه على ضوء الأدلة، وبين الأخذ بالأحوط.
قوله: (وَمَنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ الأَحَادِيثِ عَلَى القِيَاسِ، صَارَ إِلَى إِسْقَاطِ التَّدَلُّكِ).
هو كلامه بالنسبة للقياس ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فكلمة "تغتسلوا" هي المشار إليها على ما بينَّا سابقًا.
قوله: (وَأَعْنِي بِالقِيَاسِ: قِيَاسَ الطُّهْرِ عَلَى الوُضُوءِ).
والوضوءُ أصلًا الدلكُ فيه غير مُسلَّمِ عند الجمهور المخالفين، وإنما يشترطون وصول الماء إلى العضو بأي وسَيلةٍ، وكان يصح هذا القياس لو أن الجمهور اشترط الدلك في الوضوء.
قوله: (وَأَمَّا الاحْتِجَاجُ مِنْ طَرِيقِ الاسْمِ، فَفِيهِ ضَعْفٌ، إِذْ كَانَ اسْمُ الطُّهْرِ وَالغُسْلِ يَنْطَلِقُ فِي كَلَامِ العَرَبِ).
يقصد اسم الغسل، ففي الآية: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، فهموا منها أن "تغتسلوا" فيها معنى الدلك كالإمرار، وإلا ما
стр. 511
يُسمَّى غسلًا، والعلماء يقولون: يستعمل الغسل فيما يكون فيه الاغتسال كغُسْل الجمعة، والغسل من الحيض ومن الجنابة، ولكن يقولون بالنسبة للميت: غَسل الميت؛ لأنه متعدِّي (يتعدَّى إلى غيره).
قوله: (عَلَى المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا: هَلْ مِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ النِّيَّةُ أَمْ لَا؟).
هل من شروط هذه الطهارة (الغسل) النية أم لا؟ هذه هي النية، وأمرها في الإسلام عظيم، والأعمال تدور عليها، فقد تجد مصليين، أحدهما: يصلي وربما حصل منه تقصير في صلاته، لكنه نوى بها وجه الله ، فهو - بلا شك - سيُثاب عليها على قَدْر ما ورد فيها من خشوعٍ وخضوعٍ وغير ذلك، وقد يأتي الآخر: ويصلي قاصدًا بها الرياء والسمعة، فهذه ستكون وبالًا عليه، لا تفيده شيئًا حتى لو بدا في الظاهر أنه أكثر خشوعًا وورعًا وتقًى من الأول؛ لأنه لم يخلص النية فيها لله ، وإنما أراد أن يُرِيَ الناس عمله، وأن يظهر أمامهم بهذه الصورة، وهو بهذا خشي الناس، ولم يخشَ الله، والله تعالى يقول عن رسله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]، ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾.
إذن، ينبغي للإنسان أن يخشى الله في كل عملٍ يقوم به؛ سواء أكان ذلك عبادة أم معاملة، فلو أن مستطيعًا تقدم للزواج قاصدًا به أن يعف نفسه، وألا يقع في المحرمات، وأن يرزقه الله ولدًا صالحًا يقوم في خدمة المجتمع الإسلامي، داعيةً مجاهدًا صالحًا، يدعو إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وَيفْعل الخير، فهو - بلَا شكٍّ - مُثَابٌ على هذا، وقد يعمل الإنسان عملًا كالتجارة وغيرها، فيجمع مالًا كثيرًا كي ينفقه في سبيل الله، ويكفي أهله وأولاده، فهو في هذا مثابٌ عليه، وقد يعمل آخر هذا العمل أيضًا لينفق ما رزقه الله في الصدِّ عن سبيل الله، وعن الصلاة، ووجوه الخير، فَهو من غير شك معاقبٌ على هذا، فالأول يُثَاب على فعلِهِ، وله أجره، والثاني يعاقب على فعله وعليه وزره، والسبب في تباين آثار هذين العملين المثيلين النية.
стр. 512
ولذَلكَ، ورَد في الحديث الصحيح: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى اللُّقْمَةِ تَجْعَلُهَا فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ" (١).
وفي حديثٍ آخر: وفي بُضْع أحَدنا صدقة؟ فبَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ ، وقال: "أرأيتَ لو وَضَعها في الحَرَام، أليسَ عليه وزرٌ". قال: بلى. قال: "فَكَذلكَ إذا وَضَعها في الحلال، فلَه أجرٌ" (٢).
ومن هنا تَخْتلفُ النيَّةُ عن غيرها، بَلْ وتَخْتلف الآثار المترتبة عليها من حيث إخلاصها لوَجْه الله، أو ابتغاء مَرْضاة الناس والرياء والسُّمعة، ففي الحديث: "وَرُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ" (٣)، فمَنْ يقاتل لإعلاء كلمة الله ، يَدْخل ضمن قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١]، ومَنْ يقاتل ليقال: إنه شجاعٌ، يُلقى في سواء الجحيم كما ورد في الثلاثة الذين وَرَد ذكرهم في الحديث (٤).
وقصَّة الرجل الذي كان في وقعة بدرٍ وقد رآه الصحابة يقتحم صفوف المشركين، ويقاتل قتالًا شديدًا، ويوقعهم قتلى وجرحى، ثم بعد ذلك رُئِيَ وهو في آخر رمقٍ من حياته، فذهبوا يُخْبرون رسول الله ﷺ بذلك، فقال
стр. 513
الرسول ﵊: "هو في النار" (١)، فاستغرب الصحابة من الأمر ثم عادوا إليه، فأدركوه بعد لم يمت، فسألوه، فعرفوا منه أنه قاتل حميةً وعصبيةً، فَالأَعْمَالُ بالنيَّات.
وقال العلماء بأنه لا بدَّ منها في الوضوء والغسل، وقَدْ ذكروا في هذا عدة أسباب:
أولًا: لتَمْييز العبادات عن العادات، فالصيام الذي هو عبادةٌ في أصله، قد يصوم بعض الناس عادةً لأجل الحمية، أو لأنه لا يشتهي الطعام، وكالنقاب لمَنْ وضعته عبادةً لله، ومن وضعته لعادةٍ عندها.
ثانيًا: لتَمْييز مراتب العبادات؛ كالصِّيام؛ حيث يكون فرضًا كصيام شهر رمضان، أو واجبًا كصيام النذر، أو مستحبًّا كصيام ستةٍ من شوال ويوم عرفة للذين في غير عرفة، ويوم عاشوراء، وغير ذلك من الأيام المعروفة، وأيام البيض والإثنين والخميس … إلى آخره، وصيام داود.
وكذلك أيضًا إخراج المال، فله احتمالاتٌ كثيرةٌ لا يحدد المقصود منها إلا النيَّة، فقَدْ تخرج هذا المال لإنسان قربةً، أو هبةً له، أو زكاةً واجبةً، أَوْ صَدقةً من الصَّدقات، وربما كان رياءً أو رشوةً.
فَهَذِهِ هِيَ النيَّة التي ذَكَرها المُؤلِّف، وقَدْ وقَع فيها خلاف يسيرٌ بين
стр. 514
جماهير العلماء قاطبةً من الصحابَةِ والتَّابعين، وغالب الأئمة (١)، وبين الحنفيَّة (٢) والثوري (٣)، حيث يرَى جماهير العلماءِ اشتراط النية، وكونها متعيَّنة في حين أن الحنفية والثوري لا يقولون باشتراطها.
وقَد استدل الجمهور على مذهبهم بأدلةٍ، منها:
* حديث عمر بن الخطاب الَّذي عني به العلماء عنايةً فائقةً، وعدوه أحد أحاديث أربعة هي أركان هذا الدين الذي يقوم عليها، وهو الحديث الوحيد المتفق عليه عند القائلين بأن قواعد الإسلام تدور على أحاديث أربعة، والثلاثة الأخرى (٤) وقع فيها خلاف زيادةً ونقصانًا.
стр. 515
ولعِظَمِ حديث النية نجد أنَّ الإمامَ البخاريَّ ﵀ افتتح به "صَحيحه"، وكرَّره في مَواضعَ عَديدَةٍ من كتابه (١)، والإمام البخاري كما يقال: إنما فقهه في تراجمه (٢)، فليس الإمام البخاري مجرد مُحدِّث، ولكنه عالم من العلماء الأعلام، الذين يحملون إلى جانب معرفتهم بحديث رسول الله ﷺ ، علم التفسير والفقه وغيرهما من العلوم الإسلامية، وهكذا كان شأن العلماء في ذلك الوقت، ولا شكَّ أن البخاري من العلماء الذين يقَعون في مقدمة أولئك، وخاصةً في علم الحديث.
стр. 516
وَهَذا الحديثُ هو حديث عُمَر بن الخطاب ﵁ الذي نَقَله عن رِسول الله ﷺ ، والذي فيه: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نوَى"، ثم قال: "فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" (١).
"إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"، أي: ثواب الأعمال إنَّما يكون بالنيات، "وَإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى"، فَإنْ نوَى خيرًا، فَسَيرد ثواب ذلك الخير مرصودًا مُدوَّنًا له في كتاب لا يُغَادر صغيرةً، ولَا كبيرةً إلا أحْصَاها، وإن عمل شرًّا، فسيُجَازى علىً ذلك الشر؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، كلُّ ذَلكَ سيجدُهُ ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف: ٤٩].
والعُلَماء اعتبروا أن هذَا الحديث هو الأصل في هذا، وهو العمدة في الباب.
* عُمُوم قول الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقالوا: إن الإخلاص هو عمل القلب، وعمل القلب هو النية، إذًا النية لا بد من توفرها في العبادات، والطهارة عبادة بنوعيها؛ صغرى كانت أم كبرى، فينبغي أن تكون شرطًا.
والَّذينَ قَالوا بعدم اشتراط النية، إنما استدلوا بـ:
* عُمُوم قول الله في آية الوضوء، وقد اشتملت أيضًا على ما يتعلق بالغسل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ﴾
стр. 517
جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] … إلى آخر الآية، فقالوا: إنَّ الآية لم تشر إلى النية، والآية قد ذكرت لنا فرائض الوضوء، ولم تذكر النية منها، فلو كانت واجبةً، لَجَاءت ضمن ذلك.
* حديث أم سلمة الذي مرَّ بنا في الغسل عندما سألت رسول الله ﷺ : أتنقض ضفائرها في غسل الجنابة؟ فقال: "إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسك الماء ثلاث حسيات، ثم تُفيضي الماء على سائر جسدك، فإذا أنت قد طهرتِ" (١)، فقالوا: هنا لم تذكر النية، وهي هنا تستفسر من رسول الله ﷺ ، وتطلب البيان، وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٢)، إذًا هي بحاجةٍ إلى البيان، فبيَّن لها الرسول ﷺ ما يجب، ولم يذكر النية.
ولَا شكَّ أنَّ جماهير العلماء لم يُسلِّموا لهم بهذا الاستدلال، أَوْ لم يُوَافقوهم على وجه الدلالة، فقالوا: إنَّ الآية لم تحصر كل الفرائض بدليل أن هناكَ واجبات أُخرى بيَّنتها السُّنَّة، والله قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولم تحدد الآية، فبيّنت السُّنة المطهرة أن المسح من أول الرأس إلى آخره كما وَرَد في وَصْف وُضُوء رسول الله ﷺ .
إذًا، الآية لم تَشْتمل على كل شيءٍ مع أن من الجمهور مَنْ خالف
في ذلك، وقالوا: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وقالوا: إنَّ الإرادة هي القصد، والقصد هي النية، إذًا الآية فيها إيماءٌ إلى النية.
وأمَّا حديث أم سلمة، فردَّ بالقول: إن في الحديث سؤالًا معينًا (نقض الضفائر)، فَجَاء الجوابُ عن ذلك السؤال، أمَّا أمُّ سلمة ﵄، فلم
стр. 518
تستشكل أمر الغسل، ولم تكن تجهل النية، ولم تكن تجهل ما يجب عليها، لكنها سألت سؤالًا محدَّدًا أشكل عليها، فَجَاء جوابُ الرَّسُول ﷺ وافيًا بما سألت عنه، وَزَاد على ذَلكَ؛ لأنها سألت: أأنقض ضفر رأسي؟ فقال لها الرسول ﵊: "إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات"، فلا داعي لنقض الضفائر كما بيَّن الرَّسُولُ ﷺ لهَا، وزادَها: "ثمَّ أَفِيضِي الماء على بدنك"، وحَدد "لا، إنَّما يَكْفيكِ أن تُفِيضِي الماء على رأسك ثلاثًا"، و"إنَّما تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات"، ثمَّ قَالَ: "ثمَّ تفيضي الماء على سائر جسدك" (١)، فهل كل ما يتعلق بالغسل ذكر في الحديث؟
على أن النية شرطٌ في الصلاة عند الحنفية (٢)، فلماذا لا يشترطونها؟ يرد الحنفية بالقول: إن الطهارة ليست عبادةً، ولكنها وسيلةٌ إلى العبادة، وَوَجبت لأجل الصلاة، أما الجمهور (٣) فيرون الطهارةَ عبادةً مطلوبةً بذاتها وإن كانت شرطًا في صحة الصلاة.
قوله: (كَاخْتِلَافِهِمْ فِي الوُضُوءِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ (٤)، وَالشَّافِعِيُّ (٥)،
стр. 519
وَأَحْمَدُ (١)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٢)، وَدَاوُدُ، وَأَصْحَابُهُ (٣)، إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ مِنْ شُرُوطِهَا، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ (٤)، وَالثَّوْرِيُّ (٥) إِلَى أَنَّهَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كالحَالِ فِي الوُضُوءِ عِنْدَهُمْ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الطُّهْرِ هُوَ بِعَيْنِهِ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الوُضُوءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي المَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ أيضًا كَاخْتِلَافِهِمْ فِيهِمَا فِي الوُضُوءِ (أَعْنِي: هَلْ هُمَا وَاجِبَانِ فِيهَا أَمْ لَا؟)).
في كَلَام المُصنِّف إبهامٌ لقوله: إنَّ الاختلافَ في المضمضة والاستنشاق في الغسل كالاختلاف فِيهِما في الوضوء من حيث الوُجُوب وعدمه، وَهَذا غير مُسَلَّمٍ به؛ لأن الحنفيةَ في الوضوء مع المالكية والشافعية في أن المضمضة والاستنشاق غير واجبتين (٦).
стр. 520
أمَّا في الغسل، فَقَد انضمَّ الحنفيَّة إلى الحنابلة، فقالوا بوجوب المضمضة والاستنشاق (١)، وعلى هذا فإن الخلافَ في المضمضة والاستنشاق في الطهارة الكبرى (الغسل) يختلف عنه في الطهارة الصغرى (الوضوء).
قوله: (فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُمَا غَيْرُ وَاجِبَيْنِ فِيهَا، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِهِمَا، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِهِمَا مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِهِمَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ" (٤)، انْقَسَم الفُقَهاءُ في هذه المَسْألة إلى فريقين: فريق يرى عدم الوجوب متمثلًا في المالكية والشافعية، وفريق يرى الوجوب متمثلًا في الحنفية والحنابلة، على أن للحنابلة أربعة آراء على النحو التالي:
١ - وجوب المضمضة والاستنشاق مطلقًا؛ وضوءًا وغسلًا.
٢ - وجوب الاستنشاق دون المضمضة.
٣ - وُجُوبُهما في الغسل دون الوضوء.
стр. 521
٤ - عدم وجوبهما (١).
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي نُقِلَتْ مِنْ صِفَةِ وُضُوئِهِ ﵊ فِي طُهْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الأَحَادِيثَ الَّتِي نُقِلَتْ): "في طهره"، يَعْني: في غسلِهِ، فقَدْ أرَاد بقولِهِ: (مِنْ صِفَةِ وُضُوئِهِ ﵊ فِي طُهْرِهِ)، الوضوء الذي ورَد ضمن الغسل، ولا يقصد الوضوء الذي هو رفع الحدث الأصغر.
"وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ لِلأحَادِيثِ الَّتِي نُقِلَتْ مِنْ صِفَةِ وُضُوئِهِ ﵊ فِي طُهْرِهِ)، حَديثُ عَائشة وميمونة فيهما أن الرَّسُولَ ﵊ أفرغَ على يدَيه، فَغَسل يديه، ثم بعد ذلك تمضمض واستنشق، (ثمَّ بعد ذلك غسل رأسه ثلاثًا، ثم بدأ بميامنه، ثم أفاض الماء)، (ثم تمضمض واستنشق ثم غسل رأسه ثلاثًا) (٢) … إلى آخر الحديثين، أما حَديثُ أم سلمة الذي أشار إليه المؤلف هو أنها سألت رسول الله ﷺ عن نقض ضفائرها، وكانت تشدُّها، فأَخْبَرها الرسول ﵊ بقوله: " (إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات، ثم تفيضي الماء على بدنك، فإذا أنتِ قد طهرتِ"، أو: "طَهرتِ" (٣).
стр. 522
فليس في الحديث ذكرٌ للمضمضة، ولا للاستنشاق، ومَنْ وقف عند هذا الحديث قال: إنَّ المضمضة والاستنشاق غيرُ وَاجبَتين.
ومَنْ رأى أن حديث عائشة وميمونة فيهما التنصيص على المضمضة والاستنشاق، وأن ذلك مُتَعيِّنٌ، قوى ذلك بأدلة أُخرى وردت، مِنْ ذَلكَ قول الله : ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقالوا: إنَّ الوجهَ ما تحصل به المواجهة، والأنف تحصل به المواجهة، وَكَذلك الفم، إذًا، هذا يدل على الوجوب.
ومنها أيضًا هذان الحديثان: "إذا توضأت فمضمض" (١)، "إذا توضَّأ أحدُكُم، فليجعل في أنفه ماءً، ثم لينثر (٢) " (٣).
ثمَّ مُدَاومة الرسول ﵊ فيما مضى.
قوله: (مِنْ صِفَةِ وُضُوئِهِ فِي الطُّهْرِ فِيهَا المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ، وَحَدِيثُ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ لَا بِمَضْمَضَةٍ وَلَا بِاسْتِنْشَاقٍ).
حَديث أُمِّ سلمة ليس فيه أمرٌ، وما دَام ليس فيه أمرٌ، فينبغي أن نردَّ الأحاديث التي فَصَّلت إلى حديث أم سلمة، فيكون حديثا عائشة وميمونة قد ذكرا الواجبات والمستحبات معًا، أمَّا حديث أم سلمة، فإنه اقتصر على الواجبات فقط، فَقَالوا: لو كانت المضمضة والاستنشاق واجبتين، لنُبِّه عليهما في الحديث، لكن الرسول ﵊ ما نبَّه أم سلمة على ذلك، فدلَّ على عدَم وُجُوبهما.
стр. 523
وَالجَوابُ عَنْ هذَا: أنَّ سؤالها عمَّا أشكل عليها، ألا وهو نقض الضفائر، فأجابها الرسول ﷺ بما هو أشمل: "إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات"، يعني: تصبُّ ثلاث مرات على رأسها، ثمَّ بعد ذلك تفيضه على سائر جسدها.
قوله: (فَمَنْ جَعَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ مُفَسِّرًا لِمُجْمَلِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، أَوْجَبَ المَضْمَضَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ، وَمَنْ جَعَلَهُ مُعَارِضًا، جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ حَمَلَ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ عَلَى النَّدْبِ، وَحَدِيثَ أُمَّ سَلَمَةَ عَلَى الوُجُوبِ).
وهَذَا هو سبب الخلاف بين العلماء في المسألة كما بين المصنف.
قوله: (وَلِهَذَا السَّبَبِ بِعَيْنِهِ، اخْتَلَفُوا فِي تَخْلِيلِ الرَّأْسِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ أَمْ لَا؟)، لا خلافَ بَيْن العُلَماء على وُجُوب مَسح الرأس في الوضوء؛ لقوله : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، فَاللهُ تَعالَى أمَر بالمسح، ولكن الخلاف الذي وقَع بينهم هو في قدر الممسوح، أهو الرأس كله أم بعضه؟ (١).
وإنَّ الذين يقولون بالبعض اختلفوا أيضًا؛ لأنه ورَد من صفة وضوء رسول الله ﷺ أنه مسح رأسه كاملًا، بدءًا بمقدمة رأسه، فَذَهب بهما إلى قفاه، ثمَّ ردَّهما إلى المكان الذي بدَأ منه في مقدمة الرأس،
стр. 524
وورد أيضًا أنه جاء المسح من خلف الرأس في حديث الرُّبيع، وهَذه صفةٌ أُخرى.
وَهناك فرقٌ كبيرٌ بالنسبة لفرض الرأس بين الغسل والوضوء، فَهُو في الوضوء المسح، ويذهب أكثر العلماء إلى أن مَنْ صب الماء على رأسه، فقَدْ أجزأه؛ لكون الغسل أكثر من المسح، فيدخل فيه، في حين يذهب آخرون إلى أنه لا يجزئه؛ لأن المطلوب هو المسح، وهو المنصوص (١)، وفي حديث أسماء سألت رسول الله ﷺ فيما يتعلَّق بغسل رأسها، فأكَّد لها ذلك فيما يتعلق بإيصال الماء.
أما حديث: "تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَأَنْقُوا البَشَرَةَ، وَبُلُّوا الشَّعْرَ" (٢) الآتي ذكره وَإِنْ كَانَ ضعيفًا إلا أنَّ له شواهد (٣) ومتابعات (٤)، منها: حديث علي بن أبي طالبٍ، وهو قَوْله ﵊: "مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ
стр. 525
شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ، لَمْ يُصِبْهَا المَاءُ، فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ" (١)، وقَدْ صَحَّحَه العلماء (٢).
فَهَذا الحديثُ فيه دقةُ بَيَانٍ، وَصَراحة دلالةٍ على وجوب إيصال الماء إلى الرأس، وهذا لا يتمُّ إلا عن طريق تحريك الشعر، وَكَذلك دَلْكه، وقد عرفنا الخلاف في الدلك.
إذًا، هَذَا الحَديثُ الذي سنسمعُهُ الآن له شَواهدُ أُخْرى تُؤيِّده، وهو الذي يريده المؤلف، فيَقُول: تخليل الشعر؛ لأنَّ العلماءَ بالنِّسبة لغسل الجنابة يقولون: إنَّ المبالغةَ فيها آكَدُ من الوضوء؛ لأنَّ الإنسانَ مطالبٌ أن يوصل الماء إلى مغابن بدنه الخفية منه، وكذلك أيضًا إلى أُصُول الشعر حتى يُعَمم ذلك إلى جميع البدن.
قوله: (وَلِهَذَا السَّبَبِ بِعَيْنِهِ اخْتَلَفُوا فِي تَخْلِيلِ الرَّأْسِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ أَمْ لَا).
وتخليل الرأس هُوَ إدخال الأصابع في الشعر حتى يطمئن الإنسان إلى أن الماء استوعب رأسه، وَوَصل إلى أصول شعره، فغطَّى البشر، وهذا أمرٌ مطلوبٌ، ولا ينبغي للإنسان أن يتساهل في هذا الأمر، بل عليه أن يبالغ فيه، ويتَّقي الله ربه؛ لأن هذه طهارة.
قوله: (وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ (٣)، وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ).
فَمَالكٌ الَّذي يرَى دَلْكَ الأعضاء، وأنَّه واجبٌ خلافًا للجمهور، يُخَالف الجمهور هنا، فيَرى استحباب التَّخليل لا وجوبه خلافًا للجمهور
стр. 526
الذي يرى وجوب التخليل، مع أن الأحاديث وردت نصًّا، ولعلَّ مالكًا لم يَقُل بذلك، أو لم يقل به المالكية لضعف هذا الحديث، لَكن هذَا الحديث له شواهدُ متعددةٌ فيها التأكيد على هذا الأمر.
قوله: (وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ).
" وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ"، يقصد به الأئمة الثلاثة: أبا حنيفة (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣).
قوله: (وَقَدْ عَضَّدَ مَذْهَبَهُ مَنْ أَوْجَبَ التَّخْلِيلَ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ).
يَقُولون: عضَّد الشيء يعني: ضمَّ إليه آخرَ ليُقوِّيه، يعني: أنت لما تجد الإنسان متعبًا، فتأخذ بعضده؛ كأنك تقيمه إذا عجز عن القيام، تساعده وتسنده، كذلك قال: عضد ذلك، بمعنى أنه ضمَّ إليه دليلًا آخر ليتقوى به.
قوله: ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَأَنْقُوا البَشَرَةَ، وَبُلُّوا الشَّعْرَ):
" تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ" (٤)، هذا دليلٌ على أهمية الأمر، "فَأَنْقُوا البَشَرَةَ، وَبُلُّوا الشَّعْرَ" (٥)، فالبلُّ هنا لا يَكْفي وَحْده، فَكَان الإنسان في
стр. 527
الوضوء يضَع يديه في الماء، ثمَّ يمسح، هَذَا غير كافٍ هنا، فلا بد من البلِّ وإنقاء البشرة، وإنقاء البشرة لا يتمُّ إلا عن طريق إيصال الماء.
هَذَا الحديثُ ضعيفٌ لذاتِهِ، لو أخذناه منفردًا لقلنا بضعفه، ولا يَصْلح الاستدلال به، لكنه لشهرتِهِ، أَوْرَده المؤلف، ولم يعرض للأحاديث الأُخرى التي تؤيد هذا الحديث وتقويه، وبعضها أَحَاديثُ صحيحةٌ، كَحَديث عليٍّ ﵁: "مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا المَاءُ"، فأحيانًا يأتي الحديث مفصلًا لشدة الحاجة إليه "مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ"، شعرة واحدة، ولم يقف عند هذا، بل قال: "لَمْ يُصِبْهَا المَاءُ، فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ" (١)، حَيْث يتَرتب على هذا إثمٌ، والإثمُ يترتب عليه عقابٌ، والعقاب إنما هو في النار، وكل إنسانٍ يخشى من عذاب الله ، وكل مؤمنٍ يرجو ثواب الله ، ويخشى عقابه، فَعَلى المسلم أن يهتمَّ بمسألة الطهارة؛ لكونها مفتاح الصلاة، فيأتي بجميع الأمور على أكمل وجهٍ، فيخلل رأسه ولحيته، ويفيض الماء، ويمر، فيكون على أحسن صورةٍ في عبادةٍ يتقرب بها إلى باريها الطيب الذي لا يقبل إلا طيبًا.
قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا: هَلْ مِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ الفَوْرُ وَالتَّرْتِيبُ، أَوْ لَيْسَا مِنْ شُرُوطِهَا كَاخْتِلَافِهِمْ في ذَلِكَ فِي الوُضُوءِ؟).
وكَمَا وقَع الخلاف بين العلماء في هاتين المسألتين في الوضوء، وَقَع أيضًا في الغسل، والفور الموالاة، يُقْصد به تتابع أفعال الوضوء من غير تراخٍ أو تفريقٍ، أما الترتيب فهو أن يؤتى بالوضوء مرتبًا، كما في قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
стр. 528
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، والفور يرى وجوبه الحنابلة (١)، والمالكية في روايةٍ، وفي المشهور عنهما (٢)، أما الترتيب فيوجبه الحنابلة (٣) والشافعية على تفصيل (٤).
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: هَلْ فِعْلُهُ ﵊ مَحْمُولٌ عَلَى الوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ بِهِ (٥)؟ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ مَا تَوَضَّأَ قَطُّ إِلَّا مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا).
وَسَببُ الخلَاف في الأصل هو أنَّه لم يُنْقل عن الرسول ﵊ إلا أنه تَوَضَّأ مُرتِّبًا وضوءه، وكان يُوَالي بينها، وأنه أيضًا
стр. 529
رأى رجلًا في قدمه قَدْر ظفرٍ لم يُصبْه الماء، فقال له: "أَحْسِنْ وضوءَك" (١)، فَعَاد الرجل فتوضَّأ ثم صلَّى، والأحاديثُ كثيرةٌ في هذا، كما أن عُمَر عندما رأى رجلًا فيه شيءٌ من ذلك، أمَره أن يعيدَ الوضوءَ، وأن يُصلِّي (٢).
وَوِجْهَةُ الَّذين قَالُوا بعدَم المُوَالاة: أنَّ عبد الله بن عمر كان في السُّوق، فَغَسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دُعِيَ إلى جنازةٍ، فدخل ومضى وقت، ثم بعد ذلك مسح على قدميه، ثم صلَّى على الجنازة (٣).
فَمَنْ نَظرَ إلى فِعْلِهِ ﷺ ، وَحَمله على الوُجُوب، قال بالوُجُوب، ومَنْ حمَله على الندب، قال بالندب.
قوله: (وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ أَبْيَنُ مِنْهَا فِي الوُضُوءِ، وَذَلِكَ بَيْنَ الرَّأْسِ وَسَائِرِ الجَسَدِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: "إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَتَيَاتٍ" (٤)، "ثُمَّ تُفِيضِي المَاءَ عَلَى جَسَدِكِ"، وَحَرْفُ "ثُمَّ" يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ (٥)).
وهَذَا الذي رجَّحه المؤلف غير مُسلَّمٍ به؛ لأن الجواب جاء على قدر
стр. 530
السؤال، فالصحابيةُ الجليلةُ أم سلمة زوج الرسول ﵊ سَألته عن ضفائرها التي تشدها من حيث النقض وعدمه، وإن كان هناك خلاف في الغسل عن المحيض بين العلماء (١) إلا أنه لا خلافَ بينهم في