الذي يرى وجوب التخليل، مع أن الأحاديث وردت نصًّا، ولعلَّ مالكًا لم يَقُل بذلك، أو لم يقل به المالكية لضعف هذا الحديث، لَكن هذَا الحديث له شواهدُ متعددةٌ فيها التأكيد على هذا الأمر.
قوله: (وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ).
" وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ"، يقصد به الأئمة الثلاثة: أبا حنيفة (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣).
قوله: (وَقَدْ عَضَّدَ مَذْهَبَهُ مَنْ أَوْجَبَ التَّخْلِيلَ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ).
يَقُولون: عضَّد الشيء يعني: ضمَّ إليه آخرَ ليُقوِّيه، يعني: أنت لما تجد الإنسان متعبًا، فتأخذ بعضده؛ كأنك تقيمه إذا عجز عن القيام، تساعده وتسنده، كذلك قال: عضد ذلك، بمعنى أنه ضمَّ إليه دليلًا آخر ليتقوى به.
قوله: ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَأَنْقُوا البَشَرَةَ، وَبُلُّوا الشَّعْرَ):
" تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ" (٤)، هذا دليلٌ على أهمية الأمر، "فَأَنْقُوا البَشَرَةَ، وَبُلُّوا الشَّعْرَ" (٥)، فالبلُّ هنا لا يَكْفي وَحْده، فَكَان الإنسان في
стр. 527
الوضوء يضَع يديه في الماء، ثمَّ يمسح، هَذَا غير كافٍ هنا، فلا بد من البلِّ وإنقاء البشرة، وإنقاء البشرة لا يتمُّ إلا عن طريق إيصال الماء.
هَذَا الحديثُ ضعيفٌ لذاتِهِ، لو أخذناه منفردًا لقلنا بضعفه، ولا يَصْلح الاستدلال به، لكنه لشهرتِهِ، أَوْرَده المؤلف، ولم يعرض للأحاديث الأُخرى التي تؤيد هذا الحديث وتقويه، وبعضها أَحَاديثُ صحيحةٌ، كَحَديث عليٍّ ﵁: "مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا المَاءُ"، فأحيانًا يأتي الحديث مفصلًا لشدة الحاجة إليه "مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ"، شعرة واحدة، ولم يقف عند هذا، بل قال: "لَمْ يُصِبْهَا المَاءُ، فُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ" (١)، حَيْث يتَرتب على هذا إثمٌ، والإثمُ يترتب عليه عقابٌ، والعقاب إنما هو في النار، وكل إنسانٍ يخشى من عذاب الله ، وكل مؤمنٍ يرجو ثواب الله ، ويخشى عقابه، فَعَلى المسلم أن يهتمَّ بمسألة الطهارة؛ لكونها مفتاح الصلاة، فيأتي بجميع الأمور على أكمل وجهٍ، فيخلل رأسه ولحيته، ويفيض الماء، ويمر، فيكون على أحسن صورةٍ في عبادةٍ يتقرب بها إلى باريها الطيب الذي لا يقبل إلا طيبًا.
قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا: هَلْ مِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ الفَوْرُ وَالتَّرْتِيبُ، أَوْ لَيْسَا مِنْ شُرُوطِهَا كَاخْتِلَافِهِمْ في ذَلِكَ فِي الوُضُوءِ؟).
وكَمَا وقَع الخلاف بين العلماء في هاتين المسألتين في الوضوء، وَقَع أيضًا في الغسل، والفور الموالاة، يُقْصد به تتابع أفعال الوضوء من غير تراخٍ أو تفريقٍ، أما الترتيب فهو أن يؤتى بالوضوء مرتبًا، كما في قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
стр. 528
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، والفور يرى وجوبه الحنابلة (١)، والمالكية في روايةٍ، وفي المشهور عنهما (٢)، أما الترتيب فيوجبه الحنابلة (٣) والشافعية على تفصيل (٤).
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: هَلْ فِعْلُهُ ﵊ مَحْمُولٌ عَلَى الوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ بِهِ (٥)؟ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ مَا تَوَضَّأَ قَطُّ إِلَّا مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا).
وَسَببُ الخلَاف في الأصل هو أنَّه لم يُنْقل عن الرسول ﵊ إلا أنه تَوَضَّأ مُرتِّبًا وضوءه، وكان يُوَالي بينها، وأنه أيضًا
стр. 529
رأى رجلًا في قدمه قَدْر ظفرٍ لم يُصبْه الماء، فقال له: "أَحْسِنْ وضوءَك" (١)، فَعَاد الرجل فتوضَّأ ثم صلَّى، والأحاديثُ كثيرةٌ في هذا، كما أن عُمَر عندما رأى رجلًا فيه شيءٌ من ذلك، أمَره أن يعيدَ الوضوءَ، وأن يُصلِّي (٢).
وَوِجْهَةُ الَّذين قَالُوا بعدَم المُوَالاة: أنَّ عبد الله بن عمر كان في السُّوق، فَغَسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ثم دُعِيَ إلى جنازةٍ، فدخل ومضى وقت، ثم بعد ذلك مسح على قدميه، ثم صلَّى على الجنازة (٣).
فَمَنْ نَظرَ إلى فِعْلِهِ ﷺ ، وَحَمله على الوُجُوب، قال بالوُجُوب، ومَنْ حمَله على الندب، قال بالندب.
قوله: (وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ أَبْيَنُ مِنْهَا فِي الوُضُوءِ، وَذَلِكَ بَيْنَ الرَّأْسِ وَسَائِرِ الجَسَدِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: "إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَتَيَاتٍ" (٤)، "ثُمَّ تُفِيضِي المَاءَ عَلَى جَسَدِكِ"، وَحَرْفُ "ثُمَّ" يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ (٥)).
وهَذَا الذي رجَّحه المؤلف غير مُسلَّمٍ به؛ لأن الجواب جاء على قدر
стр. 530
السؤال، فالصحابيةُ الجليلةُ أم سلمة زوج الرسول ﵊ سَألته عن ضفائرها التي تشدها من حيث النقض وعدمه، وإن كان هناك خلاف في الغسل عن المحيض بين العلماء (١) إلا أنه لا خلافَ بينهم في
стр. 531
المسألة التي معنا؟ لورود النص الصريح: "إنَّما يكفيك أن تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات (١) "، ولا اجتهاد مع النص، والقَصدُ هُوَ إيصالُ الماء إلى البشرة.
"إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْتِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَات"، وَلَئن كان في بعض الروايات زيادة تفيد النقض (٢)، فَإنَّ العلماءَ ضعَّفوها (٣).
[الباب الثاني: في معرفة نواقض الغُسل]
قوله: (البَابُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ النَّوَاقِضِ لهَذِهِ الطَّهَارَةِ، وَالأَصْلُ فِي هَذَا البَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]).
يُرِيدُ المؤلِّف أن يُبيِّن الأصل في وجوب الغسل عمومًا؛ سواء كان من حيضِ أو من جنابةٍ أو من نفاسٍ، فذكر أن دليل وجوب الغسل قول الله ﷺ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
قوله: (وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ (٤) عَلَى وُجُوبِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ مِنْ حَدَثَيْن؛
стр. 532
أَحَدُهُمَا: خُرُوجُ المَنِيِّ (١) عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ فِي النَّوْمِ أَوِ فِي اليَقَظَةِ مِنْ كَانَ أَوْ أُنْثَى (٢) إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ).
خُرُوجُ المنيِّ من ذكرٍ كان أو أنثى يوجب الغسل، وخروجُهُ قد يكون
стр. 533
إما عن جماعٍ، أو عن إنزالٍ، أو عن احتلامٍ، على أن في الاحتلام تفصيلًا، فالإنسان ربما يحتلم ولا يجد شيئًا، وقَدْ لا يشعر أنه احتلم، فيجد شيئًا، أَوْ يجد على ثوبه الخاص به شيئًا وإن لم يشعر بالاحتلام، هنا يجب الغسل.
قوله: (أَحَدُهُمَا: خُرُوجُ المَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ فِي النَّوْمِ أَوِ فِي اليَقَظَةِ).
وقال: "على وجه الصحة"؛ ليخرج من الخلاف.
قوله: (مِنْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى عَلَى المَرْأَةِ غُسْلًا مِنْ الاحْتِلَامِ)
النَّخعيُّ (١) إمامٌ جليلٌ من التابعين، ومن تلاميذ عبد الله بن مسعود، وهو شيخ حماد بن أبي سليمان التابعي، وحماد شيخ أبي حنيفة، فهو شيخُ شيخِ أبي حنيفة، ورأيُهُ هذا محجوجٌ بحديث أم سلمة الصحيح عندما سألت الرسول: هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: "نعم، إذا رأت الماء" (٢)، فهذا نصٌّ ولا اجتهاد مع النص (٣)، ولا رأي لأحدٍ بعد
стр. 534
قول الله ، وقول رسوله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١].
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، لكنَّنا نعتذر لهؤلاء العلماء؛ لأنه ربما لم يبلغهم هذا الأمر، أو بلغه ففهمه فهمًا آخر، وهكَذا.
قوله: (وَإنَّمَا اتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلَى مُسَاوَاةِ المَرْأَةِ فِي الاحْتِلَامِ لِلرَّجُلِ؛ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الثَّابِتِ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، المَرْأَةُ تَرَى فِي المَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ).
من منهج المؤلف أنه إذا قال: "الثابت: يقصد به ما ثبت في "الصحيحين" أو أحدهما.
قوله: (هَلْ عَلَيْهَا غُسْلٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ") (١).
إذًا، فهذا نصٌّ صريحٌ في المسألة، ولذا يعتبر الخلافُ ضعيفًا.
قوله: (وَأَمَّا الحَدثُ الثَّانِي الَّذِي اتَّفَقُوا أيضًا عَلَيْهِ، فَهُوَ دَمُ الحَيْضِ (٢)، (أَعْنِي: إِذَا انْقَطَعَ)، وَذَلِكَ أيضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ
стр. 535
الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٢]، وَلِتَعْلِيمِهِ الغُسْلَ مِنَ الحَيْضِ لِعَائِشَةَ (١)، وَغَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ).
الرَّسُولُ ﵊ عَلَّم عددًا من الصحابيات كيف يَغْتسلن عندما سألنَه، وهذا سَيأتي - إن شاء الله - في أبواب الحيض.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا البَابِ مِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الأُصُولِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ مَشْهُورَتَيْنِ. المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ ﵃ فِي سَبَبِ إِيجَابِ الطُّهْرِ مِنَ الوَطْءِ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى الطُّهْرَ وَاجِبًا فِي الْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ؛ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ).
القصد من الْتقَاء الختانين (٢) هو تغييب الحشفة، وَهَذا هو الذي
стр. 536
يوجب الحدَّ، أمَّا الإنزال فأمرٌ آخر، إذ إن مجرَّد الإنزال موجبٌ للغسل؛ سواء كان ناتجًا عن جماع آدمية - حية أو ميتة، كبيرة أو صغيرة - أو بهيمة إلا عند الأحناف (١)، حيث يرون فقدان اللذة في جماع الكبيرة والميتة، وقَدْ رد عليهم العلماء بقصة العجوز الشوهاء مقطعة الأيدي والأرجل (٢).
قوله: (وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ: مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ (٤)، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ (٥)، وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى إِيجَابِ الطُّهْرِ مَعَ الإِنْزَالِ فَقَطْ) (٦).
стр. 537
يَعْني أن جمهور الفقهاء (١) على الرأي القائل بوُجُوب الغسل بمجرد تغييب الحشفة؛ أنزل أو لم ينزل، ولكن هذا الذي ذَكَره عن داود نُقِلَ أيضًا عن بعض الصحابة، كعثمان بن عفان، وعليِّ بن أبي طالب، وأُبيِّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبي سعيد الخدري، هؤلاء نُقِلَ عنهم، كما حُكِيَ عن الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله إلا أن العلماءَ يقولون: إنَّ بعضَ هؤلاء الصحابة رَجَعوا عن هذا القول (٢)؛ لأنَّه جَاءت أحاديثُ كثيرةٌ تدل على أن ذلك كان في أول الأمر، "الماء من الماء" (٣)، وَكَانَ هذا قبل عام الفتح، ثم بعد ذلك أصبح من الْتقَاء الختانين.
стр. 538
قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ تَعَارُضُ الأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ).
وممَّا ورد في ذلك حديث زيد بن خالد الجهني الصحابي الذي سأل عثمان بن عفان ﵄ عن الرجل يُجَامع أهله، ولم يُمْنِ، هل يغتسل؟ فأجَابه عثمان ﵁: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذَكَره، ثمَّ قال عثمان: سَمعتُهُ من رسول الله (١)، فزيد بن خالد الجهني الصحابي أشكل عليه الأمر، فَذَهب إلى الصحابي الجليل عثمان بن عفان ﵁ يسأله عن ذلك، فَقَال: إذا جامع الرجلُ أهلَه ولم يُمْنِ، هل يغتسل؟ فأجابه عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكَره.
وَالصَّحَابةُ من أكثَر الناس حرصًا على التوثُّق في الأمور، وكلُّهم عدولٌ، رْكَّاهم المَولى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، والرسول ﵊ يَقُولُ: "اللَّهَ اللَّهَ في أصحَابي، فَوَالله، لَوْ أنفقَ أحدُهُم مثل أُحُدٍ ما بلغ مُدَّ أحَدهم ولَا نصيفه (٢) " (٣).
يَقُولُ ابْنُ مسعودٍ ﵁: "مَنْ كان مستنًّا، فليستن بمَنْ قد مات، فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة" (٤)، أولئك أصحاب رسول الله ﷺ .
وزيدٌ بعد أخذه بقول عثمان، أراد أن يطمئن؛ لأنه قد يكون عند بعض الصحابة ما ليس عند عثمان - وهذا واقع - فذهب إلى علي بن أبي
стр. 539
طالب قال -يعني: زيد بن خالد- فسألت علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأُبَيَّ بن كعب، فأَمَرُوني بذلك (١)، وفي بعض الروايات: فأَمَروه بذلك (٢)، يعني: وَافَقوا عثمانَ بما فعل، يعني: كان رأيهم موافقًا لرأي عثمان، ثمَّ جاء بعد ذلك علماء، فَنَقلوا أنَّ بعض هؤلاء الصحابة رَجَعوا عن ذلك لما بلغتهم الأحاديث الأُخرى الصحيحة، كحديث عائشة وغيرها.
وَمنَ الأحَاديث التي نعتبرها قاطعةً للنِّزاع في هذه المسألة: ما ورد عن أبي موسى الأشعري في حديثٍ طويلٍ في البخاري، وفي غيره أيضًا أنه قال: اختلف رهطٌ من المهاجرين ومن الأنصار فيما يتعلق بهذا الأمر، فَقَال بعضهم: من الماء، وقال بعضهم: من اللقاء. يعني قال المهاجرون: إن الموجب إنما هو التقاء الختانين. وقال الأنصار: إنما هو نزول الماء.
فَقَال أبو موسى: أنا أشفيكم من ذلك، فانطلق صوبَ عائشة ﵄ وقال: إني سائلكِ، وإني مستحي أو إني أستحييك، فقالت: سَلْ، فأنا بمثابة أُمِّك. فَسَألها عمَّا يوجب الغسل، فَقَالت: قال رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، وَمَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ" (٣)،
стр. 540
وفي بعض الروايات المتفق عليها: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا" (١) كناية عن الجماع، "فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ"، "وَأَلْزَقَ الخِتَان بالخِتَان" (٢)، فدلَّ ذَلكَ على أن التقاء الختانين إنما هو نصٌّ.
وحديث عائشة ﵄ قالت: جاء رجلٌ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأله عن الرجلِ يجامع أهله ولا يُنْزل، أيغتسل؟ أو أيجب عليه الغسل؟ فقال ﵊: "إِنِّي لأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ، ثُمَّ نَغْتَسِلُ" (٣)، فالرَّجُلُ جَاء إلى الرسول، وَسَأله عن الرجل يجامع أهله، ثمَّ يُصيبه الكسل ولَا يُنْزل، أيجب عليه الغسل؟ فردَّ الرسول ﵊ عليه بالقول: "إِنِّي لأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ، ثُمَّ نَغْتَسِلُ".
نَجد من هذه الأدلة أنَّه قَدْ كان هناك خلافٌ وقَع في أول الأمر، ثمَّ بعد ذلك جَاءَتْ هذه الأحاديثُ التي حدَّدت محل الخلاف، وَرَفعت الإشكال، وبيَّنَتْ أن الْتقَاء الختَانين يوجب الغسل، وَعَلى كلٍّ، فالخلافُ يسيرٌ، والحقُّ مع جماهير العلماء القائلين بوُجُوب الغسل من الْتقَاء الختَانين.
قوله: (لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَان ثَابِتَان اتَّفَقَ أَهْلُ الصَّحِيحِ عَلَى تَخْرِيجِهِمَا).
المُؤلِّف اقتصرَ على حَديثَين، ولكن الأحاديث كثيرة.
قوله: (قَالَ القَاضِي ﵁: وَمَتَى قُلْتُ: ثَابِت).
قال القاضي: يقصد به نفسه، ولا يقصد غيره.
قوله: (فَإِنَّمَا أَعْنِي بِهِ مَا أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ أَوْ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا
стр. 541
اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ").
والمَشْهور المُتَّفق عليه: "إذا جَلَس بين شُعَبها الأربع، ثمَّ جَهَدها، فمَدْ وجَب الغسل"، فيه عند مسلم: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، وَمَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ"، في رواية مسلم.
والبخاري أيضًا له رواياتٌ في بعضها: "وَأَلْزَقَ الخِتَانَ بِالخِتَانِ" (١)، تَجد روَاياتٍ في السُّنن، لكن كلُّها تدلُّ دلالةً واضحةً، وفي رواية عند مسلم: "وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ"، "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ" (٢)، فهذا رفَع الإشكالَ تمامًا.
قوله: (وأَلْزَقَ الخِتَانَ بِالخِتَانِ، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ" (٣)).
هذا كنايةٌ، والشَّريعة الإسلامية تُكنِّي في مثل هذا كثيرًا، وهذ موجود في كلام الله : ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومَنثور في كلام رسوله مثل: "لا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" (٤)، فالكنايات هنا مطلوبة، وفرقٌ كبيرٌ بين أن تُكنِّي وأن تتكلم كلامًا عامًّا، وأن تكون في درسٍ يقتضي التفصيل والبيان، ولذلك رأينا أن من الصحابيات وهنَّ نساء، والمرأة تستحي أكثر من الرجل، وقد تسأل عن أمرٍ يخصها، فتَذْهب إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا حياءَ في السؤال في الدَّين، كما أنه لا ينبغي للإنسان - ذكرًا كان أو أنثى- أن يُشْكل عليه أمرٌ من أمور دينِهِ، لا يدري أهو على حقِّ فيه أم غيره ثم
стр. 542
يجلس، ولا يسأل، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧].
وقصَّة الجريح الذي توضأ فمات، وإنكارُ الرسول على مَنْ أفتوه معروفٌ، "فَإنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ (١) السُّؤَالُ" (٢)، فالإنسان إذا أعيَاه أمرٌ، أو أشكل عليه أَو جهل الحكم فيه، فإنه ينبغي أن يسأل عنه، ويتبين ذلك، والله تعالى قَدْ بَيَّن أن من وظائف رسوله إلى جانب التبليغ إنما هو أن يبين ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وهذا هو شأن العلماء بعد رسول الله ﷺ ، فالعلماء هُمْ ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يُورِّثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما وَرَّثوا العلم (٣)، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]
قوله: (وَالحَدِيثُ [الثاني]، (٤): حَدِيثُ عُثْمَانَ أَنَّهُ سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إِذَا جَامَعَ أَهْلَهُ وَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كلمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ).
السَّائل -كما سبق- هو الصحابي زيد بن خالد الجُهَني، ذهب إلى عثمان فسأله، فأجابه، ثم سأل كثيرًا من الصحابة، فوافقوا عثمان على ما ذهب إليه.
قوله: (سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَهَبَ العُلَمَاءُ فِي هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ مَذْهَبَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مَذْهَبُ النَّسْخِ).
هَذَا صحيحٌ، فالعُلَماء ذهَبوا مذهبين لا ثَالثَ لهما؛ لأنهما قَوْلان:
стр. 543
القول الحق هو نسخ القول الأول، وهو قول جماهير العلماء (١).
قوله: (وَالثَّانِي: مَذْهَبُ الرُّجُوعِ إِلَى مَا عَلَيْهِ الاتِّفَاقُ عِنْدَ التَّعَارُضِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الجَمْعُ فِيهِ، وَلَا التَّرْجِيحُ، فَالجُمْهُورُ رَأَوْا أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ نَاسِخ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ) (٢).
وَمن أدلَّة المذهب الثاني حديث: "إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ" (٣)، وحديث أُمِّ سلمة: "نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ" (٤).
قوله: (وَمِنَ الحُجَّةِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كعْبٍ
стр. 544
أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ رُخْصَة فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالغُسْلِ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ) (١).
وهذا دليلٌ قويٌّ؛ لأن أُبَيَّ بن كعب كان من الصحابة الذين يرون أن الغسل لا يجب إلا بالإنزال في أول الأمر، وكونه هو الذي روى لنا هذا الحديث يؤكد ما ذهب إليه الجمهور من أن ذلك كان في أول الأمر، ثم نسخ، ومثل هذا الحديث في التَّحْديد والتبيين حديث أبي موسى الأشعري (٢).
قوله: (وَأَمَّا مَنْ رَأَى أَنَّ التَّعَارُضَ بَيْنَ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ هُوَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الجَمْعُ فِيهِ بَيْنَهُمَا، وَلَا التَّرْجِيحُ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ عِنْدَهُ إِلَى مَا عَلَيْهِ الاتِّفَاقُ، وَهُوَ وُجُوبُ المَاءِ مِنَ المَاءِ، وَقَدْ رَجَّحَ الجُمْهُورُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ جِهَةِ القِيَاسِ، قَالُوا: وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ الإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مُجَاوَزَةَ الخِتَانَيْنِ تُوجِبُ الحَدَّ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ المُوجِبَ لِلْغُسْلِ).
وهَذَا القياسُ سليمٌ، لأنه انعقد إجماع على أن مجاوزة الختانين موجبة للحد، وهو حكمٌ من أحكام الشريعة الإسلامية، فقاسوا عليه وجوب الغسل.
стр. 545
قوله: (وَحَكَوا أَنَّ القِيَاسَ مَأْخُوذٌ عَنِ الخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ).
وهذا يدلُّ على أن القياس ثبت عن رسول الله.
قوله: (وَرَجَّحَ الجُمْهُورُ ذَلِكَ أيضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ لِإِخْبَارِهَا ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ) (١).
وهذا أيضًا من أدلة الجمهور التي رجَّحوا بها رأيهم القائل بنسخ ما كان في الأول من عدَم وجوب الغسل عند عدَم الإنزال في التقاء الختانين.
قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الصِّفَةِ المُعْتَبَرَةِ فِي كَوْن خُرُوجِ المَنِيِّ مُوجِبًا لِلطُّهْرِ).
هَذِهِ المَسألةُ قريبةٌ من الأولى، وهي الصِّفة المعتبرة في كون خروج المني موجبًا للغسل، بمعنى: هَلْ كل ما يخرج من منيٍّ موجب للغسل؟ أم أن هناك صفة معتبرة معينة يكون عليها ذلك الخروج موجبًا للغسل؟
قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى اعْتِبَارِ اللَّذَّةِ فِي ذَلِكَ).
هذه المسألة اختلف فيها العلماء، فَذَهب الجمهور (وهم المالكية والحنفية والحنابلة) إلى اعتبار وجود اللَّذَّة في خروج المني، فمتى صحبت الخروج لذة، فقَدْ وجب الغسل (٢).
стр. 546
قوله: (وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ نَفْسَ خُرُوجِهِ هُوَ المُوجِبُ لِلطُّهْرِ؛ سَوَاءٌ خَرَجَ بِلَذَّةٍ أَوْ بِغَيْرِ لَذَّةٍ).
وذَهَبَ الشافعيَّة إلى القَول بأن أيَّ خُرُوجِ للمني، وَعَلى أيِّ صِفَةٍ كان، سَوَاء خرَج بلَذَّةٍ، أو ببعضها، أو بغير لَذَّةٍ، أو عن صِحَّةٍ أو مَرَضٍ، أو خرج عن طريق دافق أو غيره، فكلُّ ذَلكَ موجبٌ للغسل، وعلَى هذا ففي المسألة قولان، قول الجمهور المعتبر صحبة اللذة للخروج، وقول الشافعية الذين يعتبرون مجرد خروج المني موجبًا للغسل (١).
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ هُوَ شَيْئَان، أَحَدُهُمَا: هَلِ اسْمُ الجُنُبِ يَنْطَلِقُ عَلَى الَّذِي أَجْنَبَ عَلَى الجِهَةِ غَيْرِ المُعْتَادَةِ).
اعتبر المؤلف ﵀ الخلافَ خلافًا قياسيًّا، وهو أكبر من ذلك، فقد يكون من أسباب الخلاف، ولكن أقوال العلماء وأدلتهم المؤيدة لتوجُّهاتهم غير ما ذَكَره المؤلف، فجُمْهورُ العلماء الَّذين يقولون بأن خروج المني بلذةٍ هو الموجب للغَسل، يستدلُّون بأَدلَّةٍ، منها:
* قَوْل الرَّسول ﵊: "إذا فضخت الماء فاغتسل"، حديث رواه أبو داود (٢) وغيره من أصحاب السنن (٣). "وفضخت" (٤) أي: دفقت. وقالوا: فَهَذا نصٌّ، وَوَرد في رواياتٍ متعددةٍ، فَقَالوا: هذا يدلُّ على أن المراد بذلك إنما هو اللذة؛ لأن الدفقَ لا يخرج إلا عن طريق
стр. 547
اللذة، وأيضًا يقيسون ذلك على المذي، ومنها كذلك وَصْف النبي ﵊ المني بأنه ماءٌ أبيضُ غليظٌ في معرض ردِّه على سؤال أم سليم (١): هَلْ على المرأة من غسلٍ إذا هي احتلمت؟ فهذا هي أدلة هؤلاء.
أمَّا الشافعيَّة فيَسْتدلُّون بعُمُوم أدلةٍ مرَّ بنا بعضها، منها قول الرسول ﵊: "المَاء من المَاء"، فهذا ماءٌ، فيوجب الماء وهو الغسل. وقوله ﵊: "نعم، إذا رأت الماء" (٢)، فهنا أيضًا أوجب الماء.
وقالوا أيضًا: إنَّ خُرُوجَ المني عن طريق المعتاد موجب للغسل، فهذه هي أدلة هؤلاء، وتلك أدلة أولئك، فتكون هذه هي الأسباب التي دَعَتهم إلى الخلاف، ومما لا شك فيه أن مذهب الشافعية أحوط.
قوله: (أَمْ لَيْسَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ؟).
المُؤلِّف هنا يريد أن يأخذَ بأدلةٍ عقليَّةٍ، فيقول: هل اسم الجنب ينطلق على الذي أجنب على طريقةٍ غير معتادةٍ أم ليس ينطلق؟ والطريقة المعتادة هي المعروفة الَّتي تكلم عنها الجمهور، وهي خُرُوجُ المنيِّ عن طريق اللذة.
قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الَّذِي أَجْنَبَ عَلَى طَرِيقِ العَادَةِ، لَمْ يُوجِبِ الطُّهْرَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ).
وهؤلاء هم الجمهور.
стр. 548
قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى خُرُوجِ المَنِيِّ كَيْفَمَا خَرَجَ، أَوْجَبَ مِنْهُ الطُّهْرَ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ لَذَّةٍ).
وهم الشافعية.
قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: تَشْبِيهُ خُرُوجِهِ بِغَيْرِ لَذَّةٍ بِدَمِ الاسْتِحَاضَةِ، واخْتِلَافُهُمْ فِي خُرُوجِ الدَّمِ عَلَى جِهَةِ الاسْتِحَاضَةِ هَلْ يُوجِبُ طُهْرًا، أَمْ لَيْسَ يُوجِبُهُ؟ فَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ الحَيْضِ وَإِنْ كَانَ مِنْ هَذَا البَابِ، وَفِي المَذْهَبِ فِي هَذَا البَابِ فَرْعٌ، وَهُوَ إِذَا انْتَقَلَ مِنْ أَصْلِ مَجَارِيهِ بِلَذَّةٍ، ثُمَّ خَرَجَ فِي وَقْتٍ آخَرَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ).
في كتب الحنابلة لو أنه بدأ خروج المني بلذةٍ، ثم حبس أو احتبس، فهل يجب الغسل أو لا، فكافة العلماء لا يوجبون الغسلَ إلا أنَّ المشهور عن الإمام أحمد أنه يجب (١)، وهذا أيضًا فرعٌ في مذهب المالكية (٢)، أشَار إليه أيضًا المؤلف.
قوله: (وَهُوَ إِذَا انْتَقَلَ مِنْ أَصْلِ مَجَارِبهِ بِلَذَّةٍ، ثُمَّ خَرَجَ فِي وَقْتٍ آخَرَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ).
هذه أيضًا مسألة أُخْرى، بمعنى إذا انتقل من أصل المجال بلذة، ثم
стр. 549
بعد ذلك توقف وخرج بغير لذة، فهَذِهِ فيها كلام للعلماء معروفٌ، وخلافٌ مبسوي في كُتُبهم.
قوله: (مِثْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ المُجَامِعِ بَعْدَ أَنْ يَتَطَهَّرَ، فَقِيلَ: يُعِيدُ الطُّهْرَ، وَقِيلَ: لَا يُعِيدُهُ).
ومن العلماء مَنْ يوجب الغسل فيه إن خرج قبل البول، فإن خرج بعده فلا، ومنهم من يُعمِّم، ومنهم مَنْ لا يرى في ذلك شيئًا (١).
стр. 550
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الخُرُوجِ صَحِبَتْهُ اللَّذَّةُ فِي بَعْضِ نَقْلَتِهِ، وَلَمْ تَصْحَبْهُ فِي بَعْضٍ، فَمَنْ غَلَّبَ حَالَ اللَّذَّةِ قَالَ: يَجِبُ الطُّهْرُ، وَمَنْ غَلَّبَ حَالَ عَدَمِ اللَّذَّةِ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطُّهْرُ).
أي: مَنْ نظر إلى الأصل بأن هذا بدأ خروجه عن طريق لذة، قال بالوجوب، ومَنْ نظر إلى النهاية التي لم تصحبها اللذة لم يقل بالوجوب.
[الباب الثالث: في الأحكام المتعلقة بالجنابة والحيض]
قوله: (البَابُ الثَّالِثُ، فِي أَحْكَامِ هَذَيْنِ الحَدَثَيْنِ) أَعْنِي الجَنَابَةَ وَالحَيْضَ)، أَمَّا أَحْكَامُ الحَدَثِ الَّذِي هُوَ الجَنَابَةُ، فَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ، المَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي دُخُولِ المَسْجِدِ لِلْجُنُبِ).
هذا الباب سيذكر فيه المؤلف ثلاث مسائل مشهورات؛ لأن منهجه أنه لا يذكر إلا أمهات المسائل أو قواعدها، ولا يتطرق إلى الجزئيات، وإنْ تطرق إليها فإنه يُنَبِّه - كمَا رأينا - في ذيل المسألة الماضية عندما قال: "فَرْعٌ".
стр. 551
قوله: (عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، فَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ إِلَّا لِعَابِرٍ فِيهِ لَا مُقِيمٍ، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ، وَقَوْمٌ أَبَاحُوا ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ، وَمِنْهُمْ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ فِيمَا أَحْسَبُ).
ولتحرير هذه المسألة نقول: للعلماء فيها ثلاثة أقوال:
الأول: وهو قول جمهور العلماء (مالك (١)، والشافعي (٢) وأحمد (٣) أنه يمنع مكث الجنب في المسجد -أي: جلوسه- ويجوز مروره، وإنْ كَانَ الإمام أحمد أجاز المكث بشرط أن يتوضأ، كما قيَّد المرور عند الحاجة (٤).
стр. 552
الثاني: وهو لأبي حنيفة (١) والثوري وإسحاق بن راهويه (٢) أنه لا يجوز المرور إلا لأمرٍ لا بد منه.
الثالث: وهو قول داود والمزني من الشافعية (٣) وابن المنذر جواز ذلك مطلقًا.
فهَذِهِ هي أقوال العلماء تدقيقًا في المسألة وتحريرًا،
قوله: (وَقَوْمٌ أَبَاحُوا ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ، وَمِنْهُمْ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ (٤) فِيمَا أَحْسَبُ).
" فِيمَا أَحْسَب"، يعني: فيما أظنُّ، وهو كما قال داود، ولكن معه أيضًا المزني من علماء الشافعية وابن المنذر.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِ الشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ: هُوَ تَرَدُّدُ قَوْلِهِ).
المُؤلِّفُ يحصر المسألة بين أهل الظاهر وبين الشافعي، والحقيقة أن المسألة أوسع من ذلك كما بينَّا.
стр. 553
ولكلٍّ من أرباب هذه الأقوال أدلتهم التي استدلوا بها:
أولاً: أدلة الجمهور:
وهم المانعون من المكث في المسجد، المجيزون للعبور والمرور، فقد استدلوا بهذه الأدلة:
*قوله : (وَلَا جُنُبًا إلًا عَابِرِى سَبِيلٍ) [النساء: ٤٣]، على أن الحنفية أيضًا استدلوا بهذه الآية، ولكنهم يختلفون في وجه الدلالة منها، وفي توجيه الآية، فنجد أن الجمهور الذين أشرنا إليهم (وهم المالكية والشافعية والحنابلة) استدلوا بقَوْل الله : (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعلَمُواْ مَا تَقُلُونَ) المعطوف عليها (وَلَا جُنُبًا إلا عَابِرِى سَبِيلٍ)، ونُقِلَ عن الإمام الشافعي نفسه أنه قال: قال أهل العلم بالقرآن (أو مَنْ عنده علم بالقرآن): المراد مواضع الصلاة (١)، قالوا: وقد نُقِلَ هذا التفسير عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباسٍ ﵁ (٢).
وَدَليل ذَلكَ: أنَّهم قالوا بوُجُود مُقدَّرٍ في هذه الآية: (لَا تَقرَبُواْ الصَّلَوةَ) [النساء: ٤٣]، وهذا المقدر يقتضيه الكلام؛ لأن الله قال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، فالمنهي عنه قرب الصلاة ﴿وَلَا جُنُبًا إلًا عَابِرِى سَبِيل﴾ [النساء: ٤٣]، قالوا: والصلاة لا تُعبر، وإنما الذي يُعبر موضعها، فدل هذا على أن هناك مقدرًا، هذا المقدر هي المواضع.
стр. 554
ثمَّ استدلُّوا على منع المكث بحديث عليِّ بن أبي طالبٍ أن الرسول ﵊ -عندما جاء- وَوَجد البُيُوت قد شرعت يعني: فتحت أبوابها، ووجهت إلى المسجد، قال: "لا أحلُّ المسجد لجنبٍ، ولا حائضٍ" (١)، لكن هذا الحديث ضعَّفه العلماء، وتكلموا فيه.
ثانيًا: أدلة الحنفية والثوري وإسحاق:
وهُمُ القائلون بعدم جوَاز المرور إلا لأمرٍ لا بد منه، فَقَد استدلوا بأَدلَّةٍ، منها:
*الآية التي استدلَّ بها الجمهور، ولكنهم تأوَّلوها وفسَّروها تفسيرًا آخر، وقالوا: إنَّ قول الله : ﴿وَلَاْ جُنُبًا إلا عَابِرِى سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]، المراد بعابر السبيل هو المسافر، إذًا الآية أرادت المسافر الذي انقطع عنه الماء، فلم يجده، وحينئذٍ يتيمم، ويدخل المسجد ويصلي، فَهَذا هو المراد، ولذلك قالوا: لا يجوز إلا لما لا بد منه.
ثالثًا: أدلة دواد والمزني وابن المنذر:
وهم الذين أجازوا المكث في المسجد، والمرور فيه مطلقًا، فقد استدلوا بهذه الأدلة:
* حديث الرسول ﵊ أنه قال: "إنَّ المؤمنَ لَا يَنْجس" (٢)، وفي روايةٍ: "إن المسلم لا ينجس" (٣)، وإذا كان المسلم لا ينجس، فلماذا يُمْنع من الجلوس في المسجد أو المرور فيه؟.
* ما ثبت أن الرسول ﵊ حَبَس بَعْض
стр. 555
المشركين في المسجد (١)، فإذا جَاز أن يبقى المشرك في المسجد، أليسَ الجنب أَوْلَى بذلك وأَحْرَى؟ فلماذا يمنع؟
* ولأنَّ الأصلَ في ذلك عدم التحريم، ولا نجد نصًّا صحيحًا صريحًا يحرم ذلك.
وقد ردَّ الجمهور على هَذِهِ الأقوال، فقالوا:
بالنسبة للحنفية قولهم بتخصيص المسافر، وأنه هو المراد في الآية غير مُسلَّمِ به؛ لأن هذه لا يختلف فيها المسافر وغيره، فالحاضر أيضًا لو لم يجد الماء، فإنه يتيمم ويدخل المسجد ويصلي، وليست هذه محل خلافٍ، فلماذا خصصتم المسافر دون غيره؟ (٢)، أليسَ الحَاضر إذا لم يجد لم يجد ماءً، أو عَجَز عن استعمال الماء أليسَ يتيمَّم ثم بعد ذلك يصلي؟ إذن، لا نَجد فرقًا لَا نَجد فرقًا بين الأمرين.
أمَّا بالنِّسبة لأَهْل الظَّاهر واستدلالهم بالحديث الصحيح (٣): "إنَّ المسلم لا ينجس"، فإن الرسول ﵊ الذي قال:
стр. 556
"إن المؤمن لا ينجس"، هو الذي أيضًا نهى المسلم أن يمكث في المسجد وهو جنمبٌ، فكَوْن المؤمن لا ينجس لا يلزم منه جواز مكثه في المسجد وهو جنب، أمَّا القياس على المشرك، فقياسٌ غير مُسلَّمٍ لسببين:
١ - أنَّ الرَّسُولَ ﵊ هو الَّذي نهى الجنب أن يمكث في المسجد، وقبل ذلك قول الله : ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبيلٍ﴾، والرسول ﵊ هُوَ الَّذي حبس بعض المشركين أو ربطهم في المسجد.
إذًا، الرَّسُولُ ﷺ هُوَ الذي أمر هناك، ونهى هنا، إذًا هناك نهيٌ عن المكث في المسجد بالنسبة للجنب، وهناك ربطٌ لبعض المشركين وحبسٌ لهم في المسجد.
٢ - ثمَّ إن المشرك أو الكافر لا يرى حرمةً للمسجد بعكس المؤمن، فإنَّ المؤمن يرى حرمة المسجد، فلا ينبغي أن يدخله وهو جنبٌ.
قوله: (اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي دُخُولِ المَسْجِدِ لِلْجُنُبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ).
حقيقة قوله: "بِإِطْلَاقٍ"، هَذَا غير مُسلَّمٍ، فالذي أعرفه أن مذهب
المالكية كمذهبي الشافعية والحنابلة (١)، فهم جميعٌ يتَّفقون في منع المكث، ويجيزون العبور إلا أن الحنابلة يختلفون في قضايا ينفردون بها؛ كتقييد العبور بالحاجة، وإجازة المكث إذا توضأ الجنب.
قوله: ﵎: ﴿يايُّهَا ألَّذِين ءَامَنُواْ لَا تَقرَبُراْ اَلصَّلَاوةَ وَأَنتُوْ سُكَارَى﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٣]، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الآيَةِ مَجَازٌ حَتَّى يَكُونَ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ).
الحقيقة هذا التصور الذي ذَكَره المؤلف ما ظهر لي، وإنما هذا الذي
стр. 557
ذكر هو بين الجمهور وبين الحنفية، أما أهل الظاهر فأدلتهم ذكرناها واضحةً ومن معهم.
قوله: (بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الَايَةِ مَجَازٌ حَتَّى يَكُونَ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ)، المَجازُ من القَضَايا التي تكلَّم فيها العلماء كثيرًا، إثباتًا ونفيًا، وَهُوَ من الأمور التي يبحثها الأصوليُّون (١)، وَفيما يتعلَّق بالغائط تكلموا عنه، وقالوا: هو في الأصل المكان المطمئن من الأرض، ثم بعد ذلك لقرب العذرة التي تخرج سمَّوه به، فسُمِّي المكان بالغائط، وكذلك مثله الفناء، وهناك أشياء كثيرة، ويستدلون بأَمْثِلَةٍ في القرآن متعدِّدة، لكن الصَّحيح في ذَلكَ أن القولَ بأن القرآن فيه مجازٌ، قولٌ يحتاج إلى دَلِيلٍ، ولا دليلَ عليه، ولذلك سلَك بعض العلماء مسلكًا آخر، وردُّوا على هؤلاء، وقالوا: إنَّ ما في القرآن ليس مجازًا، وإنما هو إيجاز، ويسمِّيه بعضهم إيجازًا بالحذف، ﴿وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ آلَّتى كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]، يعني: أهل القرية ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، يعني: كل سفينةٍ صالحة وهكذا. إذًا هؤلاء قيَّدوه، وهناك كلام كثيرٌ معروفٌ للعلماء، وهُنَاك أيضًا خلافٌ فيمَا يتعلَّق بالمجاز في اللغة (٢).
стр. 558
المُؤلِّفُ هنا أراد أن يُسمِّيه مجازًا، وَلَكن انظروا إلى عبارة الشافعي التي نقلها ﵀، وهي أيضًا تفسير عبد الله بن عباس، لم يقل الشافعي: إن في الآية مجازًا، وإنما قال: إن في الآية حذفًا مقدرًا، ونقل ذلك عمَّن لهم علم بكتاب الله .
قال ﵀: "مواضع الصلاة" (١)، لَا تَقْربوا مواضع الصلاة، إذًا هناك تقدير، فلا يلزم من أن نقدر محذوفًا أن نقول: إن ذلك مجاز.
قوله: (وَهُوَ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ، أَيْ: لَا تَقْرَبُوا مَوْضِعَ الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ عَابِرُ السَّبِيلِ اسْتِثْنَاءً مِنَ النَّهْيِ عَنْ قُرْبِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ، وَبَيْنَ أَلَّا يَكُونَ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ أَصْلًا، وَتَكُونُ الَايَةُ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَيَكُونُ عَابِرُ السَّبِيلِ هُوَ المُسَافِرَ الَّذِي عَدِمَ المَاءَ، وَهُوَ جُنُبٌ، فَمَنْ رَأَى أَنَّ فِي الآيَةِ مَحْذُوفًا، أَجَازَ المُرُورَ لِلْجُنُبِ فِي المَسْجِدِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَ فِي الآيَةِ دَلِيلٌ).
فَالعُلَماء عندما اختلفوا في المسائل، لَمْ يكن خلافهم تشفِّيًا ولا رغبةً في الخلاف، ولا للبحث عن توسيع ذلك وتمديد شُقَّته، إنما كلهم ﵏ يريد الوصول إلى الحق، هُمْ يُريدُون أَنْ يهتدوا إلى ما أرَاده الله ، وإلَى ما جَاءَ به رسولُهُ ﷺ ، هذَا هو الذي يريدون أن
стр. 559
يَسْعوا إليه، فَهَذا يَفْهم من الآية كذا، وذَاكَ يَفهم شيئًا آخر، هذا يَظْهر له من الحديث كذَا، وذَاك يَظهر له شيءٌ آخر، وهذا تختلف مفاهيمُهُ، ويختلف أيضًا جمعُهُم للأدلة ووُقُوفهم عليها، وصحَّتها عند بعضهم وعدم صحتها، وهناك أسبابٌ عدة تَكُون من أسباب الخلَاف بين العلماء، ولذلك هذا الخلاف بعض الناس يضيق صدره منه، لَكن هذَا الخلَاف -كمَا قُلْنا- ينتهي إلى وِفاقٍ؛ لأن أي خلافٍ يُقْصد به الحق والوصول إليه لا يُسمَّى في الحقيقة خلافًا، إنما الخلاف الذي يُرَاد به تفريق الكلمة، وشقُّ الصف، وإبعاد المسلمين بعضهم عن بعضٍ، وإثارة الفتن بينهم بأن يكون الدافع له الهوى أو التعصب الممقوت، أو أن يكون هناك حقدُ أو غير ذلك من أسبابٍ، هذا هو الذي ينبغي محاربته، لكن أن يختلف علماء في مسألةٍ ما يُحقِّق كل منهم تلك المسألة ويحررها، وينتهي فيها إلى قولٍ، هذا ما انتهى إليه، ثم بعد ذلك يأتي مَنْ بعدهم فينظر في الأقوال، ويختار منها، وقد يختار قولًا يكون الراجح سواه، وقد يوفقه الله ويَهْتدي إلى الحقِّ، وقَدْ يكون الرأي في المَسألتين أو التَّرجيح غير ظاهرٍ، لكنه هنا يأخُذُ بما هو الأحوط، ويكون عاملًا بقول الرَّسُول ﵊: "دَعْ ما يَريبك إلى ما لا يَريبك" (١)، ولذَلكَ نُكْثر في ترداد قول العلماء في القاعدة التي صاغوها: "الخُرُوجُ من الخلَاف مُسْتحبُّ" (٢).
إذَنْ، تَرَوْن أن الخلافَ قد يتوسَّع، لكن في النهاية طالب العلم الحق يأخذ ما يظهر له أنه الحقُّ.
стр. 560
قوله: (عَلَى مَنْعِ الجُنُبِ الإِقَامَةَ فِي المَسْجِدِ).
وَوَردتْ آثارٌ عن بعض الصحابة، منهم جابر بن عبد الله أنه قال: "كان أحدُنا يمر في المسجد وهو جنب" (١)، وهذا الأثر تُكُلِّمَ فيه أيضًا من حيث الصحة والضعف، ولكن نُقِلَ عن الصحابة ﵃ ما يُشِيرُ إلى مثل ذلك، ولذَلكَ نرى أن المرورَ ليس ممنوعًا، وإنما المُكْثُ هو الذي لا ينبغي أن يفعلَه الجُنُب إلَّا إذَا كانت له هناك حاجة أو ضرورةٌ، فهَذِهِ تَختلف، بل إنها صورةٌ أُخرى استثناها العلماء قاطبةً، وتكلموا عنها.
قوله: (وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ العُبُورَ فِي المَسْجِدِ، فَلَا أَعْلَمُ لَهُ دَلِيلًا إِلَّا ظَاهِرَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "لَا أُحِلُّ المَسْجِدَ لِجُنُبٍ، وَلَا حَائِضٍ"، وَهُوَ حَدِيثٌ غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ) (٢).
الحديث اختلف فيه العلماء بسبب رُوَاته.
قوله: (وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الحَائِضِ فِي هَذَا المَعْنَى هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الجُنُبِ).
أَيْ: إنَّ اختلَافَهم في الجنب هُوَ هُوَ في الحائض.
قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَسُّ الجُنُبِ المُصْحَفَ، ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى إِجَازَتِهِ، وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِه).
للعلماء في هذه المسألة قولان:
الأول: مَنْع الجُنُب أو المُحْدث من مس المصحف، وَهَذا الرأي
стр. 561
قال به جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة (١).
الثاني: جواز مس الجنب المصحف، وهذا الرأي قال به أهل الظاهر (٢).
ولكلٍّ من المانعين والمجيزين أدلتهم التي استدلوا بها.
والسبب في اختلافهم:
اختلافهم في مفهوم قول الله : ﴿في كِتَابٍ مَّكُونٍ (٧٨) ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة:٧٨، ٧٩]، فالجمهور على أن المراد بالكتاب هو هذا المصحف الذي بين أيدينا (٣)، وأن المراد بـ "المُطهَّرون": الناس.
وأهل الظاهر الذين أجازوا مسَّ المصحف قالوا: المراد بذلك اللوح المحفوظ، والكتاب الموجود في ذلك اللوح (٤).
стр. 562
وَهَذا الدَّليلُ متنازعٌ فيه، فبينما يستدلُّ به الجمهور ويُوجِّهونه توجيهًا، يستدل به أهل الظاهر ويوجهونه توجيهًا آخر (١).
وَحَديث كتاب عمرو بن حزم الذي كَتَبه الرسول ﵊، وسلَّمه إلى عمرو بن حزم فيه: "لا يمسُّ القرآن إلا طاهر" (٢)، اختلفوا فيه أيضًا، هل المراد بالطهارة هنا الطهارة من الأحداث؟ أم المراد بالطهارة هنا الطهارة المعنوية، وهُوَ أن يكون مسلمًا (٣)؟
فالجُمْهورُ -ومنهم الأئمة الأربعة- فَهموا أن المراد غير محدث.
ومن الأدلة أيضًا التي يتمسَّك بذكرها جمهور العلماء: ذلكم الحديث
стр. 563
الصحيح الذي أورده البخاري في "صحيحه" (١) أن الرسول ﵊ قال: "لا تُسَافِرُوا بِالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ العَدُوُّ" (٢)، "لا" نهيٌ، "تُسَافروا بالقُرْآن إلى أَرْض العَدُو"، مخافة أن تناله أيديهم. قالوا: "تناله أيديهم": أن تقع عليه وهم غير طاهرين.
ويقول أهل الظاهر: منعوا؛ لأنهم غير مسلمين (٣).
ومن أدلة الذين أجازوا مس المصحف مطلقًا: هو الكتاب الذي كَتَبه الرسول ﵊ إلى هرقل، وفيه الآية المعروفة: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤].
قَالوا: فَهَذِهِ رسالةٌ كتبَها الرسول ﷺ إلى غير مسلمٍ (٤).
فَقَدْ كَتبَها إلى قيصرَ، فلَوْ كان مسُّ المصحف لا يجوز، لما كتب، والعلماء أجابوا عنها بان هذا لا يُسمَّى مصحفًا، وإنما هذه رسالة، والرسالة لا يُطْلق عليها أنها مصحف، فهي ليست بأكثرَ من كتب التفسير والفقه والحديث وغير ذلك.
стр. 564
قوله: (وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِه).
الجُمْهور يقصد بهم جماهير العلماء كافة، ومنهم الأئمة الأربعة.
قوله: (وَهُمُ الَّذِينَ مَنَعُوا أَنْ يَمَسَّهُ غَيْرُ مُتَوَضِّئٍ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَنْعِ غَيْرِ المُتَوَضِّئِ أَنْ يَمَسَّهُ، أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]).
كَمَا قلنا يَدُور الخلَافُ في المسألة حَوْل فَهْم كلٍّ من الجمهور وأهل الظَّاهر المراد من قوله سبحانه: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾، وحديث النبي ﵊: "لَا تُسَافِرُوا بِالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ العَدُوُّ" (١).
قوله: (وَقَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ الاخْتِلَافِ فِي الآيَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَنْعِ الحَائِضِ مَسَّهُ. المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قِرَاءَةُ القُرْآنِ لِلْجُنُبِ).
قوله: (اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِ ذَلِكَ).
قراءةُ القُرْآن للمُحْدث حدثًا أصغر ليس فيها خلافٌ بين أهل العلم، أمَّا قراءة القرآن للمحدث حدثًا أكبر حفظًا من غير أن يمس المصحف، فَهَذا الذي يتحدث عنه المؤلف ﵀.
وهذه المسألةُ الخلافُ فيها مُتَشعبٌ بين العلماء، فجماهير العلماء -كما هو معلوم، ومنهم الأئمة الأربعة من حيث الجملة- يمنعون الجنب أن يقرأ القرآن (٢)، لكنَّنا لَوْ دخلنا في تفصيل أقوالهم، لَوَجدنا أنَّ لبَعْضهم
стр. 565
استثناءات، فقَدْ نُقِلَ عن عبد الله بن عَبَّاسٍ ﵁ أنه قال: يَجُوز للجنب أن يقرأ وِرْدَه (١).
ونُقِلَ عن الإمام الأوزاعي (٢) أنه قال: لَه أن يَقَرَأ آية الرُّكوب، وآية النزول ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)﴾ [المؤمنون: ٢٩].
ومن العلماء مَنْ أجاز ذلك مطلقًا، فيكون قول أهل الظاهر له مستندٌ (٣)، وهو قول سعيد بن المسيب، بل منهم مَنْ نسب ذلك إلى عبد الله بن عباس، فالذي قال به أهل الظاهر وهو جواز قراءة القرآن للجنب نُقِلَ أيضًا عن عبد الله بن عباس، وهناك مَنْ نقل عن عبد الله بن عباس أنه أجاز فقط الوِرْدَ، لكن نقلَ عن سعيد بن المسيب التابعيِّ الجليل