← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسلام على إمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعدُ: فإنَّ كتاب: (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) لأبي الوليد، محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، كتابٌ فريدٌ في بابه، عزَّ وجود نظيره ومثيله، أجادَ مؤلِّفه في ترتيبه وتقسيمه، وأحسن في عرضه وأسلوبه، ووُفِّق في اختيار مسائله وانتقاء مباحثه، وأبدع في توجيه أسباب الخلاف بين العلماء، وتحرير النزاع بين الفقهاء؛ فكان ذلك سببًا في ذيوعه في الأقطار، وانتشاره في الأمصار، وتلقِّي العلماء له بالثناء والاستحسان، حتى قال عنه الذهبي في "تاريخ الإسلام": "كتاب بداية المجتهد، ونهاية المقتصد، في الفقه، عَلَّل فيه وَوَجَّه، ولا نعلمُ في فنِّه أنفع منه، ولا أحسن مساقًا". ولا غَرْوَ بعدَ ذلك أن تُقرِّر الجامعةُ الإسلامية بالمدينة المنورة تدريس هذا الكتاب لطلَّابها فى المرحلة الجامعية؛ لأن مؤلِّفَه اعتنى بتطبيق القواعد الأصوليَّة، والفقهية، على المسائل الفرعية، واهتمَّ بالتنبيه على نكت الخلاف بين العلماء، ولا ريبَ أنَّ ذلك يساعِدُ على تنمية المَلَكة الفقهية، التي تُعين الطَّالب على حُسن الاجتهاد، وسلامة الاختيار، كما أنه يُربِّي فيه احترام الدليل واتِّباعه، وعدم تقديم القياس والرأي عليه، قال ابن رشد في كتاب الصرف: (فإنَّ هذا الكتاب إنما وضعناه؛ ليبلغ به المجتهدُ في

стр. 2

هذه الصناعة رُتْبة الاجتهاد، إذا حصَّل ما يجمبُ له أن يحصِّلَ قبله من القَدْر الكافي له في علم: النحو، واللُّغة، وصناعة أصول الفقه … ، وبهذه الرُّتبة يُسمَّى فقيهًا، لا بحفظ مسائل الفقه). وقد كثُرَت طبعات الكتاب، وتعدَّدت إصداراته، إلَّا أنني مع ذلك كلِّه، لم أقف -حسب علمي- على مَن قام بالتعليق على مسائله، وتحرير أقواله، في كتاب مطبوع متداول، إلا ما كتبه الشيخ الفاضل، والمدرس بالمسجد النبوي محمد بن ناصر السحيباني، في تحقيقه لكتاب الطهارة. وقد قام شيخنا أ. د. محمد بن حَمُّود الوائلي ﵀ بشرحه في المسجد النبوي، وهو العالم الجليل، والفقيه النحرير، قد خبر الكتاب، وعرف أسراره وخفاياه؛ حيثُ قرأه سنين عديدة دارسًا ومدرِّسًا، فأجاد وأفاد، وزانه بكثير من القواعد الفقهية، والتنبيهات المهمَّة. وكانت الرغبة من بعض أبناء الشيخ، وكثير من طلَّابه في تفريغ الكتاب وطباعته، ليعمَّ نفعُه، ويسهلَ الاطِّلاع عليه، إلَّا أنَّ ذلك يتطلَّب جهودًا كبيرة، قَصُرَتْ عنها الهِمَم، فانبَرَتْ لتلك المهمَّة الشاقَّة، الأخت الفاضلة: "كاملة الكواري". فكفتهم المؤونة، وقامت بتفريغ التسجيلات الصوتية، وحذفت ما كان الشيخ يستطرد به أثناء الدرس من النُّصح والتوجيه، حيثُ يحضر مجلسه مع طلاب العلم كثيرٌ من العوام، ولم تقتصر على ذلك، بل زانت عملها بتخريج الأحاديث سواء مما أوردها ابن رشد، أو أوردها الشيخ الوائلي في شرحه، إضافةً إلى توثيق أقوال المذاهب الفقهية بالنقل عن المصادر المعتمدة لكلِّ مذهب. إلى غير ذلك من المزايا التي احتواها هذا العمل المبارك. سائلًا الله للجميع العِلْم النافع، والعمل الصالح. كتبه الفقير إلى عفو ربه أ. د عبد الله بن إبراهيم الزاحم المُدرِّس بالمسجد النبوي، وأستاذ الفقه بالجامعة الإسلامية

стр. 3

مقدمة التحقيق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعدُ: فإنَّ كتاب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) للفقيه الأصولي أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الحفيد (ت: ٥٩٥ هـ)، من أعلى المصنَّفات في علم الخلاف العالي الَّتي سارت مسير الشمس في العلياء؛ لما حواه من أقوال الصحابة، وأئمة المذاهب الفقهية المتبوعة وغيرها، وقد سلك فيه مسلك التقعيد والتعليل للفروع الفقهية، واحتلَّ مكانة كبيرة بين الكتب الَّتي عنيت بالخلاف والترجيح، مثل "المغني" لابن قدامة، و"المجموع" للنووي، و"المحلى" لابن حزم … إلخ. وقد قام الشيخ محمد بن حمود الوائلي ﵀ بشرح كتاب "بداية المجتهد"، بالمسجد النبوي مدة ثماني سنين متواصلة، وقد أبان في شرحه هذا عن مَلَكَةِ فقهية عالية. ومن مميزات هذا الشرح ما يلي: - تقريره بعض القواعد الفقهية لتوضيح كلام ابن رشد، كما عند ذكره القاعدة المعروفة: "أنَّه إذا اجتمع حدثان (أصغر وأكبر)، هل يدخل الأصغر في الأكبر أو لا! ".

стр. 4

- ذِكْرُ ما فات ابن رشد من أقوال الإمام أحمد، مما يَدُلُّ على تمكُّنِهِ من تحرير مذهب الإمام أحمد. - سَعةُ علمه ومعرفته بصحيح الأحاديث وضعيفها وعللها، وكذلك الآثار الموقوفة وما له حكم الرفع، وتمييزه في الفرق بين "الحديث" و"الأثر"، و"الخبر"، فيُبَيِّنُهُ ويوضِّحه. - التنبيه على صحَّة الحديث أو ضعفه، وإذا استدلَّ ابن رشد بحديث ضعيف يُنَبِّه على ضعفه، ويعتذر لابن رشد بذلك؛ لأن الحديث ليس صناعته. - التنبيه على بعض الأوهام التي حصلت لابن رشد في عزو الحديث. - تبيين بعض المصطلحات الخاصَّة بالمذهب المالكي أثناء الشرح. - اختصار العبارات بأوضح الكلمات؛ تيسيرًا للطلبة على فَهم الكتاب، وعدم حشو الشرح بما لا فائدة منه. - تأكيده على بعض الجوانب الأخلاقية والسلوكية، وحثُّ الطلبة عليها، والالتزام بها، وهو مما يزيد طالب العلم رِفْعَةً وشأنًا. - تقريره العقيدة السلفية في كثير من المسائل، والمنافحة عنها، ويُبَيِّن أن عقيدة السلف أسْلَم وأحكم وأعلم، ويُحَذِّرُ من منهج الخلف عمومًا، ومنهج الفلاسفة كابن رشد الذي ينحو منحى الفلاسفة. - توضيح الكلمات الغريبة التي يذكرها ابن رشد في كتابه، كالجَوزة، والمُدْيَة، أو الكلمات التي تكون خاصَّةً بمذهب المالكية، ونراه يَشْرَح غريب الكلمات إذا ذكرت في حديث، أو يوضِّح معنى حديث يُقَرب له المسألة للأفهام. - أنه لا يُسَلِّم للجمهور بقولهم، بل يناقش أدلَّتهم، وأيضًا أدلة المخالف، ويرجِّح الشيخ بما يراه موافقًا للدليل الصحيح والعقل الصريح. وأحيانًا يخالف الجمهور في بعض المسائل إذا كان ما استدلُّوا به ضعيفًا، فتراه يرجِّح قول المخالف لقوَّة استدلاله.

стр. 5

- حثه لطلَّابه على عدم التشدُّد في مسائل الفقه، بل الذي ينبغي أن نتَشَدَّد فيه مسائل العقيدة؛ لأنها توقيفيةٌ. - تعقُّبُه ابن رشد في كتابه؛ إذ ينصُّ ابن رشد أن كتابه لكُبرى مسائل العلم وقواعده، فتراه يخرم قاعدته، ويدخل في الفروع والتفصيلات في مذهب مالك حتى ينسى أن يذكر آراء بقية الفقهاء. - تَعْرِيجُهُ على بعض مسائل الأصول التي يذكرها ابن رشد، وتوضيحها، مثل قاعدة: هل النهي تعبُّدِيّ غير معقول المعنى أو مُعَلَّل؟ وتعريفه ببعض القواعد الفقهية كقاعدة: "العَادَة مُحَكَّمَةٌ"، و"تأخير البيان عن وقت الحاجة … "، وغيرها من القواعد. - تقريب المسألة للطلبة، بذكر أمثلة عملية؛ لتُفْهَمَ المسألة وتُوضَح، ويعيها طالب العلم. وغير ذلك من النفائس والدرر والدقائق التي سيطالعها العلماء وطلاب العلم بأنفسهم. وقد بذلتُ غاية جهدي ونفيس وقتي في تحويل هذا الكنز العلمي من شرح صوتي، إلى كتاب مُحَرَّر مَقْرُوء، فطالب العلم في نهاية الأمر لا يستغني عن الكتاب الذي يمسكه بين يديه، ويطالعه بعينية، وقد اجتهدت أن يكون التحرير والصياغة معبِّرَة عن قول الشارح قَدْرَ المستطاع، حتى يكون نقلي للمادة العلمية نقلًا محرَّرًا أمينًا مُعَبِّرًا عن مذهب الشارح ومنهجه، وقد استفرغت وسعي في تحقيق هذا الشرح على هذا النحو الذي بين أيديكم، راجية من الله تعالى أن ينفع به أهل العلم وطلابه، فهذه بغيتي لا أبتغي غيرها. وقد جاء منهجي في تحرير وتحقيق هذا الشرح على النحو التالي: * الجزء الأول والأهم من منهج بداية المجتهد: من المعلوم أن ابن رشد ينقل من المذاهب المتبوعة وغيرها، واعتماده في النقل على "الاستذكار" و"التمهيد" وغيرهما، وقد يكون النقل من المذاهب المتبوعة على خلاف المعتمد في المذهب.

стр. 6

وقد عزونا الأقوال إلى مذاهب الفقهاء نصًّا لينتفع الباحث والقارئ: - ففي المذهب الحنفي: رجعنا إلى "مختصر القدوري"، و"رد المحتار"، و"الكنز"، و"الوقاية"، و"الدر". - وفي المذهب المالكي: إلى "شرح الدردير على خليل"، وعلى كتابه: "أقرب المسالك". - وفي الشافعي: على "المنهاج"، واختصاره لزكريا وكتبه، وشروح الهيتمي والشربيني، والرملي. - وفي المذهب الحنبلي: على "شرح المنتهى"، و"الإقناع"، و"مطالب أُولي النُّهَى"، وإذا لم يذكر ابن رشد مذهب أحمد، فإننا نذكر المذهب من كتب الحنابلة. ٢ - وإذا كان العزو لكتب المذاهب، فإننا نكتفي غالبًا بالنقل عن كتاب واحد يقرِّر المذهب. * الجزء الثاني لبداية المجتهد: ١ - مراجعة المتن وضبطه بلون مغاير عن الشرح. ٢ - حذف التكرار، والحشو، وما لا يخدم الشرح والمتن المشروح. ٣ - التصحيح اللُّغوي، والعناية بعلامات الترقيم. ٤ - تخريج الآيات والأحاديث والآثار. ٥ - عنونة الفقرات التي تحتاج إلى عنوان. ٦ - شرح ما لم يشرحْهُ ويكون بلون مغاير، وهو كالآتي: ١ - من كتاب الطهارة من قوله: (الباب الرابع في نواقض الوضوء، والباب الخامس في معرفة الأفعال التي تشترط الطهارة في فعلها). ٢ - من كتاب الحج، من قوله: (وأجمعوا على أنه يعيد الرمي إذا لم تقع الحصاة في العقبة) إلى آخر كتاب الحج.

стр. 7

٣ - من كتاب الطلاق من قوله: (وإذا لم يدلَّ النهي على فساد عقد النكاح فأحرى ألا يدل على بطلان التحليل) إلى آخر كتاب الطلاق. ٤ - من كتاب السرقة (من أوله) إلى قوله: (واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة بعد اتفاقهم على قطع الرجل اليسرى بعد اليمنى … ). ٧ - إعادة الصياغة التي تحتاج إلى تحرير. ٢ - المنهج العام للتحقيق والتوثيق والعزو: وبالنسبة لتخريج الأحاديت والآثار: ما ورد في "الصحيحين" يقال فيه: أخرجه البخاري (رقم)، ومسلم (رقم). ما ورد في أحد "الصحيحين"، فإن كان في البخاري فقط، يقال فيه: أخرجه البخاري (رقم). فإن كان في مسلم فقط، يقال فيه: أخرجه مسلم (رقم). فإن لم يكن في "الصحيحين" أو أحدهما يتمُّ العزو إلى أحد السنن الأربعة. [أبو داود، ثم الترمذي، ثم النسائي، ثم ابن ماجه]. [مصدر واحد فقط، ثم تصحيح أحد العلماء … ]. فإن لم يكن فيما سبق يتم العَزْوُ إلى بقية الكتب التسعة. مع التصحيح أو التضعيف ما أمكن. فإن لم يكن الحديث في الكتب التسعة، يتم تخريجه من بقية دواوين السُّنة. مع التصحيح أو التضعيف ما أمْكَن. وقد انتفعت من الكتب التي اعتنت ببداية المجتهد؛ كالشيخ ماجد الحموي، ود. عبد الله العبادي، والشيخ صالح الشمراني، ود. عبد الكريم

стр. 8

حامدي، ود. أحمد العمراني، والشيخ محمد السحيباني، و. أ. د. عبد الله بن إبراهيم الزاحم، وكتابه أنفع هذه الكتب، ويليه كتاب الشيخ السحيباني، ولو قدَّر الله لهما أن يكملا الكتاب على نحو ما خرج من المطبوع لكان نفعًا عظيمًا لطلاب العلم، وأسأل الله أن يعينهما على ذلك. وأتَوَجَّهُ بالشكر الجزيل لفريق العمل الذي بذل جهده وأعانَنَا على إخراج العمل بهذه الصورة الممكنة في هذا النوع من صناعة التأليف المعاصرة؛ لينتفع طلاب العلم به، لا سيما في الجامعات التي تُدرِّس الكتاب. ونظرًا لعظم حجم هذه الأعمال التي تُعَدُّ من الموسوعات الكبرى، فلا شكَّ أن حجم الخطأ الذي يعتريه سيكون أكثر من خطأ غيره من الأعمال المفردة، سواء كانت في الطباعة أم في غيرها من الأوهام، ولهذا أرجو من كل من يَجِدُ خطَأً أن يراسلني على البريد الإلكتروني لتصحيحه، وأسأل الله له الأجر والثواب. خادمة العلم الشريف كاملة الكواري alkuwaril ٤٣٩@gmail.com

стр. 9

ترجمةُ الشارح اسمُهُ، ونسبُه: هو محمَّد بن حَمُّود بن عبد الرحمنِ بن منيع بن حمد بن محمَّد بن حمد بن عثمان بن ناصر بن حمد بن إبراهيم بن حسين بن مدلج الوائلي، أبو خالد، من آل مدلج، من الحسنة، من المنابهة، من بني وهب، من ضنا مسلم، من قبيلة عنزة (١)، المدرس بالمسجد النبوي، وأحد أعلام الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية. قال أستاذه الشيخُ محمَّدُ بن ناصر العبودي: "الوايلي على صيغة النِّسبة إلى وايل. أسرة من عنزة، قدمت إلى بُرَيدة من الحريق. ولم أعرفْ نسبة (الوايلي) هذه، ولم أجِدْ مَن يعرف أصلها من الذين سألتهم عنها من هذه الأسرة، وربما كانت النِّسبة إلى وايل، أو بني وائل الذين هم من قبيلة عنزة. _________ (١) يُنظر: مجلة ذرية الجد حسين بن مدلج الوائلي، العدد السادس، جمادى الأُولى: ١٤٣٥ هـ، الموافق مارس ٢٠١٤ م، (ص ٤١)، ومعجم أسر بريدة (٢٢/ ٢٨١)، تأليف: محمد بن ناصر العبودي، ومدونة سيرة الدكتور محمد بن حمود الوائلي، ونبذة عن أسرة الوائلي من آل مدلج، ومجلة العرب، العدد السابع (ص ٤٥٠)، بحث الشيخ الجاسر بعنوان: بنو وائل ونسب آل مدلج، وموسوعة الأسر، أنساب أون لاين، وتاريخ حمد بن محمد بن لعبون الوائلي الحنبلي النجدي.

стр. 10

أوَّل مَن جاء منهم إلى بُرَيدة: عبد الرحمن الوايلي، وهو جَدُّ والد ناصر بن راشد بن عبد الرحمن الوايلي، وهو تاجر في بُرَيدة، عرفته وتعاملتُ معه في دكَّانه في أسفل (قبة الرشيد). منهم زميلنا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وكان من تلاميذي قبل ذلك، الدكتور محمد بن حَمُّود الوايلي، الذي شغل (عمادة كلية) في الجامعة الإسلامية أكثر من مرة" (١). مولِدُه، ونشأتُه العلميَّة، ورحلاتُه: وُلِد الشيخُ ﵀ في مدينة بُرَيدة عام (١٣٥٩ هـ - ١٩٤٠ م)، وهي من منطقة القصيم، وهي منطقة تخرِّج العلماءَ الكبارَ منذ زمن دعوة الشيخ المجدد المصلح محمد بن عبد الوهَّاب، وكثير من علماء المملكة من تلك المنطقة" ويُرْجِع الشيخ الوائلي السببَ في ذلك إلى أنَّ أهلها معروفون بالجدِّية في أمور الدين والدنيا، وأن في زمنهمِ لم تكن فيه الملهيات التي انتشرت في هذا الزمان، إلى جانب الفقر وقلَّة ذات اليد، والتي أشعلت في نفوس أبناء نجد العزيمة والهمَّة العالية (٢). وقد نشأ فيها الشيخُ نشأةً علمية منذُ صِغره؛ فقد كان يرتاد حلْقات القرآنِ في المسجد، ويحفظ القرآن الكريم على يدي المحفظين المتقنين، وقد كان ذا حافظة قوية، فقد حفظ القرآن في الصِّغر، وحفظ البقرة بين المغرب إلى ما بعد العشاء بزمن يسير (٣). ثمَّ انتقلَ مع والده وأُسرته من مدينة بُرَيدة إلى مدينة الرياض، وقد مضى من عُمُره آنذاك ست سنوات؛ فقد كان والده يمتهن التجارة ويكتسب منها، وقد ألحقه فيها بالمرحلة الابتدائية. _________ (١) يُنظر: معجم أسر بريدة (٢٢/ ٢٨١ - ٢٨٢). (٢) مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، لتلميذه: عبد الرحمن المغربي، منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين، ملتقى أهل الحديث. (٣) المصدر السابق.

стр. 11

ويَحْكي الشيخُ عن نفسه في هذه المرحلة فيقول: "كنتُ أحصلُ على المرتبة الأولى أو الثانية، وكان ينافسني شاب من نجد، والذي أعاقني هو اشتغالي في دكان الوالد، ولكن بعد الابتدائي إلى الجامعة انقطعت عن الاشتغال فيه، فكنت دائمًا المتفوِّق بحمد الله، وكانوا إذا أدخلوا الطفل إلى المدرسة قالوا لمعلمه: لك اللحم ولنا العظم، أي: أباحوا له الضرب، ثم قال: أنا -والحمد لله- سلمت؛ لأني كنت مهتمًّا بالدروس" (١). وبعدَ أن أكملَ دراسته الابتدائية التحقَ بالمعهد العلمي بالرياض، ودرَس فيه المرحلة المتوسطة، وفي هذه المرحلة أتمَّ حفظ القرآنِ الكريم، وكان متفوِّقًا في دراسته، وهناك طرأ عليه ما غيَّر مسار حياته العلميةَ؛ فأخذ طابعًا آخرَ؛ فقد التقى بفقيه الزمان، وحَسنة الأيَّام، الشيخ العلامة: محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى- صاحب التفسير المشهور "أضواء البيان"، وقد كان رجلًا مهيبًا، ومن شدَّة مهابته كان لا يجرؤ أحد على قراءة الدرس عليه، خشية أن يوبِّخه، خاصَّة عند اللَّحن والخطإ، وحتى الشَّناقطة منهم، فكان يقرأ على الشيخ وتعجِبُه قراءته، وزكَّاه الشيخ أمام الطلاب حينما سأل عن النتائج ومَن نجح ومن رسَب، فقالوا: الذي حاز الرُّتبة الأولى هو محمد بن حمود الوائلي فقال الشيخ: "لا أنا أسأل عن غيره، هذا طالب علم معروف". وكان من أعظم الأمور التي يكرِّرها الشيخ هذه التزكية من الشيخ محمد الأمين على رؤوس الطلاب، وكان يقول: "ففرحت يومها فرحًا شديدًا، وكانت كلمةً أوقدت الهمَّة في قلبي، وزادتني حرصًا على حرصٍ، والله ما تطلعت بعد تزكية الشيخ الأمين إلى أيِّ تزكية أُخرى" (٢). ثمَّ شدَّ الشيخ الرِّحالَ إلى طيبة الطيبة، والتحق بمعهد الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في المرحلة الثانوية، وهناك التقى بقامة أُخرى من _________ (١) مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، مصدر سابق. (٢) المصدر السابق.

стр. 12

قامات العلم، وهو محدِّث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله تعالى-، وكان أن وضع الشيخ الألباني في مادة الفرائض سؤالًا في المسألة العُمُرية، ولم يُجِبْ على السؤال إلا الشيخ الوائلي؛ وذلك لأنه كان يحفظ "متن الرحبية". فتعجب الشيخ الألباني وطلب رؤيته. وكان الشيخ دائمًا يقول: "الشيخ الألباني أسد السُّنة والله، رأيته يومًا وأنا خارج من الجامعة الإسلامية، والطلبة حوله قد احتفوا به من كلِّ جانب، فتذكرت عبد الله بن المبارك يوم دخل العراق في زمن هارون الرشيد" (١). وقد تخرَّج في معهد الجامعة الإسلامية عام (١٣٨٣ هـ)، وحاز على الترتيب الأول. ثم واصل -رحمه الله تعالى- التعليم وتحصَّل على شهادة الليسانس من كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في العام الدراسي (١٣٨٧ هـ/ ١٣٨٨ هـ). وكان -رحمه الله تعالى- بعد تخرُّجه من المعهد قد وُكِل إليه التدريس بمعهد الجامعة لمدة أربع سنوات، من عام (١٣٨٧ هـ) إلى (١٣٨٨ هـ). ثم هفَّت نفسه للرحلة في طلب العلم، فسافر من بلده قِبْلة النُّساك والحُجَّاج، إلى مِصْر قِبْلة العلم والحِجَاج؛ وذلك لكرع العلم من معين جامعة الأزهر، فالتحق بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، وحصل على درجة الماجستير في الفقه المقارن عام (١٣٩٢ هـ). وعند حصوله على الماجستير انتُدِبَ إلى كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية؛ حيثُ صار مدرِّسًا فيها للعام الدراسي (١٣٩٢ هـ/ ١٣٩٣ هـ). ولكن همَّتُه العالية لم تقف إلى هذا الحدِّ، فقد رجع قافلًا إلى مصر لإكمال مرحلة الدكتوراه، وحصل عليها من جامعة الأزهر في الفقه المقارن عام (١٣٩٥ هـ) بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، مع التوصية بطبع الرسالة، وكانت دراسته تحت عنوان: "ابن رجب وأثره في الفقه" (٢). _________ (١) مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، مصدر سابق. (٢) يُنظر: المصدر السابق.

стр. 13

وبعدما حصل على الدكتوراه، عاد إلى المملكة وتقلَّد عدَّة وظائف علمية وإدارية كان أهلًا لها، حريصًا على خدمة ما وُكِل إليه بجِدٍّ وإخلاص، ففي عام (١٣٩٥ هـ) عُيِّن عميدًا لكلية الشريعة إلى عام (١٤٠٣ هـ)، وفي عام (١٣٩٧ هـ) عيِّن أستاذًا مساعدًا بكلية الشريعة فأستاذًا مشاركًا عام (١٤٠١ هـ)، ثم رئيسًا لقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية عام (١٤٠٣ هـ)، ثم أمينًا عامًّا للجامعة الإسلامية من آخر عام (١٤٠٣ هـ) إلى (١٤٠٦ هـ)، ثم أستاذًا في الدراسات العليا عام (١٤٠٨ هـ)، ثم وكيلًا للجامعة الإسلامية للدراسات العليا والبحث العلمي من عام (١٤١٦ هـ) حتى (١٤٢٢ هـ)، وكان قد تقلَّد لعدَّة مرات رئاسة قسم الفقه، وتقلَّد مرة واحدة رئاسة قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية، إلى جانب إشرافه رحمه الله تعالى على الرسائل العلمية في درجة الماجستير والدكتوراه، كرسالة الدكتوراه للشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي الموسومة بـ: "أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها"، وهي مسجَّلة يمكن سماعها (١). صفاتُه الخَلْقِية والخُلُقِية: كان الشيخُ ربعة إلى القِصَر أميلَ، أبيضَ شامِخَ الأنفِ، قليلَ اللِّحية يصبغ بالكتم كأنه السواد، يأخذ شاربه من أسفله على مذهب مالك، حاذِقَ النَّظر، صبيحَ الوجْهِ مع طولٍ فيه، إذا أعجبه الشيءُ ابتسمَ، وكان جُلُّ ضَحِكِه التَّبسُّم، يتهلَّهلُ وجهُهُ عند رؤية الأحِبَّة، إذا مشى قبضَ يده كأنَّه في صلاة يمسك المشلح، تعلوه الهيبةُ والسكينةُ، تعرف أنَّه من العلماءِ رحمه الله تعالى. أمَّا عن صفاته الخُلُقِيَّة؛ فقد كان منخفضَ الجَناح ليِّنًا، خاصَّة مع الطُّلاب، وخاصَّة الصِّغار منهم، ينصحُهم ويوجِّهُهم ويسألُ عن حالهم _________ (١) مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، مصدر سابق.

стр. 14

كثيرًا، كأنما يتذكَّر يومَ أن كان صغيرًا، عزيزَ النَّفسِ لا يسأل أحدًا حتى في أمور سهلة، كأن يطلب من طلَّابه كأس ماءٍ، أو صَحن تمْرٍ بجانبهم، بل هو يأتي به، وإذا حضر الغريب سألَهُ عن حاجته وبدأ به، بعيد عن الشهرة والمدح، يحبُّ مَن يسأل ليستفيد، وقد كان فتح باب النِّقاش في القواعد قبل المغرب بنصف ساعة تقريبًا، فيحتف حوله الطلابُ، ويسألونه عمَّا أُشكِلَ عليهم، وهو معهم في أخْذٍ ورَدِّ، لا يتذمَّر ولا يتضجَّر أبدًا، مثالٌ للعالم المربِّي حقًّا، الذي جمع بين العلم والرحمة بالمتعلمين (١). تدريسُهُ بالمسجدِ النبويِّ: بدأ الشيخُ الوائلي -رحمه الله تعالى- عام (١٤١٦ هـ) التدريسَ بالمسجد النبوي الشريف، وقد طُلِب منه قبل ذلك الوقت، ولكنَّه اعتذرَ بضيق الوقت وكثرة الأشغال في الجامعة الإسلامية، إلى أنْ يسَّر اللهُ له الأمر؛ فعقَدَ مجلسَه بعدما قفل الناس من حجِّهم، واختار أن يكون درسُه في كتاب طالما درسه في الجامعة وتمعَّن فيه، ألا وهو كتاب: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" لابن رشد الحفيد، وكان هذا الدرس فتحًا على طلاب الجامعة الذين استفادوا منه غاية الاستفادة، فبسط ما كان موجزًا، وسهل ما استصعب منه، وفكَّ رموزه بأسلوب فقهيٍّ متميز، يعرف هذا كلُّ مَن سمع درسَه، حتى أمضى في الكتاب ثمان سنوات كاملة وهو يشرح ويوضِّح، وكان دائمًا يذكر أنه لولا خشية الإطالة لبسط الدرس، ولزادت سنواته. ثم بعدما يسَّر اللهُ تعالى إتمام الكتاب، استأنف في تدريس كتاب: "الكافي" لابن قدامة المقدسي في الفقه الحنبلي، هذا الكتاب الذي أمضى فيه قرابة ست سنوات ونصف، وهو دليل واضح على عُمق فِقْهه، وقوَّته العلمية، وهو يعد فتحًا مبينًا، فلم يسبق أحدٌ -والله أعلم- أن شرحَ الكتاب بأكمله. _________ (١) مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، مصدر سابق.

стр. 15

وبعدما أتمَّ اللهُ عليه النِّعمةَ، قرَّر الشيخ أن يكون الكتاب الذي يليه هو كتاب: "تقرير القواعد وتحرير الفوائد" لابن رجب الحنبلي، هذا الكتاب الذي كان يقول عنه: "هو أُعجوبة"، وكان دائمًا يُعلي بكاتبه، ويردِّد قواعده، بلْهَ كان يحفظه. وقدِ استبشر الطلَّابُ بهذا الدرس الممتع الذي بلغ فيه إلى القاعدة الثالثة والعشرين، وكان قد عقد مجلسين أيضًا في كتاب "سنن أبي داود" حتى: "يجمع الطالب بين المسائل الفقهية وأدلتها؛ لأن أبا داود اعتنى بجمع أحاديث الأحكام، فيجمع الطالب بين المسألة وأصلها"، كما كان يقول ﵀ (١). ثناءُ العلماء والطلبة عليه: عرفنا فيما مضى ثناء الشيخين محمد الأمين الشنقيطي، ومحمد ناصر الدين الألباني، وقد كان شيخه الشيخ عبد المحسن العبَّاد يثني عليه، ويحضّ طلاب العلم على الحضور لدروسه. وقد أثنى الشيخُ ابن باز على قوَّته في العربية، فقد حكى الشيخ مرَّة فقال: "كنت أدرِّس الطلاب، فإذا بالشيخ ابن باز يستأذن في الدخول والجلوس للاستماع، قال: فتأهَّبْت ورحبت به، وأكملت درسي والشيخ يستمع ولا يتكلم، حتى إذا انقضت ساعة الدرس ذهبت إليه. وقلت: هل من ملاحظات يا شيخنا، فأجاب الشيخ: لا، ولكن مستواك في النحو قوي، فحاول أن تسهل على الطلاب أكثر، وشكر سعيي ثم انصرف رحمه الله تعالى". وهكذا كان الشيخُ ابن باز -رحمه الله تعالى- يتفقَّد رعيته حتى قال الشيخ الوائلي: "كانت مجالس الشيخ ابن باز كلها مذاكرة، وما أذكر أني جلست معه إلَّا ومجالسه فيها الذكر"، بهذا الجيل الفريد تأثَّر الشيخ _________ (١) مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، مصدر سابق.

стр. 16

الوائلي، وكان دائمًا يُثني عليهم ثناءً حسنًا، كيف وهم مربُّوه ومعلِّموه، رحمة الله على الجميع (١). أولئِكَ آبائي فجِئْني بمِثْلِهم … إذا جمَعَتْنا يا جريرُ المجامِعُ وقال عنه أستاذُه الشيخُ محمد بن ناصر العبودي: "وكنتُ اخترته للذَّهاب معي في جولة على باكستان وأفغانستان وإيران، وهي جولة وافق عليها الملك فيصل، وكلُّنا قلنا في الاستئذان منه أن أذهب وأختار معي أحد الأشخاص إلى الدول الثلاث، وذلك عام (١٣٩٠ هـ)، وكنت أشغل آنذاك وظيفة (الأمين العام) للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكان الدكتور محمد بن حمُّود الوائلي يدرِّس في المعهد الثانوي التابع للجامعة الإسلامية، لأنه لم يكن حصل على شهادة الدكتوراه. وكان الغرض من رحلتي إليها هو زيارة لكليَّة الشريعة بجامعة البنجاب بمناسبة مرور مائة عام على إنشائها، وحضور احتفالها بذلك الذي سيجري في مدينة لاهور، ولكننا ذكرنا للملك فيصل إلى جانب ذلك، الاطلاع على الكليات والمعاهد التي ترد إلينا منها شهادات لا نعرف مستواها، فوافق الملك فيصل على ذلك، وأبرق لوزارة الخارجية بأن فلانًا يقصدني، سوف يتوجَّه إلى باكستان وأفغانستان وإيران في المهمة الفلانية، ويأمرهم بأن يخبروا السفارات السعودية في الدول الثلاثة بذلك، حتى تبذل لي التسهيلات اللَّازمة، ومن ذلك إخبار حكومات تلك الدول؛ وهكذا كان إذ أخبرت السفارة السعودية الدول الثلاث التي استقبلتنا ضيوفًا عليها. وفي تلك الرحلة طرائف وعجائب، ليس هذا موضع ذكرها، منها أن زلزالًا حصل في كابل عاصمة أفغانستان ونحن فيها، وكان الأخ محمد بن حمُّود (الوايلي) نِعْمَ الرفيق في السفر" (٢). _________ (١) يُنظر: كلمة حق في العالم الفقيه محمد بن حمود الوائلي (مادة صوتية)، لتلميذه الدكتور سليمان بن سليم الله الرحيلي. (٢) يُنظر: معجم أسر بريدة (٢٢/ ٢٨١ - ٢٨٢).

стр. 17

وقال عنه تلميذه الشيخ الدكتور سليمان بن سليم الله الرحيلي: "فضيلة الشيخ الفقيه محمد بن حمُّود الوائلي ﵀ رحمة واسعة، هذا الرجل وهذا العالم من أساتذة الجامعة الإسلامية القُدامى ومن الفقهاء العجيبين جدًّا، يتدفَّق فقهًا، من أحسن مَن سمعته يتكلَّم في الفقه في الجامعة الإسلامية … ، ودروسه نافعة جدًّا، وأنا أوصي الطلاب باقتناء الأشرطة، أشرطة شروح الشيخ في المسجد النبوي، من الناحية الفقهية ما شاء الله تبارك الله، قد درسني القواعد الفقهية، أول من أخذت عنه حب القواعد الفقهية قبل ٢٩ سنة" (١). وقال تلميذه الشيخ عبد الرحمن المغربي: "أوَّل لقائي مع الشيخ - رحمه الله تعالى- كان في شهر شوال من عام ثمان وعشرين وأربعمائة وألف من هجرة النبي ﷺ ، ضمن دروسه الأسبوعية التي يلقيها بالمسجد النبوي في كتاب الإمام المبجل ابن قدامة المقدسي الموسوم: بـ: "الكافي" على فقه الإمام الهمام أحمد بن محمد بن حنبل ﵃ أجمعين. كان أول درس حضوته بعد الإجازة الصيفية والرمضانية من كتاب الشفعة، وتحديدًا من فصل: فإن اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن .... لقد تعجبْتُ غاية العجَبِ من قوَّة الشيخ وفقهه وتعليقه على المسائل وسرد الأقوال، بل كان جلوسي هذا أول مجلس عند عالم بأتمِّ معنى الكلمة، وسررت وأنا بين يدي عالم، وفي مسجد رسول الله ﷺ ، هذا الرجاء الذي كنت أطلبه منذ أن ذُقْتُ حلاوةَ الإيمان، وعرفت طريق العلم. بعدما أتمَّ الشيخ الدرس وقد خرجت منه بتعليقات من ذهب، هرعت أنا وأخي عبد الكريم جباري لشراء كتاب "الكافي"، والعزم على مواظبة الدروس التي والله قد تركت فيَّ أثرًا بالغًا، رأيتُ في شخص الشيخ الرجل الناصح الشفيق على الأُمَّة، الحريص على النفع، الجامع بين العلم والخُلق، ولا ينكر أيّ أحد ممن جلس مجلسه، أو سمع دروسه، كيف جمع الله له بين _________ (١) يُنظر مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، لتلميذه: عبد الرحمن المغربي، منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين، ملتقى أهل الحديث.

стр. 18

العلم والوعظ، ورُبَّ موضوع خاض الشيخ فيه قد ربطه بأمر العقيدة، وذكّر فيه بأمور الآخرة، وزانه بالفوائد وحلَّاه بأبيات من الشعر، ونمَّقه بمثال من أمثلة العرب، حتى يصير الدرس مجمعًا لمختلف أصناف الفوائد من شتَّى الفنون؛ وكان الشيخ يُسوِّغ فعله هذا دائمًا بقوله: "حتى أعطي كل الناس حقَّهم من الفائدة؛ لأن هناك مَن تَصْعب عليه المسائل الفقهية، وتسهل عليه مسائل أُخرى، فلا يخرج الحاضرون إلا وقد أخذ كلُّ واحد فائدة على حسب مستواه العلمي" (١). دروسه العلمية: - شرح كتاب: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" لابن رشد الحفيد في الفقه المالكي، وأمضى في شرحه ثمان سنوات كاملة، عدد الدروس المسجلة (٨٤٩) (٢)، وهو كتابنا هذا. - شرح كتاب: "الكافي" لابن قدامة المقدسي في الفقه الحنبلي، وأمضى في شرحه ست سنوات ونصف، عدد الدروس المسجلة (١٨٤) (٣). - شرح كتاب: "تقرير القواعد وتحرير الفوائد" لابن رجب الحنبلي، حتى بلغ القاعدة الثالثة والعشرين عدد الدروس المسجلة (٢٧) (٤). - عقد مجلسين في شرح كتاب: "سنن أبي داود"؛ وذلك ليجمع _________ (١) مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، مصدر سابق. (٢) يُنظر: موقع بوابة الحرمين الشريفين، الدروس المسجلة، صفحة محمد بن حمود الوائلي، محاضر بالجامعة الإسلامية، ووكيلها للدراسات العليا والبحث العلمي، ومُدرس بالمسجد النبوي. (٣) يُنظر: منتدى الصوتيات والمرئيات الملقاة بالحرمين الشريفين، مكتبة المسجد النبوي الشريف. (٤) كلمة حق في العالم الفقيه محمد بن حمود الوائلي (مادة صوتية)، لتلميذه الدكتور سليمان بن سليم الله الرحيلي، وموقع بوابة الحرمين الشريفين، الدروس المسجلة صفحة محمد بن حمود الوائلي، محاضر بالجامعة الإسلامية، ووكيلها للدراسات العليا والبحث العلمي، ومُدرِّس بالمسجد النبوي.

стр. 19

الطالب بين المسائل الفقهية وأدلتها، عدد الدروس المسجلة (٣١) (١). مقالاته ومحاضراته: لم يُعرَف الشيخُ بالتآليف؛ لأنه كان -رحمه الله تعالى- قليل الكتابة، بعيدًا عن هذا الباب، وإنما جعل همَّتَه في التعليم والتدريس لتأليف الرجال، إلى جانب ارتباطاته الإدارية في الجامعة الإسلامية، ولكن كانت له مشاركات بالمقالات أو المحاضرات التي كان يلقيها فى الجامعة الإسلامية أو في الندوات، ومن بين ما هو مطبوع: ١ - رسالة بعنوان: "القواعد الفقهية تاريخها وأثرها في الفقه" الطبعة الأُولى عام ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م، مطابع الرحاب بالمدينة المنورة، في (٩٠) صفحة (٢). ٢ - رسالة بعنوان: "حكم الشريعة الإسلامية في المُسْكِرات وطرق مكافحتها وآثارها الضارة صحيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا". وهي عبارة عن موضوع تقدَّم الشيخ به إلى المؤتمر العالمي الإسلامي الثاني لمكافحة المسكرات والمخدرات المنعقد في إسلام آباد بباكستان، والرسالة من مطبوعات مركز شؤون الدعوة، مطبوعة عام ١٤١٠ هـ وتقع في (٤٧) صفحة (٣). _________ (١) يُنظر: الدروس المسجلة في موقع بوابة الحرمين الشريفين صفحة محمد بن حمود الوائلي، محاضر بالجامعة الإسلامية، ووكيلها للدراسات العليا والبحث العلمي، ومدرس بالمسجد النبوي. (٢) يُنظر مقال: كلمة حق في العالم الفقيه محمد بن حمود الوائلي لتلميذه الدكتور سليمان بن سليم الله الرحيلي، ومقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، لتلميذه: عبد الرحمن المغربي، منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين، ملتقى أهل الحديث. (٣) يُنظر مقال: كلمة حق في العالم الفقيه محمد بن حمود الوائلي لتلميذه الدكتور سليمان بن سليم الله الرحيلي، ومقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمُّود الوائلي، لتلميذه: عبد الرحمن المغربي، منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين، ملتقى أهل الحديث.

стр. 20

٣ - محاضرة بعنوان: "قبسٌ من تاريخ الفقه الإسلامي" ألقيت مساء الأربعاء ١/ ٣/ ١٣٩٨ هـ، وهي موجودة في كتاب: (محاضرات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة للموسم الثقافي للعام الدراسي (١٣٩٧ هـ/ ١٣٩٨ هـ)، تبدأ من الصفحة (١٩٧) إلى (٢٢٦) (١). ٤ - مقال بعنوان: "مكانة المسجد في الإسلام" في العدد الثاني للسَّنة الثالثة عام (١٣٩٠ هـ) لمجلة الجامعة الإسلامية، من صفحة (١١٠) إلى (١١٤) (٢). وللشيخ مقالات وتعليقات على بعض الكتب ككتاب: "القواعد" لابن رجب إبان تدريسه في الجامعة، لا تزال في مكتبته رحمه الله تعالى. ٥ - "الحج المبرور"، عدد التسجيلات (١) (٣). ٦ - "صحيح مسلم"، عدد التسجيلات (١٢) (٤). ٧ - "مواعظ وفتاوى"، عدد التسجيلات (٢٥٣) (٥). _________ (١) يُنظر مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، لتلميذه: عبد الرحمن المغربي، منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين، ملتقى أهل الحديث. (٢) يُنظر مقال: حتى لا ننسى الشيخ الفقيه محمّد بن حمود الوائلي، لتلميذه: عبد الرحمن المغربي، منتدى تراجم أهل العلم المعاصرين، ملتقى أهل الحديث. (٣) يُنظر: موقع بوابة الحرمين الشريفين، الدروس المسجلة، صفحة محمد بن حمود الوائلي محاضر بالجامعة الإسلامية ووكيلها للدراسات العليا والبحث العلمى ومُدرِّس بالمسجد النبوي. (٤) يُنظر: موقع بوابة الحرمين الشريفين، الدروس المسجلة، صفحة محمد بن حمود الوائلي محاضر بالجامعة الإسلامية ووكيلها للدراسات العليا والبحث العلمى ومُدرِّس بالمسجد النبوي. (٥) يُنظر: موقع بوابة الحرمين الشريفين، الدروس المسجلة، صفحة محمد بن حمود الوائلي محاضر بالجامعة الإسلامية ووكيلها للدراسات العليا والبحث العلمي ومدرس بالمسجد النبوي.

стр. 21

وفاته: في آخر رمضان من عام (١٤٣١ هـ) أُجْرِيت له عملية في القلب في المستشفى السعودي الألماني، وكانت حالته على ما يرام، إلى أن قدَّر الله عليه أن يصاب بجلطة فنُقِل إلى مستشفى الملك فهد في المدينة النبوية فتمَّت معالجته، فتحسَّن نسبيًّا، ولكن أَذِنَ اللهُ لروحه ففاضت إلى بارئها ليلة الخميس ٢٨ شوال ١٤٣١ هـ -٢٠١٠ م. وقد صُلِّي عليه ظهر يوم الخميس ٢٨ - ١٠ - ١٤٣١ هـ في المسجد النبوي، ودُفِن ﵀ في مقبرة البقيع (١). _________ (١) يُنظر: جريدة الجزيرة السعودية، عدد السبت: ١ ذو القعدة سنة ١٤٣١ هجري، ٩ أكتوبر ٢٠١٠ ميلادي، جريدة الرياض السعودية، عدد الأحد: ٢ ذو القعدة، سنة ١٤٣١ هجري، ١٠ أكتوبر ٢٠١٠ ميلادي.

стр. 22

ترجمةٌ موجزة لابن رشد الحفيد رحمه الله تعالى (١) اسمُه ونسَبُه: هو العلَّامة، فيلسوف الوقت، أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد ابن شيخ المالكية أبي الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي. واحد آحادِ عصوه ذكاءً وعلمًا واجتهادًا. مولدُهُ: وُلِد سنة ٥١٤ هـ، وقيل: ٥٢٠ هـ، في بيت فقْهٍ وقضاء قديم، قبل وفاة جَدِّه أبي الوليد بشهر واحد. وعرض "الموطأ" على والده أبي القاسم. شيوخُهُ وعلمُه: أخذ الأدبَ عن جماعة، واشتغل بالفقه والعربية، ودأبَ، ثُمَّ رأى _________ (١) يُنظر في ترجمته: "سير أعلام النبلاء" للذهبي (٢١/ ٣٠٧)، "تاريخ الإسلام" للذهبي (١٢/ ١٠٣٩)، "الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب" لابن فرحون، (٢/ ٢٥٧)، "التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول" لصديق حسن خان (ص: ٢٩٠).

стр. 23

من نفسه ارتياحًا إلى الحكمة، فطلبها، واشتغل بها، ولزم ابنَ العربي وغيرَه، ولم يزل مُجِدًّا في الاشتغال بها حتى صار ابنَ بَجْدَتها، وأبا عذرَتِها. تفقَّه على الحافظ أَبِي مُحَمَّد بْن رزق. وأخذ عن أبي مروان بن مسرة، وأبي القاسم ابن بشكوال، وأبي بكر ابن سمحون وأبي جعفر بن عبد العزيز وأبي عبد الله المازري. وأخذ علم الطِّب وبرع فيه عن أبي مروان بن جزيول البلنسي، وكان يفزع إلى فتياه فيه، كما يفزع إلى فتياه في الفقه، وألَّف كتاب الكلِّيَّات في الطِّبِّ أجاد فيه، وكان بينه وبين أبي مروان مودةٌ. ودرس الفقه حتى برع فيه، وأقبل على علم الكلام، والفلسفة، وعلوم الأوائل، حتى صار يُضرَب به المثل فيها. ولم يأتِ في الإسلام من بعده مَنْ يضاهيه في الفلسفة كما قيل. وكان كثيرَ الدرس والمطالعة، لا يشغلُه عن البحث والنظر شاغل، وتشهد بذلك كثرةُ مؤلَّفاته. وقال ابن أَبِي أُصَيْبَعَة: "هُوَ أوحد أهل زمانه في علم الفقه والخلاف". ولم ينشأ بالأندلس مثله كمالًا وعلمًا وفضلًا، وكان على شرفه أشدّ الناس تواضعًا وأخفضهم جناحًا، وعُنِيَ بالعلم من صِغَره إلى كبره، حتى حُكِي: إنه ما ترك الاشتغال مذ عَقِل سوى ليلتين: ليلة موت أبيه، وليلة عرسه، وإنه سوَّد فيما ألَّف وقيَّد نحوًا من عشرة آلاف ورقة، ومال إلى علوم الحكماء؛ فكانت له فيها الإمامة، مع الحظ الوافر من الإعراب والآداب والحكمة، وحُكِي عنه: أنه كان يحفظ (ديوان أبي تمام)، و (المتنبي). مؤلفاته وتصانيفه: له من التصانيف الكثير؛ فمن تصانيفه ما ذكره ابن أَبِي أُصَيْبَعَة:

стр. 24

كتاب "التّحصيل"، جمع فِيهِ اختلافات العلماء، كتاب "المقدمات في الفقه"، كتاب "بداية المجتهد" في الفقه، علَّل فيه ووجَّه، ولا نعلم فِي فنِّه أنفع منه، ولا أحسن مساقًا، كتاب "الكُليّات في الطبّ" وكتاب "مختصر المستصفى فِي الأصول"، كتاب "شرح أُرجوزة ابن سينا فِي الطِّبِّ"، كتاب "الحيوان"، كتاب "جوامع كتب أرسطوطاليس فِي الطَّبيعيَّات والإلهيّات"، كتاب فِي "المنطق"، كتاب "تلخيص الإلهيات" لنيقولاوس، كتاب "تلخيص ما بعد الطبيعة لأرسطوطاليس"، "شرح كتاب السماء والعالم لأرسطوطاليس"، "شرح كتاب النفس لأرسطوطاليس"، "تلخيص كتاب الأسطقسات لجالينوس"، وله كتاب "تهافت التَّهافت"، يردُّ فِيهِ على الغزاليِّ، وأنه بمعزل عن مرتبة اليقين والبرهان، وقال في آخره: "لا شكَّ أن هذا الرجل أخطأ على الشريعة كما أخطأ على الحكمة"، وقد أوصل ابن رشد الفلسفةَ العربية إلى غاية بعيدة. وكتاب "منهاج الأدِلَّة فِي الأصول"، كتاب "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتِّصال"، كتاب "شرح كتاب القياس لأرسطو، مقالة فِي العقل"، "مقالة فِي القياس"، كتاب "الفحص في أمر العقل"، كتاب "الفحص عن مسائل وقعت في الإلهيات من الشفاء لابن سينا"، مسألة فِي الزَّمان، "مقالة فِي أنَ ما يعتقده المشاؤون وما يعتقده المتكلِّمون من أَهْل ملَّتنا فِي كيفيَّة وجود العالم متقارب فِي المعنى"، وغير ذلك. تلامذته: حدَّث وسمِع منه طائفةٌ؛ منهم: أبو بكر ابن جهور، وأبو محمد ابن حوط الله، وأبو الحسن: سهل بن مالك، وغيرهم. صفاتُه، وبعض مناصبِه ووفاتُه: وكان أبو الوَلِيد ابن رُشْد ذكيًّا، رثَّ البزَّة، قويَّ النَّفس، اشتغل بالطِّبِّ على أَبِي جَعْفَر ابْن هارون، ولازمه مدَّةً. وولي قضاء قرطبة، بعد أَبِي مُحَمَّد بْن مغيث، فَحُمِدت سيرته وعظُم قدره.

стр. 25

ولما كان المنصور بقُرطُبة وقت غزْو الفُنْش استدعى أَبَا الْوَلِيد واحترمه وقرَّبه، حتى تعدَّى به الموضع الّذي كان يجلس فِيهِ الشَّيْخ عَبْد الواحد بن أبي حفص الهنتاتي، ثُمَّ بعد ذلك نَقَمَ عليه لأجل الحكمة، يعني الفلسفة. قال شيخ الشيوخ ابن حمويه: "لما دخلتُ البلادَ، سألت عن ابن رشد، فقيل: إنه مهجور في بيته من جهة الخليفة يوسف بن يعقوب، لا يدخل إليه أحد، لأنه رفعت عنه أقوال ردية، ونسبت إليه العلوم المهجورة، ومات محبوسًا بداره بمراكش، سنة خمسة وتسعين وخمسمائة". عقيدتُه: كثُر الجدلُ عن حقيقة عقائد ابن رشد، وكثرت المؤلفات ما بين مؤيِّد ومعارض، واضطربت الأفهام في تحديد عقائده ومذاهبه. وفيما يلي ذكر بعض المآخذ المجملة التي كانت مثار جدل في مؤلفاته: ١ - تأويل الشريعة لتوافق الفلسفة الأرسطية: لعلَّ الاطِّلاع على ترجمة ابن رشد الموجزة السابقة كافٍ للدلالة على هذه التوجهات الفكرية لدى ابن رشد، فقد أُخِذَ بفكر أرسطو، حتى قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هو من أتبع الناس لأقوال أرسطو". "بيان تلبيس الجهمية" (١/ ١٢٠). ٢ - اعتقاده بالظاهر والباطن في الشريعة: يقول ابن رشد في كتابه "كشف عن مناهج الأدلة" (ص/ ٩٩) طبعة مركز دراسات الوحدة العربية: "الشريعة قسمان: ظاهر ومؤول، والظاهر منها هو فرض الجمهور، والمؤول هو فرض العلماء، وأما الجمهور ففرضهم فيه حمله على ظاهره

стр. 26

وترك تأويله، وأنه لا يحلُّ للعلماء أن يفصحوا بتأويله للجمهور، كما قال علي ﵁: حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله". وقد استغرق ابن رشد في تقرير هذه الفكرة الباطنية في كتبه، حتى إنه جعل من أبرز سمات الفرقة الناجية من أُمَّة محمد ﷺ أنها هي "التي سلكت ظاهر الشرع، ولم تؤوله تأويلًا صرحت به للناس". ينظر: "الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة" (ص: ١٥٠). ولذلك توسَّع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الرَّدِّ على خصوص كلام ابن رشد في هذا الكتاب، وبيان بطلان التفسير الباطني لنصوص الشريعة، وذلك في كتابيه العظيمين: "بيان تلبيس الجهمية"، و"درء تعارض العقل والنقل". يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (١٩/ ١٥٧): "وابن سينا وأمثاله لما عرفوا أن كلام الرسول لا يحتمل هذه التأويلات الفلسفية؛ بل قد عرفوا أنه أراد مفهوم الخطاب: سلك مسلك التخييل، وقال: إنه خاطب الجمهور بما يخيل إليهم؛ مع علمه أن الحق في نفس الأمر ليس كذلك. فهؤلاء يقولون: إن الرسل كذبوا للمصلحة. وهذا طريق ابن رشد الحفيد وأمثاله من الباطنية". ٣ - مال في باب "البعث والجزاء" إلى قول الفلاسفة أنه بعث روحاني فقط، بل وقع هنا في ضلالة أعظم من مجرَّد اعتقاده مذهب الفلاسفة في البعث الروحاني؛ حيثُ جعل هذه المسألة من مسائل الاجتهاد، وأن فرض كل ناظر فيها هو ما توصل إليه قال: "والحقُّ في هذه المسألة أنَّ فرض كلِّ إنسان فيها هو ما أدَّى إليه نظره فيها". انظر: "الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة" (ص: ٢٠٤). ٤ - ولعلَّ من أبرز سمات منهج ابن رشد في كتبه، وفي الوقت نفسه من أبرز أسباب أخطائه: هو عدم العناية بالسُّنَّة النبوية مصدرًا من مصادر التشريع. يقول الدكتور خالد كبير علال حفظه الله: "ابن رشد لم يُعطِ للسُّنة

стр. 27

النبوية مكانتها اللائقة بها كمصدر أساسي للشريعة الإسلامية بعد القرآن الكريم، ولم يتوسَّعْ في استخدامها في كُتُبه الكلامية والفلسفية، ففاتته أحاديث كثيرة ذات علاقة مباشرة بكثير من المواضيع الفكرية التي تطرق إليها، كما أن الأحاديث التي استخدمها في تلك المصنفات كثير منها لم يفهمه فهمًا صحيحًا، وأخضعه للتأويل التحريفي خدمة لفكره وأرسطيته" انتهى. "نقد فكر الفيلسوف ابن رشد" (ص: ٩٧). ٥ - وللشيخ محمد أمان عليّ الجامي بحثٌ في مجلة الجامعة الإسلامية اسمه: "العقل والنقل عند ابن رشد" أتى فيه على كلِّ سمات ابن رشد. عن حياته، عن فلسفته، لكي نعرف الظروف التي نشأ فيها حتى صار أحد أساطين الفلسفة، وما الذي عرضه لذلك الاضطهاد والعسف والتشريد، والاتهام بالإلحاد والزندقة أحيانًا. وهو منشور على موقع ملتقى أهل الحديث: http://ahlalhadeeth.com/vb/showthread.php?p=169055#post169055

стр. 28

مقدمة الشيخ العلامة محمد بن حمود الوائلي الحَمْد لله ربِّ العَالَمين، وأصلِّي وأُسلِّم على خير خَلْق الله أجمعين، نبينا مُحمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن من توفيق الله لعبده أن يرزقه العلم النافع، وأن يُتْبع ذلك بالعمل به ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وما أجملَ أن يُتَلَقَّى العلم في المكان الطيب! في بيت من بيوت الله، في مسجد رسول الله ﷺ ، أول جامعةٍ أُقيمَتْ في الإسلام، هذه المدرسة التي نشأ فيها أصحاب رسول الله ﷺ ، فأخذوا العلم من مشكاة النبوة صافيًا نقيًّا، لم تَشُبْه شائبةٌ، لا سيما بعد هذه المناسبة العظيمة، وبعد أن انقضى موسم عظيم، وهو الركن الخامس من أركان الإسلام (حج بيت الله الحرام) الذي أرشد الله إليه بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقوله سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج: ٢٧]. وقَدْ كانت الآية تنزل على رسول الله ﷺ ، فيتلقَّاها عنه الصحابة ﵃،

стр. 29

ثم يُطبقِّونها قولًا وعملًا، فكانوا قدوةً بأعمالهم قبل أن يكونوا قدوةً بأقوالهم، وقد جَمَعوا بين الأمرين معًا. وَهَكذا نجد أن الذين جاؤوا بعد الصحابة -رضوان الله عليهم- ساروا في نفس هذا المسلك فيما يتعلق بعناية الصحابة -رضوان الله عليهم - في تعلم العلم، وطلبه، والرحلة في ذلك، فنجد أن جابر بن عبد الله الأنصاري الصحابيَّ الجليل يَشُدُّ رَحْله، وبتجه صوب الشام، يُسافر مسيرة شهر لِيَلْتَقِيَ بعبد الله بن أُنيس، إذ بلغه أنه روى حديثًا عن رسول الله ﷺ ، فيذهب إلى هناك، وبجد غلامه، ويسأله عن عبد الله، فيَدُله ويرشده إليه، ثم يذكر له حديث رسول الله ﷺ : "يُحْشَر الناس يوم القيامة عراةً" (١). وكذلك نجد أن عقبة بن الحارث يتزوج امرأةً بمكة، ثم تأتيه امرأة وتقول: قد أرضعتكما، فيتردد في الأمر ويحاورها: "ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني"، ثم بعد ذلك يعقد العزم، فيركب راحلته من مكة إلى المدينة، ويأتي إلى رسول الله ﷺ في هذا المكان الطاهر، فيسأله عن ذلك الأمر، فيقول لَه الرَّسُولُ ﷺ : "كَيْفَ وَقَدْ قيلَ"، ثمَّ يُطَلِّقُها، وتتزوَّج غيره (٢).

стр. 30

وإذَا ما رَجَعنا قليلًا إلى عصر العلماء الأعلام من التابعين، ثم الأئمة الأربعة الذين اشتهروا وذاع صيتهم في الآفاق، نجد أنهم قد سلكوا هذا المسلك … فهذا الإمام الشافعي يتردد بين العراق ومكة، ثم يُلْقي في آخر أيامه عصا التسيار في مصر، ويلقي دروسه في مكة، ويحضر لديه أكابر طلاب العلم أمثال الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه. ونجد كذلك الإمام أحمد بن حنبل إمام دار الإسلام، قد سافر إلى مكة واليمن، ورافقه في بعض رحلاته إسحاق بن راهويه. ولا شكَّ أن الله قد أثنى على العلماء بقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. هذا توجيهٌ من الله . وَبيَّنَ أن مِمَّا يعين على طَلَب العلم، وَيُوَفِّق صاحبه، ويُهيِّئ له العلم النافع هو أن يتَّقي الله في طلب ذلك العلم، بَلْ في كلِّ أموره في هذه الحياة، فاللهُ تَعالَى يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ولا بدَّ في طلَب العلم أيضًا من الإخلاص، يَقُولُ الرسول ﵊: "مَنْ سَلَك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له طريقًا إلى الجنَّة" (١). ومَنْ يُرد أن يُفقِّهه ربُّه في الدِّين، فعليه أن يُخلص في طلبه، === = امرأةٌ، فَقَالت: إنِّي قد أَرْضَعتُ عقبة والتي تزوج، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، فسأله، فقال رَسُولُ الله ﷺ : "كيف وقَدْ قيلَ؟! "، ففارقها عقبة، ونكحت زوجًا غيره. (١) أخرجه مسلم (٢٦٩٩).

стр. 31

وأن يصبر، وأن يتحمل في سبيل طلب العلم، فلا نتصور أن العلم يأتي بـ "التي" و"اللُّتيَّا"، ولا بـ"ليت" "ولو أني"، فلا يمكن أن يتعلم الإنسان بمجرد الأمنيات، أو أن يأتي للحظاتٍ قصيرةٍ ليحضرَ بعض الدروس، أو ربما يقرأ بعض الكتب، لا، العلم لا يَناله إلا مَنْ شَمَّر عن ساعد الجدِّ، وطَرَق الأبواب في الليل الداجي، يصل كَلَال الليل بكَلَال النهار لعله يصل إلى هذا العلم. أُولَئك العُلَماء الَّذين تَحدَّثنا عنهم سابقًا كانوا يركبون السهل والوعر، فيُسَافرون راكبين إن أَسْعَفهم الحال، وماشين إن ضاقت بهم النفقة، وكان غرضهم من ذلك أن يَسْتفيدوا ولو مسألةً واحدةً من مسائل العلم، ونحن - بحمد الله- في هذا الزمان أصبح العلم ميسَّرًا بين أيدينا، فالجامعات مُفَتَّحةٌ، والمدارس مُشَرَّعةٌ، والمساجد فيها دروسٌ عظيمةٌ هي دروس هذه الشريعة، وفي مقدمتها بيت الله الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، فعلينا جميعًا أن نستفيد من ذلك، ونستعين بالله على طلب العلم. والعلم الذي معنا في هذا الكتاب هو علم الفقه، وعلم الفقه قد عرَّفه العلماء بقولهم: "هُوَ العِلْمُ بالأحكام الشرعية المستمدة من أدلتها التفصيلية" (١). وقَبْلَ أن ندخلَ في لُبِّ هذا العلم، نَوَدُّ أن نُلْقِيَ نظرةً فاحصةً على الأحكام الَّتي نجد أنه تضمَّنها كتاب الله ، وَسُنَّة رسوله ﷺ . فأولًا: نجد أن الكتابَ والسُّنةَ يلتقيان في أمورٍ ثلاثةٍ، هذه الأمور لا يخرج عنها ما في كتاب الله ، وما في سنة رسوله ﷺ . فالأحْكَامُ التي جاء بها كتاب اللهِ : * إما أن تكون أحكامًا صريحة الدلالة مُبَسَّطَة.

стр. 32

* وإما أن تكون أحكامًا مُجْمَلة. * وإمَّا أن تكون هذه الأحكام قَدْ جاءت بها السُّنَّة، وَسَكت عنه القرآن. أمَّا الأَحْكَامُ الَّتي نجد أن الله سبحانه تعالى قَدْ ذكَرها نَصًّا في كتابِهِ، وَكَذلك جاءت سُنَّة الرسول ﷺ مُقَرِّرةً لذلك، وهي كثيرةٌ جدًّا، ومن ذَلكَ ما جاء من الأمر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، والنهي عن الإشراك بالله ، وعن عقوق الوالدين، وعن التولي يوم الزحف، وعن الزنا، وكذلك النهي عن القذف، وغير ذلك من أمور كثيرة، نجد أن القرآن والسُّنَّة قد نصَّا تنصيصًا ظاهرًا على حكمها، فالتقى فيها الكتاب والسُّنة، وبذلك يكون دليل هذه المسائل إنما هو نصٌّ في الكتاب والسُّنة. وهُنَاك أمورٌ مجملةٌ جاء بها كتاب الله ؛ كالحال بالنسبة لمَا يتعلق بأحكام الصلاة من شرائطها وأركانها وواجباتها وسننها، وكذلك الزكاة فيما يتعلق بأنصبتها ومقاديرها، وكذلك ما يتعلَّق بالصيام والحجِّ إلى غير ذلك من المسائل التي جاءت مُجْمَلةً في كتاب الله ، فنجد أن السُّنة قد جاءت لتُفصِّل تلك الأحكام، فنجد أن الله أمر بالصلاة، وأمر بالزكاة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقال في الصيام: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. وقال في الحجِّ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. جَاءَتْ هذه الأحكامُ مجملةً، وجاءت سُنَّةُ الرسول ﷺ لتُبَيِّن هذه الأحكام، وبيان السُّنة ليس خارجًا عن كتاب الله ، فالله تعالى قد أرشد إلى ذلك في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].

стр. 33

فالرَّسُولُ ﵊ يُبَيِّنُ ما أُجْمل في الكتاب، ويُفسِّرُ ويُوَضِّحُ للنَّاس، وهو القائل: "ألا إنِّي أُوتِيتُ القرآن ومثله معه" (١). ويقول الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. ويقول : ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وَهُنَاكَ أَحْكَامٌ انفردت بها سُنَّة الرَّسُول ﷺ : فَنَجد أحكامًا سَكَتَ عنها الكتابُ العزيزُ، فتَأْتِي سُنَّة الرَّسول ﷺ لتُبيِّن وجوب أو تحريم هذه الأحكام. فمثلًا: نصَّ الله على المحرماتِ في النكاح: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢]. ثمَّ قَالَ بعد ذَلكَ مُبَاشرةً: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]. فَنَصَّ في هذه الآيات الكريمات على أربع عشرة من المحرمات في النكاح، فهل هذه هي المحرمات فقط؟ نجد أن الرسول ﷺ جاء عنه قوله: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (٢).

стр. 34

إذن، جاءت السُّنَّة بأحكامِ أيضًا أضافتها إلى كتاب الله ، ولا يُعْتبر ذلك تعارضًا بين كِتاب اللهَ وسنة رسوله ﷺ ؛ لأن الكتاب إنما هو من عند الله، وسُنَّة الرسول ﷺ إنما جاءت عن رسول الله ﷺ ، والرسول ﵊ يقول: "تَركتُ فيكُمْ ما إن تَمسَّكتم به لن تَضلُّوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسُنَّتي" (١). نظرةٌ مجملةٌ إلى ما في الكتاب والسُّنَّة من أحكام: إن الأحكام التي جاء بها القرآن الكريم والسُّنة النبوية إنما هي تأتي في الأمور الآتية: أوَّلها: الأحكام المتعلقة بالإيمان بالله ، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. وكذلك الأحكام المتعلقة بتفصيل ذلك؛ كالإيمان بالغيب والبعث والجزاء والنشور والجنة والنار، وما في الجنة من نعيمٍ أعدَّه الله لأوليائِهِ، وما في النار من عَذَابٍ أعدَّه الله للخارجين عن أَوَامره ونَوَاهيه … وهذه مَوْضوعها علم العقيدة، أي: ما يُعْرف بعلم التوحيد، إلَّا أننا نتعرض إليه عندما نجد مناسبةً لنُبيِّن أهمية هذا الأمر. ولا شكَّ أن التوحيدَ هو الأصل الأصيل، وهو الذي إذا انتفى، فسائر الأعمال لا تفيد صاحبَها؛ لأن الرسول ﵊ يَقُولُ: "بُنِيَ الإسلامُ على خَمْسٍ: شَهَادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، هاقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام" (٢). فَالأَصْلُ إنَّما هو هذه العقيدة، وإذا فَسَدت فسدت سائر الأعمال، ولذلك نجد أن الله يقول عن أعمال المشركين الكافرين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى

стр. 35

مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، فمهما عَمِلُوا من الأعمال في الفروع، فإنها لن تُقدِّم لهم خيرًا، كما سنفصل ذلك -إن شاء الله- عندما ندخل في موضوعِ دراستنا. الأمر الثاني: المتعلِّق بالأمور الاجتماعية، وهي تلكم التي تُربِّي المجتمع الإسلامي، من الأخلاق الفاضلة فيما يتعلق بالصدق والأمانة، وكذلك البر وإكرام الضيف، وإكرام الجار، والإحسان إلى المحتاج، والصدق في المعاملات، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة، وكذلك الأمور التي تُحَذِّر من الرَّذَائل، من الكَذِب، والغشِّ والنَّميمة، وغير ذَلكَ .. وهَذِهِ مَوْضوعُهَا: عِلْمُ الأخلاق، وهو أيضًا علمٌ مستقلٌّ. أقسام علم الفقه: للعُلَماء تَقْسيماتٌ لعلم الفقه: القسم الأوَّل: الأحكام التي تُنظِّم علاقة العبد بربِّه، وهذه الأحكامُ التي تُنَظِّم علاقة العبد برئه، وهي أحكام العبادات؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحجِّ، وما يتبع ذلك من أحكام مفصَّلة، وهذه تأتي في مُقَدِّمة علم الفقه. القسم الثاني: الأحكام المتعلِّقة بالمعاملات؛ من بيعٍ وشراءٍ، وإجارةٍ، وشُفْعةٍ، وغير ذلك .. والمعاملاتُ لها أهميةٌ كبيرةٌ في الفقه الإسلامي، وهي تمثل الشطر الثاني من أقسام الفقه. القسم الثالث: الأحكام المتعلقة بالأسرة، من نكاحٍ، وطلاقٍ، وخلعٍ، ونفقاتٍ، ومواريثَ، وغير ذلك من الأحكام الكثيرة، ويُعْرف ذلك بنظامً الأسرة. القسم الرابع: الأحكام المتعلِّقة بنظام الحكم، وهي من الأحكام التي عُنِيَ بها الفقهاء، وفصَّلوها وبيَّنوا أهميتها ومكانتها في الفقه الإسلامي، وما يَتَرتب عليها من تثبيت الدَّولة الإسلاميَّة، ومَكَانَتِهَا وحفظ

стр. 36

الأمن، والمحافظة على حقوق الناس، وكذلك على أموالهم ودمائهم، وهذا يعتبر قسمًا من أقسام الفقه. وَلَكنَّه بعد أن ظهرت التخصُّصات الفقهية في الإسلام، أخرج بَعْضُ الفقهاء من أقسام الفقه علمًا يُسمَّى بـ"علم السِّياسَة الشرعيَّة"، فَجَعلوا ما يتعلَّق بنظام الحكم، وما يتعلق بنظام الحسبة، وما يتعلَّق بالعلاقات الدُّوَلِيَّة، وما يتعلق بالنواحي الإدارية، جعلوها تتعلق بالسياسة الشرعية، ويلحق بذلك نظام القضاء، وبعض الأمور الأخرى، لكنها وَإن أَخْرَجوها، فهي في الواقع تُمثِّل جُزءًا كبيرًا في الفقه الإسلامي، ودارس الفقه لا بدَّ أن يدرسها، ولا يَسْتغني عنها. القسم الخامس: ما يَتَعلقُ بمؤاخذة الخارجين على حدود اللهِ، والمخالفين لها، وهو ما يُعْرف بالعقوبات في الفقه الإسلامي والجنايات، من القِصاصِ أو الحدود، وَكَذلك التعزيرات التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، والتي نجد أن خلفاءَ رسول الله ﷺ أخذوا منها الكثيرَ من الأُمُور. ثمَّ بَعْد ذلك ما يتعلَّق بالدِّيات. القسم السادس: ما يتعلق بأحكام المآكل والمشارب واللباس؛ فَاللهُ بيَّن جملة ما يَحِلُّ وما يَحْرُم مما يُؤكل، ومما لا يُؤكل، ومما يُلْبس وممَّا لا يُلْبس، ثم نجد أنَّ رسولَ الله ﷺ ما تَرَك أمرًا من تلك الأمور إلا وَفَصَّله وَبيَّنه غايةَ البَيَان، وقَدْ أَرْشَدَ الله إلى ذَلكَ بقَوْله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. مَكَانة علم الفقه الإسلامي من بين العلوم: لا شَكَّ أن الفقهَ الإسلاميَّ من أَجَلِّ العلوم قَدْرًا، ومن أكثرها فائدةً؛ ولذَلكَ ترى أن جهابذةَ العُلَماء ﵏ قَدْ أَفْنَوا أعمارهم، وَوَقفوا

стр. 37

حياتَهم في تعلم هذا العلم وتعليمه، فنجد أنه يجتمع لديهم الطلاب من كل مكانٍ، فيأخذون عنهم العلم، ويدرسونه، ويبينونه للناس. تاريخ علم الفقه الإسلامي: والفقه لم تكن بدايتُهُ كنهايتِهِ، فلم تكن بداية العلم كنهايته التي نجدها، فالفقه -كما هو معلومٌ- إنما هو مستمدٌّ من كتاب الله الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، فهو قطب هذه الشريعة الذي تدور حوله. ثمَّ بعد ذلك هو مستمدٌّ من سُنَّة الرسول ﷺ . ثم بعد ذلك استُمِدَّ من أُمُورٍ تَرْجع إلى الكتاب والسُّنة، فنحن نجد أنَّ الصَّحابةَ -رضوان الله عليهم- بعد أن تُوفِّيَ الرسول ﷺ ، وَجَدَّتْ أمورٌ لَمْ تكن مَوْجودةً في زمن الرَّسُول ﷺ ، فَبَحثوا عن أحكامها أَوَّلًا في كتَاب الله ، كَمَا هو مَنْهج أبي بَكْرٍ رضوان الله عليه، فَكَان إذا حَدَثت حَادثةٌ، بَحَث عنها في كتاب الله ، فَإِنْ لَمْ يجدها في الكتاب، عَادَ فَبحَث عنها في سُنَّة رسول الله ﷺ ، فَإِنْ لم يجدها، فإنَّه يجمع الصَّحابة - رضوان الله عليهم- ويسألهم: أبَلَغهم شيءٌ عن الرسول ﷺ ؟ وقد حصل ذلك في توريث السدس عندما سأل، فوجد أن أحد الصحابة قد بلَغه عن الرسول ﷺ أنه وَرَّث السدس … إلى غير ذلك (١).

стр. 38

وَكَذَلكَ كان شأن عمرَ ﵁، والرَّسُولُ ﷺ قال: "اقْتَدوا باللَّذَين من بَعْدي: أبي بكرٍ وعُمَر" (١). فَجَميعُ الأحكام الفقهيَّة إنَّما هي مُسْتَمدَّةٌ من كتاب الله ، ومن سُنَّة رسولِهِ ﷺ ، أو من أَمْرٍ يعود إليهما، أو إلى مَقَاصدهما، ولا شكَّ أنَّ في مقدمة تلك الأحكام: الفتاوى التي أفتى بها أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فتلك الفتاوى لم تَصْدر عن الصحابة -رضوان الله عليهم- عَنْ هوًى، ولا عن جهلٍ، فالصَّحَابةُ -رضوان الله عليهم- أبعد الناس عن الهَوَى، بَلْ كانوا يَحْرصون غايةَ الحرص على أن يتبعوا منهج كتاب الله ، وسُنَّة رسوله ﷺ ، وكانوا أيضًا يتحرجون من الفتوى، ونجد كثيرًا منهم يُحِيلُ الفتوى علَى أَخِيهِ حتى تعَيَّنَ أمامَه، فَيَجد أنَّ الأمرَ لا بدَّ أن يُبَيَّنَ حكم الله فيه، لأنَّه "مَنْ سُئِلَ عن علمٍ، فكَتَمه، ألجمه الله بلجامٍ من نارٍ يوم القيامة" (٢). فهل وقفت المسائل عند زمن الصحابة؟ لا، فنجد أن البلاد الإسلامية قد اتَّسعتْ، وأن الفتح الإسلامي امتدَّ في زمن الصحابة -رضوان الله عليهم- في زمن الخلفاء الراشدين بعد رسول الله ﷺ ، ثم امتدَّت أيضًا رقعة الدولة الإسلامية في زمن الدولة الأموية، ثم في زمن الدولة العباسية، وَجَدَّت حوادثُ ووقائعُ نتيجة اختلاط المسلمين بأمم غيرهم في أُمُورٍ لم تكن معروفةً بين المسلمين، فلا بدَّ أن ينصبَ أئمَّة المسلمين أنفسهم، وأن يُشَمِّرُوا عن ساعد الجد، وأن يبحثوا عن حَلٍّ لتلك الأحداث في كتاب الله ، وفي سُنَّة رسوله ﷺ ، فإن وجدوا في ذلك فنِعِمَّا هي، دان لم يجدوا فإنهم يجتهدون ويُلْحقون ما ليس في الكتاب ولا في السُّنَّة بما في كتاب الله وفي سُنَّة

стр. 39

رسول الله ﷺ ، وهذا ما نعرفه بـ"القياس" الذي يُعْتبر أصلًا من أصول الشريعة الإسلامية، فالقياس -كَمَا هو معلومٌ - في الشريعة: "إلحاقُ أَصْلٍ بفرعٍ في حُكْمِ لعِلَّةٍ تجمع بينهما" (١)، وهناك ما يُعْرف بـ"المصالحَ المرسلة". والمجموعة الفقهيَّة تقوم على أمورٍ ثلاثةٍ: ١ - أصول الفقه. ٢ - القواعد الفقهية. ٣ - الفروع الفقهية التي سنَدْرسها تفصيلًا إن شاء الله. طريقة الصحابة والعلماء في استنباط المسائل، والاجتهاد فيها: كان العلماء -رضوان الله عليهم- يَجْتهدون في المسألة إذا لم يجدوا دليلها في الكتاب، ولا في السُّنَّة، فألحقوها عن طريق القياس، أو عن طريق المصالح المرسلة، أو وَقَفوا في بعض الأمور عن طريق سدِّ الذرائع، أو ما يُعْرف بـ"الاستحسان"، إلى غير ذلك ممَّا بينه علماء أصول الفقه، وبيَّنوا أنها أصول الاستنباط في هذه الشريعة الإسلامية. مكانة الأئمة الأربعة: أولئك الأئمة الأعلام لهم مكانةٌ عظيمةٌ، فقَدْ خَدموا الشريعة الإسلامية عمومًا، وخدموا الفقه الإسلامي، وتخرَّج عليهم تلاميذ، وهم داخلون -إن شاء الله- في قول الرسول ﷺ : "إذا مَاتَ ابن آدم انقطع عملُهُ إلا من ثلاثٍ: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له" (٢)، فلَا شكَّ أنهم خلَّفوا تلاميذَ علماءَ، وأولئك التلاميذ خلَّفوا بعدهم

стр. 40

علماء، وتركوا لنا تلك المؤلفات العظيمة التي لا نَزَال نغرف من نهرها وينبوعها. لماذا انتشر فقه الأئمة الأربعة؟ لأنه وُجِدَ لهم تلاميذ عُنُوا بذلك الفقه، وَنَشروه في الآفاق بخلاف الآخرين، فإن تلاميذهم لم يُقدِّمُوا لهم ما قدَّمه تلاميذ الأئمة. هل هذا الفقه الذي بين أيدينا هو ذلك الفقه الذي كان في عصر الأئمة؟ أو بمعنًى آخر: هَذَا الفقه الذي بين أيدينا الآن نرَاه في موسوعاتٍ ضخمةٍ، هل وُضِعَ من أصلِهِ على هذا الشكل؟ لَا شكَّ أن ثوابتَ الفقه ثابتة في كتاب الله ، وفي سُنَّة رسولِهِ ﷺ ، وفي تلك الفتاوى الكثيرة التي صدرت عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وعن التابعين الذين تبعوهم بإحسانٍ، وعَمَّن جاء بعدهم من العلماء الأعلام، هذا كلُّه منهج العلماء، لكننا عندما ننظر إلى هَذَا الفقه -وخُصوصًا الذي نَعْني به المسائل الجزئيَّة، أو الفروع الفقهيَّة- نجد أنه بدأ على مراحلَ؛ فلم يكن متوسعًا؛ لأن الناس في ذلك الوقت كانوا علماء، وكانوا في الغالب يستمدون الأحكام من كتاب الله . ولذَلكَ نجد أن التأليفَ في الفقه وغيره بدأ في القرن الثاني الهجري، وهناك مَنْ كَتَبَ في الحديث، وعندما جاءت الدولة العباسية اهتمت بالفقهاء اهتمامًا كثيرًا، ووضعت لهم الحوافز وشَجَّعتهم؛ فانطلق الفقه انطلاقةً كبيرةً. ولكنَّ الفقه في بدايته كانت مسائلُهُ قليلةً، ومن باب المثال لا التفصيل والحصر نذكر أنهم كانوا يقولون: لا يجوز بيع السمك في الماء؛ لأنه أمز مجهولٌ لا يمكن الوصول إليه، ولا الطير في الهواء، ولا الشارد، يعني: العبد الشارد … إلى غير ذلك من الأحكام، فجاء العلماء بعد ذلك، فَوَضعوا مقياسًا وَحدًّا ضابطًا لتلك الأمور، فَقَالوا: يُشْتَرط في المبيع أن يكونَ مالًا متقوَّمًا مقدورًا على تسليمه.
следующие страницы →