الأمن، والمحافظة على حقوق الناس، وكذلك على أموالهم ودمائهم، وهذا يعتبر قسمًا من أقسام الفقه.
وَلَكنَّه بعد أن ظهرت التخصُّصات الفقهية في الإسلام، أخرج بَعْضُ الفقهاء من أقسام الفقه علمًا يُسمَّى بـ"علم السِّياسَة الشرعيَّة"، فَجَعلوا ما يتعلَّق بنظام الحكم، وما يتعلق بنظام الحسبة، وما يتعلَّق بالعلاقات الدُّوَلِيَّة، وما يتعلق بالنواحي الإدارية، جعلوها تتعلق بالسياسة الشرعية، ويلحق بذلك نظام القضاء، وبعض الأمور الأخرى، لكنها وَإن أَخْرَجوها، فهي في الواقع تُمثِّل جُزءًا كبيرًا في الفقه الإسلامي، ودارس الفقه لا بدَّ أن يدرسها، ولا يَسْتغني عنها.
القسم الخامس: ما يَتَعلقُ بمؤاخذة الخارجين على حدود اللهِ، والمخالفين لها، وهو ما يُعْرف بالعقوبات في الفقه الإسلامي والجنايات، من القِصاصِ أو الحدود، وَكَذلك التعزيرات التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، والتي نجد أن خلفاءَ رسول الله ﷺ أخذوا منها الكثيرَ من الأُمُور.
ثمَّ بَعْد ذلك ما يتعلَّق بالدِّيات.
القسم السادس: ما يتعلق بأحكام المآكل والمشارب واللباس؛ فَاللهُ بيَّن جملة ما يَحِلُّ وما يَحْرُم مما يُؤكل، ومما لا يُؤكل، ومما يُلْبس وممَّا لا يُلْبس، ثم نجد أنَّ رسولَ الله ﷺ ما تَرَك أمرًا من تلك الأمور إلا وَفَصَّله وَبيَّنه غايةَ البَيَان، وقَدْ أَرْشَدَ الله إلى ذَلكَ بقَوْله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
مَكَانة علم الفقه الإسلامي من بين العلوم:
لا شَكَّ أن الفقهَ الإسلاميَّ من أَجَلِّ العلوم قَدْرًا، ومن أكثرها فائدةً؛ ولذَلكَ ترى أن جهابذةَ العُلَماء ﵏ قَدْ أَفْنَوا أعمارهم، وَوَقفوا
стр. 37
حياتَهم في تعلم هذا العلم وتعليمه، فنجد أنه يجتمع لديهم الطلاب من كل مكانٍ، فيأخذون عنهم العلم، ويدرسونه، ويبينونه للناس.
تاريخ علم الفقه الإسلامي:
والفقه لم تكن بدايتُهُ كنهايتِهِ، فلم تكن بداية العلم كنهايته التي نجدها، فالفقه -كما هو معلومٌ- إنما هو مستمدٌّ من كتاب الله الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، فهو قطب هذه الشريعة الذي تدور حوله.
ثمَّ بعد ذلك هو مستمدٌّ من سُنَّة الرسول ﷺ .
ثم بعد ذلك استُمِدَّ من أُمُورٍ تَرْجع إلى الكتاب والسُّنة، فنحن نجد أنَّ الصَّحابةَ -رضوان الله عليهم- بعد أن تُوفِّيَ الرسول ﷺ ، وَجَدَّتْ أمورٌ لَمْ تكن مَوْجودةً في زمن الرَّسُول ﷺ ، فَبَحثوا عن أحكامها أَوَّلًا في كتَاب الله ، كَمَا هو مَنْهج أبي بَكْرٍ رضوان الله عليه، فَكَان إذا حَدَثت حَادثةٌ، بَحَث عنها في كتاب الله ، فَإِنْ لَمْ يجدها في الكتاب، عَادَ فَبحَث عنها في سُنَّة رسول الله ﷺ ، فَإِنْ لم يجدها، فإنَّه يجمع الصَّحابة - رضوان الله عليهم- ويسألهم: أبَلَغهم شيءٌ عن الرسول ﷺ ؟ وقد حصل ذلك في توريث السدس عندما سأل، فوجد أن أحد الصحابة قد بلَغه عن الرسول ﷺ أنه وَرَّث السدس … إلى غير ذلك (١).
стр. 38
وَكَذَلكَ كان شأن عمرَ ﵁، والرَّسُولُ ﷺ قال: "اقْتَدوا باللَّذَين من بَعْدي: أبي بكرٍ وعُمَر" (١).
فَجَميعُ الأحكام الفقهيَّة إنَّما هي مُسْتَمدَّةٌ من كتاب الله ، ومن سُنَّة رسولِهِ ﷺ ، أو من أَمْرٍ يعود إليهما، أو إلى مَقَاصدهما، ولا شكَّ أنَّ في مقدمة تلك الأحكام: الفتاوى التي أفتى بها أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فتلك الفتاوى لم تَصْدر عن الصحابة -رضوان الله عليهم- عَنْ هوًى، ولا عن جهلٍ، فالصَّحَابةُ -رضوان الله عليهم- أبعد الناس عن الهَوَى، بَلْ كانوا يَحْرصون غايةَ الحرص على أن يتبعوا منهج كتاب الله ، وسُنَّة رسوله ﷺ ، وكانوا أيضًا يتحرجون من الفتوى، ونجد كثيرًا منهم يُحِيلُ الفتوى علَى أَخِيهِ حتى تعَيَّنَ أمامَه، فَيَجد أنَّ الأمرَ لا بدَّ أن يُبَيَّنَ حكم الله فيه، لأنَّه "مَنْ سُئِلَ عن علمٍ، فكَتَمه، ألجمه الله بلجامٍ من نارٍ يوم القيامة" (٢).
فهل وقفت المسائل عند زمن الصحابة؟
لا، فنجد أن البلاد الإسلامية قد اتَّسعتْ، وأن الفتح الإسلامي امتدَّ في زمن الصحابة -رضوان الله عليهم- في زمن الخلفاء الراشدين بعد رسول الله ﷺ ، ثم امتدَّت أيضًا رقعة الدولة الإسلامية في زمن الدولة الأموية، ثم في زمن الدولة العباسية، وَجَدَّت حوادثُ ووقائعُ نتيجة اختلاط المسلمين بأمم غيرهم في أُمُورٍ لم تكن معروفةً بين المسلمين، فلا بدَّ أن ينصبَ أئمَّة المسلمين أنفسهم، وأن يُشَمِّرُوا عن ساعد الجد، وأن يبحثوا عن حَلٍّ لتلك الأحداث في كتاب الله ، وفي سُنَّة رسوله ﷺ ، فإن وجدوا في ذلك فنِعِمَّا هي، دان لم يجدوا فإنهم يجتهدون ويُلْحقون ما ليس في الكتاب ولا في السُّنَّة بما في كتاب الله وفي سُنَّة
стр. 39
رسول الله ﷺ ، وهذا ما نعرفه بـ"القياس" الذي يُعْتبر أصلًا من أصول الشريعة الإسلامية، فالقياس -كَمَا هو معلومٌ - في الشريعة: "إلحاقُ أَصْلٍ بفرعٍ في حُكْمِ لعِلَّةٍ تجمع بينهما" (١)، وهناك ما يُعْرف بـ"المصالحَ المرسلة".
والمجموعة الفقهيَّة تقوم على أمورٍ ثلاثةٍ:
١ - أصول الفقه.
٢ - القواعد الفقهية.
٣ - الفروع الفقهية التي سنَدْرسها تفصيلًا إن شاء الله.
طريقة الصحابة والعلماء في استنباط المسائل، والاجتهاد فيها:
كان العلماء -رضوان الله عليهم- يَجْتهدون في المسألة إذا لم يجدوا دليلها في الكتاب، ولا في السُّنَّة، فألحقوها عن طريق القياس، أو عن طريق المصالح المرسلة، أو وَقَفوا في بعض الأمور عن طريق سدِّ الذرائع، أو ما يُعْرف بـ"الاستحسان"، إلى غير ذلك ممَّا بينه علماء أصول الفقه، وبيَّنوا أنها أصول الاستنباط في هذه الشريعة الإسلامية.
مكانة الأئمة الأربعة:
أولئك الأئمة الأعلام لهم مكانةٌ عظيمةٌ، فقَدْ خَدموا الشريعة الإسلامية عمومًا، وخدموا الفقه الإسلامي، وتخرَّج عليهم تلاميذ، وهم داخلون -إن شاء الله- في قول الرسول ﷺ : "إذا مَاتَ ابن آدم انقطع عملُهُ إلا من ثلاثٍ: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له" (٢)، فلَا شكَّ أنهم خلَّفوا تلاميذَ علماءَ، وأولئك التلاميذ خلَّفوا بعدهم
стр. 40
علماء، وتركوا لنا تلك المؤلفات العظيمة التي لا نَزَال نغرف من نهرها وينبوعها.
لماذا انتشر فقه الأئمة الأربعة؟
لأنه وُجِدَ لهم تلاميذ عُنُوا بذلك الفقه، وَنَشروه في الآفاق بخلاف الآخرين، فإن تلاميذهم لم يُقدِّمُوا لهم ما قدَّمه تلاميذ الأئمة.
هل هذا الفقه الذي بين أيدينا هو ذلك الفقه الذي كان في عصر الأئمة؟ أو بمعنًى آخر: هَذَا الفقه الذي بين أيدينا الآن نرَاه في موسوعاتٍ ضخمةٍ، هل وُضِعَ من أصلِهِ على هذا الشكل؟
لَا شكَّ أن ثوابتَ الفقه ثابتة في كتاب الله ، وفي سُنَّة رسولِهِ ﷺ ، وفي تلك الفتاوى الكثيرة التي صدرت عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وعن التابعين الذين تبعوهم بإحسانٍ، وعَمَّن جاء بعدهم من العلماء الأعلام، هذا كلُّه منهج العلماء، لكننا عندما ننظر إلى هَذَا الفقه -وخُصوصًا الذي نَعْني به المسائل الجزئيَّة، أو الفروع الفقهيَّة- نجد أنه بدأ على مراحلَ؛ فلم يكن متوسعًا؛ لأن الناس في ذلك الوقت كانوا علماء، وكانوا في الغالب يستمدون الأحكام من كتاب الله .
ولذَلكَ نجد أن التأليفَ في الفقه وغيره بدأ في القرن الثاني الهجري، وهناك مَنْ كَتَبَ في الحديث، وعندما جاءت الدولة العباسية اهتمت بالفقهاء اهتمامًا كثيرًا، ووضعت لهم الحوافز وشَجَّعتهم؛ فانطلق الفقه انطلاقةً كبيرةً.
ولكنَّ الفقه في بدايته كانت مسائلُهُ قليلةً، ومن باب المثال لا التفصيل والحصر نذكر أنهم كانوا يقولون: لا يجوز بيع السمك في الماء؛ لأنه أمز مجهولٌ لا يمكن الوصول إليه، ولا الطير في الهواء، ولا الشارد، يعني: العبد الشارد … إلى غير ذلك من الأحكام، فجاء العلماء بعد ذلك، فَوَضعوا مقياسًا وَحدًّا ضابطًا لتلك الأمور، فَقَالوا: يُشْتَرط في المبيع أن يكونَ مالًا متقوَّمًا مقدورًا على تسليمه.
стр. 41
وَمن العُلَماء الأوائل الَّذين كتبوا في ذلك: إمام دار الهجرة، الإمام مالك ﵀، والذي كانت تضرب إليه أكباد الإبل من كل مكان، وممن ضرب إليه أكباد الإبل الإمام الشافعي الإمام الثالث رحمهما الله، جاء إلى الإمام مالكٍ ﵀، وقرَأ علَيه كتابه المشهور: "الموطأ"، وَأخَذه عنه، ثم تَنقَّل الشَّافعيُّ إلى غير ذلك.
ثمَّ أخذ الفقهُ يتَّسع بعد الأئمة الأربعة رضوان الله عليهم.
وإذا قلنا: "الأئمة"، فينصرف اللفظ عند بعض أهل العلم إلى الأربعة (أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد).
وهُنَاك من العُلَماء الأعلام مَنْ لا يقلّ أهميةً ومكانةً علميَّةً عن أولئك، فَهُنَاك الإمام الثوري في العراق، والإمام الأوزاعيُّ في الشام، والإمام الليث بن سعد في مصر، وعلاقته بالإمام مالك مشهورة، والرَّسَائلُ المُتَبادلةُ بينهما قد سُجِّلت ودُوِّنَتْ في كُتُبٍ مسطورةٍ.
وهناك من الأئمة -رضوان الله عليهم- من دَوَّن فقهه بقلمه، فنجد الإمام أبا حنيفة وهو الإمام الجليل الذي كان يَتَردد بين الكوفة والبصرة يُنَافح فرقَ المعتزلة، ويُدَافع عن عقيدة السلف -رضوان الله عليهم- قَدْ كَتَب كتابه المعروف "الفقه الأكبر"، ولم يُقْصد بـ"الفقه الأكبر" الفقه في مصطلحنا الآن، لأن الفقهَ كان فيما مَضَى يُطْلق على ما يُرَادف الدِّين، ويُرَادف الشريعة، فلم يَكُنْ مَقْصورًا على التَّعريف الذي نَعْرفه الآن، ألَا وهو العِلْمُ بالأحكام الشَّرعيَّة العمليَّة المستمدَّة من أدلَّتها التفصيليَّة، ذَلكم التَّعريف الَّذي نُقِلَ عن الإمَام الشَّافعيِّ، وَالَّذي اختارَه أَهْلُ الأُصُول والفقه بَعْده.
لَكنَّ الإمامَ أبا حنيفة لم يُنْقل عنه أنه دَوَّن الفقه، وإنما دَوَّن كتابَه المعروف "الفقه الأكبر"، والَّذي يُعْنَى بأمور العقيدة.
ثمَّ جاء الإمامُ مالكٌ، فَدوَّن كتابَه المشهور كتاب الحديث "المُوطَّأ"، وهو يجمع إلى جانب الحديث أيضًا مسائل فقهية، وكذلك "المدونة" المعروفة، التي هي مدونة سحنون رواية ابن القاسم عن مالك، وهذه
стр. 42
"المدوَّنة" لم يكن كل ما فيها هو رأيٌ لمالكٍ، لَكن كَانَ ابن القاسم أحد تلاميذ الإمام مالكٍ وأشهرهم يسأل الإمامَ مالكًا عن بَعْض المسائل، وكان الإمامُ مَالِكٌ يتوقَّف في المَسَائل التقديريَّة التي تُعْرف بـ"الفقه الافتراضي"، وقَدْ يجيب عن بعضها أحيانًا، فنجد أن ابن القاسم يُجيب عن تلك المَسْألة التي سُئِلَ عنها الإمام مالك وتوقف فيها، لا لأنَّ الإمام مالكًا لا يعلم، وإنما قد يتوقف، وليس بعيدًا أن يكون أحد الأئمة الأربعة لا يعلم، فَالإمَامُ مَالكٌ -رحمه الله تعالى- توقَّف عن مسائلَ، وقال: "ما منا إلا رادٌّ ومردود إلا صاحب هذا القبر" (١)، وهَكَذا الشأن في بقيَّة الأئمَّة رضوان الله عليهم.
ثمَّ جاء الإمام الشافعي أيضًا ﵀ بعد ذلك وهو ممن دَوَّن بتوسعٍ الفقهَ، فدوَّن رسالته العظيمة التي في أصول الفقه "الرسالة"، والتي كانت أول نواةٍ ظهرت في علم أصول الفقه، والحنفية يدَّعون أنهم سَبَقوا إلى هذا العلم، ولكننا نقول: إن علم أصول الفقه لم يكن مجهولًا في الحقيقة، بَلْ كان مركوزًا في النُّفُوس، فالصَّحابةُ -رضوان الله عليهم- كانوا يعرفون الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيَّد، والأمر والنهي، لكن أول من اشتهر بتدوين هذا العلم العظيم وأظهره إنما هو الإمام الشافعي محمد بن إدريس ﵀.
أما الإمام أحمد، فإنه دوَّن كتابه في الحديث الَّذي هو هذا "المسند" العظيم، الذي يجمع ما بين ثلاثين إلى أربعين ألف حَدِيثٍ، وله أيضًا مسائلُهُ العظيمةُ الكبيرةُ الَّتي نقلها عنه بعض أصحابه وتلاميذه، ويأتي في مقدمتها مسائله التي نقلها عنه ابنه عبد الله، وابنه صالح، ومسائل إسحاق بن منصور.
وليس كما يقول بعضهم بأن الإمام أحمد لم يكن فقيهًا، وإنما كان
стр. 43
مُحَدِّثًا، لا، وإنما قد ظهر في علم الحديث، وبرز فيه واشتهر، لكنه كان فقيهًا مُتَقصِّيًا متمكنًا من علم الفقه، وَسنُبيِّن ذَلكَ -إن شَاءَ الله- عندما ندخل في دراسة المسائل.
جَاءَ بعد ذلك التلاميذ، وعُنُوا بهذه الثروة العظيمة، ثمَّ جاء بعد ذلك تَلَاميذ التلاميذ، فَوَجدوا أمامهم هذه الثروة الهائلة العظيمة، ووقفوا حَيارَى أمامها ماذا يفعلون؟ فَبَدؤوا يبحثون عن علل الأحكام، لماذا قال أبو حنيفة كذا؟ ولماذا قال مالك؟ ولماذا قال الشافعي وأحمد والثوري وغير هؤلاء؟ أخذوا يبحثون عن العلل التي علَّل بها الأئمة، وَحَكموا وَقَاسوا، أَو اصطلحوا على هَذِهِ المسألة.
فَبَحثوا حتَّى وقفوا على تلك العلل، فأخذوا يُخَرِّجون على أقوال أولئك الأئمَّة حتى اتسعت دائرة الفقه الإسلامي، ودُوِّن وسُجِّل في موسوعاتٍ ضخْمَةٍ.
ثمَّ بعد ذلك جاء التلاميذ، وانتقلوا إلى طورٍ آخر من أطوار الفقه الإسلامي، فبدؤوا يُدوِّنون كتبًا تتعلق بالخلاف بين المذاهب، كَمَا الخلاف بين الحنفيَّة والشافعيَّة في بعض كتب الحنفية، وفي بعض كُتُب الشَّافعيَّة، ومن تلك الكُتُب كتاب "الأسرار" للدَّبوسي.
ثمَّ بَعْدَ ذَلكَ انتقلَ العُلَماءُ إلى طورٍ مهمٍّ جدًّا، وهو العناية بالدَّليل، وهَذَا في الحقيقَة هو الذي يُعْطي الفقه الإسلامي رَوْنقه، ويحافظ على أهميَّته ومكَانته، وهو الذي سنُعْنى به -إن شاء الله- في دِرَاسَتنا للفِقْهِ.
لَا شكَّ أنَّ الفقهَ إنَّما تظهر قيمتُهُ، وتَعْلو مكانتُهُ عندما يُدْرَس على ضَوْء كتاب الله ، وَسُنَّة رسوله ﷺ ؛ لأنَّه في الأصل مَأخوذٌ من هَذَين المصدرين والينبوعين اللَّذين لا ينضبان، وهو أيضًا إنْ لَمْ يؤخذ منهما مباشرةً، فإنه يُؤْخذ منهما بواسطةٍ، أو من مَقَاصد هذين المصدرين العظيمين.
стр. 44
أساليب التأليف الفقهي:
ولَمْ يَكن تأليفُ العُلُوم فيما مَضَى على ما نجده الآن، فلم تكن العلومُ مُؤلَّفةً منفصلًا بعضها عن بعض، بل كان الحديث مرتبطًا بالفقه، والفقه مرتبطًا بالحديث، كما رأينا في "موطإ مالكٍ"، ثم أَخذ العلماء يهتمُّون بالحديث، وَرَأوا أن العنايةَ في أمر الجرح والتعديل والحديث، وفي العناية برواية الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، وبَيَان صحيحها من سَقِيمِها وضَعِيفِها، والوقوف عند تلك الأحاديث، وكتابتها، وتدوينها، والتنبيه عليها.
ولَا تَزَال العنايةُ -بفَضْل الله- بهذا العلم إلى هذَا اليوم حتَّى صَدَرت المُدوَّنات الكبيرة؛ ككتاب "المغني" لابن قدامة الحنبلي، وهو حَقيقَةً ليس في فقه الحنابلة فَقَط، وإنما يَحْوي فقه الأئمة الأربعة عمومًا، وفي "المجموع" للنووي، وهو أيضًا وإنْ ركز على فقه الشافعية، وفَصَّل القول في فُرُوعه، وفي أقواله، وروايته وتخريجاته، فإنه أيضًا يعرض لأقوال العلماء، ويُبين الأدلة، ويبين الصحيح منها، وخصوصًا القسم الذي ألَّفه الإمام النووي ﵀، والذي أيضًا تلَاه وأتمَّه السبكي ثم المطيعي، وغيرهما؛ كـ"المحلَّى" لابن حزم، إلا أنَّ هذا الكتاب مَع ما فيه من مسائلَ عظيمةٍ، وعنايةٍ بالآيات وبالأحاديث، وفيه أيضًا آراء قوية إلا أنه ينبغي ألا يطلع على هذا الكتاب إلا طالب علمٍ متمكن؛ لأن صاحبه له شطحات، ولَه كَلامٌ في بعض الأئمة، وَفِي بَعْضَ العلماء، وَلَه أيضًا شُذُوذٌ في بعض المَسَائل المعروفة لا نريد أن نَعْرضَ لهَا، وقَدْ نعرض لبَعْضها عندما تُقَابلنا، لكن طالب العلم -وخصوصًا الذي لا يزال في أول الطريق- لا ينبغي أن يُقْدمَ على التعمُّق في الاطلاع على مثل هذه الكتب، فربما تُولِّد عنده بعض البلبلة، أو ربما التَّخوف، أو تُولِّد عنده بعض الأمور التي يخرج فيها عن بعض المسائل التي ينبغي أن يكون وَقَّافًا فيها، وخصوصًا ما يتعلق بكلامِهِ عن الأئمة، وبعض المسائل التي شذَّ بها، لكنه مع ذلك عالمٌ جليلٌ، خدَم الفقهَ الإسلاميَّ عمومًا، بَلْ أحيانًا قَدْ لا نجد بعضَ الأحَاديث والمرويَّات إلا في ذَلكَ الكتاب.
стр. 45
وما أُرِيدُ الوصول إليه ألَّا يتسرع طلاب العلم -الذين هم في أول الطريق- في إصدار بعض الأحكام التي لا ينبغي أن تصدر إلا من طلاب العلم الذين ذَكَرهم الله فيما يتعلق بالفقه بالدين، فقال: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقد بَيَّنهم الرَّسُولُ ﷺ في الحديث المتفق عليه؛ من حديث مُعَاويةَ: "مَنْ يُرِدِ الله به خيرًا، يُفقِّهه في الدِّين" (١).
وَكَمْ قرَأنا ووَقَفنا على عَدَدٍ ممَّن كَانَ فِي عَهْد الرَّسُول ﷺ ، فيَأْتيه وفد عبد القيس، وَيأْتيه غَيْرُهُ من الَّذين يأتون إلى هذا المسجد، فَيَحْملون عَنْ رسول الله ﷺ علمًا.
وَيَقُولُ ﷺ في الحديث الصحيح: "بَلِّغوا عنِّي ولو آيةً، وحَدِّثوا عَنْ بني إسرائيل ولا حَرَج" (٢)، لكنَّه قيَّد ذلك في الأخير بقوله: "ومَنْ كَذَب عَليَّ متعمدًا، فَلْيتبوَّأ مقعدَه من النَّار" (٣)، ولا شكَّ أن الذي يَكْذب حديثًا على رسول الله ﷺ ، يَدْخل في قول الرسول ﷺ : "مَنْ كَذَب عليَّ … ".
ومَنْ يَفْترِ على كتاب الله ، وعلى سُنَّة رسوله ﷺ ، أو يدَّعي من العلم ما ليس عنده، أو يُصْدر من الأحكام ما يُنْسَب إلى كتاب الله ، وإلى سُنَّة رسوله ﷺ دون أن يكون على عِلْمٍ -وأخطر من ذلك أن يكون عن جهلٍ، أو أن يكون عن هوًى- فقد ضلَّ ضلالًا مبينًا، وإذا كان الله يقول لنبيِّه داود ﵇: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، يُخَاطِبُ اللهُ تَعالَى نبيَّه داود ﵇، محذِّرًا إياه من اتِّباع الهوى، والقصد من ذلك: أن نستفيدَ نحن المسلمين من مثل هذا الموقف.
стр. 46
ويقول في حقِّ رسولِهِ ﷺ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
ويقول : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
وقال أيضًا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
فإذَا قيلَ لَكَ: هَذَا قَوْلُ الله ، وقَوْل رسول الله ﷺ ، فَعَليك أن تُسلِّم إلى هذا الأمر، ولا تُقَدِّم قَوْلَ أَحَدٍ على قول الله ، ولا علَى قول رسوله ﷺ ، مَهْمَا كَانَ هذَا الإنسان الذي تَقْتدي به، لا ينبغي أن تقدِّمه على قول الله تعالى، ولَا علَى قَوْل رَسُول الله ﷺ ، حتَّى وَإنْ كان من الصَّحابة رضوان الله عليهم.
وإذا كنَّا لا نُقَدِّمُ قولَ الصَّحابة الذين زكَّاهم الله تعالى، وأثنى عليهم، وأيضًا زكَّاهم رسولُهُ ﷺ ، فما بالك بأقوال غيرهم، فلا يَنْبغي لطالب العلم أن يحملَه اتِّباع الهوى، أو التعصب لبعض العلماء أن يقولَ: فلان أَعْلَمُ منِّي فآخُذُ بقوله، وإلَّا لأَخَذنا بالاطِّراد فنقول: وفلانٌ أعلم من فلان … نحن دائمًا لدينا مقياس، طالب العلم - بل المُسْلم عمومًا - ينبغي أن يضع أمامَه مقياسًا لا ينبغي أن يشذَّ عنه، فكل أمرٍ ينبغي أن يَعْرضَه على كتاب الله ، وسُنَّة رسولِهِ ﷺ ، فإن وَجَده فيهما فنِعِمَّا هي، وإنْ لم يجد، رَجَع إلى أقوال العلماء الَّذين وَهَبهم الله بسطةً في العِلْمِ، ورَزَقهم فيه، وهُمُ الَّذينَ قَالَ الله : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
وقال فيهم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١].
إذًا، تَقْوى الله مَطْلوبةٌ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، فَالعُلَماءُ
стр. 47
هُمُ الَّذين يخشون الله حقَّ خشيتِهِ، وهم الذين - كما قلنا - شَمَّروا عن ساعد الجدِّ، وأفْنَوا أعمَارَهم، وعَكَفوا عند الدروس، واستفادوا من العلماء، ونهلوا من هذا العلم، حتى شذى كل واحدٍ منهم، هؤلاء هم الذين يُقْتدَى بهم.
وأيضًا نقصد بأولئك العلماء الَّذين التزَموا أيضًا منهجَ كتاب ، ومنهجَ رسوله ﷺ ، فكَمْ مَنْ يدَّعي العلمَ وهُوَ وَبالٌ على العلم، فهناك مَنْ يدَّعون العلمَ وهم يُحَاربون العِلْمَ، فيما يَتَعلَّق بالخُرَافات، ونَشْر البدَع، وصَرْف النَّاس عن دين الله، هؤلاء لا يَنْبغي أن يُقْتدى بهم، فهم الذين حذَّر الرسول ﷺ منهم.
وإذا كان ﵊ يقول في وَصْف الخوارج: "تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كمَا يَمْرُق السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ" (١)، فأُولَئك الخوارجُ كانوا يُقَاتلونَ، وَيَظنُّون أنَّهمْ على حقٍّ، لَكنَّهم في الحقيقة ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤].
يَنْبغي لطَالِبِ العِلْمِ دائمًا أن يَسْترشدَ بما في الكتاب والسُّنَّة، وأن يأخُذَ أيضًا بأقوال العُلَماء الأعلام الذين يَدْعون إلى منهج السلف الصالح، الذي أرشد إليه الرَّسُولُ ﷺ بقوله: "افْترقَت النَّصارى على إحْدَى وسَبْعين فرقةً، وافترقت اليهود على اثنتين وسبعين فرقةً، وستَفْترق هذه الأُمَّة على ثلاثٍ وسبعينَ فرقةً، كلّها في النار إلا واحدة". قيلَ: مَنْ هي يا رسول الله؟ قال: "مَنْ كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (٢).
стр. 48
فَمَنْ هم الذين على ما كَانَ عليه الرسول ﷺ ؟ هُمُ الذين نَهَجوا منهج الكتاب العزيز، وسُنَّة رسولِهِ ﷺ ، فاقتدوا بذلك، وَطَبَّقوه تطبيقًا عمليًّا.
طريقة دراسة الفقه:
وأنا أرى ألَّا يُدرس الفقه بـ "قال فلان وقال فلان"، وأختلفوا، نعم؛ نُركِّز على هذا الجانب، وهو مهمٌّ، لكن لا مانع أن نتعلم الحكمةَ من تشريع هذا الحكم، ونُبَيِّن بعض المسائل، ونُعلِّق عليها، فنحن بحاجةٍ إلى ذلك، وسنحاول أن نسدد ونقارب في هذا الأمر.
وسَوْفَ تكون دراستُنَا - إنْ شاء الله - قائمةً على الدليل والتعيين، وليست على مجرَّد ذِكْرٍ للخلَافات دون أن نَبْني ذلك على أُسُسٍ وأُصُولٍ يُعْتمد عليها.
الغاية من دراسة الفِقْهِ الإسلاميِّ:
إنَّنا عندما ندرس الفقه الإسلامي نريد أن نطبِّقه قولًا وفعلًا، فَهَذا هو الغرض حقيقةً من دراسة الفقه الإسلامي، لا نريد فقط أن نتعلمه ونُطبِّقه على أنفسنا، وَلَكن نريد أن نطبقه قولًا وعملًا، تشريعًا وَتَحْكِيمًا، وإننا عندما ننظر إلى أحوال المسلمين اليوم في كثيرٍ من البلاد، تلكم البلاد التي انصرفت عن الشريعة الإسلامية، واتَّجَهتْ إلى القوانين الوضعية التي ما أنزلَ اللهُ بها من سُلْطانٍ، فَلْنَنْظر إلى ما هيَ فيه من القَلَق والاضطراب وعَدَم الاستقرار، ولنَنْظر إلى هَذِهِ البلاد الَّتي نحن الآن نقيم فيها، فإنَّ فيها - بفضل الله - من الأمن والاستقرار ورَغَد العيش ما يغني الحال عن ذكره، كل ذلك بسببٍ واحدٍ، هو تطبيق شريعة الله التي لا يأتيها الباطل من بين يديها، ولا من خلفها؛ لأنها مُنَزَّلة من حَكِيمِ حَمِيدٍ، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].
ولَوْ أنَّنا رجعنا إلى الوراء قليلًا، لَوَجدنا أن هذه البلاد كان يوجد فيها من الخَوْفِ، وعَدَم الاستقرار، وَعدَم الأمن؛ كان الحاج يَخْشى على
стр. 49
نفسه، وهُوَ يَنْتقل من مكانٍ إلى مكانٍ، ثمَّ تَحوَّل ذَلكَ الخَوْفُ إلى أمنٍ واستقرارٍ وخيرٍ وأُلفةٍ ومحبةٍ.
ثمَّ نتذكر أيضًا - ولا نذكر ذلك حقيقةً للدعاية في هذه المناسبة، وليس ذلك بتوجيهٍ من أحدٍ، ولكنَّنا نقولها كلمة حقٍّ في هذه المناسبة ونحن نريد أن ندخل في علمٍ جليل - فلنتذكَّر جميعًا سيرة ذلكم الإمام العظيم الملك عبد العزيز الَّذيَ أسس هذه الدولة في دورها الثالث، نتذكر كيف خرج بعددٍ قليلٍ من الرجال، كان له هدفٌ واحدٌ يسعى إليه، ويريد تحقيقه، ألا وهو نُصْرة دين الله، وإقامة العدل في هذه البلاد، يخرج بعددٍ قليلٍ من الرجال، ويجد أمامه خصمًا عنيدًا، وتمضي الأيام وتنتهي إلى أن ينصره الله ، ويُصبح الأمر في يديه.
ثم نقف وقفةً بسيطةً لنرى هَلْ طبَّق ما كان يقول، نعم، لقد طبَّق ذلك فعلًا، فإنه كان يسعى إلى نصرة دين الله، وإلى العناية بعلم الشريعة الإسلامية، كان يَهُبُّ لنُصْرة كل مسلمٍ في كل مكانٍ، كانت هذه البلاد مَأوًى يؤوي إليها أيُّ مسلمٍ يُضْطهد في كل مكانٍ، وكان إذا سمع صرخةَ مسلمٍ، كان مَنْ أول من يَهُبّ.
وهكَذا صارت هذه البلاد على هذا المنهج الرشيد، وهذا المسلك الحميد منذ أن قامت هذه الدولة في طورها الأول عندما تعاهد الإمام محمد بن سعود مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب على العناية بهذه العقيدة السَّلفيَّة الطَّاهرة، فوقف السيف إلى جانب الكتاب، ونصر اللهُ الحقَّ، ولا نزال ننهل من آثار هذه الدعوة السَّلفيَّة التي قَادَها الشيخ مُحمَّد بن عبد الوهاب، والَّتي انتهت إلى هذه الدولة الكريمة.
فَنَسْأل اللَّهَ أن يُدِيمَ الأمنَ والاستقرارَ في هذه البلاد، وفي سائر بلاد المسلمين عمومًا.
وَإنَّما أَقُولُ هَذَا؛ لأُريَك درسًا حيًّا عمليًّا عن تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة، ولو أنَّ المسلمين رجعوا إليها، وطبَّقوها في كل أحوالهم،
стр. 50
لوجدوا السعادة كلَّ السعادة، وهي التي بها انتصرت القرون الأُولى وفازت.
سببُ اختيار كتاب: "بداية المجتهد":
قُمْنا باختيار هذا الكتاب، لأنه إنما يُعْنى بالمسائل الكبرى، ونعني بالمسائل الكبرى: أمهات المسائل، وهي المسائل التي تقرب من القواعد الفقهية.
والقواعد الفقهية هي واسطةٌ بين "أصول الفقه"، وبين "الفروع الفقهية".
فالأصول: هي الموازين التي يحتاج إليها المجتهد حتى لا يَتِيهَ ولا يضلَّ.
والقواعد الفقهية: هي حكمٌ كليّ ينطبق على جزئياته أو معظمها لتُعْرف أحكامها منه، فأنتَ عندما تَعْرف الأَحْكَام الكبرى، تجد أنَّ ذلك مدخلًا سَيَقُودُك إلى أن تَعْرف تلك الجزئيات، لأنَّك إذا أَلْمَمْتَ بتلك الأُصُول، وتلك الأحكام الكبرى، فإنَّ ذلك سيقرب عليك المسائل الصغرى، وسَتَرى نماذج من ذلك - إن شاء الله - عند التطبيق، وخاصةً عندما ندرس المسألة المتعلقة بالنِّيَّة، لنرى أن المؤلفَ أشار إلى جزءٍ واحدٍ منها فقط، ألَا وهُوَ أصل هذه المسألة، لكن ما يتفرَّع عنها من مسائل هو لم يتعرض له، وهكذا …
منهج كتاب: "بداية المجتهد":
لهذا الكتاب مناهج عِدَّة أُنبِّه عليها حتى نكون على طريقٍ واضح:
المؤلف في غالب كتابه يتفق مع غيره من المؤلفين، ولكنه اختار لنفسه منهجًا انفرد به.
الاصطلاح الأول: يقول: أقصد بالحديث الثابت ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، أو ما رَوَاه أحدهما.
стр. 51
والمعروف أن الحديث الثابت هو ما صحَّ عن رسول الله ﷺ ، فقد يكون في "الصحيحين"، أو في غيرهما؛ كأحد السنن، أو المسانيد أو كتب الصِّحاح الأُخرى، أو في غير ذلك من كتب السُّنَّة الكثيرة المنتشرة المعروفة.
وهَكَذا اصطلح عليه، ولا مشاحَّة في الاصطلاح، ولكن لا يَلْزم من هذا أن غير هذه الأحَاديث غير صَحيحَةٍ.
الاصطلاح الثاني: يقول: إذا قلت: "الجمهور"، فأقصد بذلك الأئمة الثلاثة أو في مقدمتهم الأئمة الثلاثة.
يَرِدُ هنا سؤال، لماذا لا يذكر المؤلف الإمام أحمد؟ هل هناك سببٌ من الأسباب؟
للعلماء آراء، والعلةُ واضحةٌ نبَّه عليها المؤلف، ولا ينبغي أن تتلمس علةً من العلل أو سببًا من الأسباب في غير كلام المؤلف أو فعله، فإنه يقول: وقد عَوَّلْتُ على نقل المذاهب على آراء العلماء من كتاب "الاستذكار" لابن عبد البَر، وكتاب "الاستذكار" من المدونات الضخمة، وقد أصبح مطبوعًا منذ سنة تقريبًا، فالمُؤلِّف هنا يُعَوِّلُ في نَقْل المَذَاهب على هذا الكتاب.
وكتاب "الاستذكار" كثيرًا ما يَتْرك ذِكْرَ الإمام أحمد، فهل ابن عبد البر ممَّن يعدُّون الإمام أحمد من المحدِّثين وليس من الفقهاء؟
هكذا يصطلح البعض، وأنا أُخَالفهم في هذه المسألة، لا أقول: إن أولئك لا يعتبرون الإمامَ أحمدَ من الفقهاء؛ لأنهم لو اعتبروا ذلك لكان زورًا من القول، لكنهم يعتبرون أن الإمام أحمد اشتهر بعلم الحديث، فَكَان من أكابر علمائه، وكان من أوائل مَنْ يُرْجع إليهم فيه؛ ولذلك قالوا: هو مُقدَّمٌ في علم الحديث، فَجَعلوا الفقه مرحلةً ثانيةً.
وهذا نُقِلَ عن ابن جريرٍ الطبري ﵀؛ فهو في كتابه "اختلاف الفقهاء" المعروف، وهو كتابٌ مطبوع، لم يذكر الإمام أحمد ﵀.
стр. 52
وابن عبد البر ﵀ في كتابه: "الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء مالك والشافعي وأبي حنيفة"، فسماهم: مالكًا والشافعي وأبا حنيفة؛ ولم يذكر الإمام أحمد ﵀.
والمؤلف لم يصرح بأنه يرى هذا الرأي، ولكنه يقول: عَوَّلْتُ في نقلي المذاهب على كتاب "الاستذكار" لابن عبد البَر، ومَنْ أراد أن يعرف حقيقة الأمر، وأن المؤلف لا يقصد أن الإمام أحمد ﵀ ليس من الفقهاء، فَلْيَنظر إلى هذَا الكتاب؛ فإنَّ المؤلِّف يَذْكره في مواضعَ كثيرةٍ، إذا وجد رأي الإمام أحمد ﵀، دَوَّنه في كتابِهِ.
إذًا؛ هو لا يرَى هذا الرأي، فلماذا نُلْزمه رأيًا يعمل على خلافِهِ؟
وهَذِهِ أيضًا مسألةٌ مهمةٌ جدًّا من مسائل هذا الكتاب.
وَأَهَمُّ ما أريد أن أُنبِّه علَيه:
أنَّ هذا الكتابَ لا يفهم طُلَّاب العلم أنهم إذا دَرَسوه كانوا من حُفَّاظ الفقه؛ فإنَّ من أوسع كتب الفقه ومن أهمها كتاب: "المغني" لابن قدامة، ومع ذلك فإنَّ كتاب ابن قدامة لم يَسْتقصِ كل مسائل الفقه، وإنْ كان قد حوى أكثرها، لكنه ما شملها جميعًا.
وكذلك كتاب: "المجموع" للنووي بِتَتِمَّاته، لم يحوِ كُلَّ الفقه.
وعليه، لا تَسْتطيع أن تقول بأنَّ كتابًا واحدًا قد حوَى كل مسائل الفقه.
نعم، أقول لك: لو قرأت كتاب: "المغني" لابن قدامة، لألممتَ بالفقه؛ فهذا كلامٌ صحيحٌ؛ لأنك أخذتَ أهمَّ أصولِهِ، وأهمَّ فروعِهِ، ولم يفتك إلا القليل، وكَذَلك "المجموع".
وَلَكن ليسَ مَعْنى هذا التقليل من شأن كتاب ابن رشد الذي معنا؛ فهو يمتاز بميزةٍ يَنْدُرُ وُجُودها في بعض الكتب، بل إنَّه اصطلح بعض
стр. 53
العلماء على تسميته بكتاب: "القواعد الفقهية"؛ لأنه يُعْنَى بأُمَّهات المسائل.
والآن نبدأ في هذا الكتاب، ونسأل الله أن يعيننا.
* * *
قال الشيخ الإمام محمد بن أحمد بن رشد الحفيد في كتابه: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد":
(كِتَابُ الطَّهَارَةِ مِنَ الحَدَثِ)
قول المؤلف: "كِتَابُ الطَّهَارَة": مرادُهُ أن هذا كتابٌ تُذْكر فيه الأحكام التي يُبْحث فيها ما يتعلق بالطهارة.
قوله: "كِتَاب": المادة اللُّغوية: (كَتَبَ)، جمَعت حروفًا ثلاثةً: (الكاف، والتاء، والباء)، وهذه الحروف جمعت من الحروف الهجائية المعروفة، فالكاف من الحروف المتأخرة، والباء هي الحرف الثاني، ثم يليها بعد ذلك التاء، فنجد مادتها: "كَتَبَ يَكْتُبُ كِتَابًا وكِتَابةً"، و (كتابة) مصدر، و (كتابٌ) مصدر أيضًا.
والكتابة: مأخوذةٌ من الكَتْبِ، وهو الجمعُ والضَّمُّ، فأنتَ عندما تُرِيدُ كتابة رسالة، فإنَّك تأتي بحروفٍ عدةٍ، فتَجْمعها، ثمَّ تضم بعضها إلى بعضٍ، ومن ذلك: الكتيبة، كتيبة الخيل، ويقال: تَكَتَّبَ القوم إذا اجتمعوا.
والكتاب اصطلاحًا: هو الموضع الذي يُذْكر فيه جملة من الأحكام.
وليس ذلك خاصًا بالطهارة؛ فهناك كتاب الصلاة و … و … ، والكتاب يَحْوي جملةً من الأبواب، والبابُ هو المدخلُ إلى الشيء، فيُقَالُ: باب المسجد؛ أي: المنفذ الذي يُوصلك إلَى المسجد، وباب الدَّار الذي يوصلك إلَيْها، وهكَذا … وَكلّ منهما يَشْتمل على جُمْلةٍ من المَسَائل العلميَّة.
стр. 61
تعريف الطهارة:
الطهارةُ لها معنيان:
* معنى لُغَوي.
* ومعنى شرعي.
فأمَّا معناها اللُّغوي: فهي النظافة والنَّزَاهة، يقال: فلان تَطَهَّرَ (١).
وَأمَّا مَعْناها الشرعي، فهو على قسمين:
١ - معنًى حسِّي.
٢ - ومعنًى معنوي.
فَالمَعْنى المَعنوي: هو تَطْهير القُلُوب من أجناس الشِّرك والمعاصي وغَيْرهما، وهذا علَى أحد تفسيرات حديث: "الطهور شطر الإيمان" (٢)، وقَوْل الله : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] (٣).
وأمَّا المَعْنى الحسِّي: فهناك تَعْريفاتٌ مختلفةٌ للعلماء، ونحن لا نريد أن نَسْتقصي الأقوال، ولا أن ندخلَ في تفصيلاتها، أَوْ في التعليق عليها، أو نَقْدها، أو في ذِكْرِ ما يرد عليها من اعتراضاتٍ، لكننا نختار شيئًا من
стр. 62
التعريفات، فمنهم مَنْ يقتصر على تعريفٍ موجزٍ، كالإمام النووي في كتابه: "المجموع"؟ فيقول: "رَفْع حدثٍ، أو إزالة نجسٍ، أو ما في معناهما أو على صورتهما" (١).
ومنهم مَنْ يقول: "رَفْعُ ما يمنع الصلاة، وَمَا في معناها من حَدَثٍ أو نجاسةٍ بالماء، أو رَفْع حكمه بالتُّراب" (٢).
• وقوله: (كِتَابُ الطَّهَارَةِ):
اعْتَاد الفُقَهاءُ أَوْ جُلُّهم أن يَبْدؤوا بكتاب الطهارة؛ لأنه لَمَّا كانت الطَّهارةُ شرطًا في صحة الصَّلاة، وهي مقدَّمةٌ عليها في الترتيب العملي؛ قدَّمها العلماء ﵏، فقُدَّمت الطهارة؛ لأنها مدخل وطريق ومقدمة لكتاب الصلاة.
أهمية الطهارة في الإسلام:
أَثنَي الله على المتطهرين، قال الله سبحانه: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨].
وقال ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وفي الحديث الذي رَوَاه مسلمٌ في "صحيحِهِ" أن الرسول ﵊ قال: "الطهور شطر الإيمان" (٣)، فالطهارة لها مكانة عظيمة.
стр. 63
• قوله: (فَنَقُولُ: إِنَّهُ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ طَهَارَتَانِ: طَهَارَةٌ مِنَ الحَدَثِ، وَطَهَارَةٌ مِنَ الخَبَثِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ مِنَ الحَدَثِ ثَلاثَةُ أَصْنَافٍ: وُضُوءٍ، وَغُسْلٌ، وَبَدَلٌ مِنْهُمَا وَهُوَ التَّيَمُّمُ، وَذَلِكَ لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ آيَةَ الوُضُوءِ الوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ، فَلْنَبْدَأْ مِنْ ذَلِكَ بِالقَوْلِ فِي الوُضُوءِ).
وقوله: "اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ": سَنَرى خلافًا في أكثر المسائل بين العلماء؛ لأن ما هو مجمعٌ أو متفقٌ عليه قليلٌ، وليس هذا لتقصير العلماء، بل إنَّ العلماءَ يُمحِّصون تلك المسائل، ولكلٍّ منهم وجهة هو موليها، فقد يبلغ هذا نصٌّ ولا يبلغ الآخر، وقد يبلغهم جميعًا هذا الحديث، فيفهمه هذا على فهمٍ، ويفهمه الآخر على فهمٍ، وقد يكون هذا الحديث قد نسخه ناسخٌ ولا يعَلم عنه هذا، وقد يكون هَذا الحديث فيه ضعفٌ، فيُدْركه أحد العلماء، ولا يدركه الآخر، وقد يصح عند بعضهم، ولا يصح عند الآخر، لكن ما نريد أن نحققه في هذه الدراسة أن نسعى إلى الحقِّ من أقرب طريقٍ وأهداه، فلا ينبغي أن يدفعنا الميل إلى إمامٍ من الأئمة أن نُؤيِّد رأيه دائمًا، وأن نقول: هذا هو الحق، ولا ينبغي أن نخرج عن قولِهِ، بَلْ هذا هو الخطأ في الحقيقة؛ لأن هذا الاندفاع هو الذي قد يُوقع بعض العلماء، والرسول ﵊ أشَار إلى فرقةٍ من هذه الأمة، ألا وهم الخوارج، وهُمُ الذين قال فيهم: "تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَؤونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ" (١)؛ لأنهم لَمْ تكن دراستُهُم للعلم دراسةً فقهيةً، ولكن غلب عليهم الغُلُو والاندفاع، فوقعوا فيما وقعوا فيه حتى وصل بهم الأمر وبغيرهم أيضًا إلى أن أنْكَروا جوانبَ من سُنَّة الرسول ﷺ ، والرسول ﵊ قَدْ توقع هذا الأمر، وَحذَّر منه، قال: "لا ألفينَّ أَحَدكم متكئًا على أريكته -يعني: جالسًا على
стр. 64
سريره - يأتيه الأَمْرُ من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وَجَدنا في كتاب الله اتبعناه" (١).
وأليسَ مَا في سُنَّةِ الرَّسُول ﷺ إنَّما هو مُتَمِّمٌ ومُوَافقٌ لِمَا في كتاب الله ؟!
إذًا، لماذا يُؤْخذ بهذا، ولترك هذَا، والله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]؟
فالعِصْمةُ للمؤمن، ولطالب العلم في مقدمة ذلك أن يكون طريقُهُ واضحًا، ملتزمًا قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
قوله: "أَنَّ الطَّهَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ طَهَارَتَانِ":
إحداهما: "طَّهَارَة مِنَ الحَدَثِ": وَهي المَعْروفة فقهًا بـ"الطهارَة الحكميَّة"؛ لأنَّ الإنسانَ إذا طهَّر نفسَه من بولٍ أو ريحٍ؛ كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﵊ في الحديث: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا" (٢).
فإذا ما انتقض وضوء الإنسان، فإنه حِينَئذٍ يجب عليه إذا أراد أن يؤدي عبادةً من العبادات التي تَكُونُ الطهارةُ شرطًا فيها؛ يجب عليه أن يرفعَ ذلك الحدث … هذه نُسمِّيها طهارةً حكميةً؛ لأننا نرفع ذلك الحدث حكمًا، وهذا هو معنى الحدث.
و"الطَّهَارَة مِنَ الحَدَثِ" خَاصَّةٌ بالأبدان فَقَط، نَعْني بذَلكَ أنَّ السَّببَ الذي يُوجب الطَّهارة هو انتقاض الطَّهارة، هذَا نُسمِّيه سببًا موجبًا.
ثم هذَا السَّبب الذي أوجب الطهارةَ، ترتَّب عليه أمرٌ آخر: وهو المانع الذي يَمْنع المسلم من أن يؤدي ما تشترط الطهارة له من العبادات.
стр. 65
وعليه؛ فإنَّ الحدثَ لا يخرج عن واحدٍ من أمرين:
الأول: سبب الموجب، أي: ما يوجب الطهارة.
الثاني: مانع؛ أي: ما يمنع المسلم من أداء هذه الصلاة إلا أن يتطهر، وهو الذي أشار الله إليه في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ … ﴾ إلى آخر الآية [المائدة: ٦].
الطهارة الثانية: "وَطَهَارَةٌ مِنَ الخَبَثِ"، وَالخبث هو المستقذر، أعني: الأعْيَان المُسْتقذرة التي تَسْتقذرها النُّفُوس؛ كالفضلة التي تخرج من الإنسان، وهَذِهِ الطهارة تُعْرف بالطهارة من النجاسة.
والطهارة من الخبث لا تقتصر على البدن، فقَدْ تكون في البدن كبَوْلٍ، وقَدْ تكون في الثياب.
والدليل على ذلك: حديث عائشة ﵂ المتفق عليه عندما سألت الرسول ﷺ : إحدانا يُصيب ثوبها دم الحيض، ما تصنع فيه؟ فقال ﵊: "تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثمَّ تُصَلِّي فِيهِ" (١)، فهذا في طهارة الثوب.
وأما طهارة البقعة، فدَليلُهَا حديث الأعرابي المتفق عليه: "دَعُوه، وَهَريقوا على بوله سجلًا من ماء"، أو: "ذَنوبًا من مَاءٍ" (٢).
* * *
стр. 66
[كتاب الوضوء]
• قوله: (فَنَقُولُ: كِتَابُ الوُضُوءِ).
المؤلف ﵀ قد تحدث عن الطهارة في الأصل، فقال: "كتَاب الطَّهَارَةِ"، ولم يقل: "كتاب الوُضُوء"؛ لأنَّ الوُضُوءَ يمثل جانبًا واحدًا من الطهارة، فهناك الغسل، وهناك ما هو بدلٌ منهما ألا وهو التيمُّم ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
وفي الحديث الصحيح: "الصَّعيد الطيب وضوء المسلم ولَوْ إلى عشر سنين، فإذا وجدتَ الماءَ، فأمسَّه جلدَك، فإنَّ ذلك خيرٌ" (١).
ومن مصطلحات كتاب الطهارة:
١ - الطُّهور؛ فالفقهاء اصطلحوا في الغَالب على أنَّ الطَّهور - بفتح الطاء - يُقْصد به ما يُتَطَهَّر به، وهو المَاء، وَالطُّهور - بضم الطَّاء - إنَّما يُقْصد به الفعل، أَيْ: فعل الطهارة.
فالمتوضئ إذا أراد الوضوء، يُحْضر الماء، فهذا الماء الذي بين يديه يسمَّى بالطَّهُور، لأنه الماء الذي سوف يستخدمه في طهارته.
٢ - وكذلك مثل الطَّهور تمامًا: الوَضوء - بالفتح - وهو ما يُتَوَضَّأ به، أي: الماء، والوُضوء - بالضَّمِّ - إنَّما هو فعل الوُضُوء، وقَدْ يطلق
стр. 67
العكس على ذلك، وقَدْ يكون الطهور صالحًا للأمرين، كلُّ ذَلكَ ورَد في اللُّغة.
وَالوَضُوء إنَّما سُمِّي بالوَضوء، لما فيه من الوَضاءة، لأنه ينظف أعضاء الجسم إلى جانب تطهيرها، والعناية بها.
• قوله: (إِنَّ القَوْلَ المُحِيطَ بِأُصُولِ هَذِهِ العِبَادَةِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ).
يَهْدُفُ المؤلف بقوله هذا أمرًا مهمًّا؛ فإنَّ المؤلفَ لا يقصد في هذا الكتاب أن يدرسَ الجزئيات، وإنما يريد أن يدرس - كما ذكر في مَوَاضعَ مُتَفرقةٍ من الكتاب - المسائلَ التي نَطَق بها النصُّ التي جَاءَتْ منطوقًا بها في آيةٍ أو حديثٍ، أو فيما هو قريبٌ من النصِّ؛ أي: أن المسائل الاجتهادية لا يذكرها المؤلف إلا استطرادًا بأن تأتي ضمن هذه المسائل.
وقوله: "بِأُصُولِ هَذهِ العِبَادَةِ".
يقصد بها الطهارة، فهو لا يذكر إلا القليل من المسائل.
وأنا أقول: لو أن أحدًا مَارَس دراسة الفروع الفقهية، وضَمَّ إلى ذلك القواعد الفقهية؛ لاستطاع - بحَول الله وقوَّته - أن تَقْرُب أمامه تلك المسائل، وأن تَنْدرج - إن لم تكن جميعها فأكثرها - تحت تلك الأصول أو تلك الأحكام الكليَّة الَّتي هي القواعد الفقهية، وقد جرَّبنا ذلك وعرفناه تمامًا.
ولذلك، اهتمَّ العُلَماءُ بالقواعد الفقهية" لأنهم قالوا: تضبط للفقيه أصول المذهب، وتُطْلِعه من مآخِذِ الفِقْهِ على ما كان عنه قد تغيَّب، وتنظم له منثور المسائل في سلكٍ واحدٍ، وتقرب له ما شرد منها (١)، فَهِيَ
стр. 68
تَجْمعها، وتُقرِّبها إليك، وهذا التقريب إنما يَلْتقي تحت لوَاء هذِهِ المسائل الكُبْرى.
ولَا يَنْبغي أَنْ يملَّ طَالِبُ العِلْمِ من هذا التوسُّع الذي أسلكه؛ لأنَّنا نريد أن نُبَيِّن هذا الكتاب؛ لأن غالبَ الَّذين أرادوا دراسة هذا الكتاب أَرَادوا أن يعرفوا ما في هذا الكتاب من معانٍ وألفاظٍ، وهذا ما نسعى إليه.
• قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: فِي الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِهَا، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ، وَمَتَى تَجِبُ، الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ أَفْعَالِهَا. الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا بِهِ تُفْعَلُ وَهُوَ المَاءُ. الرَّابِعُ: فِي مَعْرِفَةِ نَوَاقِضِهَا. الخَامِسُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَشْيَاءِ الَّتِي تُفْعَلُ مِنْ أَجْلِهَا).
فـ"البَابُ الأَوَّلُ"، ينحصر في أمورٍ ثلاثةٍ:
الأول: فِي الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ الطَّهَارَة.
والثاني: عَلَى مَنْ تَجِبُ هَذِهِ الطَّهَارة؟
والثالث: مَتَى تَجِبُ؟
نَقُولُ: إنَّ الطهارةَ واجبة، وأنَّ الوضوء يمثل قسمًا منها، وهو واجبٌ.
* * *
[الباب الأول: في ذكر أدلة وجوب الوضوء]
قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: فَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِا: فَالكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ، أَمَّا الكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
стр. 69
الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، فَإِنَّهُ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ امْتِثَالَ هَذَا الخِطَاب وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ إِذَا دَخَلَ وَقْتُهَا).
ذكر المؤلف الأدلة؛ فاستدل بقول الله في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، فنجد أن هذه الآية ذكرت أنواع الطهارة الثلاثة: الوضوء والغسل، وذكرت البدل منهما: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وهو التراب الطيب.
وهَذِهِ الآيةُ ذَكرَتْ جملةً من فَرَائض الوُضُوء في أوَّلها، وَجَاءت بصِيغَةِ الأَمْر، والأَمْرُ يَقْتضي الوجوبَ.
والمُؤلِّفُ لم يُبيِّن هنا وجه الدلالة منها، ووجه الدلالة مهمٌّ، وإنما يعتني بذكر سبب الخلاف.
ووجه الدلالة منها: أن هذه الآية أمرت بالوضوء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وأمرَتْ بذَلكَ أمرًا جازمًا، ولا يُوجَد ما يَصْرف عن ذَلكَ؛ هذه الآية تدلُّ على وُجُوب الوضوء.
وهناك مسألةٌ مهمةٌ تكلَّم عنها العلماء، ولم يتكلَّم عنها المؤلف؛ هي: هَلْ هذِهِ الآية تبقى على ظاهرها؟
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾: الظاهر منها أن الإنسانَ إذا أرَاد القيام إلى الصلاة، فَعَليه أن يتوضَّأ في أيِّ حَالٍ من الأحوال، يَعْني: يجب عليه أن يتطهَّر؛ سواء كان متطهرًا أوْ غير مُتَطهرٍ، فهَلْ هَذَا هو المراد فى الآية، أو أن هناك مقدرًا محذوفًا، أو أن هناك أمرًا آخر؟ هذه أمورٌ ثلاثةٌ لم يُنبِّه عليها المؤلف.
стр. 70
بَعْض العلماء قالوا: إن الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، ليست على إطلاقها، بَلْ هناك مقدرٌ محذوفٌ هو: "مُحْدثين"؛ (إذا قُمْتم إلى الصَّلاة مُحْدثين)، هَذَا هو القولُ الأولُ، وهَذَا قول أكثر العلماء (١).
ومن العلماء مَنْ قال: إنَّ الآيةَ باقيةٌ على عُمُومها، ولا نَحْتَاج إلى تَقْديرٍ فيها، أَيْ: لا نحتاج إلى تقديرٍ محذوفٍ، لأنَّ هذه زيادة، ولكن نُبْقيها على أصلها، وَينْبغي أن نفرِّق بين القائم يقوم محدثًا، وبين القائم يقوم متطهرًا، فالأولُ المُحْدثُ يجب علَيه أن يتطهَّر، والثَّانِي: لا يجب عليه، وإنَّما يُشْرع له أو يُنْدب؛ لأنه يستحبُّ للإنسان أن يجدِّد الوضوء، ولا يلزمه (٢).
هناك قول ثالث: إن الوضوء عند القيام والصلاة كان واجبًا" أي: كانت الطهارة عند القيام إلى الصلاة واجبة، ولكن ذلك نُسِخَ (٣)، ثم يستدلُّون على ذلك بعدة أدلة، منها قولهم: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاةٍ، فلمَّا شقَّ علَيه الأمر، وُضِعَ عنه (٤)، أَيْ: كان رسول الله ﷺ يتوضأ
стр. 71
لكل صَلَاةٍ؛ محدثًا أو غير محدثٍ، فلمَّا شقَّ عليه ذلك، وُضِعَ عنه الوضوء، أعني: خُفِّف عنه الوضوء إلا من حَدَثٍ.
وكَذَلك يستدلُّون بحديث بُرَيدة الذي أخرجه مسلمٌ في: "صحيحه"، وهو حديثٌ معروفٌ مشهورٌ: أن الرسول ﷺ كان يتوضَّأ لكلِّ صلاةٍ، فلمَّا كان يوم الفتح (يعني: يَوْم فتح مكة)، توضأ وضوءًا واحدًا، فاستغرب عمر ﵁، فقال: يا رسول الله، إنك فعلتَ شيئًا لم تكن تفعله، فقال رسول الله ﷺ : "عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ" (١)؛ أَيْ: لبَيَان الجَوَاز (٢).
فقالوا: إنَّ الأمر كان واجبًا (يعني: كان الوضوء واجبًا) عند القيام إلى الصلاة، ثم نُسِخَ ذلك الحكم.
نَقُولُ: الآيةُ تَدلُّ على أنه يتوضَّأ المسلم عندما يريد القيام إلى الصَّلاة، وقَدْ دلَّت أدلةٌ أُخرى على أنَّ هذا الوجوبَ إنما ينصرف على المحدث، "أما غير المحدث، فلا يَلْزمه.
إذًا، هَذَا هو الدليل الأول، وهو الدليل من الكتاب.
• قوله: (وَإمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُهُ ﵊: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ" (٣)).
وبعضهم يرويه: "بِغَيْرِ طُهُورٍ"، بِضَمِّ الطاء.
هَذَا الحديثُ بيَّن أنه لا بدَّ من الوضوء للصلاة، بل التطهُّر لها
стр. 72
عمومًا؛ سَوَاء كان ذَلكَ في الطهارة الصُّغرى الَّتي هي الوضوء، أو الطهارة الكُبْرى التي هي الغسل، وإن فقد ذلك، فالتيمُّم بدل منهما.
"وَلا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ": الغالُّ هو الخائن الذي يسرق من الغنيمة قبل قسمتها، وقد تَوعَّده اللهُ ، وتوعَّده رسول الله ﷺ .
قَوْله: (وَقَوْلُهُ ﵊: "لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" (١)).
"لَا" نافية للجنس، و"يقبل" فعل مضارع؛ فجملة "لا يَقْبل الله": تَنْفي الصِّحَّة والإجزاء؛ أَيْ: نَفَتْ صحَّة صلَاة المحدث حتَّى يَتَوضَّأ، "إذا أحْدَثَ"، أيْ: إذا وُجِدَ منه الحدث "حتَّى يتوضأ"؛ حتى يقع منه الوضوء.
فَدلَّ ذَلكُمُ الحَديث المتفق عليه على أنَّ الصَّلاة لا تصحُّ إلا بالطهارة.
• قوله: (وَهَذَانِ الحَدِيثَانِ ثَابِتَانِ عِنْدَ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، وَأَمَّا الإِجْمَاعُ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ خِلَافٌ لَنُقِلَ، إِذِ العَادَاتُ تَقْتَضِي ذَلِكَ).
أَجْمَع العُلَماءُ علَى وُجُوب الطهارة، ولم يُنْقَل عن أَحَدٍ منهم خلافٌ في ذلك، لكن شَذَّ بعض العُلَماء فيما يتعلق بصلاة الجنازة، وسيأتي الكلام عنها - إن شاء الله - في موضعِهِ.
نقول: الدَّليل على وجوب الوضوء من الكتاب والسُّنة والإجماع، وبعضُ العلماء يسلك مسلكًا آخر، فيقول: الدليل على وجوب الوضوء هو النقلُ والعقلُ.
فيعتبرون النقل: ما جاء في الكتاب والسُّنة، ويُلْحقون بِهِما الإجماع، ثمَّ بعد ذلك يلحقون بهما العقليَّات والأقيسة، ولكنَّ المسألة لا تحتاج إلى
стр. 73
قياسٍ؛ لأن المسألةَ وَرَدتْ نصًّا في كتاب الله ؛ أَعْني: الآية المذكورة، ثمَّ الأحاديث.
مسألة: الوضوء على الوضوء:
تَجْديدُ الوُضُوء مُسْتحبٌّ ليس واجبًا، فلا يجب على المسلم أن يتوضأ لكل صلاة، لكن إذا أراد أن يتوضأ، فهذا من باب الطاعات، والله تعالى يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨].
• قَوْله: (وَأَمَّا مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، فَهُوَ البَالِغُ العَاقِلُ، وَذَلِكَ أَيْضًا ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ. أَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﵊: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ … فَذَكرَ الصَّبِيَّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَالمَجْنُونَ حَتَّى يُفِيقَ" (١)، وَأَمَّا الإِجْمَاعُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ).
البالغِ العاقل؛ لأنَّ الرَّسول ﵊ قال: "رُفِعَ القَلمُ عن ثلَاثةٍ: عن النائم حتَّى يستيقظَ، وعن الصبيِّ حتى يَحْتلم، وعن المَجْنون حتى يعقلَ"، فالرَّسُولُ ﵊ أخبر برَفْع القلم عن هؤلاء الثلاثة؛ ولو أنها أُوجبَت عليهم لكان في ذلك وَضْع القلم عليهم، وهذا خلاف ما أخبر به الرسول ﷺ .
• قوله: (وَاخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ: هَلْ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِهَا الإِسْلَامُ أَمْ لَا؟).
قَدْ يَرِدُ هنا سؤالٌ، فيُقَال: كيف يُشْترط في الطهارة الإسلام، والله تعالى يقول عن الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
فلَا خلَافَ بَيْن العلَماء بأنها تَجبُ على المسلم البالغ العاقل، وَقَضيَّة الإسلام سيُنبِّه المُؤلِّف على أَمْرٍ مهمّ فيها، وسنُفَصِّل القولَ إنْ شَاءَ الله.
стр. 74
إذن؛ تجب على كل مسلمٍ؛ لأن الكافرَ لا تصحُّ منه.
• قوله: (وَهِيَ مَسْأَلَةٌ قَلِيلَة الغَنَاءِ فِي الفِقْهِ؛ لِأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الحُكْمِ الأُخْرَوِيِّ).
معنى "قَلِيلَة الغَنَاءِ": قليلة الفائدة في الفقه، وهو لا يريد أن هذه القضية التي تكلم عنها العلماء، وَفصَّلوا القولَ فيها، لا فائدة منها، لكنه يريد أن يقول: إنَّ فائدتها في الفقه غير ظاهرةٍ؛ لأنَّ العلماء يذكرون قاعدةً مهمةً: "هَل الكُفَّار مُخَاطبون بفُرُوع الشَّريعة؟ ".
فالكُفَّار - لا شكَّ - مخاطبون بالإيمان؛ لأنَّ كل مخلوق مخاطب بهذا الإيمان، فالإنسانُ إنما خُلِقَ في هذا الكون ليؤمنَ بالله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧]، والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه …
فَالكَافرُ مُطَالبٌ بأُصُول هذِهِ الشَّريعة، لَكن الله تَعالَى يَقُولُ: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، فَهَلْ يُطَالَب بفُرُوع هذه الشَّريعة؛ كالطهارة، والصلاة، والزكاة، والحجِّ، والصيام، وغَيْر ذلك من الأمور الأُخرى، أو أنه لا يُطَالب بذلك؟
هَذِهِ المسألةُ يَذْكرها الأُصُوليُّون في كُتُبهم، والفقهاء في علم القواعد الفقهية؛ فإذا نظرنا إليها من ناحية الحكم قلنا: هي قاعدةٌ أصوليةٌ، ولَوْ نَظَرنا من حيث أفعال المُكلَّفين لقلنا: هي قاعدةٌ فقهيةٌ.
ومن أدقِّ الأمور أن يفرق الإنسان بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية.
إذًا، متى تكون قاعدةً فقهيةً؟
تكون قَاعدةً فقهيَّةً عند طَائِفَةٍ من العلماء الذين يَقُولون بأن الكفَّار مخاطبون بفروع الشريعة، فإذا قلنا بأنهم مخاطبون بفروع الشريعة، معنى هذا أننا نطالبهم بالفروع، وليس معنى قول الفقهاء: إنَّ الكفار مخاطبون
стр. 75
بفروع الشريعة أنه إذا أسلم الكافر نقول له: تعالَ فتطهر، وصلِّ ما فاتك، لا، فإنَّ الله قد بيَّن أنه قد تجاوز عن هذا الأمر، والرسول ﵊ بيَّن أن الإسلامَ يَجبُّ ما قبله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وهذا مما يرغب في الإسلام بخلاف ما لو طلب من الكافر أنه إذا أسلم يُطَالب بمثل هذه الأمور، هذا قد يكون حاجزًا وسدًّا في سبيل وُصُوله إلى الإسلام، لَكن هَذَا لَا يُطْلب منه.
وجُمْهور العلماء يقولون بأن الكفارَ مُخَاطبون بفُرُوع الشريعة، والحنفية يقولون: غير مخاطبين.
ومن العلماء مَنْ يقول بأنهم مخاطبون بالنواهي، ومنهم مَنْ يقول: مخاطبون بالأوامر، ومنهم مَنْ يقول: مخاطبون بالأوامر إلا الجهاد، ومنهم مَنْ يتوقف في هذه المسألة، لَكِنِ القولان المشهوران هما: الأوَّل: قول الجمهور بأنَّهم مخاطبون، والآخر: أنهم غير مُخَاطبين.
• قوله: (لأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الحُكْمِ الأُخْرَوِيِّ).
قَصْد الفقهاء ﵏ الذين يقولون بأنَّ الكافرين مُخَاطبون بفُرُوع الشَّريعة؛ أي: من الناحية الأُخروَّية، ولذلك قال المؤلف ﵀: "لأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الحُكْمِ الأُخْرَوِيِّ".
والمراد بـ"الأَمْر الأُخْرَوي": أن الكافرَ يُضَاف إليه إلى جانب تعذيبه عن تَرْك الإيمان أنه يُعذَّب كذلك على ترك ما أوجبه الله عليه من صلواتٍ وزكواتٍ وغيرها، وَيسْتَندون إلى قول الله : ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٦]، فَجَعل من أسباب تعذيبهم أنهم تَرَكوا بعض الواجبَات.
إذَنْ، قَالُوا: نحن نَقُولُ بأنهم مُكلَّفون، ولا نُطَالبهم بعد الإسلام بأن يأتوا بمثل هذه الأعمال، أو بما يَتَرتب عليها، ولكنَّنا نريد أن نقول بأنه