فتسامعت به القبائل، وأتته البربر من كلّ مكان، وعظم أمره حتى أنّ كتامة اقتتلت عليه مع قبائل البربر، وهو لا يذكر اسم المهدي ولا يعرّج عليه. فبلغ خبره إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقيّة، فقال أبو عبد اللّه لكتامة: أنا صاحب البذر الذي قال لكم أبو سفيان والحلواني.
فازدادت محبّتهم له، وعظم أمره فيهم، وأتته القبائل من كلّ مكان. وسار إلى مدينة تازروت (¬a) (١)، وجمع الخيل، وصيّر أمرها للحسن بن هارون كبير كتامة، وخرج للحرب فظفر وغنم، وعمل على تازروت (¬a) خندقا. فرجعت إليه قبائل من البربر وحاربوه، فظفر بهم وصارت إليه أموالهم، ووالى الغزو فيهم حتى استقام له أمرهم، فسار وأخذ مدائن عدّة.
فبعث إليه ابن الأغلب بعساكر كانت له معهم حروب عظيمة وخطوب عديدة، وأنباء كثيرة آلت إلى غلب أبي عبد اللّه وانتشار أصحابه من كتامة في البلاد، فصار يقول: «المهدي يخرج في هذه الأيّام ويملك الأرض، فياطوبى لمن هاجر إلىّ وأطاعني». وأخذ يغري النّاس بابن الأغلب، ويذكر كرامات المهدي وما يفتح اللّه له، ويعدهم بأنّهم يملكون الأرض كلّها.
وسيّر إلى عبيد اللّه بن محمد رجالا من كتامة ليخبروه بما فتح اللّه له، وأنّه ينتظره. فوافوا عبيد اللّه بسلميّة من أرض حمص، وكان قد اشتهر بها، وطلبه الخليفة المكتفي، ففرّ منه بابنه أبي القاسم وسار إلى مصر، وكان لهما قصص مع النّوشري عامل مصر حتى خلصا منه، ولحقا ببلاد المغرب.
وبلغ ابن الأغلب زيادة اللّه خبر مسير عبيد اللّه، فأزكى له العيون، وأقام له الأعوان حتى قبض عليه بسجلماسة - وكان عليها اليسع بن مدرار - وحبس بها هو وابنه أبو القاسم.
وبلغ ذلك أبا عبد اللّه، وقد عظم أمره، فسار وضايق زيادة اللّه بن الأغلب، وأخذ مدائنه شيئا بعد شيء، وصار فيما ينيف على مائتي ألف، وألحّ على القيروان حتى فرّ زيادة اللّه إلى مصر، وملكها أبو عبد اللّه، ثم سار إلى رقّادة فدخلها أوّل رجب سنة ستّ وتسعين ومائتين، وفرّق الدّور على كتامة، وبعث العمّال إلى البلاد، وجمع الأموال، ولم يخطب باسم أحد.
فلمّا دخل شهر رمضان سار من رقّادة، فاهتزّ لرحيله المغرب بأسره، وخافته زناتة وغيرها
стр. 1647
وبعثوا إليه بطاعتهم، وسار إلى سجلماسة، ففرّ منه اليسع بن مدرار واليها، ودخل البلد فأخرج عبيد اللّه وابنه من السّجن، وقال: «هذا المهدي الذي كنت أدعوا له» (¬a). وأركبه هو وابنه، ومشى بسائر رؤساء القبائل بين أيديهما وهو يقول: «هذا مولاكم»، ويبكي من شدّة الفرح حتى وصل إلى فسطاط ضرب له فأنزل فيه، وبعث في طلب اليسع، فأدرك (¬b) وحمل إليه فضربه بالسّياط وقتله.
ثم سار المهدي إلى رقّادة، فصار بها في آخر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين. ولمّا تمكّن قتل أبا عبد اللّه وأخاه في يوم الاثنين للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين، فكان هذا ابتداء أمر الخلفاء الفاطميين (١).
/ وما زالت كتامة هي أهل الدّولة مدّة خلافة المهدي عبيد اللّه، وخلافة ابنه أبي (¬c) القاسم القائم بأمر اللّه، وخلافة المنصور بنصر اللّه إسماعيل بن القائم (¬d)، وخلافة معدّ المعزّ لدين اللّه بن المنصور؛ وبهم أخذ ديار مصر لمّا سيّرهم إليها مع القائد جوهر في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، وهم أيضا كانوا أكابر من قدم معه من المغرب في سنة اثنتين وستين وثلاث مائة.
فلمّا كان في أيّام ولده العزيز باللّه نزار، اصطنع الدّيلم والأتراك (٢) وقدّمهم وجعلهم خاصّته، فتنافسوا وصار بينهم وبين كتامة تحاسد، إلى أن مات العزيز باللّه وقام من بعده أبو عليّ المنصور الملقّب بالحاكم بأمر اللّه، فقدّم ابن عمّار الكتامي وولاّه الوساطة - وهي في معنى رتبة الوزارة - فاستبدّ بأمور الدّولة، وقدّم كتامة وأعطاهم، وحطّ من الغلمان الأتراك والدّيلم الذين اصطنعهم العزيز. فاجتمعوا إلى برجوان - وكان صقلبيّا وقد تاقت نفسه إلى الولاية - فأغرى المصطنعة بابن عمّار حتى وضعوا منه واعتزل عن الأمر، وتقلّد برجوان الوساطة، فاستخدم الغلمان المصطنعين في القصر، وزاد في عطاياهم وقوّاهم. ثم قتل الحاكم ابن عمّار وكثيرا من رجال دولة أبيه وجدّه، فضعفت كتامة، وقويت الغلمان.
стр. 1648
فلمّا مات الحاكم وقام من بعده ابنه الظّاهر لإعزاز دين اللّه عليّ، أكثر من اللّهو ومال إلى الأتراك والمشارقة، فانحطّ جانب كتامة، وما زال ينقص قدرهم ويتلاشى أمرهم حتى ملك المستنصر بعد أبيه الظّاهر، فاستكثرت أمّه من العبيد حتى يقال إنّهم بلغوا نحوا من خمسين ألف أسود، واستكثر هو من الأتراك، وتنافس كلّ منهما مع الآخر، فكانت الحرب التي آلت إلى خراب مصر وزوال بهجتها (١). إلى أن قدم أمير الجيوش بدر الجمالي من عكّا، وقتل رجال الدّولة، وأقام له جندا وعسكرا من الأرمن، فصار من حينئذ معظم الجيش الأرمن، وذهبت كتامة وصاروا من جملة الرّعيّة، بعد ما كانوا وجوه الدّولة وأكابر أهلها.
حارة الصّالحيّة
عرفت بغلمان الصّالح طلائع بن رزّيك، وهي موضعان: الصّالحيّة الكبرى، والصّالحيّة الصّغرى. وموضعهما فيما بين المشهد الحسيني ورحبة الأيدمري وبين البرقيّة. وكانت من الحارات (¬a) العظيمة، وقد خربت الآن، وباقيها متداع إلى الخراب (٢).
قال ابن عبد الظّاهر: الحارة الصّالحيّة منسوبة إلى الصّالح طلائع بن رزّيك، لأنّ غلمانه كانوا يسكنونها، وهي مكانان. وللصّالح دار بحارة الدّيلم كانت سكنه قبل الوزارة وهي باقية إلى الآن، وبها بعض ذرّيته. والمكان المعروف بخوخة الصّالح نسبة إليه (٣).
حارة البرقيّة
هذه الحارة عرفت بطائفة من طوائف العسكر في الدّولة الفاطمية يقال لها الطّائفة البرقيّة (٤) ذكرها المسبّحيّ.
стр. 1649
قال ابن عبد الظّاهر: ولمّا نزل بالقاهرة - يعني المعزّ لدين اللّه (¬a) - اختطّت كلّ طائفة خطّة عرفت بها. قال: واختطّت جماعة من أهل برقة الحارة المعروفة بالبرقيّة (١). انتهى.
وإلى هذه الحارة تنسب الأمراء البرقيّة.
ذكر الأمراء البرقيّة ووزارة ضرغام -
وذلك أنّ الصّالح طلائع بن رزّيك كان قد أنشأ في وزارته أمراء يقال لهم «البرقيّة»، وجعل ضرغاما مقدّمهم، فترقّى حتى صار صاحب الباب (٢)، وطمع في شاور السّعدي لمّا ولي الوزارة بعد رزّيك بن الصّالح طلائع بن رزّيك، فجمع رفقته، وتخوّف شاور منه، وصار العسكر فرقتين: فرقة مع ضرغام، وفرقة مع شاور. فلمّا كان بعد تسعة أشهر من وزارة شاور، ثار ضرغام في رمضان سنة ثمان وخمسين وخمس مائة، وصاح على شاور فأخرجه من القاهرة، وقتل ولده الأكبر المسمّى بطيّ، وبقي شجاع المنعوت بالكامل. وخرج شاور من القاهرة يريد الشّام كما فعل الوزير رضوان بن ولخشي، فإنّه كان رفيقا له في تلك الكرّة.
واستقرّ ضرغام في وزارة الخليفة العاضد لدين اللّه بعد شاور، وتلقّب ب «الملك المنصور».
فشكر النّاس سيرته، فإنّه كان فارس عصره، وكان كاتبا جميل الصّورة فكه المحاضرة عاقلا كريما، لا يضع كرمه إلاّ في سمعة ترفعه أو مداراة تنفعه؛ إلاّ أنّه كان أذنا مستحيلا على أصحابه، وإذا ظنّ بأحد (¬b) شرّا جعل الشّكّ يقينا وعجّل له العقوبة.
وغلب عليه مع ذلك في وزارته أخواه ناصر الدّين همّام وفخر الدّين حسام، وأخذ يتنكّر لرفقته البرقيّة الذين قاموا بنصرته وأعانوه على إخراج شاور وتقليده للوزارة، من أجل أنّه بلغه عنهم أنّهم يحسدونه ويضعون منه، وأنّ منهم من كاتب شاور وحثّه على القدوم إلى القاهرة
стр. 1650
ووعده بالمعاونة له. فأظلم الجوّ بينه وبينهم، وتجرّد للإيقاع بهم على عادته في التّسرّع للعقوبة (¬a)، وأحضرهم إليه في دار الوزارة ليلا، وقتلهم بالسّيف صبرا، وهم: صبح بن شاهنشاه، والظّهير (¬b) مرتفع المعروف بالجلواص، وعين الزّمان، وعليّ بن الزّبد، وأسد الغاوي (¬c)، وأقاربهم وهم نحو من سبعين أميرا سوى أتباعهم، فذهبت لذلك رجال الدّولة، واختلّت أحوالها وضعفت بذهاب أكابرها وفقد أصحاب الرّأي والتّدبير.
وقصد الفرنج ديار مصر، فخرج إليهم همّام أخو ضرغام وانهزم منهم، وقتل بينهم (¬d) عدّة، ونزلوا/ على حصن بلبيس، وملكوا بعض السّور ثم ساروا. وعاد همّام عودا رديئا، فبعث به ضرغام إلى الإسكندرية وبها الأمير مرتفع الجلواص، فأخذه العرب، وقاده همّام إلى أخيه فضرب عنقه وصلبه على باب زويلة.
فما هو إلاّ أن قدم رسل الفرنج على ضرغام في طلب مال الهدنة المقرّر في كلّ سنة، وهو ثلاثة وثلاثون ألف دينار، وإذا بالخبر قد ورد بقدوم شاور من الشّام ومعه أسد الدّين شير كوه في كثير من الغزّ، فأزعجه ذلك؛ وأصبح النّاس يوم التاسع والعشرين من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وخمس مائة خائفين على أنفسهم وأموالهم، فجمعوا الأقوات والماء وتحوّلوا من مساكنهم.
وخرج همّام بالعسكر أوّل يوم من جمادى الآخرة، فسار إلى بلبيس، وكانت له وقعة مع شاور انهزم فيها، وصار إلى شاور وأصحابه جميع ما كان مع عسكر همّام وأسروا عدّة. ونزل شاور بمن معه إلى التّاج ظاهر القاهرة (١)، في يوم الخميس سادس جمادى الآخرة، فجمع ضرغام النّاس، وضمّ إليه الطائفة (¬e) الرّيحانية والطائفة الجيوشيّة بداخل القاهرة، وشاور مقيم بالتّاج مدّة أيّام وطوالعه من العربان، تطارد (¬f) عسكر ضرغام بأرض الطّبّالة (٢) خارج القاهرة.
ثم سار شاور ونزل بالمقس، فخرج إليه عسكر ضرغام وحاربوه فانهزم هزيمة قبيحة، وسار إلى بركة الحبش، ونزل بالشّرف الذي يعرف اليوم بالرّصد، وملك مدينة مصر، وأقام بها أياما.
стр. 1651
فأخذ ضرغام مال الأيتام الذي كان بمودع الحكم، فكرهه النّاس واستعجزوه، ومالوا مع شاور.
فتنكّر منهم ضرغام، وتحدّث بإيقاع العقوبة بهم، فزاد بغضهم له.
ونزل شاور في أرض اللّوق خارج باب زويلة، وطارد رجال ضرغام. وقد خلت المنصورة والهلالية، وبيّت (¬a) أهل اليانسيّة بها، وزحف إلى باب سعادة وباب القنطرة، وطرح النّار في اللّؤلؤة وما حولها من الدّور. وعظمت الحروب بينه وبين أصحاب ضرغام، وفني كثير من الطائفة الرّيحانيّة، فبعثوا إلى شاور ووعدوه بأنّهم عون له، فانحلّ أمر ضرغام، فأرسل العاضد إلى الرّماة يأمرهم بالكفّ عن الرّمي، فخرج الرّجال إلى شاور، وصاروا من جملته.
وفترت همّة أهل القاهرة وأخذ كلّ منهم يعمل الحيلة في الخروج إلى شاور، فأمر ضرغام بضرب الأبواق لتجتمع النّاس، فضربت الأبواق والطّبول ما شاء اللّه من فوق الأسوار، فلم يخرج إليه أحد، وانفكّ عنه النّاس، فسار إلى باب الذّهب من أبواب القصر ومعه خمس مائة فارس فوقف وطلب من الخليفة أن يشرف عليه من الطّاق، وتضرّع إليه وأقسم عليه بآبائه، فلم يجبه أحد. واستمرّ واقفا إلى العصر، والنّاس تنحلّ عنه حتى بقي في نحو ثلاثين فارسا، فوردت عليه رقعة فيها «خذ نفسك وانج بها».
وإذا بالأبواق والطّبول قد دخلت من باب القنطرة ومعها عساكر شاور، فمرّ ضرغام إلى باب زويلة، فصاح النّاس عليه ولعنوه وتخطّفوا من معه، وأدركه القوم فأردوه عن فرسه قريبا من الجسر الأعظم - فيما بين القاهرة ومصر - واحتزّوا رأسه في سلخ جمادى الآخرة، وفرّ منهم أخوه إلى جهة المطريّة، فأدركه الطّلب، وقتل عند مسجد تبر خارج القاهرة، وقتل أخوه الآخر عند بركة الفيل، فصار جسد (¬b) ضرغام ملقى يومين، ثم حمل إلى القرافة ودفن بها.
وكانت وزارته تسعة أشهر، وكان من أجلّ أعيان الأمراء، وأشجع فرسانهم وأجودهم لعبا بالكرة، وأشدّهم رميا بالسّهام، ويكتب مع ذلك كتابة ابن مقلة، وينظم الموشّحات الجيّدة (١).
стр. 1652
ولمّا جيء برأسه إلى شاور، رفع على قناة وطيف به، فقال الفقيه عمارة (١):
[الوافر]
أرى حنك (¬a) الوزارة صار سيفا … يحزّ بحدّه صيد (¬b) الرّقاب
كأنّك رائد البلوى وإلاّ … بشير بالمنيّة والمصاب
فكان كما قال عمارة، فإنّ البلايا والمنايا من حينئذ تتابعت على دولة الخلفاء الفاطميين حتّى لم يبق منهم عين تطرف، وللّه عاقبة الأمور.
حارة العطوفيّة
هذه الحارة تنسب إلى طائفة من طوائف العسكر يقال لها العطوفيّة (٢).
وقال ابن عبد الظّاهر: العطوفيّة منسوبة لعطوف، أحد خدّام القصر (¬c)، وهو عطوف غلام الطّويلة، وكان قد خدم ستّ الملك أخت الحاكم. (¬d)) ذكره ابن أبي المنصور في كتاب «السّياسة» (¬d) (٣). قال: وسكنت - يعني الطائفة الجيوشيّة - بحارة العطوفيّة بالقاهرة (٤).
وللّه درّ الأديب إبراهيم المعمار إذ يقول مواليا يشتمل على ذكر حارات بالقاهرة، وفيهما (¬e) تورية:
стр. 1653
في الجودريّة رأيت صورة هلاليّة … للباطليّة تميل لا للعطوفيّة
لها من اللّؤلؤة ثغرين منشية … إن حرّكوا وجهها بنت الحسينيّة
وكانت العطوفيّة من أجلّ مساكن القاهرة (¬a)، وفيها من الدّور العظيمة والحمّامات والأسواق والمساجد ما لا يدخل تحت حصر، وقد خربت كلّها، وبيعت أنقاضها وبيوتها ومنازلها، وأضحت أوحش من وتد في قاع.
وعطوف هذا كان خادما أسود، قتله الحاكم بجماعة من الأتراك وقفوا له في دهليز القصر، واحتزّوا رأسه في يوم الأحد لإحدى/ عشرة خلت من صفر سنة إحدى وأربع مائة، قاله المسبّحيّ (١).
حارة الجوّانيّة
كان يقال لهذه الحارة أوّلا حارة الرّوم الجوّانيّة، ثم ثقل على الألسنة ذلك، فقال النّاس:
الجوّانيّة. وكان أيضا يقال لها حارة الرّوم العليا المعروفة بالجوّانيّة (٢).
وقال المسبّحيّ، وقد ذكر ما كتبه أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه من الأمانات في سنة خمس وتسعين وثلاث مائة: وذكر أنّه كتب أمانا للعرّافة الجوّانيّة، فدلّ أنّه كان من جملة الطّوائف قوم يعرفون بالجوّانيّة (٣).
قال ابن عبد الظّاهر: قال لي (¬b) القاضي زين الدّين، وفّقه اللّه: إنّ الجوّانيّة منسوبة للأشراف الجوّانيين، منهم الشّريف النّسّابة الجوّاني (٤).
стр. 1654
قال كاتبه (¬a): فعلى هذا يكون بفتح الجيم، فإن الجوّاني - بفتح الجيم وتشديد الواو وفتحها وبعد الواو ألف ساكنة ثم نون - نسبة إلى جوّان على وزن حرّان، وهي قرية من عمل مدينة طيبة على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام.
وعلى القول الأوّل تكون الجوّانيّة بفتح الجيم أيضا مع فتح الواو وتشديدها، فإنّ أهل مصر يقولون لما خرج عن المدينة أو الدّار «برّا» ولما دخل «جوّا» بضم الجيم، وهو خطأ. ولهذا كان الورّاقون يكتبون حارة الرّوم البرّانيّة لأنّها من خارج القصر، ويكتبون حارة الرّوم الجوّانية لأنّها من داخل القاهرة، ولا يصار إليها إلاّ بعد المرور على القصر. وكان موضعها إذ ذاك من وراء القصر خلف دار الوزارة والحجر، فكأنّها في داخل البلد.
ولذلك أصل، قال ابن سيده في مادّة «ج وو» من كتاب «المحكم»: «وجوّ (¬b) البيت داخله، لفظة شاميّة» (١) فتعيّن فتح الجيم من الجوّانية، ولا عبرة بما تقوله العامّة من ضمّها.
وقال الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني، الحسن بن محمد الجوّاني بن عبيد اللّه الجوّاني ابن حسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب: وقيل لمحمد بن عبيد اللّه (¬c) «الجوّانيّ» بسبب ضيعة من ضياع المدينة - على ساكنها أفضل الصّلاة والسّلام - يقال لها الجوّانيّة. وكانت تسمّى البصرة الصّغرى لخيراتها وغلالها، لا يطلب شيء إلاّ وجد بها، وهي قريبة من «صريا» (¬d) ضيعة الإمام أبي جعفر محمد بن عليّ الرّضا.
وكانت الجوّانيّة ضيعة لعبيد اللّه فتوفي عنها، فورثها بعده ولده وأزواجه، فاشترى محمد الجوّانيّ ولده - بما حصل له بالميراث - الباقي من الورثة، فحصلت له كاملة فعرف بها، فقيل الجوّانيّ.
قال: ولم تزل أجداد مؤلّفه ببغداد إلى حين قدوم ولده أسعد النّحوي مع أبيه من بغداد إلى مصر، ومولده بالموصل في سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة (٢).
стр. 1655
حارة البستان
ويقال لها حارة بستان المصمودي، وحارة الأكراد أيضا، وهي الآن من جملة الوزيريّة التي تقدّم ذكرها (١).
حارة المرتاحيّة
هذه الحارة عرفت بالطّائفة المرتاحيّة إحدى طوائف العسكر. قال ابن عبد الظّاهر: خطّ باب القنطرة يعرف في كتب الأملاك القديمة بالمرتاحيّة (٢).
حارة الفرحيّة بالحاء المهملة
كانت سكن الطّائفة الفرحيّة، وهي بجوار حارة المرتاحية؛ فإلي يومنا هذا، فيما بين سويقة أمير الجيوش وباب القنطرة، زقاق يعرف بدرب الفرحيّة.
والفرحيّة كانت طائفة من جملة عبيد الشّراء، وكانت عبيد الشّراء عدّة طوائف، وهم:
الفرحيّة، والحسينيّة، والميمونيّة، ينسبون إلى ميمون دبه (¬a) أحد الخدّام (٣).
حارة فرج بالجيم
كانت تعرف قديما بدرب النّميري، ثم عرفت بالأمير جمال الدّين فرج من أمراء بني أيّوب، وهي الآن داخلة في درب الطّفل من خطّ قصر الشّوك (¬b).
حارة قائد القوّاد
هذه الحارة تعرف الآن بدرب ملوخيا، وكانت أوّلا تعرف بحارة قائد القوّاد لأنّ
стр. 1656
حسين بن جوهر -
الملقّب قائد القوّاد - كان يسكن بها فعرفت به (١).
حسين بن القائد جوهر أبو عبد اللّه الملقّب بقائد القوّاد، لمّا مات أبوه جوهر القائد خلع العزيز باللّه عليه، وجعله في رتبة أبيه، ولقّبه بالقائد ابن القائد، ولم يتعرّض لشيء ممّا تركه جوهر (٢).
فلمّا مات العزيز وقام من بعده ابنه الحاكم، استدناه، ثم إنّه قلّده البريد والإنشاء في شوّال سنة ستّ وثمانين وثلاث مائة، وخلع عليه وحمله على فرس بموكب، وقاد بين يديه عدّة أفراس، وحمل معه ثيابا كثيرة. فاستخلف أبا منصور بشر بن عبيد اللّه بن سورين الكاتب النّصراني على كتابة الإنشاء، واستخلف على أخذ رقاع النّاس وتوقيعاتهم أمير الدّولة الموصليّ.
ولمّا تقلّد برجوان النّظر في تدبير الأمور، وجلس للوساطة بعد ابن عمّار، كان الكافّة يلقونه في داره، ويركبون جميعا بين يديه من داره إلى القصر، ما خلا القائد حسين ومحمد بن النّعمان القاضي، فإنّهما كانا يسلّمان عليه بالقصر فقط.
فلمّا قتل الحاكم الأستاذ برجوان - كما تقدّم (٣) - خلع على القائد حسين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة تسعين وثلاث مائة ثوبا أحمر وعمامة زرقاء مذهبة، وقلّده سيفا محلّى بذهب، وحمله على فرس بسرج ولجام من ذهب، وقاد بين يديه ثلاثة أفراس بمراكبها، وحمل معه خمسين ثوبا صحاحا من كلّ نوع، وردّ إليه التّوقيعات والنّظر في أمور النّاس وتدبير المملكة كما كان برجوان، ولم يطلق عليه اسم وزير.
فكان يبكّر إلى القصر، ومعه خليفته الرّئيس أبو العلاء فهد بن إبراهيم النّصراني كاتب برجوان/، فينظران في الأمور، ثم يدخلان وينهيان الحال إلى الخليفة، فيكون القائد جالسا، وفهد من خلفه قائما.
ومنع القائد النّاس أن يلقوه في الطّريق، أو يركبوا إليه في داره، وأنّ من كان له حاجة فليبلغه إيّاها بالقصر، ومنع النّاس من مخاطبته في الرّقاع بسيّدنا، وأمر ألاّ يخاطب ولا يكاتب إلاّ بالقائد
стр. 1657
فقط، وتشدّد في ذلك لخوفه من غيرة الحاكم؛ حتى إنّه رأى جماعة من القوّاد الأتراك قياما على الطّريق ينتظرونه، فأمسك عنان فرسه، ووقف وقال لهم: كلّنا عبيد مولانا - صلوات اللّه عليه - ومماليكه، ولست واللّه أبرح من موضعي أو تنصرفوا عنّي، ولا يلقاني أحد إلاّ في القصر، فانصرفوا.
وأقام بعد ذلك خدما من الصّقالبة الطّرّادين على الطّريق بالنّوبة، لمنع النّاس المجيء إلى داره ومن لقائه إلاّ في القصر، وأمر أبا الفتوح مسعود الصّقلبي، صاحب السّتر، أن يوصّل النّاس بأسرهم إلى الحاكم، وألاّ يمنع أحدا عنه (١).
فلمّا كان في سابع عشر جمادى الآخرة، قرئ سجلّ على سائر المنابر بتلقيب القائد حسين ب «قائد القوّاد»، وخلع عليه.
وما زال إلى يوم الجمعة سابع شعبان سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة، فاجتمع سائر أهل الدّولة في القصر بعد ما طلبوا، وخرج الأمر إليهم ألاّ يقام لأحد، وخرج خادم من عند الخليفة فأسرّ إلى صاحب السّتر كلاما فصاح: صالح بن عليّ؛ فقام صالح بن عليّ الرّوذباري - متقلّد ديوان الشّام - فأخذ صاحب السّتر بيده وهو لا يعلم هو ولا أحد ما يراد به، فأدخل إلى بيت المال، وأخرج وعليه درّاعة مصمتة وعمامة مذهبة ومعه مسعود، فأجلسه بحضرة قائد القوّاد، وأخرج سجلاّ قرأه ابن عبد السّميع الخطيب (٢)، فإذا فيه «ردّ سائر الأمور التي ينظر فيها قائد القوّاد حسين بن جوهر إليه»، فعند ما سمع في (¬a) السّجلّ ذكره قام وقبّل الأرض، فلمّا انتهت قراءة السّجلّ قام قائد القوّاد، وقبّل خدّ صالح وهنّأه وانصرف (٣).
فكان يركب إلى القصر، ويحضر الأسمطة إلى اليوم الثّالث من شوّال، أمره الحاكم أن يلزم داره هو وصهره قاضي القضاة عبد العزيز بن النّعمان، وألاّ يركبا هما وسائر أولادهما. فلبسا الصّوف، ومنع النّاس من الاجتماع بهما، وصاروا يجلسون على حصر (٤).
стр. 1658
فلمّا كان في تاسع عشر ذي القعدة، عفا عنهما الحاكم، وأذن لهما في الرّكوب، فركبا إلى القصر بزيّهما من غير حلق شعر ولا تغيير حال الحزن (١).
فلمّا كان في حادي عشر جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاث مائة، قبض على عبد العزيز بن النّعمان، وطلب حسين بن جوهر ففرّ هو وابنه في جماعة، وكثر الصّياح بدار عبد العزيز، وغلّقت حوانيت القاهرة وأسواقها، فأفرج عنه ونودي: ألا يغلق أحد. فردّ حسين بعد ثلاثة أيام بابنيه، وتمثّلوا بحضرة الحاكم، فعفا عنهم، وأمرهم بالمسير إلى دورهم بعد أن خلع على حسين وعلى صهره عبد العزيز وعلى أولادهما، وكتب لهما أمانان. ثم أعيد عبد العزيز في شهر رمضان إلى ما كان يتقلّده من النّظر في المظالم (٢).
ثم ردّ الحاكم، في شهر ربيع الأوّل سنة أربع مائة، على حسين بن جوهر وأولاده وصهره عبد العزيز ما كان لهم من الإقطاعات، وقرئ لهم سجلّ بذلك (٣).
فلمّا كان ليلة التاسع من ذي القعدة، فرّ حسين بأولاده وصهره وجميع أموالهم وسلاحهم، فسيّر الحاكم الخيل في طلبهم نحو دجوة فلم يدركهم، وأوقع الحوطة على سائر دورهم، وجعلت للدّيوان المفرد - وهو ديوان أحدثه الحاكم يتعلّق بما يقبض من أموال من يسخط عليه - وحمل سائر ما وجد لهم بعد ما ضبط (٤).
وخرجت العساكر في طلب حسين ومن معه، وأشيع أنّه قد صار إلى بني قرّة بالبحيرة (٥)، فأنفذت إليه الكتب بتأمينه واستدعائه إلى الحضور، فأعاد الجواب: بأنّه لا يدخل ما دام أبو نصر ابن عبدون النّصراني الملقّب بالكافي، ينظر في الوساطة، ويوقّع عن الخليفة، فإنّي أحسنت إليه أيّام نظري، فسعى بي إلى أمير المؤمنين، ونال منّي كلّ منال، ولا أعود أبدا وهو وزير (٦).
فصرف ابن عبدون في رابع المحرّم سنة إحدى وأربع مائة، وقدم حسين بن جوهر ومعه عبد العزيز بن النّعمان وسائر من خرج معهما. فخرج جميع أهل الدّولة إلى لقائه، وتلقّته الخلع فأفيضت عليه وعلى أولاده وصهره، وقيد بين أيديهم الدّواب. فلمّا وصلوا إلى باب القاهرة
стр. 1659
ترجّلوا ومشوا، ومشى النّاس بأسرهم إلى القصر فصاروا بحضرة الحاكم. ثم خرجوا وقد عفا عنهم، وأذن لحسين أن يكاتب بقائد القوّاد، ويكون اسمه تاليا للقبه، وأن يخاطب بذلك.
وانصرف إلى داره، فكان يوما عظيما، وحمل إليه جميع ما قبض له من مال وعقار وغيره، وأنعم عليه، وواصل الرّكوب هو وعبد العزيز بن النّعمان إلى القصر (١).
ثم قبض عليه وعلى عبد العزيز، واعتقلا ثلاثة أيام؛ ثم حلفا أنّهما لا يغيبان عن الحضرة، وأشهدا على أنفسهما بذلك، وأفرج عنهما، وحلف لهما الحاكم في أمان كتبه لهما (٢).
فلمّا كان في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وأربع مائة، ركب حسين وعبد العزيز على رسمهما إلى القصر. فلمّا خرج السّلام (¬a) على النّاس قيل للحسين وعبد العزيز وأبي عليّ أخي الفضل: اجلسوا لأمر تريده الحضرة منكم. فجلس الثّلاثة، وانصرف النّاس/، فقبض عليهم وقتلوا في وقت واحد، وأحيط بأموالهم وضياعهم ودورهم، وأخذت الأمانات والسّجلاّت التي كتبت لهم، واستدعى أولاد عبد العزيز بن النّعمان وأولاد حسين بن جوهر، ووعدوا بالجميل وخلع عليهم وحملوا (٣).
حارة الأمراء
ويقال لها أيضا حارة الأمراء الأشراف الأقارب، وموضعها يعرف بدرب شمس الدّولة، وسيأتي ذكره إن شاء اللّه (٤).
حارة الطّوارق
ويقال لها أيضا حارة صبيان الطّوارق، وهم من جملة طوائف العسكر، كانوا معدّين لحمل الطّوارق. وموضع هذه الحارة في طريق من سلك من الزّقيق سوق الخلعيين داخل باب زويلة طالبا الباطليّة، بالزّقاق الطّويل الضيّق الذي يقال له اليوم حلق الجمل، السّالك إلى درب أرقطاي (٥).
стр. 1660
حارة الشّرابيّة
عرفت بذلك لأنّها كانت موضع سكن الغلمان الشّرابيّة إحدى طوائف العسكر، وكانت فيما بين الباطليّة وحارة الطّوارق (١).
حارة الدّميري
هي من جملة العطوفيّة (¬a).
حارة الشّاميين
من جملة العطوفيّة (¬a).
حارة المهاجرين
وموضعها الآن من جملة المكان الذي يعرف بالزّقيق المعدّ لسوق الخلعيين بجوار باب زويلة، وكان بعد ذلك سوق الخشّابين، ثم هو الآن سوق الخلعيّين (٢).
وموضع هذه الحارة بجوار الخوخة التي كانت تعرف بالشّيخ السّعيد بن نسبوه (¬b) النّصراني الكاتب، وهي الخوخة التي يسلك إليها من الزّقاق المقابل لحمّام الفاضل المعدّ لدخول النّساء، ويتوصّل منها إلى درب كوز الزّير بحارة الرّوم. وقد صارت هذه الحارة تعرف بدرب ابن المحفّدار، وسيأتي ذكره إن شاء اللّه (٣).
حارة العدويّة
قال ابن عبد الظّاهر: العدويّة هي من باب الخشيبة إلى أوّل حارة زويلة، عند حمّام (¬c) الحسام الجلدكي الآن، منسوبة لجماعة عدويين نزلوا هناك (٤)؛ وهذا المكان اليوم هو عبارة عن الموضع
стр. 1661
الذي تلقاه عند خروجك من زقاق حمّام خشيبة، الذي يتوصّل إليه من سوق باب الزّهومة، فإذا انتهيت إلى آخر هذا الزّقاق وأخذت على يمينك، صرت في حارة العدويّة. وموضعها الآن من فندق بلال المغيثي إلى باب سرّ المارستان (١).
ويدخل في العدويّة رحبة بيبرس التي فيها الآن فندق الزّمام (¬a) وما عن يمينك إذا خرجت في الرّحبة المذكورة - التي صارت الآن دربا - إلى باب سرّ المارستان، وما عن يسارك إلى حمّام الكويك وحمّام الجويني - الذي تقوله (¬b) العامّة الجهيني - وإلى سوق الزّجّاجيين؛ وكلّ هذه المواضع هي من حقوق العدويّة.
وكانت العدويّة قديما واقعة فيما بين الميدان الذي يعرف اليوم بالخرنشف وحارة زويلة، وبين سقيفة العدّاس والصّاغة القديمة، التي صار في (¬c) موضعهما الآن سوق الحريريين الشّراربيّين (¬d) برأس الورّاقين وسوق الزّجّاجيين.
حارة العيدانيّة
حارة الحبّانيّة (¬c)
كانت تعرف أوّلا بحارة البديعيين، ثم قيل لها بعد ذلك الحبّانيّة (٢)، من أجل البستان الذي يعرف بالحبّانيّة الجاري في وقف الخانقاه الصّلاحية سعيد السّعداء. ويتوصّل إلى هذه الحارة من تجاه قنطرة آق سنقر، وبعض دورها الآن تشرف على بستان الحبّانية، وبعضها يطلّ على بركة الفيل.
стр. 1662
حارة الحمزيين
كانت تعرف أوّلا بالحبّانيّة، ثم قيل لها حارة الحمزيين من أجل أنّ جماعة من الحمزيين نزلوا بها: منهم الحاج يوسف بن فاتن الحمزي (١) /، وأخوه ضرغام بن فاتن بن ساعد الحمزي، والحاج عوني الطّحّان، ابن يونس بن فاتن الحمزي، ورضوان بن يوسف بن فاتن الحمزي الحمّامي، وأخوه سالم بن يوسف بن فاتن الحمزي، وكان هؤلاء بعد سنة ستّ مائة.
وهذه الحارة خارج باب زويلة.
ومن بلاد إفريقيّة قرية يقال لها حمزي، نسب (¬a) إليها محمد بن أحمد (¬b) بن خلف القيسي الحمزي من أهل المريّة (¬c) وقاضيها، توفي سنة تسع وثلاثين وخمس مائة، ولا يبعد أن تكون هذه الحارة نسبت إلى أهل قرية حمزة هذه لنزولهم بها، كنزول بني سوس وكتامة وغيرهم في المواضع التي نسبت إليهم.
حارة بني سوس
عرفت بطائفة من المصامدة يقال لهم بنو سوس كانوا يسكنون بها (¬d).
حارة اليّانسيّة
تعرف بطائفة من طوائف العسكر يقال لها اليانسيّة، منسوبة لخادم خصيّ من خدّام العزيز باللّه يقال له أبو الحسن يانس الصّقلبيّ (¬e)، خلّفه على القاهرة، فلمّا مات العزيز أقرّه ابنه الحاكم
стр. 1663
بأمر اللّه على خلافة القصور، وخلع عليه وحمله على فرسين. فلمّا كان في المحرّم سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة سار لولاية برقة بعد ما خلع عليه، وأعطي خمسة آلاف دينار وعدّة من الخيل والثّياب.
قال ابن عبد الظّاهر: اليانسيّة خارج باب زويلة (١)، أظنها منسوبة ليانس وزير الحافظ لدين اللّه، الملقّب بأمير الجيوش سيف الإسلام، ويعرف بيانس الفاصد، وكان أرمنيّ الجنس، وسمّي الفاصد لأنّه فصد الأمير حسن بن الحافظ، وتركه محلولا فصاده حتى مات.
وله خبر غريب في وفاته، كان الحافظ/ قد نقم عليه أشياء طلب قتله بها باطنا، فقال لطبيبه:
اكفني أمره بمأكل أو مشرب. فأبى الطّبيب ذلك خوفا أن يصير عند الحافظ بهذه العين وربّما قتله بها، والحافظ يحثّه على ذلك. فاتّفق ليانس الوزير المذكور أنّه مرض بزحير، وأنّ الحافظ خاطب الطّبيب بذلك، فقال: يا مولاي قد أمكنتك الفرصة، وبلغت مقصودك، ولو أنّ مولانا عاده في هذه المرضة اكتسب حسن أحدوثة. وهذه المرضة ليس دواؤه منها إلاّ التّودّع (¬a) والسّكون، ولا شيء أضرّ عليه من الانزعاج والحركة. فمجرّد ما يسمع (¬b) بقصده مولانا له تحرّك، واهتمّ بلقاء مولانا وانزعج، وفي ذلك تلف (¬c) نفسه. ففعل الخليفة ذلك، وأطال الجلوس عنده، فمات (٢).
وهذا الخبر فيه أوهام: منها أنّه جعل اليانسيّة منسوبة ليانس الوزير، وقد كانت اليانسيّة قبل يانس هذا بمدّة طويلة. ومنها أنّه ادّعى أنّ حسن بن الحافظ مات من فصاده، وليس كذلك، وإنّما مات مسموما. ومنها أنّه زعم أنّ يانس تولّى فصده، وليس كذلك، بل الذي تولّى قتله بالسّمّ أبو سعيد بن قرقة. ومنها أنّ الذي نقم عليه الحافظ من الأمراء فخانه في ابنه حسن، إنّما هو الأمير المعظّم جلال الدّين محمد المعروف بجلب راغب. وهذا نصّ الخبر، فعره (¬d) بالك.
стр. 1664
ذكر وزارة أبي الفتح ناصر الجيوش يانس الأرمني -
وكان من خبر ذلك أنّ الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبا عليّ منصورا لمّا قتله النّزاريّة، في ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمس مائة، أقام هزبر الملوك جوامرد و (¬a) العادل برغش الأمير أبا الميمون عبد المجيد في الخلافة كفيلا للحمل الذي تركه الآمر، ولقّب ب «الحافظ لدين اللّه»، ولبس هزبر الملوك خلع الوزارة (١). فثار الجند، وأقاموا أبا عليّ أحمد الملقّب بكتيفات - ولد الأفضل بن أمير الجيوش - في الوزارة. وقتل هزبر الملوك، واستولى كتيفات على الأمر، وقبض على الحافظ، وسجنه بالقصر مقيّدا إلى أن قتل كتيفات في المحرّم سنة ستّ وعشرين وخمس مائة (٢).
وبادر صبيان الخاصّ الذين تولّوا قتله إلى القصر، ودخلوا ومعهم الأمير يانس متولّي الباب إلى الخزانة التي فيها الحافظ، وأخرجوه إلى الشّبّاك وأجلسوه في منصب الخلافة وقالوا له: واللّه ما حرّكنا على هذا إلاّ الأمير يانس. فجازاه الحافظ بأن فوّض إليه الوزارة في الحال وخلع عليه، فباشرها مباشرة جيّدة (٣). وكان عاقلا مهابا متماسكا محافظا (¬b) لقوانين الدّولة. فلم يحدث شيئا، ولا خرج عمّا يعيّنه الخليفة له، إلاّ أنّه بلغه عن أستاذ من خواصّ الخليفة شيء يكرهه، فقبض عليه من القصر من غير مشاورة الخليفة، وضرب عنقه بخزانة البنود. فاستوحش منه الخليفة وخشي من زيادة معناه، وكانت هذه الفعلة غلطة منه.
ثم إنّه خاف من صبيان الخاصّ أن يفتكوا به كما فتكوا بكتيفات، فتنكّر لهم، وتخوّفوه أيضا. فركب في خاصّته وأركب العسكر، وركب صبيان الخاصّ، فكانت بينهما وقعة قبالة باب التّبّانين بين القصرين، قوي فيها يانس وقتل من صبيان الخاصّ ما يزيد على ثلاث مائة رجل من أعيانهم فيهم قتلة أبي عليّ كتيفات، وكانوا نحو الخمس مائة فارس، فانكسرت شوكتهم،
стр. 1665
وضعف جانبهم. واشتدّ بأس يانس وعظم شأنه، فثقل على الخليفة وتحيّل منه، فأحسّ بذلك، فأخذ كلّ منهما في التّدبير على الآخر، فأعجل يانس وقبض على حاشية الخليفة ومنهم قاضي القضاة وداعي الدّعاة أبو الفخر وأبو الفتح بن قادوس، وقتلهما (١). فاشتدّ ذلك على الحافظ، ودعا طبيبه وقال: اكفني أمر يانس. فيقال إنّه سمّه في ماء المستراح، فانفتح دبره، واتّسع حتى ما بقي يقدر على الجلوس. فقال الطّبيب: يا أمير المؤمنين قد أمكنتك الفرصة وبلغت مقصودك.
فلو أنّ مولانا عاده في هذه المرضة اكتسب حسن الأحدوثة، فإنّ هذا المرض ليس له دواء إلاّ الدّعة والسّكون، ولا شيء عليه أضرّ من الحركة والانزعاج؛ وهو إذا سمع بقصد مولانا له تحرّك، واهتمّ للّقاء وانزعج، وفي ذلك تلاف نفسه، فنهض لعيادته.
وعند ما بلغ ذلك يانس قام ليلقاه، ونزل عن الفراش وجلس بين يدي الخليفة؛ فأطال الخليفة جلوسه عنده وهو يحادثه، فلم يقم حتى سقطت أمعاء يانس ومات من ليلته في سادس عشر ذي الحجّة سنة ستّ وعشرين وخمس مائة (٢).
وكانت وزارته تسعة أشهر وأيّاما، وترك ولدين كفلهما الحافظ وأحسن إليهما.
وكان يانس هذا مولى أرمنيّا لباديس جدّ عبّاس الوزير، فأهداه إلى الأفضل بن أمير الجيوش، وترقّى في خدمته إلى أن تأمّر، ثم ولي الباب - وهي أعظم رتب الأمراء - وكنّي بأبي الفتح ولقّب بالأمير السّعيد. ثم لمّا ولي الوزارة نعت ب «ناصر الجيوش سيف الإسلام»، وكان عظيم الهمّة، بعيد الغور، كثير الشّرّ، شديد الهيبة (٣).
ذكر الأمير حسن بن الخليفة الحافظ -
ولمّا مات الوزير يانس، تولّى الخليفة الحافظ الأمور بنفسه ولم يستوزر أحدا، وأحسن السّيرة. فلمّا كان في سنة ثمان وعشرين وخمس مائة عهد إلى ولده سليمان - وكان أسنّ أولاده وأحبّهم إليه - وأقامه مقام الوزير (٤)، فمات بعد/ شهرين من ولاية
стр. 1666
العهد، فجعل مكانه أخاه حيدرة في ولاية العهد، ونصّبه للنّظر في المظالم (١). فشقّ ذلك على أخيه الأمير حسن - وكان كثير المال متّسع الحال، له عدّة بلاد ومواش وحاشية وديوان مفرد - فسعى في نقض ذلك بأن أوقع الفتنة بين الطّائفة الجيوشيّة والطّائفة الرّيحانيّة، وكانت الرّيحانيّة قويّة الشّوكة مهابة مخوفة الجانب. فاشتعلت نيران الحرب بين الفريقين؛ وصاح الجند: «يا حسن يا منصور يا للحسنيّة». والتقى الفريقان فقتل بينهما ما يزيد على خمسة آلاف نفس، فكانت هذه الوقعة أوّل مصائب الدّولة الفاطمية من فقد رجالها ونقص عساكرها، فلم يبق من الطّائفة الرّيحانيّة إلاّ من نجا بنفسه من ناحية المقس وألقى نفسه في بحر النّيل.
واستظهر الأمير حسن وقام بالأمر، وانضمّ إليه أوباش النّاس وذعّارهم، ففرّق فيهم الزّرد، وسمّاهم «صبيان الزّرد»، وجعلهم خاصّته. فاحتفوا به وصاروا لا يفارقونه، فإن ركب أحاطوا به، وإن نزل لازموا داره، فقامت قيامة النّاس منهم (٢).
وشرع في تتبّع الأكابر، فقبض على ابن العسّاف وقتله، وقصد أباه الخليفة الحافظ وأخاه حيدرة بالضّرر حتى خافا منه وتغيّبا، فجدّ في طلب أخيه حيدرة، وهتك بأوباشه الذين اختارهم حرمة القصر وخرق ناموسه، وسلّطهم يفتّشون القصر في طلب الخليفة الحافظ وابنه حيدرة، واشتدّ بأسهم، وحسّنوا له كلّ رذيلة، وجرّوه على الأذى.
فلم يجد الحافظ بدّا من مداراة حسن وتلافي أمره عساه ينصلح، وكتب سجلاّ بولايته العهد، وأرسله إليه فقرئ على النّاس (٣). فما زاده ذلك إلاّ جراءة عليه وإفسادا له، وشدّد في التّضييق على أبيه وأخذ بأنفاسه. فبعث حينئذ الخليفة بالأستاذ إسعاف (¬a) إلى بلاد الصّعيد ليجمع
стр. 1667
من يقدر عليه من الرّيحانيّة، فمضى واستصرخ النّاس لنصرة الخليفة على ولده حسن، وجمع أمما لا يحصيها إلاّ اللّه وسار بهم.
فبلغ ذلك حسنا، فزجّ عسكرا للقاء إسعاف فالتقيا، وكانت بينهما وقعة هبّت فيها ريح سوداء على عسكر إسعاف حتى هزمتهم، وركبهم عسكر حسن فلم ينج منهم إلاّ القليل، وغرق أكثرهم في البحر، وأخذ إسعاف أسيرا فحمل إلى القاهرة على جمل وفي رأسه طرطور لبد أحمر، فلمّا وصل بين القصرين رشق بالنّشّاب حتى هلك، ورمي من القصر الغربي بأستاذ آخر فقتل، وقتل الأمير شرف الأمراء (¬a). فاشتدّ ذلك على الحافظ وخاف على نفسه فكتب ورقة، وكاد ابنه بأن ألقى إليه تلك الورقة وفيها: «يا ولدي أنت على كلّ حال ولدي، ولو عمل كلّ منّا لصاحبه ما يكره الآخر ما أراد أن يصيبه مكروه، ولا يحملني قلبي، وقد انتهى الأمر إلى أمراء الدّولة - وهم فلان وفلان - وقد شددت وطأتك عليهم وخافوك، وهم معوّلون على قتلك، فخذ حذرك يا ولدي».
فعند ما وقف حسن على الورقة، غضب ولم يتأنّ وبعث إلى أولئك، فلمّا صاروا إليه أمر صبيان الزّرد بقتلهم، فقتلوا عن آخرهم - وكانوا عدّة من أعيان الأمراء - وأحاط بدورهم وأخذ سائر ما فيها. فاشتدّت المصيبة وعظمت الرّزيّة، وتخوّف من بقي من الجند ونفروا منه؛ فإنّه كان جريئا مفسدا شديد الفحص عن أحوال النّاس والاستقصاء لأخبارهم، يريد إقلاب الدّولة وتغييرها ليقدّم أوباشه، وأكثر من مصادرة النّاس، وقتل قاضي القضاة أبا الثّريّا نجم لأنّه كان من خواصّ أبيه، وقتل جماعة من الأعيان، وردّ القضاء لابن ميسّر (١).
وتفاقم أمره وعظم خطبه، واشتدّت الوحشة بينه وبين الأمراء والأجناد، وهمّوا بخلع الحافظ ومحاربة ابنه حسن، وصاروا يدا واحدة، واجتمعوا بين القصرين وهم عشرة آلاف ما بين فارس وراجل، وسيّروا إلى الحافظ يشكون ما هم فيه من البلاء مع ابنه حسن، ويطلبون منه أن يزيله من
стр. 1668
ولاية العهد. فعجز حسن عن مقاومتهم، فإنّه لم يبق معه سوى الرّاجل من الطّائفة الجيوشيّة، ومن يقول بقولهم من الغزّ الغرباء، فتحيّر وخاف على نفسه، فالتجأ إلى القصر، وصار إلى أبيه الحافظ. فما هو إلاّ أن تمكّن منه أبوه فقبض عليه وقيّده، وبعث إلى الأمراء يخبرهم بذلك، فأجمعوا على قتله، فردّ عليهم أنّه قد صرفه عنهم، ولا يمكّنه أبدا من التّصرّف ووعدهم بالزّيادة في الأرزاق والإقطاعات، وأن يكفّوا عن طلب قتله. فألحّوا في قتله، وقالوا: إمّا نحن وإمّا هو.
واشتدّ (¬a) طلبهم إيّاه حتى أحضروا الأحطاب والنّيران ليحرقوا القصر، وبالغوا في التجرّي على الخليفة، فلم يجد بدّا من إجابتهم إلى قتله، وسألهم أن يمهلوه ثلاثا، فأناخوا بين القصرين، وأقاموا على حالهم حتى تنقضي الثّلاث. فما وسع الحافظ إلاّ أن استدعى طبيبيه - وهما أبو منصور اليهودي، وابن قرقة النّصراني - وبدأ بأبي منصور وفاوضه في عمله سقية قاتلة، فامتنع من ذلك وحلف بالتّوراة أنّه لا يعرف عمل شيء من ذلك. فتركه وأحضر ابن قرقة، وكلّمه في هذا، فقال: السّاعة، ولا يتقطّع منها جسده، بل تفيض النّفس لا غير. فأحضر السّقية من يومه، فبعثها إلى حسن مع عدّة من الصّقالبة، وما زالوا يكرهونه على شربها حتى فعل، ومات في العشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمس مائة.
فبعث الحافظ إلى القوم سرّا يقول: قد كان ما أردتم، فامضوا إلى دوركم. فقالوا: لا بد أن يشاهده منّا من نثق به./ وندبوا منهم أميرا معروفا بالجراءة والشّرّ يقال له المعظّم جلال الدّين محمد - ويعرف بجلب راغب الآمري - فدخل إلى القصر، وسار جنب حسن، فإذا به قد سجّي بثوب، فكشف عن وجهه، وأخرج من وسطه آلة من حديد، وغرزه بها في عدّة مواضع من بدنه إلى أن تيقّن أنّه قد مات، وعاد إلى القوم وأخبرهم، فتفرّقوا (١).
стр. 1669
وعند ما سكنت الدّهماء، حقد الحافظ لابن قرقة وقتله بخزانة البنود، وأنعم بجميع ما كان له على أبي منصور اليهودي، وجعله رئيس الأطبّاء. فهذا ما كان من خبر يانس وكيفية موته، وخبر حسن والخبر عن قتله.
حارة المنتجبيّة (¬a)
قال ابن عبد الظّاهر: بلغني أنّ رجلا كان يتحجّب لشمس الدّين قاضي زادة، كان يقول:
إنّ هذه الخطّة منسوبة لجدّه منتجب الدّولة (١).
الحارة المنصورة (¬b)
هذه الحارة [خارج باب زويلة] (¬c) كانت كبيرة متّسعة جدّا فيها عدّة مساكن السّودان؛ فلمّا كانت واقعتهم في ذي القعدة سنة أربع وستين وخمس مائة، كما تقدّم في ذكر حارة بهاء الدّين (٢)، أمر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب بتخريب المنصورة هذه وتعفيّة أثرها، فخرّبها خطلبا ابن موسى الملقّب صارم الدّين، وعملها بستانا (٣).
وكان للسّودان بديار مصر شوكة وقوّة، فتبعهم صلاح الدّين ببلاد الصّعيد حتى أفناهم، بعد أن كان لهم بديار مصر في كلّ قرية ومحلّة وضيعة مكان مفرد لا يدخله وال ولا غيره احتراما لهم. وقد كانوا يزيدون على خمسين ألفا، وإذا ثاروا على وزير قتلوه، وكان الضّرر بهم عظيما
стр. 1670
لامتداد أيديهم إلى أموال النّاس وأهاليهم. فلمّا كثر بغيهم، وزاد تعدّيهم، أهلكهم اللّه بذنوبهم (١).
وفي واقعة السّودان وتخريب المنصورة، وقتل مؤتمن الخلافة - الذي تقدّم ذكره (٢) - يقول العماد الأصفهانيّ الكاتب يخاطب بها الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب (٣):
[المنسرح]
بالملك النّاصر استنارت … في عصرنا أوجه الفضائل
يوسف مصر الذي إليه … تشدّ آمالنا الرّواحل
رأيك في الدّهر عن رزايا … جلّى مهمّاته الجلائل
أجريت نيلين في ثراها: … نيل نجيع ونيل نائل
كم كرم من نداك جار … وكم دم من عداك سائل
وكم معاد بلا معاد … ومستطيل بغير طائل
وحاسد كاسد المساعى … وسائد نافق الوسائل
أقررت عين الإسلام حتّى … لم يبق فيها قذى لباطل
وكيف يزهى بملك مصر … من يستقلّ ذنبا لنائل
وما نفيت السّودان حتّى … حكّمت البيض في المقاتل
صيّرت رحب الفضاء ضيقا … عليهم كفّه لحابل
وكلّ رأى منهم كراء … وأرض مصر كلام واصل
وقد خلت منهم المغاني … وأقفرت منهم المنازل
وما أصيبوا إلاّ بطلّ … فكيف لو أمطروا بوابل
وقد تجلّى الحقّ ما بال … باطل في مصر كان عاجل
стр. 1671
والسّود بالبيض قد تنحوا … فهى بواديهم نوازل
مؤتمن القوم خان حتّى … غالته من شرّه الغوائل
عاملكم بالخنا فأضحى … ورأسه فوق رأس عامل
وحالف الذّلّ بعد عزّ … والدّهر أحواله حوائل
يا مخجل البحر بالأيادي … قد آن أن تفتح السّواحل
فقدّس القدس من خباث … أرجاس كفر غتم أراذل
وكان موضع المنصورة على يمنة من سلك في الشّارع خارج باب زويلة.
قال ابن عبد الظّاهر: كانت للسّودان حارة تعرف بهم تسمّى المنصورة، خرّبها صلاح الدّين، وأخذها خطلبا فعمّرها بستانا وحوضا. وهي إلى جانب الباب الجديد (١) - يعني الذي يعرف اليوم بالقوس - عند رأس المنتجبيّة (¬a) فيما بينها وبين الهلاليّة؛ وقد حكر هذا البستان في الأيّام الظّاهريّة. وبعضها - يعني المنصورة - من جهة بركة الفيل إلى جانب بستان سيف الإسلام، ويسمّى الآن بحكر/ الغتمي، لأنّ الغتمي هذا كان سوّغ (¬b) بستان سيف الإسلام، فحكر في هذه الجهة، وهي الآن أحكار الدّيوان السّلطاني (٢).
وحكر الغتمي، الذي كان بستان سيف الإسلام، يعرف اليوم بدرب ابن البابا بحارة (¬c) البندقدارية بجوار حمّام الفارقاني، قريب من صليبة جامع ابن طولون (٣).
حارة المصامدة
هذه الحارة عرفت بطائفة المصامدة، إحدى طوائف عساكر الخلفاء الفاطميين، اختطّت في وزارة المأمون البطائحي وخلافة الآمر بأحكام اللّه بعد سنة خمس عشرة وخمس مائة.
قال ابن عبد الظّاهر: حارة المصامدة، مقدّمهم عبد اللّه المصمودي. وكان المأمون البطائحي، وزير الخليفة الآمر بأحكام اللّه، قدّمه ونوّه بذكره، وسلّم له أبوابه للمبيت عليها،
стр. 1672
وأضاف إليه جماعة من أصحابه. فلمّا استخلص المصامدة وقرّبهم، سيّر أبا بكر المصمودي ليختار لهم حارة. فتوجّه بالجماعة إلى اليانسيّة بالشّارع، فلم يجد بها مكانا، ووجدها تضيق عنهم. فسيّر المهندسين لاختيار حارة لهم، فاتّفقوا على بناء حارة ظاهر الباب الجديد، على يمنة الخارج على شاطئ بركة الفيل، فقال: بل تكون على يسرة الخارج والفسح قدّامها إلى بركة الفيل. فبنيت الحارة على يسرة الخارج من الباب المذكور، وبني بجانبها مسجد على زلاّقة الباب المذكور، وبنى أبو بكر المصمودي مسجدا أيضا - وهذه فيما أعتقد هي الهلاليّة - وحذّر من بناء شيء قبالتها، في الفضاء الذي بينها وبين بركة الفيل، لانتفاع النّاس بها.
وصار ساحل بركة الفيل من المسجد قبالة هذه الحارة إلى آخر حصن دويرة مسعود إلى الباب الجديد. ولم يزل ذلك إلى بعض أيّام الخليفة الحافظ لدين اللّه.
قال: وبني في صفّ هذه الحارة من قبليّها عدّة دور بحوانيت تحتها، إلى أن اتّصل البناء بالمساجد الثّلاثة الحاكمية المعلّقة (١)، والقنطرة المعروفة بدار ابن طولون، وبعدها بستان ذكر أنّه كان في جملة قاعات الدّار المذكورة. قال: وأظنّ المساجد هي التي قبالة حوض الجاولي (¬a)) المعروف أحدهم بالشّيخ عبد اللّه الرّومي (¬a).
قال: وبنى المأمون ظاهره حوضا، وأجرى الماء له، وذلك قبالة مشهد محمد الأصغر والسّيّدة سكينة، (¬a)) ومشهد سكينة أنشأه أبو علي الأفضل (¬a). قال: وأظنّ هذا البستان، هو الذي بنته شجر الدّرّ بستانا ودارا وحمّامات قريب من مشهد السّيّدة نفيسة (٢).
стр. 1673
قال: وأمر المأمون بالنّداء في القاهرة مع مصر (¬a) ثلاثة أيام، بأنّ من كانت له دار في الخراب أو مكان يعمّره، ومن عجز عن أن يعمّره فليؤجّره من غير نقل شيء من أنقاضه، ومن تأخّر بعد ذلك فلا حقّ له في شيء منه ولا حكر يلزمه؛ وأباح تعمير ذلك جميعه بغير طلب بحقّ فيه.
فطلب النّاس كافّة ما هو جار في الدّيوان السّلطاني وغيره، وعمّروه حتى صار البلدان لا يتخلّلهما دائر ولا دارس. وبنى في الشّارع - يعني خارج باب زويلة - من الباب الجديد إلى الجبل عرضا، وهو القلعة الآن.
قال: وكان الخراب استولى على تلك الأماكن في زمن المستنصر (١) في أيام وزارة اليازوري، حتى إنّه كان بنى حائطا يستر الخراب عن نظر الخليفة إذا توجّه من القاهرة إلى مصر، وبنى حائطا آخر عند جامع ابن طولون.
قال: وعمّر ذلك حتى صار المتعيّشون بالقاهرة والمستخدمون يصلّون العشاء الآخرة بالقاهرة، ويتوجّهون إلى سكنهم (¬b) في مصر لا يزالون في ضوء وسرج وسوق موقود إلى باب الصّفا - وهو المعاصر الآن - (٢) وذلك أنّه يخرج من الباب الجديد الحاكمي (٣) على يمنة بركة الفيل (¬c)) لعند دويرة مسعود وبعدها البستان، أظنّه بستان سيف الإسلام وكان يشتمل على عدّة أنهار وله دهاليز (¬c)
стр. 1674
(¬a)) كبار عليها جواسق فيها ثلاث طبقات كلّ منها ينظر إلى أربع جهات وكان يعرف بأبي الحسين مرشد الطّائي ثم انتقل منه إلى يانس، وبعده بستان الوزير المغربي، أظنّه بستان جوهر الذي فيه المساجد الثلاثة قبالة هذا البستان، وكانت فيه حمّام مليحة، وبعده بستان الشّاميين - الظّاهر أنّه دثر - وبعده بستان مختار المعروف بد كوجة أظنّه دثر (¬a)؛ وقبالة جميع ذلك حوانيت مسكونة عامرة بالمتعيّشين إلى (¬a)) مسجد النفيق (كذا)، وهو على يسرة السّالك إلى مصر وقد تهدّم وبقيت آثاره وكانت الصّلوات فيه جامعة وحوانيته كلّها مسكونة (¬a) والمعاش مستمرّ اللّيل والنّهار؛ (¬a)) هذا كلّه كلام ابن عبد الظّاهر، وقد جهلت هذه المعالم التي ذكرها وسأتتبّعها وأثبت عنها ما أعلمه إن شاء اللّه تعالى (¬a).
حارة الهلاليّة (¬a)) كانت حارة للسّودان في الأيّام الفاطمية، فلمّا كانت واقعة السّودان في سنة أربع وستين وخمس مائة أحرق السّلطان صلاح الدّين الحارة المذكورة - وكانت تسمّى المنصورة - وحدّها من باب الهلاليّة وإلى السّور الحجر عرضا (¬a). ذكر ابن عبد الظّاهر أنّها على يسرة الخارج من الباب الجديد الحاكمي (¬b) (١).
حارة البيازرة
هذه الحارة خارج باب القنطرة على شاطئ الخليج من شرقيه، فيما بين زقاق الكحل وباب القنطرة، حيث المواضع التي تعرف اليوم ببركة جناق والكدّاشين، وإلى قريب من حارة بهاء الدّين (٢).
واختطّت هذه الحارة في الأيّام الآمريّة، وذلك أنّ زمام البيازرة شكا ضيق دار الطّيور بمصر وسأل أن يفسح للبيازرة في عمارة حارة على شاطئ الخليج بظاهر القاهرة لحاجة الطّيور والوحوش
стр. 1675
إلى الماء، فأذن له في ذلك. فاختطّوا هذه الحارة، وجعلوا منازلهم مناظر على الخليج، وفي كلّ دار باب سرّ ينزل منه إلى الخليج.
واتّصل بناء هذه الحارة بزقاق الكحل (١)، فعرفت بهم وسمّيت بحارة البيازرة (واحدهم بازيار). ثم إنّ المختار الصّقلبي زمام القصر أنشأ بجوارها بستانا وبنى فيه منظرة عظيمة. وهذا البستان يعرف اليوم موضعه ببستان ابن صيرم خارج باب الفتوح.
فلمّا كثرت العمائر في حارة البيازرة، أمر الوزير المأمون بعمل الأقمنة لشيّ الطّوب على شاطئ الخليج الكبير، إلى حيث كان البستان الكبير الجيوشي الذي تقدّم ذكره في ذكر مناظر الخلفاء ومتنزّهاتهم (٢).
حارة الحسينيّة
عرفت بطائفة من عبيد الشّراء يقال لهم الحسينيّة. قال المسبّحيّ في حوادث سنة خمس وتسعين وثلاث مائة: وأمر بعمل شونة ممّا يلي الجبل ملئت بالسّنط والبوص والحلفا، فابتدئ بعملها في ذي الحجّة سنة أربع وتسعين وثلاث مائة، إلى شهر ربيع الأوّل سنة خمس وتسعين، فخامر قلوب النّاس من ذلك جزع شديد، وظنّ كلّ/ من يتعلّق بخدمة أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أنّ هذه الشّونة عملت لهم. ثم قويت الإشاعات، وتحدّث العوامّ في الطّرقات أنّها للكتّاب وأصحاب الدّواوين وأسبابهم.
فاجتمع سائر الكتّاب، وخرجوا بأجمعهم في خامس ربيع الأوّل، ومعهم سائر المتصرّفين في الدّواوين من المسلمين والنّصارى، إلى الرّمّاحين (¬a)) داخل باب القنطرة (¬a) بالقاهرة، ولم يزالوا يقبّلون الأرض حتى وصلوا إلى القصر، فوقفوا على بابه يدعون ويتضرّعون ويضجّون ويسألون العفو عنهم - ومعهم رقعة قد كتبت عن جميعهم - إلى أن دخلوا باب القصر الكبير، وسألوا أن يعفى عنهم، ولا يسمع فيهم قول ساع يسعى بهم. وسلّموا رقعتهم إلى قائد القوّاد الحسين ابن جوهر، فأوصلها إلى أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه، فأجيبوا إلى ما سألوا.
стр. 1676
وخرج إليهم قائد القوّاد فأمرهم بالانصراف والبكور لقراءة سجلّ بالعفو عنهم، فانصرفوا بعد العصر. وقرئ من الغد سجلّ كتب منه نسخة للمسلمين، ونسخة للنصارى، ونسخة لليهود، بأمان لهم والعفو عنهم (١).
وقال في ربيع الآخر: واشتدّ خوف النّاس من أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه، فكتب ما شاء اللّه من الأمانات للغلمان الأتراك الخاصّة وزمامهم (¬a)) ومن يحمدهم (¬a) من الحمدانية والبكجورية والغلمان العرفاء، والمماليك وصبيان الدّار، وأصحاب الإقطاعات والمرتزقة، والغلمان الحاكميّة القدم على اختلاف أصنافهم.
وكتب أمان لجماعة من خدم القصر الموسومين بخدمة الحضرة، بعد ما تجمّعوا، وصاروا إلى تربة العزيز باللّه، وضجّوا بالبكاء، وكشفوا رءوسهم. وكتبت سجلاّت عدّة بأمانات للدّيلم والجيل والغلمان الشّرابيّة والغلمان المرتاحيّة (¬b) والغلمان البشارية والغلمان المفرّقة العجم وغيرهم، والنّقباء والرّوم المرتزقة. وكتبت عدّة أمانات للزّويليين والبنّادين والطّبّالين والبرقيين والعطوفيين، وللعرّافة الجوّانيّة، والجوذريّة، وللمظفّريّة، وللصّنهاجيين، ولعبيد الشّراء الحسينيّة، وللميمونية، وللفرحيّة، وأمان لمؤذّني أبواب القصر، وأمانات لسائر البيازرة والفهّادين والحجّالين، وأمانات أخر لعدّة أقوام؛ كلّ ذلك بعد سؤالهم وتضرّعهم (٢).
وقال في جمادى الآخرة: وخرج أهل الأسواق على طبقاتهم: كلّ يلتمس كتب أمان يكون لهم. فكتب فوق المائة سجلّ بأمان لأهل الأسواق على نسخة واحدة، وكان يقرأ جميعها في القصر أبو عليّ أحمد بن عبد السّميع العبّاسي، وتسلّم أهل كلّ سوق ما كتب لهم.
وهذه نسخة إحداها بعد البسملة:
«هذا كتاب من عبد اللّه ووليّه المنصور أبي عليّ الإمام الحاكم بأمر اللّه أمير المؤمنين، لأهل مسجد عبد اللّه (٣): أنّكم من الآمنين بأمان اللّه الملك الحقّ المبين، وأمان جدّنا محمّد خاتم النّبيين، وأبينا عليّ خير الوصيّين،
стр. 1677
وآبائنا الذّرّيّة النّبويّة المهديين، صلّى اللّه على الرّسول ووصيّه وعليهم أجمعين. وأمان أمير المؤمنين على النّفس والحال والدّم والمال: لا خوف عليكم، ولا تمتدّ يد بسوء إليكم، إلاّ في حدّ يقام بواجبه، وحقّ يؤخذ لمستوجبه. فليوثق بذلك، وليعوّل عليه إن شاء اللّه.
وكتب في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلاث مائة، والحمد للّه، وصلّى اللّه على محمّد سيّد المرسلين، وعليّ خير الوصيّين، وعلى الأئمة المهديين ذرّيّة النّبوّة، وسلّم تسليما كثيرا» (١).
وقال ابن عبد الظّاهر: فأمّا الحارات التي من باب الفتوح ميمنة وميسرة للخارج منه. فالميمنة إلى الهليلجة والميسرة إلى بركة الأرمن (٢) برسم الرّيحانية - وهي الحسينيّة الآن - وكانت برسم الرّيحانية القراوية (¬a) والمولّدة والعجمان وعبيد الشّراء، وكانت ثمان حارات وهي: حارة حامد، بين الحارتين، المنشيّة الكبيرة، [والمنشيّة الصّغيرة] (¬b)، الحارة الكبيرة، [حارة عبيد الشّراء] (¬b)، الحارة الوسطى، حارة السّوق الكبير، الوزيريّة (٣). وللأجناد بظاهر القاهرة حارات، وهي: حارة البيازرة، والحسينيّة، جميع ذلك سكن الرّيحانيّة (٤).
وسكن الجيوشيّة والعطوفيّة بالقاهرة المحروسة (¬c) وبظاهرها الهلاليّة والشّوبك وحلب (٥) والحبّانيّة والمأمونية وحارة الرّوم وحارة المصامدة والحارة الكبيرة والمنصورة الصغيرة واليانسيّة وحارة أبي بكر والمقس وبرّ ابن التّبّان (¬d) والشّارع. ولم يكن للأجناد في هذا الوجه غير حارة عنتر للمؤمنين المترجلة.
стр. 1678
وكانت كلّ حارة من هذه بلدة كبيرة بالبزّازين والعطّارين والجزّارين وغيرهم، والولاة لا يحكمون عليها، ولا يحكم فيها إلاّ الأزمّة ونوّابهم. وأعظم الجميع الحارة الحسينيّة التي هي آخر صفّ الميمنة إلى الهليلجة - وهي الحسينيّة الآن - لأنّها كانت سكن الأرمن فارسهم وراجلهم، وكان يجتمع بها قريب من سبعة آلاف نفس وأكثر من ذلك، وبها أسواق عدّة (١).
وقال في موضع آخر: الحسينيّة منسوبة لجماعة من الأشراف الحسينيين كانوا في الأيام الكامليّة. قدموا من الحجاز، فنزلوا خارج باب النّصر بهذه الأمكنة واستوطنوها، وبنوا بها مدابغ صنعوا بها الأديم المشبّه بالطّائفي، فسميّت بالحسينيّة. ثم سكنها الأجناد بعد ذلك، وابتنوا بها هذه الأبنية العظيمة (٢).
وهذا وهم، فإنّه تقدّم أنّ من جملة الطّوائف في الأيّام الحاكمية الطائفة الحسينيّة، وتقدّم - فيما نقله ابن عبد الظّاهر أيضا - أنّ الحسينيّة كانت عدّة حارات، والأيّام الكامليّة إنّما كانت بعد الستّ مائة، وقد كانت الحسينيّة قبل ذلك بما ينيف عن مائتي سنة، فتدبّره.
واعلم أنّ الحسينيّة شقّتان: إحداهما/ ما خرج عن باب الفتوح، وطولها من خارج باب الفتوح إلى الخندق، وهذه الشّقّة هي التي كانت مساكن الجند في أيام الخلفاء الفاطميين، وبها كانت الحارات المذكورة. والشّقّة الأخرى ما خرج عن باب النّصر وامتدّ في الطّول إلى الرّيدانيّة، وهذه الشّقّة لم يكن بها في أيام الخلفاء الفاطميين سوى مصلّى العيد تجاه باب النّصر، وما بين المصلّى إلى الرّيدانيّة فضاء لا بناء فيه، وكانت القوافل إذا برزت تريد الحجّ تنزل هناك (٣).
стр. 1679
فلمّا كان بعد الخمسين وأربع مائة، وقدم أمير الجيوش بدر الجمالي، وقام بتدبير أمر دولة الخليفة المستنصر باللّه (¬a)، أنشأ بحري مصلّى العيد، خارج باب النّصر، تربة عظيمة وفيها قبره هو وولده الأفضل بن أمير الجيوش وأبو عليّ كتيفات بن الأفضل وغيره، وهي باقية إلى يومنا هذا، ثم تتابع النّاس في إنشاء التّرب هناك حتى كثرت. ولم تزل هذه الشّقّة مواضع للتّرب ومقابر أهل الحسينيّة والقاهرة إلى بعد السبع مائة (١).
ولقد حدّثت عن المشيخة ممّن أدرك، بأنّ ما بين مصلّى الأموات التي خارج باب النّصر وبين دار كهرداش التي تعرف اليوم بدار الحاجب، مكانا يعرف بالمراغة معدّا لتمريغ الدّواب به، وأنّ ما في صفّ المصلّى من بحريها التّرب فقط.
ولم تعمر هذه الشّقّة إلاّ في الدّولة التّركيّة لا سيّما لمّا تغلّب التّتر على ممالك المشرق (¬b) والعراق، وجفل النّاس إلى مصر، فنزلوا بهذه الشّقّة وبالشّقّة الأخرى، وعمّروا بهما المساكن، ونزل بها أيضا أمراء الدّولة. فصارت من أعظم عمائر مصر والقاهرة، واتّخذ الأمراء بها - من بحريها فيما بين الرّيدانيّة إلى الخندق - مناخات الجمال وإسطبلات الخيل، ومن ورائها الأسواق والمساكن العظيمة في الكثرة، وصار أهلها يوصفون بالحسن خصوصا لمّا قدمت الأويراتية (٢).
ذكر قدوم الأويراتيّة (٣) -
وكان من خبر هذه الطّائفة أنّ بيدرا بن طرغاي بن هولاكو لمّا قتل في ذي الحجّة سنة أربع وتسعين وستّ مائة (¬c)، وقام في الملك من بعده على المغل الملك غازان
стр. 1680
محمود بن خربنده بن إيغاني، تخوّف منه عدّة من المغل يعرفون بالأويراتيّة، وفرّوا عن بلاده إلى نواحي بغداد، فنزلوا هناك مع كبيرهم طرغاي. وجرت لهم خطوب آلت بهم إلى اللّحاق بالفرات، فأقاموا بها هنالك، وبعثوا إلى نائب حلب يستأذنونه في قطع الفرات ليعبروا إلى ممالك الشّام، فأذن لهم، وعدّوا الفرات إلى مدينة بهسنا (¬a) (١)، فأكرمهم نائبها، وقام لهم بما ينبغي من العلوفات والضّيافات.
وطولع الملك العادل زين الدّين كتبغا - وهو يومئذ سلطان مصر والشّام - بأمرهم؛ فاستشار الأمراء فيما يعمل بهم، فاتّفق الرأي على استدعاء أكابرهم إلى الدّيار المصرية، وتفريق باقيهم في البلاد السّاحلية وغيرها من بلاد الشّام. وخرج إليهم الأمير علم الدين سنجر الدّواداري والأمير شمس الدّين سنقر الأعسر إلى دمشق، فجهّزا من أكابر الأويراتية نحو الثلاث مائة للقدوم على السّلطان، وفرّقا من بقي منهم بالبقاع العزيزة وبلاد السّاحل.
ولمّا قرب الجماعة من القاهرة، خرج الأمراء بالعسكر إلى لقائهم، واجتمع النّاس من كلّ مكان حتى امتلأ الفضاء للنّظر إليهم. فكان لدخولهم يوم عظيم، صاروا إلى قلعة الجبل، فأنعم السّلطان على طرغاى مقدّمهم بإمرة طبلخاناه (¬b)، وعلى اللّوص بإمرة عشرة، وأعطى البقيّة تقادم في الحلقة وإقطاعات، وأجرى عليهم الرّواتب، وأنزلوا بالحسينيّة. وكانوا على غير الملّة الإسلامية، فشقّ ذلك على النّاس، وبلوا منهم (¬c) مع ذلك بأنواع من البلاء لسوء أخلاقهم، وكفر (¬d) نفوسهم، وشدّة جبروتهم.
وكان إذ ذاك بالقاهرة ومصر غلاء كبير وفناء عظيم، فتضاعفت المضرّة، واشتدّ الأمر على النّاس (٢)، وقال في ذلك الأديب شمس الدين محمد بن دانيال:
стр. 1681
ربّنا اكشف عنّا العذاب فإنّا … قد تلفنا في الدّولة المغليّة
جاءنا المغل والغلا فانصلقنا … وانطبخنا في الدّولة المغليّة
ولمّا دخل شهر رمضان من سنة خمس وتسعين وستّ مائة، لم يصم أحد من الأويراتية. وقيل للسّلطان ذلك، فأبى أن يكرههم على الإسلام، ومنع من معارضتهم، ونهى أن يشوّش أحد عليهم، وأظهر العناية بهم. وكان مراده أن يجعلهم عونا يتقوّى بهم، فبالغ في إكرامهم حتى أثر في قلوب أمراء الدّولة منه إحنا، وخشوا إيقاعه بهم.
فإنّ الأويرانية كانوا أهل جنس كتبغا، وكانوا مع ذلك صورا جميلة، فافتتن بهم الأمراء، وتنافسوا في أولادهم من الذّكور والإناث، وأخذوا (¬a) منهم عدّة صيّروهم من جملة جندهم وتعشّقوهم، فكان بعضهم يستفسد (¬b) من صاحبه من اختصّ به وجعله محلّ شهوته.
ثم ما قنع الأمراء ما كان بمصر منهم حتى أرسلوا إلى البلاد الشّامية، واستدعوا منهم طائفة كبيرة. فتكاثر نسلهم في القاهرة، واشتدّت الرّغبة من الكافّة في أولادهم، على اختلاف الآراء في الإناث والذّكران (¬c)، فوقع/ التّحاسد والتّشاجر بين أهل الدّولة، إلى أن آل الأمر بسببهم، وبأسباب أخر، إلى خلع السّلطان الملك العادل كتبغا من الملك في صفر سنة ستّ وتسعين وستّ مائة.
فلمّا قام في السّلطنة من بعده الملك المنصور حسام الدّين لاجين، قبض على طرغاي مقدّم الأويراتيّة وعلى جماعة من أكابرهم، وبعث بهم إلى الإسكندرية فسجنهم بها وقتلهم، وفرّق جميع الأويراتية على الأمراء، فاستخدموهم وجعلوهم من جندهم، فصار أهل الحسينيّة لذلك يوصفون بالحسن والجمال البارع. وأدركنا من ذلك طرفا جيّدا، وكان للنّاس في نكاح نسائهم رغبة، ولآخرين شغف بأولادهم (١).
وللّه درّ الشّيخ تقيّ الدّين السّروجي إذ يقول من أبيات:
стр. 1682
يا ساعي الشّوق الذي مذ جرى … جرت دموعي فهي أعوانه
خذ لي جوابا عن كتابي الذي … إلى الحسينيّة عنوانه
فهي كما قد قيل وادي الحمى … وأهلها في الحسن غزلانه
امش قليلا وانعطف يسرة … يلقاك درب طال بنيانه
واقصد بصدر الدّرب ذاك الذي … بحسنه تحسن جيرانه
سلّم وقلّ يخشى من أي من … أفش حديثا طال كتمانه
وسلّ لي الوصل فإن قال بقّ … فقل أوت قد طال هجرانه
وما برحوا يوصفون بالزّعارة والشّجاعة، وكان يقال لهم البدورة: فيقال البدر فلان، والبدر فلان، ويعانون لباس الفتوّة وحمل السّلاح، ويؤثر عنهم حكايات كثيرة وأخبار جمّة.
(١) وكانت الحسينيّة قد أربت في عمارتها على سائر أخطاط مصر والقاهرة، حتى لقد قال لي ثقة ممّن أدركت من المشيخة: إنّه يعرف الحسينيّة عامرة بالأسواق والدّور، وسائر شوارعها كاظّة بازدحام النّاس من الباعة والمارّة وأرباب المعايش، وأصحاب اللّهو والملعوب. فيما بين الرّيدانيّة - محطة المحمل يوم خروج الحاج من القاهرة - وإلى باب الفتوح، لا يستطيع الإنسان أن يمرّ في هذا الشّارع الطّويل العريض، طول هذه المسافة الكبيرة، إلاّ بمشقّة من الزّحام، كما كنّا نعرف شارع بين القصرين فيما أدركنا.
وما زال أمر الحسينيّة متماسكا إلى أن كانت الحوادث والمحن منذ سنة ستّ وثمان مائة وما بعدها، فخربت حاراتها، ونقضت مبانيها، وبيع ما فيها من الأخشاب وغيرها، وباد أهلها (٢).
ثم حدث بها، بعد سنة عشرين وثمان مائة، آفة (¬a) من آيات اللّه تعالى؛ وذلك أنّ في أعوام بضع وتسعين (¬b) وسبع مائة، بدأ بناحية مرج (¬c) الزّيّات - فيما بين المطريّة وسرياقوس - فساد الأرضة التي من شأنها العبث في الكتب والثّياب، فأكلت لشخص نحو ألف وخمس مائة قتّة دريس.
стр. 1683
فكنّا لا نزال نتعجّب من ذلك. ثم فشت هناك، وشنع عبثها في سقوف الدّور، وسرت حتّى عاثت في أخشاب سقوف الحسينيّة وغلاّت أهلها وسائر أمتعتهم، حتى أتلفت شيئا كثيرا، وقويت حتى صارت تأكل الجدران. فبادر أهل تلك الجهة إلى هدم ما بقي من الدّور خوفا عليها من الأرضة، شيئا بعد شيء حتى قاربوا باب الفتوح وباب النّصر (١).
وقد بقي منها اليوم قليل من كثير يخاف إن استمرّت أحوال الإقليم على ما هي عليه من الفساد أن تدثر وتمحى آثارها، كما دثر سواها، وللّه درّ القائل:
[البسيط]
واللّه إن لم يداركها وقد وجلت (¬a) … بلمحة أو بلطف من لديه خفيّ
ولم يجد بتلافيها على عجل … ما أمرها صائر إلاّ إلى تلف
حارة حلب
هذه الحارة خارج باب زويلة، تعرف اليوم بزقاق حلب، وكانت قديما من جملة مساكن الأجناد (٢).
قال ياقوت في باب «حلب»: الأوّل حلب المدينة المشهورة بالشّام، وهي قصبة نواحي قنّسرين والعواصم اليوم. الثّاني حلب السّاجور (¬b) من نواحي حلب أيضا. الثّالث كفر حلب من قراها أيضا. الرّابع محلّة بظاهر القاهرة بالشّارع من جهة الفسطاط (٣).
стр. 1684
ذكر أخطاط القاهرة وظواهرها (١)
قد تقدّم ذكر ما يطلق عليه حارة من الأخطاط. ونريد أن نذكر من الخطط ما لا يطلق عليه اسم حارة ولا درب، وهي كثيرة، وكلّ قليل تتغيّر أسماؤها، ولا بد من إيراد ما تيسّر منها.
خطّ خان الوراقة
هذا الخطّ فيما بين حارة بهاء الدّين وسويقة أمير الجيوش، وفي شرقية سوق المرحّلين، وهو يشتمل على عدّة مساكن وبه طاحون، وكان موضعه قديما إسطبل الصّبيان الحجريّة لموقف خيولهم كما تقدّم. فلمّا زالت الدّولة الفاطمية اختطّ مواضع للسّكنى، وقد شمله الخراب (٢).
/ خطّ باب القنطرة
هذا الخطّ كان يعرف قديما بحارة المرتاحية وحارة الفرحية والرّمّاحين. وكان ما بين باب (¬a) الرّمّاحين - الذي يعرف اليوم بباب القوس داخل باب القنطرة - وبين الخليج فضاء لا عمارة فيه بطول ما بين باب الرّمّاحين إلى باب الخوخة وإلى باب سعادة وإلى باب الفرج. ولم يكن إذ ذاك على حافّة الخليج عمائر ألبتّة، وإنّما العمائر من جانب الكافوري - وهي مناظر اللّؤلؤة وما جاورها من قبليها إلى باب الفرج، وتخرج العامّة عصريات كلّ يوم إلى شاطئ الخليج الشّرقي تحت المناظر للتفرّج، فإنّ برّ الخليج الغربي كان فضاء ما بين بساتين وبرك، كما سيأتي ذكره إن شاء اللّه.
قال القاضي الفاضل في «متجدّدات» سنة سبع وثمانين وخمس مائة: في شوّال قطع النّيل الجسور، واقتلع الشّجر، وغرّق النّواحي، وهدم المساكن، وأتلف كثيرا من النّساء والأطفال.
وكثر الرّخاء بمصر: فالقمح كلّ مائة أردبّ بثلاثين دينارا، والخبز البايت ستة أرطال بربع درهم،
стр. 1685
والرّطب الأمهات ستة أرطال بدرهم، والموز ستة أرطال بدرهم، والرّمّان الجيّد مائة حبّة بدرهم، والحمل الخيار بدرهمين، والتّين ثمانية أرطال بدرهم، والعنب ستة أرطال بدرهم في شهر بابة بعد انقضاء موسمه المعهود بشهرين، والياسمين خمسة أرطال بدرهم (١). وآل أمر أصحاب البساتين إلى أن لا يجمعوا الزّهر لنقص ثمنه عن أجرة جمعه، وثمر الحنّاء عشرة أرطال بدرهم، والبسر عشرة أرطال بدرهم من جيّده، والمتوسّط خمسة عشر رطلا بدرهم. وما في مصر إلاّ متسخّط بهذه النّعمة (٢).
قال: ولقد كنت في خليج القاهرة من جهة المقس لانقطاع الطّرق بالمياه، فرأيت الماء مملوءا سمكا والزّيادة قد طبّقت الدّنيا، والنّخل مملوءا تمرا، والمكشوف من الأرض مملوءا ريحانا وبقولا. ثم نزلت فوصلت إلى المقس، فوجدت من القلعة التي بالمقس إلى منية السّيرج غلالا قد ملأت صبرها الأرض، فلا يدري الماشي أين يضع رجله متّصلا عرض ذلك إلى باب القنطرة، وعلى الخليج عند باب القنطرة من مراكب الغلّة ما قد ستر سواحله وأرضه.
قال: ودخلت البلد فرأيت في السّوق من الأخباز واللّحوم والألبان والفواكه ما قد ملأها، وهجمت منه العين على منظر ما رأيت قبله مثله.
قال: وفي البلد من البغي ومن المعاصي ومن الجهر بها، ومن الفاسقين (¬a) بالزّنا واللّواط، ومن شهادات (¬b) الزّور، ومن مظالم الأمراء والفقهاء، ومن استحلال الفطر في نهار رمضان وشرب الخمر في ليله ممّن يقع عليه اسم الإسلام، ومن عدم النّكير على ذلك جميعه ما لم يسمع ولم يعهد مثله، فلا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم. وظفر بجماعة مجتمعين في حارة الرّوم يتغدّون في قاعة في نهار رمضان فما كلّموا، وبقوم مسلمين ونصارى اجتمعوا على شرب خمر في ليل رمضان فما أقيم فيهم حدّ.
وخطّ باب القنطرة فيما بين حارة بهاء الدّين وسويقة أمير الجيوش، وينتهي من قبليه إلى خطّ بين السّورين (٣).