طريقتي في إخراج النّصّ
اتّبعت في إخراج هذا المجلّد المنهج نفسه الذي اتّبعته في إخراج المجلّدين الأوّل والثّاني من «الخطط» (فيما تقدم ١٢٣: ١ - ١٢٥، ٩٩: ٢ - ١٠٠). والنّصّ المثبت هنا هو النّصّ الوارد في نسخة مكتبة آياصوفيا بإستانبول رقم ٣٤٨٠ التي تكمل المجلّد الثّاني المحفوظ بالمكتبة نفسها برقم ٣٤٨٣ (الذي اعتمدت عليه في إخراج المجلّد الثّاني). وهذه النّسخة المشتملة فقط على المجلّدين الثّاني والثّالث من الكتاب والتي كتبها بخطّه أبو الحسن علي بن حسن بن علي البشبيشي السّروي الأزهري سنة ٨٧٨ هـ/ ١٤٧٣ م، هي أقدم النّسخ المؤرّخة المنقولة من خطّ المؤلّف. وتمتاز هذه النّسخة بأنّ ناسخها أثبت على هوامشها الحواشي التي أضافها المؤلّف على نسخته بخطّه، كما سجّل مواضع البياض الموجودة في أصل المؤلّف، وعدد الأسطر التي تركها المؤلّف ليستدركها بعد ذلك في نسخته والتي لم يمهله القدر لاستكمالها.
ويتّفق نصّ هذه النّسخة تماما مع نسخة المكتبة الوطنية في باريس رقم ١٧٥٩، ونسخة مكتبة آياصوفيا بإستانبول رقم ٣٤٨٤، ونسخة مكتبة حسين جلبي ببورصة رقم ٧٩٢، ٧٩١، ثم نسخة مكتبة الفاتح بإستانبول رقم ٤٥٠٠ (٤٥٠١) - النّسخة الكاملة الوحيدة التي رجعت إليها (فيما تقدم ١١٩: ١ - ١٢٠)، إلاّ أنّها لا تشتمل على حواشي المؤلّف التي كتبها بخطّه على نسخته. والفروق القليلة بينهم ناتجة عن انتقال النّظر، ممّا يدلّ على أنّها لم تقابل أو تعارض بأصل المؤلّف الذي نقلت منه.
وقابلت النّصّ كذلك على القطعة الثّانية من مسوّدة المؤلّف المحفوظة بمكتبة إمانة الملحقة بمتحف طوبقبوسراي بإستانبول رقم ١٤٠٥، واستدركت منها نصوصا كثيرة أغفلها المقريزيّ أو سها عن نقلها في المبيّضة. واستدركت نصّين هامّين أحدهما عن «تموين القاهرة بالخبز زمن المقريزي» (فيما يلي ٣٥٥)، والآخر عن «صناعة مصر» (فيما يلي ٦٢٤)، وهما نصّان لا يوجدان إلاّ في نسخة المكتبة التيمورية رقم ١١٠ بلدان، الملحقة بدار الكتب المصرية.
وأثبتّ «حواشي المؤلّف» - التي أضافها بخطّه على نسخته - والموجودة على هامش نسختي آياصوفيا ونسخة باريس ونسخة ليدن ونسخة حسين جلبي في هامش الكتاب مسبوقة بعبارة:
«حاشية بخطّ المؤلّف». أمّا الحواشي الإضافية الموجودة على هامش نسخة آياصوفيا رقم ٣٤٨٤
стр. 1612
فأثبتّها كذلك في هامش الكتاب مسبوقة بعبارة: «هنا على هامش نسخة ص». وأثبتّ كذلك في هامش الكتاب المعلومات الإضافية التي أضافها ابن أبي السّرور البكري في كتابه «قطف الأزهار بذكر الخطط والآثار» الذي اختصر فيه خطط المقريزي، واعتمدت في ذلك على نسخة مكتبة جامعة ليدن رقم ٩٧٤. or وهي نسخة منقولة من خطّ ابن أبي السّرور البكري.
وقسمت هوامش الكتاب - تماما مثل المجلّدين الأوّل والثّاني - إلى قسمين: قسم للمقابلات واختلاف القراءات بين الأصول المعتمدة وبين طبعة بولاق وبينها وبين مصادر المقريزي التي وصلت إلينا، وقسم للتّعليقات والشّروح والتّخريجات.
ونظر لأنّ هذا المجلّد يتناول وصف مدينة القاهرة وظواهرها وكذلك قلعة الجبل منذ قيام الدّولة الأيّوبيّة وحتى العقود الأولى من القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، ولأنّ قسما كبيرا من هذه المعالم التي تناولها المقريزي مثل: الدّور والقصور والحمّامات والوكالات والبرك والميادين، وصل إلينا أو كان موجودا حتى وقت قريب، وضعت صورا فوتوغرافية لما وصل إلينا منها مع ذكر رقم تسجيله في الآثار، وألحقت بآخر الكتاب أربع خرائط مساحية للقاهرة التاريخية ليتبيّن القارئ منها امتداد المدينة واتّساعها وما حلّ موضع المعالم التي درست الآن مثل:
البرك والخلجان والميادين والأحكار التي كانت موجودة على الأخصّ في البرّ الغربي للخليج.
الأولى: الخريطة المعروفة بخريطة Matheo Pagano والتي طبعت لأوّل مرّة في فينسيا سنة ١٥٤٩ م (فيما تقدم ٢٥: ١) وهي دون مقياس رسم.
الثّانية - الخريطة التي وضعها علماء الحملة الفرنسية في نهاية القرن الثّامن عشر الميلادي (مقياس رسم ٥٠٠٠: ١)، وهي أوّلّ خريطة مساحية أثبتت عليها حدود المدينة وشوارعها الرّئيسة والجانبية وأهمّ معالمها مع شرح لما جاء عليها (فيما تقدم ٢٤: ١ - ٢٥).
الثّالثة - الخريطة التي رسمها جرانك بك Grand-Bey بأمر من الخديو إسماعيل باشا للقاهرة سنة ١٨٧٤ (مقياس رسم ٤٠٠٠: ١)، وبعد أن ردمت أغلب البرك والخلجان المنتشرة بظاهر القاهرة الفاطمية، ومع بدء تخطيط القاهرة الحديثة التي تمثّل منطقة وسط البلد الآن.
الرّابعة - الخريطة التي وضعتها مصلحة المساحة المصرية سنة ١٩٤٨ (مقياس رسم ٥٠٠٠: ١) في لوحتين تبيّن مواضع الآثار الإسلامية بمدينة القاهرة.
стр. 1613
*** وكانت تعليقات محمد بك رمزي ﵀ التي أثرى بها هوامش الأجزاء من الرّابع إلى الحادي عشر من كتاب «النّجوم الزّاهرة في ملوك مصر والقاهرة» لأبي المحاسن يوسف بن تغري بردي، المتوفى سنة ٨٧٤ هـ/ ١٣٧٤ م، نعم العون لي في تحديد كثير من مواضع خطط القاهرة ومعالمها. وهذا العالم صاحب كتاب «القاموس الجغرافي للبلاد المصرية» قد لا يعرف الكثيرون الجهود التي قام بها في مجال الجغرافية التّاريخية وطبوغرافية مدينة القاهرة، لذلك فسأعرّف به وبجهوده المتميّزة في هذا المجال فيما يلي.
ولد محمد بن عثمان رمزي (١) بمدينة المنصورة يوم ٣ شعبان سنة ١٢٨٢ هـ/ ١٧ أكتوبر سنة ١٨٧١ م، وكان أبوه عثمان بك رمزي من رجال الخديو إسماعيل، وجدّه مصطفى أغاكسكه من رجال المدفعيّة الذين انتقاهم الكولونيل سيف (سليمان باشا الفرنساوي) من الضّبّاط الأتراك لتعليم المصريين فنون الحرب وقت إنشاء محمد علي باشا الجيش المصري على النّظام الحديث.
تلقّى محمد رمزي تعليمه في عزبة والده بالمقاطعة بمركز السّنبلاّوين، ثم انتقل إلى القاهرة وتعلّم في مدارسها إلى أن التحق سنة ١٨٩٠ م بمدرسة الحقوق الخديوية، ولكنّه تركها في السنة الثّانية بعد شقاق حدث بينه وبين والده، واضطرّ أن يلتحق بوظيفة صغيرة بوزارة المالية في أواخر سنة ١٨٩٢ م، ثم تنقّل في بعض الوظائف الصّغيرة الأخرى الملحقة بوزارة الدّاخلية بين أسوان وأسيوط وميت غمر ومنيا القمح وقنا وجرجا وبني سويف، إلى أن ندب رئيسا لإحدى لجان تعديل الضّرائب بوزارة المالية في الدّقهلية، ثم رقّي في عام ١٩٠٥ م إلى وكيل مفتّش مالية بمراقبة الأموال المقرّرة، ثم أشرف على توزيع أطيان الدّائرة السّنيّة بعد تصفيتها في أرمنت والمطاعنة.
وندب في سنة ١٩٠٦ م للتّفتيش على أعمال الضّرائب في مديريات جرجا وأسيوط والمنيا وبني سويف. وأنعم عليه في عام ١٩٢١ م برتبة البكويّة واستمرّ في عمله إلى أن أحيل إلى التّقاعد في ٨ مايو سنة ١٩٣١ م.
_________
(١) راجع، حسن عبد الوهاب، الأهرام ١٩٤٥/ ٣/ ٤؛ محمود رمزي نظيم: البلاغ ١٨ ربيع الأول سنة ١٣٦٤ هـ؛ أحمد رامي وأحمد لطفي السيد: مقدمة القاموس الجغرافي للبلاد المصرية ٣٥: ١ - ٤٠؛ الزركلي: الأعلام ٢٦٤: ٦؛ كحالة: معجم المؤلفين ٢٨٣: ١٠، ومعجم مصنفي الكتب العربية في التاريخ والتراجم والجغرافيا والرحلات ٥٣٠.
стр. 1614
كان محمد رمزي - أثناء تنقّلاته المتعدّدة بين مختلف قرى ومدن القطر المصري - يصحب معه «خطط» المقريزي، و «خطط» علي مبارك، ومؤلّفات إميلينو وجوتييه وماسبير ووفييت، يسترشد بها لتحقيق تاريخ تكوين البلاد المصرية وأسماء مواقعها، وتمكّن من معرفة أصولها جميعا أو كاد، وصار الحجّة الكبرى بين الإخصائيين في هذا الشّأن، وعكف بعد إحالته إلى المعاش على إظهار هذه التّحقيقات في شكل كتب واستدراكات، فكان يحقّق الأسماء الجغرافية على الخرائط ويزيد على جزازاته كلّ جديد. وأتاح له عمله - كمفتّش مالية لمدّة ثلاثين عاما - أن يزور جميع قرى مصر وتوابعها بلا استثناء، وكان خلال عمله الرّسمي - وهو قياس الأرض وربط الخراج عليها - يبحث أثناء مروره في القرى عن تاريخ تكوينها وضبط حروف أسمائها وشكلها ويستمع لنطق أسمائها من سكّانها.
كان انطلاق محمد رمزي في تحقيق فكرة تأليف كتابه «القاموس الجغرافي للبلاد المصرية» الذي بدأ به فور إحالته إلى المعاش وتفرّغه للعمل البحثي، من كتاب «التّحفة السّنيّة بأسماء البلاد المصرية» لابن الجيعان الذي تبينّ له أنّه يشتمل أسماء الأعمال المصرية وأسماء البلاد في كلّ عمل، وهي الأسماء التي وردت في الرّوك الحسامي الذي عمل سنة ٦٩٧ هـ/ ١٢٩٧ م، يقول رمزي بك:
«وقد اتّخذت «كتاب التّحفة السّنيّة» لابن الجيعان أساسا لأبحاثي ووثيقة رسمية بين ما ظهر قبله من الكتب التي من نوعه في السّنين السّابقة على سنة ٨٨٣ هـ التي توافق سنة ١٤٧٧ م، وبين ما ظهر منها بعد ذلك التّاريخ إلى اليوم؛ أي اتّخذته دليلا للمقارنة بين الماضي والحاضر، وبذلك أمكنني أن أعرف البلاد التي درست من الرّوك الحسامي والبلاد التي استجدّت في الرّوك النّاصري، ثم ما عرفته فيما بعد من دار المحفوظات بالقلعة وحجج الأوقاف بوزارة الأوقاف والمحاكم الشّرعية ممّا استجدّ واندثر من القرى المصرية من عهد كتاب التّحفة إلى اليوم».
وفي سنة ١٩٤١ تعرّف رمزي بك على المؤرّخ الراحل الدكتور عزيز سوريال عطيّة الذي كان بصدد إخراج نشرة لكتاب «قوانين الدّواوين» لابن ممّاتي، الذي كتبه مؤلّفه سنة ٥٨٨ هـ/ ١١٩٢ م فاتّخذه أصلا ثانيا لأبحاثه عن البلاد والقرى المصرية.
وخلّف رمزي بك، عند وفاته في ٢٦ فبراير سنة ١٩٤٥ م، نحو عشرة آلاف جزازة تمثّل ثروة جغرافية هائلة عن القرى المندرسة والقديمة والحديثة، قدّمها صهره المهندسن حسن فؤاد مدير
стр. 1615
المساحة المصرية آنذاك إلى دار الكتب المصرية التي أخرجتها في خمسة أجزاء بين سنتي ١٩٥٣ - ١٩٦٨ م في طبعة أنيقة بعنوان «القاموس الجغرافي للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريين إلى سنة ١٩٤٥»، أشرف على إخراجها الأستاذان أحمد رامي وكيل الدّار، وأحمد لطفي السّيّد بالقسم الأدبي بالدّار.
وتركّز اهتمام محمد بك رمزي في مجالين رئيسين: أسماء المدن والقرى المصرية، وخطط ومعالم مدينة القاهرة. ففي المجال الأوّل أصدرت له مصلحة المساحة سنة ١٩٤١ «الدّليل الجغرافي لأسماء المدن والنّواحي المصرية المعتبرة وحدة عقارية لحصر الأراضي وتحصيل الأموال المقرّرة»؛ وفي المجال الثّاني كتب سلسلة من الدّراسات الهامّة بدأها ب «مذكّرة ببيان الأغلاط التي وقعت من مصلحة التّنظيم في تسمية الشّوارع والطّرق بمدينة القاهرة وضواحيها» قدّمها إلى وزير الأشغال العمومية يوم ٥ مايو سنة ١٩٢٥ وطبعها في دار الكتب المصرية. كما كتب سنة ١٩٤١ «نبذة تاريخية عن الوصف الطّبوغرافي للمنطقة التي تتوسّطها مدرسة فؤاد الأوّل (الحسينيّة الآن) بالعبّاسية»، ونشر في العام نفسه «نبذة تاريخية عن الوصف الطّبوغرافي لمنطقة خطّ القصر العالي (جاردن سيتي الآن) الكائن بين مبانيها المدرسة الإبراهيمة الثّانوية»، وكتب كذلك «نبذة تاريخية عن مكان المدرسة الخديوية»، وأخرى عن «مكان مدرسة بنباقادن الثانوية». وهذه الأبحاث الأربعة الأخيرة لم أتمكّن من الوقوف عليها.
ونشر في مجلة «العلوم» سلسلة مقالات عن «الجغرافية التّاريخية لمدينة القاهرة»، الأولى عن «عواصم مصر الإسلامية: الفسطاط والعسكر والقطائع»، ٥/ ٢ (١٩٤٢)، ٦٤١ - ٦٦١؛ والثّانية: «شاطئا النّيل تجاه مصر القديمة والقاهرة وما طرأ عليهما من التحوّلات من الفتح العربي لمصر إلى اليوم»، ٤/ ٣ (١٩٤٢)، ٤٩٧ - ٥٢٣؛ والثّالثة عن: «شبرا وروض الفرج» (مايو - يونية ١٩٤٢)، ٣٢٢ - ٣٣٦.
ومع ذلك تظلّ أهمّ إسهامات محمد بك رمزي في الجغرافية التاريخية لمدينة القاهرة، هي التّعليقات الغنيّة التي أثرى بها هوامش كتاب «النّجوم الزاهرة» لابن تغري بردي ابتداء من الجزء الرابع وحتى الجزء الحادي عشر. وقد أشار إلى ذلك المشرفون على القسم الأدبي بدار الكتب المصرية الذي أصدر هذه النّشرة. فقد جاء في هامش صفحة ٢٩ من الجزء الرابع تنبيه نصّه:
«التّعليقات الخاصّة بتحديد الأماكن الأثرية من صفحة ٣٠ إلى صفحة ٥٤ من وضع الأستاذ محمد رمزي بك المفتّش بوزارة المالية سابقا». ثم جاء في نهاية الجزء صفحة ٢٨٤ تنبيه آخر نصّه: «أشرنا أثناء تعليقات هذا الجزء إلى أنّ صاحب العزّة العالم المحقّق الأستاذ محمد رمزي بك
стр. 1616
المفتّش بوزارة المالية سابقا هو الذي أفادنا بتعليقاته المفيدة القيّمة الخاصّة بتعيين الأماكن الأثرية والقرى القديمة التي وردت في هذا الجزء مع تحديد موقعها الآن بغاية الدّقّة، ممّا يدلّ على سعة اطّلاعه وغزارة علمه وطول باعه في البحث والتّحقيق، فنسدي إليه جزيل الشّكر على المعاونة التاريخية لخدمة الجمهور». وورد في صفحة ٣٩٠ من الجزء الحادي عشر - الصّادر سنة ١٩٥١ - تنبيه ثالث نصّه:
«التّعليقات الخاصّة بالأماكن الأثرية والمدن والقرى المصرية القديمة وغيرها مع تحديد أماكنها، من وضع العلاّمة المحقّق المرحوم محمد رمزي بك، الذي كان مفتّشا بوزارة المالية وعضوا في المجلس الأعلى لإدارة حفظ الآثار العربية، كالتّعليقات السّابقة في الأجزاء الماضية ابتداء من الجزء الرابع. ولا يسعنا إلاّ أن نسأل اللّه جلّت قدرته أن ينزل على قبره شآبيب رحمته وأن يجزيه الجزاء الأوفى على خدمته للعلم وأهله. وكانت وفاته ﵀ يوم الاثنين ١٣ ربيع الأوّل سنة ١٣٦٤ هـ (٢٦ فبراير سنة ١٩٤٥ م)».
وإلى جانب استعانة دار الكتب به للاستفادة من علمه في مجال الجغرافية التاريخية وتحديد المواضع الأثرية، أرسلت إليه كذلك مصلحة المساحة ولجنة حفظ الآثار العربية ومصلحة التّنظيم ولجنة تسمية الشّوارع والمجلس الحسبي العالي ولجنة التّقسيم الإداري بوزارة الدّاخلية، تستمدّ معلوماته في تاريخ البلاد المصرية فلم يضنّ عليها جميعا طواعية واحتسابا.
واستمدّت تعليقات محمد رمزي أهميّتها، بالإضافة إلى اعتماده على المصادر الأولى للمعلومات، من أنّها اعتمدت في الأساس على زيارته ومشاهدته لهذه المدن والقرى، وللشّوارع والجوامع والمدارس والحمّامات والدّور القديمة ومعاينته لها على الطّبيعة، وقد زالت الآن للأسف الكثير من هذه المواضع ونقاط الاستدلال، وقد حدّثت قدر طاقتي المعلومات التي وردت في تعليقات محمد بك رمزي في أثناء تعليقي على هذا المجلّد من «خطط» المقريزي.
وترك محمد بك رمزي أبحاثا كثيرة لا نعرف للأسف الشّديد مصيرها الآن، وتتّضح أهميّة هذه الأبحاث من عناوينها، مثل: «تاريخ التّقسيم الإداري من عهد الفراعنة إلى الآن»، و «تاريخ مساجد القاهرة»، و «شرح كتاب الخطط المقريزية والتّعليق على جميع ما ورد به من الأماكن والمساجد والمدارس»، و «تاريخ التّرع والخلجان بالقاهرة»، و «أبواب القاهرة»، و «تاريخ الوزارة المصرية»، و «تاريخ المساحة المصرية».
стр. 1617
وحدّثّني صديق ثقة من هواة التّردّد على مكتبات بيع الكتب القديمة، في أحد أيّام عام ١٩٧٧، أنّه شاهد في مكتبة الكتبي المعروف حسين حجّاج، ﵀ وكانت تقع في مسجد يوسف أغا الحين بميدان باب الخلق - نسخة «خطط» المقريزي الخاصّة بمحمد رمزي، وهي مليئة بالتّعليقات والهوامش والطّيّارات بخطّه، يعرضها على أحد هواة الكتب الخليجيين وطلب فيها في ذلك الوقت مائتي جنيه، فاستمهله الصّديق أن يتريّث في بيعها حتى يأتي له بالمبلغ الذي حاول جمعه من بعض الأصدقاء ولكنّه لم يتمكّن، وفقدت هذه الثّروة العلمية التي لا تقدّر بثمن!
رحم اللّه محمد بك رمزي وجعل ما قدّمه لجغرافية مصر وطبوغرافية القاهرة في موازينه يوم العرض عليه.
***
ولفت انتباهي أثناء تعليقي على هذا المجلّد وتتبّع الدّراسات التي كتبت عن التّاريخ العمراني لمدينة القاهرة ووصف معالمها، وعلى الأخصّ في العصر المملوكي، قلّة الدّراسات المنشورة باللغة العربية في هذا الموضوع مقارنة بما نشره المستشرقون في الرّبع قرن الأخير. فبعد جيل الرّوّاد الذين درسوا تاريخ الدّولتين الأيّوبية والمملوكية في مصر في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، لم تكتب بالعربية أيّة دراسة شاملة عن هذه الفترة، برغم ظهور العديد من المصادر الجديدة والكتابات الأثرية وحجج الأوقاف التي تقدّم مادّة غنيّة استفاد منها على العكس الباحثون الغربيون وقدّموا سلسلة من الدّراسات الهامّة في هذا الموضوع، بل إنّ جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية تصدر منذ عام ١٩٩٧ دورية جديدة متخصّصة عنوانها Mamluk Studies Review صدر منها حتى الآن ستة مجلّدات (١).
قد تكون هناك دراسات جامعية تناولت بعض آثار مدينة القاهرة وأحيائها في العصر المملوكي، ولكن عدم نشرها وإتاحتها للبحث العلمي يجعلها كأن لم تكن. كما أنّ هناك
_________
(١) راجع حول هذا الموضوع، Guo، L.، «Mamluk Historiographic Studies: The State of the Art»، MSR I (١٩٩٧)، pp. ١٥ - ٤٣; Bloom، J.، «Mamluk Art and Architectural History: A Review Article»، MSR III (١٩٩٩)، pp. ٣١ - ٥٨; Irwin، R.، L ٢ «Under Western Eyes: A History of Mamluk Studies»، MSR IV (٢٠٠٠)، pp. ٢٧ - ٥١.
стр. 1618
فرق في التّناول بين هذه الدّراسات والتّناول الشّامل الذي تقدّمه لنا على سبيل المثال دراسات J. -Cl.Garcin و A.Raymond و M.Meinecke و D.Behrens-Abouseif و J.Revault و B.Maury و C.Williams و J.Bloom و S.Denoix في مجال العمران المدني والآثار، أو U.Haarmann و C.Petry و P.، Thorau و M.Chapoutot Remadi و L.Northrup و E.Levanoni حول تاريخ دولة المماليك.
***
وبعد، فالشّكر موصول إلى مؤسّسة الفرقان للتّراث الإسلامي بلندن وعلى رأسها بلندن وعلى رأسها معالي العالم الأديب الشّيخ أحمد زكي يماني على كلّ الإمكانات التي وفّرتها لي لإخراج هذا المجلّد على هذه الصّورة. سائلا اللّه أن يعينني على إتمام إخراج هذا الكتاب، وما توفيقي إلاّ باللّه ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
أيمن فؤاد سيّد
القاهرة
في ١٩ رمضان سنة ١٤٢٣ هـ
٢٤ نوفمبر سنة ٢٠٠٢ م
стр. 1619
ذكر حارات القاهرة وظواهرها (١)
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ربّ زدني علما قال ابن سيده: والحارة كلّ محلّة دنت منازلهم (¬a). قال: والمحلّة منزل القوم (٢).
وبالقاهرة وظواهرها عدّة حارات، وهي:
حارة بهاء الدّين
هذه الحارة كانت قديما خارج باب الفتوح الذي وضعه القائد جوهر عندما اختطّ أساس القاهرة من الطّوب النّيء؛ وقد بقي من هذا الباب عقدة برأس حارة بهاء الدّين. وصارت هذه الحارة اليوم من داخل باب الفتوح الذي وضعه أمير الجيوش بدر الجمالي، وهو الموجود الآن.
وحدّ هذه الحارة عرضا من خطّ باب الفتوح الآن إلى خطّ خان (¬b) الوراقة بسوق المرحّلين،
стр. 1620
وحدّها طولا فيما وراء ذلك إلى خطّ باب القنطرة. وكانت هذه الحارة تعرف بحارة الرّيحانيّة والوزيرية - وهما طائفتان من طوائف عسكر الخلفاء الفاطميين - فإنّ بها كانت مساكنهم، وكان فيها لهاتين الطّائفتين دور عظيمة وحوانيت عدّة (¬a). وقيل لها أيضا «بين الحارتين»، واتّصلت العمارة إلى السّور، (¬b)) ثم عرفت في الدّولة الأيّوبيّة بحارة بهاء الدّين، وهو الأمير بهاء الدّين قراقوش (¬b)» (١).
ولم تزل الرّيحانيّة والوزيرية بهذه الحارة إلى أن كانت واقعة السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب بالعبيد.
ذكر واقعة العبيد -
وسببها أنّ مؤتمن الخلافة جوهرا - أحد الأستاذين المحنّكين بالقصر - تحدّث في إزالة صلاح الدّين يوسف بن أيّوب من وزارة الخليفة العاضد لدين اللّه عند ما ضايق أهل القصر وشدّد عليهم، واستبدّ بأمر (¬c) الدّولة وأضعف جانب الخلافة، وقبض على أكابر أهل الدّولة.
فصار مع جوهر عدّة من الأمراء المصريين والجند، واتّفق رأيهم أن يبعثوا إلى الفرنج ببلاد السّاحل يستدعونهم إلى القاهرة، حتى إذا خرج صلاح الدّين لقتالهم (¬d) بعسكره، ثاروا هم في القاهرة (¬e)، واجتمعوا مع الفرنج على إخراجه من مصر.
فسيّروا رجلا إلى الفرنج، وجعلوا كتبهم التي معه في نعل، وحفظت بالجلد مخافة أن يفطن بها. فسار الرّجل إلى بئر (¬f) البيضاء (٢) قريبا من بلبيس، فإذا بعض أصحاب صلاح الدّين هناك، فأنكر أمر الرّجل من أجل أنّه جعل النّعلين في يده، ورآهما وليس فيهما أثر المشي والرّجل رثّ الهيئة، فارتاب وأخذ منه (¬g) النّعلين وشقّهما فوجد الكتب في باطنهما (¬h). فحمل الرّجل والكتب إلى صلاح الدّين، فتتبّع خطوط الكتب حتى عرفت، فإذا الذي كتبها من اليهود الكتّاب، فأمر بقتله، فاعتصم بالإسلام وأسلم، وحدّثه الخبر.
стр. 1621
فبلغ ذلك مؤتمن الخلافة، فاستشعر الشرّ وخاف على نفسه ولزم القصر، وامتنع من الخروج عنه (¬a). فأعرض صلاح الدّين/ عن ذلك جملة. وطال الأمد، فظنّ الخصيّ أنّه قد أهمل أمره، وشرع يخرج من القصر، وكانت له منظرة بناها بناحية الخرقانية (١) في بستان، فخرج إليها في جماعة. وبلغ ذلك صلاح الدّين، فأنهض إليه عدّة هدموا عليه وقتلوه في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة سنة أربع وستين وخمس مائة، واحتزّوا رأسه وأتوا بها إلى صلاح الدّين.
فاشتهر ذلك بالقاهرة وأشيع، فغضب العسكر المصري وثاروا بأجمعهم في سادس عشرينه، وقد انضمّ إليهم عالم عظيم من الأمراء والعامّة حتى صاروا ما ينيف على خمسين ألفا، وساروا إلى دار الوزارة، وفيها يومئذ ساكنا بها صلاح الدّين، وقد استعدّوا بالأسلحة. فبدر (¬b) شمس الدّولة فخر الدّين توران شاه أخو صلاح الدّين، وصرخ في عساكر الغزّ، وركب صلاح الدّين وقد اجتمع إليه طوائف من أهله وأقاربه وجميع الغزّ، ورتّبهم. ووقفت الطّائفة الرّيحانية والطّائفة الجيوشية والطّائفة الفرحيّة (¬c)، وغيرهم من الطّوائف السّودان (¬d)، ومن انضمّ إليهم بين القصرين.
فدارت الحرب (¬e) بينهم وبين صلاح الدّين، واشتدّ الأمر وعظم الخطب حتى لم يبق إلاّ هزيمة صلاح الدّين وأصحابه. (¬f)) فلمّا عاين الغلب (¬f) أمر توران شاه بالحملة على السّودان، فقتل فيها أحد مقدّميهم، فانكفّ بأسهم قليلا، وعظمت حملة الغزّ عليهم، فانكسروا إلى باب الذّهب ثم إلى باب الزّهومة، وقتل حينئذ عدّة من الأمراء المصريين وكثير ممّن عداهم.
وكان العاضد في هذه الوقعة يشرف من المنظرة، فلمّا رأى أهل القصر كسرة (¬g) السّودان وعساكر مصر، رموا على الغزّ من أعلى القصر بالنّشّاب والحجارة حتى أنكوا فيهم، وكفّوهم عن القتال وكادوا ينهزمون. فأمر حينئذ صلاح الدّين النّفّاطين بإحراق المنظرة، فأحضر شمس الدّولة النّفّاطين، وأخذوا في تطييب قارورة النّفط وصوّبوا بها على المنظرة التي فيها العاضد.
فخاف العاضد على نفسه، وفتح باب المنظرة زعيم الخلافة أحد الأستاذين، وقال بصوت عال:
«أمير المؤمنين يسلّم على شمس الدّولة، ويقول دونكم والعبيد الكلاب، أخرجوهم من
стр. 1622
بلادكم». فلمّا سمع السّودان ذلك ضعفت قلوبهم وتخاذلوا، فحمل عليهم الغزّ فانكسروا، وركب القوم أقفيتهم إلى أن وصلوا إلى السّيوفيين، فقتل منهم كثير وأسر منهم كثير، وامتنعوا هناك على الغزّ بمكان فأحرق عليهم.
وكان في دار الأرمن (١) التي كانت قريبا من بين القصرين خلق عظيم من الأرمن كلّهم رماة، ولهم جار في الدّولة يجري عليهم، فعند ما قرب منهم الغزّ رموهم عن يد واحدة، حتى امتنعوا عن أن يسيروا إلى العبيد، فأحرق شمس الدّولة دارهم حتى هلكوا حرقا وقتلا، ومرّوا إلى العبيد. فصاروا كلّما دخلوا مكانا أحرق عليهم وقتلوا فيه، إلى أن وصلوا إلى باب زويلة فإذا هو مغلوق، فحصروا هناك، واستحرّ (¬a) فيهم القتل مدّة يومين، ثم بلغهم أنّ صلاح الدّين أحرق المنصورة التي كانت أعظم حاراتهم (٢). وأخذت عليهم أفواه السّكك، فأيقنوا أنّهم قد أخذوا لا محالة، فصاحوا: الأمان، فأمّنوا، وذلك يوم السّبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة؛ وفتح لهم باب زويلة فخرجوا إلى الجيزة. فعدّى عليهم شمس الدّولة في العسكر - وقد قووا بأموال المهزومين وأسلحتهم - وحكّموا فيهم السّيف حتى لم يبق منهم إلاّ الشّريد، وتلاشى من هذه الواقعة أمر العاضد (٣).
وكان من غرائب الاتّفاقات أنّ الدّولة الفاطمية كان الذي افتتح لها بلاد مصر وبنى القاهرة جوهر القائد، والذي كان سببا في إزالة الدّولة وخراب القاهرة جوهر المنعوت بمؤتمن الخلافة هذا.
ثم لمّا استبدّ صلاح الدّين يوسف بسلطنة الدّيار المصرية، بعد موت الخليفة العاضد لدين اللّه، سكن هذه الحارة الأمير الطّواشيّ الخصيّ بهاء الدّين قراقوش بن عبد اللّه الأسدي فعرفت به.
стр. 1623
حارة برجوان
منسوبة إلى الأستاذ أبي الفتوح برجوان الخادم، كان خصيّا أبيض تام الخلقة، ربّي في دار الخليفة العزيز باللّه، وولاّه أمر القصور، فلمّا حضرته الوفاة وصّاه على ابنه الأمير أبي عليّ منصور (١). فلمّا مات العزيز باللّه، أقيم ابنه منصور في الخلافة من بعده، وقام بتدبير الدّولة أبو محمد الحسن بن عمّار الكتامي (٢)، فدبّر الأمور وبرجوان يناكده فيما يصدر منه (¬a)، ويختصّ بطوائف من العسكر دونه، إلى أن فسد (¬b) أمر ابن عمّار. فنظر برجوان في تدبير الأمور يوم الجمعة لثلاث بقين من رمضان سنة سبع وثمانين وثلاث مائة، وصار الواسطة بين الحاكم وبين النّاس، فأمر بجمع الغلمان ونهاهم عن التعرّض لأحد من الكتاميين والمغاربة.
ووجّه إلى دار ابن عمّار، فمنع النّاس من التّعرّض إليها (¬c) بعد أن كانوا قد أحاطوا بها وانتهبوا منها، وأمر أن يجري لأصحاب الرّسوم والرّواتب جميع ما كان ابن عمّار قطعه، وأجرى لابن عمّار ما كان يجري له في أيّام العزيز باللّه من الجرايات لنفسه ولأهله وحرمه. ومبلغ ذلك من اللّحم والتّوابل خمس مائة دينار في كلّ شهر، تزيد عن ذلك أو تنقص عنه على قدر الأسعار، مع ما كان له من الفاكهة وهو في كلّ يوم سلّة بدينار، وعشرة أرطال شمع بدينار ونصف، وحمل ثلج (¬d).
وجعل كاتبه أبا العلاء/ فهد بن إبراهيم النّصراني يوقّع عنه (٣)، وينظر في قصص الرّافعين وظلاماتهم. فجلس لذلك في القصر، وصار يطالعه بجميع ما يحتاج إليه. ورتّب الغلمان في
стр. 1624
القصر، وأمرهم بملازمة الخدمة وتفقّد أحوالهم، وأزاح (¬a) علل أولياء الدّولة، وتفقّد أمور النّاس وأزال ضروراتهم، ومنع النّاس كافّة من التّرجّل له. وكان (¬b) النّاس يلقونه في داره، فإذا تكامل لقاؤهم ركبوا بين يديه إلى القصر، ما عدا الحسين بن جوهر والقاضي ابن النّعمان فقط، فإنّهما كانا يتقدّمانه من دورهما إلى القصر أو يلحقانه، ويكون سلامهما عليه بالقصر (¬c)، ثم (¬d) أنّه لقّب كاتبه فهدا بالرّئيس، فصار يخاطب بذلك ويكاتب به.
وكان برجوان يجلس في دهاليز القصر، ويجلس الرّئيس فهد في الدّهليز (¬e) الأوّل يوقّع وينظر، ويطالع برجوان بما يحتاج إليه ممّا يطالع به الحاكم، فيخرج الأمر بما يكون العمل به.
وترقّت أحوال برجوان إلى أن بلغ النّهاية، فقصّر عن الخدمة، وتشاغل بلذّاته، وأقبل على سماع الغناء، وأكثر من الطّرب. وكان شديد المحبّة في الغناء، فكان المغنّون من الرّجال والنّساء يحضرون داره، فيكون معهم كأحدهم. ثم يجلس في داره حتى يمضي صدر النّهار، ويتكامل جميع أهل الدّولة وأرباب الأشغال على بابه. فيخرج راكبا، ويمضي إلى القصر فيمشي من الأمور ما يختار بغير مشاورة.
فلمّا تزايد الأمر وكثر استبداده، تجرّد له الحاكم، ونقم عليه أشياء من تجرّيه عليه ومعاملته له بالإذلال وعدم الامتثال، منها أنّه استدعاه يوما وهو راكب معه، فصار إليه وقد ثنى رجله على عنق فرسه، وصار باطن قدمه وفيه الخفّ قبالة وجه الحاكم، ونحو ذلك من سوء الأدب.
فلمّا كان يوم الخميس سادس عشرين ربيع الآخر سنة تسعين وثلاث مائة، أنفذ إليه الحاكم عشيّة للرّكوب معه إلى المقس (¬f)، فجاء بعد ما تباطأ وقد ضاق الوقت (¬g)) فدخل إلى القصر والموكب راكب بالباب (¬g)، فلم يكن بأسرع من خروج عقيق الخادم باكيا يصيح: قتل مولاي - وكان هذا الخادم عينا لبرجوان في القصر - فاضطّرب النّاس، وأشرف عليهم الحاكم، وقام ريدان (¬h) - صاحب المظلّة - فصاح بهم: «من كان في الطّاعة فلينصرف إلى منزله، ويبكّر إلى القصر المعمور»، فانصرف الجميع.
стр. 1625
وكان (¬a) من خبر قتل برجوان أنّه لمّا دخل إلى القصر، كان الحاكم في بستان يعرف بدويرة التّين والعنّاب ومعه ريدان (¬b)، فوافاه برجوان بها وهو قائم فسلّم ووقف، فسار الحاكم إلى أن خرج من باب الدّويرة، فوثب ريدان (¬b) على برجوان وضربه بسكين كانت معه في خفه (¬c)، وابتدره قوم كانوا قد أعدّوا للفتك به، فأثخنوا جراحه (¬d) بالخناجر، واحتزّوا رأسه ودفنوه هناك. ثم إنّ الحاكم أحضر إليه الرّئيس فهدا بعد عشاء الآخرة، وقال له: أنت كاتبي، وطمّنه وأمّنه (¬e) (١).
فكانت مدّة نظر برجوان في الوساطة سنتين وثمانية أشهر تنقص يوما واحدا.
ووجد الحاكم في تركته مائة منديل - يعني عمامة - كلها شروب ملوّنة معمّمة على مائة شاشيّة، وألف سراويل دبيقية بألف تكّة حرير أرمنيّ، ومن الثّياب المخيطة والصّحاح والحليّ والمصاغ والطّيب والفرش والصّياغات الذّهب والفضّة ما لا يحصى كثرة، ومن العين ثلاثة وثلاثين ألف دينار، ومن الخيل لركابه (¬f) مائة وخمسين فرسا وخمسين بغلة، ومن بغال النّقل ودواب الغلمان نحو ثلاث مائة رأس، ومائة وخمسين سرجا منها عشرون ذهبا، ومن الكتب شيء كثير (٢). وحمل لجاريته من مصر إلى القاهرة رحل على ثمانين حمارا.
قال ابن خلّكان: وبرجوان بفتح الباء الموحّدة وسكون الرّاء وفتح الجيم والواو وبعد الألف نون (٣)؛ هكذا وجدته مقيّدّا بخطّ بعض الفضلاء.
وقال ابن عبد الظّاهر: ويسمّى الوزع، سمّاه به الحاكم (٤).
стр. 1626
حارة زويلة
قال ابن عبد الظّاهر: لمّا نزل القائد جوهر بالقاهرة، اختطّت كلّ قبيلة خطّة عرفت بها.
فزويلة بنت الحارة المعروفة بها، والبئر التي تعرف ببئر زويلة في المكان الذي تعمل فيه الرّوايا الآن (¬a)، وهي التي اختطّت البابين المعروفين ببابي زويلة (¬b) (١).
وقال ياقوت: زويلة - بفتح الزّاي وكسر الواو وياء ساكنة وفتح اللام - أربعة مواضع:
الأوّل: زويلة السّودان، وهي قصبة من أعمال فزّان في جنوب إفريقيّة، مدينة كثيرة النّخل والزّرع.
الثّاني: زويلة المهديّة، بلد كالرّبض للمهديّة، اختطّه عبيد اللّه الملقّب بالمهدي، وأسكنه الرّعيّة، وسكن هو بالمهديّة التي استحدثها (¬c)، فكانت دكاكين الرّعيّة وأمتعتهم بالمهديّة، ومنازلهم وحرمهم بزويلة، فكانوا يظلّون بالنّهار في المهديّة، ويبيتون ليلا بزويلة. وزعم المهديّ أنّه فعل بهم ذلك ليأمن غائلتهم، قال: أحول بينهم وبين أموالهم ليلا، وبينهم وبين نسائهم نهارا.
الثّالث: باب زويلة بالقاهرة من جهة الفسطاط.
الرّابع: حارة زويلة، محلّة كبيرة بالقاهرة بينها وبين باب زويلة عدّة محالّ، سمّيت بذلك لأنّ جوهرا غلام المعزّ لمّا اختطّ القاهرة (¬d)، أنزل أهل زويلة بهذا المكان فسمّى (¬e) بهم (٢).
стр. 1627
حارة المحموديّة (¬a)
الصّواب في هذه الحارة أن يقال حارة المحموديّة على الإضافة، فإنّها عرفت بطائفة من طوائف عساكر (¬b) الدّولة الفاطمية كان يقال لها الطائفة المحموديّة. وقد ذكرها المسبّحيّ/ في تاريخه مرارا، قال في سنة (¬c): وفيها اقتتلت (¬d) الطائفة المحموديّة واليانسيّة.
واشتبه أمر هذه الحارة على ابن عبد الظّاهر فلم يعرف نسبتها لمن، وقال: لا أعلم في الدّولة المصرية من اسمه محمود إلاّ ركن الإسلام محمود بن أخت الصّالح بن رزّيك صاحب التّربة بالقرافة، اللّهم إلاّ أن يكون محمود بن مصال اللّكّي (¬e) الوزير، فقد ذكر ابن القفطي أنّ اسمه محمود، ومحمود صاحب المسجد بالقرافة، وكان في زمن السّريّ بن الحكم قبل ذلك (١).
وهذا وهم آخر، فإنّ ابن مصال الوزير اسمه سليمان (¬f) وينعت بنجم الدّين (٢).
ووقعت في هذه الحارة نكتة، قال القاضي الفاضل في «متجدّدات» سنة أربع وتسعين وخمس مائة، والسّلطان يومئذ بمصر الملك العزيز عثمان بن صلاح الدّين: وكان في شعبان قد تتابع أهل مصر والقاهرة في إظهار المنكرات وترك الإنكار لها، وإباحة أهل الأمر والنّهي فعلها، وتفاحش الأمر فيها إلى أن غلا سعر العنب لكثرة من يعصره.
وأقيمت طاحون بالمحموديّة لطحن حشيشة المزر وأفردت برسمه، وحمّيت بيوت المزر وأقيمت عليها الضّرائب الثّقيلة، فمنها ما انتهى أمره في كلّ يوم إلى ستة عشر دينارا، ومنع المزر البيتوتي ليتوفّر الشّراء من مواضع الحمي، وحملت أواني الخمر على رءوس الأشهاد وفي الأسواق من غير منكر، وظهر من عاجل عقوبة اللّه وقوف زيادة النّيل عن معتادها، وزيادة سعر الغلّة في وقت ميسورها (٣).
стр. 1628
حارة الجوذريّة
هذه الحارة أيضا عرفت بالطّائفة الجوذريّة، إحدى طوائف العسكر في أيّام الحاكم بأمر اللّه، على ما ذكره المسبّحيّ.
وقال ابن عبد الظّاهر: الجوذريّة (¬a) منسوبة إلى جماعة تعرف (¬b) بالجوذريّة (¬a) اختطّوها، وكانوا أربع مائة [رجل] (¬c)، منهم أبو علي منصور الجوذري (¬a) (١) الذي كان في أيّام العزيز باللّه [على الأحباس] (¬c)، وزادت مكانته في الأيّام الحاكمية، فأضيفت إليه مع الأحباس الحسبة وسوق الرّقيق والسّواحل وغير ذلك؛ (¬d)) وكان يجلس في الصّاغة يحطّ المكوس (¬d).
ولها حكاية سمعت جماعة يحكونها، وهي أنّها كانت سكن اليهود المعروفة بهم، فبلغ الخليفة الحاكم أنّهم يجتمعون بها في أوقات خلواتهم ويغنّون:
[مجزوء الرجز]
وأمّة قد ضلّوا … ودينهم معتلّ
قال لهم نبيّهم … نعم الأدام الخلّ
ويسخرون من هذا القول، ويتعرّضون إلى ما لا ينبغي سماعه (¬e)، فأتى إلى أبوابها وسدّها عليهم ليلا وأحرقها؛ فإلى هذا الوقت لا يبيت بها يهوديّ ولا يسكنها أبدا.
وقد كان في الأيّام العزيزية جوذر الصّقلبي أيضا، ضرب عنقه، ونهب ماله في سنة ستّ (¬f) وثمانين وثلاث مائة (٢).
стр. 1629
حارة الوزيريّة
هي أيضا تنسب إلى طائفة يقال لها الوزيريّة من جملة طوائف العسكر. وكانت أوّلا تعرف بحارة بستان المصمودي، وعرفت أيضا بحارة الأكراد (١).
قال ابن عبد الظّاهر: الوزيريّة منسوبة إلى الوزير يعقوب بن كلّس (٢).
وقال ابن الصّيرفي: والطّائفة المنعوتة بالوزيريّة إلى الآن منسوبة إليه - يعني الوزير يعقوب بن يوسف بن كلّس أبو الفرج - كان يهوديّا من أهل بغداد، فخرج منها إلى بلاد الشّام، ونزل بمدينة الرّملة وأقام بها، فصار فيها وكيلا للتجّار بها، واجتمع في قبله مال عجز عن أدائه. ففرّ إلى مصر في أيّام كافور الإخشيديّ، فتعلّق بخدمته، ومتّ (¬a) إليه بالمتجر، فباع إليه أمتعة أحيل بثمنها على ضياع مصر، فكثر لذلك تردّده إلى (¬b) الرّيف، وعرف أخبار القرى. وكان صاحب حيل ودهاء ومكر ومعرفة، مع ذكاء مفرط وفطنة، فمهر في معرفة الضّياع حتى كان إذا سئل عن أمر غلالها
стр. 1630
ومبلغ ارتفاعها وسائر أحوالها الظاهرة والباطنة، أتى من ذلك بالغرض. فكثرت أمواله، واتّسعت أحواله، وأعجب به كافور لما خبر فيه من الفطنة وحسن السّياسة، فقال: لو كان هذا مسلما لصلح أن يكون وزيرا. فلمّا بلغه هذا عن كافور، تاقت نفسه إلى الولاية، وأحضر من علّمه شرائع الإسلام سرّا (١).
(¬a)) قال ابن زولاق (¬a): فلمّا كان في شعبان من (¬b) سنة ستّ وخمسين وثلاث مائة (٢)، دخل إلى الجامع بمصر وصلّى صلاة الصّبح، وركب إلى كافور ومعه محمد بن عبد اللّه بن الخازن في خلق كثير. فخلع عليه كافور، ونزل إلى داره ومعه جمع كبير، وركب إليه أهل الدّولة يهنّؤنه، ولم يتأخّر عن الحضور إليه أحد. فغصّ بمكانه الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات وقلق بسببه، وأخذ في التّدبير عليه ونصب الحبائل له حتّى خافه يعقوب، فخرج من مصر فارّا منه يريد بلاد المغرب في شوّال سنة سبع وخمسين، وقد مات كافور. فلحق بالمعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ، فوقع منه موقعا حسنا، وشاهد منه معرفة وتدبيرا.
فلم يزل في خدمته حتى قدم من المغرب إلى القاهرة في شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاث مائة، فقلّده في رابع عشر المحرّم سنة ثلاث وستين الخراج وجميع وجوه الأموال والحسبة والسّواحل والأعشار والجوالي والأحباس والمواريث والشّرطتين، وجميع ما ينضاف (¬c) إلى ذلك وما يطرأ في مصر، وسائر الأعمال. وأشرك معه في ذلك كلّه عسلوج بن الحسن، وكتب لهما سجلاّ قرئ في يوم الجمعة على منبر جامع أحمد بن طولون، فقبضت أيدي سائر العمّال والمتضمّنين (٣).
وجلس يعقوب وعسلوج في دار الإمارة في جامع أحمد بن طولون للنّداء على الضّياع وسائر وجوه الأموال، وحضر النّاس/ للقبالات (٤)، وطالبا بالبقايا من الأموال ممّا على النّاس من المالكين
стр. 1631
والمتقبّلين والعمّال، واستقصيا في الطّلب، ونظرا في المظالم (١). فتوفّرت الأموال، وزيد في الضّياع، وتزايد النّاس وتكاشفوا، وامتنعا أن يأخذا إلاّ دينارا معزيّا، فاتّضع الدّينار الرّاضي وانحطّ [إلى نحو ثلثي دينار] (¬a) ونقص من صرفه أكثر من ربع دينار، فخسر النّاس كثيرا من أموالهم في الدّينار الأبيض والدّينار الرّاضي. وكان صرف المعزّي خمسة عشر درهما ونصفا.
واشتدّ الاستخراج، فكان يستخرج في اليوم نيّف وخمسون ألف دينار معزّيّة، واستخرج في يوم واحد مائة وعشرون ألف دينار معزّيّة، وحصل في يوم واحد من مال تنّيس ودمياط والأشمونين أكثر من مائتي ألف دينار وعشرين ألف دينار، وهذا شيء لم يسمع قطّ بمثله في بلد (٢).
فاستمرّ الأمر على ذلك إلى المحرّم سنة خمس وستين وثلاث مائة، فتثاقل (¬b) يعقوب عن حضور ديوان الخراج، وانفرد بالنّظر في أمور المعزّ لدين اللّه في قصره وفي الدّور والموافقة (¬c) عليها.
وبعد ذلك بقليل مات المعزّ لدين اللّه في شهر ربيع الآخر منها، وقام من بعده في الخلافة ابنه العزيز باللّه أبو منصور نزار، ففوّض ليعقوب النّظر في سائر أموره، وجعله وزيرا في أوّل المحرّم سنة سبع وستين وثلاث مائة.
وفي شهر رمضان سنة ثمان وستين لقّبه ب «الوزير الأجلّ»، وأمر ألاّ يخاطبه أحد ولا يكاتبه إلاّ به، وخلع عليه وحمل (٣). ورسم له في المحرّم سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة أن يبدأ في مكاتباته باسمه على عنوانات الكتب النافذة عنه، وخرج توقيع العزيز بذلك (٤).
وفي هذه السّنة اعتقل في القصر، وردّ الأمر إلى جبر بن القاسم (٥)، فأقام معتقلا عدّة شهور، ثم أطلق في سنة أربع وسبعين، وحمل على عدّة خيول، وقرئ سجلّ بردّه إلى [ما كان له من] (¬d)
стр. 1632
تدبير الدّولة، ووهبه خمس مائة غلام من الناشئة وألف غلام من المغاربة ملّكه العزيز رقابهم.
فكان يعقوب أوّل وزراء الخلفاء الفاطميين بديار مصر، فدبّر أمور مصر والشّامات والحرمين وبلاد المغرب، وأعمال هذه الأقاليم كلّها من الرّجال والأموال والقضاء والتّدبير، وعمل له إقطاعا في كلّ سنة بمصر والشّام مبلغها ثلاث مائة ألف دينار، واتّسعت دائرته، وعظمت مكانته حتى كتب اسمه على الطّرز وفي الكتب.
وكان يجلس كلّ يوم في داره يأمر وينهى، فلا يرفع إليه رقعة إلا وقّع فيها، ولا يسأل في حاجة إلاّ قضاها. ورتّب في داره الحجّاب نوبا على مراتب (¬a)، وألبسهم الدّيباج وقلّدهم السّيوف، وجعل لهم المناطق، ورتّب في داره فرسين للنّوبة لا تبرح واقفة بسروجها ولجمها لمهمّ يرد (¬b).
ونصب في داره الدّواوين: فجعل ديوانا للعزيزية فيه عدّة كتّاب، وديوانا للجيش فيه عدّة كتّاب، وديوانا للأموال فيه عدّة كتّاب، (¬c)) وديوانا للسّجلاّت والإنشاء وديوانا للعجم وديوانا للعلوفات فيه عدّة كتّاب (¬c) وعدّة جهابذة، وديوانا للخراج، وديوانا للمستغلاّت، وأقام على هذه الدّواوين زماما. وجعل في داره خزانة للكسوة، وخزانة للمال، وخزانة للدفاتر، وخزانة للأشربة، وعمل على كلّ خزانة ناظرا.
وكان يجلس عنده في كلّ يوم الأطبّاء لينظروا في حال الغلمان، ومن يحتاج منهم إلى علاج أو إعطاء دواء، ورتّب في داره الكتّاب والأطبّاء يقفون بين يديه، وجعل فيها العلماء والأدباء والشّعراء والفقهاء والمتكلّمين وأرباب الصّنائع، لكلّ طائفة مكان مفرد، وأجرى على كلّ منهم الأرزاق.
وألّف كتبا في الفقه والقراءات، ونصب له مجلسا في داره يحضره في كلّ يوم ثلاثاء، ويحضر إليه الفقهاء والمتكلّمون وأهل الجدل يتناظرون بين يديه. فمن تآليفه كتاب في القرآن (¬d)، وكتاب في الأديان - وهو كتاب الفقه واختصره - وكتاب في آداب رسول اللّه ﷺ ، وكتاب في علم الأبدان وصلاحها في ألف ورقة، وكتاب في الفقه ممّا سمعه من الإمام المعزّ لدين اللّه والإمام العزيز باللّه.
وكان يجلس في يوم الجمعة أيضا، ويقرأ مصنّفاته على النّاس بنفسه، وفي حضرته القضاة والفقهاء والقرّاء وأصحاب الحديث والنّحاة والشّهود. فإذا فرغ من قراءة ما يقرأ من مصنّفاته، قام الشّعراء ينشدون مدائحهم فيه.
стр. 1633
وكان في داره عدّة كتّاب ينسخون القرآن الكريم والفقه والطّبّ وكتب الأدب وغيرها من العلوم، فإذا فرغوا من نسخها قوبلت وضبطت. وجعل في داره قرّاء وأئمّة يصلّون في مسجد داره، وأقام بداره عدّة مطابخ لنفسه ولجلسائه ولغلمانه وحواشيه.
وكان ينصب مائدة لخاصّته يأكل هو وخواصّه من أهل العلم ووجوه كتّابه وخواصّ غلمانه ومن يستدعيه عليها، وينصب عدّة موائد لبقيّة الحجّاب والكتّاب والحواشي.
وكان إذا جلس لقراءة كتابه (¬a) في الفقه الذي سمعه من المعزّ والعزيز، لا يمنع أحد من مجلسه، فيجتمع عنده الخاصّ والعامّ. ورتّب عند العزيز باللّه جماعة لا يخاطبون إلاّ بالقائد، وأنشأ عدّة مساجد ومساكن بمصر والقاهرة.
وكان يقيم في شهر رمضان الأطعمة للفقهاء ووجوه النّاس وأهل السّتر والتّعفّف، ولجماعة كثيرة من الفقراء. وكان إذا فرغ الفقهاء والوجوه من الأكل معه يطاف عليهم بالطّيب.
ومرض مرّة من علّة أصابت يده، فقال فيه عبد اللّه بن محمّد بن أبي الجوع (¬b) (١):
[البسيط]
/ يد الوزير هي الدّنيا فإن ألمت … رأيت في كلّ شيء ذلك الألما
تأمّل الملك وانظر فرط علّته … من أجله، واسأل القرطاس والقلما
وشاهد البيض في الأغماد حائمة … إلى العدا، وكثيرا ما روين دما
وأنفس النّاس بالشّكوى قد اتّصلت … كأنّما أشعرت من أجله سقما
هل ينهض المجد إلاّ أن يؤيّده … ساق يقدّم في إنهاضه قدما؟
لولا العزيز وآراء الوزير معا … تحيّفتنا خطوب تشعب الأمما
فقل لهذا وهذا أنتما شرف … لا أوهن اللّه ركنيه ولا انهدما
كلاكما لم يزل في الصّالحات يدا … مبسوطة ولسانا ناطقا وفما
ولا أصابكما أحداث دهركما … ولا طوي لكما ما عشتما علما
ولا انمحت عنك يا مولاي عافية … فقد محوت بما أوليتني العدما
стр. 1634
وكان النّاس يفتون بكتابه في الفقه، ودرس فيه الفقهاء بجامع مصر، وأجرى العزيز باللّه لجماعة فقهاء يحضرون مجلس الوزير أرزاقا في كلّ شهر تكفيهم.
وكان للوزير مجلس في داره للنّظر في رقاع المرافعين والمتظلّمين، ويوقّع بيده في الرّقاع، ويخاطب الخصوم بنفسه.
وأراد العزيز باللّه أن يسافر إلى الشّام في زمن ابتداء الفاكهة، فأمر الوزير أن يأخذ الأهبة لذلك، فقال: يا مولاي لكلّ سفر أهبة على مقداره، فما الغرض من السّفر؟ فقال: إنّي أريد التّفرّج بدمشق لأكل القراصيا. فقال: السّمع والطّاعة.
وخرج فاستدعى جميع أرباب الحمام، وسألهم عمّا بدمشق من طيور مصر وأسماء من هي عنده - وكانت مائة ونيّفا وعشرين طائرا - ثم التمس من طيور دمشق التي هي في مصر عدّة، فأحضرها، وكتب إلى نائبه بدمشق يقول: إنّ بدمشق كذا وكذا طائرا، وعرّفه أسماء من هي عنده، وأمره بإحضارها إليه جميعها، وأن يصرّ (¬a) من القراصيا في كلّ كاغدة، ويشدّها على كلّ طائر منها، ويسرّحها في يوم واحد.
فلم يمض إلاّ ثلاثة أيام أو أربعة حتى وصلت الحمائم كلّها، ولم يتأخّر منها إلاّ نحو عشر، وعلى جناحها القراصيا. فاستخرجها من الكواغد، وعملها في طبق من ذهب وغطّاها، وبعث بها إلى العزيز باللّه مع خادم، وركب إليه وقدّم ذلك، وقال: يا أمير المؤمنين قد حضرنا قبالك القراصيا ههنا، فإن أغناك هذا القدر وإلاّ استدعينا شيئا آخر. فعجب العزيز بالوزير، وقال: مثلك يخدم الملوك يا وزير.
واتّفق أنّه سابق العزيز بين الطّيور، فسبق طائر الوزير يعقوب طائر العزيز. فشقّ ذلك على العزيز، ووجد أعداء الوزير سبيلا إلى الطّعن فيه، فكتبوا إلى العزيز «أنّه قد اختار من كلّ صنف أعلاه، ولم يترك لأمير المؤمنين إلا أدناه حتّى الحمام». فبلغ ذلك الوزير، فكتب إلى العزيز:
[السريع]
قلّ لأمير المؤمنين الذي … له العلى والمثل الثّاقب
طائرك السّابق لكنّه … لم يأت إلاّ وله حاجب
فأعجب العزيز ذلك، وأعرض عمّا وشي به.
стр. 1635
ولم (١) يزل على حال رفيعة وكلمة نافذة إلى أن ابتدأت به علّته يوم الأحد الحادي والعشرين من ذي القعدة (¬a) سنة ثمانين وثلاث مائة، ونزل إليه العزيز باللّه يعوده، وقال له: وددت أنّك تباع فأبتاعك بمالي، أو تفدى فأفديك بولدي، فهل من حاجة توصي بها يا يعقوب؟ فبكى وقبّل يده، وقال: أمّا فيما يخصّني فأنت أرعى بحقّي من أن أسترعيك إيّاه، وأرأف عليّ من أن أوصيك به. ولكنّي أنصح لك فيما يتعلّق بك وبدولتك: سالم الرّوم ما سالموك، واقنع من الحمدانيّة بالدّعوة والشّكر، ولا تبق على مفرّج بن دغفل إن عرضت لك فيه فرصة. وانصرف العزيز، فأخذته السّكتة. وكان في سياق الموت يقول: «لا يغلب اللّه غالب».
ثم قضى نحبه ليلة الأحد لخمس خلون من ذي الحجّة، فأرسل العزيز باللّه إلى داره الكفن والحنوط، وتولّى غسله القاضي محمد بن النّعمان، وقال: كنت واللّه أغسل لحيته وأنا أرفق به خوفا أن يفتح عينه في وجهي. وكفّن في خمسين ثوبا بين مثقل (¬b) - يعني منسوجا بالذّهب - ووشي مذهّب وشرب دبيقي مذهّبا وحقّة كافور وقارورتي مسك، وخمسين منّا ماء ورد؛ وبلغت قيمة الكفن والحنوط عشرة آلاف دينار.
وخرج مختار الصّقلبي (¬c) وعليّ بن عمر العدّاس والرجال بين أيديهم ينادون: لا يتكلّم أحد ولا ينطق. وقد اجتمع النّاس فيما بين القصر ودار الوزير التي عرفت بدار الدّيباج. ثم خرج العزيز من القصر على بغلة، والنّاس يمشون بين يديه وخلفه بغير مظلّة والحزن ظاهر عليه، حتى وصل إلى داره، فنزل وصلّى عليه وقد طرح على تابوته ثوب مثقل، ووقف حتى دفن بالقبّة التي كان بناها وهو يبكي، ثم انصرف. وسمع العزيز وهو يقول: واطول/ أسفي عليك يا وزير، واللّه لو قدرت أفديك بجميع ما أملك لفعلت.
وأمر بإجراء غلمانه على عادتهم، وعتق جميع مماليكه، وأقام ثلاثا لا يأكل على مائدته، ولا يحضرها من عادته الحضور.
وعمل على قبره ثوبان مثقلان، وأقام النّاس عند قبره شهرا، وغدا الشّعراء إلى قبره، فرثاه مائة شاعر أجيزوا كلّهم.
стр. 1636
وبلغ العزيز أنّ عليه ستة عشر ألف دينار دينا، فأرسل بها إلى قبره، فوضعت عليه، وفرّقت على أرباب الدّيون، وألزم القرّاء بالمقام على قبره، وأجرى عليهم الطّعام. وكانت الموائد تحضر إلى قبره كلّ يوم مدّة شهر، وتحضر (¬a) نساء الخاصّة كلّ يوم ومعهن نساء العامّة، فتقوم الجواري بأقداح الفضّة والبلّور وملاعق الفضّة، فتسقي (¬b) النّساء الأشربة والسّويق بالسكر، ولم تتأخّر نائحة ولا لاعبة عن حضور القبر مدّة الشهر.
وخلّف أملاكا وضياعا (¬c)) ما بين (¬c) قياسر ورباع، وعينا وورقا، وأواني ذهبا وفضّة وجوهرا وعنبرا وطيبا وثيابا، وفرشا ومصاحف وكتبا، وجواري وعبيدا، وخيلا وبغالا ونوقا وحمرا وإبلا وغلالا، وخزائن ما بين أشربة وأطعمة قوّمت بأربعة آلاف ألف دينار، سوى ما جهّز به ابنته وهو ما قيمته مائتا ألف دينار. وخلّف ثمان مائة حظيّة سوى جواري الخدمة. فلم يتعرّض العزيز لشيء ممّا يملكه أهله وجواريه وغلمانه، وأمر بحفظ جهاز ابنته إلى أن زوّجها (١)، وأجرى لمن في داره كلّ شهر ستّ مائة دينار للنّفقة، سوى الكسوة والجرايات وما يحمل إليهم من الأطعمة من القصر، وأمر بنقل ما خلّفه إلى القصر. فلمّا تمّ له من يوم وفاته شهر أقطع الأمير منصور بن العزيز جميع مستغلاّته (٢).
وأقرّ العزيز جميع ما فعله الوزير وما ولاّه من العمّال على حاله، وأجرى الرّسوم التي كان يجريها، وأقرّ غلمانه على حالهم وقال: هؤلاء صنائعي - وكانت عدّة غلمان الوزير أربعة آلاف غلام عرفوا بالطّائفة الوزيريّة - وزاد العزيز أرزاقهم عمّا كانت عليه وأدناهم. وإليهم تنسب الوزيريّة، فإنّها كانت مساكنهم.
واتّفق أنّ الوزير عمّر قبّة أنفق عليها خمسة عشر ألف دينار. وآخر ما قال: لقد طال أمر هذه القبّة ما هذه قبّة، هذه تربة! فكانت كذلك، ودفن تحتها. وموضع قبره اليوم المدرسة الصّاحبيّة (٣).
стр. 1637
واتّفق أنّه وجد في داره رقعة مكتوب فيها:
[الرمل]
احذروا من حوادث الأزمان … وتوقّوا طوارق الحدثان
قد أمنتم ريب الزّمان ونمتم … ربّ خوف مكمّن في الأمان
فلمّا قرأها قال: لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم. ولم يلبث بعدها إلاّ أيّاما يسيرة ومرض فمات.
حارة الباطليّة
عرفت بطائفة يقال لهم الباطليّة، قال ابن عبد الظّاهر: وكان المعزّ لمّا قسم العطاء في النّاس، جاءت طائفة فسألت عطاء، فقيل لها فرغ ما كان حاضرا ولم يبق شيء، فقالوا: رحنا نحن باطل (¬a) فسمّوا الباطليّة، وعرفت هذه الحارة بهم (١).
وفي سنة ثلاث وستين وستّ مائة احترقت حارة الباطليّة، عند ما كثر الحريق في القاهرة ومصر، واتّهم النّصارى بفعل ذلك (٢). فجمعهم الملك الظّاهر بيبرس، وحملت لهم الأحطاب الكثيرة والحلفاء، وقدّموا ليحرقوا بالنّار. فتشفّع لهم الأمير فارس الدّين أقطاي أتابك العساكر، على أن يلتزموا بالأموال التي احترقت، وأن يحملوا إلى بيت المال خمسين ألف دينار، فتركوا.
وجرى في ذلك ما يستحسن حكايته، وهو أنّه قد جمع مع النّصارى سائر اليهود، وركب السّلطان ليحرقهم بظاهر القاهرة، وقد اجتمع النّاس من كلّ مكان للتشفّي بحريقهم لما نالهم من البلاء فيما دهوا به من حريق الأماكن، لا سيما الباطليّة فإنّها أتت النّار عليها حتى خربت (¬b)
стр. 1638
بأسرها. فلمّا حضر السّلطان، وقدّم اليهود والنّصارى ليحرقوا، برز ابن الكازروني اليهودي - وكان صيرفيّا - وقال للسّلطان: سألتك باللّه لا تحرقنا مع هؤلاء الكلاب الملاعين أعدائنا وأعدائكم، أحرقنا ناحية وحدنا. فضحك السّلطان والأمراء، وحينئذ تقرّر الأمر على ما ذكر، فندب لاستخراج المال منهم الأمير سيف الدّين بلبان المهراني، فاستخلص بعض ذلك في عدّة سنين. وتطاول الحال فدخل كتّاب الأمراء مع مخاديمهم، وتحيّلوا في إبطال ما بقي، فبطل في أيام السّعيد بن الظّاهر.
وكان سبب فعل النّصارى لهذا الحريق حنقهم لمّا أخذ الظّاهر من الفرنج أرسوف وقيساريّة وطرابلس ويافا وأنطاكية (١).
وما زالت الباطليّة خرابا، والنّاس تضرب بحريقها المثل لمن يشرب الماء كثيرا فيقولون: كأنّ في باطنه حريق الباطليّة.
ولمّا عمّر الطّواشيّ بهادر المقدّم داره بالباطليّة، عمّر فيها مواضع بعد سنة خمس وثمانين وسبع مائة (٢).
حارة الرّوم
قال ابن عبد الظّاهر: واختطّت الرّوم حارتين: حارة الرّوم الآن [المشهورة] (¬a)، وحارة الرّوم الجوّانيّة (¬b)) وهي التي تقرب من باب النّصر على يسار الدّاخل منه (¬b). فلمّا (¬b)) صار النّاس يقولون حارة الرّوم البرّانيّة وحارة الرّوم الجوّانيّة (¬b)، ثقل ذلك عليهم فقالوا: «الجوّانيّة» لا غير. والورّاقون إلى هذا الوقت يكتبون حارة الرّوم السّفلى وحارة الرّوم العليا المعروفة بالجوّانيّة (٣).
стр. 1639
وفي سابع عشر ذي الحجّة سنة تسع وتسعين وثلاث مائة، أمر الخليفة الحاكم بأمر اللّه بهدم حارة الرّوم، فهدمت ونهبت.
حارة الدّيلم
عرفت بذلك لنزول الدّيلم الواصلين مع أفتكين (¬a) الشّرابي (١)، حين قدم ومعه أولاد/ مولاه معزّ الدّولة البويهي وجماعة من الدّيلم والأتراك، في سنة ثمان وستين وثلاث مائة، فسكنوا بها فعرفت بهم (٢).
وأفتكين هذا يقال له أفتكين أبو منصور التركي الشّرابي (٣)، غلام معزّ الدّولة أحمد بن بويه، ترقّى في الخدم حتى غلب في بغداد على عزّ الدّولة بختيار (¬b) بن معزّ الدّولة، وكان فيه شجاعة وثبات في الحرب.
فلمّا سارت الأتراك من بغداد لحرب الدّيلم، جرى بينهم قتال عظيم اشتهر فيه أفتكين، إلاّ أنّ أصحابه انهزموا عنه وصار في طائفة قليلة، فولّى بمن معه من الأتراك وهم نحو الأربع مائة، فسار
стр. 1640
إلى الرّحبة، وأخذ منها على البرّ إلى أن قرب من جوسية (¬a) (١) - إحدى قرى الشّام - وقد وقع في قلوب العربان منه مهابة.
فخرج إليه ظالم بن موهوب العقيلي من بعلبك، وبعث إلى أبي محمود إبراهيم بن جعفر، أمير دمشق من قبل الخليفة المعزّ لدين اللّه، يعلمه بقدوم أفتكين من بغداد لإقامة الخطبة العبّاسية وخوّفه منه. فأنفذ إليه عسكرا وسار إلى ناحية جوسية (¬a) يريد أفتكين، وسار بشارة الخادم من قبل أبي المعالي بن حمدان عونا لأفتكين، فردّ ظالم إلى بغلبك من غير حرب، وسار بشارة بأفتكين إلى حمص، فحمل إليه أبو المعالي، وتلقّاه وأكرمه.
وكان قد ثار بدمشق جماعة من أهل الزّعارة والفساد (٢)، وحاربوا عمّال السّلطان، واشتدّ أمرهم، وكان كبيرهم يعرف بابن الماورد. فلمّا بلغهم خبر أفتكين بعثوا إليه من دمشق إلى حمص يستدعونه، ووعدوه بالقيام معه على عساكر المعزّ وإخراجهم من دمشق ليلي عليهم.
فوقع ذلك منه بالموافقة، وصار حتى نزل بثنيّة العقاب (٣) لأيّام بقيت من شعبان سنة أربع وستين وثلاث مائة.
فبلغ عسكر المعزّ خبر الفرنج، وأنّهم قد قصدوا طرابلس، فساروا بأجمعهم إلى لقاء العدوّ.
ونزل أفتكين على دمشق من غير حرب فأقام أياما، ثم سار يريد محاربة ظالم ففرّ منه. ودخل أفتكين بعلبك، فطرقه العدوّ من الرّوم والفرنج، وانتهبوا بعلبك وأحرقوا، وذلك في شهر رمضان، وانتشروا في أعمال بعلبك والبقاع يقتلون ويأسرون ويحرقون، وقصدوا دمشق وقد التحق بها أفتكين، فخرج إليهم أهل دمشق، وسألوهم الكفّ عن البلد والتزموا بمال.
فخرج إليهم أفتكين وأهدى إليهم، وتكلّم معهم في أنّه لا يستطيع جباية المال لقوّة ابن الماورد وأصحابه، وأغرى (¬b) ملك الرّوم به فقبض عليه وقيّده، وعاد فجبى المال من دمشق بالعنف،
стр. 1641
وحمل إلى ملك الرّوم ثلاثين ألف دينار، ورحل إلى بيروت، ثم إلى طرابلس. فتمكّن أفتكين من دمشق، وأقام بها الدّعوة لأبي بكر عبد الكريم الطّائع بن المطيع العبّاسي، وسيّر إلى العرب السّرايا فظفرت، وعادت إليه بعدّة ممن أسرته من رجال العرب فقتلهم صبرا.
وكان قد تخوّف من المعزّ، فكاتب القرامطة يستدعيهم من الأحساء للقدوم عليه لمحاربة عساكر المعزّ، وما زال بهم حتّى وافوا دمشق في سنة خمس وستين، ونزلوا على ظاهرها ومعهم كثير من أصحاب أفتكين الذين كانوا قد تشتّتوا في البلاد؛ فقوي بهم، ولقى القرامطة وحمل إليهم وسرّ بهم، فأقاموا على دمشق أياما، ثم رحلوا نحو الرّملة وبها أبو محمود فلحق بيافا، ونزل القرامطة الرّملة، ونصبوا القتال على يافا حتى كلّ الفريقان، وسئموا جميعا من طول الحرب.
وسار أفتكين على السّاحل، ونزل صيدا وبها ظالم بن موهوب العقيلي وابن الشّيخ من قبل المعزّ، فقاتلهم قتالا شديدا انهزم منه ظالم إلى صور، وقتل بين الفريقين نحو أربعة آلاف رجل، فقطع أيدي القتلى من عساكر المعزّ، وسيّرها إلى دمشق فطيف بها، ثم سار عن صيدا يريد عكّا وبها عسكر المعزّ. وكان قد مات المعزّ في شهر ربيع الآخر، وقام من بعده ابنه العزيز باللّه، وسيّر جوهرا القائد في عسكر عظيم إلى قتال أفتكين والقرامطة.
فبلغ ذلك القرامطة وهم على الرّملة، ووصل الخبر بمسيره إلى أفتكين وهو على عكّا، فخاف القرامطة وفرّوا عنها، فنزلها جوهر. وسار من القرامطة إلى الأحساء - التي هي بلادهم - جماعة، وتأخّر عدّة، وسار أفتكين من عكّا إلى طبريّة، وقد علم بمسير القرامطة وتأخّر بعضهم، فاجتمع بهم في طبريّة واستعد للقاء جوهر وجمع الأقوات من بلاد حوران والبثينيّة (١) وأدخلها إلى دمشق، وسار إليها فتحصّن بها. ونزل جوهر على ظاهر دمشق لثمان بقين من ذي القعدة، فبنى على معسكره سورا، وحفر خندقا عظيما وجعل له أبوابا. وجمع أفتكين النّاس للقتال، وكان قد بقى بعد ابن الماورد رجل يعرف بقسّام التّراب، وصار في عدّة وافرة من الذّعّار، فأعانة أفتكين وقوّاه وأمدّه بالسّلاح وغيره. ووقعت بينهم وبين جوهر حروب عظيمة طويلة إلى يوم الحادي عشر من ربيع الأوّل سنة ستّ وستين وثلاث مائة، فاختلّ أمر أفتكين وهمّ بالفرار، ثم إنّه استظهر.
стр. 1642
ووردت الأخبار بقدوم الحسن بن أحمد القرمطي إلى دمشق، فطلب جوهر الصّلح على أن يرحل عن دمشق من غير أن يتبعه أحد. وذلك أنّه رأى أمواله قد قلّت، وهلك كثير ممّا كان فى عسكره حتى صار أكثر عسكره رجّالة وأعوزهم العلف، وخشي قدوم القرامطة. فأجابه أفتكين وقد عظم فرحه واشتدّ سروره. فرحل في ثالث جمادى الأولى، وجدّ في المسير وقد قرب القرمطي (¬a) فأناخ بطبريّة.
فبلغ ذلك القرمطي/، فقصده وقد سار عنها إلى الرّملة، فبعث إليه بسريّة كانت لها مع جوهر وقعة قتل فيها جماعة من العرب، وأدركه القرمطيّ وسار في أثره أفتكين. فمات الحسن ابن أحمد القرمطي بالرّملة، وقام من بعده بأمر القرامطة ابن عمّه جعفر، ففسد ما بينه وبين أفتكين، ورجع عن الرّملة إلى الأحساء، وناصب أفتكين القتال وألحّ فيه على جوهر حتى انهزم عنه وسار إلى عسقلان، وقد غنم أفتكين ممّا كان معه شيئا يجلّ عن الوصف، ونزل على البلد محاصرا لها. وبلغ ذلك العزيز فاستعدّ للمسير إلى بلاد الشّام.
فلمّا طال الأمر على جوهر، راسل أفتكين حتى يقرّر الصّلح على مال يحمله إليه، وأن يخرج من تحت سيف أفتكين، فعلّق سيفه على باب عسقلان، وخرج جوهر ومن معه من تحته، وساروا إلى القاهرة، فوجد العزيز قد برز يريد المسير فسار معه. وكان مدّة قتال أفتكين لجوهر على ظاهر الرّملة وفي عسقلان سبعة عشر شهرا.
وسار العزيز باللّه حتى نزل الرّملة، وكان أفتكين بطبريّة، فسار إلى لقاء العزيز ومعه أبو إسحاق وأبو طاهر أخو عزّ الدّولة بن بختيار بن أحمد بن بويه، وأبو كاليجار (¬b) مرزبان ابن عزّ الدّولة بختيار بن معزّ (¬c) الدّولة بن بويه، فحاربوه فلم يكن غير ساعة حتى هزمت عساكر العزيز عسكر أفتكين، وملكوه في يوم الخميس لسبع بقين من المحرّم سنة ثمان وستين وثلاث مائة.
واستأمن أبو إسحاق ومرزبان بن بختيار، وقتل أبو طاهر أخو عزّ الدولة بن بختيار، وأخذ أكثر أصحابه أسرى، وطلب أفتكين في القتلى فلم يوجد، وكان قد فرّ وقت الهزيمة على فرس بمفرده، فأخذه بعض العرب أسيرا وقدم (¬d) به على مفرّج بن دغفل بن الجرّاح الطّائي وعمامته في عنقه، فبعث به إلى العزيز، فأمر به فشهر في العسكر، وطيف به على
стр. 1643
جمل، فأخذ النّاس يلطمونه ويهزّون لحيته حتى رأى في نفسه العبر (١).
ثم سار العزيز بأفتكين والأسرى إلى القاهرة، فاصطنعه ومن معه، وأحسن إليه غاية الإحسان، وأنزله في دار وواصله بالعطاء والخلع، حتى قال: لقد احتشمت من ركوبي مع مولانا العزيز باللّه ونظري (¬a) إليه، بما غمرني من فضله وإحسانه.
فلمّا بلغ ذلك العزيز قال لعمّه حيدرة: يا عمّ، واللّه إنّي أحبّ أن أرى النّعم عند النّاس ظاهرة، وأرى عليهم الذّهب والفضّة والجوهر ولهم الخيل واللّباس والضّياع والعقار، وأن يكون ذلك كلّه من عندي.
وبلغ العزيز أنّ النّاس من العامّة يقولون: ما هذا التّركي؟ فأمر به فشهر في أجمل حال. ولما رجع من تطوافه (¬b)، وهب له مالا جزيلا، وخلع عليه، وأمر سائر الأولياء بأن يدعوه إلى دورهم.
فما منهم إلاّ من عمل له دعوة، وقدم إليه، وقاد بين يديه الخيول. ثم إنّ العزيز قال له بعد ذلك:
كيف رأيت دعوات أصحابنا؟ فقال: يا مولانا حسنة في الغاية، وما فيهم إلاّ من أنعم وأكرم (٢).
فصار يركب للصّيد والتفرّج، وجمع إليه العزيز باللّه أصحابه من الأتراك والدّيلم، واستحجبه واختصّ به. وما زال على ذلك إلى أن توفّي في سنة اثنتين وسبعين وثلاث مائة. فاتّهم العزيز وزيره يعقوب بن كلّس أنّه سمّه، لأنّ أفتكين كان يترفّع عليه، فاعتقله مدّة ثم أخرجه (٣).
حارة الأتراك
هذه الحارة تجاه الجامع الأزهر، وتعرف اليوم بدرب الأتراك، وكان نافذا إلى جارة الدّيلم.
والورّاقون القدماء تارة يفردونها من حارة الدّيلم، وتارة يضيفونها إليها ويجعلونها من حقوقها، فيقولون تارة: حارة الدّيلم والأتراك، وتارة يقولون: حارتي الدّيلم والأتراك.
وقيل لها حارة الأتراك لأنّ أفتكين لمّا غلب ببغداد، سار معه من جنسه أربع مائة من الأتراك،
стр. 1644
وتلاحق به عند ورود القرامطة عليه بدمشق عدّة من أصحابه، فلمّا جمع لحرب العزيز باللّه كان أصحابه ما بين ترك وديلم. فلمّا قبض عليه العزيز ودخل به إلى القاهرة في الثّاني والعشرين من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وستين وثلاث مائة كما تقدّم، نزل الدّيلم مع أصحابهم في موضع حارة الدّيلم، ونزل أفتكين بأتراكه في هذا المكان فصار يعرف بحارة الأتراك. وكانت مختلطة بحارة الدّيلم لأنّهما أهل دعوة واحدة، إلاّ أنّ كلّ جنس على حدة لتخالفهما في الجنسية، ثم قيل بعد ذلك درب الأتراك (١).
حارة كتامة
هذه الحارة مجاورة لحارة الباطليّة، وقد صارت الآن من جملتها؛ كانت منازل كتامة بها عند ما قدموا من المغرب مع القائد جوهر ثم مع المعزّ (¬a). وموضع هذه الحارة اليوم حمّام كراي (¬b) وما جاورها ممّا وراء مدرسة ابن الغنّام (٢) - حيث الموضع المعروف بدرب ابن الأعسر إلى رأس الباطليّة - وكانت كتامة هي أصل دولة الخلفاء الفاطميين.
هو الحسين (¬c) بن أحمد بن محمد بن زكريّا الشّيعي، من أهل صنعاء اليمن، ولي الحسبة في بعض أعمال بغداد، ثم سار إلى ابن حوشب باليمن، وصار من كبار أصحابه، وكان له علم وفهم، وعنده دهاء ومكر. فورد على ابن حوشب موت الحلواني داعي المغرب ورفيقه، فقال لأبي عبد اللّه الشّيعي: إنّ أرض كتامة من بلاد المغرب قد حرثها (¬d) الحلواني وأبو سفيان وقد ماتا، وليس لها غيرك، فبادر فإنّها موطّأة ممهّدة لك. فخرج من اليمن
стр. 1645
إلى مكّة، وقد زوّده ابن حوشب بمال/، فسأل عن حجّاج كتامة فأرشد إليهم، واجتمع بهم وأخفى عنهم قصده. وذلك أنّه جلس قريبا منهم فسمعهم يتحدّثون بفضائل آل البيت، فحدّثهم في ذلك وأطال، ثم نهض ليقوم، فسألوه أن يأذن لهم في زيارته فأذن لهم، فصاروا يتردّدون إليه لما رأوا من علمه وعقله. ثم إنّهم سألوه: أين يقصد؟ فقال: أريد مصر. فسرّوا بصحبته ورحلوا من مكّة، وهو لا يخبرهم شيئا من خبره وما هو عليه من القصد، وشاهدوا منه عبادة وورعا وتحرّجا وزهادة. فقويت رغبتهم فيه، واشتملوا على محبّته، واجتمعوا على اعتقاده، وساروا بأسرهم خدما له. وهو في أثناء ذلك يستخبرهم عن بلادهم، ويعلم أحوالهم، ويفحص عن قبائلهم، وكيف طاعتهم للسّلطان بإفريقيّة. فقالوا له: ليس له علينا طاعة، وبيننا وبينه عشرة أيام. قال: أفتحملون السّلاح؟ قالوا: هو شغلنا. وما برح حتى عرف جميع ما هم عليه.
فلمّا وصلوا إلى مصر أخذ يودّعهم، فشقّ عليهم فراقه، وسألوه عن حاجته بمصر، فقال: ما لي بها من حاجة إلاّ أنّي أطلب التّعليم بها. قالوا: فأمّا إذا كنت تقصد هذا، فإنّ بلادنا أنفع لك وأطوع لأمرك، ونحن أعرف بحقّك. وما زالوا به حتى أجابهم إلى المسير معهم. فساروا به إلى أن قاربوا بلادهم، وخرج إلى لقائهم أصحابهم - وكان عندهم حسّ كبير من التّشيّع، واعتقاد عظيم في محبّة أهل البيت كما قرّره الحلواني - فعرّفهم القوم خبر أبي عبد اللّه، فقاموا بحقّ تعظيمه وإجلاله، ورغبوا في نزوله عندهم، واقترعوا فيمن يضيّفه.
ثم ارتحلوا إلى أرض كتامة، فوصلوا إليها منتصف ربيع (¬a) الأوّل سنة ثمان وثمانين ومائتين، فما منهم إلاّ من سأله أن يكون منزله عنده، فلم يوافق أحدا منهم وقال: أين يكون فجّ الأخيار؟ فعجبوا من ذلك، ولم يكونوا قد ذكروه له منذ صحبوه، فدلّوه عليه فقصده وقال: إذا حللنا به صرنا نأتي كلّ قوم منكم في ديارهم، ونزورهم في بيوتهم. فرضوا جميعا بذلك (١).
وسار إلى جبل إيكجان (¬b) (٢) وفيه فجّ الأخيار، فقال: هذا فجّ الأخيار وما سمّي إلاّ بكم، ولقد جاء في الآثار للمهدي هجرة ينبو بها عن الأوطان ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزّمان، قوم اسمهم مشتقّ من الكتمان، ولخروجكم في هذا الفجّ سمّي فجّ الأخيار.
стр. 1646
فتسامعت به القبائل، وأتته البربر من كلّ مكان، وعظم أمره حتى أنّ كتامة اقتتلت عليه مع قبائل البربر، وهو لا يذكر اسم المهدي ولا يعرّج عليه. فبلغ خبره إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقيّة، فقال أبو عبد اللّه لكتامة: أنا صاحب البذر الذي قال لكم أبو سفيان والحلواني.
فازدادت محبّتهم له، وعظم أمره فيهم، وأتته القبائل من كلّ مكان. وسار إلى مدينة تازروت (¬a) (١)، وجمع الخيل، وصيّر أمرها للحسن بن هارون كبير كتامة، وخرج للحرب فظفر وغنم، وعمل على تازروت (¬a) خندقا. فرجعت إليه قبائل من البربر وحاربوه، فظفر بهم وصارت إليه أموالهم، ووالى الغزو فيهم حتى استقام له أمرهم، فسار وأخذ مدائن عدّة.
فبعث إليه ابن الأغلب بعساكر كانت له معهم حروب عظيمة وخطوب عديدة، وأنباء كثيرة آلت إلى غلب أبي عبد اللّه وانتشار أصحابه من كتامة في البلاد، فصار يقول: «المهدي يخرج في هذه الأيّام ويملك الأرض، فياطوبى لمن هاجر إلىّ وأطاعني». وأخذ يغري النّاس بابن الأغلب، ويذكر كرامات المهدي وما يفتح اللّه له، ويعدهم بأنّهم يملكون الأرض كلّها.
وسيّر إلى عبيد اللّه بن محمد رجالا من كتامة ليخبروه بما فتح اللّه له، وأنّه ينتظره. فوافوا عبيد اللّه بسلميّة من أرض حمص، وكان قد اشتهر بها، وطلبه الخليفة المكتفي، ففرّ منه بابنه أبي القاسم وسار إلى مصر، وكان لهما قصص مع النّوشري عامل مصر حتى خلصا منه، ولحقا ببلاد المغرب.
وبلغ ابن الأغلب زيادة اللّه خبر مسير عبيد اللّه، فأزكى له العيون، وأقام له الأعوان حتى قبض عليه بسجلماسة - وكان عليها اليسع بن مدرار - وحبس بها هو وابنه أبو القاسم.
وبلغ ذلك أبا عبد اللّه، وقد عظم أمره، فسار وضايق زيادة اللّه بن الأغلب، وأخذ مدائنه شيئا بعد شيء، وصار فيما ينيف على مائتي ألف، وألحّ على القيروان حتى فرّ زيادة اللّه إلى مصر، وملكها أبو عبد اللّه، ثم سار إلى رقّادة فدخلها أوّل رجب سنة ستّ وتسعين ومائتين، وفرّق الدّور على كتامة، وبعث العمّال إلى البلاد، وجمع الأموال، ولم يخطب باسم أحد.
فلمّا دخل شهر رمضان سار من رقّادة، فاهتزّ لرحيله المغرب بأسره، وخافته زناتة وغيرها
стр. 1647
وبعثوا إليه بطاعتهم، وسار إلى سجلماسة، ففرّ منه اليسع بن مدرار واليها، ودخل البلد فأخرج عبيد اللّه وابنه من السّجن، وقال: «هذا المهدي الذي كنت أدعوا له» (¬a). وأركبه هو وابنه، ومشى بسائر رؤساء القبائل بين أيديهما وهو يقول: «هذا مولاكم»، ويبكي من شدّة الفرح حتى وصل إلى فسطاط ضرب له فأنزل فيه، وبعث في طلب اليسع، فأدرك (¬b) وحمل إليه فضربه بالسّياط وقتله.
ثم سار المهدي إلى رقّادة، فصار بها في آخر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين. ولمّا تمكّن قتل أبا عبد اللّه وأخاه في يوم الاثنين للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين، فكان هذا ابتداء أمر الخلفاء الفاطميين (١).
/ وما زالت كتامة هي أهل الدّولة مدّة خلافة المهدي عبيد اللّه، وخلافة ابنه أبي (¬c) القاسم القائم بأمر اللّه، وخلافة المنصور بنصر اللّه إسماعيل بن القائم (¬d)، وخلافة معدّ المعزّ لدين اللّه بن المنصور؛ وبهم أخذ ديار مصر لمّا سيّرهم إليها مع القائد جوهر في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، وهم أيضا كانوا أكابر من قدم معه من المغرب في سنة اثنتين وستين وثلاث مائة.
فلمّا كان في أيّام ولده العزيز باللّه نزار، اصطنع الدّيلم والأتراك (٢) وقدّمهم وجعلهم خاصّته، فتنافسوا وصار بينهم وبين كتامة تحاسد، إلى أن مات العزيز باللّه وقام من بعده أبو عليّ المنصور الملقّب بالحاكم بأمر اللّه، فقدّم ابن عمّار الكتامي وولاّه الوساطة - وهي في معنى رتبة الوزارة - فاستبدّ بأمور الدّولة، وقدّم كتامة وأعطاهم، وحطّ من الغلمان الأتراك والدّيلم الذين اصطنعهم العزيز. فاجتمعوا إلى برجوان - وكان صقلبيّا وقد تاقت نفسه إلى الولاية - فأغرى المصطنعة بابن عمّار حتى وضعوا منه واعتزل عن الأمر، وتقلّد برجوان الوساطة، فاستخدم الغلمان المصطنعين في القصر، وزاد في عطاياهم وقوّاهم. ثم قتل الحاكم ابن عمّار وكثيرا من رجال دولة أبيه وجدّه، فضعفت كتامة، وقويت الغلمان.
стр. 1648
فلمّا مات الحاكم وقام من بعده ابنه الظّاهر لإعزاز دين اللّه عليّ، أكثر من اللّهو ومال إلى الأتراك والمشارقة، فانحطّ جانب كتامة، وما زال ينقص قدرهم ويتلاشى أمرهم حتى ملك المستنصر بعد أبيه الظّاهر، فاستكثرت أمّه من العبيد حتى يقال إنّهم بلغوا نحوا من خمسين ألف أسود، واستكثر هو من الأتراك، وتنافس كلّ منهما مع الآخر، فكانت الحرب التي آلت إلى خراب مصر وزوال بهجتها (١). إلى أن قدم أمير الجيوش بدر الجمالي من عكّا، وقتل رجال الدّولة، وأقام له جندا وعسكرا من الأرمن، فصار من حينئذ معظم الجيش الأرمن، وذهبت كتامة وصاروا من جملة الرّعيّة، بعد ما كانوا وجوه الدّولة وأكابر أهلها.
حارة الصّالحيّة
عرفت بغلمان الصّالح طلائع بن رزّيك، وهي موضعان: الصّالحيّة الكبرى، والصّالحيّة الصّغرى. وموضعهما فيما بين المشهد الحسيني ورحبة الأيدمري وبين البرقيّة. وكانت من الحارات (¬a) العظيمة، وقد خربت الآن، وباقيها متداع إلى الخراب (٢).
قال ابن عبد الظّاهر: الحارة الصّالحيّة منسوبة إلى الصّالح طلائع بن رزّيك، لأنّ غلمانه كانوا يسكنونها، وهي مكانان. وللصّالح دار بحارة الدّيلم كانت سكنه قبل الوزارة وهي باقية إلى الآن، وبها بعض ذرّيته. والمكان المعروف بخوخة الصّالح نسبة إليه (٣).
حارة البرقيّة
هذه الحارة عرفت بطائفة من طوائف العسكر في الدّولة الفاطمية يقال لها الطّائفة البرقيّة (٤) ذكرها المسبّحيّ.
стр. 1649
قال ابن عبد الظّاهر: ولمّا نزل بالقاهرة - يعني المعزّ لدين اللّه (¬a) - اختطّت كلّ طائفة خطّة عرفت بها. قال: واختطّت جماعة من أهل برقة الحارة المعروفة بالبرقيّة (١). انتهى.
وإلى هذه الحارة تنسب الأمراء البرقيّة.
ذكر الأمراء البرقيّة ووزارة ضرغام -
وذلك أنّ الصّالح طلائع بن رزّيك كان قد أنشأ في وزارته أمراء يقال لهم «البرقيّة»، وجعل ضرغاما مقدّمهم، فترقّى حتى صار صاحب الباب (٢)، وطمع في شاور السّعدي لمّا ولي الوزارة بعد رزّيك بن الصّالح طلائع بن رزّيك، فجمع رفقته، وتخوّف شاور منه، وصار العسكر فرقتين: فرقة مع ضرغام، وفرقة مع شاور. فلمّا كان بعد تسعة أشهر من وزارة شاور، ثار ضرغام في رمضان سنة ثمان وخمسين وخمس مائة، وصاح على شاور فأخرجه من القاهرة، وقتل ولده الأكبر المسمّى بطيّ، وبقي شجاع المنعوت بالكامل. وخرج شاور من القاهرة يريد الشّام كما فعل الوزير رضوان بن ولخشي، فإنّه كان رفيقا له في تلك الكرّة.
واستقرّ ضرغام في وزارة الخليفة العاضد لدين اللّه بعد شاور، وتلقّب ب «الملك المنصور».
فشكر النّاس سيرته، فإنّه كان فارس عصره، وكان كاتبا جميل الصّورة فكه المحاضرة عاقلا كريما، لا يضع كرمه إلاّ في سمعة ترفعه أو مداراة تنفعه؛ إلاّ أنّه كان أذنا مستحيلا على أصحابه، وإذا ظنّ بأحد (¬b) شرّا جعل الشّكّ يقينا وعجّل له العقوبة.
وغلب عليه مع ذلك في وزارته أخواه ناصر الدّين همّام وفخر الدّين حسام، وأخذ يتنكّر لرفقته البرقيّة الذين قاموا بنصرته وأعانوه على إخراج شاور وتقليده للوزارة، من أجل أنّه بلغه عنهم أنّهم يحسدونه ويضعون منه، وأنّ منهم من كاتب شاور وحثّه على القدوم إلى القاهرة
стр. 1650
ووعده بالمعاونة له. فأظلم الجوّ بينه وبينهم، وتجرّد للإيقاع بهم على عادته في التّسرّع للعقوبة (¬a)، وأحضرهم إليه في دار الوزارة ليلا، وقتلهم بالسّيف صبرا، وهم: صبح بن شاهنشاه، والظّهير (¬b) مرتفع المعروف بالجلواص، وعين الزّمان، وعليّ بن الزّبد، وأسد الغاوي (¬c)، وأقاربهم وهم نحو من سبعين أميرا سوى أتباعهم، فذهبت لذلك رجال الدّولة، واختلّت أحوالها وضعفت بذهاب أكابرها وفقد أصحاب الرّأي والتّدبير.
وقصد الفرنج ديار مصر، فخرج إليهم همّام أخو ضرغام وانهزم منهم، وقتل بينهم (¬d) عدّة، ونزلوا/ على حصن بلبيس، وملكوا بعض السّور ثم ساروا. وعاد همّام عودا رديئا، فبعث به ضرغام إلى الإسكندرية وبها الأمير مرتفع الجلواص، فأخذه العرب، وقاده همّام إلى أخيه فضرب عنقه وصلبه على باب زويلة.
فما هو إلاّ أن قدم رسل الفرنج على ضرغام في طلب مال الهدنة المقرّر في كلّ سنة، وهو ثلاثة وثلاثون ألف دينار، وإذا بالخبر قد ورد بقدوم شاور من الشّام ومعه أسد الدّين شير كوه في كثير من الغزّ، فأزعجه ذلك؛ وأصبح النّاس يوم التاسع والعشرين من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وخمس مائة خائفين على أنفسهم وأموالهم، فجمعوا الأقوات والماء وتحوّلوا من مساكنهم.
وخرج همّام بالعسكر أوّل يوم من جمادى الآخرة، فسار إلى بلبيس، وكانت له وقعة مع شاور انهزم فيها، وصار إلى شاور وأصحابه جميع ما كان مع عسكر همّام وأسروا عدّة. ونزل شاور بمن معه إلى التّاج ظاهر القاهرة (١)، في يوم الخميس سادس جمادى الآخرة، فجمع ضرغام النّاس، وضمّ إليه الطائفة (¬e) الرّيحانية والطائفة الجيوشيّة بداخل القاهرة، وشاور مقيم بالتّاج مدّة أيّام وطوالعه من العربان، تطارد (¬f) عسكر ضرغام بأرض الطّبّالة (٢) خارج القاهرة.
ثم سار شاور ونزل بالمقس، فخرج إليه عسكر ضرغام وحاربوه فانهزم هزيمة قبيحة، وسار إلى بركة الحبش، ونزل بالشّرف الذي يعرف اليوم بالرّصد، وملك مدينة مصر، وأقام بها أياما.