الأمير قطلوبغا الفخري وأمسك سيفه، وتكاثروا عليه فأمسكوه، وجهّزوه إلى الإسكندرية فاعتقل بها، ثم قتل في الخامس من ربيع الأوّل سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة (١) لأوّل سلطنة الملك الأشرف كجك.
وكان شابّا أبيض اللّون ظريفا، مديد القامة نحيفا، خفيف اللّحية كأنّها عذار، على حركاته رشاقة، حسن العمّة يتعمّم النّاس على مثالها. وكان يشبّه بأبي سعيد ملك العراق، إلاّ أنّه كان غير عفيف الفرج، زائد الهرج والمرج، لم يعف عن مليحة ولا قبيحة، ولم يدع أحدا يفوته، حتى يمسك نساء الفلاّحين وزوجات الملاّحين، واشتهر بذلك ورمي فيه بأوابد.
وكان زائد البذخ، منهمكا على ما يقتضيه عنفوان الشّبيبة، كثير الصّلف والتّيه، لا يظهر الرّأفة ولا الرّحمة في تأنّيه. ولمّا توجّه بأولاد السّلطان ليفرّجهم في دمياط، كان يذبح لسماطه في كلّ يوم خمسين رأسا من الغنم وفرسا لا بد منه، خارجا عن الإوزّ والدّجاج. وكان راتبه دائما كلّ يوم من الفحم برسم المشوي مبلغ عشرين درهما عنها مثقال ذهب، وذلك سوى الطّوارئ.
وأطلق له السّلطان كلّ يوم بقجة قماش من اللّفافة إلى الخفّ إلى القميص واللّباس والملوطة والبغلطاق والقباء (¬a) والقباء الفوقاني بوجه إسكندري على سنجاب طري بطرز زركش (¬b) رقيق وكلّوتة وشاش، ولم يزل يأخذ ذلك كلّ يوم إلى أن مات السّلطان. وأطلق له في يوم واحد، عن ثمن قرية يبنى (¬c) (٢) بساحل الرّملة، مبلغ ألف ألف درهم فضّة، عنها يومئذ خمسون ألف مثقال من الذّهب. وهو أوّل من أمسك بعد موت الملك النّاصر.
وقال الأديب المؤرّخ صلاح الدّين خليل بن أيبك الصّفدي، ومن كتابه نقلت ترجمة بشتاك:
[الكامل]
قال الزّمان وما سمعنا قوله … والنّاس فيه رهائن الأشراك
من ينصر المنصور من كيدي وقد … صاد الرّدى بشتاك لي بشراك (٣)
стр. 1717
خطّ باب الزّهومة
هذا الخطّ عرف بباب الزّهومة، أحد أبواب القصر الكبير الشّرقي الذي تقدّم ذكره، فإنّه كان هناك (١). وقد صار الآن في هذا الخطّ سوق وفندق وعدّة آدرّ، يأتي ذكر ذلك كلّه إن شاء اللّه في مواضعه.
خطّ الزّراكشة العتيق
هذا الخطّ فيما بين خطّ باب الزّهومة وخطّ السّبع خوخ، وبعضه من دار العلم الجديدة، وبعضه من جملة القصر النّافعيّ، وبعضه من تربة الزّعفران. وفيه اليوم فندق المهمندار الذي يدقّ فيه الذّهب، وخان الخليلي، وخان منجك، ودار خواجا، ودرب الحبيشي (¬a)، وغير ذلك كما ستقف عليه إن شاء اللّه.
خطّ السبع خوخ العتيق
هذا الخطّ فيما بين خطّ إسطبل الطّارمة وخطّ الزّراكشة العتيق. كان فيه قديما أيّام الخلفاء الفاطميين سبع خوخ يتوصّل منها إلى الجامع الأزهر (٢). فلمّا انقضت أيّامهم، اختطّ مساكن وسوقا يباع فيه الإبر التي يخاط بها وغير ذلك، فعرف بالأبّارين.
خطّ إسطبل الطارمة
هذا الخطّ كان إسطبلا لخاصّ الخليفة يشرف عليه قصر الشّوك والقصر النّافعيّ، وقد تقدّم الكلام عليه (٣). وكانت فيه طارمة يجلس الخليفة تحتها، فعرف بذلك، ثم هو الآن حارة كبيرة فيها عدّة من المساكن، وبه سوق وحمّام ومساجد. وهذا الخطّ فيما بين
стр. 1718
رحبة قصر الشّوك ورحبة الجامع الأزهر، كما ستقف عليه إن شاء اللّه في ذكر الرّحاب (١).
خطّ الأكفانيين
هذا الخطّ كان يعرف بخطّ الخروقيين (¬a)، جمع خرقة.
خطّ المناخ
هذا الخطّ فيما بين البرقيّة والعطوفيّة، كان مواضع طواحين القصر، وقد تقدّم ذكره (٢). ثم اختطّ/ بعد ذلك، وصار حارة كبيرة، وهو الآن متداع للخراب.
خطّ سويقة أمير الجيوش
كان حارة الفرحيّة، وسيأتي ذكره في الأسواق إن شاء اللّه (٣). وهذا الخطّ فيما بين حارة برجوان وخطّ خان الوراقة.
خطّ دكّة (¬b) الحسبة
هذا الخطّ يعرف اليوم بمكسر الحطب، وفيه سوق الأبازرة، وهو فيما بين البندقانيين والمحموديّة، وفيه عدّة أسواق ودور.
خطّ الفهّادين
هذا الخطّ فيما بين الجوّانيّة والمناخ (¬c).
стр. 1719
خطّ خزانة البنور
هذا الخطّ فيما بين رحبة باب العيد ورحبة المشهد الحسيني، وكان موضعه خزانة تعرف بخزانة البنود، وكان أوّلا يعمل فيها السّلاح، ثم صارت سجنا لأمراء الدّولة وأعيانها، ثم أسكن فيها الفرنج إلى أن هدمها الأمير الحاج آل ملك، وحكر مكانها، فبني فيه الطّاحون والمساكن كما تقدّم (١).
خطّ السّفينة
هذا الخطّ فيما بين درب السّلاّمي من رحبة باب العيد وبين خزانة البنود. كان يقف فيه المتظلّمون للخليفة كما تقدّم ذكره (٢)، ثم اختطّ فصار فيه مساكن، وهو خطّ صغير (¬a).
خطّ خان السّبيل
هذا الخطّ خارج باب الفتوح، وهو من جملة أخطاط الحسينيّة. قال ابن عبد الظّاهر: خان السّبيل بناه الأمير بهاء الدّين قراقوش، وأرصده لأبناء السّبيل والمسافرين بغير أجرة، وبه بئر ساقية وحوض (٣). انتهى.
وأدركنا هذا الخطّ في غاية العمارة يعمل فيه عرصة (٤) تباع بها الغلال، وكان فيه سوق يباع فيه الخشب، ويجتمع النّاس هناك بكرة كلّ يوم جمعة، فيباع فيه من الإوزّ والدّجاج ما لا يقدّر قدره، وكانت فيه أيضا عدّة مساكن ما بين دور وحوانيت وغيرها. وقد اختلّ هذا الخطّ (٥).
стр. 1720
خطّ بستان بن صيرم
هذا الخطّ أيضا خارج باب الفتوح ممّا يلي الخليج. وزقاق الكحل كان من جملة حارة البيازرة (١)، فأنشأه زمام القصر المختار الصّقلبي بستانا، وبنى فيه منظرة عظيمة. فلمّا زالت الدّولة الفاطميّة، استولى عليه الأمير جمال الدّين شويخ (¬a) بن صيرم، أحد أمراء الملك الكامل، فعرف به. ثم اختطّ وصار من أجلّ الأخطاط عمارة تسكنه الأمراء والأعيان من الجند، ثم هو الآن آيل إلى الدّثور.
خطّ قصر ابن عمّار
هذا الخطّ من جملة حارة كتامة، وهو اليوم درب يعرف بالقمّاحين، وفيه حمّام كراى (¬b) ودار خوند شقرا يسلك إليه من خطّ مدرسة الوزير كريم الدّين بن غنّام، ويسلك منه إلى درب المنصوري.
وابن عمّار هذا هو أبو محمد الحسن بن عمّار بن عليّ بن أبي الحسن الكلبي (٢)، من بني أبي الحسن أحد أمراء صقلّيّة وأحد شيوخ كتامة. وصّاه العزيز باللّه نزار بن المعزّ لدين اللّه لمّا احتضر، هو والقاضي محمد بن النّعمان، على ولده أبي عليّ منصور. فلمّا مات العزيز باللّه، واستخلف من بعده ابنه الحاكم بأمر اللّه، اشترط الكتاميّون - وهم يومئذ أهل الدّولة - ألاّ ينظر في أمورهم غير أبي محمد بن عمّار بعد ما تجمّعوا، وخرج منهم طائفة نحو المصلّى، وسألوا صرف عيسى بن نسطورس، وأن تكون الوساطة لابن عمّار (٣). فندب لذلك، وخلع عليه في ثالث شوّال سنة ستّ وثمانين وثلاث مائة (٤)، وقلّد بسيف من سيوف العزيز باللّه، وحمل على فرس بسرج ذهب،
стр. 1721
ولقّب ب «أمين الدّولة» - وهو أوّل من لقّب في الدّولة الفاطميّة من رجال الدّولة - وقيّد بين يديه عدّة دواب، وحمل معه خمسون ثوبا من سائر البزّ الرّفيع، وانصرف إلى داره في موكب عظيم.
وقرئ سجلّه، فتولّى قراءته القاضي محمد بن النّعمان بجلوسه للوساطة، وتلقيبه ب «أمين الدّولة». وألزم سائر النّاس بالتّرجّل إليه، فترجّل النّاس بأسرهم له من أهل الدّولة، وصار يدخل القصر راكبا، ويشقّ الدّواوين، ويدخل من الباب الذي يجلس فيه خدم الخليفة الخاصّة، ثم يعدل إلى باب الحجرة التي فيها أمير المؤمنين الحاكم، فينزل على بابها ويركب من هناك (١).
وكان النّاس من الشّيوخ والرّؤساء على طبقاتهم يبكّرون إلى داره، فيجلسون في الدّهاليز بغير ترتيب والباب مغلق، ثم يفتح فيدخل إليه جماعة من الوجوه، ويجلسون في قاعة الدّار على حصير وهو جالس في مجلسه، ولا يدخل له أحد ساعة، ثم يأذن لوجوه من حضر - كالقاضي ووجوه شيوخ كتامة والقوّاد - فتدخل أعيانهم. ثم يأذن لسائر النّاس، فيزدحمون عليه بحيث لا يقدر أحد أن يصل إليه، فمنهم من يومئ بتقبيل الأرض، ولا يردّ السّلام على أحد. ثم يخرج فلا يقدر أحد على تقبيل يده سوى أناس بأعيانهم، إلاّ أنّهم يومئون إلى تقبيل الأرض، وشرف أكابر النّاس بتقبيل ركابه، وأجلّ النّاس من يقبّل ركبته.
وقرّب كتامة، وأنفق فيهم الأموال وأعطاهم الخيول، وباع ما كان بالإسطبلات من الخيل والبغال والنّجب وغيرها وكانت شيئا كثيرا، وقطع أكثر الرّسوم التي كانت تطلق لأولياء الدّولة من الأتراك، وقطع أكثر ما كان في المطابخ، وقطع أرزاق جماعة، وفرّق كثيرا من جواري القصر - وكان به من الجواري والخدم عشرة آلاف جارية وخادم - فباع من اختار البيع، وأعتق من سأل العتق طلبا للتوفير.
واصطنع أحداث المغاربة، فكثر عتيّهم، وامتدّت أيديهم إلى الحرام في الطّرقات، وشلّحوا النّاس ثيابهم. فضجّ النّاس منهم، واستغاثوا إليه بشكايتهم، فلم يبد منه كبير نكير. فأفرط الأمر حتى تعرّض جماعة منهم للغلمان الأتراك وأرادوا/ أخذ ثيابهم، فثار بسبب ذلك شرّ قتل فيه غلام
стр. 1722
من التّرك وحدث من المغاربة، فتجمّع شيوخ الفريقين، واقتتلوا يومين آخرهما يوم الأربعاء تاسع شعبان سنة سبع وثمانين وثلاث مائة.
فلمّا كان يوم الخميس ركب ابن عمّار لابسا آلة الحرب وحوله المغاربة، فاجتمع الأتراك، واشتدّت الحرب، وقتل جماعة وجرح كثير، فعاد إلى داره، وقام برجوان بنصرة الأتراك، فامتدّت الأيدي إلى دار ابن عمّار وإسطبلاته ودار رشا غلامه، فنهبوا منها ما لا يحصى كثرة فصار إلى داره بمصر في ليلة الجمعة لثلاث بقين من شعبان، واعتزل عن الأمر. فكانت مدّة نظره أحد عشر شهرا إلاّ خمسة أيام، فأقام بداره في مصر سبعة وعشرين يوما.
ثم خرج إليه الأمر بعوده إلى القاهرة، فعاد إلى قصره هذا ليلة الجمعة الخامس والعشرين من رمضان، فأقام به لا يركب ولا يدخل إليه أحد إلاّ أتباعه وخدمه. وأطلقت له رسومه وجراياته التي كانت في أيام العزيز باللّه، ومبلغها عن اللّحم والتّوابل والفواكه خمس مائة دينار في كلّ شهر، وفي اليوم سلّة فاكهة بدينار وعشرة أرطال شمع ونصف حمل ثلج. فلم يزل بداره إلى يوم السبت الخامس من شوّال سنة تسعين وثلاث مائة، فأذن له الحاكم في الرّكوب إلى القصر، وأن ينزل موضع نزول النّاس، فواصل الرّكوب إلى يوم الاثنين رابع عشره. فحضر عشيّة إلى القصر وجلس مع من حضر، فخرج إليه الأمر بالانصراف، فلمّا انصرف ابتدره جماعة من الأتراك وقفوا له فقتلوه واحتزّوا رأسه ودفنوه مكانه، وحمل الرأس إلى الحاكم، ثم نقل إلى تربته بالقرافة فدفن فيها.
وكانت مدّة حياته، بعد عزله إلى أن قتل، ثلاث سنين وشهرا واحدا وثمانية وعشرين (¬a) يوما (١). وهو من جملة وزراء الدّولة المصرية. وولي بعده برجوان، وقد مرّ ذكره (٢).
خطّ (¬b)
стр. 1723
ذكر الدّروب والأزقّة
قد اشتملت القاهرة وظواهرها من الدّروب والأزقّة على شيء كثير. والغرض ذكر ما يتيسّر لي من ذلك.
درب الأتراك
هذا الدّرب أصله من خطّ حارة الدّيلم، وهو من الدّروب القديمة، وقد تقدّم ذكره في الحارات (١)، ويتوصّل إليه من خطّ (¬a) الجامع الأزهر، وقد كان فيما أدركناه من أعمر الأماكن.
أخبرني خادمنا محمد بن (¬b) السّعودي قال: كنت أسكن في أعوام بضع وستين وسبع مائة بدرب الأتراك، وكنت أعاني صناعة الخياطة، فجاءني في موسم عيد الفطر من الجيران أطباق الكعك والخشكنانج (٢) - على عادة أهل مصر في ذلك - فملأت زيرا كبيرا كان عندي ممّا جاءني من الخشكنانج خاصّة لكثرة ما جاءني من ذلك، إذ كان هذا الخطّ خاصّا بكثرة الأكابر والأعيان. وقد خرب اليوم عدّة مواضع منه (¬c).
درب الأسواني
ينسب إلى القاضي أبي محمد الحسن بن هبة اللّه الأسواني (¬d)، المعروف بابن عتّاب.
درب شمس الدّولة
هذا الدّرب كان قديما يعرف بحارة الأمراء - كما تقدّم (٣) - فلمّا كان مجيء الغزّ (¬e) إلى مصر، واستيلاء صلاح الدّين يوسف على مملكة مصر، سكن في هذا المكان الملك المعظّم شمس الدّولة
стр. 1724
توران شاه ابن أيّوب فعرف به، وسمّي من حينئذ درب شمس الدّولة، وبه يعرف إلى اليوم (١).
توران شاه -
الملقّب بالملك المعظّم شمس الدّولة بن نجم الدّين أيّوب بن شاذي بن مروان (٢).
قدم إلى القاهرة مع أهله من بلاد الشّام، في سنة أربع وستين وخمس مائة، عند ما تقلّد صلاح الدّين يوسف بن أيّوب وزارة الخليفة العاضد لدين اللّه، بعد موت عمّه أسد الدّين شير كوه.
وكانت له أعمال في واقعة السّودان (٣) تولاّها بنفسه، واقتحم الهول، فكان أعظم الأسباب في نصرة أخيه صلاح الدّين وهزيمة السّودان، ثم خرج إليهم بعد انهزامهم إلى الجيزة، فأفناهم بالسّيف حتى أبادهم. وأعطاه صلاح الدين قوص وأسوان وعيذاب، وجعلها له إقطاعا، فكانت عبرتها في تلك السنة مائتي ألف وستة وستين ألف دينار. ثم خرج إلى غزو بلاد النّوبة في سنة ثمان وستين، وفتح قلعة إبريم، وسبى وغنم، ثم عاد بعد ما أقطع إبريم (٤) بعض أصحابه.
وخرج إلى بلاد اليمن في سنة تسع وستين وكان بها عبد النّبيّ أبو الحسن عليّ بن مهدي قد ملك زبيد وخطب لنفسه. وكان الفقيه عمارة قد انقطع إلى شمس الدّولة، وصار يصف له بلاد اليمن، ويرغّبه في كثرة أموالها، ويغريه بأهلها، وقال فيه قصيدته المشهورة التي أوّلها:
[البسيط]
العلم مذ كان محتاج إلى القلم … وشفرة السّيف تستغنى عن القلم (¬a).
стр. 1725
فبعثه ذلك على المسير إلى بلاد اليمن؛ فسار إليها في مستهلّ رجب، ودخل مكّة معتمرا، وسار منها فنزل على زبيد في سابع شوّال. وفي نهار الاثنين ثامن شوّال فتحها بالسّيف، وقبض على عليّ بن المهدي وإخوته وأقاربه، واستولى على ما كان في خزائنه من مال، وتسلّم الحصون التي كانت بيده (١).
وفي مستهلّ ذي القعدة توجّه قاصدا عدن، وبذل لياسر بن بلال في كلّ سنة ثلاثين ألف دينار، وسلّمها إليه، فما رغب في ذلك، وكان قصده أن يقيم بها نائبا عن المجلس/ الفخري، فلمّا أبى ذلك نزل عليها في يوم الجمعة تاسع عشرين ذي القعدة، وملكها في ساعة بالسّيف، وقبض على ياسر وإخوته وولدي الدّاعي، فاحتوى على ما فيها، وقبض على عبد النّبيّ.
واستولى أيضا على تعز وتعكر (¬a) وصنعاء وظفار وغيرها من مدن اليمن وحصونها، وتلقّب ب «الملك المعظّم»، وخطب لنفسه بعد الخليفة العبّاسي.
وما زال بها إلى سنة إحدى وسبعين، فسار منها إلى لقاء أخيه صلاح الدّين ووصل إليه، وملّكه دمشق في شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وسبعين، فأقام بها إلى أن خرج السّلطان صلاح الدّين مرّة من القاهرة إلى بلاد الشّام، فجهّزه في ذي القعدة سنة أربع وسبعين إلى مصر، وكان قد عمله نائبا ببعلبك، فاستناب عنه فيها، ودخل إلى القاهرة، وأنعم عليه صلاح الدّين بالإسكندرية، فسار إليها وأقام بها إلى أن توفّي في مستهلّ صفر سنة ستّ وسبعين وخمس مائة بالإسكندرية فدفن بها.
وكان كريما واسع العطاء، كثير الإنفاق. مات وعليه مائتا ألف دينار مصرية دينا، فقضاها عنه أخوه صلاح الدّين.
وكان سبب خروجه من اليمن أنّه التاث بدنه بزبيد، فارتجل له سيف الدّولة مبارك بن منقذ (٢):
стр. 1726
[الكامل]
وإذا أراد اللّه سوءا بامرئ … وأراد أن يحييه غير سعيد
أغراه بالتّرحال من مصر بلا … سبب وأسكنه بصقع زبيد
فخرج من اليمن كما تقدّم.
وحكى الأديب الفاضل مهذّب الدّين أبو طالب محمد بن عليّ الحلّي، المعروف بابن الخيمي (١)، قال: رأيت في النّوم المعظّم شمس الدولة وقد مدحته وهو في القبر ميّت، فلفّ كفنه ورماه إلىّ وأنشدني:
[البسيط]
لا تستقلّنّ معروفا سمحت به … ميتا، وأمسيت عنه عاريا بدني
ولا تظنّنّ جودي شابه بخل … من بعد بذلي ملك الشّام واليمن
إنّي خرجت عن الدّنيا وليس معي … من كلّ ما ملكت كفّي سوى كفني (٢)
وهذا الدّرب من أعمر أخطاط القاهرة، به دار عبّاس الوزير وجماعة، كما تراه إن شاء اللّه.
درب ملوخيا (٣)
هذا الدّرب كان يعرف بحارة قائد القوّاد كما تقدّم (٤)، وعرف الآن بدرب ملوخيا - وملوخيا كان صاحب ركاب الخليفة الحاكم بأمر اللّه، ويعرف بملوخيا الفرّاش، وقتله الحاكم وباشر قتله - وفي هذا الدّرب مدرسة القاضي الفاضل (٥)، وقد اتّصل به الآن الخراب.
стр. 1727
درب السّلسلة
هذا الدّرب تجاه باب الزّهومة، يعرف بالسّلسلة التي كانت تمدّ كلّ ليلة بعد العشاء الآخرة كما تقدّم، وكان يعرف بدرب افتخار الدّولة الأسعد، وعرف بسنان الدّولة بن الكركندي، وهو الآن درب عامر (١).
درب الشّمسي
هذا الدّرب بسوق المهامزيين تجاه قيسارية العصفر، عرف بالأمير علاء الدّين كشتغدى (¬a) الشّمسي، أحد الأمراء في أيام الملك الظّاهر ركن الدين بببرس البندقداري، وقتل على عكّا في سنة تسعين وستّ مائة بيد الفرنج شهيدا (٢).
وكان هذا الدّرب في القديم موضعه دار الضّرب، ثم صار من حقوق درب ابن طلائع بسوق الفرّائين. وقد هدم بعض هذا الدّرب الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار لمّا اغتصب الحوانيت التي كانت على يمنة السّالك من الخرّاطين إلى سوق الخيميّين، وكانت في وقف المعظّم خمرتاش (¬b) الحافظي، كما سيأتي ذكره عند ذكر مدرسته (٣).
درب ابن طلائع
هذا الدّرب على يسرة من سلك من سوق الفرّائين الآن، الذي كان يعرف قديما بالخروقيّين (¬c)، طالبا إلى الجامع الأزهر. ويسلك في هذا الدّرب إلى قيساريّة السّروج وباب سرّ حمّام الخرّاطين ودار الأمير ألدمر. وعرف هذا الدّرب أوّلا بالأمير نور الدّولة أبي الحسن عليّ بن نجا بن راجح بن طلائع - (¬d)) وفي بعض الكتب ابن بنت طلائع (¬d)، ثم عرف بدرب الجاولي الكبير - وهو الأمير عزّ
стр. 1728
الدّين جاولي الأسدي مملوك أسد الدّين شيركوه بن شاذي - ثم عرف بدرب العماد سنينات، ثم عرف بدرب ألدمر، وبه يعرف إلى الآن (١).
ألدمر أمير جاندار سيف الدّين (٢) -
أحد أمراء الملك النّاصر محمد بن قلاوون، خرج إلى الحجّ في سنة ثلاثين وسبع مائة. وكان أمير حاج الرّكب العراقي تلك السنة يقال له محمد الحويج من أهل توريز، بعثه أبو سعيد ملك العراق إلى مصر، وخفّ على قلب الملك النّاصر، ثم بلغه عنه ما يكرهه فأخرجه من مصر.
ولمّا بلغه أنّه خرج (¬a) في هذه السّنة أمير الرّكب العراقي، كتب إلى الشّريف عطيفة أمير مكّة (٣) أن يعمل الحيلة في قتله بكلّ ما يمكن، فأطلع على ذلك ابنه مباركا وخواصّ قوّاده، فاستعدّوا لذلك. فلمّا وقف النّاس بعرفة، وعادوا يوم النّحر إلى مكّة، قصد العبيد إثارة فتنة، وشرعوا في النّهب لينالوا غرضهم من قتل أمير الرّكب العراقي، فوقع الصّارخ - وليس عند المصريين خبر ممّا كتب به (¬b) السّلطان - فنهض أمير الرّكب الأمير سيف الدّين خاصّ ترك، والأمير أحمد قريب السّلطان، والأمير ألدمر أمير جاندار في مماليكهم.
وأخذ ألدمر يسبّ الشّريف رميثة (٤)، وأمسك بعض قوّاده وأحرق (¬c) به. فقام إليه الشّريف
стр. 1729
عطيفة ولا طفه، فلم يرجع. وكان حديد النّفس شجاعا/، فأقدم إليهم - وقد اجتمع قوّاد مكّة وأشرافها وهم ملبّسون يريدون الرّكب العراقي - وضرب مبارك بن عطيفة بدبّوس فأخطأه، وضربه مبارك بحربة نفذت من صدره، فسقط عن فرسه إلى الأرض. فأرتج النّاس ووقع القتال، فخرج أمير الرّكب العراقي واحترس على نفسه فسلم (١). وسقط في يد أمير مكّة إذا فات مقصوده، وحصل ما لم يكن بإرادته. ثم سكنت الفتنة، ودفن ألدمر.
وكان قتله يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجّة، فكأنّما نادى مناد في القاهرة والقلعة، والنّاس في صلاة العيد، بقتل ألدمر ووقوع الفتنة بمكة، ولم يبق أحد حتى تحدّث بذلك، وبلغ السّلطان فلم يكترث بالخبر، وقال: أين مكّة من مصر، ومن أتى بهذا الخبر؟
واستفيض هذا الخبر بقتل ألدمر حتّى انتشر في إقليم مصر كلّه، فما هو إلاّ أن حضر مبشّر الحاج في يوم الثلاثاء ثاني المحرّم سنة إحدى وثلاثين وسبع مائة، فأخبروا بالخبر مثل ما أشيع.
فكان هذا من أغرب ما سمع به.
ولمّا بلغ السّلطان خبر قتل ألدمر، غضب غضبا شديدا، وصار يقوم ويقعد، وبأطل السّماط.
وأمر فجرّد من العسكر ألف فارس، كلّ منهم بخوذة وجوشن ومائة فردة نشّاب وفأس برأسين أحدهما للقطع والآخر للهدم، ومع كلّ منهم جملان وفرسان وهجين. ورسم لأمير هذا العسكر أنّه إذا وصل إلى ينبع وعدّاه، لا يرفع رأسه إلى السّماء بل ينظر إلى الأرض، ويقتل كلّ من يلقاه من العربان، إلاّ من علم أنّه أمير عرب فإنّه يقيّده ويسحبه معه. وجرّد من دمشق ستّ مائة فارس على هذا الحكم.
وطلب الأمير أيتمش أمير هذا الجيش ومن معه من الأمراء والمقدّمين، وقال له بدار العدل يوم الخدمة: وإذا وصلت إلى مكّة لا تدع أحدا من الأشراف ولا من القوّاد ولا من عبيدهم يسكن مكّة، وناد فيها: من أقام بمكّة حلّ دمه، ولا تدع شيئا من النّخل حتى تحرقه جميعه، ولا تترك بالحجاز دمنه عامرة، وخرّب المساكن كلّها، وأقم في مكّة بمن معك حتى أبعث إليك بعسكر ثان. (٢)
стр. 1730
وكان القضاة حاضرين، فقال قاضي القضاة جلال الدّين القزويني: يا مولانا السّلطان هذا حرم قد أخبر اللّه عنه أنّ من دخله كان آمنا وشرّفه، فردّ عليه جوابا في غضب؛ فقال الأمير أيتمش: يا خوند، فإن حضر رميثة للطّاعة وسأل الأمان؟ فقال: أمّنه.
ثم لمّا سكن عنه الغضب، كتب باستقرار أهل مكّة وتأمينهم، وكتب أمانا نسخته:
«هذا أمان اللّه ، وأمان رسوله ﷺ وأماننا للمجلس العالي الأسديّ رميثة بن الشّريف نجم الدّين محمّد بن أبي نميّ (¬a)، بأن يحضر إلى خدمة الصّنجق الشّريف، صحبة الجناب العالي السّيفي أيتمش النّاصري، آمنا على نفسه وأهله وماله وولده وما يتعلّق به، ولا يخشى حلول سطوة قاصمة، ولا يخاف مؤاخذة حاسمة، ولا يتوقّع خديعة ولا مكرا، ولا يحذر سوءا ولا ضررا، ولا يستشعر مخافة ولا ضرارا، ولا يتوقّع وجلا، ولا يرهب بأسا. وكيف يرهب من أحسن عملا؟
بل يحضر إلى خدمة الصّنجق آمنا على نفسه وماله وآله، مطمئنّا واثقا باللّه ورسوله، وبهذا الأمان الشّريف المؤكّد الأسباب، المبيّض الوجه، الكريم الأحساب. وكلّما يخطر بباله أنّا نؤاخذ به فهو مغفور، وللّه عاقبة الأمور. وله منّا الإقبال والتّقديم، وقد صفحنا الصّفح الجميل، وإن ربّك هو الخلاّق العليم.
فليثق بهذا الأمان الشّريف، ولا يسيء به الظّنون، ولا يصغى إلى قول الذين لا يعلمون، ولا يستشير في هذا الأمر إلاّ نفسه. فيومه عندنا ناسخ لأمسه، وقد قال ﷺ : يقول اللّه تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي، فليظنّ بي خيرا».
فتمسّك بعروة هذا الأمان فإنّها وثقى، واعمل عمل من لا يضل ولا يشقى. ونحن قد أمّناك فلا تخف، ورعينا لك الطّاعة والشّرف، وعفا اللّه
стр. 1731
عما سلف، ومن أمّنّاه فقد فاز، فطب نفسا وقرّ عينا فأنت أمير الحجاز.
والحمد للّه وحده» (١).
وكان ألدمر فيه شهامة وشجاعة، وله سعادة طائلة ضخمة، ومتاجر وزراعات اقتنى بها أموالا جزيلة، وزوّج ابنه بابنة قاضي القضاة جلال الدّين القزويني.
درب قيطون
هذا الدّرب بين قيساريّة جهاركس وقيسارية أمير علي، وهو نافذ إلى خلف مستوقد حمّام القاضي، وكان من حقوق درب الأسواني (¬a)) أو من حقوق خطّ الخروقيين المعروف الآن بالأكفانيين (¬a) (٢).
درب السّرّاج
هذا الدّرب على يسرة من سلك من الجامع الأزهر طالبا درب الأسواني وخطّ الأكفانيين.
وكان من جملة خطّ درب الأسواني، ثم أفرد فصار من خطّ الجامع الأزهر (٣). وكان يعرف أوّلا بدرب ابن (¬b) السّرّاج، ثم عرف بدرب الشّامي، وهو الآن يعرف بدرب ابن الصّدر عمر (¬c) (٤).
درب القاضي
هذا الدّرب مقابل (¬d) مستوقد حمّام القاضي، على يمنة من سلك من درب الأسواني إلى الجامع الأزهر، وهو من حقوق درب الأسواني (¬a)) ومن خطّه (¬a). كان يعرف أوّلا بزقاق عزّاز غلام أمير الجيوش شاور السّعدي وزير العاضد (٥)، ثم عرف بالقاضي السّعيد أبي المعالي هبة اللّه بن
стр. 1732
فارس، ثم عرف بزقاق ابن الإمام، وعرف أخيرا بدرب ابن لؤلؤ، وهو شمس الدّين محمد بن لؤلؤ التاجر بقيساريّة جهاركس (١).
درب البيضاء
هو من جملة خطّ الأكفانيين الآن، المسلوك (¬a) إليه من الجامع الأزهر وسوق الفرّائين؛ وعرف بذلك لأنّه كان به دار تعرف/ بالدّار البيضاء (٢).
درب المنقذي
هذا الدّرب بين سوق الخيميين وسوق (¬b)) القشّاشين المعروف الآن بسكنى (¬b) الخرّاطين، على يمنة من سلك من الخرّاطين إلى الجامع الأزهر. كان يعرف قديما بزقاق غزال - وهو صنيعة الدّولة أبو الطاهر إسماعيل بن مفضّل بن غزال - ثم عرف بدرب المنقذي، وهو الآن يعرف بدرب الأمير بكتمر أستادّار العلائي (٣).
درب خربة (¬c) صالح
هذا الدّرب على يسرة من سلك من أوّل الخرّاطين إلى الجامع الأزهر. كان موضعه في القديم مارستانا، ثم صار مساكن وعرف بخربة (¬c) صالح. وفيه الآن دار الأمير طينال التي صارت بيد ناصر الدّين محمد بن (¬d) البارزي كاتب السّرّ، وفيه أيضا باب سوق الصّنادقيين (٤). (¬e)) يعرف قديما بدرب الحجّاريين (¬e).
стр. 1733
درب الحسام
هذا الدّرب على يمنة من سلك من آخر سويقة الباطليّة إلى الأزهر، عرف بحسام الدّين لاجين الصّقري (¬a) أستادّار الأمير منجك (١).
درب المنصوري
هذا الدّرب بأوّل الحارة الصّالحيّة تجاه درب أمير حسين، عرف أوّلا بدرب الجوهري - وهو شهاب الدّين أحمد بن منصور الجوهري، كان حيّا في سنة ثمانين وستّ مائة - وعرف أخيرا بدرب المنصوري. وهو الأمير قطلوبغا المنصوري حاجب الحجّاب في أيّام الملك الأشرف شعبان ابن حسين (٢).
درب أمير حسين
هذا الدّرب في طريق من سلك من خطّ خان الدّميري طالبا إلى حارة الصّالحيّة وحارة البرقيّة؛ استجدّه الأمير حسين بن الملك النّاصر محمد بن قلاوون، ومات في ليلة السبت رابع شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين وسبع مائة، وكان آخر من بقي من أولاد الملك النّاصر محمد بن قلاوون.
وهو والد الملك الأشرف شعبان بن حسين (٣).
стр. 1734
درب القمّاحين
هذا الدّرب بخطّ قصر ابن عمّار من جملة حارة كتامة قريبا من الحارة الصّالحيّة (¬a)) بالقرب من الحمّام المعروفة الآن بحمّام كراي، قريبا من مدرسة الصّاحب كريم الدّين بن الغنّام (¬a). وفيه اليوم دار خوند شقرا، وحمّام كراي وراء مدرسة ابن الغنّام (١).
درب العسل
هذا الدّرب على يمنة من سلك (¬b) من خطّ السّبع خوخ يريد المشهد الحسيني (١). كان يعرف أوّلا بخوخة الشّريف الأمير عقيل ابن الخليفة المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ أوّل خلائف (¬c) الفاطميين بالقاهرة، ومات في سنة أربع وسبعين وثلاث مائة هو وأخوه الأمير تميم بن المعزّ بالقاهرة، ودفنا بتربة القصر (٢).
درب الجبّاسة
هذا الدّرب تجاه من يخرج من سوق الأبّارين إلى المشهد الحسيني. وهو من جملة القصر الكبير، وبه دار جرجي (¬d) التي تعرف اليوم بدار بهادر (٣).
درب ابن عبد الظّاهر
هذا الدّرب بجوار فندق الذّهب بخط الزّراكشة العتيق وفي صفّه، وهو من حقوق دار العلم التي استجدّت في خلافة الآمر ووزارة المأمون البطائحي. فلمّا زالت الدّولة اختطّ مساكن، وسكن هناك القاضي محيي الدّين بن عبد الظّاهر (¬a)) بن نشوان السّعدي الكاتب المنشئ الإمام العلاّمة صاحب كتاب «الرّوضة البهيّة الزّاهرة في خطط المعزّيّة القاهرة»، وهو الكتاب المنقول (¬a)
стр. 1735
(¬a)) عنه في هذا الكتاب، وتوفّي في سنة إحدى وتسعين وستّ مائة (¬a)، فعرف به (١).
عبد اللّه (¬b).
درب الخازن
هذا الدّرب ملاصق لسور المدرسة الصّالحيّة التي للحنابلة، ومجاور لباب سرّ قاعة مدرسة الحنابلة والسّبيل الذي على باب فندق مسرور الصّغير. استجدّه الأمير علم الدّين سنجر الخازن الأشرفي والي القاهرة، المنسوب إليه حكر الخازن بخطّ الصّليبة.
وسنجر (٢) هذا كانت فيه حشمة، وله ثروة زائدة، ويحبّ أهل العلم. تنقّل في المباشرات إلى أن صار والي القاهرة، فاشتهر بدقّة الفهم وصدق الحدس الذي لا يكاد يخطئ، مع عقل وسياسة وإحسان إلى النّاس، وعزل بالأمير قدادار (¬c)، ومات عن تسعين سنة في ثامن جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبع مائة.
درب الحبيشي
هذا الدّرب على يمنة من سلك من خطّ الزّراكشة العتيق طالبا سوق الأبّارين، وهو بجوار دار خواجا المجاورة لخان منجك. أصله من جملة القصر النّافعي، وكان يعرف بخطّ القصر النّافعي، ثم عرف بخطّ سوق الورّاقين، وهو الآن يعرف بدرب الحبيشي، وهو الأمير سيف الدّين بلبان الحبيشي، أحد الأمراء الظّاهرية بيبرس (٣).
درب نقولا (¬d) الصّفار بحارة الرّوم
كان يعرف بدرب الرّومي الجزّار (٤).
стр. 1736
درب دغمش
هذا الدّرب ينفذ إلى الخوخة التي تخرج قبالة حمّام الفاضل المرسوم لدخول النّساء. كان يعرف قديما بدرب دغمش - ويقال طغمش - ثم عرف بدرب كوز الزّير - ويقال كوز الزيت - ويعرف بدرب القضاة بني عثمان (¬a) من حقوق حارة الرّوم (١).
درب أرقطاي
هذا الدّرب بحارة الرّوم، (¬b)) وينفذ إلى الخوخة التي يخرج منها إلى قبالة خوخة أيدغمش (¬b)، كان يعرف بدرب الشّمّاع، ثم عرف بدرب شمخ - وهو تاج العرب شمخ الحلبي - ثم عرف بدرب المعظّم؛ وهو الأمير عزّ الملك المعظّم ابن قوام الدّولة جبر - بجيم وباء موحّدة - ثم عرف بدرب أرسل، وهو الأمير عزّ الدّين أرسل بن قرا رسلان الكاملي والد الأمير جاولي المعظّمي المعروف بجاولي الصغير، ثم عرف بدرب الباشقردي (¬c)، وهو الأمير علم الدّين سنجر الباشقردي (¬c) أحد أكابر المماليك البحرية الصّالحيّة النّجمية، وولي نيابة حلب (٢).
ثم عرف الآن بدرب أرقطاي - والعامّة تقول رقطاي بغير همز - وهو أرقطاي الأمير سيف الدّين الحاج أرقطاي، أحد مماليك الملك الأشرف خليل بن قلاوون، وصار إلى أخيه الملك النّاصر محمد فجعله جمدارا (٣).
стр. 1737
وكان هو والأمير أيتمش نائب الكرك بينهما أخوّة، ولهما معرفة بلسان التّرك القبجاقي، ويرجع إليهما في «الياسة» التي هي شريعة جنكز خان،/ التي تقول العامّة وأهل الجهل في زماننا: هذا حكم السّياسة، يريدون حكم اليّاسة (١).
ثم إنّ الملك النّاصر أخرجه مع الأمير تنكز إلى دمشق، ثم استقرّ في نيابة حمص لسبع مضين من رجب سنة عشر وسبع مائة، فباشرها مدّة. ثم نقله إلى نيابة صفد في سنة ثمان عشرة، فأقام بها وعمر فيها أملاكا وتربة.
فلمّا كان في سنة ستّ وثلاثين، طلب إلى مصر، وجهّز الأمير أيتمش أخوه مكانه، وعمل أمير مائة بمصر. فلمّا توجّه العسكر إلى إياس خرج معهم وعاد، فكان يعمل نيابة الغيبة (٢) إذا خرج السّلطان للصّيد. ثم أخرج إلى نيابة طرابلس عوضا عن طينال، فأقام بها إلى أن توجّه ألطنبغا إلى طشطمر نائب حلب، وكان معه بعسكر طرابلس.
فلمّا جرى من هروب ألطنبغا ما جرى كان أرقطاي معه، فأمسك واعتقل بسكندرية. ثم أفرج عن أرقطاي في أوّل سلطنة الملك الصّالح إسماعيل بوساطة الأمير ملكتمر الحجازي، وجعل أميرا إلى أن مات الصّالح، وقام من بعده الملك الكامل شعبان ورسم له بنيابة حلب عوضا عن الأمير يلبغا اليحياوي، فحضر إليها في جمادى الأولى سنة ستّ وأربعين، فأقام بها نحو خمسة أشهر.
ثم طلب إلى مصر فحضر إليها، فلم يكن غير قليل حتى خلع الكامل وتسلطن المظفّر حاجي، وولاّة نيابة السّلطنة بمصر. فباشرها إلى أن خلع المظفّر، وأقيم في السّلطنة الملك النّاصر حسن (¬a)، استعفى من النّيابة وسأل نيابة حلب، فأجيب وولّي نيابة حلب، وخرج إليها. وما زال فيها إلى أن نقل منها إلى نيابة دمشق، ففرح أهلها به وساروا إلى حلب فرحا به (¬b). فنزل به مرض، وسار وهو مريض، فمات بعين المباركة ظاهر حلب يوم الأربعاء خامس جمادى الأولى سنة خمسين وسبع مائة، وقد أناف عن السبعين، فعاد أهل دمشق خائبين.
وكان ذكيّا فطنا، محجاجا لسنا، مع عجمة في لسانه، وله تنديب (¬c) مطبوع، وميل إلى الصّور الجميلة، ما يكاد يملك نفسه إذا شاهدها، مع كرم في المأكول.
стр. 1738
درب البنّادين بحارة الروم
يعرف بالبنّادين من جملة طوائف العساكر في الدّولة الفاطمية، ثم عرف بدرب أمير جاندار، وهو ينفذ إلى حمّام الفاضل المرسوم لدخول (¬a) الرّجال (١). وأمير جاندار هذا هو الأمير علم الدّين سنجر الصّالحي المعروف بأمير جاندار.
درب المكرم بحارة الروم
يعرف بالقاضي المكرّم جلال الدّين حسين بن ياقوت البزّار نسيب ابن سناء الملك (٢).
درب الضّيف بحارة الديلم
عرف بالقاضي ثقة الملك أبي منصور نصر بن القاضي الموفّق أمين (¬b) الملك أبي الطّاهر إسماعيل ابن القاضي أمين الدّولة أبي محمد الحسن بن عليّ بن نصر بن الضّيف. كان موجودا في سنة ثمان وثمانين وخمس مائة. وبه أيضا رحبة تعرف برحبة الضّيف منسوبة إليه (٣).
درب الرّصاصي بحارة الديلم
هذا الدّرب كان يعرف بحكر الأمير سيف الدّين حسين بن أبي الهيجاء صهر بني رزّيك من وزراء الدّولة الفاطمية (٤)، ثم عرف بحكر تاج الملوك (¬c) بدران بن الأمير سيف الدّين المذكور، ثم عرف بالأمير عزّ الدّين أيبك الرّصاصي (٥).
стр. 1739
درب ابن المجاور
هذا الدّرب على يسرة من دخل من أوّل حارة الدّيلم، كان فيه دار الوزير نجم الدّين بن المجاور، وزير الملك العزيز عثمان، عرف به. وهو يوسف بن الحسين بن محمد بن الحسين أبو الفتح نجم الدين الفارسي الشّيرازي المعروف بابن المجاور (١).
كان والده صوفيّا من أهل فارس ثم من شيراز. قدم دمشق وأقام في دويرة الصّوفية بها، وكان من الزّهد والدين بمكان، وأقام بمكّة وبها مات في شهر (¬a) رجب سنة ستّ وثمانين وخمس مائة. وكان أخوه أبو عبد اللّه قد سمع الحديث وحدّث، وقدم إلى القاهرة، ومات بدمشق أوّل رمضان سنة خمس وعشرين وستّ مائة.
درب كركامة (¬b)
هذا الدّرب فيه المدرسة الكهارية (٢) بجوار حارة الجوذريّة المسلوك إليه من الفحّامين (¬c) والغضاريين (¬d)، ويتوصّل منه إلى المدرسة الشّريفيّة (٣)، عرف (¬e).
درب الصّفّيرة بتشديد الفاء
هذا الدّرب بجوار باب زويلة، وهو من حقوق حارة المحموديّة، وكان نافذا إلى المحمودية، وهو الآن غير نافذ. وأصله درب الصّفيراء - تصغير صفراء، هكذا يوجد في
стр. 1740
الكتب القديمة (١) - وقد دخل بجميع (¬a) ما كان فيه من الدّور الجليلة بالجامع المؤيّدي.
درب الأنجب
هذا الدّرب تجاه بئر زويلة التي من فوق فوّهتها اليوم ربع يونس من خطّ البندقانيين. يعرف بالقاضي الأنجب أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن نصر بن عليّ أحد الشهود في أيّام قاضي القضاة سناء (¬b) الملك أبي عبد اللّه محمد بن هبة اللّه بن ميسّر، وكان حيّا في سنة بضع وعشرين وخمس مائة. أو ينسب إلى الحسين بن الأنجب المقدسي أحد الشهود المعدّلين، وكان موجودا في سنة ستّ مائة. ثم عرف هذا الدّرب بأولاد العميد الدّمشقي فإنّه كان مسكنهم (٢). ثم عرف بالبساطي، وهو قاضي القضاة جمال الدّين يوسف.
درب كنيسة جدة بضم الجيم
هذا الدّرب بالبندقانيين. كان يعرف بدرب بيت (¬c) جدّة، ثم عرف بدرب الشّيخ السّديد الموفق (¬d) (٣).
درب ابن قطر
هذا الدّرب بجوار مستوقد حمّام الصّاحب ورباط الصّاحب من خطّ سويقة الصّاحب. عرف بناصر الدّين بلغاق بن الأمير/ سيف الدّين قطز المنصوري، ومات بعد سنة ثمان وتسعين وستّ مائة (٤).
درب الحريري
هذا الدّرب من جملة دار الدّيباج هو ودرب ابن قطز المذكور قبله، ويتوصّل إليه من
стр. 1741
أوّل سويقة الصّاحب، وفيه المدرسة القطبيّة. عرف بالقاضي نجم الدّين محمد بن القاضي فتح الدّين عمر المعروف بابن الحريري، فإنّه كان ساكنا فيه (١).
درب ابن عرب
هذا الدّرب بوسط (¬a) سويقة الصّاحب، (¬b)) تجاه المدرسة القيسرانيّة (¬b)، كان يعرف بدرب بني أسامة الكتّاب أهل الإنشاء في الدّولة الفاطمية، ثم عرف بدرب بني الزّبير الأكابر الرّؤساء في الدّولة الفاطمية. ثم سكنه القاضي علاء الدّين عليّ بن عرب، محتسب القاهرة في أيّام الأمير يلبغا (¬c) ووكيل بيت المال، فعرف به إلى اليوم (٢).
وابن عرب هذا هو علاء الدّين أبو الحسن عليّ بن عبد الوهّاب بن عثمان بن عليّ بن محمد، عرف بابن عرب، ولي الحسبة بالقاهرة في آخر صفر سنة خمس وستين وسبع مائة. وولي وكالة بيت المال أيضا. وتوفي [بمكّة في ثالث عشر ذي الحجّة سنة ثمانين وسبع مائة بعد قضاء الحج] (¬d) (٣).
درب ابن معيطن (¬e)
هذا الدّرب تجاه المدرسة الصّاحبيّة، عرف أخيرا بتاج الدّين موسى بن كاتب السّعدي وناظر الخواصّ السّلطانية (¬f) في الأيّام الظاهريّة برقوق (٤)، وله به دار مليحة. وكان ماجنا متهتّكا يرمى بالسّوء، وأمّا الدّيانة فإنّه قبطي، وعنه أخذ سعد الدّين إبراهيم بن غراب (٥) وظيفة ناظر الخاصّ وعاقبه بين يديه، ثم صار يتردّد بعد ذلك إلى مجلسه. وهلك في واقعة تيمور لنك بدمشق في شعبان سنة ثلاث وثمان مائة، بعد ما احترق بالنّار لمّا أحترقت (¬g) دمشق، وأكل الكلاب بعضه.
стр. 1742
درب مشترك
هذا الدّرب يقرب من درب العدّاس، تجاه الخطّ الذي كان يعرف بالمسطاح، وفيه الآن سوق الجواري. عرف أوّلا بدرب الأخنائي قاضي القضاة برهان الدّين المالكي فإنّه كان يسكن فيه، ثم هو الآن يقال له درب مشترك.
وهذه كلمة تركية أصلها بلسانهم «أج ترك» - بضم الهمزة وإشمامها ثم جيم بين الجيم والشين - ومعنى ذلك: «ثلاث، وترك - بتاء مثناة من فوق ثم راء مهملة وكاف - ومعناها النّخل». ومعنى هذا الاسم ثلاث نخيل، وعرّبته العامّة فقالت: مشترك. وهو مشترك السّلاح دار الظّاهري سيف الدّين برقوق (¬a)، فإنّه سكن به (١) ومات في سنة (¬b).
درب العّداس
هذا الدّرب فيما بين دار الدّيباج والوزيرية، عرف بعليّ بن عمر العدّاس (٢) صاحب سقيفة العدّاس.
درب كاتب سيدي
هذا الدّرب من جملة خطّ الملحيين (¬c) (٣)، كان يعرف بدرب تقيّ الدّين الأطرياني، أحد موقّعي الحكم عند قاضي القضاة تقيّ الدّين الأخنائي، ثم عرف بالوزير الصّاحب علم الدّين عبد الوهّاب القبطي الشهير بكاتب سيدي.
الوزير كاتب سيدي -
تسمّى لمّا أسلم بعبد الوهّاب بن القسّيس، وتلقّب علم الدّين، وعرف بين الكتّاب الأقباط بكاتب سيدي (٤)، وترقّى في الخدم الدّيوانية حتى ولي ديوان المرتجع،
стр. 1743
وتخصّص بالوزير الصّاحب شمس الدّين إبراهيم كاتب أرلان (١)، فلمّا أشرف من مرضه على الموت عيّن للوزارة من بعده علم الدّين هذا. فولاّه الملك الظّاهر وظيفة الوزارة بعد موت الوزير شمس الدّين، في سادس عشرين شعبان سنة تسع وثمانين وسبع مائة، فباشر الوزارة إلى يوم السبت رابع عشرين رمضان سنة تسعين وسبع مائة. ثم قبض عليه، وأقيم في منصب الوزارة بدله الوزير الصّاحب كريم الدّين بن الغنّام وسلّمه إليه (٢).
وكان قد أراد مصادرة كريم الدّين، فاتّفق استقراره في الوزارة وتمكّنه منه فألزمه بحمل مال قرّره عليه. فيقال: إنّه حمل في هذا اليوم ثلاث مائة ألف درهم، عنها إذ ذاك نحو العشرة آلاف مثقال ذهبا، ومات بعد ذلك من هذه السنة. وكان كاتبا بليغا كتب بيده بضعا وأربعين رزمة من الورق. وكانت أيّامه ساكنة، والأحوال متمشيّة، وفيه لين.
درب مخلص
هذا الدّرب بحارة زويلة، عرف بمخلص الدّولة أبي الحياء مطرّف المستنصري، ثم عرف بدرب الرائض، وهو الأمير طراز الدّولة الرائض بإسطبل الخلافة (٣).
درب كوكب
هذا الدّرب هو الآن زقاق شارع يسلك فيه من حارة زويلة إلى درب الصّقالبة، عرف أوّلا بالقائد الأعزّ مسعود المستنصري، ثم عرف بكوكب الدّولة ابن البجناكي (¬a) (٤).
стр. 1744
درب الوشاقي بحارة زويلة
عرف بالأمير حسام الدّين سنقر الوشاقي، المعروف بالأعسر السّلاح دار، أحد أمراء السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب (١).
درب الصقالبة بحارة زويلة
عرف بطائفة الصّقالبة، إحدى طوائف العساكر في أيّام الخلفاء الفاطميين، وهم جماعة (¬a)) منهم نصر الصّقلبي غلام المعزّ الذي سيّره إلى الشّام في جيش قاله ابن عبد الظّاهر (¬a) (٢).
درب الكنجي بحارة زويلة
كان يعرف بدرب خليلة (¬b)، ثم عرف بالأمير شمس الدّين سنقر شاه الكنجي الحاجب الظّاهري الدّكني (¬c)، قتله (¬a)) الملك المنصور (¬a) قلاوون أوّل سلطنته (٣).
درب روميّة
هذا الدّرب كان في القديم فيما بين زقاق القابلة ودرب الزّرّاق (٤). فزقاق القابلة فيه اليوم كنيسة اليهود بحارة زويلة، ويتوصّل منه إلى السّبع قاعات (¬d) ودار بيبرس التي عرفت بدار كاتب السّرّ ابن فضل اللّه تجاه حمّام ابن عبّود. ودرب الزّرّاق هو اليوم من جملة خطّ سويقة الصّاحب، وبينهما الآن دور لا يوصل إليه إلاّ بعد قطع مسافة.
стр. 1745
ودرب روميّة كان يعرف أوّلا بزقاق حسين بن إدريس العزيزي، أحد أتباع الخليفة العزيز باللّه/ نزار بن المعزّ لدين اللّه، ثم عرف بدرب روميّة. وهو بجوار زقاق القابلة الذي عرف بزقاق العسل، ثم عرف بزقاق المعصرة، وعرف اليوم بزقاق الكنيسة (١).
درب الخضيري
هذا الدّرب يقابل باب الجامع الأقمر البحري، وهو من جملة حقوق القصر الصغير الغربي؛ عرف بالأمير عزّ الدّين أيدمر الخضيري، أحد أمراء الملك المنصور قلاوون، وبه (¬a)) دار الملك المسعود نجم الدّين خضر بن الملك الظّاهر بيبرس، ثم عرفت بدار الأمير صلاح الدّين يحيى بن الأمير خضر، وهي دار بكتوت الحمصي الصغير الظّاهري، وتعرف في زمننا هذا بدار الخضيري ولها باب من تحت قبو الخرنشف وباب من داخل درب الخضيري (¬a) (٢).
درب شعلة
هو الشّارع المسلوك فيه من باب درب ملوخيّا إلى خطّ الفهّادين والعطوفيّة، وقد خرب (٣).
درب نادر (¬b)
هذا الدّرب بجوار المدرسة الجماليّة (٤)، فيما بين درب راشد ودرب ملوخيا. عرف بسيف الدّولة نادر الصّقلبي، وتوفّي لاثنتي عشرة خلت من صفر سنة اثنتين وثمانين وثلاث مائة. فبعث إليه الخليفة العزيز باللّه لكفنه خمسين قطعة من ديباج ومثقل (¬c). وخلّف ثلاث مائة ألف دينار عينا وآنية من فضّة وذهب وعبيدا وخيلا، وغير ذلك ممّا بلغت قيمته نحو ثمانين ألف دينار. وكان أحد الخدّام، ذكره المسبّحيّ في تاريخه (٥).
стр. 1746
وقد ذكر ابن عبد الظّاهر أنّ بالسّويقة التي دون باب القنطرة دربا يعرف بدرب نادر، فلعلّه نسب إليه درب كان هناك في القديم أيضا. (¬a)) قال كاتبه: الذي أعرفه فيما حفظته قديما أنّ الدّرب الكبير الذي قبل باب القنطرة يعرف بدرب الرّمّاحين، ولا يحضرني في أي الكتب رأيت ذلك (¬a) (١).
درب راشد
هذا الدّرب تجاه خزانة البنود، عرف بيمين الدّولة راشد العزيزي، ذكره المسبّحي (¬b) (٢).
درب النّميري
عرف بالأمير سيف المجاهدين محمد بن النّميري، أحد أمراء الخليفة الحافظ لدين اللّه، وولي عسقلان في سنة ستّ وثلاثين وخمس مائة، وكانت ولايتها أكبر من ولاية دمشق.
وهذا الدّرب كان ينفذ إلى درب راشد، وهو الآن غير نافذ، وفي داخله درب يعرف بأولاد الدّاية طاهر وقاسم الأفضلين، أحد أتباع الأفضل بن أمير الجيوش، وعرف الآن (¬c)) درب النّميري (¬c) بدرب الطّفل (٣). وهو من جملة خطّة قصر الشّوك، فإنّه قبالة باب قصر الشّوك، وبينهما سويقة رحبة الأيدمري.
درب قراصيا
هذا الدّرب من جملة الدّروب القديمة، وكان تجاه باب قصر الزّمرّد الذي في مكانه اليوم المدرسة الحجازيّة (٤).
وهذا الدّرب اليوم من جملة خطّة رحبة باب العيد بجوار سجن الرّحبة. وقد هدمه الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار، وهدم كثيرا من دوره وعملها وكالة، فمات ولم تكمل، وهي إلى الآن بغير تكملة. ثم كمّله الملك المؤيّد شيخ، وجعله وقفا على جامعه، وهو إلى الآن خان عامر (٥).
стр. 1747
وقراصيا هذا .... (¬a).
درب السّلاّمي
هذا الدّرب من جملة خطّ رحبة باب العيد، وفيه إلى اليوم أحد أبواب القصر المسمّى بباب العيد، والعامّة تسمّيه القاهرة. وهذا الدّرب يسلك منه إلى خطّ قصر الشّوك، وإلى المارستان العتيق الصّلاحي، وإلى دار الضّرب وغير ذلك (١). عرف بخواجا «مجد الدّين السّلاّمي» إسماعيل ابن محمد بن ياقوت الخواجا مجد الدين السّلامي (٢)، تاجر الخاصّ في أيام الملك النّاصر محمد ابن قلاوون، وكان يدخل إلى باب الطّطر (¬b)، ويتّجر ويعود بالرّقيق وغيره، واجتهد مع جوبان إلى أن اتّفق الصّلح بين الملك النّاصر وبين القان أبي سعيد (٣)، فانتظم ذلك بسفارته وحسن سعيه، فازدادت وجاهته عند الملكين.
стр. 1748
وكان الملك النّاصر يسفّره ويقرّر معه أمورا، فيتوجّه ويقضيها على وفق مراده بزيادات. فأحبّه وقرّبه، ورتّب له الرّواتب الوافرة في كلّ يوم من الدراهم واللّحم والعليق والسّكّر والحلوى (¬a) والكماج (١) والرّقاق، ممّا يبلغ في اليوم مائة وخمسين درهما، عنها يومئذ ثمانية مثاقيل من الذّهب، وأعطاه قرية أراك ببعلبك، وأعطى مماليكه إقطاعات في الحلقة.
وكان يتوجّه إلى الأردو (¬b)، ويقيم فيه الثلاث سنين والأربع والبريد لا ينقطع عنه، وتجهّز إليه التّحف والأقمشة ليفرّقها على من يراه من خواصّ أبي سعيد وأعيان الأردو (¬b) ثقة بمعرفته ودرايته.
وكان النّشو ناظر الخاصّ (٢) لا يفارقه، ولا يصبر عنه. ومن أملاكه ببلاد الشّرق (¬c): السّلاميّة، والماحوذة (¬d)، والمراوزة، والمناصف. ولمّا مات الملك النّاصر، تغيّر عليه الأمير قوصون، وأخذ منه مبلغا يسيرا.
وكان ذا عقل وافر وفكر مصيب، وخبرة بأخلاق الملوك وما يليق بخواطرها، ودربة (¬e) بما يتحفها به من الرّقيق والجواهر، ونطق سعيد، وخلق رضيّ، وشكالة حسنة، وطلعة بهيّة. ومات في داره من درب السّلاّمي هذا يوم الأربعاء سابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وسبع مائة، ودفن بتربته خارج باب النّصر.
ومولده في سنة إحدى وسبعين وست مائة بالسّلاميّة - بلدة من أعمال الموصل على يوم منها بالجانب الشّرقي - وهي بفتح السين المهملة وتشديد اللام وبعد الميم ياء مثناة من تحت مشدّدة ثم تاء التأنيث.
درب خاص ترك
هذا الدّرب برحبة باب العيد، عرف بالأمير الكبير ركن الدّين بيبرس - المعروف بخاصّ التّرك الكبير - أحد الأمراء الصّالحيّة النّجمية، أو بالأمير عزّ الدّين أيبك المعروف بخاصّ التّرك الصغير،
стр. 1749
سلاح دار الملك الظّاهر ركن الدين بيبرس البندقداري (١).
درب شاطي
هذا الدّرب يتوصّل منه إلى قصر الشّوك (¬a)) الذي هدمه الأمير جمال الدّين الأستادّار، وإلى الآن لم يعمّر وكان بالقرب من دار الضّرب (¬a)، عرف بالأمير شرف الدّين شاطي السّلاح دار في أيّام الملك المنصور قلاوون. وكان أميرا كبيرا مقدّما بالدّيار المصرية، وأخرجه الملك النّاصر محمد ابن قلاوون إلى الشام فأقام بدمشق، وكانت له حرمة وافرة وديانة وفيه خير، ومات بها في الحادي والعشرين/ من شعبان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة (٢).
درب الرّشيدي
هذا الدّرب مقابل باب الجوّانيّة، عرف بالأمير عزّ الدين أيدمر الرّشيدي، مملوك الأمير بلبان الرّشيدي خوشداش الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري.
وولي الأمير أيدمر هذا أستادّارا لأستاذه بلبان، ثم ولي أستادّارا للأمير سلار، ومات في تاسع عشر شوّال سنة ثمان وسبع مائة (٣). وكان سكنه في هذا الدّرب، وكان عاقلا ذا ثروة وجاه.
وكان في القديم موضع هذا الدّرب براحا قدّام الحجر.
درب الفرنجيّة (¬b)
هذا الدّرب على يمنة من خرج من الجملون الصّغير طالبا درب الرّشيدي المذكور، وهو من الدّروب التي كانت في أيّام الخلفاء (٤).
стр. 1750
الدّرب الأصفر
هذا الدّرب تجاه خانقاه الملك المظفّر ركن الدّين بيبرس الجاشنكير، وموضع هذا الدّرب هو المنحر الذي تقدّم ذكره (١).
درب الطّاووس
هذا الدّرب في الحدرة التي عند باب سرّ المارستان المنصوري، على يمّنة من ابتدأ الخروج منه، وكان موضعه بجوار باب السّاباط أحد أبواب القصر الصّغير، وقد تقدّم ذكره (٢).
ودرب الطّاووس أيضا بالقرب من درب العدّاس فيما بين باب الخوخة والوزيريّة (٣).
درب باينجار
هذا الدّرب بجوار جامع أمير حسين من حكر جوهر النّوبي خارج القاهرة، عرف بالأمير باينجار الرّومي الوافد في (¬a) أيّام الملك الظّاهر بيبرس. وقد خربت تلك الدّيار في سلطنة الملك المؤيّد شيخ (٤).
درب كوسا
هو الآن يسلك فيه على شاطئ الخليج الكبير من قنطرة الأمير حسين إلى قنطرة الموسكي، عرف بحسام الدّين كوسا، أحد مقدّمي الحلقة (¬b) في أيّام الملك المنصور قلاوون، مات بعد سنة ثلاث وثمانين وستّ مائة.
وهذا الموضع تجاه دار الذّهب التي تعرف اليوم بدار الأمير حسين التّتري، السّلاح دار النّاصريّ، وقد خربت أيضا (٥).
стр. 1751
درب الجاكي
هذا الدّرب بالحكر، عرف بالأمير شرف الدّين إبراهيم بن حسين (¬a) بن عليّ بن الجنيد الجاكي المهمندار المنصوري (١). وقد دثر في أيام المؤيّد على يد الأمير فخر الدّين عبد الغني بن أبي الفرج الأستادّار لمّا خرّب ما هناك (٢).
درب الحرامي بالحكر
عرف بسعد الدّين حسين بن عمر بن محمّد الحرامي وابنه مجير الدّين يوسف، وكانا من أجناد الحلقة (¬b) في أيّام (¬c) (٣).
درب الرّزّاق بالحكر
عرف بالأمير عزّ الدّين أيدمر الزّرّاق أحد الأمراء، (¬d)) وأمير جاندار في أيّام الملك النّاصر محمد ابن قلاوون في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مائة (¬d) (٤). ولاّه الملك الصّالح إسماعيل بن محمد ابن
стр. 1752
قلاوون نيابة غزّة في سنة خمس وأربعين وسبع مائة، فأقام بها مدّة، ثم استعفى بعد موت الملك الصّالح وعاد إلى القاهرة، ثم توجّه إلى دمشق للحوطة على موجود الخاصّكية يلبغا اليحياوي في الأيّام المظفّريّة وعاد.
فلمّا ركب العسكر على الملك المظفّر، لم يكن معه سوى الزّرّاق وآق سنقر وأيدمر الشّمسي.
فنقم الخاصّكية عليهم ذلك، وأخرجوهم إلى الشّام، فوصلوا إليها في أوّل شوّال سنة ثمان وأربعين، فأقام الزّرّاق بدمشق. ثم ورد مرسوم السّلطان حسن بتوجّههم إلى حلب، فتوجّه إليها على إقطاع وبها مات، وكان ديّنا ليّنا فيه خير.
وكان هذا الدّرب عامرا، وفيه دار الزّرّاق الدّار العظيمة (١)، وقد خرب هذا الدّرب وما حوله منذ كانت الحوادث في سنة ستّ وثمان مائة، ثم نقضت الدّار في أيّام المؤيّد شيخ، على يد ابن أبي الفرج.
زقاق طريف بالطّاء المهملة
هذا الزّقاق من أزقّة البرقيّة، عرف بالأمير فخر الدّين طريف بن بكتوت، وكان يعرف بزقاق مناد (¬a) بن ميمون بن مناد (¬a)، توفّي في ذي الحجّة سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة (٢).
زقاق منعم بحارة الدّيلم
كان يعرف بمساطب الدّيلم والأتراك، ثم عرف بالأمير منعم الدّولة باتكين البوسحاقي، ثم عرف بزقاق جمال الدّولة، ثم بزقاق الخلاطي (¬b)، ثم بزقاق الصّهرجتي، وهو القاضي المنتخب ثقة الدّولة أبو الفضل محمد بن الحسين بن هبة اللّه بن وهيب الصّهرجتي، وكان حيّا في سنة ستين وخمس مائة (٣).
стр. 1753
زقاق الحمّام بحارة الدّيلم
عرف قديما بخوخة المنقذي، ثم عرف بخوخة سيف الدّين حسين بن أبي الهيجاء صهر بني رزّيك، ثم عرف بزقاق حمّام الرّصاص، ثم عرف بزقاق المزار (١).
زقاق الحرون بحارة الدّيلم
عرف بالأمير الأوحد سلطان الجيوش درّي (¬a) الحرون رفيق العادل بن السّلار، وزير مصر في أيّام الخليفة الظّافر بأمر اللّه، ثم عرف بدرب مسافر عزّ (¬b) القضاة، ثم عرف بزقاق القبّة (٢).
زقاق الغراب بالجوذريّة
كان يعرف بزقاق أبي العزّ (¬c)، ثم عرف بزقاق ابن أبي الحسن العقيلي، ثم قيل له زقاق الغراب نسبة إلى أبي عبد اللّه محمد بن رضوان الملقّب بغراب (٣).
زقاق عامر بالوزيريّة
عرف بعامر القمّاح في حارة الأقافصة (¬d) (٤).
стр. 1754
زقاق فرج بالجيم
من جملة أزقّة درب ملوخيّا، عرف بفرج مهتار الطّشتخاناه للملك المنصور قلاوون؛ كان حيّا في سنة ثلاث وثمانين وستّ مائة (١).
زقاق حدرة الزّاهدي بحارة برجوان
عرفت بالأمير ركن الدّين بيبرس الزّاهدي الرّمّاح الأحدب أحد الأمراء، وممّن له عدّة غزوات في الفرنج. ولمّا تمالأ الأمراء على الملك السّعيد ابن الملك الظّاهر بيبرس وسبقهم إلى القلعة، كان قدّامه بيبرس الزّاهدي هذا، فسقط عن فرسه، وخرجت له حدبة في ظهره، ومات في سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة.
/ وكان مكان هذه الحدرة أخصاصا، وهي الآن مساكن بينها زقاق يسلك فيه من رأس الحارة إلى رحبة الأفيال (٢).
(¬a)) زقاق الكحل
قال كاتبه: زقاق الكحل ممّا يعدّ في زمننا من جملة شقّه الحسينية التي ممّا يلي خارج باب الفتوح (¬a) (٣).
стр. 1755
ذكر الخوخ
والقصد إيراد ما هو مشهور من الخوخ أو لذكره فائدة، وإلاّ فالخوخ والدّروب والأزقّة كثيرة جدّا.
الخوخ السّبع (¬a)) هذا الخطّ مشهور بالقاهرة، وهو فيما بين إسطبل الطّارمة والجامع الأزهر. ولم أر ذكر هذا الاسم إلاّ في الكتب التي كتبت من استقبال دولة بني أيّوب وإلى اليوم، وسمعت من يذكر أنّها كانت سبع خوخ متّصلة بإسطبل الطّارمة وأنّ الخلفاء الفاطميين كانوا يتوصّلون منها حين يخرجون من القصر من باب الدّيلم - الذي هو باب المشهد الحسيني الآن - إلى الجامع الأزهر (١)، وأنّها لم تكن مسلوكة للنّاس. وكذا سمّى هذا الخطّ القاضي المرتضى ابن الطّوير في كتابه «نزهة المقلتين في أخبار الدّولتين» (٢) وذكر أنّ هذا الخطّ يعرف بخوخة الشّريف الأمير عقيل؛ وأظنّه الأمير عقيل بن الخليفة المعزّ لدين اللّه باني القاهرة وأخو الخليفة العزيز باللّه نزار بن المعزّ وأخو الأمير تميم الشّاعر المشهور؛ وتوفي الأمير عقيل في سنة أربع وسبعين وثلاث مائة، وفيها توفي الأمير تميم أيضا ودفنا بتربة القصر (¬a). ثم عرف بعد انقضاء دولة الفاطميين بخطّ الخوخ السّبع، وليس لهذه الخوخ اليوم أثر ألبتّة، ويعرف اليوم بالأبّارين (٣).
باب الخوخة
هو أحد أبواب القاهرة ممّا يلي الخليج (٤)، في حدّ القاهرة البحري، يسلك إليه من سويقة الصّاحب ومن سويقة المسعودي. (¬b)) وجدت في كتب الأملاك الفاطميّة أنّ (¬b) هذا الباب يعرف أوّلا بخوخة ميمون دبه، ويخرج منه إلى الخليج الكبير (¬b)) المعروف الآن بخليج اللّؤلؤة (¬b).