← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

ذكر الأسواق (١) قال ابن سيده: والسّوق التي يتعامل فيها تذكّر وتؤنّث، والجمع أسواق. وفي التّنزيل: ﴿إِلّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ اَلطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي اَلْأَسْواقِ﴾ [الآية ٢٠ سورة الفرقان]. والسّوقة لغة فيها، والسّوقة من النّاس: من لم يكن ذا سلطان، الذّكر والأنثى في ذلك سواء (٢). وقد كان بمدينة مصر والقاهرة وظواهرها من الأسواق شيء كثير جدّا قد باد أكثرها، وكفاك دليلا على كثرة عددها أنّ الذي خرب من الأسواق، فيما بين أراضي اللّوق إلى باب البحر بالمقس (٣)، اثنان وخمسون سوقا أدركناها عامرة فيها ما يبلغ حوانيته نحو الستين حانوتا وهذه الخطّة من جملة ظاهر القاهرة الغربي، فكيف ببقيّة الجهات الثّلاث مع القاهرة ومصر. وسأذكر من أخبار الأسواق ما أجد سبيلا إلى ذكره إن شاء اللّه تعالى. القصبة قال ابن سيده: قصبة البلد مدينته، وقيل معظمه (٤).

стр. 1927

والقصبة هي أعظم أسواق مصر. وسمعت/ غير واحد ممّن أدركته من المعمّرين يقول: إنّ القصبة تحتوي على اثني عشر ألف حانوت، كأنّهم يعنون ما بين أوّل الحسينيّة ممّا يلي الرّمل إلى المشهد النّفيسي. ومن اعتبر هذه المسافة اعتبارا جيّدا لا يكاد أن ينكر هذا الخبر. وقد أدركت هذه المسافة بأسرها عامرة الحوانيت، غاصّة بأنواع المآكل والمشارب والأمتعة، تبهج رؤيتها ويعجب النّاظر هيئتها، ويعجز العادّ عن إحصاء ما فيها من الأنواع، فضلا عن الأشخاص. وسمعت الكافّة ممّن أدركت يفاخرون بمصر سائر البلاد ويقولون: يرمى بمصر في كلّ يوم ألف دينار ذهبا على الكيمان والمزابل. يعنون بذلك ما يستعمله اللّبّانون والجبّانون والطّبّاخون من الشّقاف الحمر التي يوضع فيها اللّبن، والتي يوضع فيها الجبن، والتي تأكل فيها الفقراء الطّعام بحوانيت الطّبّاخين، وما يستعمله بيّاعو الجبن من الخيط والحصر التي تعمل تحت الجبن في الشّقاف وفوقها (¬a)، وما يستعمله العطّارون من القراطيس والورق القويّ والخيوط التي تشدّ بها القراطيس (¬b)) المحمول فيها الأدوية وما يستعمله الأبازرة والفانيون من قراطيس الموز والخيط التي يشدّ بها القراطيس (¬b) الموضوع فيها حوائج الطّعام من الحبوب والأفاويه وغيرها. فإنّ هذه الأصناف المذكورة إذا حملت من الأسواق، وأخذ ما فيها، ألقيت إلى المزابل (١). ومن أدرك النّاس قبل هذه المحن وأمعن النّظر فيما كانوا عليه من أنواع الحضارة والتّرف، لم يستكثر ما ذكرناه. وقد اختلّ حال القصبة وخرب، وتعطّل أكثر ما تشتمل عليه من الحوانيت بعد ما كانت مع سعتها تضيق بالباعة، فيجلسون على الأرض في طول القصبة بأطباق الخبز وأصناف المعايش، ويقال لهم «أصحاب المقاعد» (٢)، وكلّ قليل يتعرّض الحكّام لمنعهم وإقامتهم من الأسواق، لما يحصل بهم من تضييق الشّوارع وقلّة بيع أرباب الحوانيت. وقد ذهب واللّه ما هناك، ولم يبق إلاّ القليل. وفي القصبة عدّة أسواق منها ما خرب، ومنها ما هو باق. وسأذكر منها ما يتيسّر إن شاء اللّه.

стр. 1928

سوق باب الفتوح هذا السّوق في داخل باب الفتوح، من حدّ باب الفتوح الآن إلى رأس حارة بهاء الدّين، معمور الجانبين بحوانيت اللّحّامين والخضريّين والفاميين والشّرائحية وغيرهم، وهو من أجلّ أسواق القاهرة وأعمرها؛ يقصده النّاس من أقطار البلاد لشراء أنواع اللّحمان الضّأن والبقر والمعز، ولشراء أصناف الخضراوات. وليس هو من الأسواق القديمة، وإنّما حدث بعد زوال الدّولة الفاطمية عندما سكن قراقوش في موضعه المعروف بحارة بهاء الدّين، وقد تناقص عمّا كان فيه منذ عهد الحوادث، وفيه إلى الآن بقيّة صالحة. سوق المرحّلين هذا السّوق أدركته من رأس حارة بهاء الدّين إلى بحريّ المدرسة الصّيرميّة معمور الجانبين بالحوانيت المملوءة برحالات الجمال وأقتابها وسائر ما تحتاج إليه، يقصد من سائر إقليم مصر خصوصا في مواسم الحجّ. فلو أراد الإنسان تجهيز مائة جمل وأكثر في يوم واحد (¬a) لما شقّ عليه وجود ما يطلبه من ذلك لكثرة ذلك عند التّجّار في الحوانيت بهذا السّوق وفي المخازن. فلمّا كانت الحوادث بعد سنة ستّ وثمان مائة وكثر سفر الملك النّاصر فرج بن برقوق إلى محاربة الأمير شيخ والأمير نوروز بالبلاد الشّاميّة، صار الوزراء يستدعون ما تحتاج إليه الجمال من الرّحال والأقتاب وغيرها، فإمّا لا يدفع ثمنها أو يدفع فيها الشيء اليسير من الثّمن. فاختلّ من ذلك حال المرحّلين وقلّت أموالهم بعد ما كانوا مشتهرين بالغنى (¬b) الوافر والسّعادة الطائلة، وخرب معظم حوانيت هذا السّوق وتعطّل أكثر ما بقي منها ولم يتأخّر فيه سوى القليل. سوق خان الرّوّاسين هذا السّوق على رأس سويقة أمير الجيوش، قيل له ذلك من أجل أنّ هناك خانا تعمل فيه الرّءوس المغمومة. وكان من أحسن أسواق القاهرة فيه عدّة من البيّاعين، ويشتمل على نحو العشرين حانوتا مملوءة بأصناف المآكل. وقد اختلّ وتلاشى أمره.

стр. 1929

سوق حارة برجوان هذا السّوق من الأسواق القديمة، وكان يعرف في القديم أيّام الخلفاء الفاطميين بسوق أمير الجيوش. وذلك أنّ أمير الجيوش بدر الجمالي لمّا قدم إلى مصر في زمن الخليفة المستنصر - وقد كانت الشّدّة العظمى - بنى بحارة برجوان الدّار التي عرفت بدار المظفّر (١)، وأقام هذا السّوق برأس حارة برجوان. قال ابن عبد الظّاهر: والسّويقة المعروفة بأمير الجيوش معروفة بأمير الجيوش بدر الجمالي وزير الخليفة المستنصر، وهى من باب حارة برجوان (¬a) إلى قريب الجامع الحاكمي (٢). وهكذا تشهد مكاتيب دور حارة برجوان القديمة، فإنّ فيها: «والحدّ القبلي ينتهي إلى سويقة أمير الجيوش»، وسوق حارة برجوان هو في الحدّ القبلي من حارة برجوان. وأدركت سوق حارة برجوان أعظم أسواق القاهرة، ما برحنا ونحن شباب نفاخر بحارة برجوان سكّان جميع حارات القاهرة، فنقول: بحارة برجوان حمّامان (نعني حمّامي الرّومي وحمّام سويد، فإنّه كان يدخل إليها من داخل الحارة) (٣) وبها فرنان، ولها السّوق الذي لا يحتاج ساكنها إلى غيره. وكان هذا السّوق من سوق خان الرّوّاسين إلى سوق الشّمّاعين معمور الجانبين بالعدّة الوافرة من بيّاعي لحم الضّأن السّليخ، وبيّاعي اللّحم/ السّميط، وبيّاعي اللّحم البقري. وبه عدّة كثيرة من الزّيّاتين، وكثير من الجبّانين والخبّازين واللّبّانين والطّبّاخين والشّوّائين والبواردية (٤) والعطّارين

стр. 1930

والخضريين، وكثير من بيّاعي الأمتعة. حتى إنّه كان به حانوت لا يباع فيه إلاّ حوائج المائدة، وهي البقل والكرّاث والشّمار والنّعناع، وحانوت لا يباع فيه إلاّ الشّيرج والقطن فقط برسم تعمير القناديل التي تسرج في اللّيل. وسمعت من أدركت أنّه كان يشتري من هذا الحانوت في كلّ ليلة شيرج ممّا يوضع في القناديل بثلاثين درهما فضّة، عنها يومئذ دينار ونصف. وكان يوجد بهذا السّوق لحم الضأن النّيء والمطبوخ إلى ثلث اللّيل الأوّل ومن قبل طلوع الفجر بساعة. وقد خرب أكثر حوانيت هذا السّوق ولم يبق لها أثر، وتعطّل بأسره بعد سنة ستّ وثمان مائة، وصار أوحش من وتد في قاع، بعد أن كان الإنسان لا يستطيع أن يمرّ فيه من ازدحام النّاس ليلا ونهارا إلاّ بمشقّة. وكان فيه قبّاني برسم وزن الأمتعة والمال والبضائع لا يتفرّغ من الوزن، ولا يزال مشغولا به ومعه من يستحثّه ليزن له. فلمّا كان بعد سنة عشر وثمان مائة، أنشأ الأمير طوغان الدّوادار بهذا السّوق مدرسة، وعمّر ربعا وحوانيت (١)، فتحابى بعض الشيء، وقبض على طوغان في سنة ستّ عشرة وثمان مائة ولم تكمل عمارة السّوق، وفيه الآن بقيّة يسيرة. سوق الشّمّاعين هذا السّوق من الجامع الأقمر إلى سوق الدّجّاجين، كان يعرف في الدّولة الفاطمية بسوق القمّاحين، وعنده بنى المأمون بن البطائحي الجامع الأقمر باسم الخليفة الآمر بأحكام اللّه، وبنى تحت الجامع دكاكين ومخازن من جهة باب الفتوح (٢). وأدركت سوق الشّمّاعين من الجانبين معمور الحوانيت بالشّموع الموكبية والفانوسية والطّوّافات، لا تزال حوانيته مفتحة إلى نصف اللّيل. وكان يجلس به في اللّيل بغايا يقال لهن «زعيرات الشّمّاعين» (٣) لهن سيما يعرفن بها وزيّ يتميّزن به، وهو لبس الملاءات الطّرح وفي

стр. 1931

أرجلهن سرافيل (١) من أديم حمر. وكنّ يعانين الزّعارة، ويقفن مع الرّجال المشالقين في وقت لعبهم، وفيهن من تحمل الحديد معها. وكان يباع بهذا السّوق في كلّ ليلة من الشّمع بمال جزيل، وقد خرب ولم يبق به إلاّ نحو الخمس حوانيت، بعد ما أدركتها تزيد على عشرين حانوتا، وذلك لقلّة ترف النّاس وتركهم استعمال الشّمع. وكان يعلّق بهذا السّوق الفوانيس في موسم الغطاس (٢)، فتصير رؤيته في اللّيل من أنزه الأشياء. وكان به في شهر رمضان موسم عظيم، لكثرة ما يشترى ويكترى من الشّموع الموكبيّة التي تزن الواحدة منهن عشرة أرطال فما دونها، ومن المزهرات العجيبة الزّيّ المليحة الصّنعة، ومن الشّمع الذي يحمل على العجل ويبلغ وزن الواحدة منها القنطار وما فوقه، كلّ ذلك برسم ركوب الصّبيان لصلاة التّراويح، فيمرّ في ليالي شهر رمضان من ذلك ما يعجز البليغ عن حكاية وصفه، وقد تلاشى الحال في جميع ما قلنا لفقر النّاس وعجزهم. سوق الدّجّاجين هذا السّوق كان ممّا يلي سوق الشّمّاعين إلى سوق قبو الخرنشف. كان يباع فيه من الدّجاج والإوز شيء كثير جليل إلى الغاية، وفيه حانوت فيه العصافير التي يبتاعها ولدان النّاس ليعتقوها، فيباع منها في كلّ يوم عدد كثير جدّا، ويباع العصفور منها بفلس، ويخدع الصّبيّ بأنّه يسبح فمن أعتقه دخل الجنّة، ولكلّ واحد حينئذ رغبة في فعل الخير. وكان يوجد في كلّ وقت بهذه الحوانيت من الأقفاص التي بها هذه العصافير آلاف، ويباع بهذا السّوق عدّة أنواع من الطّير، وفي كلّ يوم جمعة يباع فيه بكرة أصناف القمارى والهزّارات والشّحارير والببّغاء والسّمّان (٣). وكنّا نسمع أنّ من السّمّان ما يبلغ (¬a) ثمنه المئات من الدّراهم، وكذلك بقيّة طيور المسموع يبلغ (¬a) الواحد منها نحو الألف، لتنافس النّاس فيها وتوفّر عدد المعتنين بها، وكان يقال لهم غواة

стр. 1932

طيور المسموع سيّما الطّواشيّة، فإنّه كان يبلغ بهم التّرف أن يقتنوا السّمّان ويتأنّقوا في أقفاصه ويتغالوا في أثمانه، حتى بلغنا أنّه بيع طائر من السّمّان بألف درهم فضّة، عنها يومئذ نحو الخمسين دينارا من الذّهب. كلّ ذلك لإعجابهم بصوته، وكان صوته على وزن قول القائل: طقطلق وعوع، وكلّما كثر صياحه كانت المغالاة في ثمنه. فاعتبر بما قصصته عليك حال التّرف الذي كان فيه أهل مصر، ولا تتّخذ حكاية ذلك هزؤا تسخر به، فتكون ممّن لا تنفعه المواعظ بل يمرّ بالآيات معرضا غافلا، فتحرم الخير. وكان بهذا السّوق قيساريّة عملت مرّة سوقا للكتبيين ولها باب من وسط سوق الدّجّاجين، وباب من الشّارع الذي يسلك فيه من بين القصرين إلى الرّكن المخلّق (١). فاتّفق أن ولي نيابة النّظر في المارستان المنصوري، عن الأمير الكبير أيتمش البجاسي الظّاهري، أمير يعرف بالأمير خضر ابن التّنكزيّة، فهدم هذا السّوق والقيساريّة وما يعلوها، وأنشأ هذه الحوانيت والرّباع التي فوقها تجاه ربع الكامل، الذي يعلو ما بين درب الخضيري وقبو الخرنشف، فلمّا كمل أسكن في الحوانيت عدّة من الزّيّاتين وغيرهم. وبقي من الدّجّاجين بهذا السّوق بقيّة قليلة. سوق بين القصرين / هذا السّوق أعظم أسواق الدّنيا فيما بلغنا، وكان في الدّولة الفاطمية مراحا واسعا يقف فيه عشرة آلاف ما بين فارس وراجل، ثم لمّا زالت الدّولة ابتذل، وصار سوقا يعجز الوصف عن حكاية ما كان فيه. وقد تقدّم ذكره في الخطط من هذا الكتاب (٢)، وفيه إلى الآن بقيّة تحزنني رؤيتها إذا صارت إلى هذه القلّة. سوق السّلاح هذا السّوق فيما بين المدرسة الظّاهريّة بيبرس وبين باب قصر بشتاك، استجدّ فيما بعد الدّولة الفاطميّة في خطّ بين القصرين، وجعل لبيع القسيّ والنّشّاب والزّرديات وغير ذلك من آلات السّلاح (٣). وكان تجاهه خان يقابل الخان الذي هو الآن بوسط سوق السّلاح، وعلى بابه من

стр. 1933

الجانبين حوانيت تجلس فيها الصّيارف طول النّهار. فإذا كان عصريّات كلّ يوم جلس «أرباب المقاعد» (١) تجاه حوانيت الصّيارف لبيع أنواع من المآكل، ويقابلهم تجاه حوانيت سوق السّلاح أرباب المقاعد أيضا. فإذا أقبل اللّيل أشعلت السّرج من الجانبين، وأخذ النّاس في التّمشّي بينهما على سبيل الاسترواح والتنزّه، فيمرّ هنالك من الخلاعات والمجون ما لا يعبّر عنه بوصف. فلمّا أنشأ الملك الظّاهر برقوق المدرسة الظّاهريّة المستجدّة، صارت في موضع الخان وحوانيت الصّرف تجاه سوق السّلاح، وقلّ ما كان هناك من المقاعد، وبقي منها شيء يسير. سوق القفيصات بصيغة الجمع والتّصغير هكذا يعرف، كأنّه جمع قفيص. فإنّه كلّه معدّ لجلوس أناس على تخوت تجاه شبابيك القبّة المنصورية (¬a)) والمدرسة المنصورية (¬a)، وفوق تلك التّخوت أقفاص صغار من حديد مشبّك، فيها الطّرائف من الخواتيم والفصوص وأساور النّسوان وخلاخيلهنّ وغير ذلك. وهذه الأقفاص يأخذ أجرة الأرض التي هي عليها مباشر المارستان المنصوري. وأصل هذه الأرض كانت من حقوق أرض موقوفة على جامع المقس، فدخل بعضها في القبّة المنصورية، وصار بعضها كما ذكرنا، وإلى اليوم يدفع من وقف المارستان حكر هذه الأرض لجامع المقس. ولمّا ولي نظر المارستان الأمير جمال الدّين آقوش، المعروف بنائب الكرك، في سنة ستّ وعشرين وسبع مائة، عمل فيه أشياء من ماله: منها خيمة ذرعها مائة ذراع، نشرها من أوّل جدار القبّة المنصورية بحذاء المدرسة النّاصريّة إلى آخر حدّ المدرسة المنصورية بجوار الصّاغة، فصارت فوق مقاعد الأقفاص تظلّهم من حرّ الشّمس، وعمل لها حبالا تمدّ بها عند الحرّ وتجمع بها إذا امتدّ الظّل، وجعلها مرتفعة في الجوّ حتى ينحرف الهواء. ثم لمّا كان شهر جمادى الأولى سنة

стр. 1934

ثلاث وثلاثين وثمان مائة، نقلت الأقفاص منه إلى القيساريّة التي استجدّت تجاه الصّاغة (١). سوق باب الزّهومة هذا السّوق عرف بذلك من أجل أنّه كان هناك في الأيّام الفاطميّة باب من أبواب القصر يقال له باب الزّهومة، تقدّم ذكره في ذكر أبواب القصر من هذا الكتاب (٢). وكان موضع هذا السّوق في الدّولة الفاطميّة سوق الصّيارف، ويقابله سوق السّيوفيين من حيث الخشيبة إلى نحو رأس سوق الحريريين اليوم، وسوق العنبر الذي كان إذ ذاك سجنا يعرف بالمعونة (٣)، ويقابل السّيوفيين إذ ذاك سوق الزّجاجين، وينتهي إلى سوق القشّاشين الذي يعرف اليوم بالخرّاطين. فلمّا زالت الدّولة الفاطميّة تغيّر ذلك كلّه، فصار سوق السّيوفيين من جوار الصّاغة إلى درب السّلسلة، وبني فيما بين المدرسة الصّالحيّة وبين الصّاغة سوق فيه حوانيت - ممّا يلي المدرسة الصّالحيّة - يباع فيها الأمشاط بسوق الأمشاطيين، وفيه حوانيت - فيما بين الحوانيت التي يباع فيها الأمشاط وبين الصّاغة - بعضها سكن الصّيارف، وبعضها سكن النّقليين، وهم الذين يبيعون الفستق واللّوز والزّبيب ونحوه (٤). وفي وسط هذا البناء سوق الكتبيين يحيط به سوق الأمشاطيين وسوق النّقليين،. وجميع ذلك جار في أوقاف المارستان المنصوري. وكان سوق باب الزّهومة من أجلّ أسواق القاهرة وأفخرها، موصوفا بحسن المآكل وطيبها. واتّفق في هذا السّوق أمر يستحسن ذكره لغرابته في زمننا. وهو أنّه عبر متولّي الحسبة بالقاهرة، في يوم السبت سادس عشر شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة، على رجل بواردي بهذا السّوق، يقال له محمد بن خلف، عنده مخزن فيه حمام وزرازير متغيّرة الرّائحة لها نحو خمسين يوما، فكشف عنها فبلغت عدّتها أربعة وثلاثين ألفا ومائة وستة وتسعين طائرا: من ذلك حمام ألف ومائة وستة وتسعون، وزرازير ثلاثة وثلاثون ألفا، كلّها متغيّرة اللّون والرّيح، فأدّبه وشهره. وفيه إلى الآن بقايا.

стр. 1935

سوق المهامزيين هذا السّوق ممّا استجدّ بعد زوال الدّولة الفاطميّة، وكان بأوّله حبس المعونة الذي عمله الملك المنصور قلاوون سوق العنبر، ويقابله المارستان والوكالة ودار الضّرب في الموضع الذي يعرف اليوم بدرب الشّمسي وما بحذائه من الحوانيت إلى حمّام الخرّاطين وما تجاه ذلك (١). وهذا السّوق معدّ لبيع المهاميز (٢): وأدركت النّاس وهم يتّخذون المهماز كلّه، قالبه وسقطه، من الذّهب الخالص ومن الفضّة الخالصة، ولا يترك ذلك إلاّ من يتورّع ويتديّن، فيتّخذ القالب/ من الحديد ويطليه بالذّهب أو الفضّة، ويتّخذ السّقط من الفضّة. وقد اضطرّ النّاس إلى ترك هذا، فقلّ من بقي سقط مهمازه فضّة، ولا يكاد يوجد اليوم مهماز من ذهب. وكان يباع بهذا السّوق البدلات الفضّة التي كان برسم لجم الخيل، وتعمل تارة من الفضّة المجراة بالمينا، وتارة بالفضّة المطليّة بالذّهب، فيبلغ زنة ما في البدلة من خمس مائة درهم فضّة إلى ما دونها. وقد بطل ذلك. وكان يباع به أيضا السّلاسل الفضّة بالمخاطم الفضّة (¬a) المطليّة، تجعل من (¬b) تحت لجم الحجورة (¬c) من الخيل خاصّة، فيركب بها أعيان الموقّعين وأكابر الكتّاب من القبط ورؤساء التّجّار وقد بطل ذلك أيضا. ويباع فيه أيضا الدّوي، والطّرف التي فيها الفضّة والذّهب، كسكاكين الأقلام ونحوها. وكانت تجّار هذا السّوق تعدّ من بياض العامّة. ويتّصل بسوق المهامزيين هذا:

стр. 1936

سوق اللّجميين ويباع فيه دولات (¬a) اللّجم ونحوها ممّا يتّخذ من الجلد. وفي هذا السّوق أيضا عدّة وافرة من الطّلائيين، وصنّاع الكفت برسم اللّجم والركب والمهاميز ونحو ذلك، وعدّة من صنّاع مياثر (¬b) السّروج وقرابيسها (١). وأدركت السّروج تعمل ملوّنة ما بين أصفر وأزرق، ومنها ما يعمل من الدّبل، ومنها ما يعمل سودا (¬c) من الجلد البلغاري الأسود، ويركب بهذه السّروج السّود القضاة ومشايخ العلم، اقتداء بعادة بني العبّاس في استعمال السّواد، على ما جدّده بديار مصر السّلطان صلاح الدّين يوسف ابن أيّوب بعد زوال الدّولة الفاطميّة. وأدركت السّروج التي يركب بها الأجناد والكتّاب يعمل للسّرج في قربوسه ستّة أطواق من فضّة ثقيلة (¬d) مطليّة بالذّهب ومعقربات من فضّة، ولا يكاد أحد يركب فرسا بسرج ساذج إلاّ أن يكون من القضاة ومشايخ العلم وأهل الورع. فلمّا تسلطن الملك الظّاهر برقوق، اتّخذ سائر الأجناد السّروج المغرق (¬e)، وهى التي جميع قرابيسها من ذهب أو فضّة إمّا مطليّة أو ساذجة، وكثر عمل ذلك حتى لم يبق من العسكر فارس

стр. 1937

إلاّ وسرجه كما ذكرنا، وبطل السّرج المسمّط. فلمّا كانت الحوادث بعد سنة ستّ وثمان مائة، غلب على النّاس الفقر وكثرت الفتن، فقلّت سروج الذّهب والفضّة، وبقي منها إلى اليوم بقايا يركب بها أعيان الأمراء وأماثل المماليك. سوق الجوخيّين هذا السّوق يلي سوق اللّجميين، وهو معدّ لبيع الجوخ المجلوب من بلاد الفرنج لعمل المقاعد والسّتائر وثياب السّروج وغواشيها. وأدركت النّاس وقلمّا تجد فيهم من يلبس الجوخ، وإنّما يكون من جملة ثياب الأكابر جوخه (¬a) لا تلبس إلاّ في يوم المطر، وإنّما يلبس الجوخ من يرد من بلاد المغرب، والفرنج وأهل الإسكندرية وبعض عوامّ مصر، فأمّا الرّؤساء والأكابر والأعيان فلا يكاد يوجد فيهم من يلبسه إلاّ في وقت المطر. فإذا ارتفع المطر نزع الجوخة (¬a). وأخبرني القاضي الرّئيس تاج الدّين أبو الفداء إسماعيل بن أحمد بن عبد الوهّاب بن الخطبا المخزومي، خال أمّي ﵀ (١)، قال: كنت أنوب في حسبة القاهرة عن القاضي ضياء الدّين المحتسب، فدخلت عليه يوما وأنا لابس جوخة لها وجه صوف مربّع، فقال لي: وكيف ترضى أن تلبس الجوخ؟ وهل الجوخ إلاّ لأجل البغلة؟ ثم أقسم عليّ أن أخلعها. وما زال بي حتى عرّفته أنّي اشتريتها من بعض تجّار قيساريّة الفاضل، فاستدعاه في الحال ودفعها إليه، وأمره بإحضار ثمنها، ثم قال لي: لا تعد إلى لبس الجوخ استهجانا له. فلمّا كانت هذه الحوادث، وغلت الملابس، دعت الضّرورة أهل مصر إلى ترك أشياء ممّا كانوا فيه من الرّفه (¬b)، وصار معظم النّاس يلبسون الجوخ، فتجد الأمير والوزير والقاضي، ومن دونهم ممّن ذكرنا، لباسهم الجوخ. ولقد كان الملك النّاصر فرج ينزل أحيانا إلى الإسطبل وعليه قمجون من جوخ، وهو ثوب قصير الكمّين والبدن يخاط من الجوخ بغير بطانة من تحته ولا غشاء من فوقه، فتداول النّاس لبسه، واجتلب الفرنج منه شيئا كثيرا لا توصف كثرته. ومحلّ بيعه بهذا السّوق.

стр. 1938

ويلي سوق الجوخيّين هذا: سوق الشّرابشيّين وهذا السّوق ممّا أحدث بعد الدّولة الفاطميّة. ويباع فيها الخلع التي يلبسها السّلطان للأمراء والوزراء والقضاة وغيرهم. وإنّما قيل له سوق الشّرابشيّين (١)؛ لأنّه كان من الرّسم، في الدّولة التركية، أنّ السّلطان والأمراء وسائر العساكر إنّما يلبسون على رؤوسهم كلّوتة صفراء مضرّبة تضريبا عريضا، ولها كلاليب بغير عمامة فوقها، وتكون شعورهم مضفورة مدلاّة بدبّوقة، وهى في كيس حرير إمّا أحمر أو أصفر، وأوساطهم مشدودة ببنود من قطن بعلبكّي مصبوغ عوضا عن الحوائص، وعليهم أقبية إمّا بيض أو مشجّرة أحمر وأزرق، وهى ضيّقة الأكمام على هيئة ملابس الفرنج اليوم، وأخفافهم من جلد بلغاري أسود، وفي أرجلهم من فوق الخفّ سقمان وهو خفّ ثان، ومن فوق القباء كمران بحلق وأبزيم، وصوالق بلغاري كبار يسع الواحد منها أكثر من نصف ويبة غلّة، مغروز فيه منديل طوله ثلاثة أذرع. فلم يزل هذا زيّهم منذ استولوا بديار مصر على الملك من سنة ثمان وأربعين وستّ مائة إلى أن قام في المملكة الملك المنصور قلاوون، فغيّر هذا الزّيّ بأحسن منه، ولبسوا الشّاشات،/ وأبطلوا لبس الكمّ الضّيّق، واقترح كلّ أحد من المنصوريّة ملابس حسنة (٢). فلمّا ملك ابنه الملك (¬a) الأشرف خليل جمع خاصّكيته ومماليكه، وتخيّر لهم الملابس الحسنة، وبدّل الكلّوتات (¬b) الجوخ والصّفر. ورسم لجميع الأمراء أن يركبوا بين مماليكهم بالكلّوتات (¬b) الزّركش والطّرازات الزّركش والكنابيش الزّركش والأقبية الأطلس المعدني حتى يميّز الأمير بلبسه عن غيره، وكذلك في الملبوس الأبيض أن يكون رفيعا، واتّخذ السّروج المرصّعة والأكوار المرصّعة فعرفت بالأشرفيّة. وكانت قبل ذلك سروجهم بقرابيس كبار شنعة، وركب كبار بشعة.

стр. 1939

فلمّا ملك ديار مصر السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون، استجدّ «العمائم النّاصريّة» (¬a)، وهى صغار. فلمّا قام الأمير يلبغا العمري الخاصّكي، عمل «الكلّوتات (¬b) اليلبغاوية»، وكانت كبارا. واستجدّ الأمير سلار، في أيام الملك النّاصر محمد، «القباء الذي يعرف بالسّلاري»، وكان قبل ذلك يعرف ببغلوطاق (١). فلمّا تملّك الملك الظّاهر برقوق، عمل هذه الكلّوتات (¬b) الجركسيّة، وهى أكبر من اليلبغاويّة وفيها عوج. وأمّا الخلع فإنّ السّلطان كان إذا أمّر أحدا من الأتراك ألبسه «الشّربوش» (٢)، وهو شيء يشبه التّاج كأنّه شكل مثلّث: يجعل على الرأس بغير عمامة، ويلبس معه - على قدر رتبته - إمّا ثوب نخّ أو طرد وحش أو غيره. فعرف هذا السّوق بالشّرابشيّين نسبة إلى الشّرابيش المذكورة. وقد بطل الشّربوش في الدّولة الجركسيّة. وكان بهذا السّوق عدّة تجّار لشراء التّشاريف والخلع، وبيعها على السّلطان في ديوان الخاصّ وعلى الأمراء، وينال النّاس من ذلك فوائد جليلة، ويقتنون بالمتجر في هذا الصّنف سعادات طائلة. فلمّا كانت هذه الحوادث منع النّاس من بيع هذا الصّنف إلاّ للسّلّطان، وصار يجلس به قوم من عمّال ناطر الخاصّ لشراء سائر ما يحتاج إليه، ومن اشترى من ذلك شيئا سوى عمّال السّلطان فله من العقاب ما قدر عليه، والأمر على هذا إلى يومنا الذي نحن فيه (٣).

стр. 1940

وأوّل من علمته خلع عليه من أهل الدّول جعفر بن يحيى البرمكي، وذلك أنّ أمير المؤمنين هارون الرّشيد قال في اليوم الذي انعقد له فيه الملك: يا أخي يا جعفر، قد أمرت لك بمقصورة في داري وما يصلح لها من الفراش، وعشر جوار تكن فيها ليلة مبيتك عندنا. فقال: يا أمير المؤمنين ما من نعمة متواترة ولا فضل متظاهر، إلاّ ورأي أمير المؤمنين أجمل وأتمّ. ثم انصرف وقد خلع عليه الرّشيد، وحمل بين يديه مائة بدرة دراهم ودنانير، وأمر النّاس فركبوا إليه حتى سلّموا عليه، وأعطاه خاتم الملك ليختم به على ما يريد. فبلغ بذلك صيته أقطار الأرض، ووصل إلى ما لم يصل إليه كاتب بعده. فاقتدى بالرّشيد من بعده، وخلعوا على أولياء دولتهم وولاة أعمالهم. واستمرّ ذلك إلى اليوم. وأوّل ما عرف شدّ السّيوف في أوساط الجند، أنّ سيف الدّين غازي بن عماد الدّين أتابك زنكي بن آق سنقر صاحب الموصل، أمر الأجناد ألاّ يركبوا إلاّ بالسّيوف في أوساطهم والدّبابيس تحت ركبهم. فلمّا فعل ذلك اقتدى به أصحاب الأطراف. وهو أيضا أوّل من حمل على رأسه الصّنجق في ركوبه. وغازي (١) هذا هو أخو الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي، ومات في آخر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمس مائة، وولي الموصل بعده أخوه قطب الدّين مودود. سوق الحوائصيّين هذا السّوق يتّصل بسوق الشّرابشيّين، وتباع فيه «الحوائص» - وهى التي كانت تعرف بالمنطقة في القديم - فكانت حوائص الأجناد أوّلا أربع مائة درهم فضّة ونحوها. ثم عمل المنصور قلاوون حوائص الأمراء الكبار ثلاث مائة دينار، وأمراء الطّبلخانات مائتي دينار، ومقدّمي الحلقة من مائة وسبعين إلى مائة وخمسين دينارا.

стр. 1941

ثم صار الأمراء والخاصّيكيّة، في الأيّام النّاصريّة وما بعدها، يتّخذون الحياصة من الذّهب، ومنها ما هو مرصّع بالجوهر. ويفرّق السّلطان في كلّ سنة على المماليك من حوائص الذّهب والفضّة شيئا كثيرا، ما زال الأمر على ذلك إلى أن ولي النّاصر فرج. فلمّا كان في أيّام الملك المؤيّد شيخ المحمودي (¬a) قلّ ذلك. ووجد في تركة الوزير، الصّاحب علم الدّين عبد اللّه بن زنبور لمّا قبض عليه ستة آلاف حياصة، وستة آلاف كلّوتة جهاركس (١). وما برح تجّار هذا السّوق من بياض العامّة، وقد قلّ تجّار هذا السّوق في زمننا، وصار أكثر حوانيته يباع فيها الطّواقي التي يلبسها الصّبيان، وصارت الآن من ملابس الأجناد. سوق الحلاويّين هذا السّوق معدّ لبيع ما يتّخذ من السّكّر حلوى، وإنّما يعرف اليوم بحلاوة منوّعة. وكان من أبهج الأسواق لما يشاهد في الحوانيت التي به (¬b) من الأواني وآلات النّحاس الثّقلية الوزن البديعة الصّنعة ذات القيم الكبيرة، ومن الحلاوات المصنّفة عدّة ألوان وتسمّى المجمّعة، وشاهدت بهذا السّوق السّكّر ينادى عليه كلّ قنطار بمائة وسبعين درهما. فلمّا حدثت المحن وغلا السّكّر لخراب الدّواليب التي كانت بالوجه القبلي، وخراب مطابخ السّكّر التي كانت بمدينة مصر؛ قلّ عمل الحلوى، ومات أكثر صنّاعها (¬c). ولقد رأيت مرّة طبقا فيه نقل، وعدّة شقاف من خزف أحمر في بعضها لبن/ وفي بعضها أنواع الأجبان، وفيما بين الشّقاف الخيار والموز، وكلّ ذلك من السّكّر المعمول بالصّناعة. وكانت أيضا لهم عدّة أعمال من هذا النّوع يحيّر النّاظر حسنها.

стр. 1942

وكان هذا السّوق في موسم شهر رجب من أحسن الأشياء منظرا، فإنّه كان يصنع فيه من السّكّر أمثال خيول وسباع وقطاط وغيرها تسمّى «العلاليق» - واحدها علاّقة - ترفع بخيوط على الحوانيت، فمنها ما يزن عشرة أرطال إلى ربع رطل، تشترى للأطفال. فلا يبقى جليل ولا حقير حتى يبتاع منها لأهله وأولاده، وتمتلئ أسواق البلدين مصر والقاهرة وأريافهما من هذا الصّنف، وكذلك يعمل في موسم نصف شعبان. وقد بقي من ذلك إلى اليوم بقيّة غير طائلة. وكذلك كانت تروق رؤية هذا السّوق في موسم عيد الفطر، لكثرة ما يوضع فيه من حبّ الخشكنانج وقطع البسندود والمشاش. ويشرع في عمل ذلك من نصف شهر رمضان، فتملأ منه أسواق القاهرة ومصر والأرياف، ولم ير في موسم سنة سبع عشرة وثمان مائة من ذلك شيء بالأسواق ألبتّة، فسبحان محيل الأحوال لا إله إلاّ هو. سوق الشّوّائين هذا السّوق أوّل سوق وضع بالقاهرة، وكان يعرف بسوق السّرّاجين (¬a)، وهو من باب حارة الرّوم إلى سوق الحلاويين (¬b) (١). وما زال يعرف بسوق السّرّاجين (¬a) إلى أن سكن فيه عدّة من بيّاعي الشّواء في حدود السبع مائة من سني الهجرة، فزالت عنه النّسبة إلى السّرّاجين (¬a) وعرف بالشّوّائين، وهو الآن سكن المتعيّشين. وانتقل سوق السّرّاجين (¬a) في زماننا إلى خارج باب زويلة (¬c)) بحضرة الدّرب الأحمر (¬c)، وعرف بالبسطيّين كما سيأتي ذكره إن شاء اللّه (٢).

стр. 1943

قال ابن زولاق في كتاب «سيرة المعزّ»: وفي شهر صفر من سنة خمس وستين وثلاث مائة أنشئ سوق السّرّاجين (¬a) بالقاهرة. وذكر ذلك ابن عبد الظّاهر في كتاب «خطط القاهرة». (¬b) فتعيّن أنّه أوّل سوق حدث بالقاهرة، فإنّه لم يذكر قبله سوقا غيره (¬b) (١). وكان في القديم باب زويلة الذي وضعه القائد جوهر عند رأس حارة الرّوم، حيث العقد المجاور الآن للمسجد الذي عرف اليوم بسام بن نوح، وكان بجواره باب آخر موضعه الآن سوق الماطيين. فلمّا نقل أمير الجيوش باب زويلة إلى حيث هو الآن، اتّسع ما بين سوق السّرّاجين (¬a) المذكور وبين باب زويلة الكبير، وصار الآن فيه سوق الغرابليين، وفيه عدّة حوانيت تعمل مناخل الدّقيق والغرابيل، ويقابلهم عدّة حوانيت يصنع فيها الأغلاق المعروفة بالضّبب، وما بعد ذلك إلى باب زويلة فيه كثير من الحوانيت بجلس ببعضها عدّة من الجبّانين لبيع أنواع الجبن المجلوب من البلاد الشّاميّة وأدركنا هناك إلى أن حدثت المحن من ذلك شيئا كثيرا يتجاوز الحدّ في الكثرة. وفي بعض تلك الحوانيت قوم يجلسون لعلاج من عساه ينصدع له عظم أو ينكسر أو يصيبه جرح، يعرفون ب «المجبّرين». وهناك منهم بقيّة إلى يومنا هذا. وبقيّة الحوانيت ما بين صيارفة وبيّاعي طرف ومتعيّشين في المآكل وغيرها. فهذه قصبة القاهرة، وما في ظاهر باب زويلة فإنّه خارج القاهرة. الشّارع خارج باب زويلة هذا الشّارع هو تجاه من خرج من باب زويلة، ويمتدّ فيما بين الطّريق السّالك ذات اليمين إلى الخليج، وبين الطّريق المسلوك فيه ذات اليسار إلى قلعة الجبل (٢). ولم يكن هذا الشّارع موجودا على ما هو عليه الآن عند وضع القاهرة، وإنّما حدث بعد وضعها بعدّة أعوام على غير هذه الهيئة. فلمّا كثرت العمائر خارج باب زويلة، بعد سنة سبع مائة من سني الهجرة، صار على ما هو عليه الآن.

стр. 1944

فأمّا أوّل أمره فإنّ الخليفة الحاكم بأمر اللّه أنشأ «الباب الجديد» على يسرة الخارج من باب زويلة على شاطئ بركة الفيل، وهذا الباب أدركت عقده عند رأس المنتجبّية (¬a) بجوار سوق الطّيور (١). ثم لمّا اختطّت حارة اليانسيّة وحارة الهلاليّة (٢)، صار ساحل بركة الفيل قبالتها، واتّصلت العمائر من الباب الجديد إلى الفضاء الذي هو الآن خارج المشهد النّفيسي. فلمّا كانت الشّدّة العظمى في خلافة المستنصر، وخربت القطائع والعسكر، صارت مواضعها خرابا إلى خلافة الآمر بأحكام اللّه. فعمّر النّاس حتى صارت مصر والقاهرة لا يتخلّلهما خراب، وبنى النّاس في الشّارع من الباب الجديد إلى الجبل عرضا حيث قلعة الجبل الآن، وبني حائط يستر خراب القطائع والعسكر (٣). فعمّر من الباب الجديد طولا إلى باب الصّفا بمدينة مصر، حتى صار المتعّيشون بالقاهرة والمستخدمون يصلّون العشاء الآخرة بالقاهرة، ويتوجّهون إلى سكنهم في مصر، ولا يزالون في ضوء وسرج وسوق موقود من الباب الجديد خارج باب زويلة إلى باب الصّفا حيث الآن كوم الجارح، والمعاش مستمرّ في اللّيل والنّهار (٤). ووقف القاضي الرّئيس المختار العدل زكيّ الدّين أبو العبّاس أحمد بن مرتضى بن سيّد الأهل ابن يوسف حصّة من البستان الكبير، المعروف يومئذ بالمخاريق الكبرى (٥) الكائن فيما بين/ القاهرة ومصر بعدوة الخليج، على القربات، وشرط أنّ النّاظر يشتري في كلّ فصل من فصول الشّتاء من قماش الكتّان الخام أو القطن ما يراه، ويعمل ذلك جبابا وبغالطيقا محشوّة قطنا، وتفرّق على الأيتام الذّكور والإناث الفقراء غير البالغين بالشّارع الأعظم خارج باب زويلة، فيدفع لكلّ واحد

стр. 1945

جبّة واحدة أو بغلطاقا، فإن تعذّر ذلك كان على الأيتام المتّصفين بالصّفات المذكورة بالقاهرة ومصر وقرافتيهما. وكان هذا الوقف في سنة ستين وستّ مائة. فلمّا كثرت العمائر خارج باب زويلة في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون بعد سنة سبع مائة، صار هذا الشّارع أوّله تجاه باب زويلة وآخره في الطّول الصّليبة التي تنتهي إلى جامع ابن طولون وغيره. لكنّهم لا يريدون بالشّارع سوى إلى باب القوس الذي بسوق الطّيوريين، وهو الباب الجديد. وبعد باب القوس سوق الطّيوريين، ثم سوق جامع قوصون، وسوق حوض ابن هنس، وسوق ربع طغجي (¬a). وهذه أسواق بها عدّة حوانيت، لكنّها لا تنتهي إلى عظم أسواق القاهرة، بل تكون أبدا دونها بكثير؛ فهذا حال القصبة والشّارع خارج باب زويلة. *** وقد بقيت عدّة أسواق في جانبي القصبة ولها أبواب شارعة، وفيها أسواق أخر في نواحي القاهرة ومسالكها سيأتي ذكرها بحسب القدرة إن شاء اللّه تعالى. سويقة أمير الجيوش (¬b) منسوبة إلى أمير الجيوش بدر الجمالي وزير المستنصر باللّه أبي تميم معدّ بن الظّاهر. قال ابن عبد الظّاهر: وتوفي بدر الجمالي هذا المعروف بأبي النّجم في سنة ثمان وثمانين وأربع مائة؛ ثم قال: والسّويقة المعروفة بأمير الجيوش معروفة به، وهي من باب حارة برجوان إلى قريب الجامع الحاكمي. قال المؤلّف: سويقة أمير الجيوش كانت في زمانه من باب حارة برجوان إلى قريب باب الجامع الحاكمي؛ ورأيت في كتب الأملاك القديمة التي بحارة برجوان ما يدلّ على ذلك، فإنّي رأيت في حدود الأدرّ المذكورة الحدّ القبلي ينتهي إلى سويقة أمير الجيوش وهذا موافق لقول ابن عبد الظّاهر، فإنّه يدلّ على أنّ سويقة أمير الجيوش كانت قبليّ حارة برجوان، فإنّ باب حارة برجوان في حدّها القبلي في الشّارع المسلوك إلى باب الفتوح. فأمّا سويقة أمير الجيوش في زماننا فإنّها شرقي حارة برجوان في الشّارع المسلوك إلى باب القنطرة وأوّلها من حدرة عند خان (¬b)

стр. 1946

(¬a)) الرّوّاسين، ولعلّ هذه السّويقة المسمّاة الآن سويقة أمير الجيوش بعض تلك السّويقة القديمة. وأمّا الدّكاكين التي من باب حارة برجوان الآن إلى قريب الجامع الحاكمي فهي سكن المتعيّشين ولا تعرف في زماننا سويقة أمير الجيوش أصلا، بل بعضها سكن المتعيشين إلى خان الرّوّاسين والجملون الصّغير، ومن الجملون المذكور إلى باب الجامع الحاكمي سوق المرحّلين. قال كاتبه: رأيت في «سيرة» الإمام موفّق الدّين عبد اللّطيف بن يوسف البغدادي - وقد وقفت عليها بخطّه وعلّقت منها فوائد - لمّا ذكر مدرسة الأمير يازكوج قال: هي في سوق الخروقيّين؛ فلم يسمّ السّوق المعروف في زماننا سويقة أمير الجيوش إلاّ سوق الخروقيّين، فدلّ على أنّ تسميتها سويقة أمير الجيوش ممّا أحدثه العامّة كما أحدثوا أسماء الخطط ومواضع ونسبوها لغير ما كانت تنسب إليه أوّلا كما يمرّ بك كثير منه في هذا الكتاب (¬a). وفي هذه السّوق عمّر الأمير يازكوج الأسدي مدرسته المعروفة الآن بالأزكجية (١). وأدركت النّاس إلى هذا الزّمن الذي نحن فيه لا يعرفون هذا السّوق إلاّ بسوق أمير الجيوش، ويعبّرون عنه بصيغة التّصغير، ولا أعرف لهم مستندا في ذلك. والذي تشهد به الأخبار أنّ سوق أمير الجيوش هو السّوق الذي برأس حارة برجوان، ويمتدّ إلى رأس سويقة أمير الجيوش الآن. وهذه السّويقة من أكبر أسواق القاهرة، بها عدّة حوانيت فيها الرّفّاؤون والحبّاكون، وعدّة حوانيت للرّسّامين، وعدّة حوانيت للفرّائين وعدّة حوانيت للخيّاطين، ومعظمها لسكن البزّازين والخلعيين، وفيها عدّة من بيّاعي الأقباع. ويباع في هذا السّوق سائر الثّياب المخيطة والأمتعة من الفرش ونحوها. وهو شارع من شوارع القاهرة يسلك فيه من باب الفتوح وبين القصرين وباب النّصر إلى باب القنطرة وشاطئ النّيل وغيره. وكان ما بعد هذا السّوق إلى باب القنطرة معمور الجانبين بالحوانيت المعدّة لبيع الظّرائف والمغازل والكتّان والأنواع من المآكل والعطر وغيره، وقد خرب أكثر هذه الحوانيت في سني المحنة وما بعدها وبسويقة أمير الجيوش عدّة قياسر وفنادق (٢).

стр. 1947

سوق الجملون الصّغير هذا السّوق يسلك فيه من رأس سويقة أمير الجيوش إلى باب الجوّانية وباب النّصر ورحبة باب العيد. وهو مجاور لدرب الفرنجيّة، وفيه المدرسة الصّيرميّة، وباب زيادة الجامع الحاكمي. وكان أوّلا يعرف بالأمراء القرشيين بني البوري، ثم عرف بالجملون الصّغير، وبجملون ابن صيرم. وهو الأمير جمال الدّين شويخ ابن صيرم أحد الأمراء في أيّام الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب، وإليه تنسب المدرسة الصّيرميّة، والخطّ المعروف خارج باب الفتوح ببستان ابن صيرم. وأدركت هذا الجملون معمور الجانبين من أوّله إلى آخره بالحوانيت: ففي أوّله كثير من البزّازين الذين يبيعون ثياب الكتّان من الخام والأزرق وأنواع الطّرح وأصناف ثياب القطن، وينادى فيه على الثّياب بحراج حراج، وفيه عدّة من الخيّاطين، وعدّة من البابيّة المعدّين لغسل الثّياب وصقالها. وبآخره كثير من الضّببيين، بحيث لو أراد أحد أن يشتري منه ألف ضبّة في يوم لما عسر عليه ذلك. فلمّا حدثت المحن خرب هذا السّوق بخلوّ حوانيته، وصار مقفرا من ساكنيه، ثم إنّه عمر بعد سنة عشر وثمان مائة، وفيه الآن نفر من البزّازين وقليل ممّن سواهم (١). سوق المحايريين هذا السّوق فيما بين الجامع الأقمر وبين جملون ابن صيرم. يسلك فيه من سوق حارة برجوان ومن سوق الشّمّاعين إلى الرّكن المخلّق ورحبة باب العيد، وهو من شوارع القاهرة المسلوكة، وفيه عدّة حوانيت لعمل المحاير التي يسافر فيها إلى الحجاز وغيره، وكان فيه تاجران قد تواصيا (¬a) على ما يشتريانه من المحاير المعروضة للبيع. ولهذا السّوق موسم عظيم عند سفر الحاج، وعند سفر النّاس إلى القدس.

стр. 1948

وبلغني عن شيخ كان بهذا السّوق أنّه أوصى بعض صبيانه فقال له: يا بنيّ لا تراع أحدا في بيع فإنّه لا يحتاج إليك إلاّ مرّة في عمره، فخذ عدلك في ثمن المحارة فإنّك لا تخشى من عوده مرّة أخرى إليك، وسوف إذا عاد من سفره - إمّا إلى الحجاز أو القدس - فإنّه يحتاج إلى بيعها، فتراقد عليه في ثمنها، واشترها بالرّخيص. وكذلك يفعل أهل هذا السّوق إلى اليوم، فإنّهم لا يراعون بائعا ولا مشتريا. إلاّ أنّ سوقهم لم يبق كما أدركناه، فإنّه حدث سوق آخر يباع فيه المحاير بسوق الجامع الطّولوني، وصار بسوق الخيميّين أيضا صنّاع/ للمحاير. وبلغني أنّ بالمحايريين هذه أوقف أهل مصر امرأة من جريد مؤتزرة، بيدها ورقة فيها سبّ الخليفة الحاكم بأمر اللّه ولعنه، عندما منع النّساء من الخروج في الطّرقات. فعندما مرّ من هناك حسبها امرأة تسأله حاجة، فأمر بأخذ الورقة منها، فإذا فيها من السّبّ ما أغضبه، فأمر بها أن تؤخذ فإذا هي من جريد قد ألبس ثيابا وعمل كهيئة امرأة. فاشتدّ عند ذلك غضبه، وأمر العبيد بإحراق مدينة مصر، فأضرموا فيها النّار. ولم أقف على هذا الخبر مسطورا. وقد ذكر المسبّحيّ حريق الحاكم بأمر اللّه لمصر، ولم يذكر قصّة المرأة (١). الصّاغة هذا المكان تجاه المدارس الصّالحيّة بخطّ بين القصرين. قال ابن عبد الظّاهر (¬a)) في كتاب «خطط القاهرة» (¬a): الصّاغة بالقاهرة كانت مطبخا للقصر يخرج إليه من باب الزّهومة - وهو الباب الذي هدم وبني مكانه قاعة شيخ الحنابلة من المدارس الصّالحية - وكان يخرج من المطبخ المذكور مدّة شهر رمضان ألف ومائتا قدر من جميع الألوان في كلّ يوم تفرّق على أرباب الرّسوم والضّعفاء، وسمّي باب الزّهومة - أي باب الزّفر - لأنّه (¬b) لا يدخل باللّحم وغيره إلاّ منه فاختصّ بذلك (٢). انتهى.

стр. 1949

والصّاغة الآن وقف على المدارس الصّالحية وقفها الملك السّعيد بركة خان، المسمّى بناصر الدّين محمد، ولد الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري، على الفقهاء والطّلبة (¬a) المقرّرين بالمدارس الصّالحية النّجميّة (¬a). (¬b)) وكانت الصّاغة قديما فيما تقدّم مكان الأساكفة الآن وهو إلى الآن معروف بالصّاغة القديمة وكان يعرف بسقيفة العدّاس. قال المؤلّف: الصّاغة القديمة هو السّوق الذي يعرف الآن بسوق الحريريين الشّراربيين من باب قيساريّة العنبر وإلى خطّ البندقانيين ومن جملته سوق الزّجاجيين الآن، وكان سكن الأساكفة فيما تقدّم، وقد كان بعض سوق الزّجاجيين مسكنا للأساكفة إلى عصرنا ثم انتقلت الأساكفة من هذا الخطّ، وكان بعض سوق الحريريين المذكور سوقا للأخفافيين - باعة أخفاف - النّساء فلمّا عمّر الأمير يونس الدّوادار في أيّام الظّاهر برقوق قيساريّته التي على بئر زويلة بعضها بخطّ البندقانيين نقل الأخفافيين إلى الحوانيت التي بظاهرها (¬b) (١). سوق الكتبيين هذا السّوق فيما بين الصّاغة والمدرسة الصّالحية. أحدث فيما أظنّ بعد سنة سبع مائة، وهو جار في أوقاف المارستان المنصوري (٢). وكان سوق الكتب قبل ذلك بمدينة مصر تجاه الجانب الشّرقي من جامع عمرو بن العاص، في آوّل زقاق القناديل بجوار دار عمرو، وأدركته وفيه بقيّة بعد سنة ثمانين وسبع مائة، وقد دثر الآن فلا يعرف موضعه. وكان قد نقل سوق الكتب (¬c) من موضعه الآن بالقاهرة إلى قيساريّة كانت فيما بين سوق الدّجّاجين المجاور للجامع الأقمر وبين سوق الحصريين المجاور للرّكن المخلّق (٣). وكان يعلو هذه القيساريّة ربع فيه عدّة مساكن، فتضرّرت الكتب من نداوة أقبية البيوت وفسد بعضها، فعادوا

стр. 1950

إلى سوق الكتب الأوّل حيث هو الآن. وما برح هذا السّوق مجمعا لأهل العلم يتردّدون إليه. وقد أنشدت قديما لبعضهم: [المتقارب] مجالسة السّوق مذمومة … ومنها مجالس قد تحتسب فلا تقربن غير سوق الجياد … وسوق السّلاح وسوق الكتب فهاتيك آلة أهل الوغى … وهاتيك آلة أهل الأدب سوق الصّنادقيين هذا السّوق تجاه المدرسة السّيوفيّة، كان موضعه في القديم من جملة المارستان، ثم عرف بفندق الدّبابليين، وقيل له الآن سوق الصّنادقيين. وفيه تباع الصّناديق والخزائن والأسرّة ممّا يعمل من الخشب. وكان ما بظاهرها قديما يعرف بسكن الدّجّاجيين، وأدركناه يعرف بسوق السّيوفيين، وكان فيه عدّة طبّاخين لا يزال دخان كوانينهم منعقدا لكثرته حتى قال لي شيخنا قاضي القضاة مجد الدّين إسماعيل بن إبراهيم الحنفي: إنّ قاضي القضاة جلال الدّين جار اللّه (¬a) قال له: هذا السّوق قطب دائرة الدّخان. وفي سوق الصّنادقيين إلى الآن بقيّة. سوق الحريريّين هذا السّوق من باب قيسارية العنبر إلى خطّ البندقانيين، كان يعرف قديما بسقيفة العدّاس، ثم عمل صاغة القاهرة، ثم سكن هناك الأساكفة. قال ابن عبد الظّاهر: وكانت الصّاغة قديما فيما تقدّم مكان الأساكفة الآن. وهو إلى الآن معروف بالصّاغة القديمة، وكان يعرف بسقيفة العدّاسين (¬b)، كذا رأيته (¬c) في كتب الأملاك [القديمة] (¬d) (١).

стр. 1951

وعرف هذا السّوق في زمننا بالحريريّين الشّراربيين، وعرف بعضه بسوق الزّجاجيين، وكان يسكن فيه أيضا الأساكفة. فلمّا أنشأ الأمير يونس الدّوادار القيساريّة على بئر زويلة بخط البندقانيين، في أعوام بضع وثمانين وسبع مائة، نقل الأساكفة من هذا الخطّ، ونقل منه أيضا بيّاعي أخفاف النّساء إلى قيساريّته وحوانيته المذكورة (١). سوق العنبريّين هذا السّوق فيما بين سوق الحريريين الشّراربيّين وبين قيسارية العصفر، وهو تجاه الخرّاطين. كان في الدّولة الفاطمية مكانه سجنا لأرباب الجرائم يعرف بحبس المعونة، وكان شنيع المنظر ضيّقا، لا يزال من يجتاز عليه يجد منه رائحة منكرة. فلمّا كان في الدّولة التّركيّة، وصار قلاوون من جملة الأمراء الظّاهريّة بيبرس، صار يمرّ من داره إلى قلعة الجبل على حبس المعونة هذا، فيشمّ منه رائحة رديئة، ويسمع منه صراخ المسجونين وشكواهم الجوع والعري والقمل، فجعل على نفسه إن اللّه تعالى جعل له من الأمر شيئا أن يبني هذا الحبس مكانا حسنا. فلمّا صار إليه ملك ديار مصر والشّام، هدم حبس المعونة، وبناه سوقا أسكنه بيّاعي العنبر. وكان للعنبر إذ ذاك بديار مصر نفاق، وللنّاس فيه رغبة زائدة، لا يكاد يوجد بأرض مصر امرأة وإن سفلت/ إلاّ ولها قلادة من عنبر، وكان يتّخذ منه المخادّ والكلل والسّتور وغيرها. وتجّار العنبر يعدّون من بياض النّاس، ولهم أموال جزيلة، وفيهم رؤساء وأجلاّء. فلمّا صار الملك إلى الملك النّاصر محمد بن قلاوون، جعل هذا السّوق وما فوقه من المساكن وقفا على الجامع الذي أنشأه بظاهر مصر جوار موردة الحلفاء، المعروف بالجامع الجديد النّاصري، وهو جار في أوقافه إلى يومنا هذا (٢) إلاّ أنّ العنبر من بعد سنة سبعين وسبع مائة كثر فيه الغشّ حتى صار اسما لا معنى له، وقلّت رغبة النّاس في استعماله، فتلاشى أمر هذا السّوق بالنسبة لما كان. ثم لمّا حدثت المحن بعد سنة ستّ وثمان مائة، قلّ ترفّه أهل مصر عن استعمال الكثير من العنبر، فطرق هذا السّوق ما طرق غيره من أسواق البلد، وبقيت فيه بقيّة يسيرة إلى أن خلع

стр. 1952

الخليفة المستعين باللّه العبّاسي بن محمد في سنة خمس عشرة وثمان مائة - وكان نظر الجامع الجديد بيده وبيد أبيه الخليفة المتوكّل على اللّه محمد - فقصد بعض سفهاء العامّة نكايته (¬a) بتعطيل هذا السّوق، فاستأجر قيساريّة العصفر، ونقل سوق العنبر إليها، وصار معطّلا نحو سنتين، ثم عاد أهل العنبر إلى هذا السّوق على عادتهم في سنة ثمان عشرة وثمان مائة. سوق الخرّاطين هذا السّوق يسلك فيه من سوق المهامزييّن إلى الجامع الأزهر وغيره، وكان قديما يعرف بعقبة الصّبّاغين، ثم عرف بسوق القشّاشين، وكان فيما بين دار الضّرب والوكالة الآمريّة وبين المارستان، ثم عرف الآن بسوق الخرّاطين. وكان سوقا كبيرا معمور الجانبين بالحوانيت المعدّة لبيع المهد الذي يربّى فيه الأطفال، وحوانيت الخرّاطين، وحوانيت صنّاع السكاكين وصنّاع الدّوى، يشتمل على نحو الخمسين حانوتا. فلمّا حدثت المحن تلاشى هذا السّوق، واغتصب الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار منه عدّة حوانيت، من أوّله إلى الحمّام التي تعرف بحمّام الخرّاطين، وشرع في عمارتها. فعوجل بالقتل قبل إتمامها، وقبض عليها الملك النّاصر فرج فيما أحاط به من أمواله، وأدخلها في الدّيوان. فقام بعمارة الحوانيت التي تجاه قيساريّة العصفر من درب الشّمسي إلى أوّل الخرّاطين، القاضي الرّئيس تقيّ الدّين عبد الوهّاب بن بوشاكر (¬b). فلمّا كملت جعلها الملك النّاصر فيما هو موقوف على تربته التي أنشأها على قبر أبيه الملك الظّاهر برقوق خارج باب النّصر، وأفرد الحمّام وبعض الحوانيت القديمة للمدرسة التي أنشأها الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار برحبة باب العيد، وما يقابل هذه الحوانيت هو وما فوقه وقف على المدرسة القراسنقريّة وغيرها، وهو متخرّب متهدّم. سوق الجملون الكبير هذا السّوق بوسط سوق الشّرابشييّن، يتوصّل منه إلى البندقانييّن وإلى حارة الجوذريّة وغيرها، أنشئ فيه حوانيت سكنها البزّازون (١). وقفه السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون

стр. 1953

على تربة مملوكه يلبغا التّركماني عندما مات في سنة سبع وسبع مائة، ثم عمل عليه بابان بطرفيه بعد سنة تسعين وسبع مائة، فصارت تغلق في اللّيل. وكان فيما أدركناه شارعا مسلوكا طول اللّيل يجلس تجاهه صاحب العسس - الذي عرفته العامّة في زماننا بوالي الطّوف - من بعد صلاة العشاء في كلّ ليلة، وينصب قدّامه مشعل يشعل بالنّار طول اللّيل، وحوله عدّة من الأعوان وكثير من السّقّائين والنّجّارين والقصّارين والهدّادين، بنوب (¬a) مقرّرة لهم، خوفا من أن يحدث بالقاهرة في اللّيل حريق فيتداركون إطفاءه. ومن حدث منه في اللّيل (¬b) خصومة، أو وجد سكرانا، أو قبض عليه من السّرّاق، تولّى أمره والي الطّوف، وحكم فيه بما يقتضيه الحال. فلمّا كانت هذه الحوادث بطل هذا الرّسم في جملة ما بطل. وهذا السّوق الآن جار في وقف (¬c). سوق الفرّائين هذا السّوق يسلك فيه من سوق الشّرابشيّين إلى الأكفانيّين والجامع الأزهر وغير ذلك. كان قديما يعرف بسوق الخروقيّين، ثم سكن فيه صنّاع الفراء وتجّاره فعرف بهم. وصار بهذا السّوق، في أيّام الملك الظّاهر برقوق، من أنواع الفرو (¬d) ما تجلّ أثمانها وتتضاعف قيمها، لكثرة استعمال رجال الدّولة من الأمراء والمماليك لبس السّمّور والوشق والقاقم (¬e) والسّنجاب، بعد ما كان ذلك في الدّولة التركية من أعزّ الأشياء التي لا يستطيع أحد أن يلبسها. ولقد أخبرني الطّواشي الفقيه الكاتب الحاسب الصّوفي زين الدّين مقبل الرّومي الجنس المعروف بالشّامي، عتيق السّلطان الملك النّاصر حسن بن محمد بن قلاوون: أنّه وجد في تركة بعض أمراء السّلطان حسن قباء بفرو قاقم، فاستكثر ذلك عليه وتعجّب منه، وصار ذلك يحكى مدّة لعزّة هذا الصّنف واحترامه، لكونه من ملابس السّلطان وملابس نسائه.

стр. 1954

ثم ابتذلت (¬a) الأصناف المذكورة حتى صار يلبس السّمّور آحاد الأجناد وآحاد الكتّاب وكثير من العوامّ، ولا تكاد امرأة من نساء بياض النّاس تخلو من لبس السّمّور ونحوه، وإلى الآن عند النّاس من هذا الصّنف وغيره من الفرو شيء كثير. سوق البخانقيّين (١) هذا السّوق فيما بين سوق الجملون الكبير وبين قيساريّة الشّرب الآتي ذكرها إن شاء اللّه/ عند ذكر القياسر. وباب هذا السّوق شارع من القصبة، ويعرف بسوق الخشيبة (تصغير خشبة) فإنّه عمل على بابه المذكور خشبة تمنع الرّاكب من التّوصّل إليه. ويسلك من هذا السّوق إلى قيساريّة الشّرب وغيرها، وهو معمور الجانبين بالحوانيت المعدّة لبيع الكوافي والطّواقي التي تلبسها الصّبيان والبنات. وبظاهر هذا السّوق أيضا في القصبة عدّة حوانيت لبيع الطّواقي وعملها. وقد كثر لبس رجال الدّولة، من الأمراء والمماليك والأجناد ومن يتشبّه بهم، للطّواقي في الدّولة الجركسيّة، وصاروا يلبسون الطّاقيّة على رءوسهم بغير عمامة، ويمرّون كذلك في الشّوارع والأسواق والجوامع والمواكب لا يرون بذلك بأسا بعد ما كان نزع العمامة عن الرّأس عارا وفضيحة (٢)، ونوّعوا هذه الطّواقي ما بين أخضر وأحمر وأزرق وغيره من الألوان. وكانت أوّلا ترتفع نحو سدس ذراع، ويعمل أعلاها مدوّرا مسطّحا. فحدث في أيام الملك النّاصر فرج منها شيء عرف بالطّواقي الجركسيّة، يكون ارتفاع عصابة الطّاقيّة منها نحو ثلثي ذراع، وأعلاها مدوّر مغبّب. وبالغوا في تبطين الطّاقيّة بالورق والكتيرة فيما بين البطانة المباشرة للرأس والوجه الظّاهر للنّاس، وجعلوا من أسفل العصابة المذكورة زيقا من فرو القرض الأسود يقال له القندس (٣)، في عرض نحو ثمن ذراع، يصير دائرا بجبهة الرّجل وأعلى عنقه. وهم على استعمال هذا الزّيّ إلى اليوم، وهو من أسمج ما عانوه.

стр. 1955

وتشبّه بالرّجال في لبس ذلك النّساء (¬a) لمعنيين: أحدهما: أنّه فشا في أهل الدّولة محبّة الذّكران، فقصد نساؤهم التّشبّه بالذّكران ليستملن قلوب رجالهنّ، فاقتدى بفعلهن في ذلك عامّة نساء البلد. وثانيهما: ما حدث بالنّاس من الفقر، ونزل بهم من الفاقة، فاضطرّ حال نساء أهل مصر إلى ترك ما أدركنا فيه النّساء من لبس الذّهب والفضّة والجواهر ولبس الحرير، حتى لبسن هذه الطّواقي، وبالغن في عملها من الذّهب والحرير وغيره، وتواصين على لبسها. ومن تأمّل أحوال الوجود، عرف كيف تنشأ أمور النّاس في عاداتهم وأخلاقهم ومذاهبهم. سوق الخلعيّين هذا السّوق فيما بين قيساريّة الفاضل، الآتي ذكرها إن شاء اللّه، وبين باب زويلة الكبير. وكان يعرف قديما بالخشّابين، وعرف إلى (¬b) اليوم بالزّقيق - تصغير زقاق - وعرف أيضا بسوق الخلعيين، كأنّه جمع خلعي. والخلعيّ في زمننا هو الذي يتعاطى بيع الثّياب الخليع، وهي التي قد لبست. وهذا السّوق اليوم من أعمر أسواق القاهرة لكثرة ما يباع فيه من ملابس أهل الدّولة وغيرهم، وأكثر ما يباع فيه الثّياب المخيطة، وهو معمور الجوانب بالحوانيت، ويسلك فيه من القصبة ليلا ونهارا إلى حارة الباطليّة وخوخة أيدغمش وغير ذلك (¬c). وفي داخل القاهرة أيضا عدّة أسواق، وقد خرب الآن أكثرها. سويقة الصّاحب هذه السّويقة يسلك إليها من خطّ البندقانيّين ومن باب الخوخة وغير ذلك، وهي من الأسواق القديمة. كانت في الدّولة الفاطميّة تعرف بسويقة الوزير - يعني أبا الفرج يعقوب بن كلّس، وزير الخليفة العزيز باللّه نزار بن المعزّ، الذي تنسب إليه حارة الوزيريّة - فإنّها كانت على باب داره التي

стр. 1956

عرفت بعده في الدّولة الفاطميّة بدار الدّيباج. وصار موضعها الآن المدرسة الصّاحبيّة (١)، ثم صارت تعرف بسويقة دار الدّيباج - يعني دار طراز (¬a) ينسج فيها الدّيباج الذي هو الحرير، وقيل لذلك الموضع كلّه خطّ دار الدّيباج، ثم عرف هذا السّوق بالسّوق الكبير في أخريات الدّولة الفاطميّة. (¬b)) ولم يزل هذا الخطّ يعرف بخطّ دار الدّيباج إلى أن انقرضت الدّولة الفاطمية وجاءت الدّولة الأيّوبيّة، فسكن هذا الخطّ الصّاحب الوزير (¬b) صفيّ الدّين عبد اللّه بن شكر الدّميري لمّا ولي وزارة الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، وأنشأ به مدرسته التي تعرف إلى اليوم بالمدرسة الصّاحبيّة، وأنشأ به أيضا رباطه وحمّامه المجاورين للمدرسة المذكورة، عرفت من حينئذ هذه السّويقة بسويقة الصّاحب المذكور، واستمرّت تعرف بذلك إلى يومنا هذا (٢). ولم تزل من الأسواق المعتبرة، يوجد فيها أكثر ما يحتاج إليه من المآكل، لوفور نعم من يسكن هنالك من الوزراء وأعيان الكتّاب. فلمّا حدثت المحن طرقها ما طرق غيرها من أسواق القاهرة، فاختلّت عمّا كانت، وفيها بقيّة. سوق البندقانيين هذا السّوق يسلك إليه من سوق الزّجاجين ومن سويقة الصّاحب ومن سوق الأبزاريّن وغيره. وكان يعرف قديما بسوق بئر زويلة. وكان هناك بئر كبيرة (¬c) تعرف ببئر زويلة، برسم إسطبل الجمّيزة الذي كان فيه خيول الخلفاء الفاطميين، وصار موضعه خطّ البندقانيين بعد ذلك، كما ذكر عند إسطبلات الخلفاء الفاطميين من هذا الكتاب (٣). وموضع هذه البئر اليوم قيساريّة يونس والرّبع الذي يعلوها، وبقي منها موضع ركّب عليه حجر، وأعدّت لملء السّقّائين منها (٤).

стр. 1957

فلمّا زالت الدّولة، واختطّ موضع إسطبل الجميّزة الدّور وغيرها، وعرف موضع الإسطبل بالبندقانيين - قيل لهذا السّوق سوق البندقانيين. وأدركته سوقا كبيرا، معمور الجانبين بالحوانيت التي قد تهدّم أغلبها منذ كان الحريق بالبندقانيين في سنة إحدى وخمسين وسبع مائة، كما ذكر في خطّ البندقانيين عند ذكر الأخطاط من هذا الكتاب (١). وفي هذا/ السّوق كثير من أرباب المعايش (¬a) المعدّين لبيع المأكولات من الشّواء والطّعام المطبوخ وأنواع الأجبان والألبان والبوارد والخبز والفواكه، وعدّة كثيرة من صنّاع قسيّ البندق، وكثير من الرّسّامين، وكثير من بيّاعي الفقّاع. فلمّا حدثت المحن بعد سنة ستّ وثمان مائة، اختلّ هذا السّوق خللا كبيرا وتلاشى أمره. سوق الأخفافيين هذا السّوق بجوار سوق البندقانيين، يباع فيه الآن خفاف النّسوان ونعالهن. وهو سوق مستجدّ أنشأه الأمير يونس النّوروزي، دوادار الملك الظّاهر برقوق، في سنة (¬b) وثمانين وسبع مائة، ونقل إليه الأخفافيين بيّاعي أخفاف النّساء من خطّ الحريريّين والزّجاجيّين. وكان مكانه ممّا خرب في حريق البندقانيّين فركّب بعض القيساريّة على بئر زويلة، وجعل بابها تجاه درب الأنجب، وبنى بأعلاها ربعا كبيرا فيه عدّة مساكن، وجعل الحوانيت بظاهرها وبظاهر درب الأنجب، وبنى فوقها أيضا عدّة مساكن. فعمر ذلك الخطّ بعمارة هذه الأماكن، وبه إلى الآن سكن بيّاعي أخفاف النّساء ونعالهنّ التي يقال للنعل منها «سرموزة»، وهو لفظ فارسيّ معناه «رأس الخفّ»، فإنّ «سر» رأس، و «موزة» خفّ (٢).

стр. 1958

سوق الكفتيّين هذا السّوق يسلك إليه من البندقانيين ومن حارة الجوذريّة ومن الجملون الكبير وغيره، ويشتمل على عدّة حوانيت لعمل الكفت، وهو ما تطعّم به الأواني (¬a) النّحاس من الذّهب والفضّة. وكان لهذا الصّنف من الأعمال بديار مصر رواج عظيم، وللنّاس في النّحاس المكفّت رغبة عظيمة أدركنا من ذلك شيئا لا يبلغ وصفه واصف لكثرته، فلا تكاد دار بالقاهرة ومصر تخلو من عدّة قطع نحاس مكفّت، ولا بد أن يكون في شورة العروس دكّة نحاس مكفّت. و «الدّكّة» عبارة عن شيء شبه السّرير يعمل من خشب مطعّم بالعاج والأبنوس، أو من خشب مدهون. وفوق الدّكّة دست طاسات من نحاس أصفر مكفّت بالفضّة، وعدّة الدّست سبع قطع بعضها أصغر من بعض، تبلغ كبراها ما يسع نحو الأردبّ من القمح، وطول الأكفات التي نقشت بظاهرها من الفضّة نحو الثّلث ذراع في عرض أصبعين، ومثل ذلك دست أطباق عدّتها سبعة، بعضها في جوف بعض، ويفتح أكبرها نحو الذراعين وأكثر، وغير ذلك من المنابر والسّرج وأحقاق الأشنان والطّشت والأبريق والمبخرة. فتبلغ قيمة الدّكّة من النّحاس المكفّت زيادة على مائتي دينار ذهبا. وكانت العروس من بنات الأمراء أو الوزراء أو أعيان الكتّاب أو أماثل التّجّار، تجهّز في شورتها، عند بناء الزّوج عليها، سبع دكك: دكّة من فضّة، ودكّة من كفت، ودكّة من نحاس أبيض، ودكّة من خشب مدهون، ودكّة من صيني، ودكّة من بلّور، ودكّة كلاهي (¬b) - وهي آلات من ورق مدهون تحمل من الصّين أدركنا منها في الدّور شيئا كثيرا. وقد عدم هذا الصّنف من مصر إلاّ شيئا يسيرا. وحدّثني القاضي الفاضل الرّئيس تاج الدّين أبو الفداء إسماعيل بن (¬c) أحمد بن عبد الوهّاب ابن الخطبا المخزومي ﵀ قال: تزوّج القاضي علاء الدّين (¬d) بن عرب محتسب القاهرة بامرأة من بنات التّجّار تعرف بستّ العمائم (١)، فلمّا قارب البناء عليها والدّخول بها،

стр. 1959

حضر إليه في يوم وكيلها وأنا عنده، فبلّغه سلامها عليه وأخبره أنّها بعثت إليه بمائة ألف درهم فضّة حجر (¬a) خالصة ليصلح بها لها ما عساه اختلّ من الدّكّة الفضّة. فأجابه إلى ما سأل وأمره بإحضار الفضّة. فاستدعى الخدم من الباب فدخلوا بالفضّة في الحال، وبالوقت أمر المحتسب بصنّاع الفضّة وطلاّئها، فأحضروا وشرعوا في إصلاح ما أرسلته ستّ العمائم من أواني الفضّة وإعادة طلائها بالذّهب، فشاهدنا من ذلك منظرا بديعا. وأخبرني من شاهد جهاز بعض بنات السّلطان حسن بن محمد بن قلاوون - وقد حمل في القاهرة - عند ما زفّت على بعض الأمراء في دولة الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد ابن قلاوون، فكان شيئا عظيما: من جملته دكّة من بلّور تشتمل على عجائب، منها زير من بلّور قد نقش بظاهره صور ناتئة (¬b) على شبه الوحوش والطّيور، وقدر هذا الزّير ما يسع قربة ماء. وقد قلّ استعمال النّاس في زمننا هذا للنّحاس المكفّت وعزّ وجوده، فإنّ قوما لهم عدّة سنين قد تصدّوا لشراء ما يباع منه، وتنحية الكفت عنه طلبا للفائدة. وبقي بهذا السّوق إلى يومنا بقيّة قليلة من صنّاع الكفت. سوق الأقباعيّين بخط تحت الرّبع خارج باب زويلة ممّا يلي الشّارع المسلوك فيه إلى قنطرة الخرق (١). ما كان منه على يمنة السّالك إلى قنطرة الخرق، فإنّه جار في وقف الملك الظّاهر بيبرس هو وما فوقه على المدرسة الظّاهريّة بخط بين القصرين وعلى أولاده، ولم يزل إلى يوم السبت خامس شهر رمضان سنة (¬c)) ستّ و (¬c) عشرين وثمان مائة، فوقع الهدم فيه ليضاف إلى عمارة الملك المؤيّد شيخ المجاورة لباب زويلة (٢). وما كان من هذا السّوق على يسرة من سلك إلى القنطرة، فإنّه جار في وقف آقبغا عبد/ الواحد على مدرسته المجاورة للجامع الأزهر، وبعضه وقف امرأة تعرف بدنيا.

стр. 1960

سوق السّقطيّين هذا السّوق خارج باب زويلة بجوار دار التّفّاح، أنشأه الأمير آقبغا عبد الواحد، وهو جار في وقفه (١). سويقة خزانة البنود هذه السّويقة على باب درب راشد وتمتدّ إلى خزانة البنود، وكانت تعرف أوّلا بسويقة ريدان الصّقلبي المنسوب إليه الرّيدانية خارج باب النّصر (٢). سويقة المسعودي هذه السّويقة من حقوق حارة زويلة بالقاهرة، تنسب إلى الأمير صارم الدّين قايماز المسعودي الكاملي (¬a)، مملوك الملك المسعود أقسيس ابن الملك الكامل محمد (¬a). وولي المسعودي هذا ولاية القاهرة - وكان ظالما غاشما جبّارا - من أجل أنّه كان في دار ابن قرقة التي من جملتها جامع بني المغربي (¬b) وبيت الوزير ابن أبي شاكر. ثم إنّ فتح الدّين بن معتصم الدّاودي التّبريزي كاتب السّرّ جدّدها في سنة ثلاث عشرة وثمان مائة، لأنّه كان يسكن هناك (٣). ومات المسعوديّ في يوم الاثنين النّصف من ذي الحجّة سنة أربع وستين وستّ مائة، ضربه شخص في دار العدل بسكين كان يريد أن يقتل بها الأمير عزّ الدّين الحلّي نائب السّلطنة، فوقعت في فؤاد المسعوديّ فمات لوقته. سويقة طغلق هذه السّويقة على رأس الحارة الصّالحية ممّا يلي الجامع الأزهر. عرفت بالأمير سيف الدّين

стр. 1961

طغلق السّلاح دار النّاصري (¬a)، صاحب حمّام طغلق التي بالقرب من الجامع الأزهر على باب درب المنصوري، وصاحب دار طغلق التي عرفت اليوم بدار المنصوري في الدّرب المذكور (١). وأوّل ما عمّرت هذه السّويقة لم يكن فيها غير أربع حوانيت (¬b) على رأس درب أمير حسين بالخطّ المذكور (¬b)، ثم عمّرت عمارة كبيرة لمّا خربت سويقة الصّالحية التي كانت ممّا يلي باب البرقيّة في حدود سنة ثمانين وسبع مائة، ثم تلاشت من سنة ستّ وثمان مائة كما تلاشى غيرها من الأسواق، وبقي منها يسير جدّا (٢). سويقة الصّوّابي هذه السّويقة خارج باب النّصر وباب الفتوح بخطّ بستان ابن صيرم، عرفت بالأمير علاء الدّين أبي الحسن عليّ بن مسعود الصّوّابي، مشدّ الدّواوين في أيّام الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري، وقيل بل قراجا الصّوّابي أحد مقدّمي الحلقة في أيّام الملك المنصور قلاوون، وكان في حدود سنة إحدى وثمانين وستّ مائة موجودا، وكانت داره هناك. وكان أيضا في أيّام الملك المنصور قلاوون الأمير زين الدّين أبو المعالي أحمد بن شرف الدّين أبي المفاخر محمد الصّوّابي، شادّ الدّواوين، وكان يسكن بمدينة مصر. والأمير علم الدّين سنجر الصّوّابي أحد الأمراء المقدّمين الألوف في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون والملك المظفّر بيبرس الجاشنكير (¬a)، وهو صاحب البئر التي بالباطليّة المعروفة ببئر الدّرابزين، وعزّ الدّين أيبك الصّوّابي (٣). سويقة البلشون هذه السّويقة خارج باب الفتوح. عرفت بسابق الدّين سنقر البلشون أحد مماليك السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب وسلاح درايته، وكان له أيضا بستان بالمقس

стр. 1962

خارج القاهرة من جوار الدّكّة يعرف ببستان البلشون (١). سويقة اللّفت هذه السّويقة كانت خارج باب النّصر من ظاهر القاهرة حيث البئر التي في شمالي مصلّى الأموات، المعروف ببئر اللّفت، تجاه دار ابن الحاجب. كانت تشتمل على عدّة حوانيت يباع فيها اللّفت والكرنب، ويحمل منها إلى سائر أسواق القاهرة، ويباع اليوم في بعض هذه الحوانيت الدّريس لعلف الدّواب. سويقة زاوية الخدّام هذه السّويقة خارج باب النّصر بحري سويقة اللّفت. كان فيها عدّة حوانيت يباع فيها أنواع المآكل، فلمّا كانت سنة ستّ وثمان مائة خربت، ولم يبق فيها سوى حوانيت لا طائل بها (¬a). سويقة الرّملة هذه السّويقة كانت فيما بين سويقة زاوية الخدّام وجامع آل ملك (٢)، حيث مصلّى الأموات التي هناك. كان فيها عدّة حوانيت مملوءة بأصناف المآكل قد خرب سائرها، ولم يبق لها أثر ألبتّة. سويقة جامع آل ملك أدركتها إلى سنة ستّ وثمان مائة، وهي من الأسواق الكبار، فيها غالب ما يحتاج إليه من الإدام. وقد خربت لخراب ما يجاورها.

стр. 1963

سويقة أبي ظهير كانت تلي سويقة جامع آل ملك، أدركتها عامرة. سويقة السّبابطة كانت هناك، عرفت بقوم من أهل سنباط سكنوا بها وأدركتها أيضا عامرة. سويقة العرب هذه السّويقة كانت تتّصل بالرّيدانية، خربت في الغلاء الكائن في سنة ستّ وسبعين وسبع مائة، وأدركت حوانيت هذه السّويقة وهي خالية من السكّان إلاّ يسيرا، وعقودها من اللّبن. ويقال له وما وراءه خراب الحسينيّة (١). وكانت في غاية العمارة، وكان بأوّلها ممّا يلي الحسينيّة فرن، أدركته عامرا إلى ما بعد سنة تسعين وسبع مائة. بلغني أنّه كان قبل ذلك في أعوام ستين وسبع مائة يخبز فيه كلّ يوم نحو سبعة آلاف رغيف لكثرة من حوله

стр. 1964

من السّكّان. وتلك الأماكن اليوم لا ساكن فيها إلاّ البوم، ولا يسمع بها إلاّ الصّدى (١). سويقة العزّي هذه السّويقة خارج باب زويلة قريبا من قلعة الجبل. كانت من جملة المقابر التي خارج القاهرة فيما بين الباب الجديد والحارات وبركة الفيل وبين الجبل الذي عليه الآن قلعة الجبل./ فلمّا اختطّت هذه الجهة، كما تقدّم ذكره عند ذكر ظواهر القاهرة، عرفت هذه السّويقة بالأمير عزّ الدّين أيبك العزّيّ نقيب الجيوش، واستشهد على عكّا عندما فتحها الأشرف خليل بن قلاوون في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة تسعين وستّ مائة (٢). وهذه السّويقة عامرة بعمارة ما حولها. سويقة العيّاطين هذه السّويقة بخطّ المقس بالقرب من باب البحر، عرفت بالفقير المعتقد مسعود بن محمد بن سالم العيّاط لسكنه بالقرب منها، وله هناك مسجد بناه في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة (٣). وأخبرني الشّيخ المعمّر حسام الدّين حسن بن عمر الشّهرزوري، وكيل أبي ﵀، أنّ النّشو ناظر الخاصّ في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون، طرح على أهل هذه السّويقة عدّة أمطار عسل قصب، وألزمهم في ثمن كلّ قنطار بعشرين درهما. فوقفوا إلى السّلطان وعيّطوا حتى أعفاهم من ذلك، فقيل لها من حينئذ سويقة العيّاطين (٤).

стр. 1965

ولفظة عيّاط عند أهل مصر بمعنى صيّاح، والعياط الصّياح. وأصل ذلك في اللغة أنّ العطعطة تتابع الأصوات واختلافها في الحرب، وهي أيضا حكاية أصوات المجّان إذا قالوا: عيّط عيّط وذلك إذا غلبوا قوما. وقد عطعطوا وعطعط بالذّئب إذا قال له عاط عاط. فحرّف عامّة مصر ذلك، وجعلوا العياط الصّياح، واشتقّوا منه الفعل؛ فاعرف ذلك (¬a) (١). سويقة العراقيّين هذه السّويقة بمدينة مصر الفسطاط، وإنّما عرفت بذلك لأنّ قريبا الأزدي وزحّافا الطّائي - وكانا من الخوارج - خرجا على زياد بن أبيه (¬b) بالبصرة، فاتّهم زياد بهما جماعة من الأزد، وكتب إلى معاوية بن أبي سفيان يستأذنه في قتلهم، فأمر بتغريبهم عن أوطانهم (٢). فسيّرهم إلى مصر، وأميرها مسلمة بن مخلد، وذلك في سنة ثلاث وخمسين، وكان عددهم نحوا من مائتين وثلاثين، فأنزلوا بالظّاهر أحد خطط مصر - وكان إذ ذاك طرقا - أراد أن يسدّ بهم ذلك الموضع. فنزلوا في الموضع المعروف بكوم سراج، وكان فضاء، فبنوا لهم مسجدا، واتّخذوا سوقا لأنفسهم، فسمّي سويقة العراقيّين.
следующие страницы →