← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

السّلطان وأنا الأعسر، فصدره منقام، وحديثي معه كأنّي أحدّث أستاذي. وقرّر من بعده في الوزارة ابن الخليلي. فلمّا قتل لاجين، وأعيد الملك النّاصر محمد بن قلاوون إلى الملك ثانيا، أفرج عن سنقر الأعسر وعن جماعة من الأمراء، وأعاد الأعسر إلى الوزارة في جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستّ مائة (¬a). وفي وزارته هذه كانت هزيمة الملك النّاصر بعساكره من غازان (١). فتولّى ناصر الدّين الشّيخي، والي القاهرة، جباية الأموال من التّجّار وأرباب الأموال لأجل النّفقة على العساكر. وقرّر في وزارته على كلّ أردبّ غلّة خرّوبة (٢) إذا طلع إلى الطّحّان، وقرّر أيضا «نصف السّمسرة» - ومعناها أنّه كان للمنادي على الثّياب أجرة دلالته على كلّ ما مبلغه مائة درهم درهمين، فيؤخذ منه درهم منهما ويفضل له درهم - واستخدم على هاتين الجهتين نحو مائتين من الأجناد البطّالين، وتحصّل في بيت المال من أموال المصادرات مبلغ عظيم. ثم خرج الوزير بمائة من مماليك السّلطان، وتوجّه إلى بلاد الصّعيد - وقد وقعت له في النّفوس مهابة عظيمة - فكبس البلاد، وأتلف كثيرا من المفسدين، من أجل أنّه لمّا حصلت وقعة غازان كثر طمع العربان في المغلّ، ومنعوا كثيرا من الخراج، وعصوا الولاة، وقطعوا الطّريق. وما زال يسير إلى الأعمال القوصيّة، فلم يدع فرسا لفلاّح ولا قاض ولا متعمّم حتى أخذه، وتتبّع السّلاح، ثم حضر بألف وستين فرسا وثمان مائة وسبعين جملا وألف وستّ مائة رمح وألف ومائتي سيف وتسع مائة درقة وستة آلاف رأس غنم، وقتل عدّة من/ النّاس، فتمهّدت البلاد، وقبض النّاس مغلّهم بتمامه.

стр. 1892

واتّفقت واقعة النّصارى - التي ذكرت عند ذكر كنائس النّصارى من هذا الكتاب (١) - في أيّامه. فأمر بالتّاج ابن سعيد الدّولة أحد مستوفي الدّولة - وكان فيه زهو وحمق عظيم، وله اختصاص بالأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير (¬a) - فعرّي وضرب بالمقارع ضربا مبرحا، فأظهر الإسلام وهو في العقوبة، فأمسك عنه وألزمه بحمل مال، فالتجأ إلى زاوية الشّيخ نصر المنبجي وترامى على الشّيخ، فقام في أمره حتى عفي عنه. فكره الأمراء الأعسر لكثرة شممه وتعاظمه، فكلّموا الأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير (¬a) - وإليه أمر الدّولة - في ولاية الأمير عزّ الدّين أيبك البغدادي الوزارة، وساعدهم على ذلك الأمير سلار. فولي الأعسر كشف القلاع الشّامية وإصلاح أمورها وترتيب رجالها وسائر ما يحتاج إليه، وخلع على الأمير أيبك خلع الوزارة في آخر سنة سبع مائة. فلمّا عاد استقرّ أحد أمراء الألوف، وحجّ في صحبة الأمير سلار. ومات بالقاهرة بعد أمراض في سنة تسع وسبع مائة. وكان عارفا خيّرا مهيبا له سعادات طائلة ومكارم مشهورة، ولحاشيته ثروة متّسعة، وغالب مماليكه تأمّروا بعده، وممّن مدحه الوداعي وابن الوكيل. حمّام الحسام هذه الحمّام بداخل باب الجوّانيّة، (¬b) عرفت (¬b) (٢). حمّام الصّوفيّة هذه الحمّام بجوار الخانقاه الصّلاحية سعيد السّعداء، أنشأها السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب لصوفيّة الخانقاه (٣)، وهي إلى الآن جارية في أوقافهم، ولا يدخلها يهودي ولا نصراني (٤).

стр. 1893

حمّام بهادر هذه الحمّام موضعها من جملة القصر، وهي بجوار دار جرجي تجاه الأبّارين (¬a)، أنشأها الأمير بهادر المنجكي (¬b) أستادّار الملك الظّاهر برقوق، (¬c)) وتوفي في سنة تسعين وسبع مائة (¬c) وقد تعطّلت (١). حمّام ألدود هذه الحمّام خارج باب زويلة، في الشّارع تجاه زقاق حارة (¬d) حلب، بجوار حوض سعد الدّين مسعود بن هنس. عرفت بالأمير سيف الدّين ألدود الجاشنكير (¬e) أحد أمراء الملك المعزّ (¬f)) عزّ الدّين (¬f) أيبك التّركماني، وخال ولده الملك المنصور نور الدّين عليّ (٢)، فلمّا وثب الأمير سيف الدّين قطز، نائب السّلطنة بديار مصر، على الملك المنصور عليّ بن الملك المعزّ أيبك واعتقله، وجلس على سرير المملكة، قبض على الأمير ألدود في ذي الحجّة سنع سبع وخمسين وستّ مائة واعتقله. وهذه الحمّام إلى اليوم بيد ذرّيّة ألدود من قبل بناته موقوفة عليهم. حمّام ابن أبي الحوافر هذه الحمّام خارج مدينة مصر بجوار الجامع الجديد النّاصريّ. كان موضعها وما حولها عامرا بماء النّيل، ثم انحسر عنه الماء وصار جزيرة، فبنى النّاس عليها بعد الخمس مائة من

стр. 1894

سني الهجرة، كما ذكر عند ذكر ساحل مصر من هذا الكتاب (١). وعرفت هذه الحمّام بالقاضي فتح الدّين أبي العبّاس أحمد بن الشّيخ جمال الدّين أبي عمرو عثمان بن هبة اللّه بن أحمد بن عقيل بن محمد بن أبي الحوافر، رئيس الأطبّاء بديار مصر، ومات ليلة الخميس الرّابع عشر من شهر رمضان سنة سبع وخمسين وستّ مائة، ودفن بالقرافة (٢). حمّام قتّال السّبع هذه الحمّام خارج باب القوس من ظاهر القاهرة، في الشّارع المسلوك فيه من باب زويلة إلى صليبة جامع ابن طولون، وموضعها اليوم بجوار جامع قوصون (٣). عمّرها الأمير جمال الدّين آقوش المنصوري المعروف بقتّال السّبع الموصلي (٤)، بجانب داره التي هي اليوم جامع قوصون. فلمّا أخذ قوصون الدّار المذكورة، وهدمها وعمّر مكانها هذا الجامع، أراد أخذ الحمّام - وكانت وقفا - فبعث إلى قاضي القضاة شرف الدّين الحنبلي الحرّاني يلتمس منه حلّ وقفها، فأخرب منها جانبا، وأحضر شهود القيمة، فكتبوا محضرا يتضمّن أنّ الحمّام المذكورة خراب. وكان فيهم شاهد متديّن (¬a) فامتنع من الكتابة في المحضر، وقال: ما يسعني من اللّه أن أدخل بكرة النّهار في هذه الحمّام وأتطهّر فيها، ثم أخرج منها وهي عامرة وأشهد بعد ضحوة نهار

стр. 1895

من ذلك اليوم أنّها خراب. فشهد غيره، وأثبت القاضي الحنبلي المحضر المذكور، وحكم ببيعها. فاشتراها الأمير قوصون من ورثة قتّال السّبع، وهى اليوم عامرة بعمارة ما حولها (١). حمّام لؤلؤ هذه الحمّام برأس رحبة الأيدمري ملاصقة لدار السّناني من القاهرة. أنشأها الأمير حسام الدّين لؤلؤ الحاجب في أيّام (¬a) (٢). لؤلؤ الحاجب - كان أرمنيّ الأصل ومن جملة أجناد مصر في أيّام الخلفاء الفاطميين، فلمّا استولى صلاح الدّين يوسف بن أيّوب على مملكة مصر، خدم تقدمة الأسطول، وكان حيثما توجّه فتح وانتصر وغنم. ثم ترك الجندية وزوّج بناته - وكنّ أربعا - بجهاز كاف، وأعطى ابنيه ما يكفيهما، و (¬b) شرع يتصدّق بما بقي معه على الفقراء بترتيب لا خلل فيه، ودواما لا سآمة معه. وكان يفرّق في كلّ يوم اثني عشر ألف رغيف مع قدور الطّعام، وإذا دخل شهر رمضان أضعف ذلك، وتبتّل للتفرقة من الظّهر في كلّ يوم إلى نحو صلاة العشاء الآخرة، ويضع ثلاثة مراكب طول كلّ مركب أحد وعشرون ذراعا مملوءة طعاما، ويدخل الفقراء أفواجا وهو قائم مشدود الوسط كأنّه راعي غنم، وفي يده مغرفة وفي الأخرى جرّة سمن، وهو يصلح صفوف الفقراء، ويقرّب إليهم الطّعام والودك، ويبدأ بالرّجال ثم بالنّساء/ ثم بالصّبيان. وكان الفقراء مع كثرتهم لا يزدحمون لعلمهم أنّ المعروف يعمّهم، فإذا انتهت حاجة الفقراء بسط سماطا للأغنياء تعجز الملوك عن مثله.

стр. 1896

وكان له مع ذلك على الإسلام منّة توجب أن يترحّم عليه المسلمون كلّهم. وهى أنّ فرنج الشّوبك والكرك توجّهوا نحو مدينة رسول اللّه ﷺ لينبشوا قبره ﷺ ، وينقلوا جسده الشّريف المقدّس إلى بلادهم، ويدفنوه عندهم، ولا يمكّنوا المسلمين من زيارته إلا بجعل. فأنشأ البرنس أرناط - صاحب الكرك - سفنا حملها على البرّ إلى بحر القلزم، وأركب فيها الرّجال، وأوقف مركبين على جزيرة قلعة القلزم تمنع أهلها من استقاء الماء. فسارت الفرنج نحو عيذاب، فقتلوا وأسروا، ومضوا يريدون المدينة النّبويّة، على ساكنها أفضل الصّلاة والتّسليم، وذلك في سنة ثمان وسبعين (¬a) وخمس مائة. وكان السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب على حرّان، فلمّا بلغه ذلك بعث إلى سيف الدّولة (¬b) بن منقذ - نائبه على مصر - يأمره بتجهيز الحاجب [حسام الدّين] (¬c) لؤلؤ خلف العدوّ. فاستعدّ لذلك، وأخذ معه قيودا، وسار في طلبهم إلى القلزم، وعمّر هناك مراكب، وسار إلى أيلة فوجد مراكب للفرنج فحرقها وأسر من فيها. وسار إلى عيذاب، وتبع الفرنج حتى أدركهم ولم يبق بينهم وبين المدينة النّبويّة، على ساكنها أفضل الصّلاة والتّسليم، إلاّ مسافة يوم - وكانوا ثلاث مائة ونيّفا، وقد انضمّ إليهم عدّة من العربان المرتدّة - فعند ما لحقهم لؤلؤ، فرّت العربان فرقا من سطوته، ورغبة في عطيّته، فإنّه كان قد بذل الأموال، حتى إنّه علّق أكياس الفضّة على رءوس الرّماح. فلمّا فرّت العربان التجأ الفرنج إلى رأس جبل صعب المرتقى، فصعد إليهم في عشرة أنفس وضايقهم فيه، فخارت قواهم بعد ما كانوا معدودين من الشّجعان، واستسلموا، فقبض عليهم وقيّدهم، وحملهم إلى القاهرة. فكان لدخولهم يوم مشهود، وتولّى قتلهم الصّوفيّة والفقهاء وأرباب الدّيانة، بعد ما ساق رجلين من أعيان الفرنج إلى منى، ونحرهما هناك كما تنحر البدن التي تساق هديا إلى الكعبة (١).

стр. 1897

ولم يزل على فعل المعروف إلى أن مات ﵀ في صميم الغلاء (¬a)، وقد قرب منتهاه، في اليوم التاسع من جمادى الآخرة سنة ستّ وتسعين وخمس مائة، ودفن بتربته من القرافة، وهى التي حفر فيها البئر، ووجد في قعرها عند الماء أسطام مركب. وهذه الحمّام تفتح تارة وتغلق كثيرا، وهي باقية إلى يومنا هذا من جملة أوقاف الملك (¬b).

стр. 1898

ذكر القياسر (١) ذكر ابن المتوّج قياسر مصر، وهى: قيساريّة المحلّى، وقيساريّة الصّبّانة (¬a) وقف المارستان المنصوري، وقيساريّة شبل الدّولة، وقيساريّة ابن الأرسوفي، وقيساريّة ورثة الملك الظّاهر بيبرس، وقيساريّتا ابن ميسّر. وقد خربت كلّها (٢). قيساريّة ابن قريش هذه القيساريّة في صدر سوق الجملون الكبير بجوار باب سوق الورّاقين، ويسلك إليها من الجملون ومن سوق الأخفافيين المسلوك إليه من البندقانيين (¬b)) ومن سوق الرّفّائين وخطّ الصّيارف (¬b). وبعضها الآن سكن الأدميين (¬c)، وبعضها سكن البزّازين (٣). قال ابن عبد الظّاهر: استجدّها القاضي المرتضى ابن قريش في الأيّام النّاصرية الصّلاحية وكان مكانها إسطبلا (٤). انتهى. وهو القاضي المرتضى صفيّ الدّين أبو المجد عبد الرّحمن بن عليّ بن عبد العزيز بن عليّ ابن قريش المخزومي، أحد كتّاب الإنشاء في أيّام السّلّطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، قتل شهيدا على عكّا في يوم الجمعة عاشر جمادى الأولى سنة ستّ وثمانين وخمس مائة، ودفن بالقدس، ومولده في سنة أربع وعشرين وخمس مائة، وسمع السّلفي وغيره (٥).

стр. 1899

قيساريّة الشّرب هذه القيساريّة بشارع القاهرة تجاه قيساريّة جهاركس. قال ابن عبد الظّاهر: وقفها السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب على الجماعة الصّوفيّة - يعني بخانقاه سعيد السّعداء - وكانت إسطبلا (١). انتهى. وما برحت هذه القيساريّة مرعيّة الجانب إكراما للصّوفيّة (¬a)) أن يرمى على سكّان حوانيتها من تجّار البزّ شيء من البضائع السّلطانية أو أن تتعرّض الدّولة إلى ظلم أحد منهم (¬a)، إلى أن كانت أيام الملك النّاصر فرج وحدثت الفتن وكثرت مصادرات التّجّار، انخرق ذاك السّياج، وعومل سكانّها بأنواع من العسف، وهي اليوم من أعمر أسواق القاهرة (٢). قيساريّة ابن أبي أسامة هذه القيساريّة بجوار الجملون الكبير، على يسرة من سلك إلى بين القصرين، يسكنها الآن الخردفوشيّين (¬b)، وقفها الشّيخ الأجلّ أبو الحسن عليّ بن أحمد بن الحسن بن أبي أسامة، صاحب ديوان الإنشاء في أيّام الخليفة الآمر بأحكام اللّه. وكانت له رتبة خطيرة ومنزلة رفيعة، وينعت ب «الشّيخ الأجلّ كاتب الدّست الشّريف»، ولم يكن أحد يشاركه في هذا النّعت بديار مصر في زمانه. وكان وقف هذه القيساريّة في سنة ثمان عشرة وخمس مائة. وتوفّي في شوّال سنة اثنتين وعشرين وخمس مائة (٣).

стр. 1900

قيساريّة سنقر الأشقر هذه القيساريّة على يسرة من يدخل من باب زويلة، فيما بين خزانة شمائل ودرب الصّفّيرة، تجاه قيساريّة الفاضل. أنشأها الأمير شمس الدّين سنقر الأشقر الصّالحي النّجمي، أحد المماليك البحرية، ولم تزل إلى أن هدمت وأدخلت/ في الجامع المؤيّدي لأيّام من جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وثمان مائة (١). سنقر الأشقر .... (¬a) (٢). قيساريّة أمير عليّ هذه القيساريّة بشارع القاهرة تجاه الجملون الكبير بجوار قيسارية جهاركس يفصل بينهما درب قيطون. عرفت بالأمير عليّ ابن الملك المنصور قلاوون (¬b) الذي عهد له بالملك ولقّبه بالملك الصّالح، ومات في حياة أبيه كما قد ذكر في فندق الملك الصّالح (٣). (¬c)) وهذه القيساريّة الآن جارية في أوقاف الملك النّاصر محمد بن قلاوون (¬c) (٤). قيساريّة رسلان هذه القيساريّة فيما بين درب الصّفّيرة والحجّارين. أنشأها الأمير بهاء الدّين رسلان الدّوادار، وجعلها وقفا على خانقاه له بمنشأة المهراني (¬d)، وكانت من أحسن القياسر. فلمّا عزم الملك المؤيّد

стр. 1901

شيخ على بناء مدرسته، هدمها في جمادى الأولى سنة ثمان عشرة وثمان مائة، وعوّض أهل الخانقاه عنها خمس مائة دينار (١). قيساريّة جهاركس قال ابن عبد الظّاهر: بناها الأمير فخر الدّين جهاركس في سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة، وكانت قبل ذلك يعرف مكانها بفندق الفراخ، ولم يزل في يد ورثته، (¬a)) وانتقل إلى الأمير علم الدّين أيتمش منها جزء بالميراث عن زوجته وإلى بنت شومان من أهل دمشق (¬a)، ثم اشتريت لوالدة خليل - المسمّاة بشجر الدّرّ الصّالحيّة - في سنة خمس وخمسين وستّ مائة. وهى مع حسنها وإتقان بنائها كلّها، غرد من القصب (¬b) جميع ما فيها. (¬c)) قال المؤلّف: وجدت بخطّ بعضهم قال (¬c): ذكر بعض المؤرّخين أنّ صاحبها جهاركس نادى عليها حين فرغت، فبلغت خمسة وتسعين ألف دينار على الشّريف فخر الدّين أبي منصور إسماعيل (¬c)) بن حصن الدّين (¬c) ثعلب (¬c)) بن يعقوب الجعفري (¬c)، وقال لصاحبها: أنا أنقدك ثمنها أيّ نقد شئت، إن شئت ذهبا، وإن شئت فضّة، (¬c)) وإن شئت ورقا (¬c) وإن شئت عروض تجارة (٢). وقيساريّة جهاركس تجري الآن في وقف الأمير بكتمر الجوكندار (٣)، نائب السّلطنة بعد سلار، على ورثته.

стр. 1902

وقال القاضي شمس الدّين أحمد بن محمد بن خلّكان: جهاركس بن عبد اللّه فخر الدّين أبو المنصور النّاصري الصّلاحي (¬a)، كان من أكبر (¬b) أمراء الدّولة الصّلاحية، وكان كريما نبيل القدر عالي الهمّة. بنى بالقاهرة القيساريّة الكبرى المنسوبة إليه، رأيت جماعة من التّجّار الذين طافوا البلاد يقولون: لم نر في شيء من البلاد مثلها في حسنها وعظمها وإحكام بنائها. وبنى بأعلاها مسجدا كبيرا وربعا معلّقا. وتوفّي في بعض شهور سنة ثمان وستّ مائة بدمشق، ودفن في جبل الصّالحيّة، وتربته مشهورة هناك، ﵀. وجهاركس، بفتح الجيم والهاء (¬c) وبعد الألف راء ثم كاف مفتوحة ثم سين مهملة، ومعناه بالعربي: أربعة أنفس، وهو لفظ عجمي (١). وقال الحافظ جمال الدّين يوسف بن أحمد بن محمود اليغموري: سمعت الأمير الكبير الفاضل شرف الدّين أبا الفتح عيسى ابن الأمير بدر الدّين محمد بن أبي القاسم بن محمد ابن أحمد الهكّاري البحتري الطائي المقدسي بالقاهرة - ومولده سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة بالبيت المقدّس، شرّفه اللّه تعالى، وتوفّي بدمشق في ليلة الأحد تاسع عشرين ربيع الآخر سنة تسع وستّ مائة، ودفن بسفح جبل قاسيون، ﵀ قال: حدّثني الأمير صارم الدّين خطلبا التّبنيني، صاحب الأمير فخر الدّين أبي المنصور جهاركس بن عبد اللّه النّاصري الصّلاحيّ ﵀، قال: بلغ الأمير فخر الدّين أنّ بعض الأجناد عنده فرس قد دفع له فيه ألف دينار ولم يسمح ببيعه، وهو في غاية الحسن. فقال لي الأمير: يا خطلبا إذا ركبنا ورأيت في الموكب هذا الفرس نبّهني عليه حتى أبصره. فقلت: السّمع والطّاعة. فلمّا ركبنا في الموكب مع الملك العزيز عثمان بن الملك النّاصر ﵀ رأيت الجندي على فرسه، فتقدّمت إلى الأمير فخر الدّين وقلت له: هذا الجندي وهذا الفرس راكبه. فنظر إليه وقال: إذا خرجنا من سماط السّلطان، فانظر أين الفرس وعرّفني به. فلمّا دخلا إلى سماط الملك العزيز، عجّل الأمير فخر الدّين وخرج قبل النّاس، فلمّا بلغ إلى الباب قال لي: أين الفرس؟

стр. 1903

قلت: ها هو مع الرّكابدار؛ فقال لي: ادعه؛ فدعوته إليه؛ فلمّا وقف بين يديه والفرس معه، أمره الأمير بأخذ الغاشيّة، ووضع الأمير رجله في ركابه وركبه ومضى به إلى داره وأخذ الفرس. فلمّا خرج صاحبه، عرّفه الرّكابدار بما فعله الأمير فخر الدّين، فسكت ومضى إلى بيته، وبقي أيّاما ولم يطلب الفرس. فقال لي الأمير فخر الدّين: يا خطلبا ما جاء صاحب الفرس ولا طلبه، اطلب لي صاحبه. قال: فاجتمعت به وأخبرته بأنّ الأمير يطلب الاجتماع به، فسارع إلى الحضور. فلمّا دخل عليه، أكرمه الأمير ورفع مكانه، وحدّثه وآنسه وبسطه، وحضر سماطه فقرّبه وخصّصه من طعامه. فلمّا فرغ من الأكل، قال له الأمير: يا فلان ما بالك ما طلبت فرسك وله عندنا مدّة؟ فقال: يا خوند وما عسى أن يكون من هذا الفرس، وما ركبه الأمير إلاّ وهو قد صلح له، وكل ما صلح للمولى فهو على العبد حرام. ولقد شرّفني مولانا بأن جعلني أهلا أن يتصرّف في عبده، والمملوك يحسب أنّ هذا الفرس قد أصابه مرض فمات. وأمّا الآن فقد وقع في محلّه وعند أهله، ومولانا أحقّ به، وما أسعد المملوك إذا صلح لمولانا عنده شيء. فقال له الأمير: بلغني أنّك أعطيت فيه ألف دينار؛ قال: كذلك كان؛ قال: فلم لم تبعه؟ فقال: يا مولانا، هذا الفرس/ جعلته للجهاد، وأحسن ما جاهد الإنسان على فرس يعرفه ويثق به، وما مقدار هذا الفرس له أسوة رأيتني. فاستحسن الأمير همّته وشكره، ثم أشار إليّ، فتقدّمت إليه فقال لي في أذني: إذا خرج هذا الرجل، فاخلع عليه الخلعة الفلانية من أفخر ملبوس الأمير، وأعطه ألف دينار وفرسه. فلمّا نهض الرّجل أخذته إلى الفرشخاناه، وخلعت عليه الخلعة، ودفعت إليه الكيس وفيه ألف دينار. فخدم وشكر وخرج، فقدّم إليه فرسه وعليه سرج خاصّ من سروج الأمير وعدّة في غاية الجودة، فقيل اركب فرسك، فقال: كيف أركبه وقد أخذت ثمنه وهذه الخلعة زيادة على ثمنه؟ ثم رجع إلى الأمير فقبّل الأرض، وقال: يا خوند تشريف مولانا لا يردّ، وهذا ثمن الفرس قد أحضره المملوك. فقال له الأمير فخر الدّين: يا هذا نحن جرّبناك فوجدناك رجلا جيّدا ولك همّة، وأنت أحقّ بفرسك، خذ هذا ثمنه ولا تبعه لأحد. فخدمه وشكره، ودعا له، وأخذ الفرس الخلعة والألف دينار وانصرف.

стр. 1904

وأخبرني أيضا الأمير شرف الدّين بن أبي القاسم، قال: أخبرني صارم الدّين التّبنيني أيضا أنّ الأمير فخر الدّين خدم عنده بعض الأجناد، فعرض عليه فأعجبه شكله، وقال لديوانه: استخدموا هذا الرّجل. فتكلّموا معه، وقدّروا له في السّنة اثني عشر ألف درهم، فرضي الرجل، وانتقل إلى حلقة الأمير قوصون، وضرب خيمته وأحضر بركه. فلمّا كان بعض الأيام رجع الأمير من الخدمة، فعبر في جنب خيمة هذا الرجل، فرأى خيمة حسنة، وخيلا جيادا وجمالا وبغالا وبركا في غاية الجودة، فقال: هذا البرك لمن؟ فقيل: هذا برك فلان الذي خدم عند الأمير في هذه الأيام؛ فقال: قولوا له: ما لك عندنا شغل تمضي في حال سبيلك. فلمّا قيل للرجل ذلك، أمر بأن تحطّ خيمته، وأتى إليّ وقال: يا مولانا أنا رائح، وها أنا قد حملت بركي (١)، ولكن أشتهي منك أن تسأل الأمير: ما ذنبي؟ قال: فدخلت إلى الأمير وأخبرته بما قال الرّجل. فقال: واللّه ما له عندي ذنب، إلاّ أن هذا البرك وهذه الهمّة يستحقّ بها أضعاف ما أعطي، فأنكرت عليه كيف رضي بهذا القدر اليسير، وهو يستحقّ أن تكون أربعين ألف درهم، وتكون قليلة في حقّه، فإذا خدم بثلاثين ألف درهم يكون قد ترك لنا عشرة آلاف درهم؛ فهذا ذنبه عندي. فرجعت إلى الرّجل فأعلمته بما قال الأمير. فقال: إنّما خدمت عند الأمير، ورضيت بهذا القدر لعلمي أنّ الأمير إذا عرف حالي فيما بعد لا يقنع لي بهذا الجاري، فكنت على ثقة من إحسان الأمير أبقاه اللّه، وأمّا الآن فلا أرضى أن أخدم إلاّ بثلاثين ألف درهم كما قال الأمير. فرجعت إلى الأمير وأخبرته بما قال الرّجل، فقال: يجرى له ما طلب، وخلع عليه، وأحسن إليه. وكان الأمير فخر الدّين جهاركس مقدّم النّاصريّة، والحاكم بديار مصر في أيّام الملك العزيز عثمان بن صلاح الدّين يوسف بن أيّوب إلى أن مات العزيز. فمال الأمير فخر الدّين جهاركس إلى ولاية ابن الملك العزيز، وفاوض في ذلك الأمير سيف الدّين يازكوج الأسدي، وهو يومئذ مقدّم الطّائفة الأسدية - وكان الملك العزيز قد أوصى بالملك لولده محمد، وأن يكون الأمير الطّواشي بهاء الدّين قراقوش الأسدي مدبّر أمره - فأشار يازكوج بإقامة الملك الأفضل عليّ ابن صلاح الدّين في تدبير أمر ابن العزيز. فكره ذلك جهاركس.

стр. 1905

ثم إنّهم أقاموا ابن العزيز، ولقّبوه بالملك المنصور، وعمره نحو تسع سنين، ونصبوا قراقوش أتابكا وهم في الباطن مختلفون (¬a) عليه، وما زالوا يسعون في إبطال أمر قراقوش حتى اتّفقوا على مكاتبة الأفضل - المتقدّم ذكره - ليقدم (¬b) إلى مصر، ويعمل أتابكيّة المنصور مدّة سبع سنين حتى يتأهّل بالاستبداد بالملك، بشرط ألاّ يرفع فوق رأسه سنجق الملك، ولا يذكر اسمه في خطبة ولا سكّة. فلمّا سار القاصد إلى الأفضل بكتب الأمراء، بعث جهاركس في الباطن قاصدا، على لسانه ولسان الطائفة الصّلاحيّة، بكتبهم إلى الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، وكتب إلى الأمير ميمون القصري صاحب نابلس يأمره بألاّ يطيع الملك الأفضل، ولا يحلف له. فاتّفق خروج الملك الأفضل من صرخد، ولقاء قاصد فخر الدّين جهاركس، فأخذ منه الكتب وقال له: ارجع فقد قضيت الحاجة. وسار إلى القاهرة ومعه القاصد، فلمّا خرج الأمراء من القاهرة إلى لقائه ببلبيس، فعمل له فخر الدّين سماطا احتفل فيه احتفالا زائدا لينزل عنده، فنزل عند أخيه الملك المؤيّد نجم الدّين مسعود، فشقّ ذلك على جهاركس، وجاء إلى خدمته. فلمّا فرغ من طعام أخيه، صار إلى خيمة جهاركس وقعد ليأكل، فرأى جهاركس قاصده الذي سيّره في خدمة الأفضل، فدهش وأيقن بالشّرّ، فللحال استأذن الأفضل أن يتوجّه إلى العرب المختلفين بأرض مصر ليصلح بينهم، فأذن له. وقام من فوره، واجتمع بالأمير زين الدّين قراجا والأمير أسد الدّين قراسنقر، وحسّن لهما مفارقة الأفضل، فساروا معه إلى القدس وغلبوا عليه، ووافقهم الأمير عزّ الدّين أسامة، والأمير ميمون القصري، فقدم عليهم في سبع مائة فارس. ولمّا صاروا كلمة واحدة، كتبوا إلى الملك العادل يستدعونه للقيام بأتابكيّة الملك/ المنصور محمد بن العزيز بمصر. وأمّا الأفضل فإنّه لمّا دخل من بلبيس إلى القاهرة، قام بتدبير الدّولة وأمر الملك، بحيث لم يبق للمنصور معه سوى مجرّد الاسم فقط، وشرع في القبض على الطّائفة الصّلاحيّة أصحاب جهاركس، ففرّوا منه إلى جهاركس بالقدس، فقبض على من قدر عليه منهم ونهب أموالهم. فلمّا زالت دولة الأفضل من مصر بقدوم الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، استولى فخر الدّين جهاركس على بانياس بأمر العادل، ثم انحرف عنه، وكانت له أنباء إلى أن مات.

стр. 1906

فانقضى أمر الطّائفة الصّلاحيّة بموته وموت الأمير قراجا وموت الأمير أسامة، كما انقضى أمر غيرهم (١). قيساريّة الفاضل هذه القيساريّة على يمنة من يدخل من باب زويلة، عرفت بالقاضي الفاضل عبد الرّحيم ابن عليّ البيساني، وهى الآن في أوقاف المارستان المنصوري. أخبرني شهاب الدّين أحمد بن محمد بن عبد العزيز العذري البشبيشي ﵀ قال: أخبرني القاضي بدر الدّين أبو إسحاق إبراهيم بن القاضي صدر الدّين أبي البركات أحمد بن فخر الدّين أبي الرّوح عيسى بن عمر بن خالد بن عبد المحسن المعروف بابن الخشّاب، أنّ قيساريّة الفاضل وقفت بضع عشرة مرّة، منهما مرّتين أو أكثر زفّ كتاب وقفها بالمغاني (¬a) في شارع القاهرة. وهى الآن تشتمل على قيساريّة ذات بحرة ماء للوضوء بوسطها، وأخرى بجانبها يباع فيها جهاز النّساء وشوارهن، ويعلوها ربع فيه عدّة مساكن. قيساريّة بيبرس هذه القيساريّة على رأس باب الجوذريّة من القاهرة. كان موضعها دارا تعرف بدار الأنماط اشتراها وما حولها الأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير قبل ولايته السّلطنة وهدمها، وعمّر موضعها هذه القيساريّة والرّبع فوقها، وتولّى عمارة ذلك مجد الدّين (¬b) بن سالم الموقّع. فلمّا كملت طلب سائر تجّار قيساريّة جهاركس وقيساريّة الفاضل، وألزمهم بإخلاء حوانيتهم من القيساريتين وسكناهم بهذه القيساريّة، وأكرههم على ذلك، وجعل أجرة كلّ حانوت منها مائة وعشرين درهما نقرة. فلم يسع التّجّار إلاّ استئجار حوانيتها، وصار كثير منهم يقوم بأجرة الحانوت الذي ألزم به في هذه القيساريّة من غير أن يترك حانوته الذي هو معه بإحدى القيساريتين

стр. 1907

المذكورتين. ونقل أيضا صنّاع الأخفاف، وأسكنهم في الحوانيت التي خارجها، فعمرت من داخلها وخارجها بالنّاس في يومين. وجاء إلى مخدومه الأمير بيبرس - وكان قد ولي السّلطنة، وتلقّب بالملك المظفّر - وقال: يا خوند (¬a) بسعادة السّلطان سكنت القيساريّة في يوم واحد. فنظر إليه طويلا، وقال: يا قاضي إن كنت أسكنتها في يوم واحد، فهي تخلو في ساعة واحدة. فجاء الأمر كما قال، وذلك أنّه لمّا فرّ بيبرس من قلعة الجبل، لم يبت في هذه القيساريّة لأحد من سكّانها قطعة قماش، بل نقلوا كلّ ما كان لهم فيها، وخلت حوانيتها مدّة طويلة، ثم سكنها صنّاع الأخفاف بعشرة دراهم كلّ حانوت، وفي حوانيتها ما أجرته ثمانية دراهم. وهى الآن جارية في أوقاف الخانقاه الرّكنية بيبرس، ويسكنها صنّاع الأخفاف، وأكثر حوانيتها غير مسكون لخرابها ولقلّة الأخفافيين، ويعرف الخطّ الذي هى فيه اليوم بالأخفافيين رأس الجوذريّة (١). القيساريّة الطّويلة هذه القيساريّة في شارع القاهرة بسوق الخردفوشيين، فيما بين سوق المهامزيين وسوق الجوخيين، ولها باب آخر عند باب سرّ حمّام الخرّاطين. كانت تعرف قديما بقيساريّة السّروج (٢). بناها (¬b). قيساريّة جاني بك (¬c) هذه القيساريّة تجاه قيسارية السّروج، المعروفة الآن بالقيساريّة الطّويلة. بعضها وقفه القاضي الأشرف (¬d) بن القاضي الفاضل عبد الرّحيم بن عليّ البيساني على ملء الصّهريج بدرب ملوخيّا، وبعضها وقف الصّالح طلائع بن رزّيك الوزير (٣).

стр. 1908

وقد هدمت هذه القيساريّة وبناها الأمير جاني بك دوادار السّلطان الملك الأشرف برسباي الدّقماقي الظّاهري (١)، في سنة ثمان وعشرين وثمان مائة، تربيعة تتّصل بالورّاقين (٢)، ولها باب من الشّارع، وجعل علوّها طباقا وعلى بابها حوانيت، فجاءت من أحسن المباني. قيساريّة العصفر هذه القيساريّة بشارع القاهرة، لها باب من سوق المهامزيين وباب من سوق الورّاقين، عرفت بذلك من أجل أنّ العصفر كان يدقّ بها. أنشأها الأمير علم الدّين سنجر المسروري المعروف بالخيّاط (٣)، والي القاهرة، ووقفها في سنة اثنتين وسبعين (¬a) وستّ مائة (٤). ولم تزل باقية بيد ورثته إلى أن ولي القاضي ناصر الدّين محمد بن البارزي الحموي كتابة السّرّ في الأيام المؤيّديّة شيخ (٥)، فاستأجرها مدّة أعوام من مستحقيها، ونقل إليها العنبرنيين فصارت قيسارية عنبر، وذلك في سنة ستّ عشرة وثمان مائة، ثم انتقل منها أهل العنبر إلى سوقهم في سنة ثمان عشرة وثمان مائة. قيساريّة العنبر قد تقدّم في ذكر الأسواق أنّها كانت سجنا (¬b)) يعرف بحبس المعونة في الدّولة الفاطمية ودولة بني أيّوب (¬b)، وأنّ الملك المنصور قلاوون عمّرها في سنة ثمانين وستّ مائة، وجعلها سوق عنبر (¬b)) وبنى أعلاها ربعا (¬b) (٦).

стр. 1909

قيساريّة الفائزيّ هذه القيساريّة كانت بأوّل الخرّاطين ممّا يلي المهامزيين، لها باب من المهامزيين وباب من الخرّاطين (١). أنشأها الوزير/ الأسعد شرف الدّين أبو القاسم هبة اللّه بن صاعد بن وهيب الفائزي (¬a)، كان من جملة نصارى صعيد مصر، وكتب على مصايد (¬b) ناحية سيوط بدرهم، وثلث في كلّ يوم، ثم قدم إلى القاهرة وأسلم في أيّام الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب، وخدم عند الملك الفائز إبراهيم بن الملك العادل فنسب إليه، وتولّى نظر الدّيوان في أيّام الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب مدّة يسيرة. ثم ولي بعض أعمال ديار مصر، فنقل عنه ما أوجب الكشف عليه، فندب موفّق الدّين الآمدي لذلك، فاستقرّ عوضه وسجنه مدّة ثم أفرج عنه. وسافر إلى دمشق وخدم بها الأمير جمال الدّين يغمور نائب السّلطنة بدمشق (٢). فلمّا قدم الملك المعظّم توران شاه بن الصّالح نجم الدّين أيّوب من حصن كيفا إلى دمشق، بعد موت أبيه ليأخذ مملكة مصر، سار معه إلى مصر في شوّال سنة سبع وأربعين وستّ مائة. فلمّا قامت شجر الدّرّ بتدبير المملكة بعد قتل المعظّم، تعلّق بخدمة الأمير عزّ الدّين أيبك التّركماني مقدّم العساكر، إلى أن تسلطن وتلقّب بالملك المعزّ، فولاّه الوزارة في سنة ثمان وأربعين وستّ مائة (٣). فأحدث مظالم كثيرة، وقرّر على التّجّار وذوي اليسار أموالا تجبى منهم، وأحدث «التّقويم والتّصقيع» على سائر الأملاك (٤)، وجبي منها مالا جزيلا، ورتّب مكوسا على الدّواب من الخيل والجمال والحمير وغيرها، وعلى الرّقيق من العبيد والجواري، وعلى سائر المبيعات، وضمّن

стр. 1910

المنكرات من الخمر والمزر والحشيش وبيوت الزّواني بأموال، وسمّى هذه الجهات ب «الحقوق السّلطانية والمعاملات الدّيوانية» (١). وتمكّن من الدّولة تمكّنا زائدا إلى الغاية، بحيث إنّه سار إلى بلاد الصّعيد بعساكر لمحاربة بعض الأمراء، وكان الملك المعزّ أيبك يكاتبه بالمملوك، وكثر ماله وعقاره، حتى إنّه لم يبلغ صاحب قلم في هذه الدّول ما بلغه من ذلك، واقتنى عدّة مماليك منهم من بلغ ثمنه ألف دينار مصرية. وكان يركب في سبعين مملوكا من مماليكه سوى أرباب الأقلام والأتباع، وخرج بنفسه إلى أعمال مصر واستخرج أموالها. وكان ينوب عنه في الوزارة زين الدّين يعقوب بن الزّبير، وكان فاضلا يعرف باللّسان التّركي، فصار يضبط له مجالس الأمراء ويعرّفه ما يدور بينهم من الكلام. فلم يزل على تمكّنه وبسط يده وعظم شأنه إلى أن قتل الملك المعزّ، وقام من بعده ابنه الملك المنصور نور الدّين عليّ وهو صغير، فاستقرّ على عادته حتى شهد عليه الأمير سابق الدّين بوزنا (¬a) الصّيرفي (٢) والأمير ناصر الدّين محمد بن الأطروش الكردي أمير جاندار أنّه قال: المملكة لا تقوم بالصّبيان الصّغار، والرأي أن يكون الملك النّاصر صاحب الشّام ملك مصر، وأنّه قد عزم على أن يسير إليه يستدعيه إلى مصر ويساعده على أخذ المملكة. فخافت أمّ السّلطان منه، وقبضت عليه وحبسته عندها بقلعة الجبل، ووكّلت بعذابه الصّارم أحمر عينه العمادي الصّالحي، فعاقبه عقوبة عظيمة، ووقعت الحوطة على سائر أمواله وأسبابه وحواشيه، وأخذ خطّه بمائة ألف دينار، ثم خنق لليال مضت من جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وستّ مائة، ولفّ في نخّ ودفن بالقرافة. واستقرّ من بعده في الوزارة قاضي القضاة بدر الدّين السّنجاري مع ما بيده من قضاء القضاة. ولم تزل هذه القيساريّة باقية - وكانت تعرف بقيساريّة النّشّاب - إلى أن أخذها الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار (¬b)، هى والحوانيت على يمنة من سلك من الخرّاطين يريد الجامع الأزهر - وفيما بينهما كان باب هذه القيساريّة، وكانت هذه الحوانيت تعرف بوقف خمرتاش (¬c) - وهدم

стр. 1911

الجميع وشرع في بنائه، فقتل قبل أن يكمل، وأخذه الملك النّاصر فرج. فبنيت الحوانيت التي هي على الشّارع بسوق المهامزيين، وصار ما بقي ساحة (١) عمّرها القاضي زين الدّين عبد الباسط بن خليل الدّمشقي، ناظر الجيش قيسارية يعلوها ربع، وبنى أيضا على حوانيت جمال الدّين ربعا، وذلك في سنة خمس وعشرين وثمان مائة. وقال الإمام عفيف الدّين أبو الحسن عليّ بن عدلان يمدح الأسعد الفائزي ﵀ صاعدا وابنه المرتضى هبة (¬a): [مجزوء الخفيف] مذ تولّى أمورنا … لم أزل منه ذا هبه وهو إن دام أمره … شدّة العيش ذاهبه قيساريّة بكتمر السّاقي (¬b) هذه القيساريّة بسوق الحريريين بالقرب من سوق الورّاقين. كانت تعرف قديما بالصّاغة، ثم صارت فندقا يقال له فندق جكو (¬c). وأصلها من جملة الدّار العظمى التي تعرف بدار المأمون بن البطائحي، وبعضها المدرسة السّيوفيّة. أنشأ هذه القيسارية الأمير بكتمر السّاقي في الأيّام النّاصريّة محمد بن قلاوون، (¬d)) وهي على يمنة السّالك من الحريريين إلى الزّجّاجين (¬d) (٢). قيساريّة ابن يحيى هذه القيساريّة كانت تجاه باب قيسارية جهاركس حيث سوق الطّيور وقاعات الحلوى. أنشأها القاضي المفضّل هبة اللّه بن يحيى التّميمي المعدّل، كان ورّاقا (¬e) كاتبا في الشّروط الحكمية في حدود سنة أربعين وخمس مائة في الدّولة الفاطمية، ثم صار من جملة العدول، وبقي إلى سنة ثمانين.

стр. 1912

وله ابن يقال له كمال الدّين عبد المجيد/ بن القاضي المفضّل. ولكمال الدّين ابن يقال له جلال الدّين محمد بن كمال الدّين عبد المجيد بن القاضي المفضّل هبة اللّه بن يحيى. مات في آخر سنة تسعين وستّ مائة (¬a). وقد خربت هذه القيساريّة، ولم يبق لها أثر (١). قيساريّة طاشتمر هذه القيساريّة بجوار الورّاقين، لها باب كبير من سوق الحريريين على يسرة من سلك إلى الزّجّاجين وباب من الورّاقين (٢). أنشأها الأمير طاشتمر (¬b) (٣) في أعوام بضع وثلاثين وسبع مائة. وسكنها عقّاد والأزرار حتى غصّت بهم مع كبرها وكثرة حوانيتها، وكان لهم منظر بهيج فإنّ أكثرهم من بياض النّاس، وتحت يد كلّ معلّم منهم عدّة صبيان من أولاد الأتراك وغيرهم، فطالما مررت منها إلى سوق الورّاقين، وداخلني حياء من كثرة من أمرّ به هناك. ثم لمّا حدثت المحن في سنة ستّ وثمان مائة تلاشى أمرها، وخرب الرّبع الذي كان علوّها وبيعت أنقاضه، وبقيت فيها اليوم بقيّة يسيرة. قيساريّة الفقراء هذه القيساريّة خارج باب زويلة بخطّ تحت الرّبع. أنشأها (¬c)) الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري (¬c) (٤).

стр. 1913

قيساريّة بشتاك خارج باب زويلة بخطّ تحت الرّبع. أنشأها الأمير (¬a)) سيف الدّين (¬a) بشتاك النّاصري، وهى الآن (¬b) (١). قيساريّة ابن (¬b) المحسني خارج باب زويلة بخطّ (¬c) تحت الرّبع (٢)، أنشأها الأمير بدر الدّين بيلبك المحسني والي الإسكندرية ثم والي القاهرة. كان شجاعا مقداما، فأخرجه الملك النّاصر محمد بن قلاوون إلى الشّام وبها مات في سنة تسع وثلاثين وسبع مائة. فأخذ ابنه الأمير ناصر الدّين محمد بن بيلبك المحسني إمرته. فلمّا مات الملك النّاصر قدم إلى القاهرة، وولاّه الأمير قوصون ولاية القاهرة في سابع عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة. فلمّا قبض على قوصون في يوم الثلاثاء آخر شهر رجب منها، أمسك ابن المحسني، وأعيد نجم الدّين إلى ولاية القاهرة، ثم عزل من يومه وولي الأمير جمال الدّين يوسف والي الجيزة، فأقام أربعة أيّام، وعزل بطلب العامّة عزله ورجمه، فأعيد نجم الدّين (٣).

стр. 1914

قيساريّة الجامع الطّولوني (¬a) هذه القيساريّة كان موضعها في القديم من جملة قصر الإمارة الذي بناه الأمير أبو العبّاس أحمد بن طولون، وكان يخرج منه إلى الجامع من باب في جداره القبلي. فلمّا خرب صار ساحة أرض، فعمّر فيها القاضي تاج الدّين (¬b) المناوي، خليفة الحكم عن قاضي القضاة عزّ الدّين عبد العزيز ابن جماعة، قيساريّة في سنة خمسين وسبع مائة من فائض مال الجامع الطّولوني، فعمل (¬c) فيها ثلاثون حانوتا. فلمّا كانت ليلة النصف من شهر رمضان من هذه السنة، رأى شخص من أهل الخير رسول اللّه ﷺ في منامه، وقد وقف على باب هذه القيساريّة وهو يقول: «بارك اللّه لمن يسكن هذه القيساريّة»، وكرّر هذا القول ثلاث مرّات (١). فلمّا قصّ هذه الرّؤيا رغب النّاس في سكناها، وصارت إلى اليوم هى وجميع ذلك السّوق في غاية العمارة. وفي سنة ثمان عشرة وثمان مائة، أنشأها قاضي القضاة جلال الدّين عبد الرّحمن بن شيخ الإسلام سراج الدّين عمر بن نصير بن رسلان البلقيني (٢)، من مال الجامع المذكور، قيساريّة أخرى. فرغب النّاس في سكناها لوفور العمارة بذلك الخطّ. قيساريّة ابن ميسّر الكبرى هذه القيساريّة أدركتها بمدينة مصر في خطّ سويقة وردان وهي عامرة يباع بها القماش الجديد من الكتّان الأبيض والأزرق والطّرح، وتمضي تجّار القاهرة إليها في يومي الأحد والأربعاء لشراء الأصناف المذكورة. وذكر ابن المتوّج أنّ لها خمسة أبواب وأنّها وقف، ثم وقعت الحوطة عليها فجرت في الدّيوان السّلطاني، وقصدوا بيعها مرارا فلم يقدر أحد على شرائها، وكان بها عمد رخام

стр. 1915

فأخذها الدّيوان وعوّضت بعمد كدّان، وأنّه شاهدها مسكونة جميعها عامرة (١). انتهى. وقد خرب ما حولها بعد سنة ستين وسبع مائة، وتزايد الخراب حتى لم يبق حولها سوى كيمان، فعمل لها باب واحد، وتردّد النّاس إليها في اليومين المذكورين لا غير. فلمّا كانت الحوادث منذ سنة ستّ وثمان مائة، واستولى الخراب على إقليم مصر، تعطّلت هذه القيساريّة، ثم هدمت في سنة ستّ عشرة وثمان مائة. قيساريّة عبد الباسط هذه القيساريّة برأس الخرّاطين من القاهرة، كان موضعها يعرف قديما بعقبة الصّبّاغين ثم عرف (¬a) بالقشّاشين، ثم عرف بالخرّاطين. وكان هناك مارستان ووكالة في الدّولة الفاطميّة، وأدركنا بها حوانيت تعرف بوقف خمرتاش (¬b) المعظّمي، فأخذها الأمير جمال الدّين الأستادّار فيما أخذ من الأوقاف. فلمّا قتل أخذ النّاصر فرج جانبا منها وجدّد عمارتها، ووقفها على تربة أبيه الظّاهر برقوق. ثم أخذها زين الدّين عبد الباسط بن خليل في الأيّام المؤيّدية شيخ، وعمل في بعضها هذه القيساريّة (¬c) وعلوّها، ووقفها على مدرسته وجامعه (٢). ثم أخذ السّلطان الملك الأشرف برسباي بقيّة الحوانيت من وقف جمال الدّين، وجدّد عمارتها في سنة سبع وعشرين وثمان مائة (¬d).

стр. 1916

ذكر الخانات والفنارق / خان مسرور خان مسرور مكانان: أحدهما كبير، والآخر صغير. فالكبير على يسرة من سلك من سوق باب الزّهومة إلى الحريريين، كان موضعه خزانة الدّرق التي تقدّم ذكرها في خزائن القصر (١). والصّغير على يمنة من سلك من سوق باب الزّهومة إلى الجامع الأزهر، كان ساحة يباع فيها الرّقيق بعد ما كان موضع المدرسة الكامليّة هو سوق الرّقيق. قال ابن الطوير: خزانة الدّرق كانت في المكان الذي هو خان مسرور، وهي برسم استعمالات الأساطيل من الكبورة الخرجية والخوذ الجلودية وغير ذلك (٢). وقال ابن عبد الظّاهر: فندق مسرور: مسرور هذا من خدّام القصر خدم الدّولة المصرية واختصّ بالسّلطان صلاح الدّين ﵀ وقدّمه على حلقته. ولم يزل مقدّما في كلّ وقت، وله برّ وإحسان ومعروف، ويقصد في كلّ حسنة وأجر وبرّ، وبطّل الخدمة في الأيام الكاملية، وانقطع إلى اللّه تعالى ولزم داره. ثم بنى الفندق الصّغير إلى جانبه، وكان قبل بنائه ساحة يباع فيها الرقيق، اشترى ثلثها من والدي ﵀ والثّلثين من ورثة ابن عنتر. وكان قد ملّك الفندق الكبير لغلامه ريحان وحبسه عليه، ثم من بعده على الأسرى والفقراء بالحرمين، وهو مائة بيت إلاّ بيتا، وبه مسجد تقام فيه الجماعة والسّبع. ولمسرور المذكور برّ كثير بالشّام وبمصر، وكان قد وصّى أن تعمل داره - وهى بخطّ حارة الأمراء - مدرسة، ويوقف الفندق الصّغير عليها. وكانت له ضيعة بالشّام بيعت للأمير سيف الدّين أبي الحسن القيمري بجملة كبيرة، وعمّرت المدرسة المذكورة بعد وفاته (٣). (¬a)

стр. 1917

انتهى. (¬a)) تولّى ذلك القاضي كمال الدّين خضر ودرّس بها وهى بيده. ودفن مسرور بالقرافة الصّغرى إلى جانب مسجده وصهريجه، وله ربع بالشّارع الأعظم (١) موقوف على ذلك وغيره بخطّ السّقطيين. ومناقبه ﵀ أكثر من أن تحصى، وصلاته أعظم من أن تستقصى (¬a). وقد أدركت فندق مسرور الكبير في غاية العمارة، تنزله أعيان التّجّار الشّاميين بتجاراتهم، وكان فيه أيضا مودع الحكم الذي فيه أموال اليّتامى والغيّاب، وكان من أجلّ الخانات وأعظمها. فلمّا كثرت المحن بخراب بلاد الشّام منذ سنة تيمور لنك، وتلاشت أحوال إقليم مصر، قلّ التّجار وبطل مودع الحكم، فقلّت مهابة هذا الخان، وزالت حرمته، وتهدّمت عدّة أماكن منه؛ وهو الآن بيد القضاة (¬b). فندق بلال المغيثي هذا الفندق فيما بين خطّ حمّام خشيبة وحارة العدوية (¬c). أنشأه الأمير الطّواشي أبو المناقب حسام الدّين بلال المغيثي (٢)، أحد خدّام الملك المغيث صاحب الكرك، كان حبشي الجنس حالك السّواد، خدم عدّة من الملوك، واستقرّ لالا (٣) الملك الصّالح عليّ بن الملك المنصور قلاوون، وكان معظما إلى الغاية يجلس فوق جميع أمراء الدّولة. وكان الملك المنصور قلاوون إذا رآه يقول: رحم اللّه أستاذنا الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب. أنا كنت أحمل سارموزة (¬d) (٤) هذا

стр. 1918

الطّواشي حسام الدّين كلّما دخل إلى السّلطان الملك الصّالح حتى يخرج من عنده فأقدّمها له. وكان كثير البرّ والصّدقات، وله أموال جزيلة، ومدحه عدّة من الشّعراء، وأجاز على المديح، وتجاوز عمره ثمانين سنة. فلمّا خرج الملك النّاصر محمد بن قلاوون لقتال التّتر، في سنة تسع وتسعين وستّ مائة، سافر معه فمات بالسّوادة ودفن بها، ثم نقل منها بعد وقعة شقحب إلى تربته بالقرافة فدفن هناك (١). وما برح هذا الفندق يودع فيه التّجّار وأرباب الأموال صناديق المال. ولقد كنت أدخل فيه فإذا بدائره صناديق مصطفّة ما بين صغير وكبير، لا يفضل عنها من الفندق غير ساحة صغيرة بوسطه، وتشتمل هذه الصّناديق من الذّهب والفضّة على ما يجلّ وصفه. فلمّا أنشأ الأمير الطّواشي زين الدّين مقبل الزّمام الفندق بالقرب منه، وأنشأ الأمير قلمطاي الفندق بالزّجّاجين، وأخذ الأمير يلبغا السّالمي أموال النّاس في واقعة تيمور لنك في سنة ثلاث وثمان مائة، تلاشى أمر هذا الفندق، وفيه إلى الآن بقيّة. فندق الصّالح (¬a) هذا الفندق (¬b)) والرّبع علوّه (¬b) بجوار باب القوس الذي كان أحد بابي زويلة، فمن سلك اليوم من المسجد المعروف بسام بن نوح يريد باب زويلة، صار هذا الفندق على يساره. وأنشأه، هو وما يعلوه من الرّبع، الملك الصّالح علاء الدّين عليّ بن السّلطان الملك المنصور قلاوون (٢). وكان أبوه لمّا عزم على المسير إلى محاربة التّتر ببلاد الشّام، سلطنة وأركبه بشعار السّلطنة من قلعة الجبل في شهر رجب سنة تسع وسبعين وستّ مائة، وشقّ به شارع القاهرة من باب النّصر إلى أن عاد إلى قلعة الجبل، وأجلسه على مرتبته وجلس إلى جانبه،

стр. 1919

فمرض عقيب ذلك ومات ليلة الجمعة الرابع من شعبان [سنة سبع وثمانين وستّ مائة] (¬a). فأظهر السّلطان لموته جزعا مفرطا وحزنا زائدا، وصرخ بأعلى صوته «واولداه»، ورمى كلّوتته (١) عن رأسه إلى الأرض، وبقي مكشوف الرّأس إلى أن دخل الأمراء إليه وهو مكشوف الرّأس يصرخ «وا ولداه»، فعند ما عاينوه كذلك ألقوا كلّوتاتهم عن رءوسهم وبكوا ساعة. ثم أخذ الأمير طرنطاي النّائب (٢) شاش (٣) السّلطان من الأرض، وناوله للأمير سنقر الأشقر (٤)، فأخذه ومشى وهو مكشوف الرأس، وباس الأرض وناول الشّاس للسّلطان، فدفعه وقال: إيش أعمل بالملك بعد ولدي؟ وامتنع من لبسه. فقبّل الأمراء الأرض يسألون السّلطان في لبس شاشه، ويخضعون له في السؤال ساعة حتى أجابهم وغطّى رأسه (٥). فلمّا أصبح خرجت جنازته من القلعة، ومعها الأمراء من غير حضور السّلطان،/ وساروا بها إلى تربة أمّه المعروفة بتربة خاتون (٦)، قريبا من المشهد النّفيسي، فواروه وانصرفوا (٧). فلمّا كان يوم السّبت ثانيه، نزل السّلطان من القلعة وعليه البياض تحزّنا على ولده، وسار ومعه الأمراء بثياب الحزن إلى قبر ابنه، وأقيم العزاء لموته عدّة أيّام.

стр. 1920

خان السّبيل هذا الخان خارج باب الفتوح. قال ابن عبد الظّاهر: خان السّبيل بناه الأمير بهاء الدّين أبو سعيد قراقوش بن عبد اللّه الأسدي، خادم أسد الدّين شير كوه وعتيقه، لأبناء السّبيل والمسافرين بغير أجرة، وبه بئر ساقية وحوض (١). وقراقوش هذا هو الذي بنى السّور المحيط بالقاهرة ومصر وما بينهما، وبنى قلعة الجبل وبنى القناطر التي بالجيزة على طريق الأهرام، وعمّر بالمقس رباطا، وأسره الفرنج في عكّا وهو واليها، فافتكّه السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب بعشرة آلاف دينار، وتوفي مستهلّ رجب سنة سبع وسبعين وخمس مائة، ودفن بسفح الجبل المقطّم من القرافة (٢). خان منكورش هذا الخان بخطّ سوق الخيميّين بالقرب من الجامع الأزهر. قال ابن عبد الظّاهر: خان منكورش بناه الأمير ركن الدّين منكورش زوج أمّ (¬a) الأوحد بن العادل، ثم انتقل إلى ورثته، ثم انتقل إلى الأمير صلاح الدّين أحمد بن شعبان الإربلي فوقفه، ثم تحيّل ولده في إبطال وقفه، فاشتراه منه الملك الصّالح بعشرة آلاف دينار مصرية، وجعله مرصدا لوالدة خليل، ثم انتقل عنها (٣). انتهى. قال كاتبه (¬b): ومنكورش هذا كان أحد مماليك السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، وتقدّم حتى صار أحد الأمراء الصّالحيّة وعرف بالشّجاعة والنّجدة وإصابة الرأي وجودة الرّمي

стр. 1921

وثبوت (¬a) الجأش. فلمّا مات في شوّال سنة سبع وسبعين وخمس مائة، أخذ إقطاعه الأمير يازكوج الأسدي. وهذا الخان اليوم (¬b) يعرف بخان النّشّارين على يسرة من سلك من الخرّاطين إلى الخيميّين، وهو وقف على جهات برّ. فندق ابن قريش هذا الفندق (¬c) قال ابن عبد الظّاهر: فندق ابن قريش استجدّه القاضي شرف الدّين إبراهيم بن قريش كاتب الإنشاء، وانتقل إلى ورثته (١). انتهى. إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عليّ بن عبد العزيز بن عليّ بن قريش، أبو إسحاق القرشي المخزومي المصري الكاتب شرف الدّين - أحد الكتّاب المجيدين خطّا وإنشاء، خدم في دولة الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، وفي دولة ابنه الملك الكامل محمد، بديوان الإنشاء، وسمع الحديث بمكّة ومصر، وحدّث (٢). وكانت ولادته بالقاهرة في أوّل يوم من ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة، وقرأ القرآن، وحفظ كثيرا من كتاب «المهذّب» في الفقه على مذهب الإمام الشّافعيّ، وبرع في الأدب، وكتب بخطّه ما يزيد على أربع مائة مجلّد، ومات في الخامس والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وستّ مائة (٢). وكالة قوصون [أثر رقم ١١] هذه الوكالة في معنى الفنادق والخانات، ينزلها التّجّار ببضائع بلاد الشّام من الزّيت والشّيرج والصّابون والدّبس والفستق والجوز واللّوز والخرنوب والرب ونحو ذلك. وموضعها فيما بين الجامع الحاكمي ودار سعيد السّعداء (٣).

стр. 1922

كانت أخيرا دارا تعرف بدار تغريل النّوغاني (¬a)، فأخربها وما جاورها الأمير قوصون، وجعلها فندقا كبيرا إلى الغاية وبدائره عدّة مخازن، وشرط ألاّ يؤجّر كلّ مخزن إلاّ بخمسة دراهم من غير زيادة على ذلك، ولا يخرج أحد من مخزنه، فصارت هذه المخازن تتوارث لقلّة أجرتها وكثرة فوائدها (١). وقد أدركنا هذه الوكالة، وإنّ رؤيتها من داخلها وخارجها لتدهش، لكثرة ما هنالك من أصناف البضائع، وازدحام النّاس، وشدّة أصوات العتّالين عند حمل البضائع ونقلها لمن يبتاعها. ثم تلاشى أمرها منذ خربت الشّام في سنة ثلاث وثمان مائة على يد تيمور لنك، وفيها إلى الآن بقيّة. ويعلو هذه الوكالة رباع تشتمل على ثلاث مائة وستين بيتا أدركناها عامرة كلّها، ويحزّر أنّها تحوي نحو أربعة آلاف نفس ما بين رجل وامرأة وصغير وكبير. فلمّا كانت هذه المحن في سنة ستّ وثمان مائة، خرب كثير من هذه البيوت، وكثير منها عامر آهل. دار التّفّاح (¬b) هذه الدّار هي فندق تجاه باب زويلة (¬c)، ترد إليه الفواكه على اختلاف أصنافها ممّا ينبت في بساتين ضواحي القاهرة، ومن التّفّاح والكمّثرى، والسّفرجل الواصل من البلاد الشّامية إنّما يباع في وكالة قوصون إذا قدم، ومنها ينقل إلى سائر أسواق القاهرة ومصر ونواحيهما (٢). وكان موضع دار التّفّاح هذه في القديم من جملة حارة السّودان التي عملت بستانا في أيّام السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب (٣). وأنشأ هذه الدّار الأمير طقزدمر (٤) بعد سنة أربعين وسبع مائة، ووقفها على خانقاه بالقرافة. وبظاهر هذه الدّار عدّة حوانيت تباع فيها الفاكهة، تذكّر رؤيتها وشمّ عرفها الجنّة؛ لطيبها

стр. 1923

وحسن منظرها، وتأنّق الباعة في تنضيضها، واحتفافها بالرّياحين والأزهار. وما بين الحوانيت مشقوف حتى لا يصل إلى الفواكه حرّ الشّمس. ولا يزال ذلك الموضع غضّا طريّا، إلاّ أنّه قد اختلّ منذ سنة ستّ وثمان مائة، وفيه بقيّة ليست بذاك، ولم تزل إلى أن هدم علوّ الفندق وما بظاهره من الحوانيت في يوم السبت سادس عشر شعبان سنة/ إحدى وعشرين وثمان مائة. وذلك أنّ الجامع المؤيّدي جاءت (¬a) شبابيكه الغربية من جهة دار التّفّاح، فعمل فيها كما صار يعمل في الأوقاف، وحكم باستبدالها، ودفع في ثمن نقضها ألف دينار إفريقيّة عنها مبلغ ثلاثين ألف مؤيّدي فضّة، ويتحصّل من أجرتها إلى أن ابتدئ بهدمها في كلّ شهر سبعة آلاف درهم فلوسا: عنها ألف مؤيّدي. فاستشنع هذا الفعل. ومات الملك المؤيّد ولم تكمل عمارة الفندق. وكالة باب الجوّانيّة (¬b) هذه الوكالة تجاه باب حارة الجوّانيّة من القاهرة (¬c)) وبجوار درب الرّشيدي فيما بينه وبين وكالة قوصون يفصل بينهما الشّارع المسلوك فيه إلى جملون ابن صيرم ودرب الفرحية (¬c). كان موضعها عدّة مساكن، فابتدأ الأمير جمال الدّين محمود بن على الأستادّار بهدمها في يوم الأربعاء ثالث عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين وسبع مائة، وبناها فندقا وربعا بأعلاه. فلمّا كملت رسم الملك الظّاهر برقوق أن تكون دار وكالة يرد إليها ما يصل إلى القاهرة، وما يرد من صنف متجر الشّام في البحر كالزّيت والرّبّ والدّبس، ويصير ما يرد في البرّ يدخل به على عادته إلى وكالة قوصون، وجعلها وقفا على المدرسة الخانقاه التي أنشأها بخطّ بين القصرين، فاستمرّ الأمر على ذلك إلى اليوم (١).

стр. 1924

خان الخليليّ هذا الخان بخطّ الزّراكشة العتيق. كان موضعه تربة القصر التي فيها قبور الخلفاء الفاطميين، المعروفة بتربة الزّعفران، وقد تقدّم ذكرها عند ذكر القصر من هذا الكتاب (١)؛ فأنشأه الأمير جهاركس الخليلي، أمير آخور الملك الظّاهر برقوق (٢) خانا (¬a)، وأخرج منها عظام الأموات في المزابل على الحمير، وألقاها بكيمان البرقيّة هوانا بها. فإنّه كان يلوذ به شمس الدّين محمد ابن أحمد القليجي - الذي تقدّم ذكره في ذكر الدّور من هذا الكتاب (٣) - وقال له: إنّ هذه عظام الفاطميين، وكانوا كفّارا رفضة. فاتّفق للخليلي في موته أمر فيه عبرة لأولي الألباب، وهو أنّه لمّا ورد الخبر بخروج الأمير يلبغا النّاصري نائب حلب، ومجيء الأمير منطاش نائب ملطية إليه ومسيرهما بالعساكر إلى دمشق، أخرج الملك الظّاهر برقوق خمس مائة من المماليك، وتقدّم لعدّة من الأمراء بالمسير بهم. فخرج الأمير الكبير أيتمش النّاصري والأمير جهاركس الخليلي هذا والأمير يونس الدّوادار والأمير أحمد بن يلبغا الخاصّكي والأمير يدكار الحاجب، وساروا إلى دمشق، فلقيهم النّاصري ظاهر دمشق، فانكسر عسكر السّلطان لمخامرة ابن يلبغا ويدكار، وفرّ أيتمش إلى قلعة دمشق. وقتل الخليلي في يوم الاثنين حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة إحدى وتسعين وسبع مائة وترك على الأرض عاريا وسوأته مكشوفة، وقد انتفخ - وكان طويلا عريضا - إلى أن تمزّق وبلي، عقوبة من اللّه تعالى بما هتك من رمم الأئمّة وأبنائهم.

стр. 1925

ولقد كان - عفا اللّه عنه - عارفا خبيرا بأمر دنياه كثير الصّدقة، ووقف هذا الخان وغيره على عمل خبز يفرّق بمكّة على كلّ فقير منه في اليوم رغيفان، فعمل ذلك مدّة سنين. ثم لمّا عظمت الأسعار بمصر، وتغيّرت نقودها من سنة ستّ وثمان مائة، صار يحمل إلى مكّة مال ويفرّق بها على الفقراء (١). فندق طرنطاي هذا الفندق كان بخارج باب البحر ظاهر المقس، وكان ينزل فيه تجّار الزّيت الواردون من الشّام، وكان فيه ستة عشر عمودا من رخام، طول كلّ عمود ستة أذرع بذراع العمل في دور ذراعين، ويعلوه ربع كبير. فلمّا كان في واقعة هدم الكنائس وحريق القاهرة ومصر في سنة إحدى وعشرين وسبع مائة، قدم تاجر بعد العصر بزيت وزن في مكسه عشرين ألف درهم نقرة، سوى أصناف أخر قيمتها مبلغ تسعين ألف درهم نقرة، فلم يتهيّأ له الفراغ من نقل الزّيت إلى داخل هذا الفندق إلى بعد عشاء (¬a) الآخرة. فعند (¬b) نصف اللّيل، وقع الحريق بهذا الفندق في ليلة ثامن (¬c) شهر ربيع الآخر منها، كما كان يقع في غير موضع من فعل النّصارى، فأصبح وقد احترق جميعه حتى الحجارة التي كان مبنيا بها، وحتى الأعمدة المذكورة، وصارت كلّها جيرا، واحترق علوّه، وأصبح التاجر يستعطي النّاس. وموضع هذا الفندق (¬d) (٢).

стр. 1926

ذكر الأسواق (١) قال ابن سيده: والسّوق التي يتعامل فيها تذكّر وتؤنّث، والجمع أسواق. وفي التّنزيل: ﴿إِلّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ اَلطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي اَلْأَسْواقِ﴾ [الآية ٢٠ سورة الفرقان]. والسّوقة لغة فيها، والسّوقة من النّاس: من لم يكن ذا سلطان، الذّكر والأنثى في ذلك سواء (٢). وقد كان بمدينة مصر والقاهرة وظواهرها من الأسواق شيء كثير جدّا قد باد أكثرها، وكفاك دليلا على كثرة عددها أنّ الذي خرب من الأسواق، فيما بين أراضي اللّوق إلى باب البحر بالمقس (٣)، اثنان وخمسون سوقا أدركناها عامرة فيها ما يبلغ حوانيته نحو الستين حانوتا وهذه الخطّة من جملة ظاهر القاهرة الغربي، فكيف ببقيّة الجهات الثّلاث مع القاهرة ومصر. وسأذكر من أخبار الأسواق ما أجد سبيلا إلى ذكره إن شاء اللّه تعالى. القصبة قال ابن سيده: قصبة البلد مدينته، وقيل معظمه (٤).

стр. 1927

والقصبة هي أعظم أسواق مصر. وسمعت/ غير واحد ممّن أدركته من المعمّرين يقول: إنّ القصبة تحتوي على اثني عشر ألف حانوت، كأنّهم يعنون ما بين أوّل الحسينيّة ممّا يلي الرّمل إلى المشهد النّفيسي. ومن اعتبر هذه المسافة اعتبارا جيّدا لا يكاد أن ينكر هذا الخبر. وقد أدركت هذه المسافة بأسرها عامرة الحوانيت، غاصّة بأنواع المآكل والمشارب والأمتعة، تبهج رؤيتها ويعجب النّاظر هيئتها، ويعجز العادّ عن إحصاء ما فيها من الأنواع، فضلا عن الأشخاص. وسمعت الكافّة ممّن أدركت يفاخرون بمصر سائر البلاد ويقولون: يرمى بمصر في كلّ يوم ألف دينار ذهبا على الكيمان والمزابل. يعنون بذلك ما يستعمله اللّبّانون والجبّانون والطّبّاخون من الشّقاف الحمر التي يوضع فيها اللّبن، والتي يوضع فيها الجبن، والتي تأكل فيها الفقراء الطّعام بحوانيت الطّبّاخين، وما يستعمله بيّاعو الجبن من الخيط والحصر التي تعمل تحت الجبن في الشّقاف وفوقها (¬a)، وما يستعمله العطّارون من القراطيس والورق القويّ والخيوط التي تشدّ بها القراطيس (¬b)) المحمول فيها الأدوية وما يستعمله الأبازرة والفانيون من قراطيس الموز والخيط التي يشدّ بها القراطيس (¬b) الموضوع فيها حوائج الطّعام من الحبوب والأفاويه وغيرها. فإنّ هذه الأصناف المذكورة إذا حملت من الأسواق، وأخذ ما فيها، ألقيت إلى المزابل (١). ومن أدرك النّاس قبل هذه المحن وأمعن النّظر فيما كانوا عليه من أنواع الحضارة والتّرف، لم يستكثر ما ذكرناه. وقد اختلّ حال القصبة وخرب، وتعطّل أكثر ما تشتمل عليه من الحوانيت بعد ما كانت مع سعتها تضيق بالباعة، فيجلسون على الأرض في طول القصبة بأطباق الخبز وأصناف المعايش، ويقال لهم «أصحاب المقاعد» (٢)، وكلّ قليل يتعرّض الحكّام لمنعهم وإقامتهم من الأسواق، لما يحصل بهم من تضييق الشّوارع وقلّة بيع أرباب الحوانيت. وقد ذهب واللّه ما هناك، ولم يبق إلاّ القليل. وفي القصبة عدّة أسواق منها ما خرب، ومنها ما هو باق. وسأذكر منها ما يتيسّر إن شاء اللّه.

стр. 1928

سوق باب الفتوح هذا السّوق في داخل باب الفتوح، من حدّ باب الفتوح الآن إلى رأس حارة بهاء الدّين، معمور الجانبين بحوانيت اللّحّامين والخضريّين والفاميين والشّرائحية وغيرهم، وهو من أجلّ أسواق القاهرة وأعمرها؛ يقصده النّاس من أقطار البلاد لشراء أنواع اللّحمان الضّأن والبقر والمعز، ولشراء أصناف الخضراوات. وليس هو من الأسواق القديمة، وإنّما حدث بعد زوال الدّولة الفاطمية عندما سكن قراقوش في موضعه المعروف بحارة بهاء الدّين، وقد تناقص عمّا كان فيه منذ عهد الحوادث، وفيه إلى الآن بقيّة صالحة. سوق المرحّلين هذا السّوق أدركته من رأس حارة بهاء الدّين إلى بحريّ المدرسة الصّيرميّة معمور الجانبين بالحوانيت المملوءة برحالات الجمال وأقتابها وسائر ما تحتاج إليه، يقصد من سائر إقليم مصر خصوصا في مواسم الحجّ. فلو أراد الإنسان تجهيز مائة جمل وأكثر في يوم واحد (¬a) لما شقّ عليه وجود ما يطلبه من ذلك لكثرة ذلك عند التّجّار في الحوانيت بهذا السّوق وفي المخازن. فلمّا كانت الحوادث بعد سنة ستّ وثمان مائة وكثر سفر الملك النّاصر فرج بن برقوق إلى محاربة الأمير شيخ والأمير نوروز بالبلاد الشّاميّة، صار الوزراء يستدعون ما تحتاج إليه الجمال من الرّحال والأقتاب وغيرها، فإمّا لا يدفع ثمنها أو يدفع فيها الشيء اليسير من الثّمن. فاختلّ من ذلك حال المرحّلين وقلّت أموالهم بعد ما كانوا مشتهرين بالغنى (¬b) الوافر والسّعادة الطائلة، وخرب معظم حوانيت هذا السّوق وتعطّل أكثر ما بقي منها ولم يتأخّر فيه سوى القليل. سوق خان الرّوّاسين هذا السّوق على رأس سويقة أمير الجيوش، قيل له ذلك من أجل أنّ هناك خانا تعمل فيه الرّءوس المغمومة. وكان من أحسن أسواق القاهرة فيه عدّة من البيّاعين، ويشتمل على نحو العشرين حانوتا مملوءة بأصناف المآكل. وقد اختلّ وتلاشى أمره.

стр. 1929

سوق حارة برجوان هذا السّوق من الأسواق القديمة، وكان يعرف في القديم أيّام الخلفاء الفاطميين بسوق أمير الجيوش. وذلك أنّ أمير الجيوش بدر الجمالي لمّا قدم إلى مصر في زمن الخليفة المستنصر - وقد كانت الشّدّة العظمى - بنى بحارة برجوان الدّار التي عرفت بدار المظفّر (١)، وأقام هذا السّوق برأس حارة برجوان. قال ابن عبد الظّاهر: والسّويقة المعروفة بأمير الجيوش معروفة بأمير الجيوش بدر الجمالي وزير الخليفة المستنصر، وهى من باب حارة برجوان (¬a) إلى قريب الجامع الحاكمي (٢). وهكذا تشهد مكاتيب دور حارة برجوان القديمة، فإنّ فيها: «والحدّ القبلي ينتهي إلى سويقة أمير الجيوش»، وسوق حارة برجوان هو في الحدّ القبلي من حارة برجوان. وأدركت سوق حارة برجوان أعظم أسواق القاهرة، ما برحنا ونحن شباب نفاخر بحارة برجوان سكّان جميع حارات القاهرة، فنقول: بحارة برجوان حمّامان (نعني حمّامي الرّومي وحمّام سويد، فإنّه كان يدخل إليها من داخل الحارة) (٣) وبها فرنان، ولها السّوق الذي لا يحتاج ساكنها إلى غيره. وكان هذا السّوق من سوق خان الرّوّاسين إلى سوق الشّمّاعين معمور الجانبين بالعدّة الوافرة من بيّاعي لحم الضّأن السّليخ، وبيّاعي اللّحم/ السّميط، وبيّاعي اللّحم البقري. وبه عدّة كثيرة من الزّيّاتين، وكثير من الجبّانين والخبّازين واللّبّانين والطّبّاخين والشّوّائين والبواردية (٤) والعطّارين

стр. 1930

والخضريين، وكثير من بيّاعي الأمتعة. حتى إنّه كان به حانوت لا يباع فيه إلاّ حوائج المائدة، وهي البقل والكرّاث والشّمار والنّعناع، وحانوت لا يباع فيه إلاّ الشّيرج والقطن فقط برسم تعمير القناديل التي تسرج في اللّيل. وسمعت من أدركت أنّه كان يشتري من هذا الحانوت في كلّ ليلة شيرج ممّا يوضع في القناديل بثلاثين درهما فضّة، عنها يومئذ دينار ونصف. وكان يوجد بهذا السّوق لحم الضأن النّيء والمطبوخ إلى ثلث اللّيل الأوّل ومن قبل طلوع الفجر بساعة. وقد خرب أكثر حوانيت هذا السّوق ولم يبق لها أثر، وتعطّل بأسره بعد سنة ستّ وثمان مائة، وصار أوحش من وتد في قاع، بعد أن كان الإنسان لا يستطيع أن يمرّ فيه من ازدحام النّاس ليلا ونهارا إلاّ بمشقّة. وكان فيه قبّاني برسم وزن الأمتعة والمال والبضائع لا يتفرّغ من الوزن، ولا يزال مشغولا به ومعه من يستحثّه ليزن له. فلمّا كان بعد سنة عشر وثمان مائة، أنشأ الأمير طوغان الدّوادار بهذا السّوق مدرسة، وعمّر ربعا وحوانيت (١)، فتحابى بعض الشيء، وقبض على طوغان في سنة ستّ عشرة وثمان مائة ولم تكمل عمارة السّوق، وفيه الآن بقيّة يسيرة. سوق الشّمّاعين هذا السّوق من الجامع الأقمر إلى سوق الدّجّاجين، كان يعرف في الدّولة الفاطمية بسوق القمّاحين، وعنده بنى المأمون بن البطائحي الجامع الأقمر باسم الخليفة الآمر بأحكام اللّه، وبنى تحت الجامع دكاكين ومخازن من جهة باب الفتوح (٢). وأدركت سوق الشّمّاعين من الجانبين معمور الحوانيت بالشّموع الموكبية والفانوسية والطّوّافات، لا تزال حوانيته مفتحة إلى نصف اللّيل. وكان يجلس به في اللّيل بغايا يقال لهن «زعيرات الشّمّاعين» (٣) لهن سيما يعرفن بها وزيّ يتميّزن به، وهو لبس الملاءات الطّرح وفي
следующие страницы →