← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

السالك طالبا السّبع سقايات بالقرب من كنيسة الحمراء. وكان بعضه بستانا يعرف ببستان المحلّي، وهو الذي في غربيّ الخليج (١). وكان بستان جنان الحارة بجوار بركة قارون، وينتهي إلى حوض الدّمياطي الموجود الآن على يمنة من سلك من خطّ السّبع سقايات إلى قنطرة السّدّ. فاستولى عليه الأمير آقبغا عبد الواحد - أستادّار الملك النّاصر محمد بن قلاوون - وأذن للنّاس في تحكيره. فحكر وبني فيه عدّة مساكن، وإلى يومنا هذا يجبى حكره ويصرف في مصارف المدرسة الآقبغاوية المجاورة للجامع الأزهر بالقاهرة (٢). وأوّل من عمّر في حكر آقبغا هذا أستادّار الأمير جنكلي (¬a) بن البابا (٣)، فتبعه النّاس. وفي موضع هذا الحكر كانت كنيسة الحمراء التي هدمها العامّة في أيام الملك النّاصر محمد بن قلاوون، كما ذكر عند ذكر الكنائس من هذا الكتاب (٤)، وهي اليوم زاوية تعرف بزاوية الشّيخ يوسف العجمي، وقد ذكرت في الزّوايا أيضا. وهذا الحكر لمّا بنى النّاس فيه عرف بالأرد (¬b) ولكثرة من سكن فيه من التّتر والوافديّة من أصحاب الأمير جنكلي (¬a) بن البابا. وعمّر تجاه هذا الحكر الأمير جنكلي (¬a) حمّامين هما هنالك إلى اليوم، وانتشأ بعمارة هذا الحكر بظاهره سوق وجامع، وعمّر ما على البركة أيضا، واتّصلت العمارة منه في الجانبين إلى مدينة مصر. واتّصلت به عمائر أيضا ظاهر القاهرة، بعد ما كان موضع هذا الحكر مخوفا يقطع فيه الزّعّار الطّريق على المارّة من القاهرة إلى مصر، وكان والي مصر يحتاج إلى أن يركز جماعة من أعوانه بهذا المكان لحفظ من يمرّ من المفسدين. فصار لما حكر كأنّه مدينة كبيرة، وهو إلى الآن عامر، وأكثر من يسكنه الأمراء والأجناد. وهذا الحكر كان يعرف قديما بالحمراء الدّنيا - وقد ذكر خبر الحمراوات الثّلاث عند ذكر خطط مدينة فسطاط مصر من هذا الكتاب (٥) - وفي هذا الحكر أيضا كانت قنطرة عبد العزيز ابن

стр. 1997

مروان التي بناها على الخليج ليتوصّل منها إلى جنان الزّهري، وبعض هذا الحكر ممّا انحسر عنه النّيل، وهي القطعة التي تلي قنطرة السّد. حكر السّتّ حدق هذا الحكر يعرف اليوم بالمريس، وكان بساتين من بعضها بستان الخشّاب (١)، (¬a)) فحكر ونسب للدّادة السّتّ (¬a) (٢) حدق، من أجل أنّها أنشأت هناك جامعا كان موضعه منظرة السّكّرة (٣)، فبنى النّاس حوله. وأكثر من كان يسكن هناك السّودان، وبه يتّخذ المزر (٤) ومأوى أهل الفواحش والقاذورات وصار به عدّة مساكن وسوق كبير يحتاج محتسب القاهرة أن يقيم به نائبا عنه للكشف عما يباع فيه من المعايش (٥). وقد أدركنا المريس على غاية من العمارة، إلاّ أنّه قد اختلّ منذ حدثت الحوادث من سنة ستّ وثمان مائة، وبه إلى الآن بقيّة من فساد كبير. حكر السّتّ مسكة هذا الحكر بسويقة السّبّاعين بقرب حكر السّتّ حدق. عرف (¬b)) بالدّادة السّتّ (¬b) مسكة (٦)

стр. 1998

لأنّها أنشأت به جامعا (١). وهذا الحكر كان من جملة الزّهري، ثم أفرد وصار بستانا تنقّل إلى جماعة كثيرة. فلمّا عمّرت السّتّ مسكة في هذا الحكر الجامع، بنى النّاس حوله حتى صار متّصلا بالعمارة من سائر جهاته، وسكنه الأمراء والأعيان، وأنشأوا به الأسواق والحمّامات (¬a) وغير ذلك. وكانت حدق ومسكة من جواري السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون، نشأتا في داره، وصارتا قهرمانتين لبيت السّلطان يقتدى برأيهما في عمل الأعراس السّلطانية والمهمّات الجليلة التي تعمل في الأعياد والمواسم وترتيب شئون الحريم السّلطاني وتربية أولاد السّلطان. وطال عمرهما، وصار لهما من الأموال الكثيرة والسّعادات العظيمة ما يجلّ وصفه، وصنعا برّا ومعروفا كثيرا، واشتهرا وبعد صيتهما وانتشر ذكرهما (٢).

стр. 1999

حكر طقزدمر (¬a)) بجوار الخليج الكبير (¬a) هذا الحكر كان بستانا مساحته نحو الثلاثين فدّانا (١)، فاشتراه الأمير طقزدمر الحموي نائب السّلطنة بديار مصر ودمشق، وقلع أخشابه، وأذن للنّاس في البناء عليه. فحكروه، وأنشأوا به الدّور الجليلة، واتّصلت عمارة النّاس فيه بسائر العمائر من جهاته. وأنشأ أيضا الأمير طقزدمر (¬b) على الخليج قنطرة ليمرّ عليها من خطّ المسجد المعلّق إلى هذا الحكر (٢). وصار هذا الحكر مسكن الأمراء والأجناد، وبه السّوق والحمّامات والمساجد وغيرها، وهو ممّا عمّر في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون. ومات طقزدمر في ليلة الخميس مستهلّ جمادى الآخرة/ سنة ستّ وأربعين وسبع مائة (٣). أراضي (¬c) اللّوق يقال لاق الشيء لوقا، ولوّقه: ليّنه. وفي الحديث: «لا آكل إلاّ ما لوّق لي». ولواق أرض معروفة، قاله ابن سيده (٤).

стр. 2000

فكأنّ هذه الأرض لمّا انحسر عنها ماء النّيل كانت أرضا ليّنة. وإلى الآن في أراضي مصر ما إذا نزل عنها ماء النّيل، لا تحتاج إلى الحرث للينها، بل تلاق لوقا. فصواب هذا المكان أن يقال فيه: «أراضي اللّوق» بفتح اللام، إلاّ أنّ النّاس إنّما عهدناهم يقولون قديما: باب اللّوق، وأراضي باب اللّوق بضم اللام. ويجوز أن يكون من اللقّ بضم اللام وتشديد القاف. قال ابن سيده: واللّقّ كلّ أرض شيّقة مستطيلة، واللّقّ الأرض المرتفعة، ومنه كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج «لا تدع خقّا ولا لقّا إلاّ زرعته»، حكاه الهروي في «الغربيين» (١). انتهى. والخقّ - بضم الخاء المعجمة وتشديد القاف - الغدير إذا جفّ. وقيل الخقّ ما اطمأن من الأرض، واللقّ ما ارتفع منها. وأراضي اللّوق هذه كانت بساتين ومزدرعات، ولم يكن بها في القديم بناء ألبتّة، لم لمّا انحسر الماء عن منشأة الفاضل عمّر فيها كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب (٢). ويطلق اللّوق في زمننا على المكان الذي يعرف اليوم بباب اللّوق، المجاور لجامع الطّبّاخ المطلّ على بركة الشّقاف، وما يسامته إلى الخليج الذي يعرف اليوم بخليج فم الخور. وينتهي اللّوق من الجانب الغربي إلى منشأة المهراني، ومن الجانب الشرقي إلى الدّكّة بجوار المقس (¬a) (٣). وكان القاضي الفاضل قد اشترى قطعة كبيرة من أراضي اللّوق هذه من بيت المال وغيره بجمل كثيرة من المال، ووقفها على عين الأزرق (¬b) (٤) بالمدينة النّبويّة - على ساكنها أفضل الصّلاة

стр. 2001

والتّسليم - وعرفت هذه الأرض ببستان ابن قريش، وبعضها دخل في الميدان الظّاهري، وعوّض عنها أراض بأكثر من قيمتها. وكان متحصّل هذا الوقف يحمل في كلّ سنة إلى المدينة لتنظيف العين وتنظيف مجاريها. وأمّا الجانب الغربي من خليج فم الخور - المعروف اليوم بحكر ابن الأثير، وبسويقة الموفّق وموردة الملح - وساحل بولاق كلّه، فإنّه محدث عمّر بعد سنة سبع مائة كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى قريبا (١). فإنّ النّيل كان يمرّ من ساحل الحمراء بغربي الزّهري على الأراضي التي لمّا انحسر عنها عرفت بأراضي اللّوق، إلى أن ينتهي إلى ساحل المقس (٢). وكانت طاقات المناظر التي بالدّكّة تشرف على النّيل الأعظم، ولا يحول بينها وبين رؤية برّ الجيزة شيء، ويمرّ النّيل من الدّكّة إلى المقس، ويمتدّ إلى زربيّة (¬a) جامع المقس الذي هو الآن على الخليج النّاصري. فلمّا انحسر ماء النّيل عن أراضي اللّوق، اتّصلت بالمقس، وصارت عدّة أماكن تعرف بظّاهر اللّوق، وهي: بستان ابن ثعلب، ومنشأة ابن ثعلب، وباب اللّوق، وحكر قردميّة، وحكر كريم الدّين، ورحبة التّبن، وبستان السّعيدي، وبركة قرموط، وخور الصّعبي. وصار بين اللّوق وبين منشأة المهراني، التي هي بأوّل برّ الخليج الغربي، منشأة الفاضل، والمنشأة المستجدّة، وحكر الخليلي، وحكر السّنباط (¬b) - ويعرف بحكر بستان القاصد - وحكر كريم الدّين الصّغير، وحكر المطوّع، وحكر العين الزّرقاء. وفي غربيّ هذه المواضع على شاطئ النّيل زربيّة (¬a) قوصون (٣)، وموردة البلاط، وموردة الجبس، وخطّ الجامع الطّيبرسي، وزربيّة (¬a) السّلطان، وربع بكتمر. وأوّل ما بنيت الدّور للسّكنى (¬c) في اللّوق أيّام الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري. وذلك أنّه جهّز كشّافة من خواصّه، مع الأمير جمال الدّين الرّومي السّلاحدار والأمير علاء الدّين آق سنقر النّاصري، لتعرف أخبار هولاكو، ومعهم عدّة

стр. 2002

من العربان. فوجدوا طائفة من التّتر مستأمنين وقد عزموا على قصد السّلطان بمصر. وذلك أنّ الملك بركة خان ملك التّتر كان قد بعثهم نجدة لهولاكو، فلمّا وقع بينهما كتب إليهم بركة يأمرهم بمفارقة هولاكو والمصير إليه، فإن تعذّر عليهم ذلك صاروا إلى عسكر مصر، فإنّه كان قد ركن إلى الملك الظّاهر، وتردّدت القصّاد بينهم بعد واقعة بغداد ورحيل هولاكو عن حلب، فاختلف هولاكو مع ابن عمّه بركة خان وتواقعا، فقتل ولد هولاكو في المصافّ، وانهزم عسكره، وفرّ إلى قلعة في بحيرة أذربيجان. فلمّا وردت الأخبار بذلك إلى مصر، كتب السّلطان إلى نوّاب الشّام بإكرامهم وتجهيز الإقامات لهم، وبعث إليهم بالخلع والإنعامات فوصلوا إلى ظاهر القاهرة - وهم نيّف على مائتي فارس بنسائهم وأولادهم - في يوم الخميس رابع عشرين ذي الحجّة سنة ستين وستّ مائة. فخرج السّلطان يوم السبت سادس عشرينه إلى لقائهم بنفسه ومعه العساكر، فلم يبق أحد حتى خرج لمشاهدتهم، فاجتمع عالم عظيم تبهر رؤيتهم العقول، وكان يوما مشهودا. فأنزلهم السّلطان في دور كان قد أمر بعمارتها من أجلهم في أراضي اللّوق، وعمل لهم دعوة عظيمة هناك، وحمل إليهم الخلع والخيول والأموال. وركب السّلطان إلى الميدان، وأركبهم معه للعب الأكرة، وأعطى كبراءهم أمريات: فمنهم من عمله أمير مائة، ومنهم دون ذلك، ونزل بقيتهم من جملة البحريّة، وصار كلّ منهم من سعة الحال كالأمير في خدمته الأجناد والغلمان وأفرد لهم عدّة جهات برسم مرتّبهم، وكثرت نعمهم، وتظاهروا بدين الإسلام. فلمّا/ بلغ التّتار ما فعله السّلطان مع هؤلاء، وفد عليه منهم جماعة بعد جماعة، وهو يقابلهم بمزيد الإحسان. فتكاثروا بديار مصر، وتزايدت العمائر في اللّوق وما حوله، وصار هناك عدّة أحكار عامرة آهلة، إلى أن خربت شيئا بعد شيء وصارت كيمانا، وفيها ما هو عامر إلى يومنا هذا. ولمّا قدمت رسل القان بركة في سنة إحدى وستين وستّ مائة (¬a)، أنزلهم السّلطان الملك الظّاهر باللّوق، وعمل لهم فيه مهمّا، وصار يركب في كلّ سبت وثلاثاء للعب الأكرة باللّوق في الميدان (١).

стр. 2003

وفي سادس ذي الحجة من سنة إحدى وستين، قدم من المغل والبهادرية زيادة على ألف وثلاث مائة فارس، فأنزلوا في مساكن عمّرت لهم باللّوق بأهاليهم وأولادهم. وفي شهر رجب سنة إحدى وستين وستّ مائة (¬a) قدمت رسل الملك بركة ورسل الأشكري، فعملت لهم دعوة عظيمة باللّوق. فأمّا بستان ابن ثعلب فإنّه كان بستانا عظيم القدر مساحته خمسة وسبعون فدّانا، فيه سائر الفواكه بأسرها، وجميع ما يزدرع من الأشجار والنّخل والكروم والنّرجس والهليون والورد والنّسرين والياسمين والخوخ والكمّثرى والنّارنج واللّيمون التّفّاحي واللّيمون المراكبي (¬b) والمختّن والجمّيز والقراصيا والرّمّان والزّيتون والتّوت الشّامي والمصري والمرسين والتامرحنّا والبان وغير ذلك، وبه الآبار المعينة، وله الهماليات، وفيه منظرة عظيمة وعدّة دور. ومن حقوق هذا البستان الأرض التي تعرف اليوم ببركة قرموط، والأرض التي تعرف اليوم بالخور قبالة الأرض المعروفة بالبيضاء بجوار بستان السّرّاج، وبستان الزّهري، وبستان البورجي فيما بين هذه البساتين وبين خليج الذّكر (¬c) والمقس.

стр. 2004

وكان على بستان ابن ثعلب سور مبني وله باب جليل، وحدّه القبلي إلى منشأة ابن ثعلب، وحدّه البحري إلى الأرض المجاورة للميدان السّلطاني الصّالحي (١) وإلى أرض الجزائر، وفي هذا الحدّ أرض الخور وهي من حقوقه. وحدّه الشّرقي إلى بستان الدّكّة وبستان الأمير قراقوش. وحدّه الغربي إلى الطّريق المسلوك فيها إلى موردة السّقّائين قبالة بستان السّرّاج؛ وموردة السّقّائين هذه موضع قنطرة الخرق الآن (٢). وابن ثعلب هذا هو الشّريف الأمير الكبير فخر الدّين إسماعيل بن ثعلب الجعفري الزّينبي، أحد أمراء مصر في أيّام الملك العادل سيف الدّين أبي بكر بن أيّوب وغيره، وصاحب المدرسة الشّريفيّة بجوار درب كركامة على رأس حارة الجوذريّة من القاهرة (٣). وانتقل من بعده إلى ابنه الأمير حصن الدّين ثعلب، فاشتراه منه الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب بن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب بن شاذي، بثلاثة آلاف دينار مصرية، في شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وستّ مائة. وكان باب هذا البستان في الموضع الذي يقال له اليوم باب اللّوق. وكان هذا البستان ينتهي إلى خليج الخور، وآخره من المشرق ينتهي إلى الدّكّة بجوار المقس. ثم انقسم بعد ذلك قطعا، وحكرت أكثر أرضه وبنى النّاس عليها الدّور وغيرها. وبقيت منه إلى الآن قطعة عرفت ببستان الأمير أرغون النّائب بديار مصر أيّام الملك النّاصر، ثم عرف بعد ذلك ببستان ابن غراب. وهو الآن على شاطئ الخليج النّاصري، على يمنة من سلك من قنطرة قدادار بشاطئ الخلية من جانبه الشّرقي إلى بركة قرموط، وبقيت من بستان ابن ثعلب قطعة تعرف ببستان بنت الأمير بيبرس إلى الآن، وهو وقف. ومن جملة بستان ابن ثعلب أيضا الموضع الذي يعرف ببركة قرموط، والموضع المعروف بفم الخور. وأمّا منشأة ابن ثعلب فإنّها بالقرب من باب اللّوق، وحكرت في أيّام الشّريف فخر الدّين بن ثعلب المذكور فعرفت به، وهى تعرف اليوم بمنشأة الجوّانيّة لأنّ جوّانيّة الغنم كانوا يسكنون فيها فعرفت بهم. وأدركتها

стр. 2005

في غاية العمارة بالنّاس والمساكن والحوانيت وغيرها، وقد اختلّت بعد سنة ستّ وثمان مائة، وأكثرها الآن زرائب للبقر (١). وأمّا باب اللّوق فإنّه كان هناك، إلى ما بعد سنة أربعين وسبع مائة بمدّة، باب كبير عليه طوارق حربية مدهونة، على ما كانت العادة في أبواب القاهرة وأبواب القلعة وأبواب بيوت الأمراء، (¬a)) وأدركنا عمل ذلك ولكنّه بطل من الأيّام الظّاهريّة برقوق (¬a)، وكان يقال له «باب اللّوق». فلمّا أنشأ القاضي صلاح الدّين (¬b) ابن المغربي قيساريته التي بباب اللّوق، وجعلها لبيع غزل الكتّان، هدم هذا الباب وجعله في الرّكن من جدار القيسارية القبلي ممّا يلي الغربي (٢). وهذا هو باب الميدان الذي أنشأه الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب بن الكامل لمّا اشترى بستان ابن ثعلب. وقد ذكر خبر هذا الميدان عند ذكر الميادين من هذا الكتاب (٣). وأمّا حكر قردميّة فإنّه على يمنة من سلك من باب اللّوق المذكور إلى قنطرة قدادار، وكان من جملة بستان ابن ثعلب فحكر، وصار أخيرا بيد ورثة الأمير قوصون. وكان حكرا عامرا إلي ما بعد سنة تسع وأربعين وسبع مائة، فخرب عند وقوع الوباء الكبير بمصر، وحفرت أراضيه وأخذ طينها، فصارت بركة ماء عليها كيمان خلف الدّور التي على الشّارع المسلوك فيه إلى قنطرة قدادار (٤). وأمّا حكر كريم الدّين فإنّه على يسرة من سلك من باب اللّوّق إلى رحبة التّبن وإلى الدّكّة،/ وكان يعرف

стр. 2006

قبل كريم الدّين بحكر الصّهيوني. وهذا الحكر الآن آيل إلى الدّثور (١). وأمّا رحبة التّبن فإنّها في بحري منشأة الجوّانيّة، شارعة في الطّريق العظمى التي يسلك فيها إلى قنطرة الدّكّة من رحبة باب اللّوق. عرفت بذلك لأنّه كانت الأحمال (¬a) التّبن تقف بها لتباع هناك، فإنّ القاهرة كانت توقّر من مرور أحمال التّبن والحطب ونحوهما بها. ثم اختطّت من جملة ما اختطّ في غربي الخليج، وصار بها عدّة مساكن وسوق كبير، وقد أدركته غاصّا بالعمارة، وإنّما اختلّ حال هذا الخطّ من سنة ستّ وثمان مائة (٢). وأمّا بستان السّعيدي فإنّه يشرف على الخليج النّاصريّ في هذا الوقت، وأدركنا ما حوله عامرا. وقد خربت الدّور التي كانت هناك من جهة الطّريق الشّارع من باب اللّوق إلى الدّكّة، وبها بقيّة آيلة إلى الدّثور (٣). وأمّا بركة قرموط فإنّها من حقوق بستان الشّريف (¬b) ابن ثعلب. ولمّا حفر الملك النّاصر محمد بن قلاوون الخليج النّاصريّ رمى فيها ما خرج عند حفره من الطّين، وأدركناها من أعمر بقعة في أرض مصر، وهى الآن خراب كما ذكر عند ذكر البرك من هذا الكتاب (٤). وأمّا الخور فإنّ الخور في اللّغة مصبّ الماء، وهو هنا اسم للأرض التي ما بين الخليج النّاصريّ والخليج الذي يعرف بفم الخور، وجميع هذه الأرض من جملة بستان ابن ثعلب. وكان يعرف بالخور

стр. 2007

الصّعبي؛ لأنّه كانت به مناظر تعرف ب «مناظر الصّعبي» (¬a)، تشرف على النّيل خربت الآن ولم يعرف لها أثر. وكان على شاطئ الخليج الكبير - في هذا الجانب الغربي الذي نحن في ذكره، بجوار بستان الخشّاب الذي كان يتوصّل إليه من قنطرة السّدّ، وبعضه الآن الميدان السّلطاني - بستان يعرف بالجزيرة - أعني بستان الجزيرة المعروف بالصّعبي - وكان من البساتين الجليلة. وهذا الصّعبي هو الشّيخ كريم الدّولة عبد الواحد بن محمد بن علي الصّعبيّ، مات في شهر رمضان سنة ثلاث وستّ مائة بمصر. و (¬b)) لا أدري هل هو الذي نسبت إليه هذه المناظر أو (¬b) كان له أخ يعرف بعبد العظيم بن محمد الصّعبيّ. ولمّا انحسر ماء النّيل عن الرّملة التي قيل لها منية بولاق تجاه المقس، وعمّرت هناك الدّور (١)، اتّصلت من قبليها بالخور، وأنشئ بشاطئ النّيل الذي بالخور دور تجلّ عن الوصف، وانتظمت صفّا واحدا من بولاق إلى منشأة المهراني وموردة الحلفاء، ومن موردة الحلفاء على ساحل مصر الجديد إلى دير الطّين غربي بركة الحبش، لو أحصي ما أنفق على بناء هذه الدّور لقام بخراج مصر أيّام كانت عامرة، وقد خرب معظمها من سنة ستّ وثمان مائة (٢). وقد تقدّم ذكر منشأة الفاضل (٣). وأمّا «حكر السّنباط» (¬c) و «حكر كريم الدّين الصّغير» و «حكر المطوّع» و «حكر العين الزّرقاء»، فإنّها بالقرب من الميدان الكبير السّلطاني، وقد خربت بعدما كانت عامرة بالدّور والمتنزّهات.

стр. 2008

حكر (¬a) بستان العدّة هذا المكان من جملة الأحكار التي في غربي الخليج، وهو بجوار قنطرة الخرق وبجوار حكر النّوبي، قريب من باب اللّوق (¬b) تجاه الدّور المطلّة على الخليج من شرقيه، المقابلة لباب سعادة وحارة الوزيريّة. كان بستانا جليلا، وقفه الأمير فارس المسلمين بدر بن زرّيك أخو الصّالح طلائع ابن زرّيك، صاحب جامع الصّالح خارج باب زويلة، ثم إنّه خرب فحكر، وبني عليه عدّة مساكن. وحكره يتعاطاه ورثة فارس المسلمين (١). حكر جوهر النّوبي هذا الحكر تجاه الحارة الوزيريّة من برّ الخليج الغربي في شرقي بستان العدّة، ويسلك منه إلى قنطرة أمير حسين من طريق تجاه باب جامع أمير حسين الذي تعلوه المئذنة. وما زال بستانا إلى نحو سنة ستين وستّ مائة، فحكر وبني فيه الدّور في الأيّام الظّاهريّة بيبرس (٢). وعرف ب جوهر النّوبي أحد الأمراء في الأيّام الكاملية، وقد تقدّم بديار مصر تقدّما زائدا، وكان خصيّا، وهو ممّن ثار على الملك العادل أبي بكر بن الكامل وخلعه. فلمّا ملك الصّالح نجم الدّين أيّوب بن الكامل بعد أخيه العادل، قبض على جوهر في سنة ثمان وثلاثين وستّ مائة (٣).

стр. 2009

حكر خزائن السّلاح هذا الحكر كان يعرف قديما بحكر الأوسيّة (¬a) ويقال أوسية جاولي (¬a)، وهو فيما بين الدّكّة وقنطرة الموسكي. وقفه السّلطان الملك العادل أبو بكر بن أيّوب على مصالح خزائن السّلاح، هو وعدّة أماكن بمدينة مصر مع مدينة قليوب وأراضيها، في جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وستّ مائة. وظهر كتاب الوقف المذكور من الخزائن السّلطانية في جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبع مائة في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون. وقد خرب أكثر هذا الحكر وصار كيمانا (¬a) بسبب الطّواعين التي توالت بالدّيار المصرية كالطّاعون الكبير وغيره (¬a) (١). حكر تكان وهذا الحكر بجوار سويقة العجمي الفاصلة بينه وبين حكر خزائن السّلاح، وكان يعرف قديما بحكر كونج. وحدّه القبلي ينتهي إلى حكر ابن الأسد جفريل، والحدّ البحري ينتهي إلى حكر العلائي، والحدّ الشّرقي ينتهي إلى حكر البغدادية، والحدّ الغربي ينتهي إلى حكر خزائن السّلاح وسويقة العجمي. وتكان هو الأمير سيف الدّين تكان، ويقال: «تكام» بالميم عوضا عن النون (¬b). وهذا الحكر استقرّ أخيرا في أوقاف خوند أردوتكين ابنة نوكية السّلاحدار زوجة الملك الأشرف خليل بن قلاوون، على تربتها التي أنشأتها خارج باب القرافة التي تعرف اليوم بتربة السّتّ (٢). وقد خرب هذا الحكر، وبيعت أنقاضه في أعوام بضع/ وتسعين وسبع مائة، وجعل بعضه بستانا في سنة ستّ وتسعين وسبع مائة (٣).

стр. 2010

حكر ابن الأسد جفريل هذا الحكر في قبلي حكر تكان. كان بستانا (¬a)) يعرف بخواجا تاوان العجمي (¬a) فحكر، وعرف بالأمير شمس الدّين موسى ابن الأمير أسد الدّين جفريل، أحد أمراء الملك الكامل محمد ابن العادل أبي بكر بن أيّوب بمصر (١). حكر البغداديّة هذا الحكر بجوار خليج الذّكر (٢)، كان من أعظم البساتين في الدّولة الفاطميّة، فأزال الملك العزيز عثمان بن صلاح الدّين يوسف بن أيّوب أشجاره ونخله وجعله ميدانا، ثم حكر وصارت فيه عدّة مساكن. وهو الآن خراب يباب لا يأويه إلاّ البوم والرّخم. (¬a)) قال القاضي الفاضل في «متجّدات» سنة أربع وتسعين وخمس مائة: ثالث عشرينه - يعني رمضان - خرج أمر العزيز عثمان بقطع النّخل المثمر المستغلّ تحت اللّؤلؤة بالبستان المعروف بالبغدادية، وهذا البستان كان من بساتين القاهرة الموصوفة وكان منظره من المناظر المستحسنة، وكان له مستغلّ له مقدار وكان قد عني الأوّلون به لمجاورته اللّؤلؤة وإطلال جميع مناظرها عليه، وجعل هذا البستان ميدانا وحرث وقطع ما فيه من الأصول (¬a) (٣). حكر الفارس (¬b) خطلبا هذا الحكر حدّه القبلي إلى الخليج، وحدّه البحري إلى الكوم الفاصل بينه وبين حكر الأوسيّة المعروف بالجاولي، وحدّه الشّرقي إلى بستان الجليس الذي عرف بابن منقذ، والحدّ الغربي إلى زقاق هناك.

стр. 2011

وكان هذا الحكر بستانا اشتراه الطّواشي جمال الدّين عمر بن ناصح الدّين داود بن إسماعيل الملكي الكامليّ، في سنة ستّ عشرة وستّ مائة. ثم ابتاعه منه الطّواشيّ محيي الدّين صندل الكاملي في سنة عشرين وستّ مائة، وباعه للأمير الفارس صارم الدّين خطلبا الكاملي في سنة إحدى وعشرين وستّ مائة، فعرف به (١). وهو خطلبا بن موسى الأمير صارم الدّين الفارسي التّبنيني (¬a) الموصلي الكاملي، استقرّ في ولاية القاهرة سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة، في أيّام السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، ثم أضيفت له ولاية الفيّوم في سنة سبع وسبعين وخمس مائة، ثم صرف عنها، وسار متسلّمه إلى اليمن ليستلّمها، فتسلّمها في جمادى الأولى. وسار هو في سادس شوّال منها واليا على مدينة زبيد باليمن، ومعه خمس مائة رجل ورفيقه الأمير باخل، فبلغت النّفقة عليه عشرين ألف دينار، وكتب للطّواشيّة بنفقة عشرة دنانير لكلّ منهم على اليمن. فأقام باليمن مدّة، ثم قدم إلى القاهرة وصار من أصحاب الأمير فخر الدّين جهاركس، وتأخّر إلى أيام الملك الكامل، وصار من أمرائه بالقاهرة إلى أن مات في ثالث شعبان سنة خمس وثلاثين وستّ مائة (٢). حكر ابن منقذ (٣) هذا الحكر خارج باب القنطرة بعدوة خليج الذّكر، وكان بستانا يعرف ببستان الشّريف الجليس، ويعرف أيضا بالبطائحي، ثم عرف بالأمير سيف الدّولة مبارك بن كامل بن منقذ نائب الملك المعزّ سيف الإسلام ظهير الدّين طغتكين بن نجم الدّين أيّوب بن شاذي على مملكة اليمن. وانتقل بعد ابن منقذ إلى الشّيخ عبد المحسن بن عبد العزيز بن عليّ المخزومي، المعروف بابن الصّيرفي، فوفقه على جهات تؤول أخيرا إلى الفقراء والمساكين المقيمين بمشهد السّيّدة نفيسة، والفقراء والمساكين المعتقلين في حبوس القاهرة في سنة ثلاث وأربعين وستّ مائة. ثم أزيلت

стр. 2012

أنشاب هذا البستان وحكرت أرضه، وبنيت الدّور والمساكن عليها. وهو الآن خراب (١). حكر فارس المسلمين بدر بن زرّيك هذا الحكر تجاه منظرة اللّؤلؤة (٢). كان من جملة البركة المعروفة ببطن البقرة، ثم حكر وبني فيه، وأكثره الآن خراب. حكر شمس الخواصّ مسرور هذا الحكر فيما بين خليج الذّكر وحكر ابن منقذ. كان بستانا لشمس الخواصّ مسرور الطّواشي، أحد الخدّام الصّالحيّة، مات في نصف شوّال سنة سبع وأربعين وستّ مائة بالقاهرة. ثم حكر وبني فيه الدّور، وموضعه الآن كيمان (٣). حكر العلائي هذا الحكر يجاور حكر تكان من بحريّه، وكان بستانا جليل القدر ثم حكر، وصار بعضه وقف تذكار بي (٤) خاتون ابنة الملك الظّاهر بيبرس، وقفته في سنة أربع وثلاثين وسبع مائة على نفسها، ثم من بعدها على الرّباط الذي أنشأته داخل الدّرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس - وهو الرّباط المعروف برواق البغدادية (٥) - وعلى المسجد الذي بحكر سيف الإسلام خارج باب زويلة، وعلى تربتها التي بجوار جامع ابن عبد الظّاهر بالقرافة. وصار بعض هذا الحكر في وقف الأمير سيف الدّين بهادر العلائي متولّى البهنسا، وكان وقفه في سنة إحدى وأربعين وسبع مائة، فعرف بالحكر العلائي المذكور. وأدركت هذا الحكر وهو من أعمر الأحكار وفيه درب الأمير عزّ الدّين أيدمر الزّرّاق (٦)، أمير جاندار ووالي القاهرة، وداره العظيمة ومساكنه الكثيرة. فلمّا حدثت المحن منذ سنة ستّ وثمان

стр. 2013

مائة خرب هذا الحكر، وأخذت انقاضه، وبقيت دار الزّرّاق إلى سنة سبع عشرة وثمان مائة، فشرع في الهدم فيها لأجل أنقاضها الجليلة (١). حكر الحريري هذا الحكر بجوار الحكر العلائي المذكور من حدّه البحري، وهو من جملة الأرض المعروفة بالأرض البيضاء، وكان بستانا ثم حكر وصار في وقف خزائن السّلاح. وأدركناه عامرا، وفيه سوق يعرف بالسّويقة البيضاء كانت بها عدّة حوانيت وقد خرب هذا الحكر. وهذا الحريري هو الصّاحب محيي الدّين (¬a) (٢). الحكر المعروف بالأرض البيضاء (¬b) إسطبل المسّاح (¬c) عرف بالأمير شمس الدّين سنقر المسّاح، أحد الأمراء الظّاهريّة بيبرس، قبض عليه في عدّة من الأمراء في ذي الحجّة سنة تسع وستين وستّ مائة. الدّكّة هذا المكان كان بستانا من أعظم بساتين القاهرة، فيما بين أراضي اللّوق والمقس،/ وبه منظرة للخلفاء الفاطميين تشرف طاقاتها على بحر النّيل الأعظم، ولا يحول بينها وبين برّ الجيزة شيء. فلمّا زالت الدّولة الفاطميّة تلاشى أمر هذا البستان وخرب، فحكر موضعه وبنى النّاس فيه، فصار

стр. 2014

خطّة كبيرة كأنّه بلد جليل، وصار به سوق عظيم، وسكنه الكتّاب وغيرهم من النّاس، وأدركته عامرا. ثم إنّه خرب منذ سنة ستّ وثمان مائة، وبه الآن بقيّة عمّا قليل تدثر كما دثر ما هنالك وصار كيمانا. ذكر المقس وفيه الكلام على المكس وكيف كان أصله في أوّل الإسلام اعلم أنّ المقس قديم (١)، وكان في الجاهليّة قرية تعرف بأمّ دنين، وهى الآن محلّة بظاهر القاهرة في برّ الخليج الغربي. وكان عند وضع القاهرة هو ساحل النّيل، وبه أنشأ الإمام المعزّ لدين اللّه أبو تميم معدّ الصّناعة التي ذكرت عند ذكر الصّناعات من هذا الكتاب، وبه أيضا أنشأ الإمام الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور جامع المقس الذي تسمّيه عامّة أهل مصر في زمننا بجامع المقسي (٢)، وهو الآن يطلّ على الخليج النّاصري (٣). قال أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم في كتاب «فتوح مصر» وقد ذكر مسير عمرو بن العاص ﵁ إلى فتح مصر: فتقدّم عمرو بن العاص ﵁ لا يدافع إلاّ بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس، فقاتلوه بها نحوا من شهر حتى فتح اللّه عليه. ثم مضى لا يدافع إلاّ بالأمر الخفيف حتى أتى أمّ دنين، فقاتلوه بها قتالا شديدا، وأبطأ عليه الفتح فكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب - رضي اللّه تعالى عنه - يستمدّه، فأمدّه بأربعة آلاف تمام ثمانية آلاف، فقاتلهم … ، وذكر تمام الخبر (٤).

стр. 2015

وقال القاضي أبو عبد اللّه القضاعيّ: المقس كانت ضيعة تعرف بأمّ دنين، وإنّما سمّيت المقس لأنّ العاشر كان يقعد (¬a) بها وصاحب المكس؛ فقيل المكس فقلب فقيل المقس (١). قال كاتبه (¬b): الماكس هو العشّار، وأصل المكس في اللغة الجباية. قال ابن سيده في كتاب «المحكم»: المكس الجباية، مكسه يمكسه مكسا. والمكس دراهم كانت تؤخذ من بائع السّلع في الأسواق في الجاهليّة، ويقال للعشّار صاحب مكس، والمكس انتقاض الثّمن في البياعة. قال الشّاعر: [الطويل] أفي كلّ أسواق العراق إتاوة … وفي كلّ ما باع امرؤ مكس درهم ألا ينتهي عنّا رجال وتتّقي … محارمنا لا يدرأ الدّم بالدّم الإتاوة الخراج، ومكس درهم أي نقص درهم في بيع ونحوه. قال: وعشر القوم يعشرهم عشرا وعشورا، وعشرهم أخذ عشر أموالهم، وعشر المال نفسه وعشّره كذلك، والعشّار قابض العشر، ومنه قول عيسى بن عمرو لابن هبيرة وهو يضرب بين يديه بالسّياط: تاللّه إن كانت إلاّ ثيابا في أسفاط قبضها عشّاروك (٢). وقال الجاحظ: ترك النّاس ممّا كان مستعملا في الجاهليّة أمورا كثيرة؛ فمن ذلك تسميتهم للإتاوة بالخراج، وتسميتهم لما يأخذه السّلطان من الحلوان والمكس بالرّشوة. وقال الخارجيّ: أفي كلّ أسواق العراق إتاوة … البيت. وكما قال العبدي في الجارود: [الطويل] أكابن المعلّى خلتنا أم حسبتنا … صواريّ نعطي الماكسين مكوسا الصّواريّ الملاّحون، والمكس ما يأخذه العشّار. انتهى.

стр. 2016

ويقال إنّ قوم شعيب ﵇ كانوا مكّاسين لا يدعون شيئا إلاّ مكسوه، ومنه قيل للمكس البخس، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَبْخَسُوا اَلنّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ [الآية ٨٥ من سورة الأعراف]. وذكر أحمد بن يحيى البلاذري، عن سفيان الثّوري، عن إبراهيم بن مهاجر، قال: سمعت زياد بن حدير (¬a) يقول: «أنا أوّل من عشّر في الإسلام». وعن سفيان، عن عبد اللّه بن خالد، عن عبد الرّحمن بن معقل، قال: سألت زياد بن حدير (¬a) من كنتم تعشرون؟ فقال: ما كنّا نعشر مسلما ولا معاهدا، بل كنا نعشر تجّار أهل الحرب كما كانوا يعشرونا إذا أتيناهم (١). وقال عبد الملك بن حبيب السّلمي (٢) في كتاب «سيرة الإمام العدل في مال اللّه»، عن السّائب ابن يزيد أنّه قال: كنت على سوق المدينة في زمن عمر بن الخطّاب ﵁ فكنّا نأخذ من القبط العشر. وقال ابن شهاب: كان ذلك يؤخذ منهم في الجاهليّة، فألزمهم ذلك عمر ابن الخطّاب. وعن عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب ﵄ قال: إنّ عمر بن الخطّاب ﵁ كان يأخذ بالمدينة من القبط من الحنطة والزّبيب نصف العشر، يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة من الحنطة والزّبيب، وكان يأخذ من القطينة العشر. وقال مالك ﵀: والسّنّة أنّ ما أقام الذّمّة في بلادهم التي صالحوا عليها فليس عليهم فيها إلاّ الجزية؛ إلاّ أن يتّجروا في بلاد المسلمين ويختلفوا فيها، فيؤخذ منهم العشر فيما يديرون من التّجارة. وإن اختلفوا في العام الواحد مرارا إلى بلاد المسلمين، فعليهم كلّما اختلفوا العشر. وإذا اتّجر الذّمّيّ في بلاده من أعلاها إلى أسفلها، ولم يخرج منها إلى غيرها، فليس عليه شيء،

стр. 2017

مثل أن يتّجر الذّمّي الشّامي في جميع الشّام،/ أو الذّمّي المصري في جميع مصر، أو الذّمّي العراقي في جميع العراق. وليس العمل عندنا على قول عمر بن عبد العزيز لزريق بن حيّان: «واكتب لهم بما يؤخذ منهم كتابا إلى مثله من الحول، ومن مرّ بك من أهل الذّمّة فخذ ممّا يديرون من التّجارات من كلّ عشرين دينارا دينارا، فما نقص فبحساب ذلك حتى تبلغ عشرة دنانير، فإن نقص منها ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئا». والعمل على أن يؤخذ منهم العشر، وإن خرجوا في السّنة مرارا من كلّ ما اتّجروا به قلّ أو كثر. وهذا قول ربيعة وابن هرمز. وقال القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الحضرمي (١)، أحد أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵁ في كتاب «الرّسالة» إلى أمير المؤمنين هارون الرّشيد، وهو كتاب جليل القدر: حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، قال: سمعت أبي يذكر، قال: سمعت زياد بن حدير (¬a)، قال: أوّل من بعث عمر بن الخطّاب ﵁ منّا على العشور أنا، فأمرني ألاّ أفتّش أحدا، وما مرّ عليّ من شيء أخذت من حساب أربعين درهما، درهما من المسلمين، وأخذت من أهل الذّمّة من عشرين واحدا، وممّن لا ذمّة له العشر، وأمرني أن أغلظ على نصارى بني تغلب، قال: إنّهم قوم من العرب وليسوا من أهل الكتاب، فلعلّهم يسلمون. قال: وكان عمر ﵁ قد اشترط على نصارى بني تغلب ألا ينصّروا أولادهم (٢). وحدّثنا أبو حنيفة عن الهيثم، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁ قال: بعثني عمر بن الخطّاب ﵁ على العشور، وكتب لي عهدا أن آخذ من المسلمين ممّا اختلفوا به لتجاراتهم ربع العشر، ومن أهل الذّمّة نصف العشر، ومن أهل الحرب العشر.

стр. 2018

وحدّثنا عاصم بن سليمان الأحول عن الحسن، قال: كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطّاب ﵄: «إنّ تجّارا من قبلنا من المسلمين يأتون أهل الحرب فيأخذون منهم العشر». فكتب إليه عمر ﵁: «فخذ أنت منهم كما يأخذون من تجّار المسلمين، وخذ من أهل الذّمّة نصف العشر، ومن المسلمين من كلّ أربعين درهما درهما، وليس فيما دون المائتين شيء، فإذا كانت مائتين ففيها خمسة دراهم، فما زاد فبحساب». وحدّثنا عبد الملك بن جريج، عن عمرو بن شعيب، قال: إنّ أهل منبج - قوما من أهل الشّرك وراء البحر - كتبوا إلى عمر بن الخطّاب ﵁: «دعنا ندخل أرضك تجّارا وتعشرنا». قال: فشاور عمر أصحاب النّبيّ ﷺ ، فأشاروا عليه به. فكانوا أوّل من عشّره من أهل الحرب. وحدّثنا السّدّي بن إسماعيل، عن عامر الشّعبي، عن زياد بن حدير (¬a) الأسدي، قال: إنّ عمر بن الخطّاب ﵁ بعثه على عشور العراق والشّام، وأمره أن يأخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذّمّة نصف العشر، ومن أهل الحرب العشر. فمرّ عليه رجل من بني تغلب من نصارى العرب، ومعه فرس، فقوّمها بعشرين ألفا، فقال: أمسك الفرس وأعطني ألفا، أو خذ منّي تسعة عشر ألفا وأعطني الفرس، قال: فأعطاه ألفا وأمسك الفرس. قال: ثم مرّ عليه راجعا في سنته، فقال: أعطني ألفا أخرى. فقال له التّغلبي: كلّما مررت بك تأخذ منّي ألفا؟! قال: نعم. فرجع التّغلبي إلى عمر بن الخطّاب ﵁ فوافاه بمكّة وهو في بيت له، فاستأذن عليه، فقال: من أنت؟ فقال: أنا رجل من نصارى العرب. وقصّ عليه قصّته. فقال له عمر ﵁: كفيت. ولم يزده على ذلك. قال: فرجع الرّجل إلى زياد بن حدير (¬a)، وقد وطّن نفسه على أن يعطيه ألفا، فوجد كتاب عمر ﵁ قد سبق إليه: «من مرّ عليك فأخذت منه صدقة، فلا تأخذ منه شيئا إلى مثل ذلك اليوم من قابل، إلاّ أن تجد فضلا» (١).

стр. 2019

قال: فقال الرّجل: قد واللّه كانت نفسي طيّبة أن أعطيك ألفا، وإنّي أشهد اللّه تعالى أنّي بريء من النّصرانية، وأنّي على دين الرّجل الذي كتب إليك هذا الكتاب. وحدّثني يحيى بن سعيد، عن زريق بن حيّان - وكان على مكس مصر - فذكر أنّ عمر بن عبد العزيز كتب إليه: «أن انظر من مرّ عليك من المسلمين فخذ ممّا ظهر من أموالهم وما ظهر لك من التّجارات، من كلّ أربعين دينارا دينارا، فما نقص فبحسابه حتى تبلغ عشرين دينارا، فإن نقصت فدعها ولا تأخذ منها. وإذا مرّ عليك أهل الذّمّة فخذ ممّا يديرون من تجاراتهم من كلّ عشرين دينارا دينارا، فما نقص فبحساب ذلك حتى تبلغ عشرة دنانير، ثم دعها لا تأخذ منها شيئا، واكتب لهم كتابا بما تأخذ منهم إلى مثلها من الحول». وحدّثني أبو حنيفة، عن حمّاد عن إبراهيم، أنّه قال: إذا مرّ أهل الذّمّة بالخمر للتّجارة أخذ من قيمتها نصف العشر، ولا يقبل قول الذّمّي في قيمتها حتى يؤتى برجلين من أهل الذّمّة يقوّمانها عليه، فيؤخذ نصف العشر من الذّمّي. وحدّثنا قيس بن الرّبيع، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصمّ، عن عبد اللّه بن الزّبير ﵄ أنّه قال: إنّ هذه المعاصر والقناطر سحت لا يحل أخذها. فبعث عمّالا إلى اليمن، ونهاهم أن يأخذوا من عاصر أو قنطرة أو طريق شيئا. فقدموا، فاستقلّ المال، فقالوا: نهيتنا. فقال: خذوا كما كنتم تأخذون. وحدّثنا محمد بن عبيد اللّه، عن أنس بن سيرين، قال: أرادوا أن يستعملوني/ على عشور الأبلّة فأبيت، فلقيني أنس بن مالك ﵁ فقال: ما يمنعك؟ قلت: العشور أخبث ما عمل عليه النّاس. قال: فقال لي: لم لا تفعل ما عمر بن الخطّاب صنعه: فجعل على أهل الإسلام ربع العشر، وعلى أهل الذّمّة نصف العشر، وعلى أهل المنزل ممّن ليس له ذمّة العشر؟ وقال أبو الحسن المسعودي: إنّ كيقباذ، أحد ملوك الفرس، أوّل من أخذ العشر من الأرض، وعمّر بابل ومملكة الفرس، ورأيت في التّوراة التي في يد اليهود أنّ أوّل من أخرج العشر من مواشيه وزروعه وجميع ماله خليل اللّه إبراهيم ﵇ وكان يدفع ذلك إلى ملك أورشليم التي هى أرض القدس واسمه ملكي صادق.

стр. 2020

فلمّا مات الخليل إبراهيم - صلوات اللّه عليه وسلامه - اقتدى به بنوه في ذلك من بعده، وصاروا يدفعون العشر من أموالهم؛ إلى أن بعث اللّه تعالى موسى ﵇ فأوجب على بني إسرائيل إخراج العشر في كلّ ما ملكت أيمانهم من جميع أموالهم بأنواعها، وجعل ذلك حقّا لسبط لاوى الذين هم قرابة موسى ﵇ (١). وقال ابن يونس في «تاريخ مصر»: كان ربيعة بن شرحبيل بن حسنة ﵁ أحد من شهد فتح مصر من أصحاب رسول اللّه ﷺ ، واليا لعمرو بن العاص ﵁ على المكس. وكان زريق بن حيّان على مكس أيلة في خلافه عمر بن عبد العزيز ﵁ (٢). قال كاتبه (¬a): ومع ذلك فقد كان أهل الورع من السّلف يكرهون هذا العمل. روى ابن قتيبة في كتاب «الغريب» أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لعن اللّه سهيلا، كان عشّارا باليمن، فمسخه اللّه شهابا». وروى ابن لهيعة، عن عبد الرّحمن بن ميمون، عن أبي إبراهيم المعافري، عن خالد بن ثابت، أنّ كعبا أوصاه، وتقدّم إليه حين مخرجه مع عمرو بن العاص ألاّ يقرب المكس. فهذا - أعزّك اللّه - معنى المكس عند أهل الإسلام. لا ما أحدثه الظّالم هبة اللّه بن صاعد الفائزي، وزير الملك المعزّ أيبك التركماني - أوّل من أقام من ملوك التّرك بقلعة الجبل - من المظالم التي سمّاها «الحقوق السّلطانيّة والمعاملات الدّيوانية»، وتعرف اليوم ب «المكوس» (٣). فذلك الرّجس النّجس الذي هو أقبح المعاصي والذّنوب الموبقات، لكثرة مطالبات النّاس له وظلاماتهم عنده، وتكرّر ذلك منه، وانتهاكه للنّاس، وأخذ أموالهم بغير حقّها، وصرفها في غير وجهها. وذلك الذي لا يقرّ به متّق، وعلى آخذه لعنة اللّه والملائكة والنّاس أجمعين.

стр. 2021

ولنرجع إلى الكلام في المقس فنقول: من النّاس من يسمّيه المقسم - بالميم بعد السين - قال ابن عبد الظّاهر في كتاب «خطط القاهرة»: وسمعت من يقول إنّه المقسم، قيل لأنّ قسمة الغنائم عند الفتوح كانت به (١)، ولم أره مسطورا. وقال العماد محمد أبي الفرج محمّد بن حامد الكاتب الأصفهاني في كتاب «سنا البرق الشّامي» (٢): وجلس الملك الكامل محمد بن السّلطان الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، في البرج الذي بجوار جامع المقسم [كذا]، في السابع والعشرين من شوّال سنة ستّ وتسعين وخمس مائة. وهذا المقسم على شاطئ النّيل يزار، وهناك مسجد يتبرّك به الأبرار، وهو المكان الذي قسّمت فيه الغنائم عند استيلاء الصّحابة ﵃ على مصر. فلمّا أمر السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب بإدارة السّور على مصر والقاهرة، تولّى ذلك الأمير بهاء الدّين قراقوش، وجعل نهايته التي تلي القاهرة عند المقسم، وبنى فيه برجا مشرفا على النّيل، وبنى مسجدا جامعا، واتّصلت العمارة منه إلى البلد، وجامعه تقام فيه الجمعة والجماعات. وهذا البرج عرف بقلعة قراقوش، وما برح هناك إلى أن هدمه الصّاحب الوزير شمس الدّين عبد اللّه المقسي، وزير الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون، في سنة بضع

стр. 2022

وسبعين وسبع مائة عندما جدّد جامع المقس الذي أنشأه الخليفة الحاكم بأمر اللّه، فصار يعرف بجامع المقسي هذا إلى اليوم. وما برح جامع المقس هذا يشرف على النّيل الأعظم إلى ما بعد سنة سبع مائة بعدّة أعوام (١). قال جامع: «السّيرة الطّولونيّة»: وركب أحمد بن طولون في غداة باردة إلى المقس، فأصاب بشاطئ النّيل صيّادا عليه خلق لا يواريه منه شيء، ومعه صبيّ له في مثل حاله، وقد ألقى شبكته في البحر. فلمّا رآه رقّ له وقال: يا نسيم ادفع إلى هذا عشرين (¬a) دينارا. فدفعها إليه ولحق ابن طولون. فسار أحمد بن طولون ولم يبعد، ورجع فوجد الصّيّاد ميّتا والصّبيّ يبكي ويصيح، فظنّ ابن طولون أنّ بعض سودانه قتله وأخذ الدّنانير منه، فوقف بنفسه عليه، وسأل الصّبيّ عن أبيه، فقال له: هذا الغلام - وأشار إلى نسيم الخادم - دفع إلى أبي شيئا، فلم يزل يقلّبه حتى وقع ميّتا. فقال: فتّشه يا نسيم. فنزل وفتّشه، فوجد الدّنانير معه بحالها، فحرّض الصّبيّ أن يأخذها. فأبى وقال: هذه قتلت أبي، وإن أخذتها قتلتني. فأحضر ابن طولون قاضي المقس وشيوخه، وأمرهم أن يشتروا للصّبي دارا بخمس مائة دينار تكون لها غلّة، وأن تحبس عليه، وكتب اسمه في أصحاب الجرايات وقال: أنا قتلت أباه لأنّ الغنى يحتاج إلى تدريج وإلاّ قتل صاحبه./ هذا كان يجب أن يدفع إليه دينار بعد دينار حتى تأتيه هذه الجملة على تفرقة فلا تكثر في عينه (٢). وقال القاضي الفاضل عبد الرّحيم البيساني ﵀ في «تعليق المتجدّدات» لسنة سبع وسبعين وخمس مائة: وفيه - يعني يوم الثلاثاء لستّ بقين من المحرّم - ركب السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، أعزّ اللّه نصره، لمشاهدة ساحل النّيل - وكان قد انحسر وتشمّر عن المقس وما يليه، وبعد عن السّور والقلعة المستجدّين بالمقس - وأحضر أرباب الخيرة، واستشارهم، فأشير عليه بإقامة الجراريف لرفع الرّمال التي قد عارضت جزائرها طريق الماء، وسدّته ووقفت فيه.

стр. 2023

وكان الأفضل بن أمير الجيوش لمّا تربّى قدّام دار الملك جزيرة رمل، كما هى اليوم، أراد أن يقرّب البحر وينقل الجزيرة، فأشير عليه بأن يبني ممّا يلي الجزيرة أنفا خارجا في البحر ليلقى التيّار وينقل الرّمل. فعسر هذا، وعظمت غرامته. فأشار عليه ابن سنيد (¬a) بأن يأخذ قصارى فخّار، تثقب ويعمل تحتها رءوس برابخ وتلطّخ بالزّفت، وتكبّ القصارى عليها وتدفن في الرّمل، فإذا زاد النّيل وركبها، نزل من خروق القصارى إلى الرّءوس فأدارها الماء، ومنعتها القصارى أن تنحدر، ودامت حركة الرّمل بتحريك الماء للرّءوس، فانتقل الرّمل. وذكر أنّ للزّفت خاصّيّة في تحويل الرّمل. قال: وفي هذا الوقت احترق النّيل، وصار البحر مخايض يقطعها الرّاجل، وتوحل فيه المراكب، وتشمّر الماء عن ساحل المقس ومصر، وربّى جزائر رملية أشفق منها على المقياس لئلا يتقلّص النّيل عنه ويحتاج إلى عمل غيره، وخشي منها أيضا على ساحل المقس لكون بنيان السّور كان اتّصل بالماء، وقد تباعد الآن عن السّور، وصار المدّ قوّته من برّ الغرب. ووقع النّظر في إقامة جراريف لقطع الجزائر التي ربّاها البحر، وعمل أنوفا خارجة في برّ الجيزة ليميل بها الماء إلى هذا الجانب، ولم يتم شيء من ذلك. وقال ابن المتوّج: في سنة خمسين وستّ مائة انتهى النّيل في إحراقه (¬b) إلى أربعة أذرع وسبعة عشر أصبعا، وانتهى في زياداته إلى ثمانية عشر ذراعا (¬c)) وسبعة عشر أصبعا (¬c)، وكان مثل ذلك في دولة الملك الأشرف خليل بن قلاوون، وكان نيلا عظيما سدّ فيه باب المقس، يعني الباب الذي يعرف اليوم بباب البحر عند المقس. وفي سنة اثنتين وستين وستّ مائة، أحضر إلى الملك الظّاهر بيبرس طفل وجد ميّتا بساحل المقس، له رأسان وأربعة أعين وأربعة أرجل وأربعة أيد. أخبرني وكيل أبي الشّيخ المعمّر حسام الدّين حسن بن عمر الشّهرزوري (¬d) ﵀ ومولده سنة اثنتين وسبع مائة بالمقس، أنّه يعرف باب البحر هذا: إذا خرج منه الإنسان فإنّه يرى برّ الجيزة لا يحول بينه وبينها حائل، فإذا زاد ماء النّيل صار الماء عند الوكالة التي هي الآن خارج باب البحر، المعروفة بوكالة الجبن، وإذا كان أيّام احتراق النّيل بقيت الرّمال تجاه باب البحر، وذلك قبل أن يحفر الملك النّاصر محمد بن قلاوون الخليج النّاصريّ. فلمّا حفر الخليج المذكور، أنشأ النّاس البساتين والدّور، كما يجيء إن شاء اللّه تعالى ذكره.

стр. 2024

وأدركنا المقس خطّة في غاية العمارة بها عدّة أسواق، ويسكنها أمم من الأكراد والأجناد والكتّاب وغيرهم. وقد تلاشت من بعد سنة سبع وسبعين وسبع مائة عند حدوث الغلاء بمصر في أيّام الملك الأشرف شعبان بن حسين. فلمّا كانت المحن منذ سنة ستّ وثمان مائة، خربت الأحكار والمقس وغيره. وفيه إلى الآن بقيّة صالحة، وبه خمسة جوامع تقام بها الجمعة وعدّة أسواق، ومعظمه خراب. ذكر ميدان القمح هذا المكان خارج باب القنطرة، يتّصل من شرقيه بعدوة الخليج، ومن غربيه بالمقس، وبعضهم يسمّيه «ميدان الغلّة». وكان موضعا للغلال أيّام كان المقس ساحل القاهرة. وكانت صبر القمح وغيره من الغلال توضع من جانب المقس إلى باب القنطرة عرضا، وتقف المراكب من جانب المقس إلى منية السّيرج طولا، ويصير عند باب القنطرة في أيّام النّيل من مراكب الغلّة وغيرها ما يستر السّاحل كلّه (١). قال ابن عبد الظّاهر: المكان المعروف بميدان الغلّة وما جاوره إلى ما وراء الخليج، لمّا ضعف أمر الخلافة وهجرت الرّسوم القديمة (¬a) من التّفرّج في اللّؤلؤة وغيرها، بنت الطائفة الفرحيّة الساكنون بالمقس - لأنّهم ضاق بهم المقس - قبالة اللّؤلؤة حارة سمّيت بحارة اللّصوص، بسبب تعدّيهم فيها مع غيرهم، إلى أن غيّروا تلك المعالم (٢). وقد كان ذلك قديما بستانا سلطانيّا يسمّى بالمقسي، أمر الظّاهر بن الحاكم بنقل أنشابه، وحفره وجعله بركة قدّام اللّؤلؤة مختلطة بالخليج. وكان للبستان المقدّم ذكره ترعة من البحر يدخل منها الماء إليه - وهو خليج الذّكر الآن (٣) - فأمر بإبقائها على حالها مسلّطة على البركة والخليج يستنقع الماء فيها. فلمّا نسي ذلك على ما

стр. 2025

ذكرناه، عمد المذكورون وغيرهم إلى اقتطاع البركة من الخليج، وجعلوا بينها وبين الخليج جسرا، وصار الماء يصل إليها من التّرعة دون الخليج، وصارت مستنزها (¬a) للسّودان المذكورين في أيّام النّيل/ والرّبيع. ولمّا كانت الأيّام الآمريّة أحبّ إعادة النّزهة، فتقدّم وزيره المأمون بن البطائحي بإحضار عرفاء السّودان المذكورين، وأنكر عليهم ذلك، فاعتذروا بكثرة الرّجال (¬b)، فأمر بنقل ذلك وأعطاهم إنعاما، فبنوا حارة بالقرب من دار كافور (١) التي أسكنت بها الطّائفة المأمونية، قبالة بستان الوزير، ومن المساجد الثّلاثة المعلّقة في شرقيها. ثم أحضر الأبقار من البساتين والعدد والآلات، ونقض الجسر الذي بين البركة والخليج، وعمّق البركة إلى أن صار الخليج مسلّطا عليها. (¬c)) قال كاتبه: هذه البركة كان يقال لها بطن البقرة، ومكانها الآن موضعه يقال لبعضه كوم الجاكي وسوق الحمام بظاهر ميدان القمح (¬c)، وقد ذكر خبرها عند ذكر البرك من هذا الكتاب (٢). (¬c)) وأخبرني وكيل أبي حسام الدّين حسن بن عمر الشّهرزوري أنّه يعرف بهذه البركة الماء قبل حفر الخليج النّاصريّ، ويعرف خليج الذّكر أيضا والماء يمرّ منه إلى هذه البركة. وأخبرني شيخ معمّر يعرف بشمس الدّين السّعودي (٣)، كان يخرج مع أبيه وهو صغير إلى هذه البركة ويخبره أبوه عن عمارتها ويريه أثار زرابي البيوت التي كانت تطلّ عليها. قال كاتبه: وأنا أدركت قطعة من خليج الذّكر وفيها القصب الفارسي نابت وليس فيها ماء. وقد صار الآن الخليج والبركة كيمان تراب موحشة، وإذا تأمّلت البقاع وجدتها تشقى كما يشقى الرّجال وتسعد (¬c). وقد صار هذا الميدان اليوم سوقا تباع فيه القشّة من النّحاس العتيق والحصر وغير ذلك، وفي بعضه سوق الغزل، وبه جامع يشرف على الخليج، وسكن هناك طائفة من المشارقة الحيّاك، وفيه سوق عامر بالمعايش (٤).

стр. 2026

ذكر أرض الطّبّالة (١) هذه الأرض، على جانب الخليج الغربي بجوار المقس، كانت من أحسن متنزّهات القاهرة؛ يمرّ النّيل الأعظم من غربيها عند ما يندفع من ساحل المقس - حيث جامع المقس الآن - إلى أن ينتهي إلى الموضع الذي يعرف بالجرف، على جانب الخليج النّاصريّ بالقرب من بركة الرّطليّ. ويمرّ من الجرف إلى غربيّ البعل، فتصير أرض الطّبّالة نقطة وسطا: من غربيها النّيل الأعطم، ومن شرقيها الخليج، ومن قبليها البركة المعروفة ببطن البقرة، والبساتين التي آخرها حيث الآن باب مصر بجوار الكبارة، وحيث المشهد النّفيسي، ومن بحريها أرض البعل ومنظرة البعل ومنظرة التّاج والخمس الوجوه وقبّة الهواء (٢). فكانت رؤية هذه الأرض شيئا عجيبا في أيام الرّبيع، وفيها يقول سيف الدّين عليّ بن قزل المشد: [الوافر] إلى طبّالة يعزون أرضا … لها من سندس الرّيحان بسط وقد كتب الشّقيق بها سطورا … وأحسن شكلها للطلّ نقط رياض كالعرائس حين تجلى … يزيّن وجهها تاج وقرط

стр. 2027

وإنّما قيل لها «أرض الطّبّالة»، لأنّ الأمير أبا الحارث أرسلان البساسيري، لمّا غاضب الخليفة القائم بأمر اللّه العبّاسي، وخرج من بغداد يريد الانتماء إلى الدّولة الفاطميّة بالقاهرة، أمدّه الخليفة المستنصر باللّه ووزيره النّاصر لدين اللّه عبد الرحمن اليازوري، حتى استولى على بغداد، وأخذ قصر الخلافة، وأزال دولة بني العبّاس منها، وأقام الدّولة الفاطميّة هناك، وسيّر عمامة القائم وثيابه وشبّاكه الذي كان إذا جلس يستند إليه، وغير ذلك من الأموال والتّحف إلى القاهرة في سنة خمسين وأربع مائة (١). فلمّا وصل ذلك إلى القاهرة، سرّ الخليفة المستنصر سرورا عظيما، وزيّنت القاهرة والقصور ومدينة مصر والجزيرة. فوقفت «نشب» (¬a) طبّالة المستنصر - وكانت امرأة مرجلة تقف تحت القصر في المواسم والأعياد، وتسير أمام (¬b) الموكب وحولها طائفتها وهى تضرب بالطّبل وتنشد - فأنشدت وهى واقفة تحت القصر: [مجزوء الرمل] يا بني العبّاس ردّوا … ملك الأمر معدّ ملككم ملك معار … والعواري تستردّ فأعجب المستنصر ذلك منها، وقال لها: تمنّي. فسألت أن تقطع الأرض المجاورة للمقس. فأقطعها هذه الأرض، وقيل لها من حينئذ «أرض الطّبّالة» (٢). ولنشب هذه تربة (¬c) بالقرافة الكبرى تعرف بتربة نشب (¬a). قال ابن عبد الظّاهر: أرض الطّبّالة منسوبة إلى امرأة مغنّيّة تعرف بنشب (¬a) - وقيل بطرب - مغنّية المستنصر، قال: فوهبها هذه الأرض المعروفة بأرض الطّبّالة، وحكرت وبنيت آدرّا وبيوتا، وكانت من ملح القاهرة وبهجتها (٣). انتهى.

стр. 2028

ثم إنّ أرض الطّبّالة خربت في سنة ستّ وتسعين وستّ مائة، عند حدوث الغلاء والوباء في سلطنة الملك العادل كتبغا (١)، حتى لم يبق فيها إنسان يلوح، وبقيت خرابا إلى ما بعد سنة إحدى عشرة وسبع مائة، فشرع النّاس في سكناها قليلا قليلا. فلمّا حفر الملك النّاصر محمد بن قلاوون الخليج النّاصريّ، في سنة خمس وعشرين وسبع مائة، كانت هذه الأرض بيد الأمير بكتمر الحاجب.، فما زال بالمهندسين حتى مرّوا بالخليج من عند الجرف على بركة الطّوّابين - التي تعرف اليوم ببركة الحاجب وببركة الرّطلي - فمرّوا به من هناك حتى صبّ في الخليج الكبير من آخر أرض الطّبّالة (٢). فعمّر الأمير بكتمر المذكور هناك القنطرة، التي تعرف بقنطرة الحاجب على الخليج النّاصريّ، وأقام جسرا من القنطرة المذكورة إلى قريب من الجرف. فصار هذا الجسر فاصلا بين بركة الحاجب والخليج النّاصريّ، وأذن للنّاس في تحكيره،/ فبنوا عليه وعلى البركة الدّور. وعمرت بسبب ذلك أرض الطّبّالة، وصار بها عدّة حارات: منها حارة العرب، وحارة الأكراد، وحارة البزادرة (¬a)، وحارة العيّاطين وغير ذلك. وبقي فيها عدّة أسواق وحمّام وجوامع تقام بها الجمعة، وأقبل النّاس على التنزّه بها أيّام النّيل والرّبيع، وكثرت الرّغبات فيها لقربها من القاهرة. وما برحت على غاية من العمارة، إلى أن حدث الغلاء في سنة سبع وسبعين وسبع مائة، أيّام الأشرف شعبان بن حسين، فخرب كثير من حارات أرض الطّبّالة، وبقيت منها بقيّة إلى أن دثرت منذ سنة ستّ وثمان مائة، وصارت كيمانا. وبقي فيها من العامر الآن الأملاك المطلّة على البركة، التي ذكرت عند ذكر البرك من هذا الكتاب (٣)، وفيها بقعة تعرف بالجنينة - تصغير جنّة - من أخبث بقاع الأرض. يعمل فيها بمعاصي اللّه وتعرف ببيع الحشيشة التي يبتلعها أراذل النّاس. وقد فشت هذه الشّجرة الخبيثة في وقتنا هذا فشوّا زائدا، وولع بها أهل الخلاعة والسّخف ولوعا كثيرا، وتظاهروا بها من غير احتشام بعدما أدركناها تعدّ من أرذل الخبائث، وأقبح

стр. 2029

القاذورات، وما شيء في الحقيقة أفسد لطباع البشر منها. ولاشتهارها في وقتنا هذا عند الخاصّ والعامّ، بمصر والشّام والعراق والرّوم، تعيّن ذكرها، واللّه تعالى أعلم. ذكر حشيشة الفقراء (١) - قال الحسن بن محمد في كتاب: «السّوانح الأدبيّة في مدائح القنّبيّة» (٢): سألت الشّيخ جعفر بن محمد الشّيرازي الحيدري ببلدة تستر، في سنة ثمان وخمسين وستّ مائة، عن السّبب في الوقوف على هذا العقار، ووصوله إلى الفقراء خاصّة، وتعدّيه إلى العوام عامّة. فذكر لي أنّ شيخه، الشيخ حيدر (¬a) ﵀ كان كثير الرّياضة والمجاهدة، قليل الاستعمال للغذاء، قد فاق في الزّهادة، وبرز في العبادة. وكان مولده بنشاور (٣) من بلاد خراسان، ومقامه بجبل بين نشاور وراماه (¬b) (٤)، وكان قد اتّخذ بهذا الجبل زاوية وفي صحبته جماعة من الفقراء، وانقطع في موضع منها، ومكث بها أكثر من عشر سنين لا يخرج منها، ولا يدخل عليه أحد غيري للقيام بخدمته. قال: ثم إنّ الشيخ طلع ذات يوم، وقد اشتدّ الحرّ وقت القائلة، منفردا بنفسه إلى الصّحراء، ثم عاد وقد علا وجهه نشاط وسرور بخلاف ما كنّا نعهده من حاله قبل، وأذن لأصحابه في الدّخول عليه، وأخذ يحادثهم. فلمّا رأينا الشّيخ على هذه الحالة من المؤانسة، بعد إقامته تلك المدّة الطّويلة في الخلوة والعزلة، سألناه عن ذلك فقال: بينما أنا في خلوتي إذ خطر ببالي الخروج إلى الصّحراء منفردا، فخرجت فوجدت كلّ شيء من النّبات ساكنا لا يتحرّك لعدم الرّيح وشدّة القيظ، ومررت بنبات له ورق، فرأيته في تلك الحال يميس بلطف، ويتحرّك من غير عنف كالثّمل النّشوان، فجعلت أقطف منه أوراقا وآكلها، فحدث عندي من الارتياح ما شاهدتموه، وقوموا بنا حتى أوقفكم عليه لتعرفوا شكله.

стр. 2030

قال: فخرجنا إلى الصّحراء، فأوقفنا على النّبات، فلمّا رأيناه قلنا: هذا نبات يعرف بالقنّب. فأمرنا أن نأخذ من ورقه ونأكله، ففعلنا. ثم عدنا إلى الزّاوية فوجدنا في قلوبنا من السّرور والفرح ما عجزنا عن كتمانه. فلمّا رآنا الشّيخ على الحالة التي وصفنا أمرنا بصيانة هذا العقار، وأخذ علينا الأيمان ألا نعلم به أحدا من عوامّ النّاس، وأوصانا ألاّ نخفيه عن الفقراء، وقال: إنّ اللّه تعالى قد خصّكم بسرّ هذا الورق، ليذهب بأكله همومكم الكثيفة، ويجلو بفعله أفكاركم الشّريفة. قراقبوه فيما أودعكم، وراعوه فيما استرعاكم. قال الشّيخ جعفر: فزرعتها بزاوية الشّيخ حيدر بعد أن وقفنا على هذا السّرّ في حياته، وأمرنا بزرعها حول ضريحه بعد وفاته. وعاش الشّيخ حيدر بعد ذلك عشر سنين وأنا في خدمته، لم أره يقطع أكلها في كلّ يوم، وكان يأمرنا بتقليل الغذاء وأكل هذه الحشيشة. وتوفّي الشيخ حيدر سنة ثمان عشرة بزاويته في الجبل، وعمل على ضريحه قبّة عظيمة، وأتته النّذور الوافرة من أهل خراسان، وعظّموا قدره وزاروا قبره، واحترموا أصحابه. وكان قد أوصى أصحابه عند وفاته أن يوقفوا ظرفاء أهل خراسان وكبراءهم على هذا العقّار وسره، فاستعملوه. قال: ولم تزل الحشيشة شائعة ذائعة في بلاد خراسان ومعاملات فارس، ولم يكن يعرف أكلها أهل العراق، حتى ورد إليها صاحب هرمز ومحمد بن محمد صاحب البحرين - وهما من ملوك سيف البحر المجاور لبلاد فارس - في أيّام الملك الإمام المستنصر باللّه (١)، وذلك في سنة ثمان وعشرين وستّ مائة، فحملها أصحابهما معهم، وأظهروا للنّاس أكلها. فاشتهرت بالعراق، ووصل خبرها إلى أهل الشّام ومصر والرّوم. فاستعملوها. قال: وفي هذه السّنة ظهرت الدّراهم ببغداد، وكان النّاس ينفقون القراضة. وقد نسب إظهار الحشيشة إلى الشّيخ حيدر الأديب محمّد بن عليّ بن الأعمى الدّمشقي في أبيات، وهى: [الطويل] دع الخمر واشرب من مدامة حيدر … معنبرة خضراء مثل الزّبرجد يعاطيكها ظبيّ من التّرك أغيد … يميس على غصن من البان أملد فتحسبها في كفّه إذ يديرها … كرقم عذار فوق خدّ مورّد

стр. 2031

يرنّحها أدنى نسيم تنسّمت … فتهفو إلى برد النّسيم المردّد وتشدو على أغصانها الورق في الضّحى … فيطربها سجع الحمام المغرّد وفيها معان ليس في الخمر مثلها … فلا تستمع فيها مقال مفنّد هى البكر لم تنكح بماء سحابة … ولا عصرت يوما برجل ولا يد ولا عبث القسّيس يوما بكأسها … ولا قرّبوا من دنّها كل ملحد (¬a) ولا نصّ في تحريمها عند مالك … ولا حدّ عند الشّافعيّ وأحمد ولا أثبت النّعمان تنجيس عينها … فخذها بحدّ المشرفي (¬b) المهنّد وكفّ أكفّ الهمّ بالكفّ واسترح … ولا تطرح يوم السّرور إلى غد وكذلك نسب إظهارها إلى الشّيخ حيدر الأديب أحمد بن محمد بن الرّسّام الحلبي فقال: [الكامل] ومهفهف بادي النّفار عهدته … لا ألتقيه قطّ غير معبّس فرأيته بعض اللّيالي ضاحكا … سهل العريكة ريّضا في المجلس فقضيت منه مآربي وشكرته … إذ صار من بعد التّنافر مؤنسي فأجابني لا تشكرنّ خلائقي … واشكر شفيعك فهو خمر المفلس فحشيشة الأفراح تشفع عندنا … للعاشقين ببسطها للأنفس وإذا هممت بصيد ظبي نافر … فاجهد بأن يرعى حشيش القنبس واشكر عصابة حيدر إذ أظهروا … لذوي الخلاعة مذهب المتخمّس ودع المعطّل للسّرور وخلّني … من حسن ظنّ النّاس بالمتنمّس وقد حدّثني الشيخ محمد الشّيرازي القلندري (١): أنّ الشّيخ حيدر لم يأكل الحشيشة في عمره ألبتّة، وإنّما عامّة أهل خراسان نسبوها إليه لاشتهار أصحابه بها، وأنّ إظهارها كان قبل وجوده بزمان طويل. وذلك أنّه كان بالهند شيخ يسمى بيرزطن هو أوّل من أظهر لأهل الهند أكلها، ولم يكونوا يعرفونها قبل ذلك، ثم شاع أمرها في بلاد الهند حتي ذاع خبرها ببلاد اليمن، ثم فشا إلى

стр. 2032

أهل فارس، ثم ورد خبرها إلى أهل العراق والرّوم والشّام ومصر في السنة التي قدّمت ذكرها. قال: وكان بيرزطن في زمن الأكاسرة، وأدرك الإسلام وأسلم، وإنّ الناس من ذلك الوقت يستعملونها. وقد نسب إظهارها إلى أهل الهند عليّ بن مكّي في أبيات أنشدنيها من لفظه، وهى: [الطويل] ألا فاكفف الأحزان عنّي مع الضّرّ … بعذراء زفّت في ملاحفها الخضر تجلّت لنا لمّا تحلّت بسندس … فجلّت عن التّشبيه في النّظم والنّثر بدت تملأ الأبصار نورا بحسنها … فأخجل نور الرّوض والزّهر بالزّهر عروس يسرّ النّفس مكنون سرّها … وتصبح في كلّ الحواس إذا تسري فللذّوق منها مطعم الشّهد رائقا … وللشّمّ منها فائق المسك بالنّشر وفي لونها للطّرف أحسن نزهة … يميل إلى رؤياه من سائر الزّهر تركّب من قان وأبيض فانثنت … تتيه على الأزهار عالية القدر فتكسف نور الشّمس حمرة لونها … وتخجل من مبيضة طلعة البدر علت رتبة في حسنها وكأنها … زبرجد روض جاده وابل القطر تبدّت فأبدت ما أجنّ من الهوى … وجاءت فولّت جند همّي والفكر جميلة أوصاف جليلة رتبة … تغالت فغالى في مدائحها شعري فقم فانف جيش الهمّ واكفف يد العنا … بهنديّة أمضى من البيض والسّمر بهنديّة في أصل إظهار أكلها … إلى الناس لا هنديّة اللّون كالسّمر / تزيل لهيب الهمّ عنّا بأكلها … وتهدي لنا الأفراح في السّرّ والجهر قال: وأنا أقول: إنّه قديم معروف منذ أوجد اللّه تعالى الدّنيا، وقد كان على عهد اليونانيين، والدّليل على ذلك ما نقله الأطبّاء في كتبهم، عن بقراط وجالينوس، من مزاج هذا العقار وخواصّه ومنافعه ومضاره. قال ابن جزلة في كتاب «منهاج البيان» (١): القنّب الذي هو ورق

стр. 2033

الشّهدانج (١): منه بستانيّ ومنه برّي. والبستانيّ أجوده، وهو حارّ يابس في الدّرجة الثّالثة، وقيل حرارته في الدّرجة الأولى، ويقال إنّه بارد يابس في الدّرجة الأولى. والبرّيّ منه حار يابس في الدّرجة الرّابعة. قال: ويسمّى بالكفّ، أنشدني تقيّ الدّين الموصلي: [الخفيف] كفّ كفّ الهموم بالكفّ فالك … - فّ شفاء للعاشق المهموم بابنة القنّب الكريمة لا باب … - نة كرم بعدا لبنت الكروم قال: والفقراء إنّما يقصدون استعماله - مع ما يجدون من اللّذّة - تجفيفا للمنيّ، وفي إبطاله قطع لشهوة الجماع كي لا تميل نفوسهم إلى ما يوقع في الزّنا. وقال بعض الأطبّاء: ينبغي لمن يأكل الشّهدانج أو ورقه أن يأكله مع اللّوز أو الفستق أو السّكّر أو العسل أو الخشخاش، ويشرب بعده السّكنجبين ليدفع ضرره، وإذا قلي كان أقلّ لضرره، وذلك جرت العادة قبل أكله أن يقلى، وإذا أكل غير مقليّ كان كثير الضّرر. وأمزجة النّاس تختلف في أكله: فمنهم من لا يقدر أن يأكله مضافا إلى غيره، ومنهم من يضيف إليه السّكّر أو العسل أو غيره من الحلاوات. وقرأت في بعض الكتب أنّ جالينوس قال: إنّها تبرئ من التّخمة، وهى جيّدة للهضم. وذكر ابن جزلة في كتاب «المنهاج» أنّ بزر شجر القنّب البستانيّ هو الشّهدانج، وثمره يشبه حبّ السّمنة، وهو حبّ يعصر منه الدّهن. وحكى عن حنين بن إسحاق أنّ شجرة البرّي تخرج في القفار المنقطعة على قدر ذراع، وورقه يغلب عليه البياض. وقال يحيى بن ماسويه (٢) في كتاب «تدبير أبدان الأصحّاء»: إنّ من غلب على بدنه البلغم ينبغي أن تكون أغذيته مسخّنة مجفّفة، كالزّبيب والشّهدانج.

стр. 2034

وقال صاحب كتاب «إصلاح الأدوية»: إنّ الشّهدانج يدرّ البول، وهو عسر الانهضام رديء الخلط للمعدة. قال: ولم أجد لإزالة الزّفر من اليد أبلغ من غسلها بالحشيشة، ورأيت من خواصّها أنّ كثيرا من ذوات السّموم - كالحيّة ونحوها - إذا شمّت ريحها هربت، ورأيت أنّ الإنسان إذا أكلها ووجد فعلها في نفسه، وأحبّ أن يفارقه فعلها قطّر في منخريه شيئا من الزّيت، وأكل من اللّبن الحامض. وممّا يكسر قوّة فعلها ويضعفه السّباحة في الماء الجاري، والنّوم يبطله. قال كاتبه (¬a): دع ترّاهات (¬b) القوم، فما بلي النّاس بأفسد من هذه الشّجرة لأخلاقهم. ولقد حدّثني القاضي الرّئيس تاج الدّين إسماعيل [بن أحمد] (¬c) بن عبد الوّهاب بن الخطبا المخزومي (١)، قبل اختلاطه، عن الرّئيس علاء الدّين .... (¬d) بن نفيس، أنّه سئل عن هذه الحشيشة فقال: اعتبرتها فوجدتها تورث السّفالة والرّذالة. وكذلك جرّبنا في طول عمرنا من عاناها، فإنّه ينحطّ في سائر أخلاقه إلى ما لا يكاد أن يبقي له من الإنسانية شيء ألبتّة. وقد قال ابن البيطار في كتاب «المفردات»: ومن القنّب نوع ثالث يقال له القنّب الهندي، ولم أره بغير مصر، ويزرع في البساتين، ويسمّى (¬e) بالحشيشة عندهم أيضا، وهو يسكر جدّا إذا تناول منه الإنسان قدر درهم، أو درهمين، حتى إنّ من أكثر منه يخرجه إلى حدّ الرّعونة، وقد استعمله قوم فاختلّت عقولهم، وأدّى بهم الحال إلى الجنون، وربّما قتلت. ورأيت الفقراء يستعملونها على أنحاء شتّى. فمنهم من يطبخ الورق طبخا بليغا، ويدعكه باليد دعكا جيّدا حتى يتعجّن، ويعمله (¬f) أقراصا. ومنهم من يجفّفه قليلا ثم يحمّصه ويفركه باليد، ويخلط به قليل سمسم مقشور وسكّر ويستفّه ويطيل مضغه. فإنّهم يطربون عليه ويفرحون كثيرا، وربّما أسكرهم فيخرجون به إلى الجنون أو قريب منه. وهذا ما شاهدته من فعلها. وإذا خيف من الإكثار منه، فليبادر بالقيء (¬g) بسمن وماء سخن حتى تنقّى منه المعدة، وشراب الحمّاض لهم في غاية النّفع (٢).

стр. 2035

فانظر كلام العارف فيها واحذر من إفساد بشريّتك وتلاف أخلاقك باستعمالها. ولقد عهدناها وما يرمى بتعاطيها إلاّ أراذل النّاس، ومع ذلك فيأنفون من انتسابهم لها لما فيها من الشّنعة. وكان قد تتبّع الأمير سودون الشّيخوني ﵀ الموضع الذي يعرف بالجنينة، من أرض الطّبّالة وباب اللّوق، وحكر واصل ببولاق، وأتلف ما هنالك من هذه الشّجرة الملعونة، وقبض على من كان يبتلعها من أطراف النّاس ورذلائهم، وعاقب على فعلها بقلع الأضراس، فقلع أضراس كثير من العامّة في نحو سنة ثمانين وسبع مائة. وما برحت هذه الخبيثة تعدّ من القاذورات حتى قدم سلطان بغداد أحمد بن أويس فارّا من تيمور لنك إلى القاهرة في سنة خمس وتسعين وسبع مائة؛ فتظاهر أصحابه بأكلها، وشنّع النّاس عليهم. واستقبحوا ذلك من فعلهم، وعابوه عليهم. فلمّا سافر/ من القاهرة إلى بغداد، وخرج منها ثانيا وأقام بدمشق مدّة، تعلّم أهل دمشق من أصحابه التّظاهر بها. وقدم إلى القاهرة شخص من ملاحدة العجم صنع الحشيشة بعسل خلط فيها عدّة أجزاء مجفّفة كعرق اللّقاح ونحوه، وسمّاها العقدة، وباعها خفية (¬a). فشاع أكلها، وفشا في كثير من النّاس مدّة أعوام. فلمّا كان في سنة خمس عشرة وثمان مائة، شنع التّجاهر بالشّجرة الملعونة، فظهر أمرها واشتهر أكلها، وارتفع الاحتشام من الكلام بها، حتى لقد كادت أن تكون من تحف المترفين. وبهذا السّبب غلبت السّفالة على الأخلاق، وارتفع ستر الحياء والحشمة من بين النّاس، وجهروا بالسّوء من القول، وتفاخروا بالمعايب، وانحطّوا عن كلّ شرف وفضيلة، وتحلّوا بكل ذميمة من الأخلاق ورذيلة … فلولا الشّكل لم تقض لهم بالإنسانية، ولولا الحسّ لما حكمت عليهم بالحيوانية. وقد بدا المسخ في الشّمائل والأخلاق، المنذر بظهوره على الصّور والذّوات، عافانا اللّه ﵎ من بلائه. وأرض الطّبّالة الآن بيد ورثة الحاجب.
следующие страницы →