← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

يرنّحها أدنى نسيم تنسّمت … فتهفو إلى برد النّسيم المردّد وتشدو على أغصانها الورق في الضّحى … فيطربها سجع الحمام المغرّد وفيها معان ليس في الخمر مثلها … فلا تستمع فيها مقال مفنّد هى البكر لم تنكح بماء سحابة … ولا عصرت يوما برجل ولا يد ولا عبث القسّيس يوما بكأسها … ولا قرّبوا من دنّها كل ملحد (¬a) ولا نصّ في تحريمها عند مالك … ولا حدّ عند الشّافعيّ وأحمد ولا أثبت النّعمان تنجيس عينها … فخذها بحدّ المشرفي (¬b) المهنّد وكفّ أكفّ الهمّ بالكفّ واسترح … ولا تطرح يوم السّرور إلى غد وكذلك نسب إظهارها إلى الشّيخ حيدر الأديب أحمد بن محمد بن الرّسّام الحلبي فقال: [الكامل] ومهفهف بادي النّفار عهدته … لا ألتقيه قطّ غير معبّس فرأيته بعض اللّيالي ضاحكا … سهل العريكة ريّضا في المجلس فقضيت منه مآربي وشكرته … إذ صار من بعد التّنافر مؤنسي فأجابني لا تشكرنّ خلائقي … واشكر شفيعك فهو خمر المفلس فحشيشة الأفراح تشفع عندنا … للعاشقين ببسطها للأنفس وإذا هممت بصيد ظبي نافر … فاجهد بأن يرعى حشيش القنبس واشكر عصابة حيدر إذ أظهروا … لذوي الخلاعة مذهب المتخمّس ودع المعطّل للسّرور وخلّني … من حسن ظنّ النّاس بالمتنمّس وقد حدّثني الشيخ محمد الشّيرازي القلندري (١): أنّ الشّيخ حيدر لم يأكل الحشيشة في عمره ألبتّة، وإنّما عامّة أهل خراسان نسبوها إليه لاشتهار أصحابه بها، وأنّ إظهارها كان قبل وجوده بزمان طويل. وذلك أنّه كان بالهند شيخ يسمى بيرزطن هو أوّل من أظهر لأهل الهند أكلها، ولم يكونوا يعرفونها قبل ذلك، ثم شاع أمرها في بلاد الهند حتي ذاع خبرها ببلاد اليمن، ثم فشا إلى

стр. 2032

أهل فارس، ثم ورد خبرها إلى أهل العراق والرّوم والشّام ومصر في السنة التي قدّمت ذكرها. قال: وكان بيرزطن في زمن الأكاسرة، وأدرك الإسلام وأسلم، وإنّ الناس من ذلك الوقت يستعملونها. وقد نسب إظهارها إلى أهل الهند عليّ بن مكّي في أبيات أنشدنيها من لفظه، وهى: [الطويل] ألا فاكفف الأحزان عنّي مع الضّرّ … بعذراء زفّت في ملاحفها الخضر تجلّت لنا لمّا تحلّت بسندس … فجلّت عن التّشبيه في النّظم والنّثر بدت تملأ الأبصار نورا بحسنها … فأخجل نور الرّوض والزّهر بالزّهر عروس يسرّ النّفس مكنون سرّها … وتصبح في كلّ الحواس إذا تسري فللذّوق منها مطعم الشّهد رائقا … وللشّمّ منها فائق المسك بالنّشر وفي لونها للطّرف أحسن نزهة … يميل إلى رؤياه من سائر الزّهر تركّب من قان وأبيض فانثنت … تتيه على الأزهار عالية القدر فتكسف نور الشّمس حمرة لونها … وتخجل من مبيضة طلعة البدر علت رتبة في حسنها وكأنها … زبرجد روض جاده وابل القطر تبدّت فأبدت ما أجنّ من الهوى … وجاءت فولّت جند همّي والفكر جميلة أوصاف جليلة رتبة … تغالت فغالى في مدائحها شعري فقم فانف جيش الهمّ واكفف يد العنا … بهنديّة أمضى من البيض والسّمر بهنديّة في أصل إظهار أكلها … إلى الناس لا هنديّة اللّون كالسّمر / تزيل لهيب الهمّ عنّا بأكلها … وتهدي لنا الأفراح في السّرّ والجهر قال: وأنا أقول: إنّه قديم معروف منذ أوجد اللّه تعالى الدّنيا، وقد كان على عهد اليونانيين، والدّليل على ذلك ما نقله الأطبّاء في كتبهم، عن بقراط وجالينوس، من مزاج هذا العقار وخواصّه ومنافعه ومضاره. قال ابن جزلة في كتاب «منهاج البيان» (١): القنّب الذي هو ورق

стр. 2033

الشّهدانج (١): منه بستانيّ ومنه برّي. والبستانيّ أجوده، وهو حارّ يابس في الدّرجة الثّالثة، وقيل حرارته في الدّرجة الأولى، ويقال إنّه بارد يابس في الدّرجة الأولى. والبرّيّ منه حار يابس في الدّرجة الرّابعة. قال: ويسمّى بالكفّ، أنشدني تقيّ الدّين الموصلي: [الخفيف] كفّ كفّ الهموم بالكفّ فالك … - فّ شفاء للعاشق المهموم بابنة القنّب الكريمة لا باب … - نة كرم بعدا لبنت الكروم قال: والفقراء إنّما يقصدون استعماله - مع ما يجدون من اللّذّة - تجفيفا للمنيّ، وفي إبطاله قطع لشهوة الجماع كي لا تميل نفوسهم إلى ما يوقع في الزّنا. وقال بعض الأطبّاء: ينبغي لمن يأكل الشّهدانج أو ورقه أن يأكله مع اللّوز أو الفستق أو السّكّر أو العسل أو الخشخاش، ويشرب بعده السّكنجبين ليدفع ضرره، وإذا قلي كان أقلّ لضرره، وذلك جرت العادة قبل أكله أن يقلى، وإذا أكل غير مقليّ كان كثير الضّرر. وأمزجة النّاس تختلف في أكله: فمنهم من لا يقدر أن يأكله مضافا إلى غيره، ومنهم من يضيف إليه السّكّر أو العسل أو غيره من الحلاوات. وقرأت في بعض الكتب أنّ جالينوس قال: إنّها تبرئ من التّخمة، وهى جيّدة للهضم. وذكر ابن جزلة في كتاب «المنهاج» أنّ بزر شجر القنّب البستانيّ هو الشّهدانج، وثمره يشبه حبّ السّمنة، وهو حبّ يعصر منه الدّهن. وحكى عن حنين بن إسحاق أنّ شجرة البرّي تخرج في القفار المنقطعة على قدر ذراع، وورقه يغلب عليه البياض. وقال يحيى بن ماسويه (٢) في كتاب «تدبير أبدان الأصحّاء»: إنّ من غلب على بدنه البلغم ينبغي أن تكون أغذيته مسخّنة مجفّفة، كالزّبيب والشّهدانج.

стр. 2034

وقال صاحب كتاب «إصلاح الأدوية»: إنّ الشّهدانج يدرّ البول، وهو عسر الانهضام رديء الخلط للمعدة. قال: ولم أجد لإزالة الزّفر من اليد أبلغ من غسلها بالحشيشة، ورأيت من خواصّها أنّ كثيرا من ذوات السّموم - كالحيّة ونحوها - إذا شمّت ريحها هربت، ورأيت أنّ الإنسان إذا أكلها ووجد فعلها في نفسه، وأحبّ أن يفارقه فعلها قطّر في منخريه شيئا من الزّيت، وأكل من اللّبن الحامض. وممّا يكسر قوّة فعلها ويضعفه السّباحة في الماء الجاري، والنّوم يبطله. قال كاتبه (¬a): دع ترّاهات (¬b) القوم، فما بلي النّاس بأفسد من هذه الشّجرة لأخلاقهم. ولقد حدّثني القاضي الرّئيس تاج الدّين إسماعيل [بن أحمد] (¬c) بن عبد الوّهاب بن الخطبا المخزومي (١)، قبل اختلاطه، عن الرّئيس علاء الدّين .... (¬d) بن نفيس، أنّه سئل عن هذه الحشيشة فقال: اعتبرتها فوجدتها تورث السّفالة والرّذالة. وكذلك جرّبنا في طول عمرنا من عاناها، فإنّه ينحطّ في سائر أخلاقه إلى ما لا يكاد أن يبقي له من الإنسانية شيء ألبتّة. وقد قال ابن البيطار في كتاب «المفردات»: ومن القنّب نوع ثالث يقال له القنّب الهندي، ولم أره بغير مصر، ويزرع في البساتين، ويسمّى (¬e) بالحشيشة عندهم أيضا، وهو يسكر جدّا إذا تناول منه الإنسان قدر درهم، أو درهمين، حتى إنّ من أكثر منه يخرجه إلى حدّ الرّعونة، وقد استعمله قوم فاختلّت عقولهم، وأدّى بهم الحال إلى الجنون، وربّما قتلت. ورأيت الفقراء يستعملونها على أنحاء شتّى. فمنهم من يطبخ الورق طبخا بليغا، ويدعكه باليد دعكا جيّدا حتى يتعجّن، ويعمله (¬f) أقراصا. ومنهم من يجفّفه قليلا ثم يحمّصه ويفركه باليد، ويخلط به قليل سمسم مقشور وسكّر ويستفّه ويطيل مضغه. فإنّهم يطربون عليه ويفرحون كثيرا، وربّما أسكرهم فيخرجون به إلى الجنون أو قريب منه. وهذا ما شاهدته من فعلها. وإذا خيف من الإكثار منه، فليبادر بالقيء (¬g) بسمن وماء سخن حتى تنقّى منه المعدة، وشراب الحمّاض لهم في غاية النّفع (٢).

стр. 2035

فانظر كلام العارف فيها واحذر من إفساد بشريّتك وتلاف أخلاقك باستعمالها. ولقد عهدناها وما يرمى بتعاطيها إلاّ أراذل النّاس، ومع ذلك فيأنفون من انتسابهم لها لما فيها من الشّنعة. وكان قد تتبّع الأمير سودون الشّيخوني ﵀ الموضع الذي يعرف بالجنينة، من أرض الطّبّالة وباب اللّوق، وحكر واصل ببولاق، وأتلف ما هنالك من هذه الشّجرة الملعونة، وقبض على من كان يبتلعها من أطراف النّاس ورذلائهم، وعاقب على فعلها بقلع الأضراس، فقلع أضراس كثير من العامّة في نحو سنة ثمانين وسبع مائة. وما برحت هذه الخبيثة تعدّ من القاذورات حتى قدم سلطان بغداد أحمد بن أويس فارّا من تيمور لنك إلى القاهرة في سنة خمس وتسعين وسبع مائة؛ فتظاهر أصحابه بأكلها، وشنّع النّاس عليهم. واستقبحوا ذلك من فعلهم، وعابوه عليهم. فلمّا سافر/ من القاهرة إلى بغداد، وخرج منها ثانيا وأقام بدمشق مدّة، تعلّم أهل دمشق من أصحابه التّظاهر بها. وقدم إلى القاهرة شخص من ملاحدة العجم صنع الحشيشة بعسل خلط فيها عدّة أجزاء مجفّفة كعرق اللّقاح ونحوه، وسمّاها العقدة، وباعها خفية (¬a). فشاع أكلها، وفشا في كثير من النّاس مدّة أعوام. فلمّا كان في سنة خمس عشرة وثمان مائة، شنع التّجاهر بالشّجرة الملعونة، فظهر أمرها واشتهر أكلها، وارتفع الاحتشام من الكلام بها، حتى لقد كادت أن تكون من تحف المترفين. وبهذا السّبب غلبت السّفالة على الأخلاق، وارتفع ستر الحياء والحشمة من بين النّاس، وجهروا بالسّوء من القول، وتفاخروا بالمعايب، وانحطّوا عن كلّ شرف وفضيلة، وتحلّوا بكل ذميمة من الأخلاق ورذيلة … فلولا الشّكل لم تقض لهم بالإنسانية، ولولا الحسّ لما حكمت عليهم بالحيوانية. وقد بدا المسخ في الشّمائل والأخلاق، المنذر بظهوره على الصّور والذّوات، عافانا اللّه ﵎ من بلائه. وأرض الطّبّالة الآن بيد ورثة الحاجب.

стр. 2036

ذكر أرض البعل والتّاج قال ابن سيده: البعل: الأرض المرتفعة التي لا يصيبها المطر إلاّ مرّة واحدة في السّنة، وقيل: البعل كلّ شجر أو زرع لا يسقى، وقيل: البعل ما سقته السّماء، وقد استبعل الموضع. والبعل من النّخل ما شرب بعروقه من غير سقي ولا ماء سماء، وقيل: هو ما اكتفى بماء السّماء، والبعل: ما أعطي من الإتاوة على سقي النّخل، واستبعل الموضع والنّخل: صار بعلا (١). وأرض البعل هذه بجانب الخليج تتّصل بأرض الطّبّالة، كانت بستانا يعرف بالبعل وفيه منظرة، أنشأه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي، وجعل على هذا البستان سورا. وإلى جانب بستان البعل هذا بستان التّاج، وبستان الخمس الوجوه (¬a). وقد ذكرت مناظر هذه البساتين، وما كان فيها للخلفاء الفاطميين من الرّسوم، عند ذكر المناظر من هذا الكتاب (٢). وأرض البعل في هذا الوقت مزرعة تجاه قنطرة الإوزّ التي على الخليج (٣)، يخرج النّاس للتّنزّه هناك أيّام النّيل وأيّام الرّبيع. وكذلك أرض التّاج فإنّها اليوم قد زالت منها الأشجار، واستقرّت من أراضي المنية الخراجية. وفي أيّام النّيل ينبت فيها نبات يعرف بالبشنين، له

стр. 2037

ساق طويل وزهره يشبه (¬a) اللّينوفر، وإذا أشرقت الشّمس تفتّح (¬b) فصار منظرا أنيقا، وإذا غربت الشّمس انضمّ. ويذكر أنّ من العصافير نوعا صغيرا يجلس العصفور منه في داخل البشنينة. فإذا أقبل اللّيل انضمّت عليه وغطست في الماء، فبات في جوفها آمنا إلى أن تشرق الشّمس، فتصعد البشنينة وتنفتح فيطير العصفور، وهو شيء ما برحنا نسمعه. وهذا البشنين يصنع من زهره دهن يعالج به في البرسام وترطيب الدّماغ فينجع، وأصله يعرف بالبيارون، يجمعه الأعراب ويأكلونه نيئا ومطبوخا، وهو يميل إلى الحرارة يسيرا، ويزيد في الباه، ويسخّن المعدة، ويقوّيها ويقطع الزّحير؛ ذكر ذلك ابن البيطار في كتاب «المفردات» (١). وفي أيّام الرّبيع تزرع هذه الأراضي، فتذكّر بحسنها ونضارتها جنّة الخلد التي وعد المتّقون. وأدركت بهذه الأرض بقايا نخل وأشجار، وقد تلفت.

стр. 2038

ذكر ضواحي القاهرة قال ابن سيده: ضواحي كلّ شيء نواحيه البارزة للشّمس، والضّواحي من النّخل ما كان خارج السّور على صفة عالية، لأنّها تضحى للشّمس (١). وفي كتاب النّبيّ ﷺ لأهل بدر «لكم الضّامنة (¬a) من النّخل، ولنا الضّاحية من البعل»، يعني بالضّامنة (¬a) ما أطاف به سور المدينة. وضواحي الرّوم ما ظهر من بلادهم وبرز، ويقال في زماننا لما خرج عن القاهرة، ممّا هو في جنبتي الخليج من القرى، «ضواحي القاهرة». وقد عرّفت أصل ذلك من اللّغة. وتعرف البلاد التي من الضّواحي في غربي الخليج ب «الحبس الجيوشي»، وهي: بهتيت (¬b) والأميرية والمنية. وكان أيضا بناحية الجيزة، من جملة الحبس الجيوشي، ناحية سفط ونهيا ووسيم، حبس هذه البلاد أمير الجيوش بدر الجمالي على عقبه (٢). فلمّا زالت الدّولة الفاطمية، جعل السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب أمر الأسطول لأخيه العادل أبي بكر بن أيّوب، وسلّمه له في سنة سبع وثمانين وخمس مائة. وأفرد لديوان الأسطول من الأبواب الدّيوانية الزّكاة التي كانت تجبى من النّاس بمصر، والحبس الجيوشي بالبرّين، والنّطرون والخراج وما معه من ثمن القرظ، وساحل السّنط والمراكب الدّيوانية، وإشنا وطنبدي (¬c). وأحيل ورثة أمير الجيوش على غير الحبس الذي لهم. ثم أفتى الفقهاء ببطلان الحبس، وقبضت النّواحي، وصارت من جملة أموال الخراج، فعرفت ببلاد الملك. وهذه الضّواحي الآن منها ما هو وقف، ومنها ما هو في الدّيوان السّلطاني، وخراجها يتميّز على غيرها من النّواحي، ويزرع أكثرها من الكتّان والمقاثي وغيرها.

стр. 2039

ذكر منية الأمراء قال ياقوت في كتاب «المشترك»: المنية ثلاثة وأربعون موضعا، وجميعها بمصر غير واحدة، وبمصر من القرى المسمّاة بهذا الاسم ما يقارب المائتين (١). قال: ومنية السّيرج - ويقال لها منية الأمير، ومنية الأمراء - بليدة فيها أسواق على فرسخ من القاهرة في طريق الإسكندرية (٢). وذكر الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني النّسّابة، أنّ قتلى أهل الشّام الذين قتلوا في وقعة الخندق بين مروان بن الحكم وعبد الرّحمن بن جحدم أمير مصر، في سنة خمس وستين من الهجرة، دفنوا حيث موضع منية السّيرج هذه، وكانوا نحوا من الثمان مائة. وقال ابن عبد الظّاهر: منية الأمراء من الحبس الجيوشي الشّرقي الذي كان حبسه أمير الجيوش ثم ارتجع. وفي كلّ سنة يأكل النّحر منها جانبا، ويجدّد جامعها ودورها حتى صار جامعها القديم ودورها في برّ الجيزة، وغلب البحر عليها (٣). وهذه المنية من محاسن متنزّهات القاهرة، وكانت قد كثرت العمائر بها، واتّخذها النّاس منزل قصف ودار لعب ولهو ومغنى صبابات، وبها كان يعمل عيد الشّهيد - الذي تقدّم ذكره عند ذكر النّيل من هذا الكتاب (٤) - لقربها من ناحية شبرا، وبها سوق في كلّ يوم أحد يباع فيه البقر والغنم والغلال، وهو من أسواق مصر المشهورة، وأكثر من كان يسكن بها النّصارى (٥).

стр. 2040

وكانت تعرف بعصر الخمر وبيعه؛ حتى إنّه لمّا عظمت زيادة ماء النّيل في سنة ثمان عشرة وسبع مائة، وكانت الغرقة المشهورة وغرقت شبرا والمنية، تلف فيها من جرار الخمر ما ينيف على ثمانين ألف جرّة مملوءة بالخمر، وباع نصرانيّ واحد مرّة في يوم عيد الشّهيد بها خمرا باثني عشر ألف درهم فضّة: عنها يومئذ نحو الستّ مائة دينار، وكسر منها الأمير يلبغا السّالمي في صفر سنة ثلاث وثمان مائة ما ينيف على أربعين ألف جرّة مملوءة بالخمر. وما برحت تغرق في الأنيال العالية إلى أن عمل الملك النّاصر محمد بن قلاوون في سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة، الجسر من بولاق إلى المنية - كما ذكر عند ذكر الجسور من هذا الكتاب (١) - فأمن أهلها من الغرق. وأدركناها عامرة بكثرة المساكن والنّاس والأسواق والمناظر، وتقصد للنّزهة بها أيّام النّيل والرّبيع، لا سيّما في يومي الجمعة والأحد، فإنّه كان للنّاس بها في هذين اليومين مجتمع ينفق فيه مال كثير. ثم لمّا حدثت المحن من سنة ستّ وثمان مائة ألحّ المناسر بالهجوم عليها في اللّيل، وقتلوا من أهلها عدّة. فارتحل النّاس منها، وخلت أكثر دورها، وتعطّلت حتى لم يبق بها سوى طاحون واحدة لطحن القمح بعدما كان بها ما ينيف على ثلاثين (¬a) طاحونة، وبها الآن بقيّة. وهى جارية في الدّيوان السّلطاني (¬b) الذي أحدثه الظّاهر برقوق وسمّاه الدّيوان المفرد (¬b) (٢). ذكر كوم الرّيش هذا المكان (¬c) اسم لبلد فيما بين أرض البعل ومنية السّيرج، كان النّيل يمرّ بغربيها بعد مروره بغربي أرض البعل، وأدركت آثار الجروف باقية من غربي البعل وغربيّ كوم الرّيش إلى أطراف المنية، حتى تغيّرت الأحوال من بعد سنة ستّ وثمان مائة، ففاض ماء النّيل في أيّام الزّيادة، ونزل في الدّرب الذي كان يسلك فيه من أرض الطّبّالة إلى المنية، فانقطع هذا الدّرب وترك النّاس سلوكه. وكان كوم الرّيش من أجلّ متنزّهات القاهرة، ورغب أعيان النّاس في سكناها للتنزّه بها (٣).

стр. 2041

وأخبرني شيخنا قاضي القضاة مجد الدّين إسماعيل بن إبراهيم الحنفي، وخال أمي (¬a) تاج الدّين إسماعيل بن أحمد بن الخطبا، أنّهما أدركا بكوم الرّيش عدّة أمراء يسكنون فيها دائما، وأنّه كان من جملة من يسكن فيها دائما نحو الثمان مائة من الجند السّلطاني (١). وأنا أدركت بها سوقا عامرا بالمعايش بأنواعها من المآكل، لا أعرف اليوم بالقاهرة مثله في كثرة المآكل. وأدركت بها حمّاما وجامعين تقام بهما الجمعة، وموقف مكاريّة، ومنارة لا يقدر الواصف أن يعبّر عن حسنها لما اشتملت عليه من كلّ معنى رائق بهج. وما برحت على ذلك إلى أن حدثت المحن من سنة ستّ وثمان مائة، فطرقها أنواع الرّزايا حتى صارت بلاقع، وجهلت طرقها، وتغيّرت معاهدها، ونزل بها من الوحشة ما أبكاني، وأنشدت في رؤيتها عندما شاهدتها خرابا يبابا (¬b): [الكامل] قفرا كأنّك لم تكن تلهو بها … في نعمة وأوانس أتراب ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ اَلْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [الآية ١٠٢ سور هود]. ذكر بولاق قد تقدّم في غير موضع من هذا الكتاب أنّ ساحل النّيل كان بالمقس، وأنّ الماء انحسر بعد سنة سبعين/ وخمس مائة عن جزيرة عرفت بجزيرة الفيل، وتقلّص ماء النّيل عن سور القاهرة

стр. 2042

الذي ينتهي إلى المقس، وصارت هناك رمال وجزائر ما من سنة إلاّ أيام الزّيادة فقط، وفي طول السّنة ينبت هناك البوص والحلفاء، وتنزل المماليك السّلطانية لرمي النّشّاب في تلك التّلال الرّمل. فلمّا كان سنة ثلاث عشرة وسبع مائة، رغب النّاس في العمارة بديار مصر، لشغف السّلطان الملك النّاصر بها ومواظبته عليها، فكأنّما نودي في القاهرة ومصر ألاّ يتأخّر أحد من النّاس عن إنشاء عمارة، وجدّ الأمراء والجند والكتّاب والتّجّار والعامّة في البناء، وصارت بولاق حينئذ جزيرة (¬a) تجاه بولاق التّكرور (١)، يزرع فيها القصب والقلقاس على ساقية تنقل الماء من النّيل حيث جامع الخطيري الآن (٢). فعمّر هناك رجل من التّجّار منظرة، وأحاط جدارا على قطعة أرض غرس فيها عدّة أشجار وتردّد إليها للنّزهة. فلمّا مات انتقلت إلى ناصر الدّين محمد بن الجوكندار، فعمّر النّاس بجانبها دورا على النّيل، وسكنوا ورغبوا في السّكنى هناك، فامتدّت المناظر على النّيل من الدّار المذكورة إلى جزيرة الفيل، وتفاخروا في إنشاء القصور العظيمة هناك، وغرسوا من ورائها البساتين العظيمة. وأنشأ القاضي (¬b) ابن المغربي رئيس الأطبّاء بستانا، اشتراه منه القاضي كريم الدّين ناظر الخاصّ للأمير سيف الدّين طشتمر السّاقي بنحو مائة ألف درهم فضّة. وكثر التنافس بين النّاس في هذه النّاحية، وعمّروها حتى انتظمت العمارة في الطّول على حافة النّيل من منية السّيرج إلى موردة الحلفاء بجوار الجامع الجديد خارج مصر (٣)، وعمر في العرض على حافّة الخليج (¬c) الغربية من تجاه الخندق بحري القاهرة إلى منشأة المهراني (٤)، وبقيت هذه المسافة العظيمة كلّها بساتين وأحكارا عامرة بالدّور والأسواق والحمّامات والمساجد والجوامع وغيرها، وبلغت بساتين جزيرة الفيل خاصّة ما ينيف على مائة وخمسين بستانا بعد ما كانت في سنة إحدى عشرة وسبع مائة نحو العشرين بستانا (٥).

стр. 2043

وأنشأ القاضي الفاضل جلال الدّين القزويني وولده عبد اللّه دارا عظيمة على شاطئ النّيل بجزيرة الفيل عند بستان الأمير ركن الدّين بيبرس الحاجب (¬a) وكانت هذه الدّار أوّلا قد عمّرها القاضي شمس الدّين بن الأطروش المحتسب، فاشتراها منه القزويني وتناهى في عمارتها وطار خبرها في البلاد حتى قيل إنّه لم يعمّر في مصر عمارة أجلّ منها، ولا صرف على دار أكثر ممّا صرف عليها؛ فلمّا عزل عن القضاء أبيعت للأمير بشتاك فأخربها وباع من أنقاضها بنحو المائة ألف درهم فضّة بعد ما أخذ منها رخاما وأبوابا وشبابيك كبيرة، ونودي على زربيتها فحكرت وبنى النّاس عليها عدّة دور واتّصلت العمارة فيها إلى آخر منية السّيرج ومنها إلى خصّ الكيّالة (¬a)، وأنشأ الأمير عزّ الدّين الخطيري جامعه ببولاق على النّيل (١)، وأنشأ بجواره ربعين، وأنشأ القاضي شرف الدّين بن زنبور بستانا. وأنشأ القاضي فخر الدّين المعروف بالفخر ناظر الجيش بستانا، وحكر النّاس حول هذه البساتين وسكنوا هناك. ثم حفر الملك النّاصر محمد بن قلاوون «الخليج النّاصريّ» سنة خمس وعشرين وسبع مائة (٢)، فعمّر النّاس على جانبي هذا الخليج. وكان أوّل من عمّر، بعد حفر الخليج (¬b) المهاميزي أنشأ

стр. 2044

بستانا ومسجدا هما موجودان إلى اليوم، وتبعه النّاس في العمارة حتى لم يبق في جميع هذه المواضع مكان بغير عمارة، وبقي من يمرّ بها يتعجّب، إذ ما بالعهد من قدم بينا هى تلال رمل وحلافي، إذ صارت بساتين ومناظر وقصورا ومساجد وأسواقا وحمّامات وأزقّة وشوارع، (¬a)) لا يوجد ممّا هناك قدر ذراع ليس فيه بناء مع سعة تلك الخطّة طولا وعرضا (¬a) (١). وفي ناحية بولاق هذه كان خصّ الكيّالة (٢) الذي يؤخذ فيه مكس الغلّة، إلى أن أبطله الملك النّاصر محمد بن قلاوون كما ذكر في الرّوك النّاصريّ من هذا الكتاب (٣). ولمّا كانت سنة ستّ وثمان مائة انحسر ماء النّيل عن ساحل بولاق، ولم يزل يبعد حتى صار على ما هو عليه الآن. وناحية بولاق الآن عامرة، وتزايدت العمائر بها، وتجدّد فيها عدّة جوامع وحمّامات ورباع وغيرها. وأنشأ (¬b). ذكر ما بين بولاق ومنشأة المهراني وكان فيما بين بولاق ومنشأة المهراني خطّ فمّ الخور، وخطّ حكر ابن الأثير، وخطّ زربيّة (¬c) قوصون، وخطّ الميدان السّلطاني بموردة الملح، وخطّ منشأة الكتبة. فأمّا فم الخور فكان فيه من المناظر الجليلة الوصف عدّة تشرف على النّيل، ومن ورائها البساتين، ويفصل بين البساتين والدّور المطلّة على النّيل شارع مسلوك، وأنشئ هناك حمّام وجامع وسوق. وقد تقدّم ذكر الخور (٤).

стр. 2045

وأنشأ هناك القاضي علاء الدّين (¬a) بن الأثير كاتب السّرّ (¬b) دارا على النّيل، وبنى النّاس بجواره، فعرف ذلك الخطّ ب «حكر ابن الأثير»، واتّصلت العمارة من بولاق إلى فم الخور، ومن فم الخور إلى حكر ابن الأثير (١). وما برح فيه من مساكن الأكابر من الوزراء والأعيان ومن الدّور العظيمة ما يتجاوز الوصف. وأمّا الزّربيّة (¬c) (٢) فإنّ الملك النّاصر محمد بن قلاوون، لمّا وهب البستان الذي كان بالميدان الظّاهري للأمير قوصون، أنشأ قدّامه على النّيل زربيّة (¬c) ووقفها (٣). فعمّر النّاس هناك حتى انتظمت العمارة من حكر ابن الأثير إلى الزّربيّة (¬c)، وعمر هناك حمّام وسوق كبير وطواحين وعدّة مساكن اتّصلت باللّوق.

стр. 2046

وأمّا زربيّة (¬a) السّلطان فإنّ الملك النّاصر محمد بن قلاوون، لمّا عمّر ميدان المهارى المجاور لقناطر السّباع الآن، أنشأ زربيّة (¬a) في قبلي الجامع الطّيبرسي (١)،/ وحفر لأجل بناء هذه الزّربيّة (¬a) البركة المعروفة الآن بالبركة النّاصريّة (٢) حتى استعمل طينها في البناء، وأنشأ فوق هذه الزّربيّة (¬a) دار وكالة وربعين عظيمين: جعل أحدهما وقفا على الخانقاه التي أنشأها بناحية سرياقوس، وأنعم بالآخر على الأمير بكتمر السّاقي، فأنشأ الأمير بكتمر بجواره حمّامين: إحداهما برسم الرّجال، والأخرى للنّساء (¬b). فكثر بناء النّاس فيما هنالك (¬c) حتى اتّصلت العمارة من بحريّ الجامع الطّيبرسي بزربيّة (¬a) قوصون، وصار هنالك (¬c) أزقّة وشوارع ودروب ومساكن من وراء المناظر المطلّة على النّيل تتّصل بالخليج، وأكثر النّاس من البناء في طريق الميدان السّلطاني، فصارت العمائر منتظمة من قناطر السّباع إلى الميدان من جهاته كلّها، وتنافس النّاس في تلك الأماكن، وتغالوا في أجرها (٣). منشأة الكتّاب (¬d) وعمّر المكين إبراهيم بن قروينة (¬e) ناظر الجيش (٤) في قبلي زربيّة (¬a) السّلطان - حيث كان بستان الخشّاب - دارا جليلة، وعمّر أيضا صلاح الدّين الكحّال، والصّاحب أمين الدّين عبد اللّه بن الغنّام، وعدّة من الكتّاب، فقيل لهذه الخطّة «منشأة الكتّاب» (٥)؛ وأنشأ فيها

стр. 2047

الصّاحب أمين الدّين الخانقاه بجوار داره، وعمّر أيضا كريم الدّين الصّغير حتى اتّصلت العمارة بمنشأة المهراني. فصار ساحل النّيل من خطّ دير الطّين قبليّ مدينة مصر إلى منية السّيرج بحري القاهرة مسافة لا تقصر عن أزيد من نصف بريد بكثير، كلّها منتظمة بالمناظر العظيمة، والمساكن الجليلة، والجوامع والمساجد، والخوانك والحمّامات، وغيرها من البساتين. لا تجد فيما بين ذلك خرابا ألبتّة. وانتظمت العمارة من وراء الدّور المطلّة على النّيل حتى أشرفت على الخليج. فبلغ هذا البرّ الغربي من وفور العمارة، وكثرة النّاس، وتنافسهم في الإقبال على اللّذّات، وتأنّقهم في الانهماك في المسرّات، ما لا يمكن وصفه ولا يتأتّى شرحه. حتى إذا بلغ الكتاب أجله، وحدثت المحن من سنة ستّ وثمان مائة، وتقلّص ماء النّيل عن البرّ الشّرقي، وكثرت حاجات النّاس وضروراتهم، وتساهل قضاة المسلمين في الاستبدال في الأوقاف وبيع نقضها، اشترى شخص الرّبعين والحمّامين ودار الوكالة التي ذكرت على زربيّة (¬a) السّلطان بجوار الجامع الطّيبرسي في سنة سبع وثمان مائة، وهدم ذلك كلّه، وباع أنقاضه، وحفر الأساسات، واستخرج ما فيها من الحجر وعمله جيرا، فنال من ذلك ربحا كثيرا. وتتابع الهدم في شاطئ النّيل، وباع النّاس أنقاض الدّور، فرغب في شرائها الأمراء والأعيان وطلاّب الفوائد من العامّة. حتى زال جميع ما هنالك من الدّور العظيمة والمناظر الجليلة، وصار السّاحل - من منشأة المهراني إلى قريب من بولاق - كيمانا موحشة وخرائب

стр. 2048

مقفرة، كأن لم تكن مغنى صبابات، وموطن أفراح، وملعب أتراب، ومرتع غزلان تفتن النّسّاك هناك، وتعيد الحليم سفيها ﴿سُنَّةَ اَللّهِ فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الآية ٣٨ سورة الأحزاب]. وإنّى إذا تذكّرت ما صارت إليه، أنشد قول عبد اللّه بن المعتزّ: [الطويل] سلام على اللّذّات واللّهو والصّبا (¬a) … سلام وداع لا سلام قدوم وصار لهذا (¬b) العهد ما بين أوّل بولاق من قبليه إلى أطراف جزيرة الفيل عامرا: من غربيه المفضي إلى النّيل، ومن شرقيه الذي ينتهي إلى الخليج، إلاّ أنّ النّيل قد نشأت فيه جزائر ورمال بعد بها الماء عن البرّ الشّرقي، وكثر العناء لبعده، وفي كلّ عام تكثر الرّمال ويبعد الماء عن البّرّ، وللّه عاقبة الأمور. فهذا حال الجهة الغربية من ظواهر القاهرة في ابتداء وضع القاهرة (¬c) وإلى وقتنا هذا، وبقي من ظواهر القاهرة: الجهة القبليّة والجهة البحريّة، وفيهما أيضا عدّة أخطاط تحتاج إلى شرح وتبيان.

стр. 2049

ذكر خارج باب زويلة اعلم أنّ خارج باب زويلة جهتان: جهة تلي الخليج، وجهة تلي الجبل. فأمّا الجهة التي تلي الخليج فقد كانت عند وضع القاهرة بساتين كلّها فيما بين القاهرة إلى مصر. وعندي فيما ظهر لي أنّ هذه الجهة كانت في القديم غامرة بماء النّيل، وذلك أنّه لا خلاف بين أهل مصر قاطبة أنّ الأراضي التي هي من طين إبليز لا تكون إلاّ من أرض ماء النّيل. فإنّ أرض مصر تربة رملة سبخة، وما فيها من الطّين طرح يعلوها عند زيادة ماء النّيل، ممّا يحمله من البلاد الجنوبية من مسيل الأودية، فلذلك يكون لون الماء عند الزّيادة متغيّرا، فإذا مكث على الأرض قعد ما كان في الماء من الطّين على الأرض، فسمّاه أهل مصر إبليز، وعليه تزرع الغلال وغيرها، وما لا يشمله ماء النّيل من الأرض لا يوجد فيه هذا الطّين ألبتّة. وأنت إن عرفت أخبار مصر بتأمّلك ما تضمّنه هذا الكتاب، ظهر لك أنّ موضع جامع عمرو ابن العاص ﵁ كان كروما مشرفة على النّيل، وأنّ النّيل انحسر بعد الفتح عمّا كان تجاه الحصن الذي يقال له قصر الشّمع وعمّا هو الآن تجاه الجامع. وما زال ينحسر شيئا بعد شيء حتى صار السّاحل بمصر من عند سوق/ المعاريج الآن إلى قريب من السّبع سقايات. وجميع الأرض (¬a) التي فيها الآن المراغة خارج مصر إلى نحو السّبع سقايات، وما يقابل ذلك من برّ الخليج الغربي، كان غامرا بالماء كما تقدّم (١). وكان في الموضع الذي تجاه المشهد المعروف بزيد - وتسمّيه العامّة الآن مشهد زين العابدين (٢) - بساتين شرقيها عند المشهد النّفيسي، وغربيها عند السّبع سقايات: منها بساتين عرفت بجنان بني مسكين، وعندها بنى كافور الإخشيدي داره على البركة التي تجاه الكبش وتعرف اليوم ببركة قارون. ومنها بستان يعرف ببستان ابن كيسان، ثم صار صناعة (¬b)، وهو الآن يعرف ببستان الطّواشي. ومنها بستان عرف آخرا بجنان الحارة، وهو من حوض

стр. 2050

الدّمياطي الذي بقرب قنطرة السّدّ الآن إلى السّبع سقايات، وبقرب السّبع سقايات بركة الفيل. ويشرف على بركة الفيل بساتين من دائرها، وإلى وقتنا هذا عليها بستان يعرف بالحبّانيّة، وهم بطن من درما بن عمرو بن عوف بن ثعلبة بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيّئ، فدرما فخذ من طيّئ (١)، والحبّانيّون بطن من درما. وبستان الحبّانيّة فصل النّاس بينه وبين البركة بطريق تسلك فيها المارة. وكان من شرقي بركة الفيل أيضا بساتين، منها: بستان سيف الإسلام فيما بين البركة والجبل الذي عليه الآن قلعة الجبل، وموضعه الآن المساكن التي من جملتها درب ابن البابا إلى زقاق حلب وحوض ابن هنس، وعدّة بساتين أخر إلى باب زويلة (٢). وكذلك شقّة القاهرة الغربيّة كانت أيضا بساتين، فموضع حارة الوزيرية إلى الكافوري كان ميدان الإخشيد، وبجانب الميدان بستانه الذي يقال له اليوم الكافوري. وما خرج عن باب الفتوح إلى منية الأصبغ - الذي يعرف اليوم بالخندق - كان ذلك كلّه بساتين على حافة الخليج الشّرقيّة. وقد ذكرت هذه المواضع في هذا الكتاب مبيّنة. وعند التأمّل يظهر أنّ الخليج الكبير، عند ابتداء حفره، كان أوّله إمّا من (¬a) عند مدينة عين شمس أو من بحريها، لأجل أنّ القطعة التي بجانب هذا الخليج من غربيه، والقطعة التي هي بشرقيه - فيما بين عين شمس وموردة الحلفاء خارج مدينة فسطاط مصر - جميعها طين إبليز. والطّين المذكور لا يكون إلاّ من حيث يمرّ ماء النّيل، فتعيّن أنّ ماء النّيل كان في القديم على هذه الأرض التي بجانبي الخليج، فينتج أنّ أوّل الخليج كان عند آخر النّيل من الجهة البحرية. وينتهي الطّين إلى نحو مدينة عين شمس من الجانب الشّرقي، ويصير ما بعد الخندق في الجهة البحرية رملا لا طين فيه؛ وهذا بيّن لمن تأمّله وتدبّره.

стр. 2051

(¬a)) أخبرني العبد الصّالح أبو هاشم أحمد بن البرهان (١) قال: أخبرني شيخ أدركته، أنّه كان يقف بباب زويلة فيرى الجامع الطّولوني. قال كاتبه: ويشهد لصحّة هذا الخبر أحوال البلاد في الدّولة الفاطميّة والدّولة الأيّوبيّة؛ وذلك أنّ باب زويلة لمّا وضع صيانة للقاهرة، وقد كانت في الدّولة الفاطمية حصنا ينزل به الخلفاء ومن شرّفوه بالسّكنى معهم لا غير ذلك، وكان تجاه باب زويلة براحا. فأمّا ما حازه يمين من خرج من باب زويلة - وهي الأماكن التي تعرف في زمننا بدار التّفّاح إلى تحت الرّبع إلى باب الخرق إلى الحبّانيّة إلى قناطر السّباع، ومن قناطر السّباع إلى الكبش وما هو مطلّ الآن من الدّور على بركة الفيل وما جاور ذلك من حكر الخازن إلى درب ابن البابا إلى حدرة البقر، سالكا منها إلى المدرسة الطّغجيّة إلى اليانسيّة والمحموديّة حتى يأتي باب زويلة - فإنّ هذه الأماكن كلّها كانت أوّلا بساتين ثم حدث بها حارات ومساكن على ما يأتي ذكره إن شاء اللّه. وأمّا ما حازه يسار من خرج من باب زويلة - وهي الأماكن المعروفة الآن بسوق البسطيّين إلى الباب الأحمر (¬b) ومنه إلى التّبّانة إلى الرّميلة - فإنّه كان مقابر. ثم حدث فيه الدّور والمساكن في الدّولة التّركيّة لمّا سكنت القلعة. وسيأتي من ذكر ذلك ما علمته إن شاء اللّه تعالى. وأمّا ما يقابل قلعة الجبل فإنّ الرّميلة - التي تعرف اليوم بسوق الخيل والجمال والحمير - كانت بستانا لابن طولون. وما يحوزه يمين من نزل من باب القلعة المعروف بباب المدرّج - فيما بين السّور والجبل - فإنّه كان براحا واسعا وفيه الميدان الأسود المعروف ب «ميدان القبق»، ولم يزل براحا واسعا لا عمارة فيه إلى بعد سنة عشر وسبع مائة، فمن حينئذ حدثت العمائر. وما يقابل القلعة ممّا يحاذي باب مدرسة السّلطان حسن سالكا منه إلى سويقة العزّي وجامع المارديني إلى الباب الأحمر (¬b)، فإنّه كان مقابر وحدثت فيه هذه الأبنية وأكثرها كان حدوثه بعد السبع مائة (¬a).

стр. 2052

(¬a)) وما حاذى ظهر مدرسة السّلطان حسن إلى المكان المعروف الآن بسويقة منعم، مارّا في طول تلك القصبة إلى الصّليبة وإلى الكبش وقناطر السّباع وما وراء ذلك إلى الجامع الطّولوني، فإنّها من المكان الذي كان يعرف قديما بالقطائع. وتجدّدت هذه الأبنية كلّها بعد عمارة قلعة الجبل. وستقف على تفاصيل ذلك إن شاء اللّه (¬a) (١). وفي هذه الجهة التي تلي الخليج، خارج باب زويلة، حارات قد ذكرت عند ذكر الحارات من هذا الكتاب (٢)، وبقيت هناك أشياء نحتاج أن نعرّف بها وهي: حوض ابن هنس وهو حوض ترده الدّوابّ، وينقل إليه الماء من بئر، وبه صارت تلك الخطّة تعرف. وهي تلي حارة حلب، ويسلك إليها من جانبه (٣). وقفه (¬b) الأمير سعد الدّين مسعود بن الأمير بدر الدّين هنس بن عبد اللّه، أحد الحجّاب الخاصّ في أيّام الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب، في سلخ شعبان سنة سبع وأربعين وستّ مائة، وعمل بأعلاه مسجدا مرتفعا وساقية ماء على بئر معين. (¬c)) ومات هنس أمير جاندار السّلطان الملك العزيز عثمان في سنة إحدى وتسعين وخمس مائة (¬c)، ودفن بجوار الحوض.

стр. 2053

وكان هذا الحوض قد تعطّل في عصرنا، فجدّده الأمير تتر، أحد الأمراء الكبار في الدّولة المؤيّديّة، في سنة إحدى وعشرين وثمان مائة. مناظر الكبش هذه المناظر آثارها الآن على جبل يشكر، بجوار الجامع الطّولوني، مشرفة على البركة التي تعرف اليوم ببركة قارون، عند الجسر الأعظم الفاصل بين بركة الفيل وبركة قارون (١). أنشأها الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب ابن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيّوب في أعوام بضع وأربعين وستّ مائة. وكان حينئذ ليس على بركة الفيل بناء، ولا في المواضع التي في برّ الخليج الغربي من قنطرة السّباع إلى المقس سوى البساتين. وكانت الأرض التي من صليبة جامع ابن طولون إلى باب زويلة بساتين، وكذلك الأرض التي من قناطر السّباع إلى باب مصر بجوار الكبارة ليس فيها إلاّ بساتين (¬a). وهذه المناظر تشرف على ذلك كلّه من أعلى جبل يشكر، وترى باب زويلة والقاهرة، وترى باب مصر ومدينة مصر، وترى قلعة الرّوضة وجزيرة الرّوضة، وترى بحر النّيل الأعظم وبرّ الجيزة. فكانت من أجلّ منتزهات مصر، وتأنّق في بنائها وسمّاها «الكبش» فعرفت بذلك إلى اليوم (٢). وما زالت بعد الملك الصّالح من المنازل الملوكية، وبها أنزل الخليفة الحاكم بأمر اللّه أبو العبّاس أحمد العبّاسيّ لمّا وصل من بغداد إلى قلعة الجبل، وبايعه الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس بالخلافة، فأقام بها مدّة، ثم تحوّل منها إلى قلعة الجبل (٣). وسكن بمناظر الكبش أيضا الخليفة المستكفي باللّه أبو الرّبيع سليمان في أوّل خلافته. وفيها أيضا كانت ملوك حماه من بني أيّوب تنزل عند قدومهم إلى الدّيار المصرية. وأوّل من نزل منهم فيها الملك المنصور (¬b)/ لمّا قدم على الملك الظّاهر بيبرس في المحرّم سنة ثلاث

стр. 2054

وسبعين وستّ مائة (١)، ومعه ابنه الملك الأفضل نور الدّين عليّ، وابنه الملك المظفّر تقيّ الدّين محمود. فعند ما حلّ بالكبش أتاه الأمير شمس الدّين آق سنقر الفارقاني الأستادّار (¬a) بالسّماط، فمدّه بين يديه، ووقف كما يفعل بين يدي الملك الظّاهر. فامتنع الملك المنصور من الرّضا بقيامه على السّماط وما زال به حتى جلس. ثم وصلت الخلع والمواهب إليه وإلى ولده وخواصّه. وفي سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة، أنزل بهذه المناظر نحو ثلاث مائة من مماليك الملك (¬a) الأشرف خليل بن قلاوون، عندما قبض عليهم بعد قتل الأشرف المذكور (٢) (¬b)) وفرّقوا بمناظر الكبش وبدار الوزارة من القاهرة (¬b). ثم إنّ الملك النّاصر محمد بن قلاوون هدم هذه المناظر المذكورة في سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة، وبناها بناء آخر، وأجرى الماء إليها، وجدّد بها عدّة مواضع، وزاد في سعتها، وأنشأ بها إسطبلا تربط فيه الخيول. وعمل زفاف ابنته على ولد الأمير أرغون، نائب السّلطنة بديار مصر، بعدما جهّزها جهازا عظيما (٣): منه بشخاناه (٤)، وداير بيت، وستاره، طرز ذلك بثمانين ألف مثقال ذهب مصري، سوى ما فيه من الحرير وأجرة الصّنّاع. وعمل سائر الأواني من ذهب وفضّة، فبلغت زنة الأواني المذكورة ما ينيف على عشرة آلاف مثقال من الذّهب. وتناهى في هذا الجهاز، وبالغ في الإنفاق عليه حتى خرج عن الحدّ في الكثرة، فإنّها كانت أوّل بناته. ولمّا نصب جهازها بالكبش نزل من قلعة الجبل، وصعد إلى الكبش وعاينه ورتّبه بنفسه، واهتمّ في عمل العرس اهتماما ملوكيّا، وألزم الأمراء بحضوره. فلم يتأخّر أحد منهم عن الحضور، ونقّط الأمراء المغاني (¬c) على مراتبهم من أربع مائة دينار كلّ أمير إلى مائتي دينار، سوى الشّقق الحرير.

стр. 2055

واستمرّ الفرح ثلاثة أيام بلياليها، فذكر النّاس حينئذ أنّه لم يعمل فيما سلف عرس أعظم منه، حتى حصل لكلّ جوقة من جوق المغاني (¬a) اللاتي كنّ فيه خمس مائة دينار مصرية، ومائة وخمسون شقّة حرير. وكان عدّة جوق المغاني (¬a) التي قسّم عليهن ثمان جوق من مغاني (¬a) القاهرة، سوى جوق مغاني (¬a) السّلطانية ومغاني (¬a) الأمراء، وعدّتهن عشرون جوقة، لم يعرف ما حصل لهذه العشرين جوقة من كثرة ما حصل. ولمّا انقضت أيّام العرس، أنعم السّلطان لكلّ امرأة من نساء الأمراء بتعبئة (¬b) قماش على مقدارها، وخلع على سائر أرباب الوظائف من الأمراء والكتّاب وغيرهم. فكان مهمّا عظيما تجاوز المصروف فيه حدّ الكثرة. وسكن هذه المناظر أيضا الأمير صرغتمش النّاصري (¬c) في أيّام السّلطان الملك النّاصر حسن بن محمد ابن قلاوون، وعمّر الباب الذي هو موجود الآن وبدنتي الحجر اللتين بجانبي باب الكبش بالحدرة. ثم إنّ الأمير يلبغا العمريّ، المعروف بالخاصّكيّ، سكنها إلى أن قتل في سنة ثمان وستين وسبع مائة؛ فسكنه من بعده مملوكه (¬c) الأمير أسندمر، إلى أن قبض عليه الملك الأشرف شعبان ابن حسين بن محمد بن قلاوون، وأمر بهدم الكبش، فهدم وأقام خرابا لا ساكن فيه إلى سنة خمس وسبعين وسبع مائة، فحكره النّاس، وبنوا فيه مساكن، وهو على ذلك إلى اليوم (١). خطّ درب ابن البابا هذا الخطّ يتوصّل إليه من تجاه المدرسة البندقدارية (¬e)) من زقاق قد ركّب عليه درب (¬e) بجوار حمّام الفارقاني (٢)، ويسلك فيه إلى خطّ واسع يشتمل على عدّة مساكن جليلة، ويتوصّل منه إلى الجامع الطّولوني وقناطر السّباع وغير ذلك.

стр. 2056

وكان هذا الخطّ بستانا يعرف ببستان أبي الحسين بن مرشد الطّائي، ثم عرف ببستان نامش، ثم عرف أخيرا ببستان سيف الإسلام طغتكين بن أيّوب. وكان يشرف على بركة الفيل، وله دهاليز واسعة عليها جواسق (¬a) تنظر إلى الجهات الأربع. ويقابله - حيث الآن المدرسة البندقدارية (¬b) وما في صفّها إلى الصّليبة - بستان يعرف ببستان الوزير ابن المغربي، وفيه حمّام مليحة. ويتّصل ببستان ابن المغربي بستان عرف أخيرا ببستان شجر الدّر، وهو حيث الآن سكن الخلفاء بالقرب من المشهد النّفيسي. ويتّصل ببستان شجر الدّرّ بساتين إلى حيث الموضع المعروف اليوم بالكبارة من مصر. ثم إنّ بستان سيف الإسلام حكره أمير يعرف بعلم الدّين (¬c) الغتمي. فبنى النّاس فيه الدّور في الدّولة التّركيّة، وصار يعرف بحكر الغتمي (١)، وهو الآن يعرف بدرب ابن البابا. وهو الأمير (¬d) الكبير المعظّم (¬d) الجليل جنكلي بن محمد بن البابا بن جنكلي بن خليل بن عبد اللّه بدر الدّين العجلي (٢)، رأس الميمنة، وكبير الأمراء النّاصريّة محمد بن قلاوون بعد الأمير جمال الدّين نائب الكرك. قدم إلى مصر في أوائل سنة أربع وسبع مائة، بعدما طلبه الملك الأشرف خليل بن قلاوون، ورغّبه في الحضور إلى الدّيار المصرية، وكتب له منشورا بإقطاع جيّد، وجهّزه إليه. فلم يتّفق حضوره إلاّ في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وكان مقامه بالقرب من آمد، فأكرمه وعظّمه وأعطاه إمرة. ولم يزل مكرّما معظّما، وفي آخر وقته - بعد خروج الأمير أرغون النّائب من مصر - كان السّلطان يبعث إليه الذّهب مع الأمير بكتمر السّاقي وغيره، ويقول له: لا تبوس الأرض على هذا، ولا تنزله في ديوانك. وكان أوّلا يجلس رأس الميمنة ثاني نائب الكرك، فلمّا سار نائب الكرك لنيابة طرابلس، جلس الأمير جنكلي رأس/ الميمنة، وزوّج السّلطان ابنه إبراهيم بن محمد ابن قلاوون بابنة الأمير بدر الدّين.

стр. 2057

وما زال معظّما في كلّ دولة، بحيث أنّ الملك الصّالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون كتب له عنه «الأتابكي الوالدي البدري»، وزادت وجاهته في أيّامه إلى أن مات يوم الاثنين سابع عشر ذي الحجّة سنة ستّ وأربعين وسبع مائة. وكان شكلا مليحا حليما، كثير المعروف والجود، عفيفا لا يستخدم مملوكا أمرد ألبتّة، واقتصر من النّساء على امرأته التي قدمت معه إلى مصر ومنها أولاده. وكان يحبّ العلم وأهله، ويطارح بمسائل علمية، ويعرف ربع (¬a) العبادات ويجيده، ويتكلّم على الخلاف فيه، ويميل إلى الشّيخ تقيّ الدّين أحمد بن تيميّة، ويعادي من يعاديه، ويكرم أصحابه ويكتب كلامه، مع كثرة الإحسان إلى النّاس بماله وجاهه. وكان ينتسب إلى إبراهيم بن أدهم (١)، وهو من محاسن الدّولة التّركيّة، ﵀. حكر الخازن هذا المكان، فيما بين بركة الفيل وخطّ الجامع الطّولوني، كان من جملة البساتين، ثم صار إسطبلا للجوق الذي فيه خيول المماليك السّلطانيّة. فلمّا تسلطن الملك العادل كتبغا أخرج منه الخيول، وعمّره (¬b) ميدانا يشرف على بركة الفيل في سنة خمس وتسعين وستّ مائة، ونزل إليه ولعب فيه بالكرة (¬c) أيّام سلطنته كلّها إلى أن خلعه الملك المنصور لاجين، وقام في الملك من بعده، فأهمل أمره. وعمّر فيه الأمير علم الدّين سنجر الخازن والي القاهرة بيتا (¬d)، فعرف من حينئذ بحكر الخازن، وتبعه النّاس في البناء هناك، وأنشأوا فيه الدّور الجليلة. فصار من أجلّ الأخطاط وأعمرها، وأكثر من يسكن به الأمراء والمماليك. (¬e)) ومن جملة الميدان المذكور إسطبل بكتمر السّاقي تجاه الكبش على بركة الفيل (¬e) (٢).

стр. 2058

سنجر الخازن - الأمير علم الدّين الأشرفي (١)، أحد مماليك الملك المنصور قلاوون، وتنقّل في أيّام ابنه الملك الأشرف خليل، وصار أحد الخزّان فعرف بالخازن. ثم ولي شّدّ الدّواوين مع الصّاحب أمين الدّين، ونقل (¬a) منها إلى ولاية البهنسا، ثم إلى ولاية القاهرة وشدّ الجهات. فباشر ذلك بعقل وسياسة وحسن خلق، وقلّة ظلم ومحبّة للسّتر وتغافل عن مساوئ النّاس، وإقالة عثرات ذوي الهيئات، مع العصبيّة والمعرفة وكثرة المال وسعة الحال واقتناء الأملاك الكثيرة. ثم إنّه صرف عن ولاية القاهرة بالأمير قدادار في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مائة، فوجد النّاس من عزله بقدادار شدّة. وما زال بالقاهرة إلى أن مات ليلة السبت ثامن جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبع مائة، فوجد له أربعة عشر ألف أردبّ غلّة عتيقة وأموال كثيرة، وله من الآثار مسجد بناه فوق درب استجدّه بحكر الخازن، وخانقاه بالقرافة دفن فيها، عفا اللّه عنه. (¬b)) وهو أوّل من أنشأ الميدان على بركة الفيل وعمّر فيه، وفتح باب الدّرب وبنى فوقه مسجدا فسمّي حكر الخازن لذلك (¬b) (٢). ربع البزادرة هذا الرّبع تحت قلعة الجبل بسوق الخيل، عمّر بعد سنة ثلاث عشرة وسبع مائة، وكان مكانه لا عمارة فيه، فبنى الأجناد بجواره عدّة مساكن، واستجدّوا حكرين من جواره (¬b) داخل درب قطلوبغا الأعرج الذي فيه هذا الرّبع (¬b). فامتدّت العمائر إلى تربة شجر الدّرّ - حيث كان البستان المعروف بشجر الدّرّ - وهناك الآن سكن الخلفاء (٣). وامتدّت العمائر من تربة شجر الدّرّ إلى

стр. 2059

المشهد النّفيسي (¬a)) وإلى كيمان مصر ومن الكيمان إلى السّور بجوار باب القرافة (¬a)، ومرّوا من تجاه المشهد بالعمائر إلى أن اتّصلت بعمائر مصر وباب القرافة، (¬a)) وعمّر أيضا بحكر الخليفة أبي الرّبيع سليمان من جوار السّيّدة نفيسة، فصارت بيوتا كثيرة ومساكن عديدة، كلّ ذلك في أيّام النّاصر بعد سنة إحدى عشرة وسبع مائة (¬a) (١). خطّ قناطر السّباع كان هذا الخطّ في أوّل الإسلام يعرف بالحمراء القصوى (¬b)، نزل فيه طائفة تعرف ببني الأزرق وبني روبيل. ثم دثرت هذه الخطّة، وبقيت صحراء فيها ديارات وكنائس للنّصارى تعرف بكنائس الحمراء. فلمّا زالت دولة بني أميّة، ودخل أصحاب بني العبّاس إلى مصر في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، نزلوا في هذه الخطّة، وعمّروا بها فصارت تتّصل بالعسكر. وقد تقدّم خبر العسكر في هذا الكتاب (٢). فلمّا خرب العسكر، وصار هذا المكان بساتين وغيرها، إلى أن حفر الملك النّاصر محمد بن قلاوون البركة النّاصريّة، وأنشأ ميدان المهارى والزّربيّة (¬c) (٣) والرّبعين بجوار الجامع الطّيبرسي على شاطئ النّيل، بنى النّاس في حكر آقبغا، واتّصلت العمائر من خطّ السّبع سقايات وخطّ قناطر السّباع حتى اتّصلت بالقاهرة ومصر والقرافة، وذلك كلّه من بعد سنة عشرين وسبع مائة. بئر الوطاويط هذه البئر أنشأها الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن الفرات - المعروف بابن حترابة - لينقل منها الماء إلى السّبع سقايات التي أنشأها وحبسها لجميع المسلمين التي كانت بخطّ الحمراء، وكتب عليها:

стр. 2060

«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، للّه الأمر من قبل ومن بعد، وله الشّكر وله الحمد، ومنه المنّ على عبده جعفر بن الفضل بن جعفر بن الفرات، وما وفّقه له من البناء لهذه البئر وجريانها إلى السّبع سقايات التي أنشأها، وحبسها لجميع المسلمين، وحبسه وسبّله وقفا مؤبّدا لا يحلّ تغييره ولا العدول بشيء من مائه، ولا ينقل ولا يبطل، ولا يساق إلاّ إلى حيث مجراه إلى السّقايات المسبّلة، ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اَللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الآية ١٨١ سورة البقرة]. وذلك في سنة خمس وخمسين وثلاث مائة، وصلّى اللّه على نبيّه محمد وآله وسلّم» (١). فلمّا طال الأمر خربت السّقايات، وإلى اليوم يعرف موضعها بخطّ السّبع سقايات، وبني فوق البئر المذكورة، وتولّد فيها كثير من الوطواط (¬a)، فعرفت ببئر الوطاويط./ ولمّا أكثر النّاس من بناء الأماكن، في أيّام النّاصر محمد بن قلاوون، عمّر هذا المكان، وعرف إلى اليوم ب «خطّ بئر الوطاويط». وهو خطّ عامر. فهذا ما في جهة الخليج ممّا خرج عن باب زويلة. وأمّا جهة الجبل فإنّها كانت عند وضع القاهرة صحراء. وأوّل من أعلم أنّه عمّر خارج باب زويلة من هذه الجهة الصّالح طلائع بن رزّيك، فإنّه أنشأ الجامع الذي يقال له جامع الصّالح، ولم

стр. 2061

يكن بين هذا الجامع وبين هذا الشّرف الذي عليه الآن قلعة الجبل بناء ألبتّة (١). إلاّ أن هذا الموضع الآن عمل النّاس فيه مقبرة، فيما بين جامع الصّالح وبين هذا الشّرف، من حيث بنيت الحارات خارج باب زويلة. فلمّا عمّرت قلعة الجبل، عمّر النّاس بهذه الجهة شيئا بعد شيء، وما برح من بنى هناك يجد عند الحفر رمم الأموات (٢). وقد صارت هذه الجهة في الدّولة التّركيّة - لا سيّما بعد سنة ثلاث عشرة وسبع مائة - من أعمر الأخطاط، وأنشأ فيها الأمراء الجوامع والدّور الملوكية، وتجدّدت هناك عدّة أسواق، وصار الشّارع خارج باب زويلة يفصل بين هذه الجهة وبين الجهة التي من حدّ الخليج. وكلتا هاتين الجهتين الآن عامر (¬a). وفي جهة الجبل خطّ البسطيّين، وخطّ الدّرب الأحمر، وخطّ سوق الغنم، وخطّ جامع المارديني، وخطّ التّبّانة، وخطّ باب الوزير، وخطّ المصنع، وخطّ سويقة العزّي، وخطّ مدرسة ألجاي، وخطّ الرّميلة، وخطّ القبيبات، وخطّ باب القرافة (¬b).

стр. 2062

ذكر خارج باب الفتوح (١) اعلم أنّ خارج باب الفتوح إلى الخندق كان كلّه بساتين، وتمتدّ البساتين من الخندق بحافتي الخليج إلى عين شمس. فيقابل باب الفتوح من خارجه المنظرة، المقدّم ذكرها عند ذكر المناظر التي كانت للخلفاء من هذا الكتاب (٢)، ويلي هذه المنظرة بستان كبير عرف بالبستان الجيوشي، وأوّله من عند زقاق الكحل إلى المطريّة. ويقابله في برّ الخليج الغربي بستان آخر يتوصّل إليه من باب القنطرة، وينتهي إلى الخندق. وقد ذكر خبر هذين البستانين عند ذكر مناظر الخلفاء (٣). وكان بين هذين البستانين بستان الخندق وكان على حافة الخليج من شرقيه، فيما بين زقاق الكحل وباب القنطرة - حيث المواضع التي تعرف اليوم ببركة جناق وبالكدّاسين - إلى قريب من حارة بهاء الدّين حارة تعرف بحارة البيازرة، اختطّت في نحو من سنة عشرين وخمس مائة، وكانت مناظرها تشرف على الخليج، وبجوارها بستان مختار الصّقلبي، وعرف بعد ذلك ببستان ابن صيرم الذي حكر، وبنيت فيه المساكن الكثيرة بعد ذلك. وكان أيضا خارج باب الفتوح حارة الحسينيّة - وهم الرّيحانية إحدى طوائف عسكر الخلفاء الفاطميين - وهذه الحارة اختطّت بعد الشّدّة العظمى التي كانت بمصر في خلافة المستنصر، فصارت على يمين من خرج من باب الفتوح إلى صحراء الهليلج. ويقابلها حارة أخرى تنتهي إلى بركة الأرمن التي عند الخندق، وتعرف اليوم ببركة قراجا، وقد ذكرت هذه الحارات عند ذكر حارات القاهرة وظواهرها من هذا الكتاب (٤).

стр. 2063

ذكر الخندق هذا الموضع قرية خارج باب الفتوح كانت تعرف أوّلا بمنية الأصبغ. ثم لمّا اختطّ القائد جوهر القاهرة أمر المغاربة أن يحفروا خندقا، ممّا يلي (¬a) الشّام من الجبل إلى الإبليز، عرضه عشرة أذرع في عمق مثلها. فبدئ به يوم السبت حادي عشرين شعبان سنة ستين وثلاث مائة، وفرغ في أيّام يسيرة. وحفر خندقا آخر قدّامه وعمّقه، ونصب عليه بابا يدخل منه - وهو الباب الذي كان على ميدان البستان الذي للإخشيد - وقصد أن يقاتل القرامطة من وراء هذا الخندق، فقيل له من حينئذ «الخندق»، و «خندق العبيد»، و «الحفرة». ثم صار بستانا جليلا من جملة البساتين السّلطانية في أيّام الخلفاء الفاطميين، وأدركناها من منتزهات القاهرة البهجة إلى أن خربت. قال ابن عبد الحكم: وكان عمر بن الخطّاب ﵁ قد أقطع ابن سندر منية الأصبغ، فحاز لنفسه منها ألف فدّان كما حدّثنا يحيى بن خالد، عن اللّيث بن سعد ﵁ ولم يبلغنا أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ أقطع أحدا من النّاس شيئا من أرض مصر، إلاّ ابن سندر فإنّه أقطعه منية الأصبغ، فلم تزل له حتّى مات، فاشتراها الأصبغ بن عبد العزيز من ورثته، فليس بمصر قطيعة أقدم منها ولا أفضل (١). وكان سبب إقطاع عمر ﵁ ما أقطعه من ذلك - كما حدّثنا عبد الملك بن مسلمة، عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه - أنّه كان لزنباع الجذامي (٢) غلام يقال له سندر، فوجده يقبّل جارية له، فجبّه وجدع أذنيه وأنفه (¬b). فأتي سندر إلى (¬c) رسول اللّه ﷺ ، فأرسل إلى زنباع فقال: «لا تحمّلوهم ما لا يطيقون، وأطعموهم ممّا تأكلون، واكسوهم (¬d) ممّا تلبسون، فإن رضيتم/ فأمسكوا، وإن كرهتموهم فبيعوا، ولا تعذّبوا خلق اللّه. ومن مثّل به أو

стр. 2064

أحرق بالنّار فهو حرّ، وهو مولى اللّه ورسوله». فأعتق سندر، فقال: أوص بي يا رسول اللّه، قال رسول اللّه ﷺ : «أوصي بك كلّ مسلم». فلمّا توفّي رسول اللّه ﷺ ، أتى سندر أبا بكر ﵁ فقال: احفظ فيّ وصيّة رسول اللّه ﷺ . فعاله أبو بكر ﵁ حتى توفّي. ثم أتى عمر ﵁ فقال: احفظ فيّ وصيّة رسول اللّه ﷺ . فقال عمر ﵁: نعم إن رضيت أن تقيم عندي أجريت عليك ما كان يجري عليك أبو بكر ﵁ وإلاّ فانظر أي المواضع (¬a) أكتب لك. فقال سندر: مصر لأنّها أرض ريف. فكتب له إلى عمرو بن العاص: «احفظ فيه وصيّة رسول اللّه ﷺ ». فلمّا قدم على (¬b) عمرو ﵁ قطع له أرضا واسعة ودارا. فجعل سندر يعيش فيها، فلمّا مات قبضت في مال اللّه، (¬c)) وهي منية الأصبغ (¬c). قال عمرو بن شعيب: ثم أقطعها عبد العزيز بن مروان الأصبغ بعد، فهي من خير أموالهم. قال: ويقال سندر وابن سندر (١). وقال ابن يونس: مسروح بن سندر الخصيّ مولى زنباع بن روح بن سلامة الجذامي، يكنى أبا الأسود، له صحبة. قدم مصر بعد الفتح بكتاب عمر بن الخطّاب ﵁ بالوصاة، فأقطع منية الأصبغ بن عبد العزيز. روى عنه أهل مصر حديثين، روى عنه مزيد بن عبد اللّه اليزني (¬d)، وربيعة بن لقيط التّجيبي. ويقال سندر الخصيّ، وابن سندر أثبت، توفي بمصر في أيّام عبد العزيز بن مروان، (¬c)) وكان داهيا منكرا جسيما (¬c). ويقال: كان مولاه وجدّه يقبّل جارية له، فجبّه وجدع أنفه وأذنيه، فأتى إلى رسول اللّه ﷺ فشكا ذلك إليه، فأرسل رسول اللّه ﷺ إلى زنباع فقال: «لا تحمّلوهم - يعني العبيد - ما لا يطيقون، وأطعموهم ممّا تأكلون … » فذكر الحديث بطوله. وذكر عن عثمان بن سويد بن سندر، أنّه أدرك مسروح بن سندر الذي جدعه زنباع بن روح - وكان جدّه لأمّه - فقال: كان ربّما تغدّى معي بموضع من قرية عثمان، واسمها

стр. 2065

سميسم (¬a). وكان لابن سندر إلى جانبها قرية يقال لها «قلون» قطيعة، وكان له مال كثير من رقيق وغير ذلك، وكان داهيا (¬b) منكرا جسيما، وعمّر حتى أدرك زمان عبد الملك بن مروان، وكان لروح بن سلامة أبي زنباع، (¬c)) ثم مات (¬c) فورثه أهل التعدد بروح (¬c)) بن سلامة أبي زنباع وكانوا خمسة (¬c) (١). وقال القضاعيّ: مسروح بن سندر الخصيّ - ويكنى أبا الأسود - له صحبة، ويقال له سندر، دخل مصر بعد الفتح سنة اثنتين وعشرين (٢). وقال الكنديّ في كتاب «الموالي»، قال: أقبل عمرو بن العاص ﵁ يوما يسير وابن سندر معه، فكان ابن سندر ونفر معه يسيرون بين عمرو بن العاص ﵁ وأثاروا الغبار. فجعل عمرو عمامته على طرف أنفه، ثم قال: اتّقوا الغبار فإنّه أوشك شيء دخولا وأبعده خروجا، وإذا وقع على الرّئة صار نسمة. فقال بعضهم لأولئك النّفر، تنحّوا، ففعلوا إلاّ ابن سندر، فقيل له: ألا تتنحّي يا ابن سندر؟ فقال عمرو: دعوه، فإنّ غبار الخصيّ لا يضرّ. فسمعها ابن سندر فغضب، وقال: أما واللّه لو كنت من المؤمنين ما آذيتني؛ فقال عمرو: يغفر اللّه لك، أنا بحمد اللّه من المؤمنين، فقال ابن سندر: لقد علمت أنّي سألت رسول اللّه ﷺ أن يوصي بي، فقال: «أوصي بك كلّ مؤمن» (٣). وقال (¬c)) أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد (¬c) بن يونس (¬c)) في كتاب «تاريخ مصر» ومنه نقلت (¬c): أصبغ بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم يكنى أبا زبّان (¬d). حكى عنه أبو خيرة (¬e) عباد بن عبد اللّه (¬f) المعافري، وعون بن عبد اللّه وغيره. توفّي ليلة الجمعة لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ستّ وثمانين قبل أبيه (٤).

стр. 2066

وقال أبو الفرج عليّ بن الحسين الأصبهاني في كتاب «الأغاني الكبير»: عن الرّيّاشي أنّه (¬a) قال عن سكينة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵈: إنّ أبا عذرتها عبد اللّه ابن الحسن بن عليّ، ثم خلفه عليها (¬b) العثماني، ثم مصعب بن الزّبير، ثم الأصبغ بن عبد العزيز ابن مروان. قال: وكان يتولّى مصر، فكتبت إليه سكينة: «إنّ مصر أرض وخمة»، فبنى لها مدينة تسمّى مدينة (¬c) الأصبغ. وبلغ عبد الملك تزوّجه إيّاها، فنفس بها عليه، وكتب إليه: «اختر مصر أو سكينة»، فبعث إليها (¬d) بطلاقها، ولم يدخل بها، ومتّعها بعشرين ألف دينار (١). قلت في هذا الخبر أوهام: منها أنّ الأصبغ لم يل مصر، وإنّما كان مع أبيه عبد العزيز ابن مروان. ومنها أنّ الذي بناه الأصبغ لسكينة منية الأصبغ هذه وليست مدينة. ومنها أنّ الأصبغ لم يطلّق سكينة، وإنّما مات عنها قبل أن يدخل عليها. وقال ابن زولاق في كتاب «إتمام كتاب الكندي في أخبار أمراء مصر»: وفي شوّال - يعني من سنة ستين وثلاث مائة - كثر الإرجاف بوصول القرامطة إلى الشّام ورئيسهم الحسن بن محمّد الأعسم. وفي هذا الوقت ورد الخبر بقتل جعفر بن فلاح، قتله القرامطة بدمشق. ولمّا قتل ملكت القرامطة دمشق، وصاروا إلى الرّملة، فانحاز سعادة (¬e) بن حيّان إلى يافا متحصّنا بها. وفي هذا الوقت تأهّب جوهر القائد لقتال القرامطة، وحفر خندقا وعمل عليه بابا، ونصب عليه البابين (¬f) الحديد اللذين كانا على ميدان الإخشيد، وبنى القنطرة على الخليج، وحفر خندق السّري بن/ الحكم، وفرّق السّلاح على رجال المغاربة والمصريين ووكّل بأبي الفضل جعفر ابن الفضل بن الفرات خادما يبيت معه في داره ويركب معه حيث كان، وأنفذ إلى ناحية الحجاز يتعرّف خبر القرامطة (٢). وفي ذي الحجّة كبس القرامطة القلزم، وأخذوا واليها (٣).

стр. 2067

ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاث مائة، وفي المحرّم بلغت القرامطة عين شمس، فاستعدّ جوهر للقتال لعشر بقين من صفر، وغلّق أبواب الطّابية، وضبط الدّاخل والخارج، وأمر النّاس بالخروج إليه، وأن يخرج الأشراف كلّهم، فخرج إليه أبو جعفر مسلم وغيره بالمضارب. وفي مستهلّ شهر (¬a) ربيع الأوّل التحم القتال مع القرامطة على باب القاهرة وكان يوم جمعة، فقتل من الفريقين جماعة وأسر جماعة، وأصبحوا يوم السبت متكافئين. ثم غدوا يوم الأحد للقتال، وسار الحسن الأعسم بجميع عساكره، ومشى للقتال على الخندق والباب مغلق. فلمّا زالت الشّمس فتح جوهر الباب، واقتتلوا قتالا شديدا، وقتل خلق كثير، ثم ولّى الأعسم منهزما، ولم يتبعه القائد جوهر. ونهب سواد الأعسم بالجبّ، ووجدت صناديقه وكتبه، وانصرف في اللّيل على طريق القلزم، ونهبت (¬b) بنو عقيل وبنو طيّئ كثيرا من سواده وهو مشغول بالقتال. وكان جميع ما جرى على القرمطي بتدبير جوهر وجوائز أنفذها، ولو أراد أخذ الأعسم في انهزامه لأخذه، ولكن الليل حجز فكره جوهر اتّباعه خوفا من الحيلة والمكيدة، وحضر القتال خلق من رعيّة مصر، وأمر جوهر بالنّداء في المدينة: من جاء بالقرمطي أو برأسه فله ثلاث مائة ألف درهم، وخمسون خلعة، وخمسون سرجا بحليّ (¬c) على دوابّها، وثلاث جوائز (١). ومدح بعضهم القائد جوهرا بأبيات منها: [الطويل] كأنّ طراز النّصر فوق جبينه … يلوح، وأرواح الورى بيمينه ولم يتّفق على القرامطة منذ ابتداء أمرهم كسرة أقبح من هذه الكسرة. ومنها فارقهم من كان قد اجتمع إليهم من الكافورية والإخشيدية، فقبض جوهر على نحو الألف منهم وسجنهم مقيّدين. (¬d)) قال كاتبه: خندق السّري بالقرافة وجدّده جوهر حتى بلغ في الحفر قبر الشّافعي، ثم شقّ به مشرّقا على المقابر بالقرافة إلى الجبل المقطّم، أراد بذلك حفظ طريق الفتح من ناحية القلزم. ويعرف هذا المكان إلى اليوم في القرافة ب «الخندق» (¬d) (٢).

стр. 2068

وقال ابن زولاق في كتاب «سيرة الإمام المعزّ لدين اللّه» ومن خطّه نقلت (¬a): وفي هذا الشهر - يعني المحرّم سنة ثلاث وستين وثلاث مائة - تبسّطت المغاربة في نواحي القرافة والمعافر وما قاربها (¬b)، فنزلوا في الدّور، وأخرجوا النّاس من دورهم، ونقلوا السّكّان، وشرعوا في السّكنى في المدينة، وكان المعزّ قد أمرهم أن يسكنوا أطراف المدينة. فخرج النّاس واستغاثوا إلى المعزّ (¬c)، فأمر (¬d) أن يسكنوا نواحي عين شمس. وركب المعزّ بنفسه حتى شاهد المواضع التي ينزلون فيها، وأمر لهم بمال يبنون به - وهو الموضع - المعروف (¬e) اليوم بالخندق والحفرة وخندق العبيد - وجعل لهم واليا وقاضيا. قال (¬f): ثم سكن أكثرهم في المدينة مخالطين لأهل مصر. ولم يكن القائد جوهر يبيحهم سكنى المدينة ولا المبيت فيها (¬g)، وحظر ذلك عليهم، وكان مناديه ينادي كلّ عشيّة: «لا يبيتنّ في المدينة أحد من المغاربة» (١). وقال ياقوت: منية الأصبغ تنسب إلى الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان (٢)، ولا يعرف اليوم بمصر موضع يعرف بهذا الاسم، وزعموا أنّها القرية المعروفة بالخندق قريبا من شرق القاهرة. وقال ابن عبد الظّاهر، (¬h)) وقد ذكر ما قلنا (¬h): الخندق هو منية الأصبغ، وهو الأصبغ ابن عبد العزيز بن مروان (٣). (¬h)) واحتفر الخندق عنده الإمام العزيز باللّه في نوبة القرمطي (¬h). قال كاتبه (¬i): وقد وهم ابن عبد الظّاهر فجعل أنّ الخندق احتفره العزيز باللّه، وإنّما احتفره جوهر كما تقدّم. وأدركت الخندق قرية لطيفة يبرز النّاس من القاهرة إليها ليتنزّهوا بها في أيّام النّيل والرّبيع، ويسكنها طائفة كبيرة، وفيها بساتين عامرة بالنخيل الفخر والثّمار الطّيّبة، وبها سوق وجامع تقام فيه (¬j) الجمعة وعليه قطعة أرض من أرض الخندق يتولاّها خطيبه.

стр. 2069

فلمّا كانت الحوادث والمحن من سنة ستّ وثمان مائة (¬a) وفحش الغلاء وشنع ظلم الدّولة وعمّ الخراب (¬a)، خربت قرية الخندق، ورحل أهلها منها، ونقلت الخطبة من جامعه إلى جامع بالحسينيّة، وبقى معطّلا من ذكر اللّه تعالى وإقامة الصّلاة مدّة. ثم في شعبان سنة خمس عشرة وثمان مائة هدمه الأمير طوغان الدّوادار (١)، وأخذ عمده وخشبه، فلم يبق إلاّ بقيّة أطلاله (٢). وكانت قرية الخندق كأنّها من حسنها ضرّة لكوم الرّيش، وكانت تجاهها من شرقيها (¬a)) يفصل بينهما الخليج الكبير (¬a)، فخربتا جميعا (٣). صحراء الهليلج (¬b) هذه البقعة شرقي الخندق في الرّمل، وإليها كانت تنتهي عمارة الحسينيّة من جهة باب الفتوح، وكان بها شجر الأهليلج الهندي فعرفت بذلك. وأظنّ هذا الأهليلج كان من جملة بستان ريدان الذي يعرف اليوم موضعه (¬c) بالرّيدانيّة (٤).

стр. 2070

ذكر خارج باب النّصر أمّا خارج القاهرة من جهة باب النّصر فإنّه، عندما وضع القائد جوهر القاهرة، كان فضاء ليس فيه سوى مصلّى العيد الذي بناه جوهر. وهذا المصلّى اليوم يصلّى على من مات فيه. وما برح ما بين هذا المصلّى وبستان ريدان، الذي يعرف اليوم بالرّيدانيّة، لا عمارة فيه إلى أن مات أمير الجيوش بدر الجمالي في سنة سبع وثمانين/ وأربع مائة، فدفن خارج باب النّصر بحري المصلّى، وبني على قبره تربة جليلة وهي باقية إلى اليوم هناك. فتتابع بناء التّرب من حينئذ خارج باب النّصر فيما بين التّربة الجيوشيّة والرّيدانيّة، وقبر النّاس موتاهم هناك، لا سيّما أهل الحارات التي عرفت خارج باب الفتوح بالحسينيّة، وهي الرّيدانيّة وحارة البيازرة (¬a) وغيرها (١).
следующие страницы →