يعلم به أهل مصر، فاتّهمه الناس بقتل أتريب وحاربوه تسع سنين. فلمّا مضى من حربهم خمس سنين مضى بهم حتى أوقفهم على قبر أتريب، فحفروه فلم يجدوا به شيئا، وقد نقلته الشّياطين إلى موضع أبي الهول، ودفنته هناك بجانب قبر أبيه وجدّه بيصر.
فازدادوا له تهمة، وعادوا إلى مدينة منف وتحاربوا، فأتاهم إبليس فدلّهم على قبر أتريب حيث نقله، فأخرجوه من قبره ووضعوه على سرير، فتكلّم لهم الشّيطان على لسانه حتى افتتنوا به وسجدوا له، وعبدوه فيما عبدوا من الأصنام.
وقتلوا صا ودفنوه على شاطئ النّيل، فكان النّيل إذا زاد لا يعلو قبره فافتتن به طائفة وقالوا: قد قتل صا ظلما، وصاروا يسجدون لقبره كما يسجد أولئك لأتريب. فعمد آخرون إلى حجر فنحتوه على صورة أشموم، وكان يقال له أبو الهول، ونصبوه بين الهرمين وجعلوا يسجدون له، فصار أهل مصر ثلاث فرق.
ولم تزل الصّابئة تعظّم أبا الهول، وتقرّب له الدّيكة البيض، وتبخّره بالصّندروس.
ذكر الجبال (١)
اعلم أنّ أرض مصر بأسرها محصورة بين جبلين آخذين من الجنوب إلى الشّمال، قليلي الارتفاع، وأحدهما أعظم من الآخر، والأعظم منهما هو الجبل الشّرقيّ المعروف بجبل لوقا، والغربيّ جبل صغير وبعضه غير متّصل ببعض، والمسافة بينهما تضيق في بعض المواضع وتتّسع في بعضها، وأوسع ما يكون بأسفل أرض مصر.
وهذان الجبلان أقرعان لا ينبت فيهما نبات، كما يكون في جبال البلدان الأخر؛ وعلّة ذلك أنّهما بورقيان مالحان، لأنّ قوّة طين مصر تجذب منهما الرّطوبات الموافقة في التكوين، ولأنّ قوّة الحرارة تحلّل منهما الجوهر اللّطيف العذب، وكذلك مياه الآبار منهما مالحة.
وهذان الجبلان يجفّفان ما يدفن فيهما، فإنّ أرض مصر بالطّبع قليلة الأمطار.
وجبل لوقا في مشرق أرض مصر يعوق عنها ريح الصّبا، فعدمت مصر هذا الرّيح، ويعوق أيضا إشراق الشّمس على أرض مصر إذا كانت على الأفق.
стр. 457
وتتعدّد أسماء هذين الجبلين بحسب مواضعهما من الإقليم، فيطل على الفسطاط وعلى القاهرة الجبل المقطّم.
ذكر جبل المقطّم (١)
اعلم أنّ الجبل المقطّم أوّله من الشّرق من الصّين حيث البحر المحيط، ويمرّ على بلاد الطّطر حتى يأتي فرغانة إلى جبال اليتم الممتدّ بها نهر السّغد إلى أن يصل الجبل إلى جيحون، فيقطعه ويمضي في وسطه بين شعبتين منه وكأنّه قطع ثمّ في وسطه، ويستمر الجبل إلى الجوزجان، ويأخذ على الطّالقان إلى أعمال مرو الرّوذ إلى طوس، فيكون جميع مدن طوس فيه، ويتّصل به جبال أصبهان وشيراز إلى أن يصل إلى البحر الهندي، وينعطف هذا الجبل ويمتدّ إلى شهرزور فيمرّ على/ الدّجلة، ويتّصل بجبل الجوديّ، موقف سفينة نوح ﵇ في الطّوفان.
ولا يزال هذا الجبل مستمرّا من أعمال آمد وميافارقين حتى يمرّ بثغور حلب فيسمّى هناك جبل اللّكّام، إلى أن يعدّي الثّغور فيسمّى نهرا، حتى يجاوز حمص فيسمّى لبنان، ثم يمتدّ على الشّام حتى ينتهي إلى بحر القلزم من جهة، ويتّصل من الجهة الأخرى ويسمّى المقطّم، ثم يتشعّب ويتّصل أواخر شعبه بنهاية الغرب. ويقال إنّه عرف بمقطّم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇.
وجبل المقطّم يمرّ على جانبي النّيل إلى النّوبة، ويعبر من فوق الفيّوم فيتّصل بالغرب إلى أرض مقراوة، ويمضي مغرّبا إلى سجلماسة، ومنها إلى البحر المحيط مسيرة خمسة أشهر.
وقال إبراهيم بن وصيف شاه، وذكر مجيء مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح إلى أرض مصر: وكشف أصحاب فليمون الكاهن عن كنوز مصر وعلومهم، التي هيّ بخطّ البرابي، وآثار لهم المعادن (¬a) من الذّهب والزّبرجد والفيروزج والأسبادثم (¬b) وغير ذلك، ووصفوا لهم عمل
стр. 458
الصّنعة - يعني الكيمياء - فجعل مصرايم أمرها إلى رجل من أهل بيته يقال له مقيطام الحكيم، كان يعمل فيه الكيمياء، واختصر من اسمه وبقي ما يدلّ عليه فقيل له «جبل المقطّم»، يعني جبل مقيطام الحكيم (١).
وقال البكريّ: المقطّم - بضمّ أوّله وفتح ثانيه وتشديد الطّاء المهملة وفتحها - جبل متّصل بمصر يوارون فيه موتاهم (٢).
وقال القضاعيّ: المقطّم، ذكر أبو عبد اللّه اليمني أنّ هذا الجبل نسب إلى المقطّم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح، وكان عبدا صالحا، فانفرد بعبادة اللّه فيه، فسمّي الجبل باسمه (٣).
وليس هذا بصحيح، لأنّه لا يعرف لمصر ولد اسمه المقطّم؛ والذي ذكره العلماء أنّ المقطّم مأخوذ من القطم، وهو القطع، فكأنّه لمّا كان منقطع الشّجر والنّبات سمّي مقطّما، ذكر ذلك عليّ بن الحسن الهنائي الدّوسي، المنبوذ بكراع، وغيره (٤).
وروى عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم، عن اللّيث بن سعد ﵁ قال:
سأل المقوقس عمرو بن العاص ﵁ أن يبيعه سفح الجبل المقطّم بسبعين ألف دينار (وفي نسخة بعشرين ألف دينار)، فعجب عمرو من ذلك وقال: أكتب بذلك إلى أمير المؤمنين؛ فكتب بذلك إلى عمر بن الخطّاب ﵁ فكتب إليه عمر: سله ولم أعطاك به ما أعطاك، وهي لا تزرع ولا يستنبط بها ماء [ولا ينتفع بها] (¬a)؟
فسأله فقال: إنّا لنجد صفتها في الكتب أنّ فيها غراس الجنّة. فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه:
«إنّا لا نعلم غراس الجنّة إلاّ المؤمنين، فاقبر فيها من مات قبلك من المؤمنين، ولا تبعه بشيء».
فكان أوّل من قبر فيها رجل من المعافر يقال له عامر، فقيل عمرت؛ فقال المقوقس لعمرو: وما ذلك، وما على هذا عاهدتنا. فقطع لهم الحدّ الذي بين المقبرة وبينهم (٥).
стр. 459
وذكر عمر بن أبي عمر الكندي في «فضائل مصر» أنّ عمرو بن العاص ﵁ سار في سفح الجبل المقطّم ومعه المقوقس، فقال له: ما لجبلكم هذا أقرع ليس به نبات كجبال الشّام؟ فلو شققنا في أسفله نهرا من النّيل وغرسناه نخلا؟ فقال المقوقس: وجدنا في الكتب أنّه كان أكثر الجبال أشجارا ونباتا وفاكهة، وكان منزل المقطّم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح، ﵇. فلمّا كانت الليلة التي كلّم اللّه فيها موسى ﵇ أوحى اللّه إلى الجبال: إنّي مكلّم نبيّا من أنبيائي على جبل منكم، فسمت الجبال كلّها وتشامخت إلاّ جبل بيت المقدس فإنّه هبط وتصاغر، فأوحى اللّه إليه: لم فعلت ذلك؟ - وهو به أخبر - فقال: إعظاما وإجلالا لك يا ربّ. قال: فأمر اللّه سبحانه الجبال أن يحبوه كلّ جبل بما عليه من النّبت، فجاد له المقطّم بكلّ ما عليه من النّبت حتى بقي كما ترى، فأوحى اللّه إليه: إنّي معوّضك على فعلك بشجر الجنّة، أو غراس الجنّة.
فكتب بذلك عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب ﵁ فكتب إليه عمر بن الخطّاب: إنّي لا أعلم شجر الجنّة غير المؤمنين (¬a)، فاجعله لهم مقبرة، ففعل. فغضب المقوقس من ذلك، وقال لعمرو: ما على هذا صالحتني؛ فقطع له عمرو قطيعا نحو بركة (¬b) الحبش تدفن فيه النّصارى (١).
قال: وروي أنّ موسى ﵇ سجد فسجد معه كلّ شجرة من المقطّم إلى طرا (¬c).
وروي أنّه مكتوب في التّوراة (¬d): وإذا فتح مقدسي - يريد وادي مسجد موسى ﵇ بالمقطّم عند مقطع الحجارة. فإنّ موسى ﵇ كان يناجي ربّه بذلك الوادي.
وروى أسد بن موسى قال: شهدت جنازة مع ابن لهيعة: فجلسنا حوله فرفع رأسه فنظر إلى الجبل فقال: إنّ عيسى بن مريم ﵇ مرّ بسفح هذا الجبل وعليه جبّة صوف وقد شدّ
стр. 460
وسطه بشريط وأمّه إلى جانبه، فالتفت إليها وقال: يا أماه، هذه مقبرة أمّة محمد ﷺ (١).
وروى عبد اللّه بن لهيعة، عن عيّاش بن عبّاس، أنّ كعب الأحبار ﵁ سأل رجلا يريد إلى (¬a) مصر فقال له: أهدني تربة من سفح مقطّمها، فأتاه منه بجراب، فلمّا حضرت كعبا الوفاة أمر به فجعل في لحده تحت جنبه (¬b) (٢).
وروي عن كعب أنّه سئل عن جبل مصر فقال: إنّه لمقدّس ما بين القصير إلى/ اليحموم. قال ابن لهيعة: والمقطّم ما بين القصير إلى مقطع الحجارة، وما بعد ذلك فمن اليحموم.
وفي هذا الجبل حجر من الجماهر (¬c)، وشيء من البلار (¬d)، وهو يمتدّ إلى أقاصي بلد (¬e) السّودان.
الجبل الأحمر
هذا الجبل مطلّ على القاهرة من شرقيها الشّمالي، ويعرف باليحموم.
قال القضاعيّ: اليحاميم هي الجبال المتفرّقة المطلّة على القاهرة من جانبها الشّرقي وجبّانتها.
وتنتهي هذه الجبال إلى بعض طريق الجبّ. وقيل لها اليحاميم لاختلاف ألوانها. واليحموم في كلام العرب الأسود المظلم (٣).
وقال ابن عبد الحكم، عن شفيّ بن عبيد: إنّه لمّا قدم مصر وأهل مصر قد اتّخذوا مصلّى بحذاء ساقية أبي عون التي في العسكر، فقال: ما لهم وضعوا مصلاّهم في الجبل الملعون، وتركوا الجبل المقدّس (٤)، يعني المقطّم؟
стр. 461
وقال ابن عبد الظّاهر: الجبل الأحمر، ذكر القضاعيّ أنّ اليحموم هو الجبل المطلّ على القاهرة، ولا أرى جبلا يطلّ على القاهرة غيره (١).
وقال البكريّ: اليحموم - بفتح أوّله وإسكان ثانيه -، قال الحربيّ: اليحموم جبل بمصر.
وروى من طريق أبي قبيل عن عبد اللّه بن عمرو: أنّه سأل كعبا عن المقطّم: أملعون هو (¬a)؟ قال:
ليس بملعون، ولكنّه مقدّس من القصير إلى اليحموم (٢).
وذكر البكريّ أيضا أنّ عابدا، بالباء الموحّدة والدال المهملة على وزن فاعل؛ جبل بمصر قبل المقطّم (٣).
جبل يشكر
هذا الجبل فيما بين القاهرة ومصر عليه الجامع الطّولونيّ.
قال القضاعيّ: جبل يشكر، هو يشكر بن جديلة من لخم، وهو الذي عليه جامع ابن طولون. ويشكر بن جديلة قبيلة من قبائل العرب اختطّت عند الفتح بهذا الجبل، فعرف بجبل يشكر لذلك.
قال ابن عبد الظّاهر: وجامع ابن طولون على جبل يشكر، وهو مكان مشهور بإجابة الدّعاء ومكان مبارك. وقيل إنّ موسى ﵇ ناجى ربّه عليه (¬b) (٤).
وكان هذا الجبل يشرف على النّيل، وليس بينه وبين النّيل شيء، وكان يشرف على البركتين - أعني (¬c)) البركة التي تعرف اليوم (¬c) ببركة الفيل والبركة التي تعرف ببركة قارون. وعلى هذا الجبل كانت تنصب المجانيق التي تجرّب قبل إرسالها إلى الثّغور (٥).
стр. 462
الكبش
هو جبل بجوار جبل (¬a) يشكر، كان قديما مشرفا (¬b) على النّيل من غربيه؛ ثم لمّا اختطّ المسلمون مدينة الفسطاط بعد فتح أرض مصر، صار الكبش من جملة خطّة الحمراء القصوى، وسمّي الكبش (١).
الشّرف
اسم لثلاثة مواضع: فاثنان منها فيما بين القاهرة ومصر، وواحد فيما بين بركة الحبش وفسطاط مصر.
فأمّا الذي بظاهر القاهرة، فأحدهما عليه الآن قلعة الجبل، وهو من جملة الجبل المقطّم؛ والآخر فيما بين الجامع الطّولوني ومصر، فيشرف غربيه على جهة الخليج الكبير، ويصير فيما بين كوم الجارح وخطّ الجامع الطّولوني، وكان من خطّة تجيب، ثم صار من جملة العسكر؛ وأمّا الشّرف الثالث فيعرف اليوم بالرّصد، وهو يشرف على راشدة.
وكان يقال للشّرف سند، والسّند ما قابلك من الجبل وعلا عن السّفح، ويقال فلان سند أي معتمد.
ذكر الرّصد
هذا المكان شرف يطلّ من غربيه على راشدة، ومن قبليه على بركة الحبش، فيحسبه من رآه من جهة راشدة جبلا، وهو من شرقيه سهل يتوصّل إليه من القرافة بغير ارتقاء ولا صعود. وهو محاذ للشّرف الذي كان من جملة العسكر، والشّرف الذي يعرف اليوم (¬c) بالكبش.
وكان يقال له قديما الجرف، ثم عرف بالرّصد من أجل أنّ الأفضل أبا القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي أقام فوقه كرة لرصد الكواكب، فعرف من حينئذ بالرّصد.
قال في كتاب «عمل الرّصد»: وحمل إلى الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ (¬a) من الشّام تقاويم لما يستأنف من السّنين لاستقبال سنة خمس مائة من سني الهجرة؛ قيل مائة تقويم
стр. 463
أو نحوها. وكان منجّمو الحضرة يومئذ - ابن الحلبيّ وابن الهيثمي وسهلون وغيرهم - يطلق لهم الجاري في كلّ شهر والرّسوم والكسوة على عمل التّقويم في كلّ سنة. وكان كلّ منهم يجتهد في حسابه وما تصل قدرته إليه، فإذا كان في غرّة السّنة حمل كلّ منهم تقويمه، فيقابل بينها وبين التّقويمات المحضرة من الشّام فيوجد بينها اختلاف كثير، فأنكر ذلك.
فلمّا كان غرّة ثلاث عشرة وخمس مائة - عند إحضار التّقاويم على العادة - جمع المنجّمين والحسّاب وأهل العلم، وسألهم عن السّبب في الخلف بين التّقاويم، فقالوا: الشّاميّ يحسب ويعمل على رأي الزّيج الممتحن (¬a) المأموني، ونحن نعمل على رأي الزّيج الحاكمي لقرب عهده، وبين المتقدّم والمتأخّر تفاوت وخلف، وقد أجمع القدماء أنّ القريب العهد أصحّ من المتقدّم لتنقّل الكواكب وتغيّر الحساب.
وتحدّثوا في معنى ذلك بما هو مذكور في موضعه، وأشاروا عليه بعمل رصد/ مستجدّ يصحّح به الحساب، ويخرج المعور والتّفاوت، وتحصل به المنفعة العظيمة، والفائدة الجليلة، والسّمعة الشّريفة، والذّكر الباقي؛ فقال: من يتولّى ذلك؟ فقال صاحب دسته ومشيره، الشّيخ الأجلّ أبو الحسن بن أبي أسامة: هذا القاضي ابن أبي العيش الطّرابلسيّ المهندس العالم الفاضل. وكان ابن أبي العيش صهره زوج ابنته، وهو شيخ كبير السّن والقدر، كثير المال. وساعده على ذلك القائد أبو عبد اللّه الذي تقلّد الوزارة بعد الأفضل، ودعي ب «المأمون بن البطائحي». فاستصوب الأفضل ذلك وقال: مروه يهتمّ بذلك، ويستدعي ما يحتاج إليه.
فكان أوّل ما بدأ به لمّا حصل ذلك أن مدح نفسه - وكان الأفضل غيورا على كلّ شيء، أشدّ ما عليه من يفتخر أو يلبس ثيابا مذكورة - ثم قال: هذه الآلات عظيمة، وخطرها جسيم، ولا كلّ أحد يقدم عليها ولا يحسنها. وأكثر الكلام والتّوسعة، وقال: يحتاج الذي يتولّى ذلك يعتمد معه الإنعام والإكرام، لتطيب نفسه للمباشرة، وينشرح صدره، ويقدح خاطره لما يعمل في حقّه.
فضجر الأفضل من ذلك وقال: لقد أكثر في مدح نفسه ولدده، وما يعاملنا بعد لا حاجة إلى معاملته.
فأشار القائد ابن البطائحي وقال: هنا من يبلغ الغرض بأسهل مأخذ، وأقرب وقت وأسرعه، وألطف معنى، أبو سعيد بن قرقة الطّبيب، متولّي خزائن السّلاح والسّروج والصّناعات وغير ذلك.
стр. 464
فأحضره للوقت، فاتّفق له من الحديث الحسن السّهل، وما سبب عمل الآلات، ومن ابتدأها من الأول، وذكر القدماء في ابتداء العالم (¬a)، ومن رصد منهم واحدا واحدا إلى آخرهم شرحا مستوفى، كأنّه يحفظه ظاهرا، أو يقرأه من كتاب (١).
فأعجب الأفضل والحاضرين، وقال: أيّ شيء تحتاج؟ فقال: ما أحتاج كبير أمر، والأمور سهلة، وكلّ ما أحتاجه في خزائن السّلطان - خلّد اللّه ملكه - النّحاس والرّصاص والآلات، وكلّ ما أحتاج أستدعيه أوّلا أوّلا، والنّفقات وأجرة الصّنّاع فيتولاّها غيري. فأعجب به وقال:
يطلق له جار لنفسه؛ فقال: أنا مستخدم في عدّة خدم، فجواري تكفيني، فأنا مملوك الدّولة ما أحتاج إلى جار، وإذا بلغت الغرض وأنهيت الأشغال فهو المقصود.
وكان قيل للأفضل: هذا الرّصد يحتاج إلى أموال عظيمة، فقال: كم تقول يحتاج إليه؟ فقال: ما ينفق عليه إلاّ مثل ما ينفق على مسجد أو مستنظر.
فرجع يكرّر عليه القول، فقال: هاتوا ورقة. فكتب فيها:
«المملوك يقبّل الأرض وينهي: دعت الحاجة إلى خروج الأمر العالي إلى دار الوكالة بإطلاق مائتي قنطار من النّحاس الفخر، وثمانين قنطارا من النّحاس القضيب الأندلسي، وأربعين قنطارا من النّحاس الأحمر، ومن الرّصاص ألف قنطار، ومن الحطب ومن الحديد والفولاذ من الصّناعة ما لعلّه يحتاج إليه، ومن الأخشاب ومن النّفقة مائة دينار على يد شاهد ينفق عليه، فإذا فرغت أستدعي غيرها، وأحتاج موضعا يصلح الرّصد فيه، ويكون العمل والصّناعة فيه، ومباشرة السّلطان فيما يتوقّف عليه، وما يستأمر فيه».
فاستصوب الأفضل جميع ذلك، وأراد أن يخلع عليه فقال القائد: هذا فيما بعد إذا شوهدت أعماله. فخدم من أوّل الحال إلى آخرها ولم يحصل له الدّرهم الفرد؛ لأنّه كان يستحيي أن يطلب وهو مستخدم عندهم، وكانوا بأجمعهم يؤمّلون طول المدّة والبقاء، فقتل الأفضل ثاني سنة، وتغيّرت الأحوال.
стр. 465
ثم إنّهم اختاروا للرّصد مسجد التّنّور فوق المقطّم، فوجدوه بعيدا عن الحوائج، فأجمعوا على سطح الجرف بالمسجد المعروف بالفيلة الكبير - وكان قد صرف على المسجد خاصّة ستة آلاف دينار - فحفروا في مسجد الفيلة نقرا في الجبل مكان الصّهريج الآن، فعمل فيه قالب الحلقة الكبيرة - وقطرها عشرة أذرع ودورها ثلاثون ذراعا - وهندموه وحرّروه أيّاما وعمل حوله عشر هرج، على كلّ هرجة منفاخان، وفي كلّ هرجة أحد عشر قنطارا نحاسا وأقلّ وأكثر، والجميع مائة قنطار وكسر، قسّموها على الهرج، وطرح فيها النار من العصر، ونفخوا إلى الثانية من النّهار.
وحضر الأفضل بكرة، وجلس على كرسيّ، فلمّا تهيّأت الهرج ودارت أمر الأفضل بفتحها - وقد وقف على كلّ هرجة رجل، وأمروا بفتحها في لحظة - ففتحت، وسال النّحاس كالماء إلى القالب، وكان قد بقي فيه بعض النّداوة، فلمّا استقرّ به النّحاس بحرارته، تقّعقع المكان النّديّ فلم تتم الحلقة. ولمّا بردت وكشف عنها، إذ هي تامة ما خلا المكان النّديّ. فضجر الأفضل وضاق صدره، ورمى الصّنّاع بكيس فيه ألف درهم، وغضب وركب. فلاطفه ابن قرقة وقال:
مثل هذه الآلة العظيمة التي ما سمع قطّ بمثلها، لو أعيد سبكها عشر مرّات حتى تصحّ ما كان كثيرا؛ فقال له الأفضل: اهتم في إعادتها.
فسبكت وصحّت، ولم يحضر الأفضل في المرّة الثانية ففرح بصحّتها، وعملت ورفعت إلى سطح مسجد الفيلة، وأحضر لها جميع صنّاع النّحاس، وعمل لها بركار خشب من السّنديان - وهو بركار عجيب - وبني في وسط الحلقة مسطبة حجارة متقنة لرجل البركار، وهو قائم مثل عروس الطّاحون، وفيه/ ساعد مثل ناف الطّاحون، وقد لبّس بالحديد، والجميع سنديان جيّد، وطرف السّاعد مهيّأ لعدّة فنون: تارة لتصحيح وجه الحلقة، وتارة لتعديل الأجناب، وتارة للخطوط والحزوز.
وأقام في التّصحيح فيها وأخذ زوائدها بالمبارد مدّة طويلة، وجماعة الصّنّاع والمهندسين وأرباب هذا العلم حاضرون، واستدعى لهم خيمة عظيمة ضربت على الجميع، وعقد تحت الحلقة أقباء وثيقة، وأرادوا قيامها على سطح مسجد الفيلة فلم يتهيّأ لهم، فإنّهم وجدوا المشرق لأوّل بروز الشّمس مسدودا، فاتّفقوا على نقلها إلى المسجد الجيوشي مجاور الأنطاكي، المعروف أيضا بالرّصد، وكان الأفضل بناه ألطف من جامع الفيلة ولم يكمل، فلمّا صار برسم الرّصد كمل (١).
стр. 466
فحضر الأفضل في نقل الحلقة من جامع الفيلة إلى المسجد الجيوشي، وقد أحضرت الصّواري الطّوال العظام والسّرياقات والمنحاتات من الإسكندرية وغيرها، وجمعت الأسطولية ورجال السّودان وبعض أصحاب الرّكاب والجند حتى أدلّوه، وحملوه على العجل إلى مسجد الرّصد الجيوشي.
وثاني يوم حضروا بأجمعهم حتى رفعوه إلى السّطح، وكمّلوه، وأقاموا الحلقة، وجعلوا تحت أكتافها عمودين من رخام سبكوهما بالرّصاص من أسفلهما وأعلاهما حتى لا يرتخي ثقل النّحاس، وجعل في الوسط عمود رخام، وبأعلاه قطب العضادة مسبوك بالنّحاس الكثير لتدور عليه العضادة (١). وعملت من نحاس فما تمارست ولا دارت، فعملوها من خشب ساج وقطبها وأطرافها من نحاس صفائح ليخفّ الدّوران، ثم رصدوا بها الشّمس بعد كلفة.
وكانت الحلقة ترخي الدّرجة والدّقائق كلّ وقت للثّقل، فعمل عمود من نحاس فوق عمود الرّخام ليمسك رخوها. وغلبوا بعد ذلك، فكانت تختلف لشدّة ما كانوا يحرّرونها بالشّواقيل وعضادة الخشب.
وتردّد إليها الأفضل مع كبر سنّه وهو يرتعش (٢)، والقائد يحمله إلى فوق، ويقعد زمانا من التّعب لا يتكلّم ويده ترتعش، فرصدوا قدّامه. وفي خلال ذلك قتل الأفضل ليلة عيد الفطر سنة خمس عشرة وخمس مائة.
وقيل للأفضل عن ابن قرقة إنّه أسرف في كبر الحلقة وعظم مقدارها، فقال له الأفضل: لو اختصرت منها كان أهون؛ فقال: وحقّ نعمتك، لو أمكنني أن أعمل حلقة تكون رجلها الواحدة على الأهرام والأخرى على التّنّور فعلت، فكلّما كبرت الآلة صحّ التّحرير. وأين هذا في العالم العلوي؟
ثم أكثروا عليه فعمل حلقة دونها في الموضع المهندم بالطّوب الأحمر، تحت المسجد الجيوشي، كان قطرها أقلّ من سبعة أذرع ودورها نحو أحد وعشرين ذراعا.
فلمّا كملت قتل الأفضل، ولم ينفق من مال السّلطان في الأجرة والمؤن وما لابد منه سوى نحو مائة وستين دينارا.
стр. 467
فلمّا تمّت الوزارة للمأمون البطائحي، أحبّ أن يكملها - ويقال له «الرّصد المأموني المصحّح»، كما قيل للأوّل «الرّصد المأموني الممتحن» - فأخرج الأمر بنقل الرّصد إلى باب النّصر بالقاهرة، فنقل على الطّريقة الأولى بالعتّالين والأسطولية وطوائف الرّجال، وكان يدفع لهم كلّ يوم برسم الغداء جملة دراهم.
فلمّا صار فوق العجل مضوا به على الخندق من وراء الفتح على المشاهد إلى مسجد الذّخيرة من ظاهر القاهرة (١)، وتعبوا في دخوله من باب النّصر تعبا عظيما لخوفهم أن يصدم فيتغيّر، فنصبوا الصّواري على عقد باب النّصر من داخل الباب، وتكاثر الرّجال في جذب المياحين من أسفل ومن فوق حتى وصل إلى السّطح الكبير، ثم نقلوه من السّطح الكبير إلى السّطح الفوقاني، وأوقفوا له العمد كما تقدّم ذكره، ورصدوا بالحلقة الكبرى كما رصدوا بها على سطح الجرف، فصحّ لهم ما أرادوا من حال الشّمس فقط.
ثم اهتمّوا بعمل ذات حلق يكون قطرها خمسة أذرع، وسبكت في فندق بالعطوفية من القاهرة، وكان الأمر فيها سهلا عندما لحقهم من العناء العظيم في الحلقة الكبيرة والحلقة الوسطى. وتجرّد المأمون لعملها والحثّ فيها، وكان ابن قرقة يحضر كلّ يوم دفعتين، ويحضر أبو جعفر بن حسداي، وأبو البركات بن أبي اللّيث صاحب الدّيوان وبيده الحلّ والعقد؛ فقال له المأمون: اطلع إليهم كلّ يوم وأي شيء طلبوه وقّع لهم به من غير مؤامرة (٢).
وكان قصده ما أطمعوه فيه من أن يقال «الرّصد المأموني المصحّح»، فلو أراد اللّه أن يبقى المأمون قليلا كان كمل رصد جميع الكواكب، لكنّه قبض عليه ليلة السبت ثالث شهر رمضان سنة تسع عشرة وخمس مائة، وكان من جملة ما عدّد من ذنوبه عمل الرّصد المذكور والاجتهاد فيه، وقيل: أطمعته نفسه في الخلافة بكونه سمّاه «الرّصد المأموني» ونسبه إلى نفسه ولم ينسبه إلى الخليفة الآمر بأحكام اللّه.
وأمّا العامّة والغوغاء فكانوا يقولون: أرادوا أن يخاطبوا زحل، وأرادوا أن يعلموا الغيب. وقال آخرون منهم: عمل هذا للسّحر ونحو ذلك كم من الشّناعات.
فلمّا قبض على المأمون بطل، وأنكر الخليفة على عمله، فلم يجسر أحد أن يذكره. وأمر فكسر وحمل إلى المناخات، وهرب المستخدمون ومن كان فيه من الخاصّ.
стр. 468
وكان فيه من المهندسين/ برسم خدمته وملازمته في كلّ يوم بحيث لا يتأخّر منهم أحد:
الشّيخ أبو جعفر بن حسداي، والقاضي بن أبي العيش، والخطيب أبو الحسن عليّ بن سليمان بن البوّاب (١)، والشّيخ أبو المنجّا بن سند السّاعاتي الإسكندراني المهندس، وأبو محمد عبد الكريم الصّقليّ المهندس، وغيرهم من الحسّاب والمنجّمين كابن الحلبي وابن الهيثمي وأبي نصر تلميذ سهلون، وابن دياب، والقلعي، وجماعة يحضرون كلّ يوم إلى ضحوة النّهار، فيحضر صاحب الدّيوان ابن أبي اللّيث، وكان ابن حسداي ربّما تأخّر في بعض الأيّام، فإنّه كان امرأ عظيما صاحب كبرياء وهيبة. وفي كلّ يوم يبعث المأمون من يتفقّد الجماعة ويطالعه بمن كان (¬a) منهم، لأنّه كان كثير التّفقّد للأمور كلّها، وله غمّازون وأصحاب أخبار لا تنام، ولا يكاد يفوته شيء من أحوال الخاصّة والعامّة بمصر والقاهرة ومن يتحدّث، وجعل في كلّ بلد من الأعمال من يأتيه بسائر أخبارها.
وأنا أدركت هذا الموضع الذي يعرف اليوم بالرّصد - حيث جامع الفيلة - عامرا، فيه عدّة مساكن ومساجد، وبه أناس مقيمون دائما، وقد خرب ما هناك وصار لا أنيس به.
وكان الملك النّاصر محمد بن قلاوون قد أنشأ فيه سواقي لنقل الماء من أماكن قد حفر لها خليج من البحر بجوار رباط الآثار النّبويّة، فإذا صار الماء في سفح هذا الجرف المسمّى بالرّصد نقل بسواق هناك قد أنشئت، إلى أن يصير إلى القلعة. فمات ولم يكمل ما أراده من ذلك، كما ذكر في أخبار قلعة الجبل من هذا الكتاب. وما زال موضع هذا الرّصد متنزّها لأهل مصر، ويقال إنّ المعزّ لدين اللّه معدا لمّا قدم من بلاد المغرب إلى القاهرة، لم يعجبه مكانها، وقال للقائد جوهر:
فاتك بناء القاهرة على النّيل، فهلاّ كنت بنيتها على الجرف، يعني هذا المكان (٢).
ويقال إنّ اللّحم علّق بالقاهرة فتغيّر بعد يوم وليلة، وعلّق بقلعة الجبل فتغيّر بعد يومين وليلتين، وعلّق في موضع الرّصد فلم يتغيّر ثلاثة أيام ولياليها، لطيب هوائه. وللّه درّ القائل:
[السريع]
يا ليلة عاش سروري بها … ومات من يحسدنا بالكمد
وبتّ بالمعشوق في المشتهى … وبات من يرقبنا بالرّصد
стр. 469
ذكر مدائن أرض مصر
قال ابن سيدة (١): مدن بالمكان أقام، والمدينة: الحصن يبنى في أصطمّة (¬a) الأرض، مشتقّ من ذلك، والجمع مدائن ومدن. ومن هنا حكم أبو الحسن - فيما حكى الفارسيّ عنه - أنّ مدينة: «فعيلة» (٢).
وقال العلاّمة أثير الدين أبو حيّان (٣): المدينة معروفة مشتقّة من مدن، فهى «فعيلة»، ومن ذهب إلى أنّها «مفعلة»، من دان - فقوله ضعيف لإجماع العرب على الهمز في جمعها، فإنّهم قالوا مدائن بالهمز، ولا يحفظ مداين بالياء. ولا ضرورة تدعو إلى أنّها «مفعلة» من دان، ويقطع بأنّها «فعيلة» جمعهم لها على «فعل»، فإنّهم قالوا مدن، كما قالوا صحف في صحيفة.
واعلم أنّ مدائن مصر كثيرة، منها ما دثر وجهل اسمه ورسمه، ومنها ما عرف اسمه وبقي رسمه، ومنها ما هو عامر.
وأوّل مدينة عرف اسمها في أرض مصر مدينة «أمسوس». وقد محا الطّوفان رسمها، ولها أخبار معروفة، وبها كان ملك مصر قبل الطّوفان، ثم صارت مدينة مصر بعد الطّوفان مدينة منف، وكان بها ملك القبط والفراعنة إلى أن خرّبها بخت نصّر (٤).
стр. 470
فلمّا قدم الإسكندر بن فيلبش المقدوني من مملكة الرّوم، عمّر مدينة «الإسكندرية» عمارة جديدة، وصارت دار المملكة بمصر، إلى أن قدم عمرو بن العاص بجيوش المسلمين وفتح أرض مصر، فاختطّ «فسطاط مصر»، وصارت مدينة مصر إلى أن قدم جوهر القائد من المغرب (¬a) بعساكر المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ، وملك مصر واختطّ «القاهرة»، فصارت دار المملكة بمصر إلى أن زالت الدّولة الفاطمية على يد السّلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب، فبنى «قلعة الجبل» وصارت القاهرة مدينة مصر إلى يومنا هذا (١).
وفي أرض مصر عدّة مدائن ليست دار ملك، وهي: مدينة الفيّوم ومدينة دلاص ومدينة أهناس ومدينة البهنسا ومدينة القيس ومدينة طلخا ومدينة الأشمونين ومدينة أنصنا ومدينة قوص ومدينة سيوط ومدينة فاو ومدينة إخميم ومدينة البلينا ومدينة هو ومدينة قنا ومدينة دندرة ومدينة قفط ومدينة الأقصر ومدينة إسنا ومدينة أرمنت ومدينة أدفو وثغر أسوان، وأدركناه مدينة؛ هذه مدائن الوجه القبلي. وكان أهل مصر يسمّون من سكن من القبط بالصّعيد «المريس»، ومن سكن منهم أسفل الأرض يسمّونه «البيما».
وفي الوجه البحري مدينة نوب من الحوف الشّرقي بأسفل الأرض، ومدينة عين شمس ومدينة أتريب ومدينة نتو (¬b)، ومن قراها ناحية زنكلون، ومدينة تميّ (¬c)، ومدينة بسطة ويعرف اليوم موضعها بتلّ بسطة، ومدينة فربيط (¬d) ومدينة البتنون ومدينة منوف ومدينة طوة ومدينة منوف/ أيضا ومدينة سخا ومدينة الأوسيّة وهي دميرة، ومدينة تندة ومدينة الأفراجون، ومن جملة قراها نشا، ومدينة نفيرة (¬e) ومدينة بنا ومدينة شبر اسنباط (¬f) ومدينة سمنّود ومدينة نوسا ومدينة سبتي (كذا) ومدينة البجوم (¬g) - وقد علت على كورة (¬h) البجوم الرّمال والسّباخ، ويعرف اليوم منها قرية إدكو على ساحل البحر بين إسكندرية ورشيد - ومدينة تنّيس ومدينة دمياط ومدينة الفرما ومدينة العريش ومدينة صا ومدينة ترنوط (¬i) ومدينة قرطسا ومدينة أخنو ومدينة رشيد ومدينة مريوط ومدينة لوبية ومراقية، وليس بعد لوبية ومراقية إلاّ أرض أنطابلس وهي برقة (¬j).
стр. 471
وفي كور القبلة مدينة فاران ومدينة القلزم ومدينة راية ومدينة أيلة ومدينة مدين؛ وأكثر هذه المدائن قد خرب، ومنها ما له أخبار معروفة.
وقد استحدث في الإسلام بعض مدائن، وسيأتي من أخبار ذلك إن شاء اللّه ما يكفي.
وديار مصر اليوم وجهان: قبليّ وبحريّ، جملتهما خمس عشرة ولاية؛ فالوجه القبليّ أكبرهما، وهو تسعة أعمال:
عملّ قوص، وهو أجلّها، ومنه أسوان وعزب (¬a) قمّولة، وأسوان [نهاية] (¬b) حدّ المملكة من الجنوب. وعمل إخميم. وعمل سيوط. وعمل منفلوط. وعمل الأشمونين، وبها الطّحاويّة.
وعمل البهنسا. وعمل الفيّوم. وعمل إطفيح. وعمل الجيزة.
والوجه البحري ستّة أعمال:
عمل البحيرة، وهو متّصل البرّ بالإسكندرية وبرقة. وعمل الغربيّة، وهي جزيرة واحدة يشتمل عليها ما بين البحرين: بحر دمياط وبحر رشيد. والمنوفيّة، ومنها إبيار التي تسمّى جزيرة بني نصر. وعمل قليوب. وعمل الشّرقيّة. وعمل أشموم طناح، ومنها الدّقهليّة والمرتاحيّة، وهنا موقع (¬c) ثغر البرلّس وثغر رشيد والمنصورة (¬d) [المبنية زمان حصار دمياط] (¬b) (١).
وفي هذا الوجه الإسكندرية ودمياط وهما مدينتان لا عمل لهما.
وذكر أبو الحسن المسعودي في كتاب «أخبار الزّمان» أنّ الكوكة - وهي أمّة من أهل أيلة - ملكوا الأرض وقسموا الصّعيد على ثمانين كورة، وجعلوه أربعة أقسام (٢). وكان عدد مدن مصر الدّاخلة في كورها ثلاثين مدينة، فيها جميع العجائب والكور مثل إخميم وقفط وقوص والفيّوم.
ويقال إنّ مصر بن بيصر قسم الأرض بين أولاده، فأعطى ولده أشمون من حدّ بلده إلى رأس البحر إلى دمياط، وأعطى ولده أنصنا من حدّ أنصنا إلى الجنادل، وأعطى لولده صا من صا أسفل الأرض إلى الإسكندرية، وأعطى لولده منوف وسط الأرض السّفلى منف وما حولها، وأعطى لولده قفط غربي الصّعيد إلى الجنادل، وأعطى لولده أتريب شرقيّ الأرض إلى البرّيّة - برّية فاران -
стр. 472
وأعطى لبناته الثّلاث، وهن الفرما وسريام وبدورة، بقاعا من أرض مصر محدّدة فيما بين إخوتهن.
ذكر مدينة أمسوس (١) وعجائبها وملوكها
قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه (¬a) الكاتب في كتاب «أخبار مصر وعجائبها»: وكانت مصر القديمة اسمها أمسوس؛ وأوّل من ملك أرض مصر نقراوش - ومعنى نقراوش: ملك قومه - الجبّار بن مصرايم الأوّل بن مركائيل بن دوائيل بن عرياب (¬b) بن آدم ﵇ ركب في نيّف وسبعين راكبا من بني عرياب (¬b) جبابرة، كلهم يطلبون موضعا يقطنون فيه، فرارا من بني أبيهم عندما بغى بعضهم على بعض وتحاسدوا، وبغى عليهم بنو قابيل بن آدم. فلم يزالوا يمشون حتى وصلوا إلى النّيل، فلمّا رأوا سعة البلد فيه وحسنه، أعجبهم فأقاموا فيه، وبنوا الأبنية المحكمة. وبنى نقراوش مصر وسمّاها باسم أبيه مصرايم، ثم تركها وأمر ببناء مدينة سمّاها أمسوس (٢).
وقال ابن وصيف شاه: وكان قد وقع إليه علم ذلك من العلوم التي تعلّمها دوابيل من آدم ﵇، فبنى الأعلام، وأقام الأساطين، وعمل المصانع، واستخرج المعادن، ووضع الطّلّسمات، وشقّ الأنهار، وبنى المدائن؛ فكلّ علم جليل كان في أيدي المصريين إنّما هو من فضل علم نقراوش وأصحابه، كان ذلك مرموزا على الحجارة، ففسّره فليمون الكاهن الذي ركب مع نوح ﵇ في السّفينة (٣).
стр. 473
ونقراوش هو الذي بنى مدينة أمسوس وعمل بها عجائب كثيرة: منها طائر يصفّر كلّ يوم عند طلوع الشّمس مرّتين وعند غروبها مرّتين، فيستدلّون بصفيره على ما يكون من الحوادث حتى يتهيّأوا لها. ومنها صنم من حجر أسود في وسط المدينة، تجاهه صنم مثله، إذا دخل إلى المدينة سارق لا يقدر أن يزول حتى يسلك بينهما، فإذا دخل بينهما أطبقا عليه فيؤخذ.
وعمل صورة من نحاس على منار عال، لا يزال عليها سحاب يطلع، فكلّ من استمطرها أمطرت عليه ما شاء. وعمل على حدّ البلاد أصناما من نحاس مجوّفة، وملأها كبريتا، ووكّل بها روحانية النار، فكانت إذا قصدهم قاصد أرسلت تلك الأصنام من أفواهها نارا أحرقته. وعمل فوق جبل بطرس منارا يفور بالماء، ويسقي ما حوله من المزارع (١)، ولم تزل هذه الآثار حتى أزالها الطّوفان.
ويقال إنّه هو الذي أصلح مجرى النّيل، وكان قبله يتفرّق بين الجبلين، وإنّه وجّه إلى بلاد النّوبة جماعة هندسوه/، وشقّوا نهرا عظيما منه بنوا عليه المدن وغرسوا الغروس. وأحبّ أن يعرف مخرج النّيل فسار حتى بلغ خلف خطّ الاستواء، ووقف على البحر الأسود الزّفتي، ورأى النّيل يجري على البحر مثل الخيوط حتى يدخل تحت جبل القمر ويخرج منه إلى بطائح (٢)؛ ويقال إنّه هو الذي عمل التّماثيل التي هناك.
وعاد إلى أمسوس وقسم البلاد بين أولاده: فجعل لابنه الأكبر - واسمه نقارش (¬a) - الجانب الغربي، ولابنه شورب الجانب الشّرقي، وبنى لابنه الأصغر - واسمه مصرايم - مدينة برسان وأسكنه فيها (٣).
стр. 474
وأقام ملكا على مصر مائة وثمانين سنة؛ ولمّا مات لطّخ جسده بأدوية ماسكة، وجعل في تابوت من ذهب، وعمل له ناووس (¬a) مصفّح بالذهب، ووضع فيه ومعه كنوز وإكسير وأوان من ذهب لا يحصى ذلك لكثرته (¬b)، وزبروا على الناووس تاريخ موته، وأقاموا عليه طلّسما يمنعه من الحشرات المفسدة (١).
وملك بعده (¬c) ابنه نقارش (¬d) بن نقراوش، وكان كأبيه في علم الكهانة والطّلّسمات، وهو أوّل من عمل بمصر هيكلا، وجعل فيه صور الكواكب السّبعة، وكتب على هيكل كلّ كوكب منافعه ومضارّه، وألبسها كلّها الثّياب الفاخرة، وأقام لها خدمة وسدنة. وخرج من أمسوس مغرّبا حتى بلغ البحر المحيط، وأقام عليه أساطين على رؤوسها أصنام تسرج عيونها [كالمصابيح] (¬e) في اللّيل؛ ومضى على بلاد السّودان إلى النّيل، وأمر ببناء حائط على جنب النّيل، وعمل له أبوابا يخرج منها الماء. وبنى في صحراء الغرب خلف الواحات ثلاث مدن على أساطين مشرفات من حجارة ملوّنة شفّافة، وفي كلّ مدينة عدّة خزائن من الحكمة. وفي إحداها صنم للشّمس على صورة إنسان وجسد طائر من ذهب، وعيناه من جوهر أصفر، وهو جالس على سرير من مغناطيس، وفي يده مصحف العلوم. وفي إحداها صنم رأسه رأس إنسان بجسد طائر، ومعه صورة امرأة جالسة قد عملت من زئبق معقود، لها ذؤابتان، في يدها مرآة، وعلى رأسها صورة كوكب، وقد رفعت المرآة بيديها إلى وجهها. وفي إحداها مطهرة فيها سبعة ألوان من سائل يرد إليها ولا يغيّر بعضها لون بعض.
وفي بعضها صورة شيخ جالس قد عمل من الفيروزج، وبين يديه صبية جلوس كلّهم من عقيق. وفي بعضها صورة هرمس - يعنى عطارد - وهو ينظر إلى مائدة بين يديه من نوشادر، على قوائم من كبريت أحمر، وفي وسطها صحفة من جوهر، وجعل فيها صورة عقاب من زبرجد أخضر، وعيناه من ياقوت أصفر، وبين يديه حيّة زرقاء من فضّة، قد لوت ذنبها على رجليه، ورفعت رأسها كأنّها تنفخ عليه، وجعل فيها صفة المرّيخ وهو راكب على فرس، وفي يده سيف مسلول من حديد أخضر، وجعل فيها عمودا من جوهر أخضر (¬f)، وعليه قبّة من ذهب فيها صورة
стр. 475
المشتري، وجعل فيها قبّة من آنك على أربعة أعمدة من جزع أزرق، وفي سقفها صورة الشّمس والقمر متحاذيين في صورة رجل وامرأة يتحادثان، وجعل فيها قبّة من كبريت أحمر فيها صورة الزّهرة على هيئة امرأة ممسكة بضفائرها، وتحتها رجل من زبرجد أخضر في يده كتاب فيه علم من علومهم كأنّه يقرأ فيه عليها.
وجعل في بقيّة الخزائن من كنوز الأموال والجواهر والحليّ وإكسير الصّنعة وصنوف الأدوية والسّموم القاتلة ما لا يحصى كثرة. وجعل على باب كلّ مدينة طلّسما يمنع من دخولها، وأنفذ لها مسارب تحت الأرض ينفذ بعضها إلى بعض، طول كلّ سرب ثلاثة أميال (١).
وبنى أيضا مدينة بأرض مصر اسمها حلجة (¬a)، وعمل فيها جنّة صفّح حيطانها بالجواهر الملوّنة بالذهب، وغرس فيها أصناف الأشجار، وأجرى تحتها الأنهار، وغرس فيها شجرة مولّدة تطعم سائر الفواكه، وعمل فيها قبّة من رخام أحمر على رأسها صنم يدور مع الشّمس، ووكّل بها شياطين إذا خرج أحد من بيته في اللّيل هلك، وأقام بها أساطين زبر عليها جميع العلوم وصور العقاقير ومنافعها ومضارّها.
وجعل لهذه المدينة مسارب تتّصل بمسارب تلك المدن الثلاث، بين كلّ سرب منها وبين هذه المدينة عشرون ميلا. فلم تزل هذه المدائن حتى أفسدها الطّوفان. ولمّا مات بعد مائة وتسع سنين من ملكه على مصر، جعل (¬b) في ناووس مطلسم ودفن فيه (٢).
وملك بعده أخوه مصرام (¬c) بن نقراوش الجبّار ابن مصرايم - ويقال به سمّيت مصر - وكان حكيما، فعمل هيكلا للشّمس من مرمر مموّه بذهب أحمر، وفي وسطه فرس من جوهر أزرق عليه صورة الشّمس من ذهب أحمر، وعلى رأسه قنديل من الزّجاج فيه حجر مدبّر يضيء أكثر من السّراج.
ثم إنّه ذلّل الأسد وركبها، وسار إلى البحر المحيط، وجعل في وسطه قلعة بيضاء عليها صنم للشّمس، وزبر عليه اسمه وصفته، وعمل صنما من نحاس زبر عليه: «أنا مصرام الجبّار، كاشف
стр. 476
الأسرار، الغالب القهّار، وضعت (¬a) الطّلّسمات الصادقة، وأقمت الصّور الناطقة، ونصبت الأعلام الهائلة على البحار السائلة، ليعلم من بعدى أنّه لا يملك أحد أشدّ من أيدي (¬b)» (١).
وعاد إلى أمسوس، واحتجب عن النّاس ثلاثين سنة، واستخلف رجلا يقال له عيقام من ولد عرياب (¬c) بن/ آدم، وكان كاهنا ساحرا؛ فلمّا مضت المدّة أحبّ أهل مصر أن يروه، فجمعهم عنقام (¬d) بعد ما أعلم مصرام، فظهر لهم في أعلى مجلس مزيّن بأصناف الزّينة، في صورة هائلة ملأت قلوبهم رعبا، فخرّوا له ساجدين، ودعوا له. ثم أحضر إليهم الطّعام فأكلوا وشربوا، وأمرهم بالرّجوع إلى مواضعهم، ولم يروه بعدها (٢).
فملك بعده خليفته عنقام (¬d)، وقد حكى عنه أهل مصر حكايات لا تصدّقها العقول.
ويقال إنّ إدريس ﵇ رفع في أيّامه، وإنّه رأى في علمه كون الطّوفان، فبنى خلف خطّ الاستواء في سفح جبل القمر قصرا من نحاس، وجعل فيه خمسة وثمانين تمثالا من نحاس يخرج ماء النّيل من حلوقها ويصبّ في بطحاء تنتهي إلى مصر.
وسار إليه من أمسوس، فشاهد حكمة بنيانه، وزخرفة حيطانه وما فيها من النّقوش من صور الأفلاك وغيرها. وكان قصرا تسرج فيه المصابيح، وتنصب فيه الموائد وعليها من كلّ الأطعمة الفاخرة في الأواني النّفيسة ما لو أكل منها عسكر لما نقصت ذرّة، ولا يعرف من عملها ولا من وضعها، وفي وسط القصر بركة من ماء جامد الظّاهر، وترى حركته من وراء ما جمد منه؛ فأعجب بما رأى، وعاد إلى أمسوس، واستخلف ابنه عرياق (¬e)، وقلّده الملك وأوصاه، وعاد إلى ذلك القصر وأقام به حتى هلك.
وإلى عنقام (¬d) هذا يعزى مصحف القبط الذي فيه تواريخهم، وجميع ما يجري في آخر الدّهر (¬f) (٣).
فقام من بعده ابنه عرياق (¬e) - (¬g)) ويقال أرياق بن عنقام (¬d)، ويقال له الأثيم (¬g) - فعمل أعمالا عجيبة: منها شجرة صفراء لها أغصان من حديد بخطاطيف، إذا قرب الظّالم منها
стр. 477
أخذته تلك الخطاطيف ولا تفارقه حتى يقرّ بظلمه، ويخرج منه لخصمه.
ومنها صنم من كدّان أسود سمّاه عبد زحل، كانوا يتحاكمون إليه: فمن زاغ عن الحقّ ثبت في مكانه، ولم يقدر على الخروج منه حتى ينصف خصمه من نفسه، ولو أقام سنة. ومن كانت له حاجة قام ليلا ونظر إلى الكوكب (¬a) وتضرّع وذكر اسم عرياق، فإذا أصبح وجد حاجته على بابه.
وعمل شجرة من حديد ذات أغصان، ولطّخها بدواء مدبّر، فكانت تجلب كلّ صنف من الدّواب والسّباع والوحوش إليها حتى يتمكّن من صيدها.
وكان إذا غضب على أهل إقليم سلّط عليهم الوحوش والسّباع، وتارة يجعل ماءهم من الإيداق.
ويقال إنّ هاروت وماروت كانا في زمانه، وإنّه بنى جنّة عظيمة، واغتصب النّساء الحسان وأسكنهن فيها، فعملت عليه امرأة منهن وسمّته فهلك (١).
وملك بعده لوجيم بن نقارش، ويقال بل هو من بني نقراوش الجبّار ويعرف بلوجيم الفتى، وهو الذي أخذ الملك من عرياق بن عنقام الكاهن وردّه لبني نقراوش بعدما خرج عنهم بلا حرب ولا قتل؛ وكان عالما بالكهانة والطّلّسمات فعمل أعمالا عجيبة منها أنّ الغداف والغراب (¬b) كثر في أيّامه وأتلف الزّرع، فعمل أربع منارات في جوانب مدينة أمسوس الأربعة، وعلى كلّ منارة صورة غراب في فمّه حيّة قد التوت عليه، فنفرت عنهم الطّيور المضرّة من حينئذ، ولم تقربهم حتى زالت المنارات بالطّوفان (٢).
وكان حسن السّيرة، منصفا للرّعيّة، عادلا، مقرّبا للكهنة، ولمّا مات دفن في ناووس ومعه كنوزه، وعمل عليه طلّسم يمنعه.
وملك بعده ابنه حضليم (¬c)، وكان فاضلا عالما كاهنا، فعمل أعمالا عجيبة، وهو أوّل من عمل مقياسا لزيادة ماء النّيل بأن جمع أرباب العلوم والهندسة فقدّروا بيتا من رخام على حافة
стр. 478
النّيل، وفي وسطه بركة صغيرة من نحاس فيها ماء موزون، وعليها من جانبيها عقابان من نحاس أحدهما ذكر والآخر أنثى. فإذا كان أوّل الشّهر الذي يزيد فيه النّيل فتح هذا البيت، وجمع الكهّان فيه بين يديه، وزمزم الكهّان بكلامهم حتى يصفّر أحد العقابين: فإن صفّر الذّكر كان الماء تامّا، وإن صفّرت الأنثى كان الماء ناقصا، فيستعدّون عند ذلك لغلاء الأسعار بما يصلحون به شأنهم. وهو الذي بنى القنطرة ببلاد النّوبة على النّيل (١).
ولمّا مات عمل (¬a) في ناووس ومعه كنوزه، وعمل عليه طلّسم.
وملك بعده ابنه هو صال، ويقال هرصال ومعناه خادم الزّهرة، ويقال سوصال بن لوجيم الملك النّقراوشي من بني نقراوش الجبّار. ويقال إنّ نوحا ﵇ ولد في أيّامه.
وكان فاضلا كاهنا عالما بالسّحر والطّلّسمات فعمل عجائب، منها أنّه بنى مدينة عمل في وسطها صنما للشّمس يدور بدورانها، ويبيت مغربا، ويصبح مشرقا. وعمل سربا تحت النّيل، يشقّ (¬b) الأرض وخرج منه متنكّرا حتى بلغ مدينة بابل، وكشف أعمال الملوك.
وكان نوح ﵇ في زمانه؛ وولد له عشرون ولدا، فجعل مع كلّ ولد (¬c) منهم قاطرا (¬d)، وهو رأس الكهنة. وأقام في الملك مائة وسبع عشرة سنة، ثم لزم الهياكل وأقام أولاده على حالهم، كلّ منهم في قسمه الذي أعطاه إيّاه أبوه مدّة سبع سنين (٢).
ثم اجتمعوا على واحد منهم وملّكوه عليهم، وكان اسمه بردشال، وقيل تدرسان (¬e)، فلمّا ملك نفى جميع إخوته إلى المدائن الدّاخلة في الغرب، واقتصر على امرأة من بنات عمّه، وكانت ساحرة. وعمل له قصرا من خشب منقوشا فيه صورة الكواكب، وبسطه بأحسن الفرش، وحمله على الماء، وصار/ يجلس فيه؛ فبينما هو فيه ذات يوم إذ هبّت ريح شديدة اضطرب منها الماء، فانقلب القصر وتكسّر، فغرق هو ومن كان معه في القصر (٣).
стр. 479
وملك بعده أخوه نمرود الجبّار، ويقال شمرود بن هوصال، فأحسن السّيرة وأنصف الرّعيّة وبسط العدل، وجمع إخوته وفرّق عليهم كنوز أخيهم، فسرّ الناس به؛ وطلب امرأة أخيه السّاحرة ففرّت (¬a) بابنها إلى مدينة ببلاد الصّعيد، وامتنعت عليه بسحرها، وأقامت مدّة، فاجتمع (¬b) السّحرة إلى ابنها - وكان اسمه توميدون (١) - وحملوه على طلب الملك، فسار وخرج إليه شمرود وإخوته، فاقتتلوا قتالا عظيما كان فيه الظّفر لتوميدون فقتله، وملك من بعده (٢).
فقام توميدون بن تدرسان بالملك في مدينة أمسوس، وكان عالما فاضلا، فتقوّى بسحر أمّه، وعملت له أعمالا عجيبة، منها قبّة من زجاج على هيئة الكرة، تدور بدوران الفلك، وصوّرت فيها صور الكواكب، فكانوا يعرفون بها أسرار الطّبائع وعلوم العالم.
فلمّا ماتت أمّه السّاحرة بعد ستين سنة من ملكه، طلى جسدها بما يدفع عنه النّتن والحشرات، ودفنت تحت صنم القمر. ويقال إنّها كانت بعد موتها يسمع من عندها صوت بعض الأرواح، وتخبرهم بعجائب، وتجيب عمّا تسأل عنه.
ولمّا مات توميدون بعد مائة سنة من ملكه، عمل له صورة من زجاج مقسومة نصفين، وأدخل فيها بعدما طلي بالأدوية المانعة من النّتن، وأطبقت الصّورة عليه حتى التحمت، وأقيم في هيكل الأصنام، ودفنت كنوزه عنده، وصار يعمل له في كلّ سنة عيد (٣).
وملك بعد ابنه شرياق، ويقال له شرناق، وكان كأبيه في علم الكهانة والسّحر والطّلّسمات، فعمل أعمالا عجيبة، منها على باب مدينة أمسوس هيئة بطّة من نحاس قائمة على أسطوانة إذا دخل غريب من ناحية من النّواحي صفّقت بجناحيها وصرخت، فيؤخذ ذلك الغريب ويكشف أمره حتى يعرف فيما قدم. وشقّ من النّيل نهرا يمرّ إلى مدائن الغرب، وبنى عليه أعلاما ومدنا ومتنزّهات (٤).
وسار ملك من بني مراشي (¬c) بن آدم، ويقال من بني صواثيني بن آدم، خرج من ناحية العراق في أيّامه، وغلب على بلاد الشّام، وقصد مصر ليأخذ ملكها فقيل له إنّك لا تقدر عليها لسحر
стр. 480
أهلها. فتنكّر ودخل في جماعة من خواصّه ليكشف حال أهل مصر، فلمّا وصل إلى أوّل حدّ مصر حبسه الموكّلون بذلك الحدّ هو ومن معه حتى يأمر الملك فيهم بأمره، وبعثوا إليه بصفتهم؛ وكان قد رأى في منامه كأنّه على منار عال، وكأنّ طائرا عظيما انقضّ عليه ليخطفه فحاد عنه حتى كاد يسقط من المنار، فجاوزه الطائر وسلم منه؛ فانتبه مذعورا وقصّ رؤياه على كبير الكهنة، فقال: يطلبك ملك ولا يقدر عليك. ونظر في نجومه فرأى الملك الذي يطلب ملكه قد دخل إلى مصر، وكان ذلك هو الوقت الذي قدم عليه فيه الرّسل بصفات الذين وصلوا إلى حدّ مصر، فأمر بإحضارهم إليه بعد ما يطاف بهم على عجائب مصر كلّها ليروها؛ فأوثقوهم وساروا بهم، وأوقفوهم على عجائب أرض مصر وما فيها من الطّلّسمات، حتى بلغوا إلى الإسكندرية، ثم إلى أمسوس، ثم إلى الجنّة التي عملها مصرام - وكان الملك شرياق مقيما بها - فعند ما وصلوا إليها أظهرت السّحرة التّماثيل العجيبة، فدخلوا عليه وحوله الكهنة وبين يديه نار، لا يصل إليه أحد حتى يخوضها، فمن كان بريئا لم تضرّه، ومن كان يريد بالملك سوءا أو أضمر له مكروها أخذته النار.
فشقّ القوم في وسط النّار واحدا بعد واحد من غير أن تضرّهم، حتى انتهى الأمر إلى ملك العراق، فعندما دنا من النّار أخذته بحرّها فولّى هاربا، فاتّبعوه حتى أخذوه وأوقفوه بين يدي شرياق، فلم يزل به حتى اعترف، فأمر بصلبه، فصلب على الحصن الذي أخذ منه، ونودي عليه: «هذا جزاء من طلب ما لا يصل إليه»، وعفا عن الباقين فساروا من مصر وتحدّثوا بما رأوه من العجائب، فانقطع طمع ملوك الأرض عن طلب ملك مصر (١).
ومات شرياق بعد ما ملك مصر مائة سنة وثلاث سنين (¬a)، فجعل في ناووس ومعه أمواله وطلّسم يحفظه ممّن يقصده.
وملك بعده ابنه شهلوق، فكان عالما بالكهانة والطّلّسمات، فقسم ماء النّيل موزونا ينصرف إلى كلّ ناحية قسطها، ورتّب الدولة، وعمل بيت نار، وهو أوّل من عبد النّار، وعمل
стр. 481
بأمسوس عجائب، منها شجرة على أعلى الجبال تقسم بها الرّياح التي تمنع من أراد مصر بأذى أو فساد من جنّي أو إنسي أو سبع أو طائر.
وعمل بالمدينة قبّة مركّبة على سبعة أركان، ولها سبعة أبواب على كلّ ركن باب، وفي وسط القبّة قبّة من صفر، وفي أعلاها صور الكواكب السّبعة، وتحت القبّة قبّة أخرى معلّقة على سبع أساطين؛ وعلى الباب الأوّل من القبّة [صورة] (¬a) أسد ولبؤة من صفر وهما رابضان، كان يذبح لهما جروا أسود ويبخّرهما بشعره. وعلى الباب الثاني ثور وبقرة يذبح لهما عجلا ويبخّرهما بشعره. وعلى الباب الثّالث خنزير وخنزيرة يذبح لهما خنوصا ويبخّرهما بشعره. وعلى الباب الرّابع كبش وشاة يذبح لهما سخلة ويبخّرهما بشعرها. وعلى الباب الخامس ثعلب وثعلبة يذبح لهما فرخ/ ثعلب ويبخّرهما بشعره. وعلى الباب السّادس عقاب وأنثاه يذبح لهما فرخ عقاب ويبخّرهما بريشه. وعلى الباب السّابع نسر وأنثاه يذبح لهما فرخ نسر ويبخّرهما بريشه ويلطّخ كلاّ منهما بدم ما ذبح له، وتحرق سائر القرابين، ويوضع رمادها تحت عتبات أبواب القبّة، وجعل لهذه القبّة سدنة يشعلون المصابيح ليلا ونهارا (١).
وقسم الناس بمصر سبع مراتب، لكلّ مرتبة منهم باب من أبواب تلك القبّة، فكان الخصم إذا تقدّم إلى شيء من تلك الصّور، وكان ظالما، فإنّه يلتصق بها ولا يتخلّص منها حتى يخرج من الحقّ الذي عليه: الذّكر للذّكر، والأنثى للأنثى، فيعرفون بذلك الظّالم من المظلوم. ولم تزل هذه القبّة بأمسوس حتى أزالها الطّوفان (٢).
ويقال إنّه رأى أباه في النّوم وهو يأمره أن ينطلق إلى جبل وصفه له من جبال مصر، فإنّ فيه كوّة صفتها كذا، على بابها أفعى لها رأسان، إذا أقبل إليها كشّرت في وجهه. فخذ معك طائرين صغيرين ذكرا وأنثى فاذبحهما لها، وألقمها إيّاهما، فإنّها تأخذ برأسيهما وتنتحي بهما إلى سرب. فإذا غابت ادخل الكوّة تجد فيها امرأة عظيمة من نور حارّ يابس، فإنّها تسطع لك وتحسّ بحرارتها فلا تدن منها تحترق، ولكن اقعد حذاءها، وسلّم عليها، فإنّها تخاطبك فافهم ما تقول لك واعمل به، فإنّك تشرف بذلك، وتدلّك على كنوز جدّك مصرام، فإنّها حافظة لها.
стр. 482
فلمّا انتبه عمل ما أمره أبوه، فلمّا قعد بجانب المرأة وسلّم، قالت له: أتعرفني؟ قال: لا؛ قالت: أنا صورة النّار المعبودة في الأمم الخالية، وقد أردت أن تحيي ذكري، وتجدّد لي بيتا تقد لي فيه نارا دائمة بقدر واحد، وتتّخذ لها عيدا في كلّ سنة تحضره أنت وقومك، فإنّك تتّخذ بذلك عندي يدا أنيلك بها شرفا إلى شرفك (¬a)، وملكا إلى ملكك، وأمنع عنك من يطلبك بسوء، وأدلّك على كنوز جدّك مصرام.
فضمن لها أن يفعل كلّ ما أمرته به، فدلّته على الكنوز التي تحت المدائن المعلّقة، وعلّمته كيف يصير إليها وكيف يحترس من الأرواح الموكّلة بها وما ينجيه منها. ثم قال لها: كيف لي بأن أراك في وقت آخر؟ قالت: لا تعد، فإنّ الأفعى لا تمكّنك، ولكن بخّر في بيتك بكذا فإنّي آتيك؛ فسرّ بذلك، وغابت عنه، وخرج، ففعل ما أمرته به من عمل بيت النار، وأخذ كنوز مصرام (١).
ولمّا مات جعل في ناووس ومعه سائر أمواله (¬a) وكنوزه، وجعل عليه طلّسم يحفظه ممّن يقصده.
وملك بعده ابنه سوريد، وكان حكيما فاضلا، وهو أوّل من جبى الخراج بمصر، وأوّل من أمر بالإنفاق على المرضى والزّمنى من خزائنه، وأوّل من سنّ رقعة الصّباح؛ وعمل أعمالا عجيبة، منها مرآة من أخلاط كان ينظر فيها إلى الأقاليم فيعرف فيها ما حدث من الحوادث، وما يخصب منها وما يجدب. وأقام هذه المرآة في وسط مدينة أمسوس، وكانت من نحاس (٢).
وعمل في أمسوس صورة امرأة جالسة في حجرها صبيّ ترضعة، وكانت المرأة من نساء مصر إذا أصابتها علّة في موضع من جسمها أتت هذه الصّورة ومسحت ذلك الموضع من جسدها بمثل ذلك الموضع من الصّورة فتزول عنها العلّة، وإن قلّ لبنها مسحت ثديها بثدي الصّورة فيغزر لبنها، وإن قلّ حيضها مسحت فرجها بفرج الصّورة فيكثر حيضها، وإن كثر دمها مسحت أسفل ركبها بمثل ذلك من الصّورة، وإن عسرت ولادة امرأة مسحت رأس الصّبي الذي في حجر الصّورة فتضع حملها، وإن أرادت التّحبّب إلى زوجها مسحت وجهها وتقول افعلي كذا وكذا،
стр. 483
فإذا وضعت الزّانية يدها عليها ارتعدت حتى تتوب. ولم تزل هذه الصّورة إلى أن أزالها الطّوفان، وفي كتب القبط أنّها وجدت بعد الطّوفان، وأنّ أكثر الناس عبدوها (١).
وعمل سوريد صنما من أخلاط كثيرة، فكان من أصابته علّة في موضع من جسده غسل ذلك الموضع من الصّنم بماء وشرب الماء فإنّه يبرأ.
وسوريد هذا هو الذي بنى الهرمين العظيمين بمصر المنسوبين إلى شدّاد بن عاد، والقبط تنكر أن تكون العاديّة دخلت بلادهم لقوّة سحرهم (٢). ولمّا مات سوريد دفن في الهرم ومعه كنوزه؛ ويقال إنّه كان قبل الطّوفان بثلاث مائة سنة، وإنّه ملك مائة سنة وتسعين سنة.
فملك بعده ابنه هرجيب، وكان كأبيه حكيما فاضلا في علم السّحر والطّلّسمات، فعمل أعمالا عجيبة، واستخرج معادن كثيرة، وأظهر علم الكيمياء، وبنى أهرام دهشور (¬a) وحمل إليها أموالا عظيمة وجواهر نفيسة وعقاقير وسمومات، وجعل عليها روحانيات تحفظها.
وشجّ رجل رجلا فأمر بقطع أصابعه، وسرق رجل مالا فملك المسروق له رقّ السّارق. ولما مات دفن في الهرم ومعه جميع أمواله وذخائره (٣).
وملك بعده ابنه مناوس، ويقال منقاوس، وكان كأبيه في الحكمة، إلاّ أنّه كان جبّارا فاسقا سفّاكا للدماء، ينتزع النّساء من أزواجهن ويبيح ذلك لخواصّه.
وعمل أعمالا عجيبة، واستخرج كنوزا، وبنى قصورا من ذهب وفضّة، وأجرى فيها الأنهار، وجعل حصباءها من أصناف الجواهر النّفيسة، وسلّط رجلا جبّارا اسمه قرناس على النّاس، ووجّهه لمحاربة الأمم الغريبة، فقتل منهم خلائق (٤).
ولمّا مات دفن في بعض قصوره ومعه أمواله، وعمل عليه طلّسم يحفظه ويمنعه من كلّ طالب.
/ وملك بعده ابنه أفروس، وكان كأبيه في العلم والحكمة، ولمّا ملك أظهر العدل وأحسن السّيرة، وردّ النّساء اللاتي غصبن في أيّام أبيه على أزواجهنّ.
стр. 484
وعمل قبّة (¬a) طولها خمسون ذراعا في عرض مائة ذراع، وركّب في جوانبها طيورا من صفر تصفّر بأصوات مطربة مختلفة لا تفتر ساعة. وعمل في وسط مدينة أمسوس منارا عليه رأس إنسان من صفر، كلّما مضى من النّهار أو اللّيل ساعة صاح صيحة يعلم من سمعها بمضيّ ساعة.
وعمل منارا عليه قبّة من صفر مذهّب ولطّخها بلطوخات، فإذا غربت الشّمس (¬b)) في كلّ ليلة (¬b) اشتعلت القبّة نورا تضيء له مدينة أمسوس طول اللّيل حتى يصير مثل النّهار، لا تطفئها الرّياح ولا الأمطار، فإذا طلع النّهار خمد ضوءها.
وأهدى لبعض ملوك بابل مدهنا من زبرجد قطره خمسة أشبار، ويقال إنّه وجد بعد الطّوفان.
وعمل في الجبل الشّرقي صنما عظيما قائما على قاعدة، وهو مصبوغ مصفّر بالذّهب، ووجهه إلى الشّمس يدور معها حتى تغرب، ثم يدور ليلا حتى يحاذي المشرق مع الفجر، فإذا أشرقت الشّمس استقبلها بوجهه.
وبنى بصحراء الغرب مدنا كثيرة، وأودعها كنوزا عظيمة، ونكح ثلاث مائة امرأة، ولم يولد له ولد، فإنّ اللّه تعالى كان قد أعقم الأرحام لما يريد من إهلاك العالم بالطّوفان، ووقع الموت في النّاس والبهائم (١).
ولمّا مات وضع في ناووس بالجبل الشّرقي ومعه أمواله، وطلّسم عليه.
وملك بعده أرمالينوس، فعمل أعمالا عجيبة، وبنى مدنا ومصانع، وجدّد الطّلّسمات.
وكان له ابن عمّ يسمّى فرعان، وكان جبّارا، فأبعده وجعله على جيش سار به عنه، فقهر ملوكا وقتل أمما عظيمة، وغنم أموالا كثيرة وعاد، فشغفت به امرأة من نساء الملك، وما زالت به حتى اجتمع بها وتآلفا وأقاما على ذلك مدّة، فخافا الملك أن يفطن بهما، فعملت المرأة لأرمالينوس سمّا في شرابه هلك منه (٢).
وملك بعده ابن عمّه فرعان بن مسور، فلم ينازعه أحد لشجاعته وسياسته، ولم تطل أعوامه حتى رأى فليمون الكاهن كأنّ طيورا بيضا قد نزلت من السّماء وهي تقول: «من أراد النّجاة فليلحق بصاحب السّفينة».
стр. 485
وكان عندهم علم بحدوث الطّوفان من أيّام سوريد وبنائه الأهرام لأجل ذلك، واتّخذ الناس سراديب تحت الأرض مصفّحة بالزّجاج قد حبست الرّياح فيها بتدبير، وعمل منها فرعان لنفسه ولأهله عدّة (١). فما كذّب أن جمع أهله وولده وتلاميذه، ولحق بنوح ﵇ وآمن به، وأقام معه حتى ركب في السّفينة.
وجاء الطّوفان في أيّام فرعان فأغرق أرض مصر كلّها، وخرّب عمائرها، وأزال تلك المعالم كلّها، وأقام الماء عليها ستة أشهر، ووصل إلى أنصاف الهرمين العظيمين. وسيأتي خبر ذلك إن شاء اللّه تعالى عند ذكر محن مصر من هذا الكتاب.
ويقال إنّ فرعان كان عاتيا متجرّءا (¬a) يغصب الأموال والنّساء، وإنّه كتب إلى الدّرمستيل بن محويل ببابل يشير عليه بقتل نوح ﵇ وأنّه استخفّ بالكهنة والهياكل. ففسدت في أيّامه أرض مصر، ونقص الزّرع، وأجدبت النّواحي، لانهماكه في ضلاله وظلمه، وإقباله على لهوه ولعبه. وأنّ الناس اقتدوا به ففشا ظلم بعضهم لبعض. وأنّه لمّا أقبل الطّوفان وسحّت الأمطار، قام سكران يريد الهرب إلى الهرم، فتخلخلت الأرض به، وطلب الأبواب فخانته رجلاه، وسقط يخور حتى هلك، وهلك من دخل الأسراب بالغمّ (٢)، واللّه تعالى أعلم.
стр. 486
ذكر مدينة منف وملوكها
هذه المدينة كانت في غربي النّيل على مسافة اثني عشر ميلا من مدينة فسطاط مصر، وهي أوّل مدينة عمرت بأرض مصر بعد الطّوفان، وصارت دار المملكة بعد مدينة أمسوس التي تقدّم ذكرها، إلى أن أخربها بخت نصّر (١).
وقد ذكرها اللّه تعالى في كتابه العزيز بقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ اَلْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ [الآية ١٥ سورة القصص]، قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطّبري في كتاب «جامع البيان في تفسير القرآن»: عن السّدّيّ أنّه قال: كان موسى ﵇ حين كبر يركب كمراكب فرعون ويلبس مثل ما يلبس، وكان إنّما يدعى [موسى] (¬a) بن فرعون. ثم إنّ فرعون ركب مركبا وليس عنده موسى، فلمّا جاء موسى ﵇ قيل له إنّ فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل في أرض يقال لها منف، فدخلها نصف النّهار وقد تغلّقت أسواقها وليس في طرقها أحد، وهي التي يقول اللّه جلّ ذكره: ﴿وَدَخَلَ اَلْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ (٢).
وقال ابن عبد الحكم، عن عبد اللّه بن لهيعة: أوّل من سكن بمصر بعد أن أغرق (¬b) اللّه قوم نوح ﵇ بيصر بن حام بن نوح فسكن منف - وهي أوّل مدينة عمّرت بعد الغرق (¬c) - هو وولده، وهم ثلاثون نفسا، منهم أربعة أولاد قد بلغوا وتزوّجوا، وهم: مصر وفارق وماج وياج بنو بيصر، وكان مصر أكبرهم، فبذلك سمّيت مافه (ومافه بلسان القبط: ثلاثون).
وكانت إقامتهم قبل ذلك بسفح المقطّم، ونقروا هناك منازل كثيرة (٣).
стр. 487
وقال ابن خرداذبه في كتاب «المسالك والممالك»: ومدينة منف هي مدينة فرعون التي كان ينزلها، واتّخذ لها/ سبعين بابا من حديد، وجعل حيطان المدينة من الحديد والصّفر. وفيها كانت الأنهار تجري من تحت سريره، وهي أربعة (١).
ويروى أنّ مدينة منف كانت قناطر وجسورا بتدبير وتقدير، حتى إنّ الماء ليجري تحت منازلها وأفنيتها فيحبسونه كيف شاءوا ويرسلونه كيف شاءوا، فذلك قوله تعالى حكاية عن فرعون ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ اَلْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الآية ٥١ سورة الزخرف].
وكان بها كثير من الأصنام لم تزل قائمة إلى أن سقطت فيما سقط من الأصنام في السّاعة التي أشار فيها النّبيّ ﷺ إلى الأصنام يوم فتح مكّة، بقضيب في يده، وهو يطوف حولها ويقول: «جاء الحقّ وزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقا»، فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلاّ وقع لقفاه، ولا أشار لقفاه إلاّ وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلاّ وقع.
وفي تلك السّاعة سقطت أصنام الأرض من الشّرق إلى الغرب، وبقى أصحابها متعجّبين لا يعلمون لها سببا أوجب سقوطها، وبقيت أصنام مدينة منف ساقطة من ساعته، وفيها الصّنمان الكبيران المجاوران للبيت الأخضر الذي كان به صنم العزيز، وكان من ذهب وعيناه ياقوتتان لا يقدر على مثلهما. ثم قطعت الأصنام والبيت الأخضر من بعد سنة ستّ مائة.
ويقال كانت مدينة (¬a) منف ثلاثين ميلا طولا في عشرين ميلا عرضا، وإنّ بعض بني يافث بن نوح عمل في أيّام مصرايم آلة تحمل الماء حتى تلقيه على أعلى سور مدينة منف. وذلك أنّه جعلها درجا مجوّفة كلّما وصل الماء إلى درجة امتلأت الأخرى، حتى يصعد الماء إلى أعلى السّور، ثم ينحطّ فيدخل جميع بيوت المدينة، ثم يخرج من موضع إلى خارج المدينة.
وكان بمنف بيت من الصّوّان الأخضر الماتع الذي لا يعمل فيه الحديد قطعة واحدة، وفيه صور منقوشة وكتابة، وعلى وجه بابه صور حيّات ناشرة صدورها لو اجتمع ألوف من النّاس على تحريكه ما قدروا لعظمه وثقله. والصّابئة تقول إنّه بيت القمر؛ وكان هذا البيت من جملة سبعة بيوت كانت بمنف للكواكب السّبعة.
стр. 488
وهذا البيت الأخضر هدمه الأمير سيف الدّين شيخو (¬a) العمري بعد سنة خمسين وسبع مائة، ومنه شيء في خانقاهه وجامعه الذي بخطّ الصّليبة خارج القاهرة (١).
стр. 489
وقال أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرّحمن القيسي في كتابه «تحفة الألباب»: ورأيت في قصر فرعون موسى بيتا كبيرا من صخرة واحدة، أخضر كالآس، فيه صورة الأفلاك والنّجوم، لم نر عجبا أحسن منه (١).
وقال أبو الصّلت أميّة بن عبد العزيز الأندلسي: وكانت دار الملك بمصر في قديم الدّهر مدينة منف، وهي في غربيّ النّيل على مسافة اثني عشر ميلا من الفسطاط. فلمّا بنى الإسكندر مدينة الإسكندرية رغب الناس في عمارتها، فكانت دار العلم ومقرّ الحكمة إلى أن فتحها المسلمون في أيّام عمر بن الخطّاب ﵁ واختطّ عمرو بن العاص مدينته المعروفة بالفسطاط، فانتشر أهل مصر وغيرهم من العرب والعجم إلى سكناها، فصارت قاعدة ديار مصر ومركزها إلى وقتنا هذا (٢).
وقال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب، وقد ذكر أخبار مدينة أمسوس وخراب عمائر أرض مصر بطوفان نوح ﵇: ولمّا نزل الماء كان أوّل من ملك مصر (٣) بعد الطّوفان بيصر بن حام بن نوح، وكان معه ثلاثون من الجبابرة من أهله وولده، فاجتمعوا وبنوا مدينة منف ونزلوا بها. وكان فليمون الكاهن الذي تقدّم ذكره في خبر مدينة أمسوس من جملتهم، وكان قد زوّج ابنته ببيصر المذكور، وجاءت معه إلى مصر،
стр. 490
وولدت منه ولدا سمّاه مصرايم (١).
فلمّا مات بيصر دفن في موضع دير أبي هرميس، ويقال دير أبي هرميس غربي الأهرام (٢)، ويقال إنّها أوّل مقبرة دفن بها بأرض مصر. وكان موته بعد ألف وثمان مائة وستّ سنين مضت من وقت الطّوفان (٣).
وقال غيره: ثم بنى مصرايم مدينة سمّاها باسمه، فجاءه رجل من بني يافث فعمل له سورا قائما، وصنع له درجا، وأجرى الماء إلى أن بقي يصعد إلى أعلى السّور بحكمة أتقنها، ثم ينزل ذلك الماء من أعلى السّور إلى المدينة فينتفع به فيها بغير مشقّة ولا كلفة، ثم يخرج من ناحية أخرى؛ وكتب على السّور: هذه صنعة من يموت لا صنعة من يدوم.
وملك بعد بيصر ابنه مصرايم بن بيصر، فأظهره فليمون الكاهن على كنوز مصر وعلّمه قراءة خطّهم، وأطلعه على حكمهم. وبنى مصرايم المدن، وشقّ الأنهار، وغرس الأشجار، وبنى مدينة عظيمة سمّاها درسان، وهي العريش، ونكح امرأة من أولاد الكهنة فولدت له ولدا (¬a) سمّاه قفطيم، وبنى مدينة رقودة مكان الإسكندرية (٤).
ولمّا مات مصرايم جعل له سرب طوله مائة وخمسون ذراعا وبسط بالمرمر الأبيض، وعمل في وسطه مجلس مصفّح بصفائح الذّهب، وله أربعة أبواب على كلّ باب تمثال من ذهب على رأسه تاج من ذهب، وهو جالس على كرسي من ذهب قوائمه من زبرجد، ونقش في صدر كلّ تمثال آيات مانعة. وحبسوا جسده في جسد من زبرجد أخضر، شبه تابوت، طوله أربعون ذراعا، دفن فيه ومعه جميع ما كان في خزائنه من ذهب وفضّة وجوهر/، منها ألف قطعة من زبرجد مخروط، وألف تمثال من جوهر نفيس، وألف برنيّة من ذهب مملوءة درّا نفيسا، وألف
стр. 491
آنية من ذهب، وعدّة سبائك من فضّة (١). وعمل عليه طلّسم مانع من الوصول إليه، وزبروا عليه:
«مات مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح بعد ألفين وستّ مائة عام - وقيل بعد سبع مائة سنة - مضت من الطّوفان، ولم يعبد الأصنام، فصار إلى جنّة لا هرم فيها ولا سقم، ولا همّ ولا حزن. وكتب اسم اللّه الأعظم عليه حتى لا يصل إليه أحد إلاّ ملك يأتي في آخر الزمان، يدين بدين الملك الدّيّان، ويؤمن بالبعث والفرقان، والنّبيّ الدّاعي إلى الإيمان في آخر الزمان».
وسقّفوا فوق السّرب بالصّخور العظام، وهالوا عليه الرّمال حتى سدّوا بين جبلين متقابلين.
ويقال كان مصر بن بيصر مع جدّ أبيه نوح ﵇ في السّفينة، فدعا له أن يسكنه اللّه الأرض الطّيّبة المباركة التي هي أمّ البلاد وغوث العباد ونهرها أفضل الأنهار، ويجعل له فيها أفضل البركات، ويسخّر له الأرض ولولده ويذلّلها ويقوّيهم عليها، فسأله عنها فوصفها له وأخبره بها (٢).
وكان بيصر بن حام قد كبر وضعف، فساقه ولده مصرايم وجميع إخوته إلى مصر فنزلوها، وبذلك سمّيت مصر (٣).
وملك بعده ابنه قبطيم، وهو أوّل من عمل العجائب بعد الطّوفان، فاستخرج المعادن، وشقّ الأنهار، ونصب الأعلام والمنارات، وعمل الطّلّسمات (٤).
ويقال إنّ مصرايم لمّا مات اختلف أولاده من بعده، وكان قبط (¬a) أصغرهم، فاجتمعوا عند الأهرام ورضوا بأنّ من غلب منهم أخاه أخذ الملك. فتحارب أشموم وأتريب فغلب أتريب، ثم تحارب صا هو وأشموم فغلب أشموم، ثم تحارب قبط (¬a) وصا فغلب قبط (¬a). فأخذ قبط (¬a) الملك بعد أبيه، وأطاعه إخوته، وسكن مدينة منف دار مملكة أبيه، وتزوّج امرأة ولدت له
стр. 492
أربعة أولاد هم: قفطريم وأشمون وأتريب وصا، فتناسلوا وكثروا وعمّروا البلاد.
ثم إنّه قسم الأرض بين أولاده الأربعة عند وفاته: فجعل لولده قفطريم من أسوان إلى قفط، وجعل لولده أشمون من مدينة قفط إلى مدينة منف، وجعل لولده أتريب الحوف (¬a) كلّه، وجعل لولده صا من ناحية البحيرة إلى الغرب. وجعل أمرهم إلى قفطريم وأمر كلّ واحد منهم أن يبني لنفسه مدينة في حيّزه (١).
وجعل لنفسه سربا تحت الجبل الكبير وصفّحه بالمرمر، وعمل فيه منافذ للريح، فصارت تنخرق فيه بدويّ عظيم، وأقام في السّرب رؤوسا من نحاس مطلية تضيء كالسّرج ليلا ونهارا.
ولمّا مات وضع جسده بهذا السّرب في جرن من ذهب، بعدما ألبس ثيابا منسوجة بالدرّ والمرجان، وأقيم عند رأسه عمود من مرمر عليه جوهرة تضيء، وعمل حول الجرن توابيت من حجارة ملوّنة حولها مصاحف الحكمة، وعملت (¬b) عنده أمواله وكنوزه وذخائره، وزبروا عليه كما زبروا على أبيه. وانتقل كلّ من أولاده إلى حيّزه، فانتقل صا بأهله وأولاده وسكن مدينة صا الآتي ذكرها (٢).
ويقال كانت البلبلة في أيام قبط (¬c)، وأنّه ألهمه اللّه تعالى اللّغة القبطيّة، وأنّه أقام ملكا أربع مائة وثمانين سنة ومات، فدفن بأرض الواحات.
وملك بعده أخوه أشمن بن مصر (٣). وقيل بل أسكن في حياته ابنه قفطريم في حيّزه، فشرع في العمارة، وكان جبّارا عظيم الخلقة، فأثار من المعادن ما لم يثره أحد قبله، وبنى مدينة دندرة، وعمل في جبل قفط منارا عاليا يرى منه البحر الشّرقي، ووجد هناك معادن من الزّئبق، وعمل البركة التي سمّاها صيّادة الطّير (٤).
وأقام ملكا أربع مائة وثمانين سنة ومات (٥). وهلك عاد بالرّيح في آخر أيّامه؛ وفي أيّامه أثارت الشّياطين الأصنام التي أغرقها الطّوفان فعبدت.
стр. 493
وذكر ابن عبد الحكم: بعد مصر بن بيصر قفط بن مصر، وأنّ الذي ملك بعد قفط أخوه أشمن، ثم أتريب بن مصر، ثم صا بن مصر، ثم ابنه تدارس بن صا، ثم ابنه ماليق بن تدارس، ثم ابنه خربتّا (¬a) بن ماليق، ثم ابنه كلكن (¬b) بن خربتّا (¬a) (١).
ويقال إنّ أشمن لمّا ملك بعد أخيه، سار إليه شدّاد بن هدّاد بن شدّاد بن عاد وملك أرض مصر وهدم مبانيها، وبنى أهراما (٢)، ومضى إلى موضع الإسكندرية فبناها، وأقام دهرا ثم خرجت العادية من أرض مصر، فعاد أشمن إلى ملكه، وأنّه ملك بعده أخوه صا، ثم ملك بعد صا ابنه تدارس (¬c)، وفي أيامه بعث اللّه صالحا إلى ثمود (٣).
ومات، فملك ابنه ماليق البودسير، وكان من الجبابرة العظام، عمل أعمالا عظيمة، منها منار فوقه قبّة لها أربعة أركان، في كلّ ركن كوّة يخرج منها في يوم معلوم عندهم من كلّ سنة دخان ملتف في ألوان شتّى، يستدلّون بكلّ لون على شيء: فإن خرج الدّخان أخضر دلّ على العمارة والخصب في تلك السّنة، وإن خرج أبيض دلّ على الجدب وقلّة الخير، وإن خرج أحمر دلّ على الحروب وقصد الأعداء، وإن خرج أصفر دلّ على النّيران وآفات تحدث من الملك، وإن خرج أسود دلّ على الأمطار والسّيول وفساد بعض الأرض، وإن خرج مختلطا دلّ على كثرة الظّلم وبغي الناس بعضهم على بعض.
وعمل شجرة من نحاس تجذب سائر الوحوش حتى تصل إليها، فلا تستطيع الحركة إلى أن تؤخذ، فشبع أهل مصر من لحوم الوحوش.
واتّفق أنّ غرابا نقر عين صبيّ/ من أولاد الكهنة فقلعها، فعمل شجرة من نحاس عليها غراب منشور الجناحين، وفي منقاره حيّة، وعلى ظهره أسطر، فكانت الغربان تقع على هذه الشّجرة ولا تبرح حتى تموت.
وكانت الرّمال قد كثرت في أيّامه على أرض مصر من ناحية الغرب، فعمل صنما من صوّان أسود على قاعدة منه، وفوق كتفه قفّة فيها مسحاة، ونقش على وجهه وصدره وذراعيه كتابة،
стр. 494
وجعل وجهه إلى الغرب، فانكشفت الرّمال، ورجعت بها الرّياح إلى ورائها وصارت تلالا عالية (١).
وبعث بهرمس الحكيم إلى جبل القمر الذي يخرج منه النّيل، فعمل تماثيل النّحاس، وعدل جانبي النّيل - وكان قبله يفيض في مواضع ويتقطّع في مواضع - وسار مغرّبا لينظر ما وراء ذلك، فوقع على أرض واسعة ينخرق فيها الماء والأشجار، فبنى فيها متنزّهات وأقام بها وحوّل إليها عدّة من أهله، فعمّروا تلك النّواحي حتى صارت أرض الغرب كلّها معمورة. ثم خالطتهم البربر، وجرت بينهم حروب كثير أفنتهم، فخربت تلك البلاد ولم يبق منها إلاّ الواحات (٢).
ثم إنّ البودسير احتجب عن الناس، وصار يبرز وجهه من مقعده في النّادر، وربّما خاطبهم من حيث لا يرونه (٣).
وذكر أبو الحسن المسعودي في كتاب «أخبار الزّمان» أنّ أوّل من تحقّق بالكهانة وغيّر الدين وعبد الكواكب: البودسير. وتزعم القبط أنّ الكواكب كانت تخاطبه، وأنّ له عجائب كثيرة، منها أنّه استتر عن الناس عدّة سنين من ملكه، وكان يظهر لهم وقتا بعد وقت مرّة في كلّ سنة، وهو وقت (¬a) حلول الشّمس برج الحمل، ويدخل الناس إليه فيخاطبهم وهم يرونه، فيأمرهم وينهاهم ويحذّرهم مخالفة أمره، (¬b)) وكان يجلس في بعض أوقات السّنة فيخاطبهم من حيث لا يرونه (¬b) ثم بنيت له قبّة من فضة مطلية بذهب، فصار يجلس في أعلاها وله وجه عظيم، فيخاطبهم. (¬b)) وكان يجلس في السّحاب بوجه آخر في صورة إنسان فأقام كذلك مدّة ثم غاب عنهم فلم يروه، وأقاموا برهة بغير ملك، ثم رأوا صورته في هيكل الشّمس عند حلولها برج الحمل فأمرهم أن يقلّدوا الملك عديم بن قفطيم وأعلمهم بأنّه لا يعود إليهم ففعلوا ذلك (¬b).
فلمّا مات ملك بعده ابنه أرفليمون، وكان كاهنا ساحرا، فعمل أعمالا عجيبة (¬c)، منها أنّه كان يجلس في السّحاب فيرونه في صورة إنسان عظيم، وأقام مدّة على ذلك.
стр. 495
ثم إنّه غاب عن أهل مصر وصاروا بغير ملك، ثم رأوا صورة بحذاء جرم الشّمس عند حلولها أوّل برج الحمل، فأمرهم أن يقلّدوا الملك عديم بن قفطيم، وأعلمهم أنّه ما بقي يعود إليهم (١).
فولّوا عليهم (¬a)) ملك مصر (¬a) عديم بن قفطيم، وكان جبّارا عظيما، وهو أوّل من صلب بمصر، وذلك أنّ امرأة ورجلا زنيا فصلبهما، وجعل ظهر كلّ منهما لظهر الآخر (٢).
وبنى أربع مدائن أودعها كنوزا عظيمة، وجعل عليها طلّمسات وعدّة عجائب، وعمل منارا على البحر الشّرقي وعليه صنم إلى المشرق حتى لا يغلب البحر على أرض مصر، وعمل قنطرة على النّيل في أرض النّوبة (٣). وأقام ملكا مائة وأربعين سنة، ومات وعمره سبع مائة وثلاثون سنة.
وملك بعده ابنه شدّات بن عديم - وهو الذي تسمّيه العامّة شدّاد بن عاد - وكان عالما كاهنا ساحرا، ويقال إنّه هو الذي بنى الأهرام الدّهشوريّة، وعمل أعمالا عظيمة وطلّسمات عجيبة، وبنى في الجانب الشرقي مدائن، وفي أيّامه بنيت قوص، وغزا الحبشة وسباهم، وأقام ملكا تسعين سنة (٤).
وهو أوّل من اتّخذ الجوارح وصاد بها، وولّد الكلاب السّلوقيّة، وعمل في بركة سيوط تماسيح منصوبة تنصبّ إليها التّماسيح من النّيل انصبابا فيقتلها ويعلّق جلودها في السّفن (٥). واتّفق أنّه طرد صيدا فكبا به فرسه في وهدة فهلك. وكان قد غضب على بعض خدمه فرماه من جبل عال فتقطّع، فرأى أنّه يصيبه مثل ذلك.
ولمّا هلك وضع في ناووس ودفنت معه أمواله، وعمل عليه طلّسم يمنعه ممّن يقصده، وكتب عليه: «لا ينبغي لذي القدرة أن يخرج عن الواجب، ولا يفعل ما لا يجوز له فعله، فيجازى بعمله، هذا ناووس ابن شدّات بن عديم، فعل ما لا يحلّ له فعله، فكوفئ عليه بمثله» (٦).
وملك بعده ابنه منقاوش، وكان حكيما فاضلا كاهنا، عمل أعمالا عجيبة، وبنى أشياء معجبة، منها أنّه عمل هيكلا لصور الكواكب على ثمانية فراسخ من منف، وكنز من الأموال ما لا يحصى، وفتح عليه من المعادن ما لم يفتح به على غيره.