← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأمّا «مقرّر الجاموس» و «مقرّر بقر الخيس» و «مقرّر الأغنام»، فإنّه كان للسّلطان من هذه الأصناف شيء كثير جدّا، فيؤخذ من الجاموس للدّيوان على كلّ رأس من الرّاتب في نظير ما يتحصّل منه في كلّ سنة من خمسة دنانير إلى ثلاثة دنانير، ومن اللاّحق بحقّ النّصف من الرّاتب، وأقلّ ما تنتج كلّ مائة رأس خمسون رأسا (¬a) إلى غير ذلك من ضرائب مقرّرة على الجاموس وعلى أبقار الخيس وعلى الغنم البياض والغنم الشّعاري وعلى النّحل (١). وقد بطل ذلك جميعه لقلّة مال السّلطان، وإعراضه عن العمارة وأسبابها، وتعاطي أسباب الخراب. وأمّا «المواريث»، فإنّها في الدّولة الفاطمية لم تكن كما هي اليوم، من أجل أنّ مذهبهم توريث ذوي الأرحام، وأنّ البنت إذا انفردت استحقّت المال بأجمعه (٢). فلمّا انقضت أيّامهم واستولت الدولة (¬a) الأيّوبية ثم الدّولة التّركية، صار من جملة أموال السّلطان مال المواريث الحشريّة، وهي التي يستحقّها بيت المال عند عدم الوارث، فتعدل فيها الوزراء مرّة، وتظلم أخرى (٣). وأمّا «المكوس»، فقد تقدّم حدوثها، وما كان من الملوك فيها، والذي بقي منها إلى الآن بديار مصر يلي أمره الوزير. وفي الحقيقة إنّما هو نفع للأقباط يتخوّلون فيه بغير حقّ. وقد تضاعفت المكوس في زمننا عمّا كنّا نعهده منذ عهد تحدّث الأمير جمال الدين يوسف الأستادّار في الأموال السّلطانية، كما ذكر في أسباب الخراب. وأمّا «البراطيل»، وهي الأموال التي تؤخذ من ولاة البلاد ومحتسبيها وقضاتها وعمّالها، فأوّل من عمل ذلك بمصر الصّالح بن رزّيك (٤) في ولاة النّواحي فقط، ثم بطل. وعمل في أيّام العزيز بن صلاح الدين أحيانا، وعمله الأمير شيخون في الولاة فقط، ثم أفحش فيه الظّاهر برقوق، كما ذكر (¬b) في أسباب الخراب. وأمّا «الحمايات والمستأجرات»، فشيء حدث في أيّام النّاصر فرج، وصار لذلك ديوان ومباشرون، وعمل مثل ذلك الأمراء. وهو من أعظم أسباب الخراب كما يذكر في موضعه.

стр. 422

ذكر الأهرام اعلم أنّ الأهرمات (¬a) (١) بمصر كانت كثيرة (¬b) جدّا، منها بناحية بوصير شيء كثير، بعضها كبار، وبعضها صغار، وبعضها طين ولبن، وأكثرها حجر، وبعضها مدرّج، وأكثرها مخروط أملس. وقد كان منها بالجيزة تجاه مدينة مصر عدّة كثيرة كلّها صغار، هدمت في أيّام السّلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب على يد قراقوش، وبنى بها قلعة الجبل، والسّور المحيط بالقاهرة ومصر والقناطر التي بالجيزة (٢).

стр. 423

وأعظم الأهرام الأهرامات (¬a) الثّلاثة التي هي اليوم قائمة تجاه مصر، وقد اختلف الناس في وقت بنائها واسم بانيها والسّبب في بنائها، وقالوا في ذلك أقوالا متباينة أكثرها غير صحيح. وسأقصّ عليك من نبأ ذلك ما يشفي ويكفي إن شاء اللّه تعالى (١). قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه الكاتب في «أخبار مصر وعجائبها» في أخبار سوريد بن سهلوق بن سرياق بن توميدون بن تدرسان بن هوصال، أحد ملوك مصر قبل الطّوفان الذين كانوا يسكنون في مدينة أمسوس الآتي ذكرها عند ذكرها مدائن مصر من هذا الكتاب (٢): وهو الذي بنى الهرمين العظيمين بمصر المنسوبين إلى شدّاد بن عاد، والقبط تنكر أن تكون العادية دخلت بلادهم لقوّة سحرهم (٣). وسبب بناء الهرمين (٤) أنّه كان قبل الطّوفان بثلاث مائة سنة قد رأى سوريد في منامه/ كأنّ الأرض انقلبت بأهلها، وكأنّ الناس قد هربوا على وجوههم، وكأنّ الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة، فغمّه ذلك، ولم يذكره لأحد، وعلم أنّه سيحدث في العالم أمر عظيم. ثم رأى بعد ذلك بأيّام كأنّ الكواكب الثابتة نزلت إلى الأرض في صور طيور بيض، وكأنّها تختطف الناس وتلقيهم بين جبلين عظيمين، وكأنّ الجبلين قد انطبقا عليهم، وكأنّ الكواكب المنيرة مظلمة مكسوفة؛ فانتبه مرعوبا (¬b) مذعورا، ودخل إلى هيكل الشّمس، وتضرّع ومرّغ خدّيه على التّراب وبكى. فلمّا أصبح، جمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر - وكانوا مائة وثلاثين كاهنا - فخلا بهم، وحكى لهم (¬c) ما رآه أوّلا وآخرا، فأوّلوه بأمر عظيم

стр. 424

يحدث في العالم. فقال عظيم الكهّان، ويقال له فليمون: إنّ أحلام الملوك لا تجري على محال لعظم [أخطارهم وكبر] (¬a) أقدارهم، وأنا أخبر الملك برؤيا رأيتها منذ سنة، ولم أذكرها لأحد من الناس. رأيت كأنّي قاعد مع الملك على وسط المنار الذي بأمسوس، وكأنّ الفلك قد انحطّ من موضعه حتى قارب [سمت] رؤوسنا، وكان علينا كالقبّة المحيطة بنا، وكأنّ الملك قد رفع يديه نحو السّماء وكواكبها قد خالطتها في صور شتّى مختلفة الأشكال، وكأنّ النّاس قد جفلوا إلى قصر الملك وهم يستغيثون به، وكأنّ الملك قد رفع يديه حتى بلغتا رأسه وأمرني أن أفعل كما فعل ونحن على وجل شديد، إذ رأينا منها موضعا قد انفتح وخرج منه نور مضيء، وطلعت علينا منه الشّمس، وكأنّا استغثنا بالشّمس فخاطبتنا أنّ الفلك سيعود (¬b)) إلى موضعه إذا مضت ثلاث مائة دورة، وكأنّ الفلك لصق بالأرض ثم عاد (¬b) إلى موضعه، فانتبهت مرعوبا. (¬c)) ثم نمت فرأيت كأنّ مدينة أمسوس قد انقلبت بأهلها، والأصنام تهوي على رؤوسها، وكأن أناسا نزلوا من السّماء بأيديهم مقامع من حديد يضربون الناس بها، فقلت لهم: ولم تفعلون بالناس كذا؟ قالوا: لأنّهم كفروا بإلههم؛ فقلت: فما بقي لهم من خلاص؟ قالوا: نعم، من أراد الخلاص فليلحق بصاحب السّفينة. فانتبهت مرعوبا (¬c). فقال الملك: خذوا الارتفاع للكواكب (¬d)، وانظروا هل من حادث؟ فبلغوا غايتهم في استقصاء ذلك، وأخبروا بأمر الطّوفان وبعده بالنار التي تخرج من برج الأسد تحرق العالم (١). فقال الملك: انظروا، هل تلحق هذه الآفة بلادنا؟ فقالوا: نعم، تأتي في الطّوفان على أكثره، ويلحقه خراب يقيم عدّة سنين. قال: فانظروا هل يعود عامرا كما كان، أو يبقى مغمورا بالماء دائما. قالوا: بل تعود البلاد كما كانت وتعمر، قال: ثم ماذا؟ قالوا: يقصدها ملك يقتل أهلها ويغنم

стр. 425

مالها. قال: ثم ماذا؟ قالوا: يقصدها قوم مشوّهون من ناحية جبل النيل، ويملكون أكثرها، قال: ثم ماذا؟ قالوا: ينقطع نيلها، وتخلو من أهلها. فأمر عند ذلك بعمل الأهرام، وأن يعمل لها مسارب يدخل منها النّيل إلى مكان بعينه، ثم يفيض إلى مواضع من أرض المغرب وأرض الصّعيد، وملأها طلسمان وعجائب وأموالا وأصناما وأجساد ملوكهم، وأمر الكهّان فزبروا عليها جميع ما قالته الحكماء، وزبر فيها وفي سقوفها وحيطانها وأسطواناتها جميع العلوم الغامضة التي يدّعيها أهل مصر، وصوّر فيها صور الكواكب كلّها، وزبر عليها أسماء العقاقير ومنافعها ومضارّها، وعلم الطّلّسمات وعلم الحساب والهندسة وجميع علومهم مفسّرا لمن يعرف كتابتهم ولغتهم. ولمّا شرع في بنائها أمر بقطع الأسطوانات العظيمة، ونشر البلاطات الهائلة (¬a)، واستخراج الرّصاص من أرض المغرب، وإحضار الصّخور من ناحية أسوان. فبنى بها أساس الأهرام الثلاثة الشّرقي والغربي والملوّن، وكانت لهم صحائف وعليها كتابة، إذا قطع الحجر وتمّ إحكامه، وضعوا عليه تلك الصّحائف وضربوه، فيبعد بتلك الضّربة قدر مائة سهم، ثم يعاودون ذلك حتى يصل الحجر إلى الأهرام. وكانوا يمدّون البلاطة ويجعلون في ثقب بوسطها قطبا من حديد قائما، ثم يركّبون عليها بلاطة أخرى مثقوبة الوسط ويدخلون القطب فيها، ثم يذاب الرّصاص ويصبّ في القطب حول البلاطة بهندام وإتقان إلى أن كملت (١). وجعل لها أبوابا تحت الأرض بأربعين ذراعا (٢): فأمّا باب الهرم الشّرقي، فإنّه من الناحية الشّرقية على مقدار مائة ذراع من وسط حائط الهرم. وأمّا باب الهرم الغربي، فإنّه من الناحية الغربية على مقدار مائة ذراع من وسط الحائط. وأمّا باب الهرم الملوّن، فإنّه من الناحية الجنوبية على مقدار مائة ذراع من وسط الحائط. فإذا حفر بعد هذا القياس، وصل إلى باب الأزج المبني، ويدخل إلى باب الهرم.

стр. 426

وجعل ارتفاع كلّ واحد من الأهرام في الهواء مائة ذراع بالذراع الملكي، وهو بذراعهم خمس مائة ذراع بذراعنا الآن، وجعل طول كلّ واحد من جميع جهاته مائة ذراع بذراعهم، ثم هندمها (¬a) من كلّ جانب حتى تحدّدت أعاليها من آخر طولها على ثمانية أذرع بذراعنا (¬b). وكان ابتداء بنائها في طالع سعيد اجتمعوا عليه وتخيّروه. فلمّا فرغت، كساها ديباجا ملوّنا من فوقها إلى أسفلها، وعمل لها عيدا حضره أهل مملكته بأجمعهم (¬c). ثم عمل في الهرم الغربي ثلاثين جرنا (¬d) من حجارة صوّان ملوّن، وملئت بالأموال الجمّة والآلات والتّماثيل المعمولة من/ الجواهر النّفيسة وآلات الحديد الفاخر من السّلاح الذي لا يصدأ، والزّجاج الذي ينطوي ولا ينكسر، والطّلّسمات الغريبة، وأصناف العقاقير المفردة والمؤلّفة، والسّموم القاتلة. وعمل في الهرم الشّرقي أصناف القباب الفلكيّة والكواكب، وما عمله أجداده من التّماثيل والدّخن التي يتقرّب بها إلى الكواكب ومصاحفها، وكوّن الكواكب الثابتة وما يحدث في أدوارها وقتا وقتا، وما عمل لها من التواريخ والحوادث التي مضت، والأوقات التي ينتظر فيها ما يحدث، وكلّ من يلي مصر إلى آخر الزّمان، وجعل فيها المطاهر التي فيها المياه المدبّرة، وما أشبه ذلك. وجعل في الهرم الملوّن أجساد (¬e) الكهنة في توابيت من صوّان أسود، ومع كلّ كاهن مصحف فيه عجائب صناعاته وأعماله وسيرته، وما عمل في وقته، وما كان وما يكون من أوّل الزمان إلى آخره، وجعل في الحيطان من كلّ جانب أصناما تعمل بأيديها جميع الصّناعات (¬f) على مراتبها وأقدارها، وصفة كلّ صنعة وعلاجها وما يصلح لها. ولم يترك علما من العلوم حتى زبره ورسمه. وجعل فيها أموال الكواكب التي أهديت إلى الكواكب، وأموال الكهنة، وهو شيء عظيم لا يحصى (١).

стр. 427

وجعل لكلّ هرم منها خازنا (¬a): فخازن (¬b) الهرم الغربي صنم من حجارة صوّان مجزّع، وهو واقف ومعه شبه حربة، وعلى رأسه حيّة قد تطوّق بها: من قرب منه وثبت إليه وطوّقت على عنقه وقتلته، ثم تعود إلى مكانها. وجعل خازن (¬b) الهرم الشّرقي صنما من جزع أسود مجزّع بأسود وأبيض، له عينان مفتوحتان برّاقتان وهو جالس على كرسي ومعه حربة: إذا نظر أحد إليه سمع من جهته صوتا يفزع منه فيخرّ على وجهه، ولا يبرح حتى يموت. وجعل خازن (¬b) الهرم الملوّن صنما من حجر البهت على قاعدة منه: من نظر إليه، جذبه حتى يلتصق به فلا يفارقه حتى يموت (١). فلمّا فرغ من ذلك، حصّن الأهرام بالأرواح الرّوحانية، وذبح لها الذّبائح لتمنع عن أنفسها من أرادها، إلاّ من عمل لها أعمال الوصول إليها (٢). وذكر القبط في كتبهم أنّ عليها كتابا (¬c) منقوشا تفسيره بالعربية: «أنا سوريد الملك، بنيت هذه الأهرام في وقت كذا وكذا، وأتممت بناءها في ستّ سنين. فمن أتى بعدي، وزعم أنّه ملك مثلي، فليهدمها في ستّ مائة سنة، وقد علم أنّ الهدم أيسر من البنيان. وإنّي كسوتها عند فراغها بالدّيباج، فليكسها بالحصر» (٣). فنظروا فوجدوا أنّه لا يقوم بهدمها شيء في (¬d) الأزمان الطّوال. وحكى القبط في كتبهم أنّ روحانية الهرم الشّمالي غلام أمرد، أصفر اللون (¬e)، عريان، في فمه أنياب كبار. وروحانية الهرم الجنوبي امرأة عريانة، بادية الفرج حسناء، في فمها أنياب كبار، تستهوي الإنسان إذا رأته، وتضحك له حتى يدنو منها فتسلبه عقله. وروحانية الهرم الملوّن شيخ في يده مجمرة من مجامر الكنائس يبخّر بها. وقد رأى غير واحد من الناس هذه الرّوحانيات مرارا وهي تطوف حول الأهرام وقت القائلة وعند غروب الشّمس (٤).

стр. 428

قال: ولمّا مات سوريد، دفن في الهرم ومعه أمواله وكنوزه؛ وقالت القبط: إنّ سوريد هو الذي بنى البرابي، وأودع فيها كنوزا، وزبر عليها علوما، ووكّل بها روحانيات تحفظها ممّن يقصدها. قال: وأمّا الأهرام الدّهشورية، فيقال إنّ شدّات بن عديم هو الذي بناها من الحجارة التي كانت قد قطعت في زمن أبيه. وشدّات هذا يزعم بعض الناس أنّه شدّاد بن عاد. وقال من أنكر أن يكون العادية دخلت مصر: إنّما غلطوا باسم شدّات بن عديم، فقالوا شدّاد بن عاد، لكثرة ما يجري على ألسنتهم شدّاد بن عاد، وقلّة ما يجري على ألسنتهم شدّات بن عديم، وإلاّ فما قدر أحد من الملوك يدخل مصر ولا قوي على أهلها، غير بخت نصّر (١). واللّه أعلم. وذكر أبو الحسن المسعودي في كتابه «أخبار الزّمان ومن أباده الحدثان» أنّ الخليفة عبد اللّه المأمون بن هارون الرّشيد، لمّا قدم مصر وأتى على الأهرام، أحبّ أن يهدم أحدها ليعلم ما فيها، فقيل له: إنّك لا تقدر على ذلك، فقال: لا بدّ من فتح شيء منه (٢). ففتحت له الثّلمة المفتوحة الآن بنار توقد، وخلّ يرشّ، ومعاول وحدّادين يعملون فيها، حتى أنفق عليها أموالا عظيمة، فوجدوا عرض الحائط قريبا من عشرين ذراعا. فلمّا انتهوا إلى آخر الحائط، وجدوا خلف النّقب مطهرة خضراء فيها ذهب مضروب، وزن كل دينار أوقية، وكان عددها ألف دينار. فجعل المأمون يتعجّب من ذلك الذّهب ومن جودته، ثم أمر بجملة ما أنفق على الثّلمة فوجدوا الذّهب الذي أصابوه لا يزيد على ما أنفقوه ولا ينقص، فعجب من معرفتهم بمقدار ما ينفق عليه، ومن تركهم ما يوازيه في الموضع، عجبا عظيما (٢). وقيل إنّ المطهرة التي وجد فيها الذّهب كانت من زبرجد، فأمر المأمون بحملها إلى خزانته. وكان آخر ما حمل (¬a) من عجائب مصر (٣).

стр. 429

وأقام الناس سنين يقصدونه، وينزلون في الزّلاّقة التي فيه: فمنهم من يسلم، ومنهم من يهلك. فاتّفق عشرون من الأحداث على دخوله، وأعدّوا لذلك ما يحتاج إليه (¬a) من طعام وشراب وحبال وشمع ونحوه، ونزلوا في الزّلاقة، فرأوا فيها من الخفّاش ما يكون كالعقبان تضرب وجوههم، ثم إنّهم أدلوا أحدهم بالحبال فانطبق عليه المكان، وحاولوا جذبه حتى أعياهم، فسمعوا صوتا/ أرعبهم فغشي عليهم، ثم قاموا وخرجوا من الهرم. فبينما هم جلوس يتعجّبون ممّا وقع لهم؛ إذ أخرجت الأرض صاحبهم حيّا من بين أيديهم يتكلّم بكلام لم يعرفوه، ثم سقط ميّتا، فحملوه ومضوا به. فأخذهم الخفراء وأتوا بهم إلى الوالي فحدّثوه خبرهم، ثم سألوا عن الكلام الذي قال صاحبهم قبل موته، فقيل لهم: معناه، «هذا جزاء من طلب ما ليس له». وكان الذي فسّر لهم معناه بعض أهل الصّعيد (١). وقال عليّ بن رضوان الطّبيب: فكّرت في بناء الأهرام، فأوجب علم الهندسة العملية، ورفع الثّقيل إلى فوق، أن يكون القوم هندسوا سطحا مربّعا، ونحتوا الحجارة ذكرا وأنثى، ورصّوها بالجبس البحري إلى أن ارتفع البناء مقدار ما يمكن رفع الثّقيل، وكانوا كلّما صعدوا ضمّوا البناء حتى يكون السّطح الموازي للمربّع الأسفل مربّعا أصغر من المربّع السّفلاني، ثم عملوا في السّطح المربّع الفوقاني مربّعا أصغر بمقدار ما بقي في الحاشية ما يمكّن رفع الثّقيل إليه. وكلّما رفعوا حجرا مهندما رصّوه إليه ذكرا وأنثى، إلى أن ارتفع مقدار مثل المقدار الأوّل. ولم يزالوا يفعلون ذلك إلى أن بلغوا غاية لا يمكنهم بعدها أن يفعلوا ذلك، فقطعوا الارتفاع ونحتوا الجوانب البارزة التي فرضوها لرفع الثّقيل، ونزلوا في النّحت من فوق إلى أسفل، وصار الجميع هرما واحدا. وقياس الهرم الأوّل بالذّراع التي تقاس بها اليوم الأبنية بمصر، كلّ حاشية منه أربع مائة ذراع، يكون بالذّراع السّوداء (٢) - التي طول كلّ ذراع منها أربعة وعشرين أصبعا - خمس مائة ذراع.

стр. 430

وذلك أنّ قاعدته مربّع متساوي الأضلاع والزّوايا: ضلعان منهما على خطّ نصف النّهار، وضلعان على خطّ المشرق والمغرب، وكلّ ضلع بالذّراع السّوداء خمس مائة ذراع. والخطّ المنحدر على استقامة من رأس الهرم إلى نصف ضلع المربّع أربع مائة وسبعون ذراعا، يكون إذا تمّم أيضا خمس مائة ذراع. وأحيط بالهرم أربعة مثلّثات ومربّع، كلّ مثلّث منها متساوي الساقين، كلّ ساق منه إذا تمّم خمس مائة وستون ذراعا. والمثلّثات الأربعة تجتمع رؤوسها عند نقطة واحدة وهي رأس الهرم إذا تمّم، فيلزم أن يكون عموده أربع مائة وثلاثين ذراعا. وعلى هذا العمود مراكز أثقاله، ويكون تكسير كلّ مثلّث من مثلّثاته (¬a)) أربع مائة ألف (¬a) مائة وخمسة وعشرين ألف ذراع، إذا اجتمع تكاسيرها كان مبلغ تكسير سطح هذا الهرم خمس مائة ألف ذراع بالسّوداء. وما أحسب على وجه الأرض بناء أعظم منه، ولا أحسن هندسة، ولا أطول، واللّه أعلم. وقد فتح المأمون نقبا من هذا الهرم فوجد فيه زلاّقة تصعد إلى بيت مربّع مكعّب، ووجد في وسطه (¬b) قبر رخام، وهو باق فيه إلى اليوم، ولم يقدر أحد يخطه. وبذلك أخبر جالينوس أنّها قبور، فقال في آخر الخامسة من «تدبير الصّحّة» (١) بهذا اللّفظ: «وهم يسمّون من كان في هذا السّن الهرم، وهو اسم مشتقّ من الأهرام التي هم إليها صائرون عن قريب». وقال الحوقلي في «صفة مصر»: وبها الهرمان اللّذان ليس على وجه الأرض لهما نظير في ملك مسلم ولا كافر، ولا عمل ولا يعمل كهما (٢). وقرأ بعض بني العبّاس على أحدهما: إنّي قد بنيتهما، فمن كان يدّعي قوّة في ملكه فليهدمهما، فالهدم أيسر من البنيان (٣). فهمّ بذلك، وأظنّه المأمون أو المعتصم، فإذا خراج مصر لا يقوم به يومئذ. وكان خراجها على عهده، بالإنصاف في الجباية وتوخّي الرّفق بالرّعيّة

стр. 431

والمعدلة، إذا بلغ النّيل سبع عشرة ذراعا وعشر أصابع: أربعة آلاف ألف ومائتي ألف وسبعة وخمسين ألف دينار، والمقبوض على الفدّان ديناران. فأعرض عن ذلك ولم يعد فيه شيئا (١). وفي حدّ الفسطاط في غربي النّيل أبنية عظام يكثر عدها، مفترشة في سائر الصّعيد، تدعى الأهرام، وليست كالهرمين اللذين تجاه الفسطاط، وعلى فرسخين منها، ارتفاع كلّ واحد منهما أربع مائة ذراع، وعرضه كارتفاعه مبنيّ بحجارة الكدّان التي سمك الحجر وطوله وعرضه من العشر أذرع إلى الثمان، بحسب ما دعت الحاجة إلى وضعه في زيادته ونقصه، وأوجبته الهندسة عندهم، لأنّهما كلّما ارتفعا في البناء ضاقا حتى يصير أعلاهما من كلّ واحد منهما مثل مبرك جمل، وقد ملئت حيطانهما بالكتابة اليونانية. وقد ذكر قوم أنّهما قبران، وليس كذلك، وإنّما حدا (¬a) صاحبهما في (¬b) عملهما أنّه قضى بالطّوفان أنّه يهلك جميع ما على وجه الأرض إلاّ ما حصّن في مثلهما، فخزن ذخائره وأمواله فيهما؛ وأتى الطّوفان ثم نضب، فصار ما كان فيهما إلى بيصر (¬c)) بن مصرايم بن حام (¬c) بن نوح. وقد خزن فيهما بعض الملوك المتأخّرين، وجعلها أهراءه، واللّه أعلم (٢). وقال أبو يعقوب محمد بن إسحاق النّديم الورّاق في كتاب «الفهرست»، وقد ذكر هرمس البابليّ: قد اختلف في أمره، فقيل إنّه كان أحد السّبعة السّدنة الذين رتّبوا لحفظ البيوت السّبعة، وإنّه كان لترتيب (¬d) عطارد، وباسمه سمّي، فإنّ عطارد باللغة الطّردانية (¬e) هرمس. وقيل إنّه انتقل إلى أرض مصر بأسباب، وإنّه ملكها، وكان له أولاد منهم طا وصا وأشمن وأتريب وقفط، وإنّه كان حكيم زمانه، وإنّه لمّا توفّي دفن في البناء الذي يعرف بمدينة مصر بأبي هرميس، ويعرفه العامّة بالهرمين، فإنّ أحدهما قبره، والآخر قبر زوجته، وقيل قبر ابنه الذي خلفه بعد موته (٣).

стр. 432

/ وهذه البينة - يعني الأهرام - طولها بالذّراع الهاشمي أربع مائة ذراع وثمانون ذراعا، على مساحة أربع مائة وثمانين ذراعا؛ ثم ينخرط البناء، فإذا حصل الإنسان في رأسه، كان مقدار سطحه أربعين ذراعا في أربعين ذراعا، هذا بالهندسة. وفي وسط هذا السطح قبّة لطيفة في وسطها شبية بالمقبرة، وعند رأس ذلك القبر صخرتان في نهاية النّظافة والحسن وكثرة التّلوّن، وعلى كلّ واحدة منهما شخص (¬a) من حجارة صورة ذكر وأنثى، وقد تقابلا (¬b) بوجهيهما، وبيد الذّكر لوح من حجارة فيه كتابة، وبيد الأنثى مرآة، والرّفّ ذهب نقشه المنقاش (¬c). وبين الصّخرتين برنيّة من حجارة على رأسها غطاء ذهب، فلمّا قلع فإذا فيها شبيه بالقار بغير رائحته (¬d) قد يبس. وفيها حقّة ذهب، فنزع رأسها، فإذا فيها دم عبيط، ساعة قرعه الهواء جمد كما يجمد الدّم وجفّ. وعلى القبور أغطية حجارة، فلمّا قلعت إذا رجل نائم على قفاه على نهاية الصّحّة والجفاف، بيّن الخلقة، ظاهر الشّعور، وإلى جنبه امرأة على هيئته (١). قال: وذلك السّطح مقعّر نحو قامة، وكما يدور مثل المسمار جانت (¬e) أزاج من حجارة، فيها صور وتماثيل مطروحة وقائمة، وغير ذلك من الآلة (¬f) التي لا تعرف أشكالها (٢). وقال العلاّمة موفّق الدين عبد اللّطيف بن أبي العزّ يوسف بن أبي البركات محمد بن عليّ بن أبي سعيد البغدادي المعروف بابن المطجّن (¬g) في سيرته: وجاء رجل جاهل عجميّ، فخيّل إلى الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف أنّ الهرم الصغير تحته مطلب، فأخرج إليه الحجّارين

стр. 433

وأكثر العسكر، وأخذوا في هدمه، وأقاموا على ذلك شهورا، ثم تركوه عن عجز وخسران مبين في المال والعقل. ومن يرى حجارة الهرم يقول: إنّه قد استوصل الهرم، ومن يرى الهرم لا يجد به إلاّ تشعيثا يسيرا. وقد أشرفت على الحجّارين فقلت لمقدّمهم: هل تقدرون على إعادته؟ فقال: لو بذل لنا السّلطان عن كلّ حجر ألف دينار لم يمكنّا ذلك (١). وقال أبو الحسن المسعودي في كتاب «مروج الذّهب»: وأمّا الأهرام، فطولها عظيم وبنيانها عجيب، عليها أنواع من الكتابات بأقلام الأمم السّالفة والممالك الدّاثرة، لا يدرى ما تلك الكتابة ولا المراد بها. وقد قال من عني بتقدير ذرعها: إنّ مقدار ارتفاع الهرم الكبير، ذهابا في الجو، نحو أربع مائة ذراع أو أكثر، وكلّما غلا به الصّعداء (¬a) دقّ ذلك، والعرض نحو ما وصفنا. وعليها من الرّسوم علوم وخواصّ وسحر وأسرار الطبيعة، وإنّ من تلك الكتابة مكتوب (¬b): «إنّا بنيناها، فمن يدّعي موازاتنا في الملك وبلوغنا في القدرة وانتهاء أمر السّلطان (¬c)، فليهدمها وليزل رسمها، فإنّ الهدم أيسر من البناء، والتفريق أسهل (¬d) من التأليف». وقد ذكر أنّ بعض ملوك الإسلام شرع في هدم بعضها، فإذا خراج مصر [وغيرها من الأرض] (¬e) لا يفي بقلعها، وهي من الحجر والرّخام (٢). وأنّها قبور الملوك، وكان الملك منهم إذا مات وضع في حوض من حجارة - ويسمّى بمصر والشّام الجرون (¬f) - وأطبق عليه، ثم يبنى من الهرم على مقدار ما يريدون من ارتفاع الأساس، ثم يحمل الحوض ويوضع وسط الهرم، ثم يقنطر عليه البنيان والأقباء (¬g)، ثمّ يرفعون البناء على هذا المقدار الذي يرونه، ويجعل باب الهرم تحت الهرم، ثم يحفر له طريق في الأرض، ويعقد أزج طوله تحت الأرض مائة ذراع أو أكثر. ولكلّ هرم من هذه الأهرام باب مدخله على ما وصفت. قال: وكان القوم يبنون الهرم من هذه الأهرام مدرّجا ذا مراق كالدّرج، فإذا فرغوا نحتوه من فوق إلى أسفل، فهذه كانت حيلتهم. وكانوا مع ذلك لهم قوّة وصبر وطاعة (٣).

стр. 434

وقال في كتاب «التّنبيه والإشراف»: والهرمان اللذان في الجانب الغربي من فسطاط مصر هما من عجائب بنيان (¬a) العالم، كلّ واحد منهما أربع مائة ذراع في سمك مثل ذلك، مبنيان بالحجر العظيم على الرّياح الأربع، كلّ ركن من أركانهما يقابل ريحا منها، فأعظمها فيهما تأثيرا ريح الجنوب، وهي المريسي. وأحد هذين الهرمين قبر أغاثديمون (¬b)، والآخر قبر هرمس، وبينهما نحو ألف سنة وأغاثديمون (¬b) المتقدّم (١). وكان سكّان مصر - وهم الأقباط - يعتقدون نبوّتهما قبل ظهور النّصرانية فيهم، على ما يوجبه رأي الصّابئين في النّبوّات، لا على طريق الوحي، بل هم عندهم نفوس طاهرة صفت وتهذّبت من أدناس هذا العالم، فاتّحدت بهم مواد علوية، فأخبروا عن الكائنات قبل كونها، وعن سرائر العالم، وغير ذلك. وفي العرب من اليمانية من يرى أنّهما قبر شدّاد بن عاد وغيره من ملوكهم السّالفة الذين غلبوا على بلاد مصر في قديم الدّهر، وهم العرب العاربة من العماليق وغيرهم. وهي عند من ذكرنا من الصّابئين قبور أجساد طاهرة (٢). وذكر أبو زيد البلخي (٣) أنّه وجد مكتوبا على الأهرام بكتابتهم خطّ، فعرّب فإذا هو «بني هذان الهرمان والنّسر الواقع في السّرطان». فحسبوا من ذلك الوقت إلى الهجرة النّبوية، فإذا هو ستّ وثلاثون ألف سنة شمسية مرّتين، يكون اثنتين وسبعين ألف سنة شمسية (٤). وقال الهمداني في كتاب «الإكليل»: لم يوجد ممّا كان تحت الماء وقت الغرق من القرى قرية فيها بقيّة سوى نهاوند ترجمتها (¬c) وجدت كما هي اليوم لم تتغيّر، وأهرام الصّعيد من أرض مصر (٥).

стр. 435

وذكر أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرّحيم القيسي (١) / في كتاب «تحفة الألباب» أنّ الأهرام مربّعة الجملة، مثلّثة الوجوه، وعددها ثمانية عشر هرما، في مقابلة مصر الفسطاط ثلاثة أهرام، أكبرها دوره ألفا ذراع، في كلّ وجه خمس مائة ذراع، وعلوّه خمس مائة ذراع، وكلّ حجر من حجارتها ثلاثون ذراعا في غلظ عشرة أذرع، قد أحكم إلصاقه ونحته (٢). ومنها عند مدينة فرعون يوسف أهرام أعظم وأكبر، دوره ثلاثة آلاف ذراع، وعلوّه سبع مائة، من حجارة كلّ حجر خمسون ذراعا. وعند مدينة فرعون موسى أهرام [أخر] (¬a) أكبر وأعظم، وهرم آخر يعرف بهرم ميدوم (¬b) كأنّه جبل، وهو خمس طبقات (٣). وفتح المأمون الهرم الكبير الذي تجاه الفسطاط. قال: وقد دخلت في داخله، فرأيت قبّة مربّعة الأسفل، مدوّرة الأعلى، كبيرة في وسطها بئر عمقها عشرة أذرع، وهي مربّعة ينزل الإنسان فيها فيجد في كلّ وجه من تربيع البئر بابا يفضي إلى دار كبيرة، فيها موتى كثيرة (¬c) من بني آدم عليهم أكفان كثيرة، أكثر من مائة ثوب على كلّ واحد، قد بليت بطول الزمان واسودّت؛ وأجسامهم مثلنا ليسوا طوالا، ولم يسقط من أجسامهم ولا من شعورهم شيء، وليس فيهم شيخ ولا من شعره أبيض، وأجسادهم قويّة لا يقدر الإنسان أن يزيل عضوا من أعضائهم ألبتّة، ولكنهم خفّوا

стр. 436

حتى صاروا كالغثاء لطول الزّمان، وفي تلك البئر أربعة من الدّور مملوءة بأجساد الموتى، وفيها خفّاش كثير، وكانوا يدفنون أيضا جميع الحيوان في الرّمال. ولقد وجدت يوما (¬a) ثيابا ملفوفة كثيرا، حزمة (¬a) مقدار أكثر من ذراع، وقد احترقت تلك الثّياب من القدم، فأزلت الثّياب إلى أن ظهرت خرق صحاح قويّة بيض من كتّان أمثال العصائب، فيها أعلام من الحرير الأحمر، وفي داخلها هدهد ميّت لم يتناثر من ريشه ولا من جسده شيء، كأنّه قد مات الآن. وفي القبّة التي في الهرم باب يفضي إلى علوّ الهرم، وليس فيه درج، عرضه نحو خمسة أشبار، يقال إنّه صعد فيها في زمان المأمون فأفضوا إلى قبّة صغيرة فيها صورة آدمي من حجر أخضر كالدّهنج، فأخرجت إلى المأمون، فإذا هي مطبقة [كالدّواة] (¬b)، فلمّا فتحت وجد فيها جسد آدمي عليه درع من ذهب مزيّن بأنواع الجواهر، وعلى صدره نصل سيف لا قيمة له، وعند رأسه حجر ياقوت أحمر كبيضة الدّجاجة، يضيء كلهب النار (¬c)، فأخذه المأمون. وقد رأيت الصّنم الذي أخرج منه ذلك الميّت ملقى عند باب دار الملك بمصر في سنة إحدى عشرة وخمس مائة (١). وقال القاضي الجليل أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعيّ (٢): روى عليّ بن الحسن بن خلف ابن قديد، عن يحيى بن عثمان بن صالح، عن محمد بن عليّ بن صخر التّميمي، قال: حدّثني رجل من عجم مصر، من قرية من قراها تدعى قفط (٣) - وكان عالما بأمور مصر وأحوالها، وطالبا لكتبها القديمة ومعادنها - قال: وجدنا في كتبنا القديمة، قال: وأمّا الأهرام فإنّ قوما احتفروا قبرا

стр. 437

في دير أبي هرميس، فوجدوا فيه ميّتا في أكفانه، وعلى صدره قرطاس ملفوف في خرق (١)، فاستخرجوه من الخرق فرأوا كتابا لا يعرفونه، وكان الكتاب بالقبطية الأولى، فطلبوا من يقرأه لهم فلم يقدروا عليه، فقيل لهم: إنّ بدير القلمون من أرض الفيّوم راهبا يقرأه، فخرجوا إليه، وقد ظنّوا أنّه في الصّنعة، فقرأه لهم وكان فيه. «كتب هذا الكتاب في أوّل سنة من ملك ديقلطيانس الملك، وإنّا استنسخناه من كتاب نسخ في أوّل سنة من ملك فيلبش الملك، وأنّ فيلبس استنسخه من صحيفة من ذهب خرق كتابتها حرفا حرفا، وكان من الكتاب الأوّل ترجمه له أخوان من القبط يقال لأحدهما أيلو والآخر برثا. وإنّ الملك فيلبش سألهما عن سبب معرفتهما بما جهله الناس من قراءته، فذكرا أنّهما من ولد رجل من أهل مصر الأوائل، لم ينج من الطّوفان من أهل مصر أحد غيره، وكان سبب نجاته أنّه أتى نوحا ﵇ فآمن به، ولم يأته من أهل مصر غيره، فحمله معه في السّفينة، فلمّا نضب ماء الطّوفان أتى مصر ومعه نفر من ولد حام بن نوح، وكان بها حتى هلك، فورّث ولده علم كتاب أهل مصر الأول، فورثناه عنه كابرا عن كابر». وكان تاريخه الذي مضى إلى أن استنسخه فيلبش ألفا وثلاث مائة واثنتين وسبعين سنة، وأنّ الذي استنسخه في صحيفة من ذهب خرق كتابتها حرفا حرفا على ما وجده فيلبش، وإنّ تاريخه إلى أن استنسخه ألف وسبع مائة سنة وخمس وثمانون سنة. وكان الكتاب المنسوخ: «إنّا نظرنا فيما تدلّ عليه النّجوم فرأينا أنّ آفة نازلة من السّماء وخارجة من الأرض. فلمّا بان لنا الكون نظرنا ما هو، فوجدناه ماء مفسدا للأرض وحيوانها ونباتها. فلمّا تمّ اليقين من ذلك عندنا قلنا لملكنا سوريد بن سهلوق: مر ببناء أفروشنات وقبر لك وقبر لأهل بيتك! فبنى لهم الهرم الشرقي (٢)، وبنى لأخيه هرجيب الهرم الغربي، وبنى لابن هرجيب الهرم

стр. 438

المؤزّر (¬a)، وبنيت أفروشنات في أسفل مصر وأعلاها. فكتبنا في حيطانها علم غامض أمور النّجوم وعللها، والصّنعة والهندسة والطّبّ، وغير ذلك ممّا ينفع ويضرّ، ملخّصا مفسّرا لمن عرف كلامنا وكتابتنا. فإنّ (¬b) هذه الآفة نازلة بأقطار العالم، وذلك عند نزول قلب الأسد في أوّل دقيقة من رأس السّرطان، وتكون الكواكب عند نزوله إيّاها في هذه المواضع من الفلك: الشّمس والقمر في أوّل/ دقيقة من رأس الحمل وقرونس في درجة وثمان وعشرين دقيقة، وراويس في الحوت في تسع وعشرين درجة وثمان وعشرين دقيقة، وآرين في الحوت في تسع وعشرين درجة وثلاث دقائق، وأفروديطي (¬c) في الحوت في ثمان وعشرين درجة ودقائق، وهرمس في الحوت في سبع وعشرين درجة ودقائق، والجوزهر في الميزان، وأوج القمر في الأسد في خمس درجات ودقائق. ثم نظرنا هل يكون بعد هذه الآفة كون مضرّ بالعالم، فأصبنا الكواكب تدلّ على أنّ آفة نازلة من السّماء إلى الأرض، وأنّها ضدّ الآفة الأولى، وهي نار محرقة أقطار العالم. ثم نظرنا متى يكون هذا الكون المضرّ، فرأيناه يكون عند حلول قلب الأسد في آخر دقيقة من الدرجة الخامسة عشرة من الأسد، ويكون إبليس معه في دقيقة واحدة متّصلة بقرونس من تثليث الرّامي، ويكون راويس مشتري في أوّل الأسد في آخر احتراقه ومعه. آرين في دقيقة، ويكون سليس في الدّلو مقابلا لإيليس ومعه الذّنب في اثنتين وعشرين، ويكون كسوف شديد له مكث يوازي القمر، ويكون هرمس في بعده الأبعد أمامها مقبلين، أمّا أفروديطي (¬c) فللاستقامة، وأمّا هرمس فللرّجعة. قال الملك: فهل عندكم من خبر توقفونا عليه غير هاتين الآفتين؟ قالوا: إذا قطع قلب الأسد ثلثي سدس أدواره، لم يبق من حيوان الأرض متحرّك إلاّ تلف، فإذا استتّم أدواره تحلّلت عقد الفلك، وسقط على الأرض. قال

стр. 439

لهم: وأيّ يوم فيه انحلال الفلك؟ قالوا: اليوم الثاني من بدوّ حركة الفلك». فهذا ما كان في (¬a) القرطاس. فلمّا مات الملك سوريد بن سهلوق، دفن في الهرم الشّرقي، ودفن هرجيب في الهرم الغربي، ودفن كرورس في الهرم الذي أسفله من حجارة أسوان وأعلاه كدّان. ولهذه الأهرام أبواب في آزاج تحت الأرض، طول كلّ أزج مائة وخمسون ذراعا، فأمّا باب الهرم الشّرقي فمن الناحية البحرية، وأمّا باب أزج الهرم (¬b)) الغربي فمن النّاحية الغربية، وأمّا باب أزج الهرم (¬b) المؤزّر فمن الناحية القبلية. وفي الأهرام من الذّهب وحجارة الزّمرّد ما لا يحتمله الوصف. وإنّ مترجم هذا الكتاب من القبطي إلى العربي (¬c) أجمل النّارنجات (¬d) إلى أوّل يوم من توت - وهو يوم الأحد طلوع شمسه سنة خمس وعشرين ومائتين من سني العرب - فبلغت أربعة آلاف وثلاث مائة وإحدى وعشرين سنة لسنتي الشّمس. ثم نظر كم مضى للطّوفان إلى يومه هذا فوجده ألفا وسبع مائة وإحدى وأربعين سنة وتسعة وخمسين يوما وثلاث عشرة ساعة وأربعة أخماس ساعة وتسعة وخمسين جزءا من أربع مائة جزء من ساعة، (¬e)) فألقاها من الجملة فبقي معه ثلاث مائة وتسع وتسعون سنة ومائتان وخمسة أيّام وعشر ساعات وأحد وعشرون جزءا من أربع مائة جزء من ساعة (¬e). فعلم أنّ هذا الكتاب المؤرّخ كتب قبل الطّوفان بهذه السّنين والأيام والسّاعات والكسر من السّاعة (١). وأمّا الهرم الذي بدير أبي هرميس، فإنّه قبر قرياس، وكان فارس أهل مصر، وكان يعدّ بألف فارس، فإذا لقيهم لم يقوموا به وانهزموا؛ وإنّه مات فجزع الملك عليه جزعا بلغ منه، واكتأبت لموته الرّعيّة، فدفنوه بدير [أبي] هرميس، وبنوا عليه الهرم مدرّجا (٢). وكان طينه الذي بني به مع

стр. 440

الحجارة من الفيّوم، وهذا معروف إذا نظر إلى طينه لم يعرف له معدن إلاّ بالفيّوم، وليس بمنف ووسيم له شبه من الطّين (١). وأمّا قبر الملك - صاحب قرياس هذا - فإنّه الهرم الكبير من الأهرام التي في بحريّ دير أبي هرميس، وعلى بابه لوح كدّان مكتوب فيه باللاّزورد، طول اللّوح ذراعان في ذراع، وكلّه مملوء كتابا مثل كتابة البرابي، يصّعد إلى باب الهرم بدرج بعضها صحيح لم ينخرم. وفي هذا الهرم ذخائر صاحبه من الذّهب وحجارة الزّمرّد، وإنّما سدّ بابه حجارة سقطت من أعاليه، ومن وقف عليه رآه بيّنا (٢). وقال ابن عفير عن أشياخه: إنّ جياد بن مياد بن شمّر بن شدّاد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇ ملك الإسكندرية، وكانت تسمّى إرم ذات العماد، فطال ملكه وبلغ ثلاث مائة سنة، وهو الذي سار وبنى الأهرام وزبر فيها: «أنا جياد بن مياد بن شمّر بن شدّاد، الشاد بزراعة الواد، المؤيّد الأوتاد، الجامع الصّخر في البلاد، المجنّد الأجناد، الناصب العماد، الكند الكناد، تخرجه أمّة اسم نبيّها حمّاد، آية ذلك إذا غشى بلد البلاد، سبعة ملوك أجناس السّواد. تاريخ هذا الزّبر ألف سنة وأربع مائة سنة عداد». وقال ابن عفير وابن عبد الحكم: وفي زمان شدّاد بن عاد بنيت الأهرام، فيما ذكر بعض المحدّثين. ولم نجد عند أحد من أهل العلم من أهل مصر معرفة في الأهرام ولا خبر يثبت (¬a) (٣). وقال محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم: ما أحسب الأهرام بنيت إلاّ قبل الطّوفان، لأنّها لو بنيت بعده لكان علمها عند الناس (٤).

стр. 441

وقال عبيد بن شريّة (¬a) الجرهمي: لمّا نزلت العماليق أرض مصر حين أخرجها جرهم من مكّة، بنت الأهرام، واتّخذت لها المصانع، وبنت فيها العجائب، ولم تزل بمصر حتى أخرجها مالك بن دعر الخزاعيّ (١). وقال محمد بن عبد الحكم: كان من وراء الأهرام إلى المغرب أربع مائة مدينة سوى القرى من مصر إلى/ المغرب في غربي الأهرام (٢). وقال ابن عفير: ولم يزل مشايخنا من أهل مصر يقولون الأهرام بناها شدّاد بن عاد، وهو الذي بنى المغار، وجنّد الأجناد؛ فالمغار والأجناد هي الدّفائن. وكانوا يقولون بالرّجعة، وإذا مات أحدهم دفن معه ماله كائنا ما كان، وإن كان صانعا دفن معه آلة صنعته، وكانت الصّابئة تحجّ إلى الأهرام (٣). وقال أبو الرّيحان البيروني في كتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية»: والفرس وعامّة (¬b) المجوس تنكر الطّوفان، وأقرّ به بعض الفرس لكنّهم قالوا: كان بالشّام والمغرب منه شيء في زمان طمهورث، ولكنّه لم يعمّ العمران كلّه، ولم يتجاوز عقبة حلوان، ولم يبلغ ممالك المشرق، وإنّ أهل المغرب لمّا أنذر به حكماؤهم بنوا أبنية - كالهرمين بمصر - ليدخلوها عند الآفة، وإنّ آثار ماء الطّوفان وتأثيرات الأمواج كانت بيّنة على أنصاف الهرمين لم تتجاوزهما (٤). انتهى. ويقال: إنّه لمّا نضب ماء الطّوفان (¬c) لم يوجد تحت الماء قرية سوى نهاوند - وجدت كما هي - وأهرام مصر وبرابيها، وهي التي بناها هرمس الأوّل الذي تسمّيه العرب إدريس (٥). وكان قد

стр. 442

ألهمه اللّه علم النّجوم، فدلّته على أنّه سينزل بالأرض آفة، وأنّه سيبقى بقيّة من العالم يحتاجون فيها إلى علم، فبنى هو وأهل عصره الأهرام والبرابي، وكتب علمه فيها. وقال أبو الصّلت الأندلسي في «رسالته»، وقد ذكر أخلاق أهل مصر: إلاّ أنّه يظهر من أمرهم أنّه كان فيهم طائفة من ذوي المعارف والعلوم، وخصوصا علم الهندسة والنّجوم، ويدلّ على ذلك ما خلّفوه من الصّنائع البديعة المعجزة، كالأهرام والبرابي، فإنّها من الآثار التي حيّرت الأذهان الثّاقبة، واستعجزت الأفكار الرّاجحة، وتركت لها شغلا بالتّعجّب منها والتّفكّر فيها (١). وفي مثلها يقول أبو العلاء أحمد بن سليمان المعرّي من قصيدته التي يرثي بها أباه (٢): [الطويل] تضلّ العقول الهزبريّات رشدها … ولا يسلم الرّأي القويم من الأفن وقد كان أرباب الفصاحة كلّما … رأوا حسنا عدّوه من صنعة الجنّ وأيّ شيء أعجب وأغرب، بعد مقدورات اللّه ومصنوعاته، من القدرة على بناء جسم جسيم، من أعظم الحجارة، مربعّ القاعدة، مخروط الشّكل، ارتفاع عموده ثلاث مائة ذراع وتسعة عشر ذراعا، يحيط به أربعة سطوح مثلّثات متساويات الأضلاع، طول كلّ ضلع منها أربع مائة ذراع وستون، وهو مع العظم من إحكام الصّنعة وإتقان الهندام وحسن التّقدير، بحيث لم يتأثّر إلى هلمّ جرّا بعصف الرّياح وهطل السّحاب وزعزعة الزّلازل. وهذه صفة كلّ واحد من الهرمين المحاذيين للفسطاط من الجانب الغربي على ما شاهدناه منهما (٣).

стр. 443

و (١) قد ذكرت عجائب مصر، وأنّ ما على وجه الأرض بنية إلاّ وأنا أرثي لها من اللّيل والنّهار إلاّ الهرمان، فأنا أرثي اللّيل والنّهار منهما (٢)، وهذان الهرمان لهما إشراف على أرض مصر، وإطلال على بطائحها، وإصعاد في جوّها (¬a). وهما اللّذان أراد أبو الطّيّب المتنبّي بقوله (٣): [الكامل] أين الذي الهرمان من بنيانه؟ … ما قومه؟ ما يومه؟ ما المصرع؟ تتخلّف الآثار عن سكّانها … حينا، ويدركها الفناء فتتبع واتّفق يوما أنّا خرجنا إليهما، فلمّا طفنا بهما واستدرنا حولهما، كثر التّعجّب منهما، فقال بعضنا (٤): [الطويل] بعينيك (¬b) هل أبصرت أعجب منظرا … على طول ما أبصرت من هرمي مصر؟ أنافا بأعنان السّماء وأشرفا … على الجوّ إشراف السّماك أو النّسر وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا … كأنّهما نهدان قاما على صدر وزعم قوم أنّ الأهرام قبور ملوك عظام آثروا أن يتميّزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم، كما تميّزوا عنهم في حياتهم، وتوخّوا أن يبقى ذكرهم بسببها على تطاول الدّهور وتراخي العصور (٥). ولمّا وصل الخليفة المأمون إلى مصر أمر بنقبها، فنقب أحد الهرمين المحاذيين للفسطاط بعد جهد شديد وعناء طويل، فوجدوا داخله مهاوي ومراقي يهول أمرها ويعسر السّلوك فيها، ووجدوا في أعلاها بيتا مكعّبا طول كلّ ضلع من أضلاعه نحو من ثمانية أذرع، وفي وسطه حوض رخام مطبق، فلمّا كشف غطاؤه لم يجدوا فيه غير رمّة بالية قد أتت عليها العصور

стр. 444

الخالية. فعند ذلك أمر المأمون بالكفّ عن نقب ما سواه. ويقال إنّ النّفقة على نقبه كانت عظيمة والمؤنة شديدة (١). ومن النّاس من زعم أنّ هرمس الأوّل المدعو بالمثلّث بالنّبوّة والملك والحكمة، وهو الذي تسمّيه العبرانيون خنوخ بن يرد بن مهلائيل بن فتيان بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇، وهو إدريس ﵇ استدلّ من أحوال الكواكب على كون الطّوفان يعمّ الأرض، فأمر ببنيان (¬a) الأهرام وإيداعها الأموال، وصحائف العلوم، وما يشفق عليه من/ الذّهاب والدّروس، حفظا لها واحتياطا عليها (٢). ويقال إنّ الذي بناها ملك اسمه سوريد بن سهلوق بن سرياق (٣)، وقال آخرون: إنّ الذي بنى الهرمين المحاذيين للفسطاط شدّاد بن عاد لرؤيا رآها. والقبط تنكر دخول العمالقة بلد مصر، وتحقّق أنّ بانيها سوريد لرؤيا رآها وهي أنّ آفة تنزل من السّماء، وهي الطّوفان. وقالوا إنّه بناهما في مدّة ستة أشهر، وغشّاهما بالدّيباج الملونّ، وكتب عليهما: «قد بنيناهما في ستة أشهر، قل لمن يأتي من بعدنا يهدمها في ستّ مائة سنة، فالهدم أيسر من البنيان، وكسوناهما الدّيباج الملوّن، فليكسهما حصرا، فالحصر أهون من الدّيباج». ورأينا سطوح كلّ واحد من هذين الهرمين مخطوطة من أعلاها إلى أسفلها بسطور متضايقة متوازية من كتابة بانيها، لا تعرف اليوم أحرفها، ولا تفهم معانيها. وبالجملة، الأمر فيها عجيب، حتى إنّ غاية الوصف لها، والإغراق في العبارة عنها، وعن حقيقة الموصوف منها، بخلاف ما قاله عليّ بن العبّاس الرّوميّ، وإن تباعد الموصوفان، وتباين المقصودان، إذ يقول (٤): [المتقارب] إذا ما وصفت أمرا لامرئ … فلا تغل في وصفه واقصد

стр. 445

فإنّك إن تغل تبد الظّنو … ن فيه إلى الغرض الأبعد فيصغر من حيث عظّمته … لفضل المغيب على المشهد (١) ويقال: إنّ المأمون أمر من صعد الهرم الكبير أن يدلي حبلا، فكان طوله ألف ذراع بالذّراع الملكي - وهو ذراع وخمسان - وتربيعه أربع مائة ذراع في مثلها، وكان صعوده في ثلاث ساعات من النّهار، وأنّه وجد مقدار رأس الهرم قدر مبرك ثمانية جمال (٢). ويقال: إنّه وجد على الشخص (¬a) المقبور في الهرم حلّة قد بليت ولم يبق منها سوى سلوكها من الذّهب، وأنّ ثخانة الطّلاء الذي عليه قدر شبر من مرّ وصبر. ويقال: إنّه وجد في موضع من هذا الهرم إيوان، في صدره ثلاثة أبواب على ثلاثة بيوت، طول كلّ باب منها عشرة أذرع في عرض خمسة أذرع من رخام منحوت محكم الهندام، وعلى صفحاته خطّ أرزق لم يحسنوا قراءته؛ وأنّهم أقاموا ثلاثة أيام يعملون الحيلة في فتح هذه الأبواب، إلى أن رأوا أمامها على عشرة أذرع منها ثلاثة أعمدة من مرمر، وفي كلّ عمود خرق في طوله، وفي وسط الخرق صورة طائر؛ ففي الأوّل من هذه العمد صورة حمام من حجر أخضر، وفي الأوسط صورة بازي من حجر أصفر، وفي العمود الثالث صورة ديك من حجر أحمر. فحرّكوا البازي فتحرّك الباب الأوّل الذي في مقابلته، فرفعوا البازي قليلا فارتفع الباب، وكان بحيث لا يرفعه مائة رجل من عظمه، فرفعوا التّمثالين الآخرين، فارتفع البابان الآخران؛ فدخلوا إلى البيت الأوسط، فوجدوا فيه ثلاثة سرر من حجارة شفّافة مضيئة، وعليها ثلاثة من الأموات، على كلّ ميّت ثلاث حلل، وعند رأسه مصحف بخطّ مجهول. ووجدوا في البيت الآخر عدّة رفوف من حجارة، عليها أسفاط من حجارة فيها أوان من الذّهب عجيبة الصّنعة، مرصّعة بأصناف (¬b) الجواهر. ووجدوا في البيت الثالث عدّة رفوف من حجارة، عليها أسفاط من حجارة فيها آلات الحرب وعدد السّلاح؛ فقيس منها سيف فكان طوله سبعة أشبار، وكلّ درع من تلك الدّروع اثنا عشر شبرا، (¬c)) ويدخل في البيضة رأسان من رؤوس الناس (¬c)؛ فأمر المأمون بحمل ما وجد في البيوت، وأمر فحطّت العمد فانطبقت الأبواب كما كانت.

стр. 446

ويقال كانت عدّة الأهرام ثمانية عشر هرما منها تجاه مدينة الفسطاط ثلاثة، أكبرها دوره ألفا ذراع، وهو مربّع، في كلّ وجه من وجوهه الأربعة خمس مائة ذراع (١). ويقال إنّ المأمون لمّا فتحه وجد فيه حوضا من حجر مغطّى بلوح من رخام وهو مملوء بالذّهب، وعلى اللّوح مكتوب بقلم عرّب فكان: «إنّا عمّرنا هذا الهرم في ألف يوم، وأبحنا لمن يهدمه في ألف يوم (¬a)، والهدم أسهل من العمارة. وكسوناه جميعه بالدّيباج، وأبحنا لمن يكسوه الحصر، والحصر أيسر من الدّيباج. وجعلنا في كلّ جهة من جهاته مالا بقدر ما يصرف على الوصول إليه» (٢). فأمر المأمون أن يحسب ما صرف على النّقب، فبلغ قدر ما وجد في الحوض من غير زيادة ولا نقص (٣). ويقال: إنّه وجد فيه صورة آدمي من حجر أخضر كالدّهنج، مطبقة (¬b) كالدّواة، ففتح فإذا فيه جسد إنسان (¬c) عليه درع من ذهب (¬d)) مزيّن بأنواع الجواهر، وعلى صدره نصل سيف لا قيمة له، وعند رأسه حجر (¬d) من ياقوت أحمر في قدر بيضة الدّجاجة. فأخذه المأمون وقال: هذا خير من خراج الدنيا (¬e). وذكر بعض مؤرّخي مصر أنّ هذا الصّنم الأخضر الذي وجدت الرّمّة فيه لم يزل مسلقا (¬f) عند دار الملك بمدينة مصر إلى سنة إحدى عشرة وخمس مائة (¬g) من سني الهجرة (٤). وكان عند مدينة فرعون يوسف هرمان، وعند ميدوم هرم، وهذا آخرها. وفي سنة تسع وسبعين وخمس مائة من سني الهجرة ظهر بتربة بوصير من ناحية الجيزة بيت هرميس، ففتحه القاضي ابن الشّهرزوري/ وأخذ منه أشياء من جملتها كباش وقرود وضفادع من حجر بازهر، وقوارير من دهج، وأصنام من نحاس.

стр. 447

وقال ابن خرداذبه (١): من عجيب البنيان أنّ الهرمين بمصر سمك كلّ واحد منهما أربع مائة ذراع، وكلّما ارتفع دقّ، وهما من رخام ومرمر، والطّول أربع مائة ذراع في عرض أربع مائة ذراع، مكتوب عليها بالمسند (¬a) كل سحر وكلّ عجيب من الطّبّ، ومكتوب عليهما: إنّي بنيتهما، فمن يدّعي قوّة في ملكه فليهدمهما، فإنّ الهدم أيسر من البناء. فاعتبر ذلك، فإذا خراج الدّنيا لا يفي بهدمها. وقال في كتاب «عجائب البنيان» (٢) عن الأهرام: قد انفردت مصر بهذه الأشكال، فليس لها نظير من مثال (¬b)، يظنّها النّاظر للديار المصرية نهدين، ويحسبهما المتأمّل (¬c) أنّ مكارم أهلها قد أعدّتها للتكرّم أبلوجين، تراهما العين على بعد المسافة، وإذا حدّثت عن عجائبهما يظنّ أنّه حديث خرافة. وقد أكثر الناس في ذكر الأهرام ووصفها ومساحتها، وهي كثيرة العدد جدّا، وكلّها ببرّ الجيزة على سمت مصر القديمة، تمتدّ نحوا من مسافة ثلاثة أيام. وفي بوصير منها شيء كثير. وبعضها كبار وبعضها صغار، وبعضها طين وبعضها لبن، وأكثرها حجر، وبعضها مدرّج، وأكثرها مخروط أملس. وقد كان منها بالجيزة عدد كثير كلّها صغار، هدمت في زمن السّلطان صلاح الدين يوسف ابن أيّوب على يد الطّواشي بهاء الدّين قراقوش، أخذ حجارتها وبنى بها القناطر في الجيزة، وقد بقي من هذه الأهرام المهدومة تلّها (٣). وأمّا (٤) الأهرام المتحدّث عنها، فهي ثلاثة أهرام، موضوعة على خطّ مستقيم بالجيزة قبالة الفسطاط، وبينها مسافات كثيرة وزوايا متقابلة نحو الشّرق. واثنان عظيمان جدّا في قدر واحد،

стр. 448

وهما متقاربان ومبنيان بالحجارة البيض، وأمّا الثالث فينقص (¬a) عنها نحو الربع، لكنّه مبني بحجارة الصّوّان الأحمر المنقّط الشديد القوّة والصّلابة، ولا يكاد يؤثّر فيه الحديد إلاّ في الزّمان الطّويل، وتجده صغيرا بالقياس إلى ذينك، فإذا أتيت إليه وأفردته بالنّظر هالك مرآه، وحيّر النّظر (¬b) في تأمّله. وقد سلك في بناء الأهرام طريق عجيب من الشّكل والإتقان، ولذلك صبرت على ممرّ الأيام لا، بل على ممرّها صبر الزّمان. فإنّك إذا تأمّلتها وجدت الأذهان الشّريفة قد استهلكت فيها والعقول الصّافية قد أفرغت عليها مجهودها، والأنفس النّيّرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها، والملكات الهندسيّة قد أخرجتها إلى الفعل مثالا في غاية إمكانها، حتى إنّها تكاد تحدّث عن قومها (¬c)، وتخبر عن سيرتهم، وتنطق عن علومهم وأذهانهم، وتترجم عن سيرهم وأخبارهم. وذلك أنّ وضعها على شكل مخروط، ويبتدئ من قاعدة مربّعة وينتهي إلى نقطة. ومن خواصّ الشّكل المخروط أنّ مركز ثقله في وسطه، يتساند على نفسه، ويتواقع على ذاته، ويتحامل بعضه على بعض، وليس له جهة أخرى يتساقط عليها. ومن عجيب وضعه أنّه شكل مربّع قد قوبل بزواياه مهاب الرّياح الأربع، فإنّ الرّيح تنكسر سورتها عند مسامتتها الزّاوية، وليست كذلك عندما تلقى السّطح. وذكر المسّاح أنّ قاعدة كلّ من الهرمين العظيمين أربع مائة ذراع بالذّراع السّوداء (١)، وينقطع المخروط في أعلاه عند سطح مساحته عشرة أذرع في مثلها. وذكر أنّ بعض الرّماة رمى سهما في قطر أحدهما وفي سمكه، فسقط السّهم دون نصف المسافة. وذكر أنّ ذرع سطحها أحد عشر ذراعا بذراع اليد. وفي أحد هذين الهرمين مدخل يلجه الناس، يفضي بهم إلى مسالك ضيّقة وأسراب متنافذة وآبار ومهالك، وغير ذلك على ما يحكيه من يلجه. وأنّ أناسا كثيرين لهم غرام به وتحيّل فيه، فيتوغّلون في أعماقه، ولا بد أن ينتهوا إلى ما يعجزون عن سلوكه.

стр. 449

وأمّا المسلوك المطروق كثيرا، فزلاّقة تقضي إلى أعلاه، فيوجد فيه بيت مربّع فيه ناووس من حجر، وهذا المدخل ليس هو الباب في أصل البناء، وإنّما هو منقوب نقبا صادف اتّفاقا، وذكر أنّ المأمون [هو الذي] (¬a) فتحه (١). وحكى من دخله وصعد إلى البيت الذي في أعلاه، فلمّا نزلوا حدّثوا بعظيم ما شاهدوه، وأنّه مملوء بالخفافيش وأبوالها، وتعظم فيه حتى تكون قدر الحمام، وفيه طاقات وروازن نحو أعلاه، كأنّها جعلت مسالك للرّيح ومنافذ للضّوء [وهذه الأهرام مبنيّة] (¬a) بحجارة جافية، طول الحجر منها من عشرة أذرع إلى عشرين ذراعا وسمكه من ذراعين إلى ثلاثة أذرع، وعرضه نحو ذلك. والعجب كلّ العجب من وضع الحجر على الحجر بهندام ليس في الإمكان أصحّ منه، بحيث لا نجد بينهما مدخل إبرة ولا خلل شعرة، وبينهما طين لونه الزّرقة لا يدرى ما هو ولا صفته، وعلى تلك الحجارة كتابات بالقلم القديم المجهول الذي لم يوجد بديار مصر من يزعم أنّه سمع من يعرفه، وهذه الكتابات كثيرة جدّا حتى لو نقل ما عليها إلى صحف لكانت قدر عشرة آلاف صحيفة. وقرأت في بعض كتب الصّابئة القديمة (٢) أنّ أحد هذين الهرمين قبر أغاثديمون، والآخر قبر هرمس، ويزعمون أنّهما بيتان عظيمان، وأنّ أغاثديمون أقدم وأعظم، وأنّه كان يحجّ إليهما، ويهدي إليهما من أقطار البلاد (٣). وكان/ الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيّوب لمّا استقلّ بالملك بعد أبيه، سوّل له جهلة أصحابه أن يهدم هذه الأهرام، فبدأ بالصّغير الأحمر، فأخرج إليه النّقّابين والحجّارين وجماعة من أمراء دولته وعظماء مملكته، وأمرهم بهدمه، فخيّموا عنده، وحشروا الرّجال والصّنّاع، ووفّروا عليهم النّفقات، وأقاموا نحو ثمانية أشهر، بخيلهم ورحلهم، يهدمون كلّ يوم - بعد بذل الجهد، واستفراغ الوسع - الحجر والحجرين، فقوم من فوق يدفعونه بالأسافين والأنحال (¬b)، وقوم من أسفل يجذبونه بالقلوس والأشطان، فإذا سقط سمع له وجبة عظيمة من

стр. 450

مسافة بعيدة، حتى ترجف الجبال وتزلزل الأرض، ويغوص في الرمل فيتعبون تعبا آخر حتى يخرجوه، ويضربون فيه بالأسافين بعد ما ينقبون لها موضعا ويثبتونها فيه فيتقطع قطعا، وتسحب كلّ قطعة على العجل حتى يلقى في ذيل الجبل، وهي مسافة قريبة. فلمّا طال ثواؤهم، ونفدت نفقاتهم، وتضاعف نصبهم، ووهت عزائمهم، [وخارت قواهم] (¬a) كفّوا محسورين لم ينالوا بغية، بل شوّهوا الهرم، وأبانوا عن عجز وفشل. وكان ذلك في سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة، ومع ذلك فإنّ الرّائي لحجارة الهرم يظنّ أنّه قد استؤصل، فإذا عاين الهرم ظنّ أنّه لم يهدم منه شيء، وإنّما سقط بعض جانب منه. وحينما شوهدت المشقّة التي يجدونها في هدم كلّ حجر، سئل (١) مقدّم الحجّارين فقيل له: لو بذل لكم السّلطان ألف دينار على أن تردّوا حجرا واحدا إلى مكانه وهندامه، هل كان يمكنكم؟ فأقسم باللّه تعالى أنّهم ليعجزون عنه ولو بذل لهم أضعاف ذلك. وبإزاء الأهرام من الضّفّة الشرقية مغاير كثيرة العدد، كبيرة المقدار، عميقة الأغوار، لعلّ الفارس يدخلها برمحة ويتخلّلها يوما أجمع ولا ينهيها لكبرها وسعتها وبعدها، ويظهر من حالها أنّها مقاطع حجارة الأهرام. وأمّا مقاطع حجارة الأهرام الصّوّان (¬b) الأحمر، فيقال إنّها بالقلزم وبأسوان. وعند هذه الأهرام آثار أبنية جبّارة، ومغاير كثيرة متقنة (¬c)، وقلّما ترى من ذلك شيئا إلاّ وترى عليه كتابات بهذا القلم المجهول (٢). وللّه درّ الفقيه عمارة اليمنيّ حيث يقول (٣): [الطويل] خليليّ ما تحت السّماكين (¬d) بنية … تماثل في إتقانها هرمي مصر بناء يخاف الدّهر منه، وكلّ ما … على ظاهر الدّنيا يخاف من الدّهر

стр. 451

تنزّه طرفي في بديع (¬a) بنائها … ولم يتنزّه في المراد بها فكري أخذ هذا من قول بعض الحكماء: كلّ شيء يخشى عليه من الدّهر إلاّ الأهرام، فإنّه يخشى على الدّهر منها (١). وقال عبد الوهّاب بن حسن بن جعفر بن الحاجب، ومات في سنة سبع وثمانين وثلاث مائة: [الكامل] انظر إلى الهرمين إذ برزا … للعين في علو وفي صعد وكأنّما الأرض العريضة إذ (¬b) … ظمئت لطول حرارة الكبد حسرت عن الثّديين بارزة … تدعو الإله لفرقة الولد فأجابها بالنّيل يشبعها … ريّا وينقذها من الكمد لكرامة المولى المقيم بها … خير الأنام مقوّم الأود وقال سيف الدّين بن جبارة: [الكامل] للّه أيّ غريبة وعجيبة … في صنعة الأهرام للألباب أخفت عن الأسماع قصّة أهلها … ونضت عن الإبداع كلّ نقاب فكأنّما هي كالخيام مقامة … من غير ما عمد ولا أطناب مثل العرائس حدود أثوابها … عنها ولم تنطق من الإعجاب (¬c) وقال آخر: [الكامل] انظر إلى الهرمين واسمع منهما … ما يرويان عن الزّمان الغابر وانظر إلى سرّ اللّيالي فيهما … نظرا بعين القلب لا بالنّاظر لو ينطقان لخبّرانا بالذي … فعل الزّمان بأوّل وبآخر وإذا هما بديا لعيني ناظر … وصفا له أذني جواد عاير وقال الإمام أبو العبّاس أحمد بن يوسف التّيفاشي (٢):

стр. 452

[الطويل] ألست ترى الأهرام دام بناؤها … ويفنى لدنيا العالم الإنس والجنّ كأنّ رحى الأفلاك أكوارها على … قواعدها الأهرام والعالم الطّحن وقال (١): [الرجز] / قد كان للماضين من … سكّان مصر همم فالفضل عنهم فضلة … والعلم فيهم علم ثم انقضت أعلامهم … وعلمهم واحتطموا وانظر تراها ظاهرا … باد عليها الهرم وقال: [الطويل] خليلي لا باق على الحدثان … من الأوّل الباقي فيحدث ثاني إلى هرمي مصر تناهت قوى الورى … وقد هرمت في دهرها الهرمان فلا تعجبا أن قد هرمت فإنّما … رماني بفقدان الشّباب زماني وعوجا بقرطاجنّة فانظرا بها … جنابتي العادين تنتحبان وإيوان كسرى فانظراه فإنّه … يخبر كما بالصّدق كلّ أوان فلا تحسبا أنّ الفناء يخصّني … ألا كلّ ما فوق البسيطة فان ووجدت بخطّ الشّيخ شهاب الدين أحمد بن يحيى بن أبي حجلة التلمسانيّ (٢): أنشدني القاضي فخر الدين عبد الوهّاب المصري لنفسه في الأهرام، سنة خمس وخمسين وسبع مائة، وأجاد: [الكامل] أمباني الأهرام كم من واعظ … صدع القلوب ولم يفه بلسانه أذكرنني قولا تقادم عهده … «أين الّذي الهرمان من بنيانه»

стр. 453

هنّ الجبال الشّامخات تكاد أن … تمتدّ فوق الأرض عن كيوانه لو أنّ كسرى جالس في سفحها … لأجل مجلسه على إيوانه ثبتت على حرّ الزّمان وبرده … مددا ولم تأسف على حدثانه والشّمس في إحراقها والرّيح عن … د هبوبها والسّيل في جريانه هل عابد قد خصّها بعبادة … فمباني الأهرام من أوثانه أو قائل يقضي برجعى نفسه … من بعد فرقته إلى جثمانه فاختارها لكنوزه ولجسمه … قبرا ليأمن من أذى طوفانه أو أنّها للسّائرات مراصد … يختار راصدها أعز مكانه أو أنّها وصفت شئون كواكب … أحكام فرس الدّهر أو يونانه أو أنّهم نقشوا على حيطانها … علما يحار الفكر في تبيانه في قلب رائيها ليعلم نقشها … فكر يعضّ عليه طرف بنانه ذكر الصّنم الذي يقال له أبو الهول هذا الصّنم (١) بين الهرمين عرف أوّلا ببلهيب، وتقول أهل مصر اليوم أبو الهول (٢). قال القضاعيّ: صنم الهرمين، وهو «بلهوبه»، صنم كبير من حجارة فيما بين الهرمين، لا يظهر منه سوى رأسه فقط، تسمّيه العامّة ب «أبي الهول»، ويقال بلهيب، ويقال إنّه طلّسم للرّمل لئلاّ يغلب على إبليز الجيزة. وقال في كتاب «عجائب البنيان» (٣): وعند الأهرام رأس وعنق بارزة من الأرض في غاية العظم تسمّيه الناس «أبا الهول»، ويزعمون أنّ جثّته مدفونة تحت الأرض. ويقتضي القياس [أن تكون

стр. 454

جثته] (¬a) بالنسبة إلى رأسه أن يكون طوله سبعين ذراعا فصاعدا، وفي وجهه حمرة ودهان يلمع عليه رونق الطّراوة، وهو حسن الصّورة مقبولها، عليه مسحة بهاء وجمال، كأنّه يضحك تبسّما. وسئل بعض الفضلاء عن عجيب ما رأى فقال: تناسب وجه أبي الهول، فإنّ أعضاء وجهه - كالأنف والعين والأذن - متناسبة كما تصنع الطّبيعة الصّور متناسبة، فإنّ أنف الطّفل مثلا مناسب له، وهو حسن به، حتى لو كان ذلك الأنف لرجل كان مشوّها. وكذلك أنف الرّجل لو كان لصبي لتشوّهت صورته. وعلى هذا سائر الأعضاء، فكلّ عضو ينبغي أن يكون على مقدار ماهيته بالقياس إلى تلك الصّورة، وعلى نسبتها. والعجب من مصوّره، كيف قدر أن يحفظ التّناسب للأعضاء مع عظمها. وأنّه ليس في أعمال الطّبيعة ما يحاكيه (١). ويقابله في برّ مصر، قريبا من دار الملك، صنم عظيم الخلقة والهيئة، متناسب الأعضاء كما وصف، وفي حجره مولود وعلى رأسه ماجور، الجميع صوّان مانع. يزعم الناس أنّه امرأة، وأنّها سريّة أبي الهول المذكور، وهي بدرب منسوب إليها. ويقال لو وضع على رأس أبي الهول خيط ومدّ إلى سريّته لكان على رأسها مستقيما. ويقال إنّ أبا الهول طلّسم الرّمل يمنعه عن/ النّيل، وإنّ السّريّة طلّسم الماء يمنعه عن مصر (٢). وقال ابن المتوّج: زقاق الصّنم هو الزّقاق الشّارع، أوّله بأوّل السّوق الكبير، بجوار درب عمّار، ويعرف الصّنم بسريّة فرعون. وذكر أنّه طلّسم النّيل لئلا يغلب على البلد. وقيل إنّ بلهيب الذي عند الأهرام يقابله، وإنّ ظهر بلهيب إلى الرّمل، وظهر هذا إلى النّيل، وكلّ منهما مستقبل المشرق. وقد نزل في سنة إحدى عشرة وسبع مائة أمير يعرف ببلاط، في نفر من الحجّارين والقطّاعين، وكسروا الصّنم المعروف بالسّريّة، وقطعوه أعتابا وقواعد، ظنّا أن يكون تحته مال، فلم يوجد سوى أعتاب من حجر عظيمة، فحفر تحتها إلى الماء فلم يوجد شيء وجعل من حجره قواعد تحتانية للعمد الصّوّان التي بالجامع المستجدّ بظاهر مصر، المعروف بالجامع الجديد النّاصريّ (٣)،

стр. 455

وأزيل عين هذا الصّنم من مكانه، واللّه أعلم. وفي زمننا كان شخص يعرف بالشّيخ محمد صائم الدّهر من جملة صوفيّة الخانقاه الصّلاحية سعيد السّعداء، قام في نحو من سنة ثمانين وسبع مائة، لتغيير أشياء من المنكرات، وسار إلى الأهرام، وشوّه وجه أبي الهول وشعّثه، فهو على ذلك إلى اليوم (١). ومن حينئذ غلب الرّمل على أراض كثيرة من الجيزة. وأهل تلك النّواحي يرون أنّ سبب غلبة الرّمل على الأراضي فساد وجه أبي الهول، وللّه عاقبة الأمور. وما أحسن قول ظافر الحدّاد (٢): [الوافر] تأمّل حكمة الأهرام (¬a) واعجب … وبينهما أبو الهول العجيب كعمّاريّتين (٣) على رحيل … لمحبوبين بينهما رقيب وماء النّيل تحتهما (¬b) دموع … وصوت الرّيح عندهما نحيب وظاهر سجن يوسف مثل صبّ … تخلّف فهو محزون كئيب ويقال إنّ أتريب بن قبط بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح أوصى أخاه صا عند موته أن يحمله في سفينة ويدفنه بجزيرة وسط البحر، فلمّا مات فعل ذلك من غير أن

стр. 456

يعلم به أهل مصر، فاتّهمه الناس بقتل أتريب وحاربوه تسع سنين. فلمّا مضى من حربهم خمس سنين مضى بهم حتى أوقفهم على قبر أتريب، فحفروه فلم يجدوا به شيئا، وقد نقلته الشّياطين إلى موضع أبي الهول، ودفنته هناك بجانب قبر أبيه وجدّه بيصر. فازدادوا له تهمة، وعادوا إلى مدينة منف وتحاربوا، فأتاهم إبليس فدلّهم على قبر أتريب حيث نقله، فأخرجوه من قبره ووضعوه على سرير، فتكلّم لهم الشّيطان على لسانه حتى افتتنوا به وسجدوا له، وعبدوه فيما عبدوا من الأصنام. وقتلوا صا ودفنوه على شاطئ النّيل، فكان النّيل إذا زاد لا يعلو قبره فافتتن به طائفة وقالوا: قد قتل صا ظلما، وصاروا يسجدون لقبره كما يسجد أولئك لأتريب. فعمد آخرون إلى حجر فنحتوه على صورة أشموم، وكان يقال له أبو الهول، ونصبوه بين الهرمين وجعلوا يسجدون له، فصار أهل مصر ثلاث فرق. ولم تزل الصّابئة تعظّم أبا الهول، وتقرّب له الدّيكة البيض، وتبخّره بالصّندروس. ذكر الجبال (١) اعلم أنّ أرض مصر بأسرها محصورة بين جبلين آخذين من الجنوب إلى الشّمال، قليلي الارتفاع، وأحدهما أعظم من الآخر، والأعظم منهما هو الجبل الشّرقيّ المعروف بجبل لوقا، والغربيّ جبل صغير وبعضه غير متّصل ببعض، والمسافة بينهما تضيق في بعض المواضع وتتّسع في بعضها، وأوسع ما يكون بأسفل أرض مصر. وهذان الجبلان أقرعان لا ينبت فيهما نبات، كما يكون في جبال البلدان الأخر؛ وعلّة ذلك أنّهما بورقيان مالحان، لأنّ قوّة طين مصر تجذب منهما الرّطوبات الموافقة في التكوين، ولأنّ قوّة الحرارة تحلّل منهما الجوهر اللّطيف العذب، وكذلك مياه الآبار منهما مالحة. وهذان الجبلان يجفّفان ما يدفن فيهما، فإنّ أرض مصر بالطّبع قليلة الأمطار. وجبل لوقا في مشرق أرض مصر يعوق عنها ريح الصّبا، فعدمت مصر هذا الرّيح، ويعوق أيضا إشراق الشّمس على أرض مصر إذا كانت على الأفق.

стр. 457

وتتعدّد أسماء هذين الجبلين بحسب مواضعهما من الإقليم، فيطل على الفسطاط وعلى القاهرة الجبل المقطّم. ذكر جبل المقطّم (١) اعلم أنّ الجبل المقطّم أوّله من الشّرق من الصّين حيث البحر المحيط، ويمرّ على بلاد الطّطر حتى يأتي فرغانة إلى جبال اليتم الممتدّ بها نهر السّغد إلى أن يصل الجبل إلى جيحون، فيقطعه ويمضي في وسطه بين شعبتين منه وكأنّه قطع ثمّ في وسطه، ويستمر الجبل إلى الجوزجان، ويأخذ على الطّالقان إلى أعمال مرو الرّوذ إلى طوس، فيكون جميع مدن طوس فيه، ويتّصل به جبال أصبهان وشيراز إلى أن يصل إلى البحر الهندي، وينعطف هذا الجبل ويمتدّ إلى شهرزور فيمرّ على/ الدّجلة، ويتّصل بجبل الجوديّ، موقف سفينة نوح ﵇ في الطّوفان. ولا يزال هذا الجبل مستمرّا من أعمال آمد وميافارقين حتى يمرّ بثغور حلب فيسمّى هناك جبل اللّكّام، إلى أن يعدّي الثّغور فيسمّى نهرا، حتى يجاوز حمص فيسمّى لبنان، ثم يمتدّ على الشّام حتى ينتهي إلى بحر القلزم من جهة، ويتّصل من الجهة الأخرى ويسمّى المقطّم، ثم يتشعّب ويتّصل أواخر شعبه بنهاية الغرب. ويقال إنّه عرف بمقطّم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. وجبل المقطّم يمرّ على جانبي النّيل إلى النّوبة، ويعبر من فوق الفيّوم فيتّصل بالغرب إلى أرض مقراوة، ويمضي مغرّبا إلى سجلماسة، ومنها إلى البحر المحيط مسيرة خمسة أشهر. وقال إبراهيم بن وصيف شاه، وذكر مجيء مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح إلى أرض مصر: وكشف أصحاب فليمون الكاهن عن كنوز مصر وعلومهم، التي هيّ بخطّ البرابي، وآثار لهم المعادن (¬a) من الذّهب والزّبرجد والفيروزج والأسبادثم (¬b) وغير ذلك، ووصفوا لهم عمل

стр. 458

الصّنعة - يعني الكيمياء - فجعل مصرايم أمرها إلى رجل من أهل بيته يقال له مقيطام الحكيم، كان يعمل فيه الكيمياء، واختصر من اسمه وبقي ما يدلّ عليه فقيل له «جبل المقطّم»، يعني جبل مقيطام الحكيم (١). وقال البكريّ: المقطّم - بضمّ أوّله وفتح ثانيه وتشديد الطّاء المهملة وفتحها - جبل متّصل بمصر يوارون فيه موتاهم (٢). وقال القضاعيّ: المقطّم، ذكر أبو عبد اللّه اليمني أنّ هذا الجبل نسب إلى المقطّم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح، وكان عبدا صالحا، فانفرد بعبادة اللّه فيه، فسمّي الجبل باسمه (٣). وليس هذا بصحيح، لأنّه لا يعرف لمصر ولد اسمه المقطّم؛ والذي ذكره العلماء أنّ المقطّم مأخوذ من القطم، وهو القطع، فكأنّه لمّا كان منقطع الشّجر والنّبات سمّي مقطّما، ذكر ذلك عليّ بن الحسن الهنائي الدّوسي، المنبوذ بكراع، وغيره (٤). وروى عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم، عن اللّيث بن سعد ﵁ قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص ﵁ أن يبيعه سفح الجبل المقطّم بسبعين ألف دينار (وفي نسخة بعشرين ألف دينار)، فعجب عمرو من ذلك وقال: أكتب بذلك إلى أمير المؤمنين؛ فكتب بذلك إلى عمر بن الخطّاب ﵁ فكتب إليه عمر: سله ولم أعطاك به ما أعطاك، وهي لا تزرع ولا يستنبط بها ماء [ولا ينتفع بها] (¬a)؟ فسأله فقال: إنّا لنجد صفتها في الكتب أنّ فيها غراس الجنّة. فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه: «إنّا لا نعلم غراس الجنّة إلاّ المؤمنين، فاقبر فيها من مات قبلك من المؤمنين، ولا تبعه بشيء». فكان أوّل من قبر فيها رجل من المعافر يقال له عامر، فقيل عمرت؛ فقال المقوقس لعمرو: وما ذلك، وما على هذا عاهدتنا. فقطع لهم الحدّ الذي بين المقبرة وبينهم (٥).

стр. 459

وذكر عمر بن أبي عمر الكندي في «فضائل مصر» أنّ عمرو بن العاص ﵁ سار في سفح الجبل المقطّم ومعه المقوقس، فقال له: ما لجبلكم هذا أقرع ليس به نبات كجبال الشّام؟ فلو شققنا في أسفله نهرا من النّيل وغرسناه نخلا؟ فقال المقوقس: وجدنا في الكتب أنّه كان أكثر الجبال أشجارا ونباتا وفاكهة، وكان منزل المقطّم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح، ﵇. فلمّا كانت الليلة التي كلّم اللّه فيها موسى ﵇ أوحى اللّه إلى الجبال: إنّي مكلّم نبيّا من أنبيائي على جبل منكم، فسمت الجبال كلّها وتشامخت إلاّ جبل بيت المقدس فإنّه هبط وتصاغر، فأوحى اللّه إليه: لم فعلت ذلك؟ - وهو به أخبر - فقال: إعظاما وإجلالا لك يا ربّ. قال: فأمر اللّه سبحانه الجبال أن يحبوه كلّ جبل بما عليه من النّبت، فجاد له المقطّم بكلّ ما عليه من النّبت حتى بقي كما ترى، فأوحى اللّه إليه: إنّي معوّضك على فعلك بشجر الجنّة، أو غراس الجنّة. فكتب بذلك عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب ﵁ فكتب إليه عمر بن الخطّاب: إنّي لا أعلم شجر الجنّة غير المؤمنين (¬a)، فاجعله لهم مقبرة، ففعل. فغضب المقوقس من ذلك، وقال لعمرو: ما على هذا صالحتني؛ فقطع له عمرو قطيعا نحو بركة (¬b) الحبش تدفن فيه النّصارى (١). قال: وروي أنّ موسى ﵇ سجد فسجد معه كلّ شجرة من المقطّم إلى طرا (¬c). وروي أنّه مكتوب في التّوراة (¬d): وإذا فتح مقدسي - يريد وادي مسجد موسى ﵇ بالمقطّم عند مقطع الحجارة. فإنّ موسى ﵇ كان يناجي ربّه بذلك الوادي. وروى أسد بن موسى قال: شهدت جنازة مع ابن لهيعة: فجلسنا حوله فرفع رأسه فنظر إلى الجبل فقال: إنّ عيسى بن مريم ﵇ مرّ بسفح هذا الجبل وعليه جبّة صوف وقد شدّ

стр. 460

وسطه بشريط وأمّه إلى جانبه، فالتفت إليها وقال: يا أماه، هذه مقبرة أمّة محمد ﷺ (١). وروى عبد اللّه بن لهيعة، عن عيّاش بن عبّاس، أنّ كعب الأحبار ﵁ سأل رجلا يريد إلى (¬a) مصر فقال له: أهدني تربة من سفح مقطّمها، فأتاه منه بجراب، فلمّا حضرت كعبا الوفاة أمر به فجعل في لحده تحت جنبه (¬b) (٢). وروي عن كعب أنّه سئل عن جبل مصر فقال: إنّه لمقدّس ما بين القصير إلى/ اليحموم. قال ابن لهيعة: والمقطّم ما بين القصير إلى مقطع الحجارة، وما بعد ذلك فمن اليحموم. وفي هذا الجبل حجر من الجماهر (¬c)، وشيء من البلار (¬d)، وهو يمتدّ إلى أقاصي بلد (¬e) السّودان. الجبل الأحمر هذا الجبل مطلّ على القاهرة من شرقيها الشّمالي، ويعرف باليحموم. قال القضاعيّ: اليحاميم هي الجبال المتفرّقة المطلّة على القاهرة من جانبها الشّرقي وجبّانتها. وتنتهي هذه الجبال إلى بعض طريق الجبّ. وقيل لها اليحاميم لاختلاف ألوانها. واليحموم في كلام العرب الأسود المظلم (٣). وقال ابن عبد الحكم، عن شفيّ بن عبيد: إنّه لمّا قدم مصر وأهل مصر قد اتّخذوا مصلّى بحذاء ساقية أبي عون التي في العسكر، فقال: ما لهم وضعوا مصلاّهم في الجبل الملعون، وتركوا الجبل المقدّس (٤)، يعني المقطّم؟
следующие страницы →