← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقال المسعوديّ: ذكر جماعة من أهل العلم أنّ الإسكندر المقدوني لمّا استقام ملكه في بلاده، وسار حتى يختار أرضا صحيحة الهواء والتّربة والماء، حتى انتهى إلى موضع الإسكندرية فأصاب فيها أثر بنيان وعمدا كثيرة من الرّخام، وفي وسطها عمود عظيم عليه مكتوب بالقلم المسند - وهو القلم الأوّل من أقلام حمير وملوك عاد -: «أنا شدّاد بن عاد، شددت بساعدي الواد (¬a)، وقطعت عظيم/ العماد وشوامخ الجبال والأطواد، وبنيت إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وأردتّ أن أبني هنا مدينة كإرم، وأنقل إليها كلّ ذي قدم وكرم، من جميع العشائر والأمم، وذلك إذ لا خوف ولا هرم، ولا اهتمام ولا سقم، فأصابني ما أعجلني، وعمّا أردت قطعني، ومع وقوعه طال همّي وشجني، وقلّ نومي وسكني، فارتحلت بالأمس عن داري لا لقهر ملك جبّار، ولا لخوف جيش جرّار، ولا عن رغبة ولا عن صغار، ولكن لتمام المقدار، وانقطاع الآثار، وسلطان العزيز الجبّار. فمن رأى أثري، وعرف خبري وطول عمري ونفاذ بصري وشدّة حذري، فلا يغترّ بالدّنيا بعدي، فإنّها غرّارة غدّارة، تأخذ منه ما تعطي، وتسترجع منه ما تؤتي … »، وكلام كثير يري فناء الدّنيا ويمنع من الاغترار بها والسّكون إليها. فنزل الإسكندر متفكّرا يتدبّر هذا الكلام ويعتبره، ثم بعث يحشر الصّنّاع من البلاد، وخطّ الأساس، وجعل طولها وعرضها أميالا، وجمع إليها العمد والرّخام، وأتته المراكب فيها أنواع الرّخام وأنواع المرمر والأحجار من جزيرة صقلّيّة وبلاد إفريقية وإقريطش وأقاصي بحر الرّوم ممّا يلي مصبّه نحو أقيانس، وحمل إليه أيضا من جزيرة رودس. وأمر الفعلة والصّنّاع أن يدوروا بما رسم لهم من أساس سور المدينة؛ وجعل على كلّ قطعة من الأرض خشبة قائمة، وجعل من الخشبة إلى الخشبة حبالا منوطة بعضها ببعض، وأوصل جميع ذلك بعمود من الرّخام، وكان أمام مضربه، وعلّق على العمود جرسا عظيما مصوّتا، وأمر الناس والقوّام على البنّائين والفعلة والصّنّاع أنهم إذا سمعوا صوت ذلك الجرس وتحرّكت الحيال، وقد علّق على كلّ قطعة منها جرسا صغيرا، حرصوا على أن يضعوا أساس المدينة دفعة واحدة من سائر أقطارها، وأحبّ الإسكندر أن يجعل ذلك في وقت يختاره، وطالع سعد. فحرّك الإسكندر رأسه وأخذته نعسة في حال ارتقابه الوقت المحمود، فجاء غراب فجلس على حبل الجرس الكبير الذي فوق العمود فحرّكه، وخرج صوت الجرس، وتحرّكت الحيال وخفق ما عليها

стр. 527

من الأجراس الصّغار، وكان ذلك معمولا بحركات هندسية وحيل حكمية. فلمّا رأى الصّنّاع تلك الحبال قد تحرّكت، وسمعوا الأصوات، وضعوا الأساس دفعة واحدة، وارتفع الضّجيج بالتّحميد والتّقديس. فاستيقظ الإسكندر من رقدته، وسأل عن الخبر فأخبر بذلك، فأعجب وقال: «أردت أمرا وأراد اللّه غيره، ويأبى اللّه إلاّ ما يريد؛ أردت طول بقائها، وأراد اللّه سرعة فنائها وخرابها وتداول الملوك إيّاها» (١). وإنّ الإسكندر لمّا أحكم بناءها (¬a)، وثبّت أساسها، وجنّ الليل عليهم، خرجت دوابّ البحر فأتت على جميع البنيان، فقال الإسكندر حين أصبح: «هذا بدء الخراب في عمارتها، وتحقّق مراد الباري سبحانه من زوالها». فتطيّر من فعل الدّواب، فلم تزل البناة في كلّ يوم تبنى وتحكم ويوكّل من يمنع الدّواب إذا خرجت من البحر، فيصبحون وقد خرجت وخرّبت البنيان. فقلق الإسكندر لذلك وراعه ما رأى من البحر، فأقبل يفكّر ما الذي يصنع، وأيّ حيلة تنفع في ذلك، حتى تدفع الأذيّة عن المدينة، فسنحت له الحيلة عند خلوّه بنفسه وإيراده الأمور وإصدارها. فلمّا أصبح دعا الصّنّاع فاتّخذوا له تابوتا من الخشب طوله عشرة أذرع في عرض خمسة أذرع، وجعلت فيه جامات من الزّجاج قد أحاط بها خشب التابوت باستدارتها، وقد أمسك ذلك بالقار والزّفت وغيره من الأطلية الدّافعة للماء حذرا من دخول الماء إلى التابوت، وقد جعل فيها مواضع للحبال. ودخل الإسكندر في التابوت ورجلان من كتّابه ممّن له علم بإتقان التّصوير، وأمر أن تسدّ عليه الأبواب، وأن تطلى بما ذكرنا من الأطلية، وأمر بمركبين عظيمين فأخرجا إلى لجّة البحر وعلّق في التابوت من أسفله مثقلات الرّصاص والحديد والحجارة لتهوي بالتابوت سفلا، وجعل التابوت بين المركبين، وألصقهما بخشب بينهما لئلاّ يفترقا، وشدّ حبال التابوت إلى المركبين وطوّل حباله، فغاص التابوت حتى انتهى إلى قرار البحر؛ فنظروا إلى دواب البحر وحيوانه من ذلك الزّجاج الشّفّاف في صفاء ماء البحر، فإذا بصور الشّيّاطين على مثال النّاس، وفيهم من له مثل رؤوس السّباع وفي أيديهم الفئوس مع بعضهم، وفي أيدي بعضهم المناشير والمقامع يحكون بذلك صنّاع المدينة والفعلة وما في أيديهم من آلات البناء؛ فأثبت الإسكندر ومن معه تلك الصّور، وحكوها بالتّصوير في القراطيس على اختلاف أنواعها وتشوّه خلقها وقدودها. ثمّ حرّك

стр. 528

الحبال، فلمّا أحسّ بذلك من في المركبين جذبوا الحبال وأخرجوا التابوت. فخرج الإسكندر، وأمر صنّاع الحديد والنّحاس والحجارة فعملوا تماثيل تلك الدّواب على ما صوّر، فلمّا فرغوا منها وضعت على العمد بشاطئ البحر، ثم أمرهم فبنوا؛ فلمّا جنّ اللّيل ظهرت الدّوابّ والآفات من البحر، فنظرت إلى صورها على العمد مقابلة إلى البحر، فرجعت ولم تعد بعد ذلك … فبنيت الإسكندرية وشيّدت. وأمر الإسكندر أن يكتب على أبوابها: «هذه الإسكندريّة، أردت أن/ أبنيها على الفلاح والنّجاح واليمن والسّعادة والسّرور والثّبات في الدّهور، ولم يرد الباري مالك السّموات والأرض ومفني الأمم أن يبنيها (¬a) كذلك، فبنيتها وأحكمت بنيانها وشيّدت سورها. وآتاني اللّه من كلّ شيء علما وحكمة، وسهّل لي وجوه الأسباب فلم يتعذّر عليّ في العالم شيء مما أردته، ولا امتنع عنّي شيء ممّا طلبته، لطفا من اللّه وصنعا لي وصلاحا لعباده من أهل عصري، والحمد للّه رب العالمين، لا إله إلاّ هو ربّ كل شيء». ورسم بعد هذه الكتابة كلّ ما يحدث ببلده من الأحداث بعده في مستقبل الزّمان من الآفات والعمران والخراب، وما يؤول أمرها إليه إلى وقت دثور العالم. وكان بناء الإسكندرية طبقات، وتحتها قناطر مقنطرة عليها دور المدينة، يسير تحتها الفارس وبيده رمح لا تضيق به حتى يدور جميع تلك الآزاج والقناطر التي تحت المدينة. وقد عمل لتلك العقود والآزاج مخاريق، ومتنفّسات للضّياء، ومنافذ للهواء. وقد كانت الإسكندريّة تضيء باللّيل بغير مصباح لشدّة بياض الرّخام والمرمر، وكانت أسواقها وشوارعها وأزقّتها مقنطرة كلّها لا يصيب أهلها شيء من المطر. وكان عليها سبعة أسوار من أنواع الحجارة المختلفي اللّون (¬b)، بينها خنادق، وبين كلّ خندق وسور فضول، وربّما تعلّق في المدينة شقاق الحرير الأخضر لاختطاف بياض الرّخام أبصار الناس لشدّة بياضه. فلمّا أحكم بناءها وسكنها أهلها، كانت آفات البحر وسكّانه - على ما زعم الإخباريون من المصريين والإسكندريين - تختطف باللّيل أهل المدينة، فيصبحون وقد فقد منهم العدد الكثير؛ فلمّا علم بذلك الإسكندر اتّخذ الطّلّسمات على أعمدة هنالك تدعى المسالّ، وهي باقية إلى هذه الغاية، كلّ واحد من هذه الأعمدة على هيئة السّروة، وطول كلّ واحد منها

стр. 529

ثمانون ذراعا، على عمد من نحاس، وجعل تحتها صورا وأشكالا وكتابة (١). قال كاتبه (¬a): فيما تقدّم من حكاية ابن وصيف شاه ما يتبيّن به وهم ما نقله المسعودي من أنّ الإسكندر هو الذي عمل التّابوت حتى صوّر أشكال حيوانات البحر، فإنّ ابن وصيف شاه أعرف بأخبار أهل مصر. وكذلك ما ذكره المسعودي من أنّ المسالّ من عمل الإسكندر وهم أيضا، بل هذه المسال هي المناير التي كان ينوّر عليها، والأعلام التي كانت ملوك مصر القدماء تنصبها. وهي من أعمال ملوك القبط الأول، ومن أعمال الفراعنة الذين ملكوا مصر من قديم الزّمان. ذكر الإسكندر (٢) هو الإسكندر بن فليبش بن آمنته بن هركلش الجبّار الذي هو ابن الإسكندر الأعظم. ولي أبوه فليبش الملك في بلد مجدونية خمسا وعشرين سنة، استنبط فيها ضروبا من المنكر، وابتدع أنواعا من الشّرّ تقدّم فيها كلّ من ولي الملك بها قبله. وكان في أوّل أمره قد جعله أخوه الإسكندر رهينة عند أمير من الرّوم (٣)، فأقام عنده ثلاث سنين، وكان فيلسوفا، فتعلّم عنده ضروب الفلسفة. فلمّا قتل أخوه الإسكندر، اجتمع الناس على تولية فليبش، فولّوه أميرا، فقام في السّلطان مقاما عظيما، فحارب الرّوم وغلب عليهم، ومضى إلى البرّيّة فقتل بها من الناس آلافا، وغلب على مدائن، فاجتمع له جمع لا يقاد وجيش لا يرام، فأذلّ جميع الرّوم، وذهبت عينه في بعض الحروب. وعمّ (¬b) البلدان والمدائن غارة (¬c) وهدما وسبيا وانتهابا.

стр. 530

ثم حشد جميع أهل بلد الرّوم، وعبّأ عسكرا فيه مائتا ألف راجل وخمسون ألف فارس، سوى من كان فيه من أصحابه المجدونيين ومن غيرهم من أجناس اليونانيين، يريد غزو الفرس. فبينا هو يجمع هذا الجمع نظر في تزويج ابنة له يقال لها قلوبطرة من ختنه، أخي امرأته وخال ولده؛ الإسكندر، وجلس قبل العرس بيومين يحدّث قوّاده إذ سئل عن أي الموتات أحقّ أن يتمنّاها الإنسان! فقال: الواجب على الرّجل القويّ الظّافر المجرّب - يريد نفسه - ألاّ يتمنّى الموت إلاّ بالسّيف فجأة، لئلاّ يعذّبه المرض وتحل قوّته الأوجاع. فعجّل له ما تمنّى في ذلك العرس، وذلك أنّه حضر لعبا كان على الخيل بين ولده الإسكندر وختنه الإسكندر، فبينما هو في ذلك غافله أحد أحداث الرّوم بطعنة فقتله بها ثائرا بأبيه عندما تمكّن منه منفردا (١). فولي الإسكندر الملك بعد أبيه فليبش، وكان أوّل شيء أظهر فيه قوّته وعزمه في بلد الرّوم، وكانوا قد خرجوا عن طاعة المقدونيين إلى طاعة الفرس، فدرسهم واستأصلهم وخرّب مدنهم وجعلهم سبيا مبيعا، وجعل سائر بلادهم وكورهم تؤدّي إليه الخراج. ثم قتل جميع أختانه وأكثر أقاربه في وقت تعبئته لمحاربة الفرس (٢). وكان جميع عسكره اثنين وثلاثين (¬a) ألف فارس وستين ألف راجل، وكانت مراكبه خمس مائة مركب وثمانين مركبا. فحرّك بهذه العدّة كبار ملوك الدّنيا، وسار إلى الإسكندرية،/ ودخل بيت المقدس وقرّب فيه للّه تعالى قربانا (٣). وخرج يريد محاربة دارا (¬b)، وكان في عسكر دارا ملك الفرس في أوّل ملاقاته إيّاه ستّ مائة ألف مقاتل، فغلبه الإسكندر، وكانت إذ ذاك على الفرس وقعة شنعاء ونكبة دهياء، قتل فيها منهم عدد لا يحصى، ولم يقتل من عسكر الإسكندر إلاّ مائة وعشرون فارسا وتسعون راجلا. ومضى الإسكندر ففتح مدائن وانتهب ما فيها، فبلغه أنّ دارا قد عبّأ وأقبل نحوه بجمع عظيم، فخاف أن يلحقه في ضيق الجبال التي كان فيها، فقطع نحوا من مائة ميل في سرعة

стр. 531

عجيبة حتى بلغ مدينة طرسوس، وكاد يهلك لفرط البرد حتى انقبض عصبه، فلاقاه دارا في ثلاث مائة ألف راجل ومائة ألف فارس. فلمّا التقى الجمعان كاد الإسكندر يفزع (¬a) لكثرة ما كان فيه دارا وقلّة ما كان فيه، واستحر (¬b) القتال بينهما وباشر القوّاد الحرب بأنفسهم، وتنازل الأبطال، واختلف الطّعن والضّرب، وضاق الفضاء بأهله، فباشر كلا الملكين الحرب بأنفسهما: دارا والإسكندر، وكان الإسكندر أكمل أهل زمانه فروسية وأشجعهم وأقواهم جسما، فباشرا حتى جرحا جميعا، وتمادى الحرب بينهما حتى انهزم دارا، ونزلت الوقيعة بالفرس، فقتل من راجلهم نحو من ثمانين ألفا، ومن فرسانهم نحو من عشرة آلاف، وأسر منهم نحو من أربعين ألفا، ولم يسقط من عسكر الإسكندر (¬c) إلاّ مائتان وثلاثون راجلا ومائة وخمسون فارسا. فانتهب الإسكندر جميع عسكر الفرس، وأصاب فيه من الذّهب والفضّة والأمتعة الشّريفة ما لا يحصى كثرة، وأصيب من جملة الأسارى أمّ دارا وزوجته وأخته وابنتاه، فطلب دارا من الإسكندر فديتهن بنصف ملكه فلم يجبه إلى ذلك (١). فعبّأ دارا مرّة ثالثة وحشد الفرس عن آخرهم، واستجاش بكلّ من قدر عليه من الأمم، فبعث الإسكندر قائدا في أسطول (٢) للغارة على بلد الفرس، ومضى الإسكندر إلى الشّام فتلقّاه هنالك ملوك الدّنيا خاضعين له، فعفا عن بعض ونفى بعضا وقتل بعضا، ومضى إلى أحواز طرسوس - وكانت مدينة زاهرة قديمة عظيمة الشّأن، وأهلها قد وثقوا بعون أهل إفريقية لهم لصهر كان بينهم - فحاصرهم فيها حتى افتتحها، ومضى منها إلى رودس وإلى مصر فانتهب الجميع، وبنى مدينة الإسكندرية بأرض مصر، وقال هروشيوش: وله في بنيانها أخبار طويلة وسياسات كرهنا تطويل كتابنا بها (٣). ثم إنّ دارا لمّا يئس من مصالحته أقبل في أربع مائة ألف راجل ومائة ألف فارس فتلقّى الإسكندر مقبلا من ناحية مصر، في أعمال مدينة طرسوس، فكانت بينهما معركة عجيبة شنيعة، اجتهادا من الرّوم على ما كانوا خبروه واعتادوه (¬d) من الغلبة والظّفر، واجتهادا من الفرس بالتّوطين على

стр. 532

الهلاك وتفضيل الموت على الرّق والعبوديّة، فقلّما يحكى عن معركة كان القتل فيها أكثر منه في تلك المعركة. فلمّا نظر دارا إلى أصحابه يتغلّب عليهم ويهزمون، عزم على استعجال الموت في تلك الحرب بالمباشرة لها بنفسه والصّبر حتى يقتل معترضا للقتل، فلطف به بعض قوّاده حتى سلّلوه (¬a) فانهزم، وذهبت قوّة الفرس وعزّهم، وذلّ بعدها سلطانهم، وصار بلد المشرق كلّه في طاعة الرّوم، وانقطع ملك الفرس مدّة أربع مائة عام وخمسين عاما. واشتغل الإسكندر بتحصيل ما أصاب في عسكر الفرس والنّظر فيه، وقسمته على عسكره ثلاثين يوما. ثم مضى إلى مدينة الفرس (١) التي كانت رأس مملكتهم (¬b)، والتي اجتمعت فيها أموال الدّنيا ونعمها فهدمها ونهب ما فيها، فبلغه عن دارا أنّه صار عند قوم [من اللجدمونيين] (¬c) مكبّلا في كبول من فضّة، فتهيّأ وخرج في ستة آلاف فوجده بالطّريق مجروحا جراحات كثيرة، فلم يلبث أن هلك منها. فأظهر الإسكندر الحزن عليه والمرثيّة له، وأمر بدفنه في مقابر الملوك من أهل مملكته. وكان في أمر هذه الثّلاث معارك عبرة لمن اعتبر، ووعظ لمن اتّعظ، إذ قتل فيها من أهل مملكة واحدة نحو من خمسة عشر ألف ألف (¬d) بين راكب وراجل من أهل بلد آسيا - وهي العراق - وقد كان قتل من أهل تلك المملكة قبل ذلك بنحو من ستين سنة نحو تسعة عشر ألف ألف إلى ألف ألف ما بين راكب وراجل، من أهل بلد العراق والشّام وطرسوس ومصر وجزيرة رودس وجميع البلدان الذين درسهم الإسكندر أجمعين (٢). وكان سلطان الدّنيا مقسوما بين قوّاده بعد ما زلزل بدواهيه العظيمة العالم كلّه، وعمّ أهله بعضا بالمنايا الفظيعة، وبعضا بالتّوطين عليها والمباشرة لأهوالها. وأوصى عند وفاته أن يلقّب كلّ قائم في اليونانيين بعده ب «بطلميوس» تهويلا للأعداء، لأنّ معناه «الحربي» (٣).

стр. 533

فهذا هو الصّحيح من خبر الإسكندر، فلا يلتفت إلى ما خالفه. ويقال إنّه كان أشقر أزرق، وهو أوّل من سمر باللّيل، وكان له قوم يضحكونه ويحكوا له الخرافات، يريد بذلك حفظ ملكه وحراسة نفسه، لا اللّذّة. وبه اقتدى الملوك في السّمر واتّخاذ المضحكين والمخرّفين (١). ذكر تأريخ الإسكندر / قال أبو الرّيحان محمد بن أحمد البيروني (٢): تأريخ الإسكندر اليوناني - الذي يلقّبه بعضهم بذي القرنين - على سني الرّوم، وعليه عمل أكثر الأمم، لمّا خرج من بلاد يونان، وهو ابن ستّ وعشرين سنة لقتال دارا ملك الفرس. ولمّا ورد بيت المقدس أمر اليهود بترك تأريخ داود وموسى ﵉ والتّحوّل إلى تأريخه؛ فأجابوه وانتقلوا إلى تأريخه، واستعملوه فيما يحتاجون إليه، بعد أن عملوه من السّنة السادسة والعشرين لميلاده - وهو أوّل وقت تحرّكه - ليتمّوا ألف سنة من لدن موسى ﵇؛ وبقوا معتصمين بهذا التأريخ ومستعملين له، وعليه عمل اليونانيين، وكانوا قبله يؤرّخون بخروج يونان بن نورس عن بابل إلى المغرب (٣). وأوّل تأريخ الإسكندر يوم الاثنين أوّل تشرين الأوّل، وموافقه اليوم الرابع من بابه. ومبادي الأيّام عندهم من وقت طلوع الشّمس إلى وقت غروبها، وإلى أن يصبح الصّباح وتطلع الشّمس فقد كمل يوم بليلته. ومبادي الشّهور ترجع إلى عدد واحد له نظم يجري عليه دائما، وعدد شهور سنتهم اثنا عشر شهرا يخالف بعضها بعضا في العدد. وهذه أسماؤها (¬a)) وعدد أيّام كلّ شهر منها (¬a): تشرين الأوّل: أحد وثلاثون يوما. تشرين وثلاثون يوما. كانون الثّاني: أحد وثلاثون الثّاني: ثلاثون يوما. كانون الأوّل: أحد يوما. شباط: ثمانية وعشرون يوما وربع.

стр. 534

آذار: أحد وثلاثون يوما. نيسان: ثلاثون ثلاثون يوما. تمّوز: أحد وثلاثون يوما. آبّ: يوما. أيار: أحد وثلاثون يوما. حزيران: أحد وثلاثون يوما. أيلول: ثلاثون يوما. فسبعة أشهر، كلّ شهر منها أحد وثلاثون يوما، وأربعة أشهر كلّ شهر منها ثلاثون يوما، وشهر واحد ثمانية وعشرون يوما وربع يوم - وذلك أنّهم جعلوا شباط كلّ ثلاث سنين متواليات ثمانية وعشرين يوما، وجعلوه في السّنة الرابعة تسعة وعشرين يوما - فيكون عدّة أيّام سنتهم ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وربع يوم، ويجعلون السّنة الرابعة ثلاث مائة وستة وستين يوما ويسمّونها السنة الكبيسة. وإنّما زادوا الرّبع في كلّ سنة ليقرب عدد أيّام سنتهم من عدد أيّام السّنة الشّمسية، حتى تبقى أمورهم على نظام واحد، فتكون شهور البرد وشهور الحرّ وأوان الزّرع ولقاح الشّجر وجني الثّمر في وقت معلوم من السّنة، لا يتغيّر وقت شيء من ذلك ألبّتة (١). وكان ابتداء الكبيس في السّنة الثّالثة من ملك الإسكندر. وبين يوم الاثنين أوّل يوم من تأريخ الإسكندر هذا وبين يوم الخميس أوّل شهر المحرّم من السّنة التي هاجر نبيّنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب رسول اللّه ﷺ من مكّة إلى المدينة تسع مائة سنة وثلاث وثلاثون سنة ومائة وخمسة وخمسون يوما. وبينه وبين يوم الجمعة أوّل يوم من الطّوفان ألفا سنة وسبع مائة سنة واثنتان وتسعون سنة ومائة وثلاثة وتسعون يوما. وبين ابتداء ملك بخت نصّر وبين أوّل تأريخ الإسكندر أربع مائة وخمس وثلاثون سنة شمسيّة ومائتا يوم وثمانية وثلاثون يوما. وقال أبو بكر أحمد بن عليّ بن قيس بن وحشيّة في كتاب «الفلاحة النّبطيّة»: الشّهر المسمّى تمّوز - فيما ذكر النّبط (¬a) بحسب ما وجدت في كتبهم - اسم رجل كانت له قصّة عجيبة طويلة، وهو أنّه دعا ملكا إلى عبادة الكواكب السّبعة والبروج الاثنى عشر، وأنّ الملك قتله وعاش بعد

стр. 535

القتلة، ثم قتله قتلات بعد ذلك قبيحة وفي كلّها يعيش، ثم مات في آخرها. وإنّ شهورهم هذه كلّ واحد منها اسم رجل فاضل عالم كان في القديم من النّبط الذين كانوا مكان إقليم بابل قبل الكسدانيين. وذلك أنّ تمّوز هذا ليس من الكسدانيين ولا الكنعانيين ولا العبرانيين ولا الجرامقة، وإنّما هو من الحنباسيين (¬a) الأوّلين. وكذلك (¬b) يقولون في كلّ شهورهم: إنّها أسماء رجال مضوا، وإنّ تشرين الأوّل وتشرين الثاني اسما أخوين كانا فاضلين في العلوم، وكذلك كان كانون الأوّل وكانون الثّاني، وإنّ شباط اسم رجل نكح ألف امرأة - أبكارا كلّهن - ولم ينسل نسلا ولا ولد ولدا، فجعلوه في آخر الشّهور لنقصانه عن النّسل، فصار النّقصان من العدد فيه. والصّابئون من البابليّين والحرنانيين (¬c) جميعا إلى وقتنا هذا ينوحون ويبكون على تمّوز في الشهر المسمّى تمّوز في عيد لهم فيه منسوب إلى تمّوز، ويعدّدون تعديدا عظيما، وخاصّة النّساء، فإنّهن يقمن ههنا جميعا وينحن ويبكين على تمّوز، ويهذين في أمره هذيانا طويلا، وليس عندهم علم من أمره أكثر من أن يقولوا هكذا وجدنا أسلافنا ينوحون ويبكون على تمّوز في هذا العيد المنسوب إلى تمّوز. [(¬d)) وللنّصارى ذكران (¬e) يعملونه لرجل يسمّى جورجيس، أحد حواريي عيسى ﵇ دعا ملكا من الملوك إلى دين النّصرانية فعذّبه الملك بتلك القتلات (١). فلا أدري وقع إلى النّصارى قصّة تمّوز فأبدلوا مكانها اسم جورجيس وخالفوا الصّابئين في الوقت، لأنّ الصّابئين يعملون ذكران تمّوز أوّل يوم من شهر تمّوز، والنّصارى يعملون لجورجيس في آخر نيسان (٢).

стр. 536

ويقال إنّ بعض ملوك رومية زاد في شهور الرّوم كانون الثاني وشباط، فإنّ شهورهم كانت إلى زمانه عشرة أشهر كلّ شهر/ ستة وثلاثون يوما d. ويقال إنّ فيوفيوس أوّل من ملك مدينة رومية، وإنّه أقام ملكا ثلاثا وأربعين سنة، وزاد كانون الثاني وشباط في شهور الرّوم بحكم أنّها كانت إلى ذلك الزّمان عشرة أشهر كلّ شهر ستة وثلاثون يوما. وكان سبب نقص شباط يومين، وقوع غارة في أيّام فيطن رئيس جيش الرّوم مع خلف وحروب بينه وبين فريوريوس آلت إلى نصرة فيطن وأخذه مملكة الرّوم، وأمر بفريوريوس فنودي عليه: «أغبا فرديا» (¬a)، وتفسيره: اخرج يا شباط، ثم غرق في البحر. وسمّوا شهر شباط فريوريوس ليكون تذكار سوء له، فإنّ هذا الفعل كان في يومي التاسع والعشرين والثلاثين من شباط، فنقصوهما من شباط وزادوهما في تمّوز وكانون الثاني، فجعلوا كلّ شهر منهما أحدا وثلاثين يوما. ثم بعد زمان جاء ملك آخر فقال: لا يحسن أن يكون شباط في وسط السّنة، فنقله إلى آخرها، ولم تزل الرّوم من ذلك الوقت يتطيّرون من شباط. ذكر الفرق بين الإسكندر وذي القرنين وأنّهما رجلان اعلم أنّ التّحقيق عند علماء الأخبار أنّ ذا القرنين الذي ذكره اللّه في كتابه العزيز فقال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي اَلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * * إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي اَلْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْ ءٍ سَبَباً … ﴾ [الآيتان ٨٣، ٨٤ سورة الكهف] الآيات، عربيّ قد كثر ذكره في أشعار العرب، وأنّ اسمه الصّعب بن ذي مراثد بن الحارث الرّائش بن الهمّال ذي شدّاد بن عاد بن ذي منح بن عامر الملطاط بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود بن عابر ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇ (١)، وأنّه ملك من ملوك حمير وهم العرب

стр. 537

العاربة، ويقال لهم أيضا العرب العرباء؛ وكان ذو القرنين تبّعا متوّجا، ولمّا ولي الملك تجبّر، ثم تواضع للّه واجتمع بالخضر (١). وقد غلط من ظنّ أنّ الإسكندر بن فليبش هو ذو القرنين الذي بنى السّدّ، فإنّ لفظة «ذو» عربية، وذو القرنين من ألقاب العرب ملوك اليمن، وذاك رومي يوناني (٢). قال أبو جعفر الطّبريّ: كان الخضر في أيام أفريدون الملك بن أثفيان (¬a) (٣) في قول عامّة علماء أهل الكتاب الأول، وقبل موسى بن عمران ﵇. وقيل إنّه كان على مقدّمة ذي القرنين الأكبر الذي كان على أيّام إبراهيم الخليل ﵇ وأنّ الخضر بلغ مع ذي القرنين أيّام مسيره في البلاد نهر الحياة فشرب من مائه وهو لا يعلم به ذو القرنين ولا من معه، فخلّد، وهو حيّ عندهم إلى الآن (٣). وقال آخرون: إنّ ذا القرنين الذي كان على عهد إبراهيم الخليل ﵇ هو أفريدون ابن أثفيان (¬a)، وعلى مقدّمته كان الخضر (٤). وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام في كتاب «التّيجان في معرفة ملوك الأزمان» (¬b) بعد ما ذكر نسب ذي القرنين الذي ذكرناه: وكان تبّعا متوّجا، لمّا ولي الملك تجبّر، ثم تواضع واجتمع بالخضر ببيت المقدس، وسار معه مشارق الأرض ومغاربها، وأوتي من كلّ شيء سببا كما أخبر اللّه تعالى، وبنى السّدّ على يأجوج ومأجوج، ومات بالعراق (٥). فأمّا الإسكندر فإنّه يونانيّ، ويعرف بالإسكندر المجدوني.

стр. 538

سئل ابن عبّاس ﵄ عن ذي القرنين: ممّن كان؟ فقال: من حمير، هو (¬a) الصّعب بن ذي مراثد الذي مكّنه اللّه تعالى في الأرض، وآتاه من كلّ شيء سببا، فبلغ قرني الشّمس ورأس الأرض، وبنى السّدّ على يأجوج ومأجوج. قيل له: فالإسكندر؟ قال: كان رجلا صالحا روميّا حكيما، بنى على البحر في إفريقية منارا، وأخذ أرض رومة، وأتى بحر الغرب، وأكثر عمل الآثار في الغرب من المصانع والمدن. وسئل كعب الأحبار عن ذي القرنين فقال: الصّحيح عندنا من أخبارنا وأسلافنا أنّه من حمير، وأنّه الصّعب بن ذي مراثد، والإسكندر كان رجلا من يونان من ولد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - صلوات اللّه وسلامه عليهما (¬b). ورجال الإسكندر أدركوا المسيح بن مريم، منهم جالينوس وأرسطاطاليس. وقال الهمدانيّ في كتاب «الأنساب»: وولد كهلان بن سبأ زيدا، فولد زيد عريبا ومالكا وغالبا وعميكرب وقال الهيثم: عميكرب بن سبأ أخو حمير وكهلان - فولد عميكرب أبا مالك فدرحا ومهليل ابني عميكرب، وولد غالب جنادة بن غالب - وقد ملك بعد مهليل بن عميكرب ابن سبأ - وولد عريب عمرا، فولد عمرو زيدا والهميسع، ويكنى أبا الصّعب، وهو ذو القرنين الأوّل، وهو المسّاح والبنّاء (١). وفيه يقول النّعمان بن بشير (٢) ﵁ (¬c): [الطويل] فمن ذا يعاددنا من النّاس معشرا … كراما، فذو القرنين منّا وحاتم وفيه يقول الحارثيّ: [البسيط] سمّوا لنا واحدا منكم فنعرفه … في الجاهليّة لاسم الملك محتملا كالتّبّعين وذي القرنين يقبله … أهل الحجى فأحقّ القول ما قبلا وفيه يقول ابن أبي ذئب الخزاعيّ: [الطويل] / ومنّا الذي بالخافقين تغرّبا … وأصعد في كلّ البلاد وصوّبا فقد نال قرن الشّمس شرقا ومغربا … وفي ردم يأجوج بنى ثمّ نصبا

стр. 539

وذلك ذو القرنين تفخر حمير … بعسكر قيل ليس يحصى فيحسبا قال الهمدانيّ: وعلماء همدان تقول: ذو القرنين الصّعب بن مالك بن الحارث الأعلى بن ربيعة بن الجبّار بن مالك، وفي ذي القرنين أقاويل كثيرة (١). وقال الإمام فخر الدّين (¬a)) محمد بن عمر (¬a) الرّازي (٢) في كتاب «تفسير القرآن الكريم»: وممّا يعترض به على من قال إنّ الإسكندر هو ذو القرنين، أنّ معلّم الإسكندر كان أرسطاطاليس بأمره يأتمر وبنهيه ينتهي، واعتقاد أرسطاطاليس مشهور، وذو القرنين نبيّ، فكيف يقتدي نبيّ بأمر كافر؟ في هذا إشكال (٣). وقال الجاحظ في كتاب «الحيوان»: إنّ ذا القرنين كانت أمّه فيرى (¬b) آدميّة، وأبوه عبري (¬b) من الملائكة؛ ولذلك لمّا سمع عمر بن الخطّاب ﵁ رجلا ينادي: يا ذا القرنين، قال: أفرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة؟! وروى المختار بن أبي عبيد أنّ عليّا ﵁ كان إذا ذكر ذا القرنين قال: ذلك الملك الأمرط (٤)، واللّه أعلم.

стр. 540

ذكر من ولي الملك بالإسكندريّة بعد الإسكندر (١) قال في كتاب هروشيوش: إنّ الإسكندر ملك الدنيا اثنتي عشرة سنة، فكانت الدّنيا مأسورة بين يديه طول ولايته، فلمّا مات تركها بين يدي قوّاده المستخلفين تحته. فكان مثله معهم كمثل الأسد الذي ألقى صيده بين يدي أشباله، فتقاتلت عليه تلك الأشبال بعده. وذلك أنّهم اقتسموا البلاد، فصارت مصر وإفريقية كلّها وبلاد العرب (¬a) إلى قائده وصاحب خيله الذي ولي مكانه وهو بطلميوس بن لاوي، ويقال بطلميوس بن أرنبا (٢) المنطقي. [Ptolemaeus lagos] وذكر ممالك بقيّة القوّاد من أقصى بلاد الهند إلى آخر بلاد المغرب، ثم قال: فثارت بينهم حروب، وسببها رسالة كانت خرجت من عند الإسكندر بأن يرجع جميع الغرباء المنفيين إلى بلادهم، ويسقط عنهم الرّق والعبودية. فاستثقل ذلك ملك بلاد الرّوم، إذ خاف أن يكون الغرباء والمنفيون إذا رجعوا إلى بلدانهم ومواطنهم يطلبون النّقمة لأنفسهم، فكان هذا الأمر سبب خروجهم عن طاعة سلطان المجدونيين (٣). وقال غيره: وبطلميوس هذا سبى بني معدّ بعدما غزا فلسطين، ثم أطلقهم وحباهم بآنية جوهر وضعت في بيت المقدس، وملك عشرين سنة. وقال غيره: ولي أربعين سنة، وقيل ثمانيا وثلاثين سنة؛ وقيل إنّ اسمه فيلدلفوس [Philadelphos] - وهو محبّ الأب - وكان مجدونيّا، وهو الذي غنم اليهود وانتقل كثير منهم

стр. 541

إلى مصر. وفي زمانه كان زينون [Zenon] الفيلسوف (١)، وكان هذا الملك فيلسوفا. وأقبل برديقا [Perdicca] أحد قوّاد الإسكندر إلى مصر بعسكر عظيم وجيش عرمرم، فتفرّق سلطان (¬a)) مجدونيه إلى بلد (¬a) مجدونية على قسمين. ثم إنّ بطلميوس جمع عساكر مصر وإفريقية فلاقى برديقا فهزمه وأصاب عسكره، ثم قتله وأصاب ما كان معه، وحارب عدّة من قوّاد الإسكندر (٢). وقال غيره: وكان بطلميوس هذا حكيما عالما سائسا (¬b) مدبّرا، وهو أوّل من اقتنى البزاة ولعب بها وضرّاها، وكان من قبله من الملوك لا يلعب بها (٣). ولمّا مات، ملك الإسكندرية بعده بطلميوس الثاني، واسمه فلدلفس [Philadelphus] - ويقال له: محب الأخ - وكانت مدّة ملكه ثمانيا وثلاثين سنة؛ وهو الذي أطلق اليّهود الذين كانوا مأسورين بأرض مصر، وردّ الأواني المقدّسة على عزير النّبي؛ وهو الذي تخيّر السبعين مترجما من علماء اليهود الذين ترجموا كتب التّوراة والأنبياء من اللّسان العبراني إلى اللّسان الرّومي اليوناني واللاّطيني، وكان فيلسوفا منجّما. ومات، فولي بعده ابنه بطلميوس أوراجيطس [Euregutus] - المعروف بمحبّ الأب - ستا وعشرين سنة، ثم ولي بعده أخوه بطلميوس فيلوبطور [Philopoter] سبع عشرة سنة، وهو الذي قتل من اليهود نحوا من ستين ألفا وتغلّب عليهم (٤). ويقال إنّه صاحب علم الفلك والنّجوم وكتاب «المجسطي» (٥).

стр. 542

ثم ملك بعده ابنه بطلميوس أبيفانيش [Epiphanes] أربعا وعشرين سنة (١). ثم ولي بعده ابنه بطلميوس فلوماطر [Philometor] - محبّ الأم (¬a) - خمسا وثلاثين سنة، وهو الذي غلب ملك الشام، وحمّل اليهود أنواع البلاء والعذاب (٢). ثم ملك الإسكندرية بعده ابنه بطلميوس إيرياطيش [Euergetes] - وهو الإسكندراني - تسعا وعشرين سنة (٣). وفي زمانه غلب الرّومانيون على الأندلس، واحترقت مدينة قرطاجنّة بالنّار، وأقامت النّار فيها سبعة عشر يوما، فهدمت وحوّلت أساساتها حتى صار رخام أسوارها غبارا، وذلك إلى تسع مائة سنة من وقت بنيانها، وبيع جميع أهلها رقيقا، إلاّ قليلا من خيارهم وأشرافهم، وكان المتولّى لتخريبها قوّاد رومة (٤). ثم ولي بعده ابنه بطلميوس سوطار [Soter] - الذي يقال له الجديد - سبع عشرة سنة (٥)، وكان قبيح السّيرة، تزوّج بأخته ثم فارقها على أقبح حال ممّا تزوّجها عليه، في خبر له، ثم تزوّج ربيبته التي كانت بنت/ أخته، ثم زوّجها من ابنه المولود له من أخته، وكثرت فواحشه حتى نفاه أهل الإسكندرية، فمات منفيّا (٦). وولي أخوه بطلميوس الإسكندر - وهو الحوّال - عشر سنين (٧). ثم ولي بعده ابنه بطلميوس ديونشيش [Dionysas] ثمانيا وثلاثين سنة، وفي زمانه غلب قائد الرّومانيين على بيت المقدس، وجعل اليّهود يؤدّون إليه الجزية (٨). وظهرت في ذلك الزّمان علامات في السّماء مهولة: منها أنّه ظهر في السّماء بناحية مطلع الشّمس من مدينة رومة ممّا يلي ناحية الجنوب نار ملتهبة عظيمة، وكسر قوم خبزا في صنع لهم فانفجر من الخبز دم سائل، ونزل بمدينة رومة مدّة سبعة أيام متوالية برد كان يوجد في داخله حجارة وشقاف، وانفتحت الأرض فصار فيها غور عظيم وخرج منه لهب اشتعل حتى ظنّوه بلغ السّماء، ونظر أهل رومة يومئذ إلى عمود من الأرض إلى السّماء لونه لون الذّهب، وكان من

стр. 543

عظمه تكاد الشّمس أن تغيب منه (١). ثم ولي الإسكندرية بعده كلوباطرة [Cleopatra] سنتين (٢)، فدامت مملكة الإسكندرية - وهي الدّولة المجدونية - إلى أوّل ملوك قيصر - الذي هو أوّل ملوك الرّومانيين - مائتين وإحدى وثمانين سنة (٣). فبعث قيصر قائدين بعساكر كثيرة لفتح مصر، فتزوّج أحدهما كلوباطرة ابنة ديوشيش الملقّب بطلميوس، وقتل القائد الآخر، وخالف قيصر. فسار إليه قيصر بنفسه، وجرت أمور آلت إلى فتح الإسكندرية بعد حروب، واستولى قيصر على مملكة مصر، وقتل كلوباطرة وولديها، وقتل القائد الذي تزوّجها؛ ويقال بل سمّت نفسها عندما تيقّنت غلبة قيصر لها. ويقال إنّها كانت ذات حزم ومعرفة وتدبير، وإنّها حفرت خليج الإسكندرية وأجرت فيه الماء من مصر، وبنت بالإسكندرية أبنية عجيبة، منها هيكل زحل، وعملت فيه صنما من نحاس أسود. وكان أهل مصر والإسكندرية يعملون له عيدا في اليوم الثاني والعشرين من هاتور، ويحجّ إليه اليونانيون من سائر الأقطار ويذبحون له ذبائح لا تحصى كثرة. فلمّا ظهرت ملّة النّصارى في الإسكندرية جعلوا هيكل زحل كنيسة، ولم تزل إلى أن هدمها جيوش المعزّ لدين اللّه عند قدومهم من المغرب إلى أرض مصر في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة من سني الهجرة النّبوية. ويقال إنّ كلوباطرة هي التي بنت حائط العجوز بمصر، ويشبه أن يكون هذا غير صحيح. ويقال إنّها بنت مقياسا بمدينة إخميم، ومقياسا آخر بأنصنا. ويقال كانت مدّة ملكها ثلاثين سنة، وليس بصحيح. وبموت كلوباطرة انقطعت مملكة مصر، وصارت تحت يد ملوك الرّوم من أهل مدينة رومة، ثم تحت يد ملوك الرّوم من أهل قسطنطينيّة. فلم تزل تحت أيديهم يولّون فيها من قبلهم من شاءوا، فيصير إلى الإسكندرية ويقيم بها، إلى أن قدم عمرو بن العاص بالمسلمين، وفتح اللّه على يده الحصن والإسكندرية وجميع أرض مصر (٤). ويقال معنى كلوباطرة: الباكية.

стр. 544

فكان جميع المدّة التي ما بين ذهاب دولة البطالسة من الإسكندرية وقدوم عمرو بن العاص إلى مصر وفتحها ستّ مائة سنة وبضعا وسبعين سنة. وفي خلال هذه المدّة قوي جانب ملوك الفرس على القياصرة، وملكوا منهم بلاد الشّام، واستولوا على أرض مصر والإسكندرية في أيّام كسرى أبرويز بن هرمز، فبعث قائدا إلى مصر وملك الإسكندرية وقتل الرّوم، وأقاموا بالإسكندرية مدّة عشر سنين. فلمّا استبدّ هرقل بمملكة الرّوم وخرج من القسطنطينيّة لجمع الأموال من سائر مملكته أخذ حماة ودمشق، وصار إلى بيت المقدس وقد خرّبها الفرس فأمر ببنائها، وسار منها إلى أرض مصر، ودخل الإسكندرية وقتل من بها من الفرس، وأقام بها بطريقا، ثم عاد إلى قسطنطينيّة؛ فاستمرّت مصر بعده تحت إبالة الرّوم حتى ملكها المسلمون. ويقال إنّ كلّ بناء بمصر من آجر فهو للفرس، وما فيها من بناء حجر فهو للرّوم، واللّه أعلم. ذكر منار (¬a) الإسكندرية (١) قال المسعوديّ: فأمّا منار (¬a) الإسكندرية، فذهب الأكثرون من المصريين والإسكندرانيين ممّن عني بأخبار بلدهم أنّ الإسكندر بن فيليبش المقدوني هو الذي بناها؛ ومنهم من رأى أنّ دلوكة

стр. 545

الملكة بنتها وجعلتها مرقبا لمن يرد من العدوّ إلى بلدهم؛ ومن النّاس من رأى أنّ العاشر من فراعنة مصر هو الذي بناها؛ ومنهم من رأى أنّ الذي بنى مدينة رومة هو الذي بنى مدينة الإسكندرية ومنارتها والأهرام بمصر، وإنّما أضيفت الإسكندرية إلى الإسكندر لشهرته باستيلائه على الأكثر من ممالك العالم فشهرت به. وذكروا في ذلك أخبارا كثيرة يستدلّون بها على ما قالوا، و [أنّ] (¬a) الإسكندر لم يطرقه في هذا البحر عدوّ، ولا هاب ملكا يرد إليه في بلده ويغزوه في داره، فيكون هو الذي جعلها مرقبا؛ وأنّ الذي بناها جعلها على كرسي من الزّجاج على هيئة السّرطان في جوف البحر، وعلى طرف اللّسان الذي هو داخل في البحر من البرّ، وجعل على أعلاها تماثيل من النّحاس وغيره؛ منها تمثال قد أشار بسبّابته من يده/ اليمنى نحو الشّمس أينما كانت من الفلك، وإذا علت في الفلك فأصبعه يشير بها نحوها، فغذا انخفضت صارت يده سفلا تدور معها حيث دارت؛ ومنها تمثال يشير بيده إلى البحر، إذا صار العدوّ منه على نحو من ليلة، فإذا دنا وجاز أن يرى بالبصر لقرب المسافة، سمع لذلك التّمثال صوت هائل يسمع من مسيرة ميلين أو ثلاثة، فيعلم أهل المدينة أن العدوّ قد دنا منهم فيرمقونه بأبصارهم؛ ومنها تمثال كلّما مضى من اللّيل أو النّهار ساعة، سمعوا له صوتا بخلاف ما صوّت في الساعة التي قبلها، وصوته مطرب. وقد كان ملك الرّوم في ملك الوليد بن عبد الملك بن مروان أنفذ خادما من خواصّ خدمه ذا رأي ودهاء، فجاء مستأمنا إلى بعض الثّغور، فورد بآلة حسنة ومعه جماعة، فجاء إلى الوليد فأخبره أنّه من خواصّ الملك، وأنّه أراد قتله لموجدة وحال بلغته عنه لم يكن لها أصل، وأنّه استوحش ورغب في الإسلام؛ فأسلم على يد الوليد، وتقرّب من قلبه، وتنصّح إليه في دفائن استخرجها له من بلاد دمشق وغيرها من الشّام بكتب كانت معه فيها صفات تلك الدّفائن. فلمّا صارت إلى الوليد تلك الأموال والجواهر شرهت نفسه، واستحكم طمعه، فقال له الخادم: «يا أمير المؤمنين، إنّ ههنا أموالا وجواهر ودفائن للملوك»؛ فسأله الوليد عن الخبر فقال: «تحت منار (¬b)

стр. 546

الإسكندرية أموال ملوك الأرض، وذلك أنّ الإسكندر احتوى على الأموال والجواهر التي كانت لشدّاد بن عاد وملوك مصر، فبنى لها الآزاج (¬a) تحت الأرض، وقنطر لها الأقباء والقناطر والسّراديب، وأودعها تلك الذّخائر من العين والورق والجوهر، وبنى فوق ذلك هذه المنارة. وكان طولها في الهواء ألف ذراع، والمرآة في علوّه، والدّبادبة جلوس حوله، فإذا نظروا إلى العدو في البحر في ضوء تلك المرآة ضوّتوا لمن قرب منهم، ونشروا أعلاما فيراها من بعد منهم، فتحذر الناس وتنذر البلد، فلا يكون للعدوّ عليهم سبيل. فبعث الوليد مع الخادم بجيش وأناس من ثقاته وخواصّه، فهدم نصف المنارة من أعلاها وأزيلت المرآة، فضجّ الناس من هذا وعلموا أنّها مكيدة وحيلة في أمرها؛ فلمّا علم الخادم استفاضة ذلك، وأنّه سينمّ إلى الوليد، وأنّه قد بلغ ما يحتاج إليه، هرب في اللّيل في مركب كان قد أعدّه، وواطأ [قوما] (¬b) على ذلك، فتمّت حيلته وبقيت المنارة على ما ذكرناه إلى هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة. وكانت حوالي منارة الإسكندرية في البحر مغاص يخرج منه قطع من الجوهر يتّخذ منه فصوص للخواتم أنواعا من الجواهر، يقال إنّ ذلك من آلات اتّخذها الإسكندر للشّراب، فلمّا مات كسرتها أمّه ورمت بها في تلك المواضع من البحر؛ ومنهم من رأى أنّ الإسكندر اتّخذ ذلك النّوع من الجواهر وغرّقه حول المنارة، لكيلا تخلو من الناس حولها، لأن من شأن الجوهر أن يكون مطلوبا أبدا في كلّ عصر (١). ويقال إنّ هذه المنارة إنّما جعلت المرآة في أعلاها لأنّ ملوك الرّوم بعد الإسكندر كانت تحارب ملوك مصر والإسكندرية، فجعل من كان بالإسكندرية من الملوك تلك المرآة ترى من يرد في البحر من عدوّهم. وكان من يدخلها يتيه فيها، إلاّ أن يكون عارفا بالدّخول والخروج فيها، لكثرة بيوتها وطبقاتها وممرّاتها. وقد ذكر أنّ المغاربة، حين وافوا في خلافة المقتدر في جيش صاحب المغرب، دخل جماعة منهم على خيولهم إلى المنارة، فتاهوا فيها في طرق تؤول إلى مهاو تهوي إلى سرطان الزّجاج، وفيه مخاريق إلى البحر فتهوّرت دوابّهم وفقد منهم عدد كثير، وعلم

стр. 547

بهم بعد ذلك وقيل إنّ تهوّرهم كان على كرسي لها قدّامها، وفي المنارة مسجد في هذا الوقت يرابط فيه مطّوّعة المصريين وغيرهم (١). وفي سنة سبع وسبعين وسبع مائة، سقط رأس المنار (¬a) من زلزلة. ويقال إنّ منار (¬a) الإسكندرية كانت مبنيّة بحجارة مهندمة مضبّبة برصاص على قناطر من الزّجاج، وتلك القناطر على ظهر سرطان، وكان في المنار (¬a) ثلاث مائة بيت بعضها فوق بعض، وكانت الدّابّة تصعد بحملها إلى سائر البيوت من داخل المنار (¬a). ولهذه البيوت طاقات تشرف على البحر. وكان على الجانب الشّرقي من المنار (¬a) كتابة عرّبت فإذا هي: «بنت هذه المنظرة فريتا (¬b) بنت مرينوس اليونانية لرصد الكواكب». وقال ابن وصيف شاه، وقد ذكر أخبار مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح: وبنوا على عبر (¬c) البحر مدنا منها رقودة مكان الإسكندرية، وجعلوا في وسطها قبّة على أساطين من نحاس مذهّب، والقبّة مذهّبة، ونصبوا فوقها منارة عليها مرآة من أخلاط شتّى، قطرها خمسة أشبار، وكان ارتفاع القبّة مائة ذراع، فكانوا إذا قصدهم قاصد من الأمم التي حولهم، فإن كان ممّا يهمهم أو من البحر، عملوا لتلك المرآة عملا فألقت شعاعها على ذلك الشيء فأحرقته. فلم تزل على حالها إلى أن غلب عليها البحر فنسفها. ويقال إنّ الإسكندر إنّما عمل المنار الذي كان تشبيها بها، وقد كان أيضا عليه مرآة يرى فيها من يقصدهم من بلاد الرّوم، فاحتال [عليها] (¬d) بعض ملوك الرّوم فوجه [إليها] (¬d) من أزالها، وكانت من زجاج مدبّر (٢). وقال المسعوديّ في كتاب «التّنبيه والإشراف»: وقد كان وزير المتوكّل عبيد اللّه بن/ يحيى بن خاقان، لمّا أمر المستعين بنفيه إلى برقة في سنة ثمان وأربعين ومائتين، صار إلى الإسكندرية من بلاد مصر، فرأى حمرة الشّمس على علوّ المنارة التي بها وقت المغيب، فقدّر أنّه يلزمه ألاّ يفطر إذ كان صائما أو تغرب الشّمس من جميع أقطار الأرض، فأمر إنسانا أن يصعد إلى أعلى منارة

стр. 548

الإسكندرية ومعه حجر، وأن يتأمّل موضع سقوط [قرص] (¬a) الشّمس، فإذا سقطت رمى بالحجر، ففعل الرّجل ذلك، فوصل الحجر إلى قرار الأرض بعد صلاة العشاء الآخرة، فجعل إفطاره بعد صلاة العشاء الآخرة فيما بعد إذا صام في مثل ذلك الوقت. وكان عند رجوعه إلى سرّمن رأى لا يفطر إلاّ بعد العشاء الآخرة، وعنده أنّ هذا فرضه، وأنّ الوقتين متساويان: وهذا غاية ما يكون من قلّة العلم بالفرض ومجاري الشرق والغرب. وقد ذكر أرسطاطاليس في كتاب «الآثار العلويّة» (١) أنّ بناحية المشرق الصّيفي جبلا شامخا جدّا، وأن من علامة ارتفاعه أنّ الشّمس لا تغيب عنه إلى ثلاث ساعات من اللّيل، وتشرق عليه قبل الصّبح بثلاث ساعات. ومنارة الإسكندرية أحد بنيان العالم العجيب، بناها بعض البطالسة ملوك اليونانيين بعد وفاة الإسكندر بن فيليبش الملك لما كان بينهم وبين ملوك رومة من الحروب في البرّ والبحر، فجعلوا هذه المنارة مرقبا، في أعاليها مرآة عظيمة من نوع الأحجار المشفّة ليشاهد منها مراكب البحر إذا أقبلت من رومة على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها، فكانوا يراعون ذلك في تلك المرآة، فيستعدّون لهم قبل ورودهم. وطول المنارة في هذا الوقت على التقريب مائتان وثلاثون ذراعا؛ وكان طولها قديما نحوا من أربع مائة ذراع، فهدمت على طول الأزمان وترادف الزّلازل والأمطار، لأنّ بلد الإسكندرية تمطر، وليس سبيلها سبيل فسطاط مصر، إذ كان الأغلب عليها ألاّ تمطر إلاّ اليسير. وبناؤها ثلاثة أشكال: فقريب من النّصف وأكثر من الثّلث مربّع الشّكل، بناؤها بأحجار بيض، يكون نحوا من مائة ذراع وعشرة أذرع على التّقريب. ثم من بعد ذلك مثمّن الشّكل مبنى بالحجر والجصّ نحو من نيف وستين ذراعا، وحواليه فضاء يدور فيه الإنسان وأعلاها مدوّر. وكان أحمد بن طولون رمّ شيئا منها، وجعل في أعلاه قبّة من الخشب ليصعد إليها من داخلها، وهي مبسوطة مورّبة بغير درج. وفي الجهة الشمالية من المنارة كتابة برصاص مدفون بقلم يوناني، طول كل حرف ذراع

стр. 549

في عرض شبر، ومقدارها على جهة الأرض نحو من مائة ذراع، وماء البحر قد بلغ أصلها. وقد كان تهدّم أحد أركانها الغربية ممّا يلي البحر، فبناها أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون. وبينها وبين مدينة الإسكندرية في هذا الوقت نحو من ميل، وهي على طرف لسان من الأرض قد ركب البحر جنبتيه. وهي مبنية على فمّ ميناء الإسكندرية، وليس بالميناء القديم لأنّ القديم في المدينة العتيقة لا ترسي فيه المراكب لبعده عن العمران. والميناء هو الموضع الذي ترسي فيه مراكب البحر. وأهل الإسكندرية يخبرون عن أسلافهم أنّهم شاهدوا بين المنارة وبين البحر نحوا ممّا بين المدينة والمنارة في هذا الوقت، فغلب عليه ماء البحر في المدّة اليسيرة، وأنّ ذلك في زيادة (١). قال: وتهدّم في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وثلاث مائة نحو من ثلاثين ذراعا من أعاليها بالزّلزلة التي كانت ببلاد مصر وكثير من بلاد الشّام والمغرب في ساعة واحدة، على ما وردت به علينا الأخبار المتواترة ونحن بفسطاط مصر، وكانت عظيمة جدّا مهولة فظيعة أقامت نحو نصف ساعة زمانيّة، وذلك لنصف يوم السبت لثمان عشرة ليلة خلت من هذا الشهر، وهو الخامس من كانون الآخر والتاسع من طوبة (٢). وكان لهذه المنارة مجمع في يوم خميس العدس (٣)، يخرج سائر أهل الإسكندرية إلى المنارة من مساكنهم بمآكلهم - ولابد أن يكون فيها عدس - فيفتح باب المنار ويدخله الناس، فمنهم من يذكر اللّه، ومنهم من يصلّي، ومنهم من يلهو، ولا يزالون إلى نصف النّهار ثم ينصرفون. ومن ذلك اليوم يحترس على البحر من هجوم العدوّ. وكان في المنارة قوم مرتّبون لوقود النّار طول الليل، فيقصد ركّاب السّفن تلك النار على بعد، فإذا رأى أهل المنار ما يربيهم أشعلوا النار من جهة المدينة، فإذا رآها الحرس ضربوا الأبواق والأجراس، فيتحرّك عند ذلك الناس لمحاربة العدوّ. ويقال إنّ المنار كان بعيدا عن البحر، فلمّا كان في أيّام قسطنطين بن قسطنطين هاج البحر وغرّق مواضع كثيرة وكنائس عديدة بمدينة الإسكندرية، ولم يزل يغلب عليها بعد ذلك ويأخذ منها شيئا بعد شيء. وذكر بعضهم أنّه قاسه فكان مائتي ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعا، وهي ثلاث

стр. 550

طبقات: الطّبقة الأولى مربّعة، وهي مائة وإحدى وعشرون ذراعا ونصف ذراع. والطّبقة الثانية مثمّنة، وهي إحدى وثمانون ذراعا ونصف ذراع. والطّبقة الثالثة مدوّرة، وهي إحدى وثلاثون ذراعا ونصف ذراع (١). وذكر ابن جبير في «رحلته» أنّ منار الإسكندرية يظهر على أزيد من سبعين ميلا، وأنه ذرع أحد جوانبه الأربعة/ في سنة ثمان وسبعين وخمس مائة فأناف على خمسين ذراعا، وأنّ طول المنار أزيد من مائة وخمسين قامة؛ وفي أعلاه مسجد يتبرّك الناس بالصّلاة فيه (٢). وقال ابن عبد الحكم: ويقال إنّ الذي بنى منار الإسكندرية كلوباطرة الملكة، وهي التي ساقت خليجها حتى أدخلته الإسكندرية، ولم يكن يبلغها إنّما كان يعدل من قرية يقال لها كسّا قبالة الكريون، فحفرته حتى أدخلته الإسكندرية، وهي التي بلّطت قاعه (٣). ولمّا استولى أحمد بن طولون على الإسكندرية بنى في أعلى المنار قبّة من خشب فأخذتها الرّياح. وفي أيّام الظّاهر بيبرس تداعى بعض أركان المنار وسقط، فأمر ببناء ما انهدم منه في سنة ثلاث وسبعين وستّ مائة، وبنى مكان هذه القبّة مسجدا، وهدم في ذي الحجة سنة اثنتين وسبع مائة عند حدوث الزّلزلة، ثم بني في شهور سنة ثلاث وسبع مائة على يد الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وهو باق إلى يومنا هذا. وللّه درّ الوجيه الدّروي حيث يقول في منار الإسكندرية (٤): [الطويل] وسامية الأرجاء تهدي أخا السّرى … ضياء إذا ما حندس اللّيل أظلما لبست بها بردا من الأنس ضافيا … فكان بتذكار الأحبّة معلما وقد ظلّلتني من ذراها بقبّة … ألاحظ فيها من صحابي أنجما فخيل أنّ البحر تحتي غمامة … وأنّي قد خيّمت في كبد السّما! وقال ابن قلاقس من أبيات (٥):

стр. 551

[البسيط] ومنزل جاوز الجوزاء مرتقيا … كأنّما فيه للنّسرين أوكار راسي القرارة سامي الفرع في يده … للنّون والنّور أخبار وأخبار أطلقت فيه عنان النّظم فاطّردت … خيل لها في بديع الشّعر مضمار وقال الوزير أبو عبد اللّه محمد بن الحسن بن عبدويه (¬a) (١): [البسيط] للّه درّ منار اسكندرية كم … يسمو إليه على بعد من الحدق من شامخ الأنف في عرنينه شمم … كأنّه باهت في دارة الأفق للمنشآت الجواري عند رؤيته … كموقع النّوم في أجفان ذي أرق وقال عمر بن أبي عمر الكندي في «فضائل مصر»: ذكر أهل العلم أنّ المنارة كانت في وسط الإسكندرية حتى غلب عليها البحر فصارت في جوفه، ألا ترى الأبنية والأساسات في البحر إلى الآن عيانا؟ (٢) وقال عبد اللّه بن عمرو: عجائب الدّنيا أربعة: مرآة كانت معلّقة بمنارة الإسكندرية، فكان يجلس الجالس تحتها فيرى من بالقسطنطينيّة، وبينهما عرض البحر، وذكر الثّلاثة. ذكر الملعب الذي كان بالإسكندريّة وغيره من العجائب قال القضاعيّ: ومن عجائب مصر الإسكندرية وما بها من العجائب، فمن عجائبها المنارة والسّواري والملعب الذي كانوا يجتمعون فيه في يوم من السّنة، ثم يرمون بأكرة فلا تقع في حجر أحد إلاّ ملك مصر. وحضر عيدا من أعيادهم عمرو بن العاص، فوقعت الأكرة في حجره فملك البلد بعد ذلك في الإسلام. ثم يحضر (¬b) هذا الملعب ألف ألف من النّاس، فلا يكون فيهم أحد إلاّ وهو ينظر في وجه صاحبه ثم إن قرئ كتاب سمعوه جميعا، أو لعب لون من اللّعب رأوه عن

стр. 552

آخرهم، لا يتظالمون فيه بأكثر من مراتب العلّيّة والسّفليّة (١). وقال ابن عبد الحكم: فلمّا كانت سنة ثمان عشرة من الهجرة، وقدم عمر بن الخطّاب ﵁ الجابية، خلا بن عمرو بن العاص واستأذنه في المسير إلى مصر؛ وكان عمرو قد دخل في الجاهليّة مصر وعرف طرقها، ورأى كثرة ما فيها. وكان سبب دخوله إيّاها أنّه قدم إلى بيت المقدس لتجارة في نفر من قريش، فإذا هم بشمّاس من شمامسة الرّوم من أهل الإسكندرية قدم للصّلاة في بيت المقدس فخرج في بعض جبالها يسبح، وكان عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه، وكانت رعية الإبل نوبا بينهم. فبينا عمرو يرعى إبله، إذ مرّ به ذلك الشّمّاس وقد أصابه عطش شديد في يوم شديد الحرّ، فوقف على عمرو فاستسقاه فسقاه عمرو من قربة له، فشرب حتى روي ونام الشّمّاس مكانه وكانت إلى جنب الشّمّاس حيث نام حفرة، فخرجت منها حيّة عظيمة، فبصر بها عمرو فنزع لها بسهم فقتلها. فلمّا استيقظ الشّمّاس نظر إلى حيّة عظيمة قد أنجاه اللّه منها، فقال لعمرو: ما هذه؟ فأخبره عمرو أنّه رماها فقتلها، فأقبل إلى عمرو فقبّل رأسه وقال: قد أحياني اللّه بك مرّتين: مرّة من شدّة العطش، ومرّة من هذه الحيّة، فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: قدمت مع أصحاب لي نطلب الفضل في تجارتنا؛ فقال له/ الشّمّاس: وكم نراك ترجو أن تصيب في تجارتك؟ قال: رجائي أن أصيب ما أشتري به بعيرا، فإنّي لا أملك إلاّ بعيرين، فآمل أن أصيب بعيرا آخر فتكون ثلاثة أبعرة؛ فقال له الشّمّاس: أرأيت ديّة أحدكم بينكم كم هي؟ قال: مائة من الإبل؛ فقال له الشّمّاس: لسنا أصحاب إبل، إنّما نحن أصحاب دنانير؟ قال: تكون ألف دينار؛ فقال له الشّمّاس: إنّي رجل غريب في هذه البلاد، وإنّما قدمت أصلّي في كنيسة بيت المقدس وأسيح في هذه الجبال شهرا، جعلت ذلك نذرا على نفسي، وقد قضيت ذلك، وأنا أريد الرّجوع إلى بلادي، فهل لك أن تتبعني إلى بلادي ولك عليّ عهد اللّه وميثاقه أن أعطيك ديتين، لأنّ اللّه أحياني بك مرّتين؟ فقال له عمرو: أين بلادك؟ قال: مصر، في مدينة يقال لها الإسكندرية؛ فقال له عمرو: لا أعرفها، ولم أدخلها قط؛ فقال له الشّمّاس: لو دخلتها لعلمت أنّك لم تدخل قطّ مثلها؛ فقال له عمرو: وتفي لي بما تقول، ولي عليك بذلك العهد والميثاق؟ فقال له الشّمّاس: نعم، لك واللّه عليّ العهد والميثاق أن أفي لك، وأن أردّك إلى أصحابك؛ فقال

стр. 553

له عمرو - كم يكون مكثي في ذلك؟ قال: شهرا، تنطلق معي ذاهبا عشرا، وتقيم عندنا عشرا، وترجع في عشر، ولك عليّ أن أحفظك ذاهبا، وأن أبعث معك من يحفظك راجعا؛ فقال له عمرو: أنظرني حتى أشاور أصحابي في ذلك. فانطلق عمرو إلى أصحابه فأخبرهم بما عاهد عليه الشّمّاس، وقال لهم: تقيمون عليّ حتى أرحع إليكم ولكم عليّ العهد أن أعطيكم شطر ذلك، على أن يصحبني رجل منكم آنس به؛ فقالوا: نعم، وبعثوا معه رجلا منهم. فانطلق عمرو وصاحبه مع الشّمّاس، حتى انتهوا إلى مصر، فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما بها من الأموال والخير ما أعجبه، فقال عمرو للشّمّاس: ما رأيت مثل ذلك، (¬a)) فقال الشّمّاس: ما رأيت مثل عمرو (¬a). ومضى إلى الإسكندرية، فنظر عمرو إلى كثرة ما فيها من الأموال والعمارة، وجودة بنائها وكثرة أهلها، فازداد عجبا. ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيدا فيها عظيما يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم، ولهم كرة من ذهب مكلّلة يترامى بها ملوكهم وهو يتلقّونها بأكمامهم، وفيما اختبروا من تلك الكرة - على ما وصفها من مضى منهم - أنّها من وقعت الكرة في كمّه واستقرّت فيه لم يمت حتى يملكهم. فلمّا قدم عمرو الإسكندرية أكرمه الشّمّاس الإكرام كلّه، وكساه ثوب ديباج ألبسه إيّاه، وجلس عمرو والشّمّاس مع الناس في ذلك المجلس، حيث يترامون بالكرة وهم يتلقّونها بأكمامهم، فرمى بها رجل منهم، فأقبلت تهوي حتى وقعت في كمّ عمرو، فعجبوا من ذلك وقالوا: ما كذبتنا هذه الكرة قطّ إلاّ هذه المرّة. أترى هذا الأعرابيّ يملكنا؟ هذا ما لا يكون أبدا. وأنّ ذلك الشّمّاس مشى في أهل الإسكندرية، وأعلمهم أنّ عمرا أحياه مرّتين، وأنّه قد ضمن له ألفي دينار، وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم، ففعلوا ودفعوها إلى عمرو. فانطلق عمرو وصاحبه، وبعث معهما الشّمّاس دليلا ورسولا، وزوّدهما وأكرمهما حتى رجع هو وصاحبه إلى أصحابهما، فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها، ورأى منها ما علم أنّها أفضل البلاد وأكثرها أموالا. فلمّا رجع عمرو إلى أصحابه، دفع إليهم فيما بينهم

стр. 554

ألف دينار، وأمسك لنفسه ألفا. قال عمرو: وكان أوّل مال اعتقدته وتأثّلته (١). ذكر عمود السّواري هذا العمود حجر أحمر منقّط، وهو من الصّوّان الماتع، كان حوله نحو أربع مائة عمود كسرها قراجا - والي الإسكندرية في أيّام السّلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب - ورماها بشاطئ البحر ليوعّر على العدوّ سلوكه إذا قدموا. ويذكر أنّ هذا العمود من جملة أعمدة كانت تحمل رواق أرسطاطاليس الذي كان يدرّس به الحكمة، وأنّه كان دار علم، وفيه خزانة كتب أحرقها عمرو بن العاص بإشارة عمر بن الخطّاب ﵁. ويقال إنّ ارتفاع هذا العمود سبعون ذراعا، وقطره خمسة أذرع. وذكر بعضهم أنّ طوله بقاعدتيه اثنان وستون ذراعا وسدس ذراع، وهو على نشز طوله ثلاثة وعشرون ذراعا ونصف ذراع، فجملة ذلك خمسة وثمانون ذراعا وثلثا ذراع، وطول قاعدته السّفلى اثنان عشر ذراعا، وطول القاعدة العليا سبعة أذرع ونصف (٢). قال المسعوديّ: وفي الجانب الشرقي (¬a) من صعيد مصر جبل رخام عظيم، كانت الأوائل تقطع منه العمد وغيرها، وكانوا يحملون ما عملوا بعد النّقر (¬b)؛ فأمّا العمد والقواعد والرّؤوس التي يسمّيها أهل مصر الأسوانيّة - ومنها حجارة الطّواحين - فتلك نقرها الأوّلون قبل حدوث النّصرانية بمئين من السنين، ومنها العمد التي بالإسكندرية (٣)، والعمود بها الضّخم الكبير لا يعلم

стр. 555

بالعالم عمود مثله؛ وقد رأيت في جبل أسوان أخا هذا العمود وقد هندس ونقر، ولم يفصل من الجبل، ولم يحمل ما ظهر منه، وإنّما كانوا ينتظرون به أن يفصل من الجبل، ثم يحمل إلى حيث يريد القوم (١). انتهى. وكان بالإسكندرية من العمد العظام، وأنواع الحجارة والرّخام الذي لا تنقل القطعة منه إلاّ بألوف من الناس، وقد علّقت بين السّماء والأرض على فوق/ المائة ذراع، وفوق رؤوس أساطين دائر الأسطوانة ما بين الخمسة عشر ذراعا إلى العشرين ذراعا، والحجر فوقه عشرة أذرع في عشرة أذرع في سمك عشرة أذرع، بغرائب الألوان. وكان بالإسكندرية قصر عظيم لا نظير له في معمور الأرض، على ربوة عظيمة بإزاء باب البلد، طوله خمس مائة ذراع، وعرضه على النّصف من ذلك، وبابه من أعظم بناء وأتقنه، كل عضادة منه حجر واحد، وعتبته حجر واحد. وكان فيه نحو مائة أسطوانة، وبإزائه أسطوانة عظيمة لم يسمع بمثلها، غلظها ستة وثلاثون شبرا، وعلوّها بحيث لا يدرك أعلاها قاذف حجر، وعليها رأس محكم الصناعة يدل على أنّه كان فوق ذلك بناء، وتحتها قاعدة حجر أحمر محكم الصّناعة، عرض كلّ ضلع منه عشرون شبرا في ارتفاع ثمانية أشبار. والأسطوانة منزّلة في عمود من حديد قد خرقت به الأرض، فإذا اشتدّت الرّياح رأيتها تتحرّك، وربّما وضع تحتها الحجارة فطحنتها لشدّة حركتها. وكانت هذه الأسطوانة إحدى عجائب الدّنيا، وقد زعم قوم أنّها ممّا عمله الجنّ لسليمان بن داود ﵉، كما هي عادتهم في نسبة كلّ ما يستعظمون عمله إلى أنّه من صنيع الجنّ، وليس كذلك، بل كانت ممّا عمله قدماء من أهل مصر. كان في وسطه قبّة، ومن حولها أساطين، وعلى الجميع قبّة من حجر واحد رخام أبيض كأحسن ما أنت راء من الصّنائع. ويقال إنّ بعض ملوك مصر دخل الإسكندرية، فأعجبه هذا القصر وأراد أن يبني مثله، فجمع الصّنّاع والمهندسين ليقيموا له قصرا عظيما على هيئته، فما منهم إلاّ من اعترف بعجزه عن مثله، إلاّ شيخا منهم فإنّه التزم أن يصنع مثله؛ فسرّ الملك ذلك، وأذن له في طلب ما يحتاج إليه من

стр. 556

المؤن والآلات والرّجال. فقال: ائتوني بثورين مطيقين، وعجله كبيرة، فللحال أتي بذلك. فمضى إلى المقابر القديمة، وحفر منها قبرا أخرج منه جمجمة عظيمة، رفعها عدّة من الرّجال على العجلة، فما جرّها الثّوران، مع قوّتهما، إلاّ بعد جهد وعناء. فلمّا وقف بها بين يدي الملك، قال: أصلح اللّه سيّدنا، إنّ أتيتني بقوم رؤوسهم مثل هذا الرّأس، عملت لك مثل هذا القصر. فتيقّن الملك عند ذلك عجز أهل زمانه عن إقامة مثل ذلك القصر. وقد ذكر أنّه كان بالإسكندرية ضرس إنسان عند قصّاب يزن به اللّحم، زنته ثمانية أرطال. ويقال إنّ عمود السّواري، الموجود الآن خارج مدينة الإسكندرية، أحد سبعة أعمدة أتى بأحدها البتون بن مرّة العادي، وهو يحمله تحت إبطه، من جبل بريم الأحمر قبلي أسوان إلى الإسكندرية، فانكسر ضلعه لأنّه كان ضعيف القوى في قومه. فشقّ ذلك على يعمر بن شدّاد بن عاد، وقال: ليتني فديته بنصف ملكي. وجاء بعمود آخر جحدر بن سنان الثّمودي - وكان قويّا - فحمله من أسوان تحت إبطه وجاء بقيّة رجالهم، كلّ رجل بعمود، فأقام العمد السّبعة الجاورد بن قطن المؤتفكي - وكان بناؤها - بعد أن اختاروا لها طالعا سعيدا كما هي عادتهم في عامّة أعمالهم. وقد ذكر غير واحد أنّ الصّخور، في القديم من الدّهر، كانت تلين، فعمل منها أعمدة ناعط ومأرب وبينون ومآثر اليمن، وأعمدة دمشق ومصر ومدين وتدمر، وأنّ كلّ شيء كان يتكلّم. قال أميّة بن أبي الصّلت (١): [الوافر] وإذ هم لا لبوس لهم عراة … وإذا صخر السّلام لهم رطاب وقال قوم: عمود السّواري من جملة أعمدة كانت تحمل رواقا يقال له بيت الحكمة، وذلك حيث انتهت علوم أهل الغرب إلى خمس فرق، وهم: أصحاب الرّواق هذا، وأصحاب الأسطوانة وكانوا ببعلبك، وأصحاب المظال وهم بأنطاكيّة، وأصحاب البرابي وكانوا بصعيد مصر، والمشّاءون وكانوا بمقدونية. وكأنّي بمن قلّ علمه ينكر عليّ إيراد هذا الفصل، ويراه من قبيل المحال وممّا وضعه القصّاص ويجزم بكذبه، فلا يوحشنّك حكايتي له، واسمع قول اللّه تعالى عن عاد قوم هود: ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي اَلْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الآية ٦٩ سورة الأعراف]، أي طولا وعظم جسم.

стр. 557

قال عبد اللّه بن عبّاس ﵄: كان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين ذراعا. وهذه الزيادة كانت على خلق آبائهم، وقيل على خلق قوم نوح. وقال وهب بن منبّه: كان رأس أحدهم مثل قبّة عظيمة، وكانت عين الرّجل منهم تفرخ فيها السّباع، وكذلك مناخرهم. وروى شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁ أنّه قال: إن كان الرّجل من قوم عاد ليحمل المصراعين، لو اجتمع عليه خمس مائة من هذه الأمّة لم يطيقوه؛ وإن كان أحدهم ليغمز بقدمه الأرض فيدخل فيها. وروى عبد اللّه بن لهيعة، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن ابن بجرة قال: استظلّ سبعون رجلا من قوم موسى ﵇ في قحف رجل من العماليق. وعن زيد بن أسلم: بلغني أنّ الضّبعة وأولادها ربّين في حجاج عين رجل من العماليق. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ * * إِرَمَ ذاتِ اَلْعِمادِ * * اَلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي اَلْبِلادِ﴾ [الآيات ٥ - ٧ سورة الفجر]. قال المبرّد: وقولها - يعني الخنساء -: رفيع العماد، إنّما تريد الطّول. يقال رجل معمّد: يريد طويلا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذاتِ/ اَلْعِمادِ﴾، أي الطّوال. وقال البغويّ: سمّوا ذات العماد، لأنّهم كانوا أهل عمد سيّارة، وهو قول قتادة ومجاهد والكلبي، ورواية عطاء عن ابن عبّاس. وقال بعضهم: سمّوا ذات العماد، لطول قاماتهم، قال ابن عبّاس: يعني طولهم مثل العماد. قال مقاتل: كان طول أحدهم اثني عشر ذراعا. وفي «كشّاف» الزّمخشري: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها﴾: (مثل عاد) في البلاد عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربع مائة ذراع، وكان يأتي الصّخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحيّ فيهلكهم (١). وقد ذكر غير واحد أنّه وجد في خلافة المقتدر باللّه أبي الفضل جعفر بن المعتضد، كنز بمصر فيه ضلع إنسان طوله أربعة عشر شبرا في عرض ثلاثة أشبار. واعلم أنّ أعين بني آدم ضيّقة، وقد نشأت نفوسهم في محلّ صغير، فإذا حدّث القوم بما يتجاوز مقدار عقولهم أو مبلغ أجسامهم - ممّا ليس له عندهم أصل يقيسونه عليه إلاّ ما يشاهدونه أو يألفونه - عجّلوا إلى الارتياب فيه، وسارعوا إلى الشّكّ في الخبر عنه، إلاّ من كان معه علم وفهم، فإنّه يفحص عمّا يبلغه من ذلك حتى يجد دليلا على قبوله أو ردّه.

стр. 558

وكيف يردّ مثل هذه الأخبار، وفي الصّحيح أنّ رسول اللّه ﷺ قال: «خلق اللّه آدم طوله ستون ذراعا في السّماء، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن». وذكر محمد بن عبد الرّحيم بن سليمان بن ربيع القيسي الغرناطي في كتاب «تحفة الألباب» قال: نقل الشّعبي (١) في كتاب «سير الملوك»، أنّ الضّحّاك بن علوان لمّا هرب منه لام بن عامر إلى ناحية الشّمال، أرسل في طلبه أميرين، مع كلّ أمير طائفة من الجبّارين، خرج أحدهما قاصدا إلى بلغار، والآخر إلى باشغرد (¬a)، فأقام أولئك الجبّارون في أرض بلغار وفي باشغرد (¬a). قال الأقليسي: وقد رأيت صورهم في باشغرد، ورأيت قبورهم بها، فكان ممّا رأيته ثنيّة أحدهم طولها أربعة أشبار وعرضها شبران، وقد كان عندي في باشغرد نصف أصل الثّنيّة، أخرجت لي من فكّه الأسفل، فكان عرضها شبرا ووزنها ألف مثقال ومائتا مثقال، أنا وزنتها بيدي، وهي الآن في داري في باشغرد (¬a)، وكان دور فكّ ذلك العادي سبعة عشر ذراعا. وفي بيت بعض أصحابي في باشغرد عضد أحدهم، طوله ثمانية وعشرون ذراعا، وأضلاعه كلّ ضلع عرضه ثلاثة أشبار وأكثر كاللّوح الرّخام، وأخرج إليّ نصف رسغ يد أحدهم، فكنت لا أقدر أن أرفعه بيد واحدة حتى أرفعه بيديّ جميعا. قال: ولقد رأيت في بلد بلغار، سنة ثلاثين وخمس مائة، من نسل العاديين رجلا طوالا، كان طوله أكثر من سبعة أذرع، وكان يسمّى دنقي، وكان يأخذ الفرس تحت إبطه كما يأخذ الإنسان الطّفل الصغير، وكان إذا وقع القتال بتلك الناحية يقاتل بشجرة من شجر البلّوط: يمسكها كالعصا في يده، لو ضرب بها الفيل قتله. وكان خيّرا متواضعا، كلّما التقاني سلّم عليّ ورحّب بي وأكرمني، وكان رأسي لا يصل إلى حقوه. وكان له أخت على طوله، رأيتها في بلغار مرارا عدّة، قال لي القاضي يعقوب بن النّعمان - يعني قاضي بلغار -: إنّ هذه المرأة الطّويلة العادية قتلت زوجها، وكان اسمه آدم، وكان من أقوى أهل بلغار، ضمّته إلى صدرها فكسرت أضلاعه، فمات من ساعته.

стр. 559

قال: ولم يكن في بلغار حمّام تسعهم إلاّ حمّام واحدة واسعة الأبواب (١). انتهى. وقد حدّثني الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن محمد الفرّياني (¬a) (٢)، عن أبيه، أنّه شاهد قبرا احتفر بمدينة قرطاجنّة من إفريقية، فإذا جثّة رجل قدر عظم رأسه كثورين عظيمين، ووجد معه لوح مكتوب بالقلم المسند، وهو قلم عاد وحروفه مقطّعة، ما نصّه: «أنا كوش بن كنعان ابن الملوك من آل عاد، ملكت بهذه الأرض ألف مدينة، وبنيت بها على ألف بكر، وركبت من الخيل العتاق سبعة آلاف حمر وصفر وشهب وبيض ودهم، ثم لم يغن عنّي ذلك شيئا، وجاءني صائح فصاح بي صيحة أخرجتني من الدّنيا، فمن كان عاقلا ممّن جاء بعدي فليعتبر بي، وأنشد: [الرجز] يا واقفا … برسم ربع قد وهى قف واعتبر … إن كنت من أهل النّهى (¬b) بالأمس كنّا فوقها … واليّوم صرنا تحتها فلكلّ حدّ غاية … ولكلّ أمر منتهى» قال: فأمر السّلطان أبو بكر بن يحيى الحفصي صاحب تونس بطمّه، فطمّ القبر. قال مؤلّفه: وأنا أدركت شيئا من ذلك، وهو أنّه ترافع في بعض الأيام طائفة من الحجّارين إلى السّلطان الملك الظّاهر برقوق أعوام بضع وتسعين وسبع مائة، وقد اختلفوا على مال وجدوه بجبل

стр. 560

المقطّم؛ وهو أنّهم كانوا يقطعون الحجارة من مغار فيما يلي قلعة الجبل من بحريّها، فانكشف لهم حجر أسود عليه كتابة، فاجتمعوا على قطع ما بين يدي هذا الحجر طمعا في وجود مال، فانتهى بهم القطع إلى عمود عظيم قائم في قلب الجبل، فلعجلتهم أقبلوا بمعاولهم عليه حتى تكسّر قطعا، فإذا/ هو مجوّف وإنسان قائم على قدميه بطوله. وتناثر لهم من جهة رأسه دنانير كثيرة، فاقتسموها وتنافسوا في قسمتها، واختلفوا حتى اشتهر أمرهم وترافعوا إلى السّلطان. فبعث من كشف المغار، فوجد الحجر والعمود وقد تكسّر، فأخذ منهم ما وجد بأيديهم من الدّنانير، ولم يجد من يعرف ما قد كتب على الحجر. وتسامع الناس بالخبر، فأقبلوا إلى المغار وعبثوا برمّة الميّت. فأخبرني من شاهد سنّا من أسنان هذا الميّت أنّها سوداء بقدر الباذنجانة، وأنّ عظم ساقه فيما بين قدمه إلى ركبته خمسة أذرع، فيجيء من هذا حساب طوله عشرين ذراعا وأزيد، ودماغ سنّ واحدة من أسنانه في قدر الباذنجانة ما هو إلاّ كالقبّة الكبيرة. وأخبرني السّيّد الشّريف قاضي القضاة بدمشق شهاب الدين أحمد بن عليّ بن إبراهيم الحسيني، المعروف بابن عدنان وبابن أبي الجنّ (١)، أنّه وقف في سنة أربع عشرة وثمان مائة، بمقبرة باب الصّغير من دمشق، على قبر ليدفن فيه ميّت لهم، فلمّا تهيّأ القبر ولم يبق إلاّ أن يدلّى فيه الميّت، انخسف وخرج من الخسف ذباب كثير كبار زرق الألوان حتى كادت تظلّهم. فنزل الحفّار في الخسف، فإذا قبر طوله اثنان وعشرون ذراعا، وفيه بطوله ميّت قد صار كالرّماد. وأخبرني أيضا أنّه شاهد بهذه المقبرة ضرس إنسان وله ثلاث شعب وقد سقطت منه قطعة، وهو في قدر البطّيخة، وأنّه وزن بحضرته فبلغ رطلين وتسع أواقي بالرّطل الشّامي، وأنّ القطعة التي انكسرت منه نحو أوقيتين بالشّامي، فيكون على هذا زنة هذا الضّرس نحو اثني عشر رطلا بالمصري.

стр. 561

ذكر طرف ممّا قيل في الإسكندريّة قال عمر بن أبي عمر (¬a) الكندي: أجمع الناس أنّه ليس في الدّنيا مدينة على مدينة (¬b) ثلاث طبقات غير الإسكندرية؛ ولمّا دخل عبد العزيز بن مروان الإسكندرية سأل رجلا من علماء الرّوم عنها وعن عدد أهلها؛ فقال: واللّه أيّها الأمير ما أدرك علم هذا أحد من الملوك، والذي أخبرك كم كان فيها من اليهود، فإنّ ملك الرّوم أمر بإحصائهم فكانوا ستّ مائة ألف؛ قال: فما هذا الخراب الذي في أطرافها؟ قال: بلغني عن بعض ملوك فارس، حين ملكوا مصر، أنّه أمر بفرض دينار على كلّ محتلم لعمران الإسكندرية، فأتاه كبراء أهلها وعلماؤهم وقالوا: أيّها الملك لا تتعب، فإنّ الإسكندرية أقام على (¬c) بنائها ثلاث مائة سنة، وعمّرت ثلاث مائة سنة، وإنّها لخراب منذ ثلاث مائة سنة. ولقد أقام أهلها سبعين سنة لا يمشون فيها نهارا إلاّ بخرق سود في أبدانهم (¬d)، خوفا على أبصارهم من شدّة بياضها. ومن فضائلها ما قاله بعض المفسّرين من أهل العلم إنّها المدينة التي وصفها اللّه في كتابه الكريم (¬e) فقال: ﴿إِرَمَ ذاتِ اَلْعِمادِ * * اَلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي اَلْبِلادِ﴾ [الآيتان ٦ - ٧ سورة الفجر]. وقال أحمد بن صالح: قال لي سفيان بن عيينة: يا مصري أين تسكن؟ قلت: أسكن الفسطاط؛ فقال: أتأتي الإسكندرية؟ قلت: نعم؛ قال: تلك كنانة اللّه، يجعل فيها خيار سهامه. وقال عبد اللّه بن مرزوق الصّدفي: لمّا نعي لي ابن عمّي خالد بن يزيد - وكان قد توفي بالإسكندرية - لقيني موسى بن عليّ بن رباح وعبد اللّه بن لهيعة واللّيث بن سعد متفرّقين، كلّهم يقول: أليس مات بالإسكندرية! فأقول: نعم؛ فيقولون هو حيّ عند اللّه يرزق، ويجرى عليه أجر رباطه ما قامت (¬f) الدنيا، وله أجر شهيد حتى يحشر على ذلك (١).

стр. 562

وقال الذين ينظرون في الأهوية والبلدان وترب (¬a) الأقاليم والأمصار: إنّه لم تطل أعمار النّاس في بلد من البلدان طولها بمريوط من كورة الإسكندرية ووادي فرغانة (١). وقال الحسن بن رضوان (¬b): وأمّا الإسكندرية وتنّيس وأمثال هذه (¬c): فقربها من البحر، وسكون الحرارة والبرد عندهم، وظهور ريح الصّبا فيهم، ممّا يصلح أمرهم، ويرقّ طباعهم، ويرفع هممهم (¬d)، وليس يعرض لهم ما يعرض لأهل البشمور (¬e) من غلظ الطّبع والحمارية. وقد وصف أهل الإسكندرية بالبخل؛ قال جلال الدين مكرّم بن أبي الحسن بن أحمد بن حبقة (¬f) الخزرجي ملك الحفّاظ: [الوافر] نزيل سكندريّة ليس يقري … بغير الماء أو نعت السّواري ويتحف حين يكرم بالهواء … ملاثن والإشارة للمنار وذكر البحر والأمواج فيه … ووصف مراكب الرّوم الكبار فلا يطمع نزيلهم بخبز … فما فيها لذاك الحرف قاري وقال أحمد بن خرداذبه: من الفسطاط إلى ذات (¬g) السّاحل أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى ترنوط (¬i) ثلاثون ميلا، ثم إلى كوم شريك (¬h) اثنان وعشرون ميلا، ثم إلى الرافقة أربعة وعشرون ميلا مع النيل، ثم إلى قرطسا (¬i) ثلاثون ميلا، ثم إلى كريون أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى الإسكندرية أربعة وعشرون ميلا (٢). وقال آخر: طريق الإسكندرية إذا نضب ماء النّيل يأخذ بين المدائن والضّياع. وذلك إذا أخذت من شطنوف إلى/ سبك العبيد، فهو منزل فيه منية لطيفة (¬j)، وبينهما اثنا عشر سقسا؛ ومن سبك إلى مدينة منوف - وهي كبيرة فيها حمّامات وأسواق، وبها قوم تنّاء (¬f) فيهم يسار ووجوه من النّاس - وبينهما ستة عشر سقسا؛ ومن منوف إلى محلّة صرد - وفيها منبر وحمّام وفنادق وسوق صالح - ستة عشر سقسا؛ ومن محلّة صرد إلى سخا - وهي مدينة كبيرة ذات حمّامات وأسواق وعمل واسع، وإقليم جليل له عامل بعسكر وجند، وبه الكتّان الكثير وزيت الفجل وقموح عظيمة - ستة عشر سقسا؛ ومن سخا إلى شبرامية - وهي مدينة كبيرة بها جامع

стр. 563

وأسواق - ستة عشر سقسا؛ ومن شبرامية (¬a) إلى مسير - وهي مدينة بها جامع وأسواق - ستة عشر سقسا؛ ومن مسير إلى سنهور - وهي مدينة ذات إقليم كبير، وبها حمّامات وأسواق وعامل كبير - ستة عشر سقسا؛ ومن سنهور إلى البجوم - وهي إقليم وبها حمّامات وفنادق وأسواق - ستة عشر سقسا؛ ومن البجوم إلى نسترو - وكانت مدينة حسنة على بحيرة اليشمون - عشرون سقسا؛ ومن نسترو إلى البرلّس - وهي مدينة كثيرة الصّيد من البحيرة، وبها حمّامات - عشر سقسات؛ ومن البرلّس إلى إخنا - وهي حصن على شطّ بحر الملح - عشر سقسات؛ ومن إخنا إلى رشيد - وهي مدينة على النّيل، ومنها يصبّ النّيل في البحر من فوّهة تعرف بالأشتوم وهي المدخل - ثلاثون سقسا، وكان بها أسواق صالحة وحمّام، وبها نخيل وضريبة على ما يحمل من الإسكندرية. وهذا الطريق، الآخذ من شطنوف إلى رشيد، ربّما امتنع سلوكه عند زيادة النّيل (١). والثّياب المنسوجة بالإسكندرية لا نظير لها وتحمل إلى أقطار الأرض، وفي ثياب الإسكندرية ما يباع الكتّان منه، إذا عملت (¬b) ثيابا كلّ زنة درهم بدرهم فضّة، وما يدخل في الطّراز فيباع بنظير وزنه مرّات عدّة (¬c) ويقال لها الشّرب (٢). ذكر فتح الإسكندريّة قال أبو عمر الكنديّ: لمّا حاز المسلمون الحصن بما فيه، أجمع عمرو على المسير إلى الإسكندرية، فسار إليها في ربيع الأوّل سنة عشرين (٣). وقال غيره: بل سار في جمادى الآخرة منها.

стр. 564

وذكر سيف بن عمر أنّ عمرو بن العاص بعث إلى الإسكندرية، وهو على عين شمس، عوف ابن مالك، فنزل عليها وبعث يقول لأهلها: إن شئتم أن تنزلوا فلكم الأمان، فقالوا: نعم. فراسلهم وتربّصوا أهل عين شمس، وسبى (¬a) المسلمون من بين ذلك (١). وقال ابن عبد الحكم: ويقال إنّ المقوقس إنّما صالح عمرو بن العاص (¬b)) على الرّوم وهو محاصر الإسكندرية، قال اللّيث بن سعد: إن عمرو بن العاص (¬b) لمّا فتح الإسكندرية حاصر أهلها ثلاثة أشهر، وألحّ عليهم فخافوه، وسأله المقوقس الصّلح عنهم كما صالحه على القبط، على أن يستنظر رأي الملك. فحدّثنا يزيد بن أبي حبيب أنّ المقوقس الرّومي، الذي كان ملكا على مصر، صالح عمرو بن العاص على أن يسير من الرّوم من أراد المسير، ويقرّ من أراد من الرّوم على أمر قد سمّاه. فبلغ ذلك هرقل ملك الرّوم، فتسخّط أشدّ التّسخّط (¬c)، وأنكره أشدّ الإنكار، وبعث الجيوش فأغلقوا أبواب الإسكندرية، وآذنوا عمرا بالحرب؛ فخرج إليه المقوقس فقال: أسألك ثلاثا؛ قال: ما هنّ؟ قال: لا تبذل للرّوم ما بذلت لي، فإنّي قد نصحت لهم فاستغشّوني، ولا تنقض بالقبط فإنّ النّقض لم يأت من قبلهم، وأن تأمر بي إذا متّ فادفنّي في أبي يحنّس؛ فقال عمرو: هذه أهونهنّ علينا (٢). قال: فخرج عمرو بالمسلمين حين أمكنهم الخروج، وخرج معه جماعة من رؤساء القبط، وقد أصلحوا لهم الطّرق، وأقاموا لهم الجسور والأسواق، وصارت لهم القبط أعوانا على ما أرادوا من قتال الرّوم. وسمعت بذلك الرّوم فاستعدّت واستجاشت وقدمت عليهم مراكب كثيرة من أرض الرّوم فيها جمع عظيم من الرّوم بالعدّة والسّلاح، فخرج إليهم عمرو من الفسطاط متوجّها إلى الإسكندرية، فلم ير منهم أحدا، حتى بلغ ترنوط فلقي بها طائفة من الرّوم، فقاتلهم قتالا خفيفا فهزمهم اللّه. ومضى عمرو بمن معه حتى لقي جمع الرّوم بكوم شريك (٣). فاقتتلوا ثلاثة أيّام، ثم فتح اللّه على المسلمين، وولّى الرّوم أكتافهم. ويقال بل أرسل عمرو بن العاص شريك بن سميّ في

стр. 565

آثارهم، فأدركهم عند الكوم الذي يقال له كوم شريك، فقاتلهم (¬a) فهزمهم وكان على مقدّمة عمرو - وعمرو بترنوط (¬b) - فألجأوه إلى الكوم فاعتصم به، وأحاطت به الرّوم. فلمّا رأى ذلك شريك بن سميّ أمر أبا ناعمة مالك بن ناعمة الصّدفي - وهو صاحب الفرس الأشقر الذي يقال له أشقر صدف، وكان لا يجارى سرعة - فانحطّ عليهم من الكوم، وطلبته الرّوم فلم تدركه، حتى أتى عمرا فأخبره. فأقبل عمرو متوجّها، وسمعت به الرّوم فانصرفت، ثم التقوا بسلطيس (¬c) فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم هزمهم اللّه تعالى، ثم التقوا بالكريون فاقتتلوا بها بضعة عشر يوما؛ وكان عبد اللّه بن عمرو على المقدّمة، وحامل اللّواء يومئذ وردان مولى عمرو، فأصابت عبد اللّه بن عمرو جراحات كثيرة فقال: يا وردان لو تقهقرت قليلا نصيب الرّوح؛ فقال وردان: الرّوح تريد؟ الرّوح أمامك وليس هو (¬a) خلفك؛ فتقدّم عبد اللّه، فجاءه رسول أبيه يسأله عن جراحه، فقال/: [الوافر] أقول لها إذا جشأت وجاشت … رويدك تحمدي أو تستريحي (١) وهذا البيت لعمرو بن الإطنابة (٢)، وهو أنّ رجلا من بني النّجّار كان مجاورا لمعاذ بن النّعمان فقتل، فقال معاذ: لا أقتل به إلاّ عمرا بن الإطنابة، وهو يومئذ أشرف الخزرج، فقال عمرو (٣): [الوافر] ألا من مبلغ الأكفاء عنّي … وقد تهدي النّصيحة للنّصيح فإنّكم وما تزجون شطري … من القول المرغّي والصّريح سيندم بعضكم عجلا عليه … وما أثر اللّسان إلى الجروح
следующие страницы →