ذكر طرف ممّا قيل في الإسكندريّة
قال عمر بن أبي عمر (¬a) الكندي: أجمع الناس أنّه ليس في الدّنيا مدينة على مدينة (¬b) ثلاث طبقات غير الإسكندرية؛ ولمّا دخل عبد العزيز بن مروان الإسكندرية سأل رجلا من علماء الرّوم عنها وعن عدد أهلها؛ فقال: واللّه أيّها الأمير ما أدرك علم هذا أحد من الملوك، والذي أخبرك كم كان فيها من اليهود، فإنّ ملك الرّوم أمر بإحصائهم فكانوا ستّ مائة ألف؛ قال: فما هذا الخراب الذي في أطرافها؟ قال: بلغني عن بعض ملوك فارس، حين ملكوا مصر، أنّه أمر بفرض دينار على كلّ محتلم لعمران الإسكندرية، فأتاه كبراء أهلها وعلماؤهم وقالوا: أيّها الملك لا تتعب، فإنّ الإسكندرية أقام على (¬c) بنائها ثلاث مائة سنة، وعمّرت ثلاث مائة سنة، وإنّها لخراب منذ ثلاث مائة سنة. ولقد أقام أهلها سبعين سنة لا يمشون فيها نهارا إلاّ بخرق سود في أبدانهم (¬d)، خوفا على أبصارهم من شدّة بياضها.
ومن فضائلها ما قاله بعض المفسّرين من أهل العلم إنّها المدينة التي وصفها اللّه في كتابه الكريم (¬e) فقال: ﴿إِرَمَ ذاتِ اَلْعِمادِ * * اَلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي اَلْبِلادِ﴾ [الآيتان ٦ - ٧ سورة الفجر].
وقال أحمد بن صالح: قال لي سفيان بن عيينة: يا مصري أين تسكن؟ قلت: أسكن الفسطاط؛ فقال: أتأتي الإسكندرية؟ قلت: نعم؛ قال: تلك كنانة اللّه، يجعل فيها خيار سهامه.
وقال عبد اللّه بن مرزوق الصّدفي: لمّا نعي لي ابن عمّي خالد بن يزيد - وكان قد توفي بالإسكندرية - لقيني موسى بن عليّ بن رباح وعبد اللّه بن لهيعة واللّيث بن سعد متفرّقين، كلّهم يقول: أليس مات بالإسكندرية! فأقول: نعم؛ فيقولون هو حيّ عند اللّه يرزق، ويجرى عليه أجر رباطه ما قامت (¬f) الدنيا، وله أجر شهيد حتى يحشر على ذلك (١).
стр. 562
وقال الذين ينظرون في الأهوية والبلدان وترب (¬a) الأقاليم والأمصار: إنّه لم تطل أعمار النّاس في بلد من البلدان طولها بمريوط من كورة الإسكندرية ووادي فرغانة (١).
وقال الحسن بن رضوان (¬b): وأمّا الإسكندرية وتنّيس وأمثال هذه (¬c): فقربها من البحر، وسكون الحرارة والبرد عندهم، وظهور ريح الصّبا فيهم، ممّا يصلح أمرهم، ويرقّ طباعهم، ويرفع هممهم (¬d)، وليس يعرض لهم ما يعرض لأهل البشمور (¬e) من غلظ الطّبع والحمارية.
وقد وصف أهل الإسكندرية بالبخل؛ قال جلال الدين مكرّم بن أبي الحسن بن أحمد بن حبقة (¬f) الخزرجي ملك الحفّاظ:
[الوافر]
نزيل سكندريّة ليس يقري … بغير الماء أو نعت السّواري
ويتحف حين يكرم بالهواء … ملاثن والإشارة للمنار
وذكر البحر والأمواج فيه … ووصف مراكب الرّوم الكبار
فلا يطمع نزيلهم بخبز … فما فيها لذاك الحرف قاري
وقال أحمد بن خرداذبه: من الفسطاط إلى ذات (¬g) السّاحل أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى ترنوط (¬i) ثلاثون ميلا، ثم إلى كوم شريك (¬h) اثنان وعشرون ميلا، ثم إلى الرافقة أربعة وعشرون ميلا مع النيل، ثم إلى قرطسا (¬i) ثلاثون ميلا، ثم إلى كريون أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى الإسكندرية أربعة وعشرون ميلا (٢).
وقال آخر: طريق الإسكندرية إذا نضب ماء النّيل يأخذ بين المدائن والضّياع. وذلك إذا أخذت من شطنوف إلى/ سبك العبيد، فهو منزل فيه منية لطيفة (¬j)، وبينهما اثنا عشر سقسا؛ ومن سبك إلى مدينة منوف - وهي كبيرة فيها حمّامات وأسواق، وبها قوم تنّاء (¬f) فيهم يسار ووجوه من النّاس - وبينهما ستة عشر سقسا؛ ومن منوف إلى محلّة صرد - وفيها منبر وحمّام وفنادق وسوق صالح - ستة عشر سقسا؛ ومن محلّة صرد إلى سخا - وهي مدينة كبيرة ذات حمّامات وأسواق وعمل واسع، وإقليم جليل له عامل بعسكر وجند، وبه الكتّان الكثير وزيت الفجل وقموح عظيمة - ستة عشر سقسا؛ ومن سخا إلى شبرامية - وهي مدينة كبيرة بها جامع
стр. 563
وأسواق - ستة عشر سقسا؛ ومن شبرامية (¬a) إلى مسير - وهي مدينة بها جامع وأسواق - ستة عشر سقسا؛ ومن مسير إلى سنهور - وهي مدينة ذات إقليم كبير، وبها حمّامات وأسواق وعامل كبير - ستة عشر سقسا؛ ومن سنهور إلى البجوم - وهي إقليم وبها حمّامات وفنادق وأسواق - ستة عشر سقسا؛ ومن البجوم إلى نسترو - وكانت مدينة حسنة على بحيرة اليشمون - عشرون سقسا؛ ومن نسترو إلى البرلّس - وهي مدينة كثيرة الصّيد من البحيرة، وبها حمّامات - عشر سقسات؛ ومن البرلّس إلى إخنا - وهي حصن على شطّ بحر الملح - عشر سقسات؛ ومن إخنا إلى رشيد - وهي مدينة على النّيل، ومنها يصبّ النّيل في البحر من فوّهة تعرف بالأشتوم وهي المدخل - ثلاثون سقسا، وكان بها أسواق صالحة وحمّام، وبها نخيل وضريبة على ما يحمل من الإسكندرية. وهذا الطريق، الآخذ من شطنوف إلى رشيد، ربّما امتنع سلوكه عند زيادة النّيل (١).
والثّياب المنسوجة بالإسكندرية لا نظير لها وتحمل إلى أقطار الأرض، وفي ثياب الإسكندرية ما يباع الكتّان منه، إذا عملت (¬b) ثيابا كلّ زنة درهم بدرهم فضّة، وما يدخل في الطّراز فيباع بنظير وزنه مرّات عدّة (¬c) ويقال لها الشّرب (٢).
ذكر فتح الإسكندريّة
قال أبو عمر الكنديّ: لمّا حاز المسلمون الحصن بما فيه، أجمع عمرو على المسير إلى الإسكندرية، فسار إليها في ربيع الأوّل سنة عشرين (٣).
وقال غيره: بل سار في جمادى الآخرة منها.
стр. 564
وذكر سيف بن عمر أنّ عمرو بن العاص بعث إلى الإسكندرية، وهو على عين شمس، عوف ابن مالك، فنزل عليها وبعث يقول لأهلها: إن شئتم أن تنزلوا فلكم الأمان، فقالوا: نعم.
فراسلهم وتربّصوا أهل عين شمس، وسبى (¬a) المسلمون من بين ذلك (١).
وقال ابن عبد الحكم: ويقال إنّ المقوقس إنّما صالح عمرو بن العاص (¬b)) على الرّوم وهو محاصر الإسكندرية، قال اللّيث بن سعد: إن عمرو بن العاص (¬b) لمّا فتح الإسكندرية حاصر أهلها ثلاثة أشهر، وألحّ عليهم فخافوه، وسأله المقوقس الصّلح عنهم كما صالحه على القبط، على أن يستنظر رأي الملك. فحدّثنا يزيد بن أبي حبيب أنّ المقوقس الرّومي، الذي كان ملكا على مصر، صالح عمرو بن العاص على أن يسير من الرّوم من أراد المسير، ويقرّ من أراد من الرّوم على أمر قد سمّاه. فبلغ ذلك هرقل ملك الرّوم، فتسخّط أشدّ التّسخّط (¬c)، وأنكره أشدّ الإنكار، وبعث الجيوش فأغلقوا أبواب الإسكندرية، وآذنوا عمرا بالحرب؛ فخرج إليه المقوقس فقال: أسألك ثلاثا؛ قال: ما هنّ؟ قال: لا تبذل للرّوم ما بذلت لي، فإنّي قد نصحت لهم فاستغشّوني، ولا تنقض بالقبط فإنّ النّقض لم يأت من قبلهم، وأن تأمر بي إذا متّ فادفنّي في أبي يحنّس؛ فقال عمرو: هذه أهونهنّ علينا (٢).
قال: فخرج عمرو بالمسلمين حين أمكنهم الخروج، وخرج معه جماعة من رؤساء القبط، وقد أصلحوا لهم الطّرق، وأقاموا لهم الجسور والأسواق، وصارت لهم القبط أعوانا على ما أرادوا من قتال الرّوم. وسمعت بذلك الرّوم فاستعدّت واستجاشت وقدمت عليهم مراكب كثيرة من أرض الرّوم فيها جمع عظيم من الرّوم بالعدّة والسّلاح، فخرج إليهم عمرو من الفسطاط متوجّها إلى الإسكندرية، فلم ير منهم أحدا، حتى بلغ ترنوط فلقي بها طائفة من الرّوم، فقاتلهم قتالا خفيفا فهزمهم اللّه.
ومضى عمرو بمن معه حتى لقي جمع الرّوم بكوم شريك (٣). فاقتتلوا ثلاثة أيّام، ثم فتح اللّه على المسلمين، وولّى الرّوم أكتافهم. ويقال بل أرسل عمرو بن العاص شريك بن سميّ في
стр. 565
آثارهم، فأدركهم عند الكوم الذي يقال له كوم شريك، فقاتلهم (¬a) فهزمهم وكان على مقدّمة عمرو - وعمرو بترنوط (¬b) - فألجأوه إلى الكوم فاعتصم به، وأحاطت به الرّوم.
فلمّا رأى ذلك شريك بن سميّ أمر أبا ناعمة مالك بن ناعمة الصّدفي - وهو صاحب الفرس الأشقر الذي يقال له أشقر صدف، وكان لا يجارى سرعة - فانحطّ عليهم من الكوم، وطلبته الرّوم فلم تدركه، حتى أتى عمرا فأخبره.
فأقبل عمرو متوجّها، وسمعت به الرّوم فانصرفت، ثم التقوا بسلطيس (¬c) فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم هزمهم اللّه تعالى، ثم التقوا بالكريون فاقتتلوا بها بضعة عشر يوما؛ وكان عبد اللّه بن عمرو على المقدّمة، وحامل اللّواء يومئذ وردان مولى عمرو، فأصابت عبد اللّه بن عمرو جراحات كثيرة فقال: يا وردان لو تقهقرت قليلا نصيب الرّوح؛ فقال وردان: الرّوح تريد؟ الرّوح أمامك وليس هو (¬a) خلفك؛ فتقدّم عبد اللّه، فجاءه رسول أبيه يسأله عن جراحه، فقال/:
[الوافر]
أقول لها إذا جشأت وجاشت … رويدك تحمدي أو تستريحي (١)
وهذا البيت لعمرو بن الإطنابة (٢)، وهو أنّ رجلا من بني النّجّار كان مجاورا لمعاذ بن النّعمان فقتل، فقال معاذ: لا أقتل به إلاّ عمرا بن الإطنابة، وهو يومئذ أشرف الخزرج، فقال عمرو (٣):
[الوافر]
ألا من مبلغ الأكفاء عنّي … وقد تهدي النّصيحة للنّصيح
فإنّكم وما تزجون شطري … من القول المرغّي والصّريح
سيندم بعضكم عجلا عليه … وما أثر اللّسان إلى الجروح
стр. 566
أبت لي عفّتي وأبى بلائي … وأخذي الحمد بالثّمن الرّبيح
وإعطائي على المكروه مالي … وإقدامي على البطل المشيح
وقولي كلّما جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحات … وأحمي بعد عن عرض صحيح
بذي شطب كلون الملح صاف … ونفس لم تقرّ على القبيح
الشّطب. سعف النّخل الأخضر، الواحدة شطبة؛ وجشأت. ارتفعت من حزن أو فزع؛ وجاشت: دارت للغثيان، وقيل هما بمعنى ارتفع؛ والمشيح: المباد والمنكمش.
فرجع الرّسول إلى عمرو فأخبره بما قال، فقال عمرو: هو ابني حقّا؛ وصلّى عمرو يومئذ صلاة الخوف (١).
ثم فتح اللّه للمسلمين، وقتل منهم المسلمون مقتلة عظيمة، واتّبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية. فتحصّن بها الرّوم - وكان عليها حصون متينة لا ترام، حصن دون حصن - فنزل المسلمون ومعهم رؤساء القبط يمدّونهم بما احتاجوا إليه من الأطعمة والعلوفة (٢).
فأقاموا شهرين ثم تحوّل [إلى المقس] (¬a)، فخرجت عليه خيل من ناحية البحيرة مستترة بالحصن، فواقعوه، فقتل يومئذ من المسلمين اثنا عشر رجلا، ورسل ملك الرّوم تختلف إلى الإسكندرية في المراكب بمادّة الرّوم.
وكان ملك الرّوم يقول: لئن ظهرت العرب على الإسكندرية، إنّ ذلك انقطاع الرّوم وهلاكهم، لأنّه ليس للرّوم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية. وإنّما كان عيد الرّوم - حين غلبت العرب على الشّام - بالإسكندرية. فقال الملك: لئن غلبونا على الإسكندرية هلكت الرّوم وانقطع ملكها. فأمر بجهازه ومصلحته لخروجه إلى الإسكندرية حتى يباشر قتالها بنفسه (¬c)) إعظاما لها وأمر أن لا يتخلّف أحد من الروم وقال: ما بقي الرّوم بعد الإسكندرية (¬c). فلمّا فرغ من جهازه، صرعه اللّه فأماته، وكفى المسلمين مؤونته. وكان موته في سنة تسع عشرة، فكسر اللّه بموته شوكة الرّوم، فرجع جمع كثير ممّن كان قد توجّه (¬c)) إلى الإسكندرية (¬c) (٣).
стр. 567
وقال اللّيث: مات هرقل في سنة عشرين، وفيها فتحت قيساريّة الشّام.
قال: واستأسدت العرب عند ذلك، وألحّت بالقتال على أهل الإسكندرية، فقاتلوهم قتالا شديدا، وخرج طرف من الرّوم من باب حصن الإسكندرية، فحملوا على الناس فقتلوا رجلا من مهرة، واحتزّوا رأسه ومضوا به، فجعل المهريّون يتغضّبون ويقولون: لا ندفنه إلاّ برأسه. فقال عمرو: تتغضّبون كأنّكم تتغضّبون على من يبالي بغضبكم، احملوا على القوم إذا خرجوا فاقتلوا منهم رجلا، ثم ارموا برأسه يرمونكم برأس صاحبكم. فخرجت الرّوم إليهم فاقتتلوا، فقتل من الرّوم رجل من بطارقتهم، فاحتزّوا رأسه ورموا به الرّوم، فرمت الرّوم برأس المهري إليهم، فقال:
دونكم الآن فادفنوا صاحبكم (١).
وكان عمرو يقول: ثلاث قبائل من مضر (¬a): أمّا مهرة فقوم يقتلون ولا يقتلون، وأمّا غافق فقوم يقتلون ولا يقتلون، وأمّا بلي فأكثرها رجلا صحب النّبيّ ﷺ ، وأفضلها فارسا (٢).
وقال رجل لعمرو: لو جعلت المنجنيق ورميتهم به لهدم منه (¬b) حائطهم؛ فقال عمرو:
أتستطيع أن تنبّئ (¬c) مقامك من الصّف. وقيل له: إنّ العدوّ قد غشوك، ونحن نخاف على رائطة - يريدون امرأته - فقال: إذن يتّخذوا أرياطا كثيرة (٣).
ولمّا استحرّ القتال [بينهم] (¬d) بارز رجل من الرّوم مسلمة بن مخلد، فصرعه الرّوميّ وألقاه عن فرسه، وهوى إليه ليقتله حتى حماه رجل من أصحابه - وكان مسلمة لا يقاوم لسبيله (¬b) ولكنها مقادير - ففرحت بذلك الرّوم، وشقّ ذلك (¬b) على المسلمين. وغضب عمرو بن العاص لذلك، وكان مسلمة كثير اللّحم ثقيل البدن، فقال عمرو عند ذلك: ما بال الرّجل المستّه الذي يشبه النّساء، يتعرّض مداخل الرّجال ويتشبّه بهم. فغضب من ذلك مسلمة ولم يراجعه.
ثم اشتدّ القتال حتى اقتحموا حصن الإسكندرية، فقاتلهم العرب في الحصن، ثم جاشت عليهم الرّوم حتى أخرجوهم جميعا من الحصن، إلاّ أربعة نفر تفرّقوا في الحصن وأغلقوا عليهم باب الحصن، أحدهم عمرو بن العاص والآخر مسلمة، ولم نحفظ الآخرين، وحالوا بينهم وبين
стр. 568
أصحابهم، ولا تدري الرّوم من هم. فلمّا رأى ذلك عمرو بن العاص وأصحابه، التجأوا إلى ديماس من حمّاماتهم، فدخلوا فيه فاحترزوا به. فأمروا روميّا أن يكلّمهم بالعربيّة، فقال لهم:
إنّكم قد صرتم بأيدينا/ أسارى، فاستأسروا ولا تقتلوا أنفسكم، فامتنعوا عليهم. ثم قال لهم: إنّ في أيدي أصحابكم منّا رجالا أسروهم، ونحن نعطيكم العهود نفادي بكم أصحابنا ولا نقتلكم، فأبوا عليهم. فلمّا رأى ذلك الرّومي منهم قال لهم: هل لكم إلى خصلة وهي نصف، فإن غلب صاحبنا صاحبكم استأسرتم لنا وأمكنتمونا من أنفسكم، وإن غلب صاحبكم صاحبنا خلّينا سبيلكم إلى أصحابكم. فرضوا بذلك، وتعاهدوا عليه، وعمرو ومسلمة وصاحباهما في الحصن في الدّيماس.
فتداعوا إلى البراز، فبرز رجل من الرّوم - وقد وثقت الرّوم بنجدته وشدّته - وقالوا: يبرز رجل منكم لصاحبنا. فأراد عمرو أن يبرز، فمنعه مسلمة وقال: ما هذا؟ تخطئ مرّتين: تشذّ من أصحابك وأنت أمير، وإنّما قوامهم بك وقلوبهم معلّقة نحوك، لا يدرون ما أمرك ولا ترضى حتى نبارز وتتعرّض للقتل، فإن قتلت كان ذلك بلاء على أصحابك، مكانك وأنا أكفيك إن شاء اللّه تعالى. فقال عمرو: دونك فربّما فرّجها اللّه بك.
فبرز مسلمة والرّومي، فتجاولا ساعة، ثم أعانه اللّه عليه فقتله؛ فكرّ مسلمة وأصحابه، ووفّى لهم الرّوم بما عاهدوهم عليه، ففتحوا لهم باب الحصن فخرجوا، ولا يدري الرّوم أنّ أمير القوم فيهم حتى بلغهم بعد ذلك فأسفوا على ذلك، وأكلوا أيديهم تغيّظا على ما فاتهم. فلمّا خرجوا استحيا عمرو ممّا كان قال لمسلمة حين غضب، فقال عمرو عند ذلك: استغفر لي ما كنت قلت لك، فاستغفر له.
وقال عمرو: ما أفحشت قطّ إلاّ ثلاث مرار: مرّتين في الجاهلية، وهذه الثالثة. وما منهم مرّة إلاّ وقد ندمت، وما استحييت من واحدة منهن أشدّ ممّا استحييت ممّا قلت لك. وواللّه إنّي لأرجو ألاّ أعود إلى الرابعة ما بقيت (١).
قال: وأقام عمرو محاصر الإسكندرية أشهرا. فلمّا بلغ ذلك عمر بن الخطّاب ﵁ قال: ما أبطأوا بالفتح إلاّ لمّا أحدثوا. وكتب إلى عمرو بن العاص:
«أمّا بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر، إنّكم تقاتلونهم منذ
стр. 569
سنين، وما ذاك إلاّ لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحبّ عدوّكم، فإنّ اللّه ﵎ لا ينصر قوما إلاّ بصدق نيّاتهم. وقد كنت وجّهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أنّ الرّجل منهم مقاوم ألف رجل على ما كنت أعرف، إلاّ أن يكونوا غيّرهم ما غيّر غيرهم. فإذا أتاك كتابي هذا، فاخطب الناس وحضّهم على قتال عدوّهم، ورغّبهم في الصّبر والنّيّة، وقدّم أولئك الأربعة في صدور النّاس، ومر النّاس جميعا أن يكونوا لهم صدمة كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزّوال يوم الجمعة، فإنّها ساعة تنزل فيها الرّحمة ووقت الإجابة. وليعجّ الناس إلى اللّه، ويسألوه النّصر على عدوّهم».
فلمّا أتى عمرو بن العاص ﵁ الكتاب، جمع الناس وقرأ عليهم كتاب عمر ﵁. ثم دعا أولئك النّفر فقدّمهم أمام النّاس، وأمر الناس أن يتطهّروا ويصلّوا ركعتين، ثم يرغبوا إلى اللّه - جلّ وعزّ (¬a) - ويسألوه النّصر، ففعلوا، ففتح اللّه عليهم.
ويقال إنّ عمرو بن العاص استشار مسلمة بن مخلد (¬b) فقال: أشر عليّ في قتال هؤلاء؛ فقال له مسلمة: أرى أن تنظر إلى رجل له معرفة وتجارب، من أصحاب رسول اللّه ﷺ ، فتعقد له على النّاس، فيكون هو الذي يباشر القتال ويكفيكه؛ فقال عمرو: من ذلك؟ قال: عبادة بن الصّامت.
فدعا عمرو عبادة (¬c)، فأتاه وهو راكب على فرسه، فلمّا دنا منه أراد النّزول، فقال له عمرو:
عزمت عليك إن نزلت، ناولني سنان رمحك، فناوله إيّاه؛ فنزع عمرو عمامته عن رأسه، وعقد له وولاّه قتال الرّوم. فتقدّم عبادة مكانه، فصادف الرّوم وقاتلهم، ففتح اللّه على يديه الإسكندرية من يومهم ذلك (١).
وكان حصار الإسكندرية بعد موت هرقل تسعة أشهر، وخمسة أشهر قبل ذلك. وفتحت يوم الجمعة لمستهلّ المحرّم سنة إحدى وعشرين (٢).
стр. 570
وقال أبو عمر الكنديّ: وحاصر عمرو الإسكندرية ثلاثة أشهر، ثم فتحها عنوة، وهو الفتح الأوّل. ويقال: بل فتحها عمرو لمستهل المحرّم سنة إحدى وعشرين (١).
قال القضاعيّ عن اللّيث: أقام عمرو بالإسكندرية، في حصارها وفتحها، ستة أشهر، ثم قفل (¬a) إلى الفسطاط فاتّخذها دارا في ذي القعدة.
وقال ابن عبد الحكم: فلمّا هزم اللّه تبارك (¬b) وتعالى الرّوم وفتح الإسكندرية، هرب الرّوم في البرّ والبحر، فخلّف عمرو بالإسكندرية ألف رجل من أصحابه، ومضى ومن معه في طلب من هرب من الرّوم في البرّ، فرجع من كان هرب من الرّوم في البحر إلى الإسكندرية، فقتلوا من كان فيها من المسلمين إلاّ من هرب منهم. وبلغ ذلك عمرا، فكرّ راجعا ففتحها وأقام بها، وكتب إلى عمر بن الخطّاب ﵁: «إنّ اللّه قد فتح علينا الإسكندرية عنوة (¬c) بغير عقد ولا عهد»؛ فكتب إليه عمر ﵁ يقبّح رأيه، ويأمره ألاّ يجاوزها.
قال ابن لهيعة: وهو فتح الإسكندرية الثاني، وكان سبب فتحها هذا أنّ رجلا يقال له ابن بسّامة كان بوّابا، فسأل عمرا أن يؤمّنه على نفسه وأرضه وأهل بيته ويفتح له الباب. فأجابه عمرو إلى ذلك، ففتح له ابن بسّامة الباب، فدخل عمرو. وقتل من المسلمين، من حين كان من أمر الإسكندرية ما كان إلى أن فتحت اثنان/ وعشرون رجلا (٢).
وبعث عمرو بن العاص معاوية بن حديج، وافدا إلى عمر بن الخطّاب بشيرا له بالفتح، فقال له معاوية: ألاّ تكتب معي؟ فقال له عمرو: وما أصنع بالكتاب، ألست رجلا عربيّا تبلّغ الرّسالة وما رأيت وحضرت؟ فلمّا قدم على عمر أخبره بفتح الإسكندرية، فخرّ عمر ساجدا، وقال:
الحمد للّه.
وقال معاوية بن حديج: بعثني عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب (¬c) ﵁ بفتح الإسكندرية، فقدمت المدينة في الظّهيرة، فأنخت راحلتي بباب المسجد، ثم دخلت المسجد، فبينا أنا قاعد فيه، إذ خرجت جارية من منزل عمر بن الخطّاب ﵁ فرأتني شاحبا عليّ ثياب السّفر، فأتتني وقالت: من أنت؟ فقلت: أنا معاوية بن حديج رسول عمرو بن
стр. 571
العاص؛ فانصرفت عنّي، ثم أقبلت تشتدّ أسمع حفيف إزارها على ساقها، حتى دنت منّي، ثم قالت: قم فأجب أمير المؤمنين يدعوك، فتبعتها. فلمّا دخلت، فإذا بعمر يتناول رداءه بإحدى يديه ويشدّ إزاره بالأخرى، فقال: ما عندك؟ فقلت: خير يا أمير المؤمنين، فتح اللّه الإسكندرية؛ فخرج معي إلى المسجد، فقال للمؤذّن: أذّن في النّاس «الصّلاة جامعة». فاجتمع الناس؛ ثم قال لي: قم فأخبر أصحابك، فقمت فأخبرتهم؛ ثم صلّى ودخل منزله، واستقبل القبلة فدعا بدعوات، ثم جلس فقال: يا جارية، هل من طعام؟ فأتت بخبز وزيت، فقال: كل، فأكلت على (¬a) حياء. ثم قال: كل، فإنّ المسافر يحبّ الطّعام، فلو كنت آكلا لأكلت معك. فأصبت على حياء. ثم قال: يا جارية، هل من تمر؟ فأتت بتمر في طبق، فقال: كل، فأكلت على حياء؛ ثم قال: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟ قال: قلت: أمير المؤمنين قائل؛ قال:
بئس ما قلت (أو بئس ما ظننت)، لئن نمت النّهار لأضيّعن الرّعيّة، ولئن نمت اللّيل لأضيّعن نفسي، فكيف بالنّوم مع هذين يا معاوية؟
ثم كتب عمرو بن العاص بعد ذلك إلى عمر بن الخطّاب: «أمّا بعد، فإنّي فتحت مدينة لا أصف ما فيها، غير أنّي أصبت فيها أربعة آلاف منية بأربعة آلاف حمّام، وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية، وأربع مائة ملهى للملوك» (١).
وعن أبي قبيل أنّ عمرا لمّا فتح الإسكندرية وجد فيها اثني عشر ألف بقّال يبيعون البقل الأخضر. وترحّل من الإسكندرية، في الليلة التي دخلها عمرو، أو في الليلة التي خافوا فيها دخول عمرو، سبعون ألف يهودي.
وكان بالإسكندرية، فيما أحصي من الحمّامات، اثنا عشر ألف ديماس، أصغر ديماس منها يسع ألف مجلس، كلّ مجلس يسع جماعة نفر. وكان عدّة من بالإسكندرية من الرّوم مائتي ألف من الرجال (¬b)، فلحق بأرض الرّوم أهل القوّة وركبوا السّفن؛ وكان بها مائة مركب من المراكب الكبار، فحمل فيها ثلاثون ألفا مع ما قدروا عليه من المال والمتاع والأهل. وبقي من بقي من الأسارى من بلغ الخراج، فأحصي يومئذ ستّ مائة ألف سوى النّساء والصّبيان. فاختلف
стр. 572
الناس على عمرو في قسمهم (¬a)، فكان أكثر الناس يريدون قسمها؛ فقال عمرو: لا أقدر على قسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين. فكتب إليه يعلمه بفتحها وشأنها ويعلمه أنّ المسلمين طلبوا قسمها. فكتب إليه عمر: «لا تقسمها، وذرها يكون خراجها فيئا للمسلمين، وقوّة لهم على جهاد عدوّهم».
فأقرّها عمرو، وأحصى أهلها، وفرض عليهم الخراج، فكانت مصر صلحا كلّها بفريضة دينارين دينارين (¬b) على كلّ رجل، لا يزاد على أحد منهم في جزية رأسه أكثر من دينارين، إلاّ أنّه يلزم بقدر ما يتوسّع فيه من الأرض والزّرع، إلاّ الإسكندرية، فإنّهم كانوا يؤدّون الخراج والجزية على قدر ما يرى من وليهم، لأنّ الإسكندرية فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد، ولم يكن لهم صلح ولا ذمّة (١).
وقد كانت قرى من قرى مصر قاتلت، فسبوا منها قرية يقال لها بلهيب، وقرية يقال لها الخيس، وقرية يقال لها سلطيس، فوقع سباياهم بالمدينة وغيرها، فردّهم عمر بن الخطّاب إلى قراهم، وصيّرهم وجماعة القبط أهل ذمّة.
وعن يزيد بن أبي حبيب أنّ عمرا سبى أهل بلهيب وسلطيس وقرطسا (¬c) وسخا، فتفرّقوا وبلغ أوّلهم المدينة حين نقضوا. ثم كتب عمر بن الخطّاب ﵁ إلى عمرو بردّهم، فردّ من وجد منهم. وفي رواية أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ كتب في أهل سلطيس خاصّة: «من كان منهم في أيديكم فخيّروه بين الإسلام، فإن أسلم فهو من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وإن اختار دينه، فخلّوا بينه وبين قريته، فكان البلهيبي خيّر يومئذ فاختار الإسلام.
وفي رواية أنّ أهل سلطيس ومصيل (¬d) وبلهيب ظاهروا الرّوم على المسلمين في جمع كان لهم فلمّا ظهر عليهم المسلمون، استحلّوهم وقالوا: هؤلاء لنا فيء مع الإسكندرية. فكتب عمرو إلى عمر بن الخطّاب بذلك.
стр. 573
فكتب إليه عمر «أن تجعل الإسكندرية وهؤلاء الثّلاث قريات ذمّة للمسلمين، وتضرب عليهم الخراج، ويكون خراجهم وما صالح عليه القبط قوّة للمسلمين على عدوّهم، ولا يجعلون فيئا ولا عبيدا»، ففعل ذلك. ويقال إنّما ردّهم عمر ﵁ لعهد كان تقدّم لهم (١).
وقال ابن لهيعة: جبى عمرو جزية الإسكندرية ستّ مائة ألف دينار، لأنّه وجد ثلاث مائة ألف من أهل الذّمّة، فقدّر عليهم دينارين دينارين، فبلغت ذلك (٢). وقيل كانت جزية الإسكندرية/ ثمانية عشر ألف دينار. فلمّا كانت خلافة هشام بن عبد الملك بلغت ستة وثلاثين ألف دينار. ويقال إنّ عمرو بن العاص استبقى أهل الإسكندرية، فلم يقتل ولم يسب، بل جعلهم ذمّة كأهل النّوبة.
ذكر ما كان من فعل المسلمين بالإسكندرية، وانتقاض الرّوم
قال ابن عبد الحكم: فأمّا الإسكندرية فلم يكن بها خطط، وإنّما كانت أخائذ، من أخذ منزلا نزل فيه هو وبنو أبيه. وأنّ عمرو بن العاص لمّا فتح الإسكندرية، أقبل هو وعبادة بن الصّامت حتى علوا الكوم الذي فيه مسجد عمرو بن العاص، فقال معاوية بن حديج: ننزل؛ فنزل عمرو القصر، ونزل أبو ذرّ منزلا كان غربيّ المصلّى الذي عند مسجد عمرو ممّا يلي البحر وقد انهدم، ونزل معاوية بن حديج فوق التّلّ، وضرب (¬a) عبادة بن الصّامت بناء (¬b) فلم يزل فيه حتى خرج من الإسكندرية ويقال إنّ أبا الدّرداء كان معه، واللّه أعلم (٣).
قال: فلمّا استقامت لهم البلاد قطع عمرو بن العاص من أصحابه لرباط الإسكندرية ربع الناس، وربع في السّواحل، والنصف مقيمون معه. وكان يصيّر بالإسكندرية خاصّة الرّبع في الصّيف بقدر ستة أشهر، ويعقب بعدهم شاتيّة ستة أشهر وكان لكلّ عريف قصر ينزل فيه بمن معه من أصحابه، واتّخذوا فيه أخائذ.
стр. 574
وعن يزيد بن أبي حبيب أنّ المسلمين لمّا سكنوا الإسكندرية في رباطهم، ثم قفلوا ثم غزوا ابتدروا، فكان الرّجل يأتي المنزل الذي كان فيه صاحبه قبل ذلك، فيبتدره فيسكنه. فلمّا غزوا، قال عمرو: إنّي أخاف أن تخربوا المنازل إذا كنتم تتعاورونها. فلمّا كان عند الكريون قال لهم:
سيروا على بركة اللّه، فمن ركّز منكم رمحه في دار فهي له ولبني أبيه (¬a).
فكان الرّجل يدخل الدّار فيركز رمحه في منزل منها، ثم يأتي الآخر فيركز رمحه في بعض بيوت الدّار، فكانت الدار تكون لقبيلتين وثلاث وكانوا يسكنونها، حتى إذا قفلوا سكنها الرّوم وعليهم مرمّتها. وكان يزيد بن أبي حبيب يقول: لا يحلّ من كرائها شيء ولا بيعها، ولا يورث منها شيء، إنّما كانت لهم يسكنونها في رباطهم (١).
وعن يزيد بن أبي حبيب أنّ عمرو بن العاص لمّا فتح الإسكندرية، ورأى بيوتها وبناءها مفروغا منها، همّ أن يسكنها وقال: مساكن قد كفيناها. فكتب إلى عمر بن الخطّاب ﵁ يستأذنه في ذلك؛ فسأل عمر الرّسول: هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين إذا جرى النّيل.
فكتب عمر إلى عمرو: «إنّي لا أحبّ أن تنزل المسلمين منزلا يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف (¬b)»؛ فتحوّل عمرو بن العاص من الإسكندرية (¬c) إلى الفسطاط.
قال: وكتب عمر بن الخطّاب إلى سعد بن أبي وقّاص وهو نازل بمدائن كسرى، وإلى عامله بالبصرة، وإلى عمرو بن العاص وهو نازل بالإسكندرية: «ألاّ تجعلوا بيني وبينكم ماء، متى ما أردت أن أركب إليكم راحلتي حتى أقدم عليكم، قدمت». فتحوّل سعد بن أبي وقّاص من مدائن كسرى إلى الكوفة، وتحوّل صاحب البصرة من المكان الذي كان فيه فنزل البصرة، وتحوّل عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط (٢).
وكان عمر بن الخطّاب يبعث في كلّ سنة غازية من أهل المدينة ترابط بالإسكندرية؛ وكان على الولاة: لا يغفلها، وتكثف رابطتها (¬d)، ولا تأمن الرّوم عليها.
стр. 575
وكتب عثمان ﵁ إلى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح: «قد علمت كيف كان همّ أمير المؤمنين بالإسكندرية، وقد نقضت الرّوم مرّتين فألزم الإسكندرية رابطتها (¬a)، ثم أجر عليهم أرزاقهم، وأعقب بينهم في كلّ ستة أشهر».
قال: وقد (¬b) كانت الإسكندرية انتقضت، وجاءت الرّوم، عليهم منويل الخصيّ في المراكب حتى أرسوا بالإسكندرية، فأجابهم من بها من الرّوم ولم يكن المقوقس تحرّك ولا نكث. وقد كان عثمان ﵁ عزل عمرو بن العاص، وولّى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح. فلمّا نزلت الرّوم سأل أهل مصر عثمان أن يقرّ عمرا حتى يفرغ من قتال الرّوم، فإنّ له معرفة بالحرب وهيبة (¬c)، ففعل (١).
وكان على الإسكندرية سورها، فحلف عمرو بن العاص، لئن أظفره اللّه عليهم، ليهدمنّ سورها حتى تكون مثل بيت الزّانية يؤتي من كلّ مكان. فخرج إليهم عمرو في البرّ والبحر، فضمّوا إلى المقوقس من أطاعه من القبط، وأمّا الرّوم فلم يطعه منهم أحد.
فقال خارجة بن حذافة لعمرو (¬d): ناهضهم قبل أن يكثر مددهم، فلا آمن أن تنتقض مصر كلّها؛ فقال عمرو: لا، ولكن أدعهم حتى يسيروا إليّ، فإنّهم يصيبون من مرّوا به فيخزي اللّه بعضهم ببعض. فخرجوا من الإسكندرية، ومعهم من نقض من أهل القرى، فجعلوا ينزلون القرية فيشربون خمورها، ويأكلون أطعمتها، وينتهبون ما مرّوا به.
فلم يتعرّض (¬e) لهم عمرو حتى بلغوا نقيوس (¬f) (٢)، فلقوهم في البرّ والبحر فبدأت الرّوم القبط، فرموا بالنّشّاب في الماء رميا شديدا، حتى أصابت النّشّاب يومئذ (¬d) فرس عمرو في لبّته وهو في البحر (¬g) فعقر، فنزل عنه عمرو. ثم خرجوا من البحر، فاجتمعوا هم والذين في البرّ، فنفحوا (¬h) المسلمين بالنّشّاب، فاستأخر المسلمون عنهم/ شيئا، وحملوا على المسلمين حملة ولّى
стр. 576
المسلمون منها، وانهزم شريك بن سميّ في خيله. وكانت الرّوم قد جعلت صفوفا خلف صفوف.
وبرز يومئذ بطريق - ممّن جاء من أرض الرّوم - على فرس له، عليه سلاح مذهّب، فدعا إلى البراز. فبرز إليه رجل من زبيد - يقال له حومل، يكنى أبا مذحج - فاقتتلا طويلا برمحين يتطاردان، ثم ألقى البطريق الرّمح وأخذ السّيف، فألقى حومل رمحه وأخذ سيفه، وكان يعرف بالنّجدة، فجعل عمرو يصيح: أبا مذحج، فيجيبه: لبّيك، والناس على شاطئ النّيل في البرّ على تعبئتهم وصفوفهم، فتجاولا ساعة بالسّيف، ثم حمل عليه البطريق، فاحتمله وكان نحيفا، فاخترط حومل خنجرا كان في منطقته أو في ذراعه، فضرب به نحر العلج أوتر قوّته فأثبته، ووقع عليه فأخذ سلبه. ثم مات حومل بعد ذلك بأيّام ﵀، فرئي عمرو يحمل سريره بين عمودي نعشه حتى دفنه بالمقطّم.
ثم شدّ المسلمون عليهم، فكانت هزيمتهم. فطلبهم المسلمون حتى ألحقوهم بالإسكندرية، ففتح اللّه عليهم، وقتل منويل الخصيّ (١).
وقتلهم عمرو حتى أمعن في مدينتهم، فكلّم في ذلك، فأمر برفع السّيف عنهم، وبنى في ذلك الموضع الذي رفع فيه السّيف مسجدا، وهو المسجد الذي بالإسكندرية الذي يقال له مسجد الرّحمة، سمّي بذلك لرفع عمرو السّيف هناك، وهدم سورها كلّه.
وجمع ما أصاب منهم فجاءه أهل تلك القرى ممّن لم يكن نقض، فقالوا: قد كنّا على صلحنا، وقد مرّ علينا هؤلاء اللّصوص، فأخذوا متاعنا ودوابّنا، وهو قائم في يديك، فردّ عليهم عمرو ما كان لهم من متاع عرفوه وأقاموا عليه البيّنة. وقال بعضهم لعمرو: ما حلّ لك ما صنعت بنا، كان لنا أن تقاتل عنّا لأنّا في ذمّتك ولم ننقض، فأمّا من نقض فأبعده اللّه؛ فندم عمرو وقال: يا ليتني كنت لقيتهم حين خرجوا من الإسكندرية (٢).
وكان سبب نقض الإسكندرية هذا، أنّ طلما صاحب إخنا قدم على عمرو فقال: أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فنصبر لها؛ فقال عمرو، وهو يشير إلى ركن كنيسة: لو أعطيتني من الرّكن إلى السّقف ما أخبرتك، إنّما أنتم خزانة لنا: إن كثر علينا كثّرنا عليكم، وإن خفّف عنّا خفّفنا عنكم (٣).
стр. 577
فغضب صاحب إخنا، وخرج إلى الرّوم فقدم بهم، فهزمهم اللّه تعالى. وأسر فأتي به إلى عمرو، فقال له الناس: اقتله؛ فقال: لا، بل انطلق فجئنا بجيش آخر، وسوّره وتوجّه، وكساه برنس أرجوان، فرضي بأداء الجزية، فقيل له: لو أتيت ملك الرّوم؟ فقال: لو أتيته لقتلني، وقال قتلت أصحابي (١).
وعن أبي قبيل أنّ عتبة بن أبي سفيان عقد لعلقمة بن يزيد (¬a) الغطيفي (¬b) على الإسكندرية، وبعث معه اثني عشر ألفا، فكتب علقمة إلى معاوية بن أبي سفيان يشكو عتبة حين غرّر به وبمن معه. فكتب إليه معاوية: «إنّي قد أمددتك بعشرة آلاف من أهل الشّام، وبخمسة آلاف من أهل المدينة»، فكان في الإسكندرية سبعة وعشرون ألفا.
وفي رواية: أنّ علقمة بن يزيد كان على الإسكندرية ومعه اثنا عشر ألفا، فكتب إلى معاوية:
«إنّك خلّفتني بالإسكندرية وليس معي إلاّ اثنا عشر ألفا، ما يكاد بعضنا يرى بعضا من القلّة».
فكتب إليه معاوية: «إنّي قد أمددتك بعبد اللّه بن مطيع في أربعة آلاف من أهل المدينة، وأمرت معن بن يزيد السّلمي أن يكون بالرّملة في أربعة آلاف ممسكين بأعنّة خيولهم، متى بلغهم عنك فزع يعبروا إليك» (٢). قال ابن لهيعة: وقد كان عمرو بن العاص يقول: «ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة» (٣).
وكان عمرو، حين توجّه إلى الإسكندرية، خرّب القرية التي تعرف اليوم بخربة وردان.
واختلف علينا السّبب الذي خرّبت له، فحدّثنا سعيد بن عفير أنّ عمرا لمّا توجّه إلى نقيوس لقتال الرّوم، عدل وردان لقضاء حاجته عند الصّبح، فاختطفه أهل الخربة فغيّبوه فقده عمرو وسأل عنه وقفا أثره، فوجدوه في بعض دورهم، فأمر بإخرابها وإخراجهم منها.
وقيل كان أهل الخربة رهبانا كلّهم، فغدروا بقوم من ساقة عمرو، فقتلوهم بعد أن بلغ عمرو الكريون، فأقام عمرو، ووجّه إليهم وردان فقتلهم وخرّبها، فهي خراب إلى اليوم.
стр. 578
وقيل كان أهل الخربة أهل توثّب (¬a) وخبث، فأرسل عمرو إلى أرضهم فأخذ له منها جراب فيه تراب من ترابها، ثم دعاهم (¬b) فكلّمهم فلم يجيبوه إلى شيء، فأمر بإخراجهم، ثم أمر بالتّراب ففرش تحت مصلاّه، ثم قعد عليه، ثم دعاهم فكلّمهم، فأجابوه إلى ما أحبّ. ثم أمر بالتّراب فرفع، ثم دعاهم فلم يجيبوه إلى شيء، فعل ذلك مرارا. فلمّا رأى عمرو ذلك قال: هذه بلدة لا يصلح إلاّ (¬b) أن توطأ، فأمر بإخرابها (١). فلمّا هزم اللّه الرّوم أراد عثمان ﵁ أن يكون عمرو بن العاص على الحرب، وعبد اللّه بن سعد على الخراج، فقال عمرو: أنا إذن كماسك البقرة بقرنيها وآخر يحلبها، فأبى عمرو (٢).
وكان فتح عمرو هذا عنوة قسرا في خلافة عثمان سنة خمس وعشرين، وبينه وبين الفتح الأوّل أربع سنين. وقال اللّيث: كان فتح الإسكندرية الأوّل سنة اثنتين وعشرين، وكان فتحها الآخر سنة خمس وعشرين (٣). وأقامت الخيس من البيما (¬c) يقاتلون سبع سنين، بعد أن فتحت مصر، ممّا يفتحون عليهم من تلك المياه والغياض (٤).
قال: ثم غزا/ عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ذا الصّواري (٥) في سنة أربع وثلاثين. وكان من حديث هذه الغزوة أنّ عبد اللّه بن سعد، لمّا نزل ذا الصّواري، أنزل نصف النّاس مع بسر بن أبي (¬b) أرطاة في البرّ، فلمّا مضوا أتى آت إلى عبد اللّه بن سعد فقال: ما كنت فاعلا حين ينزل بك ابن هرقل في ألف مركب، فافعله السّاعة؛ وكانت مراكب المسلمين مائتي مركب ونيّفا.
стр. 579
فقام عبد اللّه بن سعد بين ظهراني النّاس فقال: قد (¬a) بلغني أنّ ابن هرقل قد أقبل إليكم في ألف مركب، فأشيروا عليّ، فما كلّمه رجل من المسلمين (١)؛ فجلس قليلا لترجع إليهم أفئدتهم، ثم قام الثانية فكلّمهم، فما كلّمه أحد؛ فجلس، ثم قام الثالثة فقال: إنّه لم يبق شيء فأشيروا عليّ.
فقام رجل من أهل المدينة - كان متطّوعا مع عبد اللّه بن سعد - فقال: أيّها الأمير إنّ اللّه جلّ ثناؤه يقول: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اَللّهِ وَاَللّهُ مَعَ اَلصّابِرِينَ﴾ [الآية ٢٤٩ سورة البقرة].
فقال عبد اللّه: اركبوا [بسم اللّه] (¬b)، فركبوا، وإنّما في كلّ مركب نصف شحنته، لأنّه قد خرج النصف الآخر إلى البرّ مع بسر، فلقوهم فاقتتلوا بالنّبل والنّشّاب. وتأخّر ابن هرقل لئلاّ تصيبه الهزيمة، وجعلت القوارب تختلف إليه بالأخبار، فقال: ما فعلوا؟ قالوا: قد اقتتلوا بالنّبل والنّشّاب؛ فقال: غلبت الرّوم. ثم أتوه، فقال: ما فعلوا؛ قالوا: قد نفد النّبل والنّشّاب، فهم يرتمون بالحجارة؛ فقال: غلبت الرّوم؛ ثم أتوه، فقال: ما فعلوا؟ قالوا: قد نفدت الحجارة، وربطوا المراكب بعضها ببعض يقتتلون بالسّيوف؛ قال: غلبت الرّوم.
وكانت السّفن إذ ذاك تقرن بالسّلاسل عند القتال. قال: فقرن مركب عبد اللّه يومئذ - وهو الأمير - بمركب من مراكب العدوّ، فكان مركب العدوّ يجتر مركب عبد اللّه إليهم، فقام علقمة ابن يزيد الغطيفي (¬c)، وكان مع عبد اللّه بن سعد في المراكب، فضرب السّلسلة بسيفه فقطعها.
فسأل عبد اللّه امرأته بعد ذلك بسيسة ابنة حمزة بن ليشرح (٢) - وكانت مع عبد اللّه يومئذ، وكان الناس يعزون بنسائهم في المراكب - من رأيت أشدّ قتالا؟ قالت: علقمة صاحب السّلسلة.
وكان عبد اللّه قد خطب بسيسة إلى أبيها فقال له: إنّ علقمة قد خطبها، وله عليّ فيها رأي،
стр. 580
فإن تركها أفعل. فكلّم عبد اللّه علقمة فتركها، فتزوّجها عبد اللّه بن سعد، ثم هلك عنها عبد اللّه فتزوّجها بعده علقمة بن يزيد، ثم هلك عنها علقمة فتزوّجها بعده كريب بن أبرهة وماتت تحته (١).
وقيل مشت الرّوم إلى قسطنطين بن هرقل، في سنة خمس وثلاثين، فقالوا: أنترك الإسكندرية في أيدي العرب وهي مدينتنا الكبرى؟ فقال: ما أصنع بكم؟ ما تقدرون أن تمالكوا ساعة إذا لقيتم العرب؛ قالوا: اخرج على أنّا نموت، فتبايعوا على ذلك. فخرج في ألف مركب يريد الإسكندرية، فسار في أيّام غالبة من الرّيح (¬a)، فبعث اللّه عليهم ريحا فغرّقتهم، إلاّ قسطنطين فإنّه نجا بمركبه، فألقته الرّيح بصقلّيّة، فسألوه عن أمره، فأخبرهم؛ فقالوا: شعّبت (¬b) النّصرانيّة، وأفنيت رجالها، لو دخلت العرب علينا لم نجد من يردّهم؛ فقال: خرجنا مقتدرين فأصابنا هذا.
فصنعوا له الحمّام ودخلوا عليه، فقال: ويلكم، يذهب رجالكم، وتقتلون ملككم؟ قالوا: كأنّه غرق معهم. ثم قتلوه وخلّوا من كان معه في المركب (٢).
قال أبو عمر الكندي: وإنّما سمّيت غزوة ذي الصّواري لكثرة صواري المراكب واجتماعها (٣).
ذكر بحيرة الإسكندريّة
قال ابن عبد الحكم: كانت بحيرة الإسكندرية كروما كلّها لامرأة المقوقس، فكانت تأخذ خراجها منهم الخمر بفريضة عليهم، فكثر الخمر عليها حتى ضاقت به ذرعا، فقالت: لا حاجة لي في الخمر، أعطوني دنانير؛ فقالوا: ليس عندنا؛ فأرسلت إليهم الماء فغرّقتها، فصارت بحيرة يصاد فيها الحيتان، حتى استخرجها الخلفاء من بني العبّاس، فسدّوا جسورها وزرعوها (٤).
стр. 581
ثم صارت بحيرة طولها إقلاع يوم في عرض يوم، ويصير إليها الماء من أشتوم في البحر الرّومي، ويخرج منها إلى بحيرة دونها في خليج عليه مدينتان: إحداهما الحدبة، والأخرى إتكو، وهي كثيرة المقاتي والنّخل، وكلّها في الرّمل.
ويصبّ في هذه البحيرة خليج من النّيل - يسمّى الحافر - طوله نصف يوم إقلاعا، وهو كثير الطّير والسّمك والعشب.
وكان السّمك، بوجود هذه البحيرة في الإسكندرية، غاية في الكثرة، يباع بأقلّ القيم وأبخس الأثمان. ثم انقطع الماء عن هذه البحيرة منذ … (¬a) (١).
ذكر خليج الإسكندريّة (٢)
يقال إنّ كلوباطرة الملكة هي التي ساقت خليج الإسكندرية حتى أدخلته إليها، ولم يكن يبلغها الماء، فحفرته حتى أدخلته الإسكندرية، وبلّطت قاعه بالرّخام من أوّله إلى آخره، ولم يزل يوجد ذلك فيه (٣).
وقال أبو الحسن المخزوميّ في كتاب «المنهاج»: أمّا خليج الإسكندرية فإنّه من فوّهة الخليج إلى ترعة بودرّة ليس على شيء منها سدّ. بومنجوج (¬b)، محلة/ بتوك، أسمنية أورين، محلّة فرنو، محلّة حسن، منية طراد - وتعرف بالقاعة - محلّتا نصر ومسروق.
فأمّا ترعة نقانة (¬c) فإنّها تفتح بعد سبعة أيام من توت، والتّرعة الجديدة تفتح في السادس عشر من توت؛ وترعة بودرّة، تفتح بعد سبعة أيام من توت؛ وترعة بويحيى، وترعة بوالسّحماء، وترعة القهوقيّة، ليس على شيء من ذلك سدّ؛ وترعة الشّرك تفتح بعد سبعة أيام من توت؛ وترعة بوخراشة، وترعة البربيط، يشرب منها دسيو (¬d) وسمخراط وسرنبوية (¬e) ومنية حمّاد
стр. 582
وسنمادة وبعض محلّه مارية. وترعة فيشة بلخا تفتح في ثاني عشر توت، وجرت العادة أن تفتح في النّوروز؛ وترعة بيويط (¬a)، ومقطع سمديسة يفتح في الثاني والعشرين من توت؛ ومقطع ياطس يفتح في تاسع عشر توت.
ولمّا سدّ المقطع المذكور، عملت بعد ذلك ترعة تروي الصّفقة القبليّة منها، فتفتح في يوم النّوروز.
ولمّا استجدّت (¬b) ترعة إفلاقة، وخرجت في أرض ياطس، جرت العادة إذا رويت الصّفقة القبليّة من إفلاقة، تطلق التّرعة المذكورة على القسم البحريّ من ياطس إلى أن يروى.
وترعة القارورة محدثة. وترعة نقرها (¬c) تفتح في ثاني عشر توت. وترعة إفلاقة تفتح في عاشر توت. وترعة إسكنيدة تفتح في سادس توت.
تراع بحر دمنهور تفتح في العشرين من مسرى إلى سادس توت، ويروى منها بعض طاموس، وبعض كنيسة الغيط، وبعض قرطسا ودمنهور.
ترعة القواديس، منها تشرب شبرا النّخلة وكوم التلتون (¬d). تراع شبرا النّخلة تفتح على أعاليها من أوّل توت. وترعة بسطرى تفتح في خامس عشر مسرى. وترعة مسيد (¬e) تفتح في ثامن توت.
وترعة بسنتويه تفتح في ثامن عشر توت.
وبحر دمشويه يفتح في العشرين من مسرى، ومنه تشرب منية زرقون (¬f)، وسفط كرداسة، ودمشويه، ومحلّة الشيخ ومصيل. وترعة دمشويه تفتح في تاسع توت، ويقيم الماء عليها سبعة عشر يوما، وتفتح إلى محلّة الشيخ، ومصيل يقيم الماء عليها ثلاثين يوما، ويسدّ بعد ذلك على دمشويه سبعة أيام.
وعلى سفط ومنية زرقون (¬f) ترعة برسيق، كانت تفتح في أوّل توت.
محلّة برسيق ليس عليها سدّ.
محلّة الكروم تفتح في ثامن توت، ومنها تشرب عدّة أماكن، وفي محلّة الكروم وكفورها، وهي دبيسيّة وكوم الولائد وكوم الصّخرة وديرامس والصّفاصف، وما يخرج عن كفورها وهي تلمسا والجلمون من حقوق محلّة كيل، ومنها تشرب الجهة الغربية.
стр. 583
شبرابار ليس عليها سدّ، (¬a)) والشّراعي ليس عليها سدّ (¬a). وترعة قافلة كانت تفتح في ثامن توت، وليس عليها الآن سدّ. وترعة بلقطر وكفورها، كانت تفتح في تاسع توت، وليس عليها الآن سدّ. وترعة الرّاهب ليس عليها سدّ. وترعة دسونس المقاريضي تسقي الحلفاية، وتفتح في ثامن توت. وكذلك ترعة مرجنّا والملعقية، وترعة بيتلامة وببشاي (¬b)، وآخر تراع الحجيجية، وترعة الكريون تفتح في ثامن توت. وترعة البسلقون كانت تفتح في تاسع (¬c) توت، وليس عليها الآن سدّ. وترعة أرمياخ تفتح في ثاني عشر توت. وترعة أبلوق تفتح في سادس توت.
وأمّا حوف رمسيس فإنّ بحر رمسيس كان يضرب السّدّ فيه على تراع رمسيس من أوّل النّيل إلى سابع عشر توت. والذي يشرب على (¬d) السّد المذكور من النّواحي والكفور، رمسيس ومحلّة جعفر وقليشان وبعض أبنية النّقيدي وبعض خربتّا وبعض البلكوس وبعض بولين وبعض محلّة واقد والبيضاء وبعض طملاس (¬e).
ثم يفتح على (¬f) سد دكدوكة، وهو محدث يقيم الماء عليه عشرة أيام، وتشرب منه دكدوكة ومحلّة معن ومنية أبياني وبعض صيفية.
ثم يقطع على (¬f) سد القطامي، وهو محدث، ومنه يشرب بعض جنبوية وتلبانة (¬g) البحرية النّبيريّة وأبو حمار والبهوط.
ثم يقطع سدّ دسونس وأبو دينار وترعة طبرنية، فيشرب منه دنشال، وطاموس يقيم الماء عليها ستة أيام، ومنه تشرب منية عطيّة وسلطيس.
وأمّا بحر دمنهور فإنّه يسلّط (¬h) على سلطيس إلى سابع عشر توت، ومنه تشرب سلطيس وزهرا وبعض طاموس وبعض قرطسا وبعض كنيسة الغيط ودمنهور. ثم يقطع سد نديبة، وهو محدث، فيقيم ثمانية أيام، ومنه تشرب نديبة ودقرنس والعميرية والبسرير (¬i). ثم يفتح ويسدّ على محلّة حفص ومحلّة كيل ومحلة نمير. ثم يقطع على (¬f) سد سلطيس، وهو محدث، فيقيم عشرة أيام بعد اختلاط الماءين ببحر دمنهور ورمسيس. ثم يقطع على (¬f) جسر ملولة، ومنه تشرب ترّوجة وأرسيس والمراسي وغابة الأعساس وبعض سمرو ومحلّه نمير، ويبقى هناك إلى انقضاء النّيل.
стр. 584
وأمّا ترعة طبرنبة فهي محدثة، وإذا رويت طبرنبة تطلق على دسونس أم دينار، ثم تقطع على طاموس بمقدار ريّها، ثم تطلق في النّيل العالي على أرض قراقس، ويطلق الماء على قرطسا وكنيسة الغيط.
وخليج الطّبرنبة إذا خرج الماء منه يسقي منه في أوّل ليل، وإلى أن يضرب جسر شبرا وسيم، فيسقي منه شبرا وسيم وبعض البلكوس وحفيرة الزّعفران وبعض بولين ومسجد غانم والصّوّاف وكوم شريك ومنية مغنين وتل القطامي ومحلّة واقد.
ثم يقطع جسر دلنجة، ومنه يشرب بعض خربتّا وبعض قليشان وبعض بولين والبيضا ودنست وتلبانة الأبراج وتلّ بقا والحدّين واليهودية وأبسوم (¬a) وأبو صمادة والحصن/ وقلاوة بنى عبيد وطوخ دحّانة ودرشا وشقرا ودلنجة ومحّة وطيبة، ثم يقطع على منية ورزافة الحجر والمحروق وبعض جبارس وأفريم وأبو سماد وأم الضّروع.
خليج ابن زلّوم - ويعرف بخليج ابن ظلوم وسدّ مخرج النّقيدي - لا يفتح إلى عشرة أيام من توت، ومنه يشرب شابور وكنيسة مبارك وبعض سرسيقة وبعض دمشويه ومنية يزيد وحوض الماصلي وحصّة سلمون وبعض سنيت وبعض النّقيدي وبعض قليشان؛ ثم يفتح، فيشرب منه أمليط وبعض إيتاي وبعض كنيسة عبد الملك وبعض أرمنية ورميسنا وبعض محلّة عبيد وسفط خالد وبرنامة وشبرا نونة وكيمان شراس وبعض دمشوه، وتقام الحرّاس على جسر سفط (¬b)) خالد إلى أن يتكامل شرب سفط خالد فينقطع حينئذ جسر سفط (¬b).
ويشرب من خليج الإسكندرية وما يفيض منه، أهل الباطن وأهل البحيرة في فجاج وأودية، فيكون ذلك الماء صلة، وهم قبيل من زناتة والرّمحانة وبني يزان وقبائل البربر، ويزرعون عليه فيستوفى منهم الخراج.
وبين مشارق الفرما من ناحية جرجير وفاقوس، وبين آخر ما يشرب من خليج الإسكندرية، مسيرة شهر، كان عامرا كلّه - في محلول ومعقود - إلى بعد الخمسين وثلاث مائة من سني الهجرة، وقد خرب معظم ذلك.
وقال أبو بكر الطّرطوشي، عمّن حدّثه من مشايخ الثّغر (¬c)، أنّه قال: شاهدت الإسكندرية والصّيد في الخليج مطلق للرّعيّة، والسّمك فيه يغلي (¬d) الماء به كثرة حتى تصيده الأطفال بالخرق،
стр. 585
ثم حجره الوالي ومنع الناس من صيده، فذهب حتى كاد لا يرى فيه إلاّ الواحدة بعد الواحدة إلى يومنا هذا (١).
وقال أبو عمر الكندي في كتاب «الموالي» عن الحارث بن مسكين: أنّه تقلّد قضاء مصر من قبل أمير المؤمنين الواثق باللّه في سنة تسع وثلاثين ومائتين، فذكر سيرته وقال: وحفر خليج الإسكندرية، وورد الكتاب بصرفه في شهر ربيع الآخر سنة خمس وأربعين ومائتين.
وقال جامع «السّيرة الطّولونيّة»: وفي ربيع الأوّل سنة تسع وخمسين ومائتين، أمر أحمد بن طولون بحفر خليج الإسكندرية.
وقال المسعوديّ: وقد كان النّيل انقطع عن بلاد الإسكندرية قبل سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة.
وقد كان الإسكندر بنى الإسكندرية على هذا الخليج من النّيل، وكان عليها عظم (¬a) ماء النّيل، فكان يسقي الإسكندرية وبلاد مريوط، وكانت بلاد مريوط في نهاية العمارة والجنان المتّصلة بأرض برقة، وكانت السّفن تجري في النّيل وتتّصل بأسواق الإسكندرية. وقد بلّط أرض خليجها في المدينة بالأحجار والمرمر، وانقطع الماء عنها لعوارض سدّت خليجها ومنعت الناس دخوله، فصار شربهم من الآبار، وصار النّيل على يوم منهم (٢).
وذكر المسبّحيّ أنّ الحاكم بأمر اللّه، أبا منصور بن العزيز، أطلق لحفر خليج الإسكندرية، في سنة أربع وأربع مائة، خمسة عشرة ألف دينار، فحفر كلّه (٣).
وفي سنة اثنتين وستين وستّ مائة بعث الملك الظّاهر بيبرس الأمير عليّا، أمير جاندار، لحفر خليج الإسكندرية، وقد امتلأت فوّهته بالطّين، وقلّ الماء في الإسكندرية، فابتدأ الحفر من النّقيدي، وأنشأ هناك مسجدا. وتولّى مباشرة هذا الحفر المعلم تعاسيف ناظر الدّواوين (٤).
ثم بعث السّلطان، في سنة أربع وستين وستّ مائة، لحفر هذا الخليج الأمير علم الدين سنجر المسروري، ثم سار بعامّة الأمراء والأجناد وباشر الحفر بنفسه، وعمل فيه الأمراء وجميع النّاس
стр. 586
إلى أن زالت الرّمال التي كانت على السّاحل بين النّقيدي وفمّ الخليج، ثم عدّى إلى بارنبار (¬a)، وغرّق مراكب هناك وبنى عليها بالحجارة، فلمّا تمّ الغرض عاد إلى قلعة الجبل (١).
ثم تعطّل استمرار جريان الماء فيه بطول السّنة، وصار يجرّ سريعا بعد شهرين أو نحوهما من دخول الماء إليه، واحتاج أهل الإسكندرية في طول السّنة إلى الشّرب من الصّهاريج التي يخبّون (¬b) فيها الماء؛ إلى أن كانت سنة عشر وسبع مائة، فقدم الأمير بدر الدين بكتوت الخزنداري (٢)، المعروف بأمير شكار، متولّي الإسكندرية إلى قلعة الجبل، وحسّن للسلطان الملك النّاصر محمد ابن قلاوون حفره، وذكر له ما في ذلك من المنافع.
أوّلها: حمل الغلال وأصناف المتجر إلى الإسكندرية في المراكب، وفي ذلك توفير للكلف، وزيادة في مال الدّيوان. وثانيها: عمارة ما على حافتي الخليج من الأراضي بإنشاء الضّياع والسّواقي، فينمو الخراج بهذا نموّا كثيرا. وثالثها: انتفاع النّاس به في عمارة بساتينهم، وشرب مائة دائما.
فأعجب السّلطان ذلك، وندب الأمير بدر الدين محمد بن كيدغدي بن الوزيريّ مع بكتوت لعمله، وتقدّم إلى جميع أمراء الدولة بإخراج مباشريهم لإحضار رجال النّواحي الجارية في إقطاعاتهم للعمل في الحفير (¬c)، وكتب لولاة الأعمال بالوقوف في العمل.
فاجتمع من النّواحي نحو الأربعين ألف رجل، جمعت في نحو العشرين يوما، ووقع العمل في شهر رجب من السنة المذكورة، وأفرد لكلّ أهل ناحية قطعة يحفرونها حتى كمل، فجاء قياس الحفر من فم بحر النّيل إلى ناحية سنبار (¬d)، ثمانية آلاف قصبة حاكمية، ومن سنبار (¬d) إلى الإسكندرية مثلها.
وكان الخليج الأصلي يدخل الماء إليه من حدّ سنبار (¬d)، فجعل فم هذا البحر يرمي إليه (¬e)، وعمل عمقه ستّ قصبات/ في عرض ثماني قصبات. فلمّا انتهوا إلى حدّ الخليج الأوّل، حفر أيضا على نظير الخليج المستجدّ، فصارا بحرا واحدا، وركّبت عليه السّدود والقناطر.
стр. 587
ووجد في الخليج الأوّل عند حفره، من الرّصاص المبني تحت الصّهاريج، شيء كثير جدّا، فلم يتعرّض السّلطان لشيء منه، وأنعم به على الأمير بكتوت.
وعظمت المشقّة في حفر هذا الخليج، فإنّ الذي تجاوز البحر منه غلب عليه الماء، فصارت الرّجال تغطس فيه وترفع الطّين من أسفله، ثم كثر الماء فركّبت السّواقي حتى نزحته؛ إلاّ أنّ عظيم النّفع به سهّل جميع ذلك، فإنّ السّفن جرت فيه طول السنة، واستغنى أهل الإسكندرية عن شرب ماء الصّهاريج، وبادر الناس للعمارة على جانبي الخليج، فلم يمض غير قليل حتى استجدّ عليه ما يزيد على مائة ألف فدّان، زرعت بعدما كانت سباخا، وما ينيف على ستّ مائة ساقية برسم القلقاس والنّيلة والسّمسم، وفوق الأربعين ضيعة، وأزيد من ألف غيط بالإسكندرية، وعمّرت منه عدّة بلاد كثيرة، وتحوّل عالم عظيم إلى سكنى ما استجدّ عليه، ومنه (¬a).
ولمّا فرغ العمل في الخليج شرع الأمير بكتوت في عمل جسر من ماله، فإنّ الناس كانوا، في وقت هيجان البحر، يجدون مشقّة عظيمة لغلبة الماء على أراضي السّباخ، فأقام ثلاثة أشهر حتى بنى رصيفا، دكّ أساسه بالحجر والرّصاص وأعلاه بالحجر والكلس، وعمل فيه ثلاثين قنطرة.
وأنشأ خانا ينزله الناس، ورتّب فيه الخفراء، ووقف على مصالحه رزقة، فبلغ مصروفه نحو الستين ألف دينار مصرية، سوى ما أخذ من الحجارة التي نقضها (¬b) من قصر قديم كان خارج الإسكندرية، وسوى ما وجده من الرّصاص في سرب بأسفل هذا القصر ينتهي بمن يمشي فيه إلى قريب البحر، وسوى ما أنعم به عليه من الرّصاص الموجود بالخليج.
ولم يزل الخليج فيه الماء طول السّنة إلى ما بعد سنة سبعين وسبع مائة، فانقطع الماء منه وصار الماء لا يدخل إليه إلاّ في أيّام زيادة ماء النّيل فقط، ثم يجفّ عند نقصه، فتلف من أجل هذا أكثر بساتين الإسكندرية وخربت، وتلاشى كثير من القرى التي كانت على هذا الخليج.
وسبب انقطاع الماء عنه غلبة الرّمل (¬c) على الأشتوم الذي كان يعبر منه ماء بحر الملح إلى بحيرة الإسكندرية حتى جفّت، وصار الرّمل تلقيه الرّياح في الخليج، فانطمّ فمه وعلا قاعه (١).
стр. 588
وقصد من أدركناه من ملوك مصر حفر هذا الخليج غير مرّة، فلم يتهيّأ ذلك، إلى أن كانت سلطنة الملك الأشرف برسباي، فندب لحفره الأمير جرباش الكريميّ، المعروف بقاشق (¬a)؛ فتوجّه إليه، وجمع له من قدر عليه من رجال النّواحي، فبلغت عدّتهم ثمان مائة وخمسة وسبعين رجلا، ابتدأوا في حفره من حادي عشر جمادى الأولى سنة ستّ وعشرين وثمان مائة إلى حادي عشر شعبان لتمام تسعين يوما، فانتهى عملهم (١).
ومشى الماء في الخليج حتى انتهى إلى حدّه من مدينة الإسكندرية، وجرت فيه السّفن، فسرّ الناس به سرورا كبيرا (٢).
وحسب (¬b) ما أنفق على العمّال في الحفر من أرباب النّواحي التي على الخليج، ومن أرباب البساتين بالإسكندرية، ولم يكن في حفره كبير شناعة، ممّا جرت به عادة الولاة في مثل ذلك، وللّه الحمد. وعندما انتهى قدم الأمير جرباش إلى قلعة الجبل، فخلع السّلطان عليه وشكره، ثم عمله حاجب الحجّاب (٣)، فلم يستمرّ ذلك إلاّ قليلا حتى انطمّ بالرّمل، وتعذّر سلوك الخليج بالمراكب إلاّ في أيّام النّيل فقط.
ذكر جمل حوادث الإسكندرية
وفي سنة تسع وتسعين ومائة، عظمت الحروب بديار مصر بين المطّلب بن عبد اللّه الخزاعي أمير مصر، وبين عبد العزيز بن الوزير الجروي الثّائر بتنّيس، فعقد المطّلب على الإسكندرية لمحمد ابن هبيرة بن هاشم بن حديج، فاستخلف محمد خاله عمر بن عبد الملك بن محمد بن عبد الرّحمن بن معاوية بن حديج - الذي يقال له عمر بن ملال (¬c) - ثم عزله المطّلب بعد ثلاثة أشهر بأخيه الفضل بن عبد اللّه بن مالك.
стр. 589
وكانت بالإسكندرية مراكب الأندلسيين قد قفلوا من غزوهم. وكان سبب قدوم هذه المراكب ما جرى لأهل قرطبة بوقعة الرّبض مع الحكم بن هشام في سنة اثنتين وثمانين ومائة، فأخرج جماعة منهم، فوصلوا إلى ثغر الإسكندرية زيادة على عشرة آلاف.
وكان سبب ثورتهم أنّ قصّابا من الإسكندرية رمى وجه رجل منهم بكرش، فأنفوا من ذلك، وصاروا إلى ما صاروا إليه، وذلك لمّا نزلوا رمل الإسكندرية ليبتاعوا ما يصلحهم. وكذلك كانوا على الزّمان، وكانت الأمراء لا تبيحهم دخول الإسكندرية، إنّما كان الناس يخرجون إليهم فيبايعونهم.
فلمّا عزل عمر بن ملال (¬a)، كتب إليه عبد العزيز الجروي يأمره بالوثوب على الإسكندرية والدّعاء له بها، فبعث عمر بن ملال إلى الأندلسيين، فدعاهم إلى القيام معه في إخراج الفضل عنها، فساروا معه، وأخرج الفضل، ودعا للجروي. فوثب أهل الإسكندرية على الأندلسيين، وأخرجوهم وردّوا الفضل، وقتل من الأندلسيين نفر، وانهزم الباقون إلى مراكبهم. فعزل المطّلب أخاه، وولّى عليها/ إسحاق بن أبرهة بن الصّبّاح في شهر رمضان سنة تسع وتسعين، ثم عزله بأبي ذكر (¬b) بن جنادة المعافري. فلمّا اقتتل السّريّ بن الحكم هو والمطّلب بن عبد اللّه، وغلب السّريّ على مصر، وثب عمر بن ملال (¬a) على أبي ذكر، وأخرجه من الإسكندرية، ودعا للجروي، وأقبل الأندلسيون إليه فأفسدوا، فأمرهم بالخروج إلى مراكبهم، فشقّ ذلك عليهم.
وظهرت بالإسكندرية طائفة يسمّون بالصّوفيّة، يأمرون بالمعروف ويعارضون السّلطان في أموره، فترأس عليهم رجل منهم، يقال له أبو عبد الرّحمن الصّوفي، فصاروا مع الأندلسيين يدا واحدة، واعتضدوا بلخم، وكانت لخم أعزّ من في ناحية الإسكندرية؛ فخوصم أبو عبد الرّحمن الصّوفيّ إلى عمر بن ملال (¬a) في امرأة، فقضى على أبي عبد الرّحمن، فوجد في نفسه من ذلك، وخرج إلى الأندلسيين فألّف بينهم وبين لخم، ورجا أهل الأندلس أن يدركوا ثأرا من عمر بن ملال (¬a). فساروا إلى عمر بن ملال (¬a)، وهم زهاء عشرة آلاف، فحصروه في قصره، وخشي أنّ القصر لا يمنعه منهم، وخاف أن يدخلوا عليه عنوة فيفضح في حرمه، فاغتسل وتحنّط وتكفّن، وأمر أهله أن يدلّوه إليهم، فدلّي فأخذته السّيوف فقتل؛ ثم دلّي (¬c) أخوه محمد بن عبد الملك (¬d) الذي يلقّب جيوش، فقتل؛ ثم دلّي (¬c) عليهم عبد اللّه البطّال ابن عبد الواحد بن محمد بن
стр. 590
عبد الرّحمن بن معاوية بن حديج، فقتل؛ ثم دلّي (¬a) عليهم أخوه أبو هبيرة الحارث، فقتل؛ ثم دلّي (¬a) عليهم حديج بن عبد الواحد، فقتل وانصرف القوم، وذلك في ذي القعدة (١).
ثم فسد ما بين لخم والأندلسيين عند مقتل ابن ملال (¬b)، واقتتلوا، فانهزمت لخم، فظفر الأندلسيون بالإسكندرية في ذي الحجة، فولّوها أبا عبد الرّحمن الصّوفي، فبلغ من الفساد والنّهب والقتل ما لم يسمع بمثله، فعزله الأندلسيون، وولّوا رجلا منهم يعرف بالكناني.
ثم حارب بنو مدلج الأندلسيين، فظفر بهم الأندلسيون ونفوهم (¬c) عن البلاد، فلم يقدر بنو مدلج على الرّجوع إلى أرض الإسكندرية حتى طلب السّريّ من الأندلسيين أن يردّوهم، فأذنوا لهم حينئذ ورجعوا.
وكان أبو قبيل يقول: أنا على الإسكندرية من أربعين مركبا مسلمين، وليسوا بمسلمين، تأتي في آخر الصّيف، أخوف منّي عليها من الرّوم؛ فيقال له: ما هذه الأربعون مركبا في هذا الخلق لو كانت نيرانا تضطرم؟ فيقول: اسكت ويلك، منها وممّن فيها يكون خراب الإسكندرية وما حولها.
وبلغ عبد العزيز الجروي قتل ابن ملال (¬b)، فسار في خمسين ألفا حتى نزل على حصن الإسكندرية، وحصرها حتى أجهد من فيها فبلغه أنّ السّريّ بن الحكم بعث إلى تنّيس بعثا فكرّ راجعا في المحرّم سنة إحدى ومائتين، فدعا الأندلسيون للسّريّ (٢) ثم لمّا خلع أهل مصر المأمون، ودعوا لإبراهيم بن المهدي، وقام الجروي بذلك، سار إلى الإسكندرية، وحصر الأندلسيين حتى دخلها صلحا، ودعي له بها، ثم سار عنها إلى الفسطاط، فحارب السّريّ وقتل ابنه، ثم انصرف (٣).
فثار الأندلسيون بعامل الجروي، وأخرجوه من الإسكندرية، وخلعوا الجروي، ودعوا للسّري؛ فسار إليهم الجروي في شهر رمضان سنة ثلاث ومائتين، فعارضته القبط بسخا، وأمدّتهم بنو مدلج - وهم في نحو من مائتي ألف - فهزمهم، وبعث بجيوشه إلى الإسكندرية فحاصروها (٤).
стр. 591
وكانت بين السّريّ وبين أهل الصّعيد حروب.
ثم إنّ الجروي سار إلى الإسكندرية سيره الرابع وحاصرها، ونصب عليها المجانيق سبعة أشهر، من أوّل شعبان سنة أربع ومائتين إلى سلخ صفر سنة خمس، فأصاب الجروي فلقة من حجر منجنيقه، فمات سلخ صفر سنة خمس ومائتين (١).
وقام من بعده ابنه عليّ، فلم تزل الفتن بالأندلسيين في الإسكندرية متّصلة، إلى أن قدم عبد اللّه بن طاهر إلى مصر من قبل أمير المؤمنين المأمون، وأخرج عبيد اللّه بن السّريّ من مصر، وسار إلى الإسكندرية في قوّاد العجم من أهل خراسان، مستهل صفر سنة اثنتي عشرة ومائتين، فحاصرها بضع عشرة ليلة حتى خرج إليه أهلها بأمان. وصالحه الأندلسيون على أن يسيّرهم من الإسكندرية حيث أحبّوا، على ألاّ يخرجوا في مراكبهم أحدا من أهل مصر، ولا عبدا ولا آبقا، فإن فعلوا فقد حلّت له دماؤهم، ونكت عهده وتوجّهوا. فبعث ابن طاهر من يفتّش عليهم مراكبهم، فوجدوا فيها جمعا من الذي اشترط عليهم ألاّ يخرجوهم، فأمر بإحراق مراكبهم، فسألوه أن يردّهم إلى شرطهم، ففعل (٢).
وساروا إلى جزيرة إقريطش وملكوها، وكان الأمير معهم أبو حفص عمر بن عيسى، ثم ملكها ولده من بعده، وعمّرها الأندلسيون إلى أن غزاها الرّوم سنة خمس وأربعين وثلاث مائة، وملكتها (¬a) بعد حصار طويل (٣).
وولي على الإسكندرية إلياس بن أسد بن سامان، ورجع إلى الفسطاط في جمادى الآخرة، ثم سار إلى العراق.
ولمّا انتقض أسفل الأرض في جمادى الأولى سنة ستّ عشرة ومائتين، وحاربهم الأفشين ومعه عيسى بن منصور الرّافقي أمير مصر، وبعث عبد اللّه بن يزيد بن مزيد الشّيباني إلى الغربيّة، فانهزم إلى الإسكندرية، واستجاشت عليه بنو مدلج، وحصروه في شوّال. فسار الأفشين وأوقع
стр. 592
بمن/ في طريقه حتّى قدم الإسكندرية في جنوده، فلقيته طائفة من بني مدلج، فهزمهم مرّتين، وأسر منهم وقتل.
ودخل الإسكندرية لعشر بقين من ذي الحجّة، ففرّ منه رؤساؤها، وكان عليها معاويّة بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرّحمن بن معاوية بن حديج، فأصلح أمرها.
ثم خرج إلى أهل البشرود فامتنعوا عليه، حتى قدم المأمون إلى مصر، فصار إلى البشرود، والأفشين قد أوقع بالقبط بها كما تقدّم ذكره.
ولمّا ولي إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب إفريقيّة في سنة إحدى وستين ومائتين، حسنت سيرته، فكانت القوافل والتّجّار تسير في الطّرق وهي آمنة، وبنى الحصون والمحارس على ساحل البحر، حتى كانت توقد النار من مدينة سبتة إلى الإسكندرية، فيصل الخبر منها إلى الإسكندرية في ليلة واحدة وبينهما مسيرة أشهر.
وفي سنة اثنتين وثلاث مائة دخل حباسة، في جيوش إفريقيّة إلى الإسكندرية في المحرّم، ومعه مائة ألف أو زيادة عليها، وقدمت الجيوش من المشرق مددا لتكين أمير مصر، وسار حباسة من الإسكندرية. ونودي بالنّفير في الفسطاط، لعشر بقين من جمادي الآخرة، فلم يتخلّف عن الخروج إلى الجيزة أحد من الخاصّة والعامّة، إلاّ من عجز عن الحركة لمرض أو عذر. وأتاهم حباسة، فلقوه وهزموه، ثم دار عليهم، فقتل من أهل مصر نحوا من عشرة آلاف، ونهض حباسة إلى إفريقيّة، وأقاموا بمصر مضطربين.
فأقبل مؤنس الخادم من العراق في رمضان بجيوش كثيرة، فصرف تكين في ذي القعدة.
وولى ذكا الأعور في صفر سنة ثلاث وثلاث مائة، فخرج في جيوشه إلى الإسكندرية، وتتبّع كلّ من يومئ إليه بمكاتبة صاحب إفريقيّة، فسجن منهم وقتل كثيرا. وجلا أهل لوبية ومراقية إلى الإسكندرية، في شوّال سنة أربع وثلاث مائة، خوفا من صاحب برقة (١).
وفي سنة سبع وثلاث مائة سارت مقدّمة المهدي عبيد اللّه من إفريقيّة، مع ابنه أبي القاسم، إلى لوبية. فهرب أهل الإسكندرية وجلوا عنها، وخرج منها مظفّر بن ذكا الأعور في جيشه، ودخلت إليه العساكر يوم الجمعة لثمان خلون من صفر، وفرّ أهل القوّة من الفسطاط إلى الشّام (٢)؛
стр. 593
فخرج ذكا أمير مصر إلى الجيزة وعسكر بها، ثم مرض ومات على مصافّة بالجيزة في ربيع الأوّل (¬a) (١).
فولي تكين بعده ولايته الثانية من قبل المقتدر، ونزل الجيزة (٢). وأقبلت مراكب صاحب إفريقيّة إلى الإسكندرية علها سليمان الخادم، فقدم ثمل الخادم، صاحب مراكب طرسوس، فالتقيا برشيد في شوّال، فاقتتلا؛ فبعث اللّه ريحا على مراكب سليمان ألقتها إلى البرّ، فتكسّر أكثرها، وأخذ من فيها أخذا باليد، وقتل أكثرهم، وأسر من بقي وسيقوا إلى الفسطاط، فقتل منهم نحو سبع مائة رجل (٣).
وسار أبو القاسم بن المهدي من الإسكندرية إلى الفيّوم، وملك جزيرة الأشمونين والفيّوم وأزال عنها جند مصر. فمضى ثمل الخادم في مراكبه إلى الإسكندرية، فقاتل من بها من أهل إفريقيّة فظفر بهم، ونقل أهل الإسكندرية إلى رشيد. وعاد إلى الفسطاط، ومضى في مراكبه إلى اللاّهون، ولحقته العساكر فدخلوا إلى الفيّوم في صفر سنة سبع وثلاث مائة. فخرج أبو القاسم ابن المهدي إلى برقة، ولم يكن بينهما قتال، ورجعت العساكر إلى الفسطاط (٤).
وما زالت الإسكندرية وأعمالها في اضطراب إلى أن قدمت جيوش المعزّ لدين اللّه مع القائد جوهر، في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، فملكتها. وما برحت إلى أن قام بها نزار بن المستنصر، وكان من أمره ما قد ذكر عند ذكر خزائن القصر (٥).
وفي سنة اثنتي عشرة وستّ مائة، اجتمع بالإسكندرية ثلاثة آلاف من تجّار الفرنج، وقدمت بطسة (٦) إلى الميناء فيها من ملوك الفرنج ملكان، فهمّوا أن يثوروا ويقتلوا أهل البلد ويملكوها.
فتوجّه الملك العادل أبو بكر بن أيّوب إليها، وقبض على التّجّار المذكورن وعلى من بالبطسة،
стр. 594
واستصفى أموالهم وسجنهم، وسجن الملكين، وجرت خطوب حتى أطلق السّلطان نساءهم، وعاد إلى القاهرة (١).
وفي سنة أربع وخمسين وخمس مائة بنى الملك الصّالح طلائع بن رزّيك على بلبيس حصنا من لبن (٢).
وفي سنة اثنتين وستين وخمس مائة كانت وقعة البابين، بين الوزير شاور وأسد الدين شيركوه، فانهزم عسكر شيركوه، ومضى منهم طائفة إلى الإسكندرية، ثم كانت لشير كوه على شاور، فانهزم منه إلى القاهرة (٣). ومضى شيركوه إلى الإسكندرية، فخرج إليه أهل الثّغر، وفيهم نجم الدين محمد بن مصال والي الثّغر، وقاضيه الأشرف بن الحبّاب، وناظره القاضي الرّشيد بن الزّبير، وسرّوا بقدومه، وسلّموه المدينة. ثم سار منها يريد بلاد الصّعيد، واستخلف ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيّوب على الثّغر في ألف فارس. فنزل عليه شاور، ومعه مرّى [Amaury] ملك الفرنج، فقام معه أهل الثّغر، واستعدّوا لقتال شاور، فكان ممّا (¬a) أخرجوه أربعة وعشرون ألف قوس (¬b) (٤).
فوعدهم شاور أن يضع عنهم المكوس والواجبات، ويعطيهم الخمس إذا سلّموه صلاح الدين، فأبوا ذلك، وألحّوا في قتاله، فحصرهم حتى قلّ الطّعام عندهم. فتوجّه إليهم شيركوه، وقد حشد من العربان جموعا كثيرة، فبعث إليه/ شاور، وبذل (¬c) له خمسة آلاف دينار على أن يرجع إلى الشّام، فأجابه إلى ذلك.
وفتحت المدينة، وخرج صلاح الدين إلى مرّي [Amaury] ملك الفرنج، وجلس معه، فأراده (¬d) شاور أن يسلّمه صلاح الدين فلم يوافقه في (¬e) سيّره إلى عمّه شيركوه من البحر على عكّا
стр. 595
بمن معه إلى دمشق. ودخل شاور إلى الإسكندرية في سابع عشر شوّال، فاستتر ابن مصال وفرّ إلى الشّام، وقبض على ابن الحبّاب، وعوقب حتى فداه أهله بمال جزيل، ولم يقدر على ابن الزّبير وخرج إلى رشيد.
هذا، وقد امتنع الفقيه أبو الطّاهر بن عوف وجماعة كثيرة بالمنار، فوقف عليهم شاور، فقال له ابن عوف: اعذرنا يا أمير الجيوش، وسامحنا بما فعلناه؛ فعفا عنهم، وولّي القاضي الأشرف أبا القاسم عبد الرّحمن بن منصور بن نجا ناظرا على الأموال. وخرج ومعه مرّي [Amaury] ملك الفرنج إلى القاهرة، ثم توجّه مرّي [Amaury] إلى بلاده (¬a)) ونزل على صيدا (¬a).
وفي سنة إحدى وسبعين وستّ مائة ورد الخبر بحركة الفرنج إلى ثغور مصر، فاهتمّ الملك الظّاهر بيبرس بأمر الشّواني، ونصب على أسوار الإسكندرية نحوا من (¬b) مائة منجنيق.
وفي يوم الخميس، خامس شهر رجب سنة سبع وعشرين، خرج بعض تجّار الفرنج إلى ظاهر باب البحر، حيث تجتمع العامّة (¬c) للفرجة، وتعرّض إلى صبىّ أمرد يراوده عن نفسه؛ فأنكر ذلك بعض من هناك من المسلمين، وقال: هذا ما يحل. فأخذ الفرنجي خفّا كان بيده وضربه على وجهه، فصاح بالنّاس فأتوه، فقام الفرنج مع صاحبهم.
واتّسع الخرق، إلى أن ركب متولّي الثّغر، وأغلق أبواب المدينة، وطلب من أثار الفتنة، ففرّوا، وعاد إلى داره وترك الأبواب مغلقة.
وكان بظاهر المدينة خلق كثير قد توجّهوا على عادتهم في حوائجهم، فحيل بينهم وبين بيوتهم، وجاء اللّيل وهم قيام على الأبواب يضجّون ويصيحون، فمضى أعيان البلد إلى المتولّي، ومازالو به حى فتح لهم. فدخلوا مبادرين وهم يزدحمون، فمات منهم زيادة على عشرة أنفس، وتلفت أعضاء جماعة، وذهب من عمائم النّاس ومناديلهم وغير ذلك شيء كثير، وعظم البكاء والصّراخ طول الليل.
فلمّا كان من الغد ركب الوالي لكشف أحوال النّاس، فتكاثروا عليه ورجموه، فانهزم منهم إلى داره، فتبعوه وقاتلوه، فقاتلهم من أعلى الدار حتى سفكت بينهما دماء كثيرة، وأحرقوا داره (¬d)، ونهبوا دورا بجانبه. فكتب يستنجد والي دمنهور ومن حوله من العربان، فأتوه واحتاطوا بالمدينة.
стр. 596
وسرح الطائر إلى السّلطان بخروج أهل الإسكندرية عن الطّاعة، فاشتدّ غضبه، وخشى من إطلاقهم الأمراء المسجونين، وبعث إلى القضاة فجمعهم واستفتاهم في قتالهم، فكتبوا بما يجب.
وخرج إليهم الوزير مغلطاي الجمالي، وطوغان شادّ الدّواوين، وأيدمر أمير جندار، وعدّة من المماليك السّلطانية، وناظر الخاصّ، ومع الوزير تذكرة بإراقة دماء أهل الفساد، ومصادرة جماعة، وأخذ أموال أهل البلد، والقبض على الأسلحة المعدّة بها للغزاة، وإمساك القاضي والشّهود، وحمل الأمراء المسجونين إلى القاهرة.
فساروا في عاشره، وقدموا الثّغر بعد ثلاثة أيام، ونزل الوزير بالخيس، وفرض على النّاس خمس مائة ألف دينار مصرية، وأحضر قاضي القضاة عماد الدين ونائبه في الحديد، وأنكر عليهما كونهما شهرا النّداء في البلد بالغزاة في سبيل اللّه. فأنكرا وقوع هذا منهما (¬a)) وإنّما كان من غيرهما (¬a)، وأنّهما لم يكن في قدرتهما ردّ السّواد الأعظم. فضرب نائبه ابن التّنسي (¬b) ضربا مبرّحا، وألزمه بحمل ستّ مائة ألف درهم، وألزم القاضي بخمس مائة ألف درهم، وكان قد رسم بشنقه، فتلطّف في مكاتبة السّلطان، واعتذر عنه وبرّأه حتى عفا عنه.
وتتبّع العامّة، فوسّط منهم ثلاثين رجلا في يوم الجمعة ثالث عشرة، فتسارع الناس إلى دورهم من الخوف، فذهبت عدّة عمائم، واشتدّ الخوف مدّة عشرين يوما، وكتب السّلطان تتوالى بالإيقاع بأهل الثّغر وأخذ أموالهم، والوزير يحسن في الجواب إلى أن جهّز الأمراء المسجونين وسار من الثّغر، وقد استعرض ما به من السّلاح فوجد ستة آلاف عدّة كاملة، جعلها جميعها في قاعة وختم عليها، وبلغت الجباية من النّاس ما ينيف على مائتين وستين ألف دينار. فكانت هذه من المحن العظيمة، والحوادث الشّنيعة.
ذكر مدينة أتريب
هذه المدينة بناها أتريب بن قبطيم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح (١). قال ابن وصيف شاه:
وكان أتريب قد انتقل إلى حيّزه بعد موت أبيه قبطيم، وهي المدينة التي كان أبوه بناها له، وكان
стр. 597
طولها اثني عشر ميلا، ولها اثنا عشر بابا؛ وجعل في شارعها الأعظم ثلاث قباب عالية على أعمدة بعضها فوق بعض، منها قبّة في وسط المدينة، وقبّتان في طرفيها، وجعل على كلّ باب (¬a) مرقبا كبيرا، وفي كلّ ناحية منها ملعبا ومجالس ومتنزّهات تشرف (¬b)؛ وشقّ في غربيها نهرا، وعقد عليه قناطر، وجعل من فوقها مجالس متّصلة، وحولها المنازل تدور بالخليج متّصلة بالقناطر على رياض/ مزروعة من خلفها الأجنة (¬c) والبساتين؛ وعلى كلّ باب من الأبواب أعجوبة من تماثيل وأصنام متحرّكة، وأصنام تمنع من يؤذي؛ وجعل في داخل كلّ باب صورة شيطانين من صفر، فإذا قصدها أحد من أهل الخير قهقه الشّيطان الذي عن يمنة الباب، وإن كان من أهل الشّرّ بكى الشّيطان الذي عن يسرة الباب؛ وجعل في كلّ منتزه منها من الوحش الآلفة والطّيور المغرّدة كلّ مستحسن، وفوق قباب المدينة صورا تصفّر إذا هبّت الرّياح، ونصب مرايا (¬d) ترى البلاد البعيدة؛ وبنى حذاءها في الشّرق مدينة، وجعل فيها ملاعب وأصناما بارزة في صور مختلفة، وفي وسطها بركة إذا مرّ بها الطّير سقط عليها فلا يبرح حتى يؤخذ؛ وجعل لها حصنا باثني عشر بابا، على كلّ باب تمثال يعمل أعجوبة؛ وعمل حواليها أجنّة (¬e)، وجعل بالقرب منها - في ناحية الشّرق (¬f) - مجلسا منقوشا على ثماني أساطين، وفوقه قبّة عليها طائر منشور الجناحين، يصفّر في كلّ يوم ثلاث تصفيرات: بكرة، ونصف النّهار، وعند غروب الشّمس؛ وأقام فيها أصناما وعجائب كثيرة.
وبنى مدنا كثيرة، وأقام فيها رجلا يقال له برسان، يعمل الكيمياء، وضرب منها دنانير، في كلّ دينار سبعة مثاقيل، عليها صورته.
وعاش أتريب ملكا ثلاث مائة وستين سنة، وبلغ من العمر خمس مائة سنة. وعمل له ناووس في جبل بالمشرق (¬g)، حفر له تحته سرب بطّن بالزّجاج والمرمر، وجعل على سرير من ذهب مرصّع، وحملت إليه ذخائره، وجعلوا على بابه صورة تنّين لا يدنو منه أحد إلاّ أهلكه، وسفوا عليه الرّمال، وزبروا عليه اسمه وتاريخ وقته (١).
стр. 598
وقال ابن الكندي: أربع كور بمصر ليس على وجه الأرض أفضل منها، ولا تحت السّماء لهنّ نظير: كورة الفيّوم، وكورة أتريب، وكورة سمنّود، وكورة أنصنا (١). وكورة أتريب من جملة كور أسفل الأرض، وهي مائة وثماني قرى.
وكان يقال مدائن السّحرة من ديار مصر سبع، وهي: أرمنت، وبنا، وبوصير، وأنصنا، وصان، وأتريب، وصا (٢).
ذكر مدينة تنّيس
تنّيس -
بكسر التاء المنقوطة باثنتين من فوقها وكسر النون المشدّدة وياء آخر الحروف وسين مهملة - بلدة من بلاد مصر في وسط الماء، وهي من كورة الخليج، سمّيت بتنّيس بن حام بن نوح، ويقال بناها فليمون من ولد أتريب بن قبط (¬a) أحد ملوك القبط في القديم (٣).
قال ابن وصيف شاه: وملكت بعد أتريب ابنته [تدورة] (¬b)، فدبّرت الملك وساسته بأيد وقوّة، خمسا وثلاثين سنة، وماتت. فقام بالملك من بعدها ابن أختها (¬c) فليمون الملك، فردّ الوزراء إلى مراتبهم، وأقام الكهّان على مواضعهم، ولم يخرج الأمر عن رأيهم، وجدّ في العمارات وطلب
стр. 599
الحكم. وفي أيّامه بنيت تنّيس الأولى التي غرّقها البحر، وكان بينه وبينها شيء كثير، وحولها الزّرع والشّجر والكروم، وقرى ومعاصر للخمر، وعمارة لم يكن أحسن منها (١).
فأمر الملك أن يبنى له وسطها (¬a) مجالس، وينصب له عليها قباب، وتزيّن بأحسن الزّينة والنّقوش، وأمر بفرشها وإصلاحها؛ وكان إذا بدأ النّيل يجري انتقل الملك إليها، فأقام بها إلى النّوروز ورجع.
وكان للملك بها أمناء يقسمون المياه، ويعطون كلّ قرية قسطها، وكان على تلك القرى حصن يدور بقناطر، وكان كلّ ملك يأتي يأمر بعمارة بها (¬b) والزّيادة فيها، ويجعلها له متنزّها.
ويقال إنّ الجنّتين اللّتين ذكرهما اللّه تعالى في كتابه العزيز، إذ يقول: ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ … ﴾ الآية [الآية ٣٢ سورة الكهف]، كانتا لأخوين من بيت الملك أقطعهما ذلك الموضع (٢)، فأحسنا عمارته وهندسته وبنيانه. وكان الملك يتنزّه عليهما (¬c)، ويؤتى بغرائب الفواكه والبقول، ويعمل له من الأطعمة والأشربة ما يستطيبه.
فعجب بذلك المكان أحد الأخوين، وكان كثير الضّيافة والصّدقة، ففرّق ماله في وجوه البرّ، وكان الآخر ممسكا يسخر من أخيه إذا فرّق ماله، وكلّما باع من قسمه شيئا اشتراه منه، حتى بقي لا يملك شيئا.
وصارت تلك الأجنّة (¬d) لأخيه، واحتاج إلى سؤاله، فانتهره وطرده، وعيّره بالتّبذير وقال: قد كنت أنصحك وآمرك (¬e) بصيانة مالك فلم تفعل، ونفعني إمساكي فصرت أكثر منك مالا وولدا، وولّى عنه مسرورا بماله وجنّته. فأمر اللّه (¬f) - البحر، فركب تلك القرى وغرّقها جميعها، فأقبل صاحبها يولول ويدعو بالثّبور (٣)، ﴿وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾؛ قال اللّه ﷻ : ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اَللّهِ﴾ [الآيتان ٤٢، ٤٣ سورة الكهف].
وفي زمان فليمون الملك بنيت دمياط (٤).
стр. 600
وملك فليمون تسعين سنة، وعمل لنفسه ناووسا في الجبل الشرقي، وحوّل إليه الأموال والجواهر وسائر الذّخائر، وجعل من داخله تماثيل تدور بلوالب (¬a) في أيديها سيوف، من دخل قطعته. وجعل عن يمينه ويساره أسدين من نحاس مذهّب بلوالب (¬a)، من أتاه حطّماه، وزبر عليه: هذا قبر فليمون بن أتريب بن قبطيم بن مصريم (¬b)، عمّر/ دهرا، وأتاه الموت فما استطاع له دفعا، فمن وصل إليه فلا يسلبه ما عليه، وليأخذ ممّا (¬c) بين يديه (١).
ويقال إنّ تنيس أخ لدمياط (٢).
وقال المسعوديّ في كتاب «مروج الذّهب»: وبحيرة (¬d) تنّيس كانت أرضا لم يكن بمصر مثلها استواء وطيب تربة [وثراء] (¬e)، وكانت جنانا ونخلا وكرما وشجرا ومزارع، وكانت فيها مجار (¬f) على ارتفاع من الأرض. ولم ير الناس بلدا أحسن من هذه الأرض، ولا أحسن اتّصالا من جنانها وكرومها، ولم يكن بمصر كورة يقال إنّها تشبهها إلاّ الفيّوم. وكان الماء منحدرا إليها، لا ينقطع عنها صيفا ولا شتاء، يسقون جنانهم (¬g) إذا شاءوا، وكذلك زروعهم، وسائره يصبّ إلى البحر من جميع خلجانه، ومن الموضع المعروف بالأشتوم.
وقد كان بين البحر وبين هذه الأرض مسيرة يوم، وكان فيما بين العريش وجزيرة قبرس طريق مسلوك إلى قبرس تسلكه الدّوابّ يبسا، ولم يكن بين العريش وجزيرة قبرس في البحر سير طويل، حتى علا الماء الطريق الذي كان بين العريش وبين (¬h) قبرس (٣).
فلمّا مضت لدقلطيانوس من ملكه مائتان وإحدى وخمسون سنة، هجم الماء من البحر على بعض المواضع التي تسمّى اليوم بحيرة تنّيس فأغرقته، ويزيد في كلّ عام حتى أغرقتها بأجمعها؛ فما كان من القرى التي في قرارها غرق، وأمّا الذي كان منها على ارتفاع من الأرض فبقيت منها تونة وبورا، وغير ذلك ممّا هو باق إلى هذا الوقت، والماء محيط بها.
وكان أهل القرى التي في هذه البحيرة ينقلون موتاهم إلى تنّيس، فيقبرونهم واحدا فوق واحد (¬i). وكان استحكام غرق هذه الأرض بأجمعها قبل أن تفتح مصر بمائة سنة (٤).