Полный текст (3 560 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تصدير
تعدّ المخطوطات الإسلامية السّجلّ الحافل الذي يجمع خلاصة ما أنتجه الفكر العربي والإسلامي على امتداد أربعة عشر قرنا. وكان إحياء هذه المخطوطات في عصر الطّباعة بنشرها نشرا علميّا وتوفيرها لجمهور أكبر من العلماء والباحثين والقرّاء، عملا بدأه المستشرقون ثم قام بعبئه العلماء العرب والمسلمون.
ورأت مؤسّسّة الفرقان للتراث الإسلامي أن تساهم في هذا المجال الهام بنشر بعض المخطوطات القديمة في تحقيقات جديدة تواكب ما وصل إليه علم المخطوطات الحديث، وتدفع بالقديم من تراثنا إلى طريق حضارة إنسانية شاملة.
والكتاب الذي تقدّمه المؤسّسة اليوم «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» لشيخ مؤرّخي مصر الإسلامية تقيّ الدين أبي العباس أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ/ ١٤٤٢ م، يعدّ أحد مفاخر التّراث العربي وأهمّ مصادر تاريخ مصر الإسلامية، فهو مصدر لا غنى عنه لدارسي تاريخ مصر الإسلامية وآثارها فقد حفظ لنا المقريزي في هذا الكتاب - إضافة إلى ملاحظاته الشّخصيّة - نقولا مهمّة للمؤلّفين القدماء الذين فقدت مؤلّفاتهم اليوم.
وكان الدكتور أيمن فؤاد سيّد قد قام بتحقيق مسوّدة هذا الكتاب المحفوظة في متحف طوبقبوسراي باستانبول ونشرتها له مؤسّسة الفرقان سنة ١٩٩٥، وكان للاستقبال الطّيّب الذي قوبلت به هذه النّشرة من جانب المتخصّصين والمعنيين بتاريخ وجغرافية وآثار مصر، دافعا قويّا له للإقدام على تحقيق وإخراج نصّ الكتاب كاملا بعد أن تعرّف على نسخه الأصلية، سواء مسوّدات المقريزي أو النّسخ الكاملة المنسوخة عن أصوله المكتوبة بخطّه والمحفوظة على الأخصّ في مكتبات استانبول.
وقد عهدت المؤسّسة ممثّلة في مجلس الخبراء إلى الدكتور أيمن فؤاد بالقيام بعبء إخراج هذا الكتاب، فهو من المتخصّصين في دراسة تاريخ القاهرة حيث كتب أطروحة
стр. 2
عن «عاصمة مصر حتى نهاية عصر الفاطميين»، ونشر العديد من مصادر التاريخ المصري في العصر الفاطمي، وكتب تقييما جديدا للدّولة الفاطمية في مصر، كما أنّه من خبراء علم المخطوطات وأصدر فيه كتابه «الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات».
وقام الدكتور أيمن فؤاد بتحقيق الكتاب اعتمادا على أقدم نسخ الكتاب وأهمّها المنقولة عن خطّ المؤلف، وأضاف إليه شروحا وتعليقات غنيّة اعتمادا على ما ظهر من نصوص جديدة ودراسات متخصّصة حديثة، كما قام بربط أجزاء الكتاب بعضها ببعض وخرّج معلوماته من مصادرها الأصلية. وسيقوم في الأجزاء الخاصّة بوصف المدينة ومساجدها ومدارسها وخوانقها بإضافة صور ومخطّطات لهذه المعالم الأثرية مع خرائط توضّح تطوّر نمو المدينة وأحيائها المختلفة منذ إنشائها وحتّى عصر المقريزي في منتصف القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي.
ومؤسّسة الفرقان إذ تسهم بنشر هذا الكتاب، تأمل أن تؤدّي جزءا من واجب كبير يلقى على عاتقها وعاتق المؤسّسات العلمية التي تشاركها أهدافها.
واللّه من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السّبيل.
لندن يناير ٢٠٠٢
أحمد زكى يماني
رئيس مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة المحقّق
عندما انتهيت من كتابة أطروحة دكتوراه الدّولة التي تقدّمت بها إلى جامعة باريس سنة ١٩٨٦، وكان موضوعها «عاصمة مصر حتّى نهاية العصر الفاطمي (القاهرة والفسطاط) - دراسة في إعادة تخطيطها»، ذكرت في نهاية مقدّمتها أنّه «لاستكمال الثّغرات الموجودة في دراسة تاريخ العاصمة المصرية يجب أن يدرس تطوّر المدينة بطريقة مفصّلة منذ العصر الأيّوبي وحتى عصر المقريزي في أواسط القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، ثم استكمال هذه الدّراسة ابتداء من هذا التّاريخ وحتّى عصر الحملة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، ثم إلى عصر عليّ مبارك بعد ذلك بقرن من الزّمان». وذكرت أنّ هذا المشروع الطّموح لا يمكن أن يتحقّق إلاّ بتوافر شروط ثلاثة:
١ - إخراج تحقيق علمي كامل مع شروح وتعليقات لمؤلّف المقريزي الرئيس «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار»، ولكتاب «الانتصار لواسطة عقد الأمصار» لابن دقماق، وكذلك كتب «الزّيارات» التي وصلت إلينا.
٢ - مطابقة خرائط القاهرة التاريخية التي رسمتها الحملة الفرنسية سنة ١٧٩٨ م وجراند بك Grand Bek سنة ١٨٧٤ م، وماكس هرتس باشا Max Herz Pacha سنة ١٩١٦، ومصلحة المساحة المصرية سنة ١٩٥١ م معا من ناحية، ثم مطابقة ذلك مع خريطة حديثة للقاهرة من ناحية أخرى لمعرفة التّغييرات التي طرأت على شكل العاصمة طوال قرنين من الزّمان.
٣ - تحديث التّعليقات الغنيّة التي كتبها المرحوم محمد رمزي بك في هوامش «النّجوم الزّاهرة» لأبي المحاسن يوسف بن تغري بردي والتي حدّد فيها المواضع والعمائر التي ذكرها أبو المحاسن
стр. 4
مقارنة بوضع القاهرة بين سنتي ١٩٣٣ و ١٩٤٥ م، وهي الفترة التي كتب فيها رمزي بك تعليقاته، فقد طرأت على القاهرة تغييرات ضخمة منذ كتبت هذه التّحديدات، بحيث أنّ الكثير من نقاط الاستدلال التي ذكرها قد ضاعت اليوم.
وذلك بالإضافة إلى نشر أكبر قدر ممكن من «حجج الأوقاف» المتعلّقة بالمنشآت الدينية وذات الطّابع الاجتماعي، كالمساجد والمدارس والخوانق والدّور والحمّامات والوكالات والخانات والقياسر والفنادق.
فعند اكتمال هذا المشروع - الذي يتطلّب تضافر جهود فريق من الباحثين المتخصّصين - عندئذ فقط يمكننا كتابة تاريخ كامل وحقيقي لعاصمة مصر الإسلامية.
ووجّهت إليّ لجنة المناقشة سؤالا حول الأسلوب الذي يمكن أن نحقّق به هذه الغاية، وكانت إجابتي هي إعداد جيل من شباب الباحثين يدرّب على كيفية التّعامل مع النّصوص القديمة قراءة وتحقيقا ونشرا، يشرف عليه أساتذة متخصّصون في مجال التاريخ والآثار والعمران المدني. وبعد عودتي إلى مصر لم أتمكّن من وضع هذه الفكرة الطّموح موضع التّنفيذ، لأسباب ليس هنا مجال الحديث عنها، وقرّرت أن أتولّى بنفسي وبقدر ما يتاح لي من وقت العمل على تنفيذها. ففي أثناء اشتغالي بنشر مصادر تاريخ مصر في العصر الفاطمي - التي أخرجت منها نصوصا لكلّ من المسبّحي وابن ميسّر وابن المأمون وابن الصّيرفي وابن الطّوير وابن عبد الظّاهر، أتاحت لي الفرصة لتقديم تفسير جديد لتاريخ الدولة الفاطمية في مصر، اعتمادا على هذه المصادر الجديدة، (صدر في طبعتين ١٩٩٢، ٢٠٠٠ م)، وكذلك أثناء كتابة أطروحتي في جامعة باريس، كان كتاب «الخطط» للمقريزي مصدرا لا غنى عنه لي في تقويم هذه النّصوص واستكمالها - وكلّها من مصادر المقريزي في الخطط - كما أنّه بفضل المعلومات الغنيّة التي وفّرها لنا المقريزي والتي لا نجدها في أي مصدر آخر، لم يكن من الممكن لدراستي عن العاصمة المصرية أن تتحقّق على الوجه الأكمل.
ووجدت أنّ اعتماد الباحثين - منذ ماكس فان برشم ومرورا ببول رافيس وبول كازانوفا وجورج سالمون وكريزويل وحتى حسن عبد الوهاب وأحمد فكري وسعاد ماهر وجان كلود جارسان وأندريه ريمون - على نشرة بولاق التي صدرت في سنة ١٨٥٣ هـ قد أوقعهم في كثير من الأخطاء التاريخية وجعل بعض أحكامهم يجانبها الصّواب، نظرا لكمّ التّصحيف
стр. 5
والتّخريف والسّقط الذي ملأ صفحات هذه النّشرة والتي اعتمدت على نسخ لا يمكن اعتبارها أساسا صحيحا لنشرة علمية. وقد وفّقت من خلال النّصوص التي نشرتها ومن مقابلة نصّ المقريزي بمصادره التي وصلت إلينا، في أن أصحّح الكثير من الأوهام والأخطاء التي تسرّبت إلى طبعة بولاق. وتأكّد لي بعد أن نشرت «مسودّة الخطط» المحفوظة في مكتبة خزينة بمتحف طوبقبو سراي باستانبول والتي أصدرتها لي مؤسّسة الفرقان للتّراث الإسلامي بلندن سنة ١٩٩٥، أنّه لا يمكن بحال من الأحوال أن يستمرّ اعتماد الباحثين على هذه النشرة، وأنّه لا بد أن تكون بين أيديهم نشرة صحيحة للكتاب تعتمد على أصحّ نسخ الكتاب وتوثّق معلوماته مع مصادرها المختلفة، وتحيل على أحدث الدّراسات التي تمّت عن تاريخ القاهرة وعمائرها المختلفة، وتحدّد مواضع المدينة التاريخية وتطوّرها تحديدا صحيحا على خرائط موثّقة.
واستقبل المتخصّصون - وعلى الأخصّ المستشرقون - نشرتي للمسوّدة استقبالا حفيّا، حيث كتب عنها الأساتذة Li Guo في مجلة Mamluk Studies التي تصدر في شيكاغو، و Sato Tsugitaka في مجلة Bulletin of the Society for Near Eastern Studies in Japan التي تصدر في طوكيو و G.Rex Smith في مجلة British Middle East Studies Journal التي تصدر في لندن، و H.T.Norris في مجلة Bulletin of the School of Oriental and African Studies الصادرة أيضا في لندن، و Thierry Bianquis في مجلة Bulletin Critique الصادرة عن المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة (انظرها في نهاية المقدّمة).
وقد شجّعتني كلمات التّقدير والحفاوة التي لقيتها هذه النّشرة على أن أمضي في سبيل تحقيق حلم إصدار نشرة علمية محقّقة لكتاب «المواعظ والاعتبار» للمقريزي، وخاصّة ما كتبه الدكتور Li Guo الأستاذ بجامعة نوتردام بإنديانا بالولايات المتحدة (١) الذي كتب يقول:
_________
(١) عقد الدكتور Li Guo في إطار برنامج الدّراسات العربية بجامعة نوتردام بإنديانا بالولايات المتحدة في الفترة بين ٢٨ - ٢٩ سبتمبر ٢٠٠١ ندوة موضوعها «الكتابة التاريخية العربية في العصور الوسطى: تراث المقريزي (١٣٦٤ - ١٤٤٢)» A Symposium on Medieval Arabic Historigraphy: The Legacy of Maqr؟؟؟ (١٣٦٤ - ١٤٤٢)، ساهمت فيه ببحث موضوعه «أهمية المقريزي لتاريخ مصر قبل العصر المملوكي»، وستصدر أبحاث النّدوة في عدد قادم من مجلة Mamluk Studies.
стр. 6
«Dr.Ayman Fu'a? d Sayyid is to be commended for an excellent job in bringing to light al-Maqri? zi'? s rare autograph of a draft version (musawwadah) for his all-important al-Khitat and for keeping alive the vision of eventually publishing the complete work.one can only hope that the dream will one day come true».
«الدكتور أيمن فؤاد سيّد جدير بالثّناء على عمله الممتاز في إخراج «مسوّدة» المقريزي لكتابه الهام «الخطط» إلى النّور، وإبقائه فكرة نشر عمل المقريزي كاملا حيّة في مستقبل الأيّام. ولا يملك المرء إلاّ أن يأمل في أن يصبح هذا الحلم حقيقة يوما ما».
وكنت قد عقدت العزم على إصدار نشرة محقّقة لكتاب «المواعظ والاعتبار» منذ أن أنهيت تحقيق الجزء الأربعين من «أخبار مصر» للمسبّحي بالاشتراك مع صديقي المستشرق الفرنسي تياري بيانكي Thierry Bianquis سنة ١٩٧٨. والحقيقة أنّ هذا الكتاب شغلني منذ صباي وبالتالي تاريخ القاهرة وأخبارها وعمائرها، واختمرت في ذهني هذه الفكرة أكثر عندما بدأت في كتابة أطروحتي للدكتوراه عن «تاريخ العاصمة المصرية حتى نهاية العصر الفاطمي»، إلاّ أنّ الصّعوبات التي واجهت من سبقوني في هذا المشروع، وعلى الأخصّ المستشرق الفرنسي الرّاحل جاستون قييت Gaston Wiet والأثاري الكبير عبد الرحمن عبد التّوّاب - متّعه اللّه بالصّحّة -، كادت تصرفني عن المضيّ في هذا السّبيل. ولكن الكلمات الطّيّبة التي استقبلت بها نشرتي للمسوّدة، وإجماع آراء أعضاء لجنة الخبراء بمؤسّسة الفرقان على نشر الكتاب، كانت حافزا جعلني لا أتخلّى عن تحقيق هذا الأمل، إفادة للمشتغلين بالدّراسات الأثريّة والعمرانية ودفعا للبحث في هذا الميدان خطوة إلى الأمام. فقد استقرّ في يقيني أنّ الأعمال الجماعية - وعلى الأخصّ في الشّرق - نادرا ما يكتب لها النّجاح، كما أنّ تحقيق كتاب مثل «المواعظ والاعتبار» يجب أن يتمّ من قبل شخص واحد حتّى يسود ضبطه وإخراجه فكر موحّد منسجم دون تناقضات.
стр. 7
المقريزى وكتابه المواعظ والاعتبار
كتاب «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» المعروف ب «الخطط» لتقيّ الدين أحمد بن علي المقريزي، هو بإجماع أراء الباحثين أهمّ كتاب في تاريخ مصر وجغرافيتها وطبوغرافية عاصمتها في العصر الإسلامي؛ فهو الكتاب الوحيد الذي وصل إلينا ويقدّم لنا - اعتمادا على المصادر الأصلية - عرضا شاملا لتاريخ مصر الإسلامية ولتأسيس ونموّ عواصم مصر منذ الفتح الإسلامي حتى القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، ويعدّ اليوم مصدرا لا غنى عنه للمشتغلين بدراسة آثار مصر الإسلامية. فيوفّر لنا الكتاب قائمة تفصيلية وأوصافا دقيقة للقصور والجوامع والمدارس والخوانق والحارات والأخطاط والدّور والحمّامات والقياسر والخانات والأسواق والوكالات التي وجدت في عاصمة مصر خلال تسعة قرون. وترتكز هذه القائمة في الأساس على الملاحظات الشّخصيّة للمقريزي وعلى مصادر لم تصل إلينا، فحفظ لنا المقريزي بذلك نقولا ذات شأن للمؤلّفين القدماء الذين فقدت مؤلّفاتهم اليوم.
ويدلّ على الأهمية الكبرى التي منحها المؤلّفون والكتّاب العرب لهذا الكتاب احتفاظ مكتبات العالم بعدد كبير من مخطوطاته تعدّت المائة وسبعين مخطوطة بينها خمس وثلاثين مخطوطة في مكتبات إستامبول وحدها، وهو رقم يفوق بكثير مخطوطات أي كتاب عربي آخر. وذلك بالرغم من أنّ مصحّح طبعة بولاق من الكتاب - وهي الطّبعة التي عليها اعتماد الباحثين إلى الآن - يذكر أنّ نسخ الكتاب عزيزة في الديار المصرية وهي مع قلّتها مليئة «بالتحريف الفاحش والسّقط المتفاحش والغلط المخلّ والخطأ المضجر» (١).
ولم تغب أهمية هذا الكتاب عن الباحثين في القرن التاسع عشر وتعدّت شهرته أوساط المشتغلين بالدّراسات الشرقية. وكان احتفاظ المكتبة الوطنية في باريس بعدد كبير من مخطوطات «الخطط» سببا في لفت انتباه المستشرقين له فرجعوا إليه واقتبسوا منه نقولا مطوّلة فيما كتبوه عن تاريخ مصر الإسلامية وعلى الأخصّ لويس لانجليه Louis Langles وسلفستر دي ساسي de Sacy.Silvestre عند نشره لرحلة عبد اللطيف البغدادي وفي كتابه Chrestomathie arabe وإيتيان كاترمير Etienne Quatremere وفرديناند ويستنفلد Ferdinand Wustenfeld
_________
(١) المقريزي: الخطط ٥٢٠: ٢.
стр. 8
وفي مصر كان هذا الكتاب من أوائل الكتب التي أخرجتها مطبعة بولاق التي أصدرت طبعة كاملة له في سنة ١٢٧٠ هـ/ ١٨٥٣ م، وهي نشرة لا تستحق دائما ثقة كاملة برغم الجهد الواضح الذي بذله مصحّحها الشيخ محمد عبد الرحمن قطّة العدوي المتوفى سنة ١٢٨١ هـ/ ١٨٦٤ م، فنحن لا نعرف الأصول التي اعتمدت عليها (١) مثل بقيّة الكتب التي أخرجتها مطبعة بولاق القديمة، وجاءت مليئة بالأخطاء والتّصحيف والسّقط الذي وجد في أصولها المعتمد عليها والتي حاول مصحّحها تصويبه قدر الطّاقة أو الإشارة إليه. ومع ذلك فما تزال هذه النّشرة هي الأساس الذي تعتمد عليه كلّ الدّراسات التي تتناول تاريخ عواصم مصر الإسلامية وخططها ومعالمها الأثرية في غياب أيّة نشرة أخرى محقّقة للكتاب.
وقد اعتمدت على طبعة بولاق طبعات أخرى للكتاب أضافت أوهاما وسقطا كثيرا وأخطاء طباعية إلى طبعة بولاق، وهي بذلك لا تشجّع على مراجعتها بسبب إخراجها السّيّ ء يضاف إلى ذلك نقص الترتيب لدى المقريزي نفسه في تنظيم كتابه. فللبحث عن معلومات عن أثر معيّن فإنّنا نضطر إلى مراجعة كلّ الكتاب حيث يتناول المقريزي المعلم الواحد في أماكن عديدة مختلفة وأحيانا بطريقة متعارضة أو يشوبها الغموض. فبسبب ضخامة الكتاب وطول الفترة التي يعالجها وتنوّع المصادر التي اعتمد عليها مؤلّفه نلمس دوما غياث التناسق والتسلسل المنطقي بين فصول كتابه (٢)، الأمر الذي يجعل الاستفادة من الكتاب في غياث كشّاف تحليلي مفصّل لموضوعاته وأعلامه ومواضعه ومصطلحاته أمرا عسيرا، ورغم الحاجة الملحة لهذا الفهرس فإنّه سيظل دون فائدة كبيرة في غياب نشرة علمية مصحّحة للكتاب.
وبعد الدّراسات المتعلّقة بتاريخ مصر والقاهرة التي اعتمدت على طبعة بولاق للخطط والتي قام بها في أواخر القرن الماضي كلّ من بول رافيس Paul Ravaisse وبول كازانوفا Paul Casanova وماكس فان برشم Max van Berchem وجورج سالمون Georges Salmon وروفن
_________
(١) يذكر المصحح في هامش ص ١٩ من الجزء الأول ما يدل على أنه اطّلع على عدد من النسخ يقول: «من هنا إلى قوله وقال أبو القاسم ساقطة من كثير من النسخ فلعلها من زيادة من اطلع على الكتاب» وفي هامش ص ٣٠٩ من الجزء الأول كتب: «قوله أخاه الفضل بن علي هكذا في النسخ التي بيدي … ».
(٢) يقول ابن أبي السرور البكري الذي اختصر خطط المقريزي: «فرأيته أسهب فيه غاية الإسهاب وأطنب فيه غاية الإطناب ولم يرتبه ترتيبا يسهل منه الكشف لما يريد الطالب». (قطف الأزهار (مخ. دار الكتب رقم ٤٥٧ جغرافيا) ورقة ١ ظ).
стр. 9
جست Rueven Guest، تنبّه إلى أهمية هذا الكتاب وضرورة إخراج نشرة علمية تصحّح أخطاءه وتقدّم نصّا نقيا سليما للكتاب واحد من أعلم النّاس بتاريخ مصر الإسلامية هو المستشرق الفرنسي الراحل جاستون قييت Gaston Wiet (١٨٨٧ - ١٩٧١ م) الذي بدأ في عام ١٩١١ مشروعا لإخراج نشرة كاملة محقّقة للكتاب ولكنه لم ينجز منها سوى نشرة جزئية في خمسة أجزاء تعادل الصفحات من ١ إلى ٣٢٢ من الجزء الأوّل من طبعة بولاق. ففي عام ١٩٢٧ أوقف قييت مشروعه عندما اكتشف وجود عدد ضخم من مخطوطات «الخطط» وقدّر أنّ إنجاز هذا العمل يتطلّب تعاون فريق من المتخصّصين.
وأثناء اشتغالي بنشر مصادر تاريخ مصر في العصر الفاطمي التي أخرجت منها نصوصا لكلّ من المسبّحي وابن ميسّر وابن المأمون وابن الطّوير وابن الصّيرفي، وكذلك أثناء إعداد أطروحتي في جامعة باريس عن «تاريخ العاصمة المصرية وطبوغرافيتها في زمن الفاطميين» كان كتاب «الخطط» للمقريزي مصدرا لا غنى عنه لي في تقويم هذه النّصوص واستكمالها، كما أنّه بفضل المعلومات الغنيّة التي وفّرها لنا المقريزي والتي لا نجدها في أى مصدر آخر، لم يكن من الممكن لدراستي عن العاصمة المصرية أن تتحقّق على الوجه الأكمل. وقد تمكّنت من خلال هذه النّصوص ومن مصادر المقريزي التي وصلت إلينا والمصادر الموازية الأخرى أن أصحّح الكثير من الأخطاء والأوهام التي تسرّبت إلى طبعة بولاق.
وعندما درست مسوّدة المقريزي لجزء من كتاب «الخطط»، المحفوظة في مكتبة خزينة بمتحف طوبقبو سراي باستامبول، وجدت الضّبط الصّحيح والتّصويب الكامل لكلّ الأخطاء والأوهام التي تسرّبت إلى طبعة بولاق. ورغم أنّ هذه المسوّدة تمثّل الشّكل الأوّل لتصوّر المقريزي لتأليفه للخطط وتختلف اختلافا كبيرا في ترتيبها ومصادرها وحجم المعلومات الذي تقدّمه لنا عن الإخراج الأخير للكتاب، فقد حرصت على نشرها كما هي لأنّها تعدّ نصّا من النّصوص القليلة التي وصلت إلينا والتي تفيدنا في التّعرّف على أسلوب القدماء في التأليف. فرغم أنّه وصل إلينا عدد من المؤلّفات بخطوط مؤلّفيها فإنّه نادرا ما وصلت إلينا مسوّدات المؤلّفين (١). ومن حسن الحظ فقد وجدت في متحف طويقبو سراي أيضا قسما آخر من مسوّدة الخطط يكمل القسم الذي نشرته سنة ١٩٩٥، سأشير إليه فيما يلي عند حديثي عن وصف النّسخ المستخدمة في النّشر.
_________
(١) انظر كتابي، الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات ٣٣١ - ٣٦٨.
стр. 10
وتوضّح لنا هذه المسوّدة منهج واحد من كبار علماء المسلمين ومؤرّخيهم في التّصنيف. ففي المخطوطة حذف وكشط وشطب كثير وإضافات عديدة ومطوّلة على هوامش الصّفحات وفي طيّارات بين أوراق الكتاب وتعديل لبعض النّصوص وإشارة بنقلها عند التّبييض إلى مكان آخر أليق بها، والتنبيه إلى استكمال النّقل أو الرّجوع إلى مصادر أخرى تعرّف عليها المقريزي بعد كتابته للمسوّدة.
فكان نشر مسوّدة الخطط - رغم عدم كمالها - هو السّبيل الوحيد لتقديم نصّ صحيح لقسم مختصر من كتاب «المواعظ والاعتبار» للمقريزي، وذلك انتظارا لإخراج تحقيق كامل لأهم كتاب في تاريخ مصر الإسلامية اعتمادا على أصحّ نسخة المخطوطة وأتمّها.
الكتاب ومؤلّفه
١ - موضوع الكتاب وما ألّف فيه من قبل
عرف فنّ كتابة الخطط (الطّبوغرافيا) - وهو نوع من الجغرافيا التاريخية الإقليمية - في كثير من أقطار العالم الإسلامي حيث اشتملت مقدّمات الكتب التي أرّخت للمدن الإسلامية مثل «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي و «تاريخ دمشق» لابن عساكر و «الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشّام والجزيرة» لابن شدّاد على أوصاف طبوغرافية لهذه المدن، ومع ذلك فنستطيع القول إنّ هذا الفنّ من الفنون التي اختصّت بها مصر الإسلامية ونما تطوّر بها على مدى تاريخها الطّويل، وكان له فيها تاريخ مجيد مهّد الطّريق إلى الاكتمال الذي بلغه هذا الفنّ في مؤلّف المقريزي الضّخم «المواعظ والاعتبار» الذي يعدّ بلا جدال أكبر ممثّل لنمط «الخطط».
فالكتاب أحد مفاخر التّراث العربي، فهو أشمل وأوسع كتاب كتب عن مدينة إسلامية تناول فيه مؤلّفه بطريقة تدعو إلى الإعجاب الظّواهر التاريخية والعمرانية والطّبوغرافية للمدينة، وهو بذلك يختلف عن «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي و «تاريخ مدينة دمشق» للحافظ ابن عساكر؛ فهذان الكتابان - وهما أكبر ما ألّف في تواريخ المدن - اتّبعا منهجا مخالفا، وكان غرض مؤلّفيهما هو الترجمة لمن ولد أو أقام أو دخل أو توفّي في هاتين المدينتين من الخلفاء والسّلاطين والعلماء والأدباء والشعراء والفقهاء … إلخ، (وهو ما فعله المقريزي في كتابه «المقفّى الكبير») مع مقدّمة في وصف المدينة وتخطيطها لا يمكن مقارنتها بأي حال من الأحوال بعمل المقريزي الذي بلغ
стр. 11
الذّروة بفنّ الخطط في كتابه «المواعظ»، كما أنّ المقريزي - وإن لم يكن آخر المؤلّفين في هذا المجال - إلاّ أنّه أعظمهم مكانة.
وقد ركّز المقريزي جهده الأكبر في هذا الكتاب (الأجزاء الثاني والثالث والرابع) للحديث عن العمران المدني للقاهرة التي أصبحت المركز الثقّافي والسّياسي للعالم الإسلامي في وقته، وفي هذا الإطار عرّف المقريزي تعريفا مفصّلا بكلّ ما يتّصل بمسقط رأسه القاهرة، فلم يترك أثرا أو مؤسّسة إلاّ وصفه بدقّة متناهية وحكى بإسهاب تاريخ بنائه وما طرأ عليه من تغييرات، كما روى سير حياة الأمراء والكبراء الذي باشروا بناءه أو أقاموا فيه، ودوّن كذلك الأحداث المهمّة التي اقترنت بهذه المنشآت والتّقاليد والعادات والرّسوم المتعلّقة بها، حتى أنّه «لا توجد - كما يقول كاترمير Quatremere - مدينة شرقية يمكن أن تفخر بمؤلّف يبلغ مرتبة «الخطط» من حيث الاكتمال والطّرافة كما هو الحال مع القاهرة» (١).
فالكتاب كتاب مؤسّس في التاريخ العمراني وأوّل كتاب متخصّص في تاريخ مدينة، لا يوجد كتاب أقدم منه، فكتاب «تاريخ فلورنسه» وهو أوّل كتاب في تاريخ المدن في أوروبا، كتب سنة ١٤٨٠ م أي بعد وفاة المقريزي بنحو أربعين عاما.
كتب الخطط قبل المقريزي
ذكر المقريزي في مقدّمته لكتاب «المواعظ والاعتبار» أسماء أهمّ المؤلّفين الذين ألّفوا قبله في موضوع الخطط المصرية والذين اعتمد عليهم في جمع المادّة التاريخية والطّبوغرافيّة لكتابه. ورغم أنّ المقريزي يقول: «إنّ أوّل من رتّب خطط مصر وآثارها، وذكر أسبابها في ديوان جمعه أبو عمر محمد بن يوسف الكندي» (٢) المتوفى سنة ٣٥٠ هـ/ ٩٦١ م (٣) فإنّ أبا القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم المتوفى قبل الكندي بنحو مائة عام في سنة ٢٥٧ هـ/ ٨٧٠ م (٤) أفرد في كتابه
_________
(١) Quatremere، E.، Journal des Savants، ١٨٥٩، p. ٣٢٦.؛ كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي ٤٨٢؛ وانظر كذلك مقال ناصر الرباط: «المدينة والتاريخ والسلطة: المقريزي وكتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»، حوليات إسلامية ٣٥ (٢٠٠١)، ٧٧ - ١٠٠.
(٢) المقريزي: المواعظ والاعتبار فيما يلي ٩.
(٣) راجع عن الكندي، محمد عبد اللّه عنان: مصر الإسلامية ٣٢ - ٣٤، Rosenthal، F.، EL.، art.al- Kindi? v، p. ١٢٤.
(٤) راجع عنه Rosenthal، F.، El.، art.Ibnc? Abd al-Hakam lll، p. ٦٩٦ و «دراسات عن ابن عبد الحكم» للفيف من الأساتذة، القاهرة ١٩٧٥.
стр. 12
«فتوح مصر وأخبارها» فصلا وصف فيه خطط الفسطاط والجيزة والإسكندرية، وقد أشار المقريزي نفسه إلى ذلك عرضا في أحد مواضع كتابه (١).
ولم يصل إلينا كتاب الكندي في الخطط، وإنّما وصل إلينا من مؤلّفاته كتابان هما: «تسمية ولاة مصر» و «تسمية قضاة مصر» اللذين نشرهما روفن جست Rueven Guest باسم «كتاب الولاة وكتاب القضاة» (٢)، وفي الكتاب نبذ يسيرة عن بعض خطط الفسطاط ومنشآتها الأولى ترد في سياق الكلام. وتناول الكندي ذكر خطط الفسطاط ومعالمها في مؤلّفات فقدت اليوم، منها:
كتاب «أخبار مسجد أهل الرّاية الأعظم» (٣) وهو تاريخ المسجد الجامع الذي أنشأه عمرو بن العاص في وسط خطّة أهل الرّاية، وكتاب «الجند الغربي» أو «الأجناد الغرباء» (٤) الذي رجع إليه المقريزي أغلب الظّنّ من خلال مؤلّف القضاعي في «الخطط»، وكذلك «كتاب الخندق» الذي نقل عنه المقريزي سطرين حدّد فيهما تفاصيل غير مهمة (٥).
ومع قدوم الفاطميين إلى مصر وتأسيسهم مدينة القاهرة لتكون عاصمة لخلافتهم في سنة ٣٥٨ هـ/ ٩٦٩ م ازدهر نمط التأليف في الخطط على يد بعض كبار مؤرّخيها استمرّوا في وصف خطط الفسطاط التي كانت طوال العصر الفاطمي هي العاصمة التجارية والاقتصادية للبلاد (Metropole)، ولم يكتبوا شيئا يذكر عن خطط القاهرة المدينة الجديدة العاصمة السّياسية والإدارية التي يقيم بها الخليفة وخاصّته. فكتب أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسين المعروف بابن زولاق المتوفى سنة ٣٨٦ هـ/ ٩٩٦ م (٦) كتابه «خطط مصر» وهو مفقود منذ زمن بعيد، ولم يذكره المقريزي في مقدّمته التي ذكر فيها مؤلّفي الخطط المصرية، ولكن ابن خلّكان ذكر كتابه هذا وربّما اطّلع عليه وقال إنّه «استقصى فيه» (٧). ويرى الأستاذ عبد اللّه عنان أنّ ابن زولاق ربما استقصى فيه إلى جانب خطط الفسطاط، خطط العسكر والقطائع بل لعلّه
_________
(١) المقريزي: الخطط ٢٨٢: ٢.
(٢) في مجموعة جب التذكارية GMS بيروت - ليدن ١٩٠٨ - ١٩١٢.
(٣) المقريزي: الخطط ٢٤٦: ٢ س ١٨، ٢٤٧ س ٣٧.
(٤) نفسه ١٣: ٢ س ٢ - ٧.
(٥) نفسه ١٦٣: ٢ س ٢٦.
(٦) راجع عنه، ياقوت: معجم الأدباء ٢٢٥: ٧ - ٢٣٠؛ ابن خلكان: وفيات الأعيان ٩١: ٢ - ٩٣؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٣٧٠: ١١؛ ابن الزيات: الكواكب السيارة ٦٣؛ المقريزي: المقفى الكبير ٢٨٤: ٣ - ٢٨٦؛ ابن حجر: لسان الميزان (حيدرآباد) ١٩١: ٢؛ Gottheil، R.، «Al-Hasan ibn Ibra? hi? m ibn Zu? la? k»، JAOS ٢٨ (١٩٠٧)، pp.
٢٥٤ - ٢٧٠؛ Sezgin، F.، GASI، ٣٥٩; El ٢?.، art.Ibn Zu? la? k lll، ١٠٠٣.
(٧) ابن خلكان: وفيات الأعيان ٩١: ٢.
стр. 13
تناول أيضا إنشاء القاهرة المعزّيّة، فيكون بذلك أوّل مؤرّخ لخططها (١).
وفي زمن خلافة المستنصر باللّه زار مصر بين سنتي ٤٣٩ - ٤٤٢ هـ/ ١٠٤٨ - ١٠٥٠ م الرّحّالة الفارسي الشّهير ناصر خسرو الذي وصف في رحلته المعروفة ب «سفرنامة» (٢) المدن المصرية التي مرّ بها ابتداء من المدخل الشّمالي لمصر وحتى أسوان وعيذاب في الجنوب وصفا دقيقا، ويحوي وصف ناصر خسرو للقاهرة والفسطاط الكثير من التّفصيلات عن أسماء حارات القاهرة وأبوابها والقصر الفاطمي، كما أنّ وصفه للمسجد الجامع في الفسطاط وأسواقها والاحتفالات التي كانت تتمّ في هذه الأيام وصف غني بالتفاصيل (٣). وهذه الرّحلة - التي دوّنها مؤلّفها بالفارسية - لم يعرفها المؤرّخون المصريون المتأخّرون.
وإلى هذه الفترة يرجع أهمّ مصدر رجع إليه المؤلّفون المتأخّرون في تسجيل خطط الفسطاط الأولى حيث كتب أبو عبد اللّه محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي المتوفى سنة ٤٥٤ هـ/ ١٠٦٢ م (٤) كتابه «المختار في ذكر الخطط والآثار». وقد كتب القضاعيّ كتابه قبل سنيّ الشّدّة المستنصرية التي غيّرت الكثير من معالم مصر الفسطاط، لذلك يقول المقريزي إنّه قد «دثر أكثر ما ذكراه - أى الكندي والقضاعي - ولم يبق إلاّ يلمع أو موضع بلقع ممّا حلّ بمصر من سنيّ الشّدّة المستنصرية من سنة سبع وخمسين إلى سنة أربع وستين وأربع مائة من الغلاء والوباء، فمات أهلها وخربت ديارها وتغيّرت أحوالها، واستولى الخراب على عمل فوق من الطّرفين بجانبي الفسطاط الغربي والشّرقي؛ فأمّا الجانب الغربي فمن قنطرة بني وائل حيث الورّاقات الآن قريبا من باب القنطرة خارج مدينة مصر إلى الشّرف المعروف الآن بالرّصد وأنت مارّ إلى القرافة الكبرى، وأمّا الشّرقي فمن طرف بركة الحبش التي تلي القرافة إلى نحو جامع أحمد بن طولون» (٥).
_________
(١) محمد عبد اللّه عنان: مصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية ٣٥.
(٢) أول من ترجم هذه الرحلة المستشرق الفرنسي شيفر نقلها إلى الفرنسية سنة ١٨٨١ Schefer، Ch.، Relation du voyage de Nassiri Khosrau، Paris ١٨٨١.، ثم نقلها إلى العربية الدكتور يحيى الخشاب ونشرت ثلاث مرات الأولى في القاهرة (لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٩٤٥) والثانية في بيروت (دار الكتاب الجديد ١٩٧٢) ثم في القاهرة سنة ١٩٩٣.
(٣) انظر أيمن فؤاد سيد: «دراسة نقدية لمصادر تاريخ الفاطميين في مصر»، دراسات عربية وإسلامية مهداة إلى محمود محمد شاكر، القاهرة ١٩٨٢، ١٤٥ - ١٤٦.
(٤) راجع ترجمته عند، ابن خلكان: وفيات الأعيان ٢١٢: ٤ - ٣١٣؛ السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ١٥٠: ٤؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ١١٦: ٣؛ عنان: مصر الإسلامية ٣٧ - ٣٩.
(٥) المقريزي: المواعظ والاعتبار فيما يلي ٩.
стр. 14
ويضيف المقريزي: «ثم دخل أمير الجيوش بدر الجمالي مصر في سنة ستّ وستين وأربع مائة، وهذه المواضع خاوية على عروشها خالية من سكّانها وأنيسها، قد أبادهم الوباء واليباب وشتّتهم الموت والخراب ولم يبق بمصر إلاّ بقايا من النّاس كأنّهم أموات قد اصفرّت وجوههم وتغيّرت سحنهم من غلاء الأسعار وكثرة الخوف من العسكرية وفساد طوائف العبيد والملحيّة، ولم يجد من يزرع الأراضي؛ هذا والطّرقات قد انقطعت برّا وبحرا إلاّ بخفارة وكلفة كبيرة. وصارت القاهرة أيضا يبابا دائرة، فأباح للنّاس من العسكرية والملحيّة والأرمن وكلّ من وصلت قدرته إلى عمارة أن يعمر ما شاء في القاهرة ممّا خلا من دور الفسطاط بموت أهلها، فأخذ الناس في هدم المساكن ونحوها بمصر وعمرّوا بها في القاهرة وكان هذا أوّل وقت اختطّ النّاس فيه بالقاهرة» (١).
يتّضح ممّا ذكره المقريزي أنّ اهتمام القضاعي - مثل سابقيه - انصبّ على الفسطاط العاصمة التجارية لمصر ومركز نشاطها العلمي والاقتصادي، فقد كانت القاهرة حتى هذا الوقت مدينة خاصّة ولم يبحها بدر الجمالي بعد أن وصل إلى مصر إلاّ لبعض فرق الجند نتيجة خراب الفسطاط وهجرة أهلها لها. وقد دثر أكثر ما ذكره الكندي والقضاعي من خطط الفسطاط أوّلا بسبب الشّدّة العظمى ثم بسبب حريق الفسطاط المتعمّد سنتي ٥٥٩ هـ/ ١٠٦٤ م و ٥٦٤ هـ/ ١٠٦٨ م (٢) وأخيرا بسبب انتقال ميناء القاهرة في القرن التاسع من الفسطاط إلى بولاق شمال القاهرة (٣).
وزالت معالم الفسطاط تماما في القرن التاسع الهجري؛ وذلك رغم أنّ «أكثر بناء الفسطاط كان بالآجرّ المحكوك والجبس والجير من أوثق بناء وأمكنه وآثاره الباقية تشهد له بذلك» كما يقول القلقشندي (٤) الذي يضيف: «وإذا نظرت إلى خطط الكندي والقضاعي والشّريف النّسّابة عرفت ما كان الفسطاط عليه من العمارة وما صار إليه الآن» (٥).
وقد كانت معرفة الكندي والقضاعي بخطط مصر والفسطاط معرفة كبيرة حتى قال عنهما المقريزي: «وناهيك بهما معرفة لآثار مصر وخططها» (٦) وأضاف قائلا: «وعليهما
_________
(١) المقريزي: المواعظ والاعتبار فيما يلي ٩ - ١٠.
(٢) نفسه ٣٣٧: ١ - ٣٣٩ Kubiak، W.، «The burning of misr al-fusta? t in ١١٦٨.a Reconsideration of Historical Evidence»، Africana Bulletin XXV (١٩٧٩)، pp. ٥١ - ٦٤; Fu'a? d Sayyid، A.، La capitale de I'egypte jusqu'a? l'epoque fatimide، pp. ٦٦٦ - ٦٧٦.
(٣) Garcin، J.Cl.، «La «Mediterranesation» de I'empire mamelouk sous les sultans bahrides»، RSOXL VIII (١٩٧٣ - ٧٤)، p. ١١٤.
(٤) القلقشندي: صبح ٣٣٤: ٣.
(٥) نفسه ٣٣٤: ٣.
(٦) المقريزي: الخطط ٢٨٢: ٢ - ٢٨٣.
стр. 15
يعوّل في معرفة خطط مصر ومن قبلهما ابن عبد الحكم» (١).
وظلّ كتاب «الخطط» للقضاعي متداولا بين العلماء حتى العقود الأولى من القرن العاشر الهجري؛ فالسّيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م يذكر أنّه نقل رواية فتح مصر في كتابه «حسن المحاضرة» من نسخة من كتاب الخطط للقضاعي بخطّ القضاعي (٢).
ويذكر المقريزي بعد ذلك أنّ المنبّه على الخطط والتّعريف بها بعد القضاعي هو تلميذه أبو عبد اللّه محمد بن بركات بن هلال النّحوي المصري المتوفى سنة ٥٢٠ هـ/ ١١٢٦ م عن عمر يناهز المائة (٣)، فقد صنّف ابن بركات النّحوي كتابا في الخطط لم يصل إلينا وقف عليه المقريزي بخطّ محمّد بن أسعد الجوّاني (٤) وقال عنه إنّه «تأليف لطيف نبّه فيه الأفضل أبا القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي على مواضع قد اغتصبت وتملّكت بعد ما كانت أحباسا» (٥)، ولا شكّ أنّ ذلك كان بعد ما أصاب النّاس من سني الشّدّة ممّا دفعهم إلى اغتصاب المواضع التي وصلت إليها أيديهم بعد فقدهم لممتلكاتهم واضطرارهم إلى ترك منازلهم والانتقال بعيدا عنها، ومع ذلك فإنّ المقريزي لا يشير إلى أي نقل اقتبسه عن كتاب ابن بركات النّحوي.
وتبعا لما ذكره المقريزي أيضا فإنّ آخر من ألّف في الخطط في زمن الفاطميين هو الشّريف النّسّابة أبو عبد اللّه محمد بن أسعد بن عليّ بن الحسين المازاندراني المعروف بالشّريف الجوّاني المتوفى سنة ٥٨٨ هـ/ ١٠٩٢ م نقيب الأشراف بمصر ومؤلّف العديد من المصنّفات وخاصّة في النّسب (٦). فقد ألّف الشّريف الجوّاني إلى جانب هذه المصنّفات كتابا في الخطط عنوانه «النّقط لعجم ما أشكل من الخطط» قال عنه المقريزي: «نبّه فيه على معالم قد جهلت وآثار قد دثرت» (٧) وكان أكثر اهتمام الجوّاني مثل سابقيه بخطط الفسطاط (٨). وقد وقف المقريزيّ على خطط
_________
(١) القريزي: الخطط ٢٨٢: ٢.
(٢) السيوطي: حسن المحاضرة ١٢٧: ١.
(٣) راجع عنه، العماد الكاتب: خريدة القصر (قسم مصر) ٤٢: ٢ - ٤٣؛ ياقوت: معجم الأدباء ٣٩: ١٨؛ ابن سعيد: النجوم الزاهرة ٣١٠؛ الصفدي: الوافي ٢٤٧: ٢؛ المقريزي: المقفى الكبير ٤٢٦: ٦ - ٤٣١؛ Brockelmann، GAL SII، ٩٨٧.
(٤) المقريزي: المقفى الكبير ٤٣١: ٦.
(٥) المقريزي: المواعظ والاعتبار فيما يلي ١٠.
(٦) راجع ترجمته عند، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٠٢: ٢؛ ابن حجر: لسان الميزان ٧٤: ٥؛ العماد الكاتب: خريدة القصر (قسم مصر) ١١٧: ١؛ المقريزي: المقفى الكبير ٣٠٦: ٥ - ٣٠٨؛ Brockelmann.، GAL SII، ٦٢٦، وما كتبه العلامة محمود محمد شاكر ﵀ في مقدمة «جمهرة نسب قريش وأخبارها» للزبير بن بكار، القاهرة - مكتبة دار العروبة ١٣٨١ هـ، ٣٢ - ٥١.
(٧) المقريزي: المواعظ والاعتبار فيما يلي ١٠.
(٨) القلقشندي: صبح ٣٣٤: ٣.
стр. 16
الجوّاني بخطّه يقول: «هكذا هو بخطّ الشّريف محمّد بن أسعد الجوّاني النّسّابة وهو أقعد بخطط مصر وأعرف من ابن سعيد» (١).
وبسقوط خلافة الفاطميين في مصر واستيلاء الأيّوبيين السّنّيين على مقاليد الأمور سنة ٥٦٧ هـ/ ١١٧٢ م فقدت القاهرة الكثير من خصوصيّتها و «صارت مدينة سكنى بعد ما كانت حصنا يعتقل به ودار خلافة يلتجأ إليها، فهانت بعد العزّ وابتذلت بعد الاحترام» (٢) فقد «غيّر السّلطان الملك النّاصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب كثيرا ممّا كانت عليه وصيّرها مدينة وبلدا يسكنه جمهور النّاس وعامّتهم، وتهدّمت القصور وزالت معالمها وتغيّرت معاهدها، وصارت القاهرة خططا وحارات وشوارع ومسالك وأزقّة» (٣). ونقل الأيّوبيون مركز الحكم إلى قلعة حصينة شيّدوها على الهضبة المتقدّمة من جبل المقطّم ليتمكّنوا من خلالها من الإشراف على القاهرة والفسطاط معا. وعهد صلاح الدين ببناء القلعة والسّور الحجر الذي يرطبها بالفسطاط والقاهرة إلى بهاء الدين قراقوش الذي أتمّ أكبر قسم منها في سنة ٥٧٩ هـ/ ١١٨٣ م، ولكنّ هذا السّور الذي كان سيجمع القاهرة ومصر الفسطاط وقلعة الجبل في نطاق واحد لم يتهيّأ إتمام بنائه أبدا وظلّت هناك مواضع لم يتّصل فيها السّور (٤).
وقد تميّز العصر الأيّوبي بإقامة عدد من المنشآت الدينية والاجتماعية في القاهرة والفسطاط منها أوّل خانقاه للصّوفيّة وهي «خانقاه سعيد السّعداء» شمال القصر الفاطمي الكبير، وعدد من «المدارس» التي كانت ضرورية لإتمام حركة الإصلاح السّنّي الذي بدأه منذ قرن السّلاجقّة ثم خلفاؤهم الزّنكيّون والنوريّون وأتمّه الأيّوبيون في مصر بالقضاء على الخلافة الفاطمية الشّيعية، وقد بلغ عدد المدارس التي أقامها الأيوبيون في القاهرة والفسطاط ثلاث وعشرين مدرسة (٥).
ولا نصادف في زمن الأيّوبيين من يهتم بالكتابة في خطط مصر والقاهرة، فقد غلب على عصرهم الطّابع الحربي ومواجهة القوى الصّليبية (الفرنج) الغاشمة التي هدّدت الشّرق الإسلامي بأثره، وكان للأيّوبيين فضل الذّود عن ديار الإسلام أمام حملات الفرنج المتتالية وتقليص ممالكهم التي أقاموها في مدن بلاد الشّام السّاحلية والشّمالية واسترداد بيت المقدس.
_________
(١) المقريزي: الخطط ٢٨٨: ١.
(٢) نفسه ٣٤٨: ١ و ٣٦٤.
(٣) المقريزي: مسودة المواعظ ٥٨.
(٤) نفسه ٤٣.
(٥) المقريزي: اتعاظ الحنفا ٣١٩: ٣، ٣٢٠، الخطط ٣٦٢: ٢ - ٤٠٥، Fu'ad Sayyid، A.، op.cit.، pp. ٥٦٤، ٥٨٠ - ٥٨٦؛ وانظر كذلك كتاب «تاريخ المدارس في مصر الإسلامية»، سلسلة تاريخ المصريين رقم ٥١، القاهرة ١٩٩٢.
стр. 17
ولكن وصل إلينا من هذه الفترة كتاب لكاتب نصراني ذكر فيه أديرة مصر وكنائسها وأحياء الأقباط بها. وإلى عهد قريب كان هذا الكتاب ينسب إلى مؤرّخ يدعى أبو صالح الأرمنيّ وهو اسم مضاف بخطّ مخالف على النّسخة المحفوظة في باريس والتي نشرها Evetts في أكسفورد سنة ١٨٩٥ وتشتمل فقط على الجزء الثاني من الكتاب (١). ولكنّ نسخة خطيّة كاملة كانت في ملك أحد أقباط طنطا (٢) أطلع عليها علي باشا مبارك الذي استفاد منها كثيرا في الجزء السّادس من خططه وهو يتكلّم عن كنائس القاهرة (٣) تثبت أنّ مؤلّف الكتاب هو المؤتمن أبو المكارم سعد الله بن جردس بن مسعود (٤) لا أبو صالح الأرمنيّ. وللأسف الشّديد فقد تسرّبت هذه النّسخة إلى خارج مصر (٥)، واستقرّت الآن في مكتبة Bayerische Stantsbibliothek في ميونخ برقم ٢٥٧٠. ولم يتعرّف المؤرّخون المصريّون المتأخّرون قبل علي مبارك على هذا الكتاب.
كذلك فقد تردّد على مصر في العصر الأيّوبي عدد من الرّحالة المغاربة والبغداديين قدّموا لنا أوصافا هامّة عن تخطيط المدينة ووصف معالمها ومؤسّساتها الدينية وذات الطّابع الاجتماعي مثل أبو الحسين محمد بن أحمد الكتامي المعروف بابن جبير المتوفى سنة ٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م وموفّق الدين عبد اللّطيف بن يوسف بن محمد البغدادي المعروف بعبد اللطيف البغدادي المتوفى سنة ٦٢٩ هـ/ ١٢٣١ م، وعلي بن سعيد المغربي المتوفى سنة ٦٨٥ هـ/ ١٢٨٦ م الذي زار القاهرة وأقام فيها مدّة في آخر دولة الأيّوبيين وأوّل دولة المماليك.
_________
(١) The Churches and Monasteries of Egypt and some Neighbouring Countries attributed to Abu? Sa? lih the Armenian، edited and translated by B.T.A.Evetts with added notes by Alfred J.
Butler، Oxford ١٨٩٥.
(٢) Iscarous، T.، «Un nouveau manuscrit sur les eglises et monasteres de l'Egypte au Xiieme?
siecle» dans Congres International de Geographie-avril ١٩٢٥، Le Caire ١٩٢٦، V، pp.
٢٠٧ - ٢٠٨.
(٣) علي مبارك: الخطط التوفيقية الجديدة لمصر والقاهرة (الطبعة الثانية) ٢١٦: ٦، ٢١٩، ٢٢٠، ٢٢٤، ٢٢٦.
(٤) أبو المكارم: تاريخ الكنائس والأديرة في القرن الثاني عشر ٤: ١؛ وانظر كذلك Aziz S.Atiya، CEart.Abu Al-Makarim I، p. ٢٣&Abu? Sa? lih I، p. ٣٣; Den Heijer، J.،. «The Composition of the Churches and Monasteries of Egypt: Some Preliminary Remark» in S.D.W.Johnson ed.، Acts of the Fifth International Congress of Coptic Studies، Roma ١٩٩٣.II/ l، pp. ٢٠٩ - ١٩; Zanetti، U.، «Abul Maka? rim et Abu Sa? lih»، BSACXXXIV (١٩٩٥)، pp. ٨٥ - ١٣٨.
(٥) بعد أن حصل الراهب صمويل السرياني على صورة للمخطوط نشر عنها الكتاب في طبعة نسخها بخطه بعنوان: تاريخ الكنائس والأديرة في القرن الثاني عشر في جزأين سنة ١٩٨٤.
стр. 18
وعندما وصل المماليك إلى قمّة السّلطة في مصر أخذ اتّساع القاهرة ونموّها شكلا جديدا حيث أصبحت مصر مركز الجذب السّياسي والثّقافي للعالم الإسلامي بعد سقوط بغداد وانتقال الخلافة العبّاسية إلى القاهرة، ونتج عن ذلك زيادة في عدد سكّان مصر بسبب نزوح العديد من اللاّجئين الذين فرّوا إليها من الشّرق أمام الغزو المغولي واستقرّوا في أطراف القاهرة ممّا أدّى إلى امتداد العمران إلى منطقة الحسينيّة شمال القاهرة الفاطمية حيث أسّس الظّاهر بيبرس جامعه الكبير في سنة ٦٦٥ هـ/ ١٢٦٦ م (١)، وإلى أراضي اللّوق على الجانب الغربي للخليج حيث أنزل بها الظّاهر بيبرس قسما من جيش هولاكو الذي فرّ إلى مصر سنة ٦٦٠ هـ/ ١٢٦١ م (٢)، وكذلك عند السّبع سقايات بالقرب من قناطر السّباع فقد أحيت هذه القناطر، التي أقامها الظّاهر بيبرس في منطقة السّيّدة زينب الحالية لتربط جانبيّ الخليج، هذه المنطقة (٣). وتمثّل سلطنة الملك الظّاهر بيبرس مرحلة هامّة في مراحل نموّ مدينة القاهرة وتجسيدا مسبقا للانفجار العمراني الذي عرفته المدينة في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي (٤).
وقد بلغت القاهرة أقصى اتّساع لها في زمن سلطنه الملك النّاصر محمد بن قلاوون الذي تولّى السّلطنة ثلاث مرّات في الفترة بين سنتي ٦٩٣ هـ/ ١٢٩٣٣ م و ٧٤١ هـ/ ١٣٤١ م، فمعاصره ابن فضل اللّه العمري يذكر أنّ حاضرة مصر في وقته كانت تشتمل على ثلاث مدن عظام صارت كلّها مدينة واحدة هي: الفسطاط والقاهرة وقلعة الجبل (٥). فإلى زمن سلطنة النّاصر محمد بن قلاوون ترجع أهمّ منشآت القلعة: الجامع والقصر الأبلق والإيوان والقصور الجوّانية والسّبع قاعات والطّبلخاناه تحت القلعة والميدان وقناطر مجرى العيون (٦). كما أدّى حفر النّاصر محمد في سنة ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٤ م للخليج النّاصري، الذي كان يستمد ماءه من النّيل إلى الشّمال من فمّ
_________
(١) المقريزي: الخطط ٢٩٩: ٢ - ٣٠٠، - Behrens Abouseif، D.، «The North-Eastern extension of Cairo under the Mamlukes»، An.ISI.XVll (١٩٨١)، pp. ١٥٧ - ١٩٠.
(٢) نفسه ١١٧: ٢؛ أبو المحاسن: النجوم ١٩٠: ٧.
(٣) نفسه ١١٦: ٢.
(٤) Garcin، J.Cl.، Hablitat Medieval et histoire urbaine a Fustat et au Caire، p. ١٦٣.
(٥) ابن فضل اللّه العمري: مسالك الأبصار (ممالك مصر والشام والحجاز واليمن) ٢٠، ٧٩. ويلاحظ أن العمري اعتبر قلعة الجبل وهي مقر الحكم مدينة مثلما كانت تعد القاهرة في زمن الفاطميين رغم كونها حصنا مسورا ومقرا للخلفاء الفاطميين.
(٦) انظر ابن أيبك: كنز الدرر ٣٨٨: ٩ - ٣٩١؛ المقريزي: السلوك ٥٣٧: ٢ - ٥٤٥؛ أبا المحاسن: النجوم ١٧٨: ٩ - ٢١٠؛ كازانوفا: تاريخ ووصف قلعة القاهرة ١١٥ - ١٥١.
стр. 19
الخليج في مواجهة الحدّ الشّمالي لجزيرة الرّوضة ويسير موازيا للخليج حتى يلتقي به شمال جامع الظّاهر بيبرس، أدّى ذلك إلى حكر العديد من الأراضي الواقعة بين الخليجين وبين الخليج النّاصري والنّيل ومنحها إلى الأمراء الذين أقاموا عليها بعض المباني (١) التي صارت نواة لعمران هذه المنطقة الذي اكتمل في العصر العثماني.
يقول المقريزي إنّ العمارة تزايدت في أيّام النّاصر محمد بن قلاوون بالقاهرة وضواحيها إلى أن كادت تضيق عن أهلها حتى حلّ بهما وباء سنة تسع وأربعين وسبع مائة المعروف ب «الوباء الأسود» وب «الفناء الكبير» والذي اجتاح أيضا شعوب حوض البحر المتوسّط واستمرّ لمدّة خمس عشرة سنة. وقد أدّى هذا الوباء إلى حدوث انخفاض شديد في عدد سكّان مصر، كذلك فقد حدث انخفاض آخر في عدد سكّان مصر في أعقاب الوباء الذي صاحب غلاء سنة ٧٧٦ هـ/ ١٣٧٤ م ودام نحو سنتين (٢).
وفي النّصف الثاني من القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي ظهرت العديد من المشاكل السّياسية الجسيمة التي ساعدت على تفاقم الوضع. حقيقة أنّ وراثة الحكم ظلّت لفترة طويلة في أولاد النّاصر محمد بن قلاوون حيث تولّى منهم اثنا عشر ابنا وحفيدا بين سنتي ٧٤١ هـ/ ١٣٤١ م و ٧٨٤ هـ/ ١٣٨٢ م، كان بينهم، وقت تولّيهم السّلطنة، أطفال ومراهقون ممّا أدّى إلى ازدياد نفوذ كبار الأمراء باستثناء الفترة التي حكم فيها النّاصر حسن والأشرف شعبان. وفي الوقت نفسه فقد كان هؤلاء الأمراء أمثال: شيخو وصرغتمش وطاز ويلبغا من كبار المشيّدين.
ورغم الكوارث التي عبرتها مصر ابتداء من عام ٧٤٩ م/ ١٣٤٨ م فقد تمكّن السّلطان النّاصر حسن في الفترة التي تولّى فيها تحت وصاية كبار الأمراء الذين عزلوه لمدّة ثلاث سنوات ثم أعادوه مرّة ثانية، من بناء جامعه تحت القلعة بين سنتي ٧٥٧ هـ/ ١٣٥٦ م و ٧٦١ هـ/ ١٣٦٠ م وهو من أعظم المباني في ديار الإسلام يقول المقريزي: «لا يعرف في بلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحكي هذا الجامع وأقامت العمارة فيه مدّة ثلاث سنين لا تبطل يوما واحدا وأرصد لمصروفها في كلّ يوم عشرون ألف درهم عنها نحو ألف مثقال ذهبا» (٣).
_________
(١) المقريزي: الخطط ١٣١: ٢ ومسوّدة المواعظ ٦٢ - ٦٣.
(٢) المقريزي: الخطط ٣٣٩: ١، إغاثة الأمة ٤٠ - ٤١؛ أبو المحاسن: النجوم ٦٦: ١١ والمسودة ١١، ٣٦، ٦١.
(٣) المقريزي: الخطط ٣١٦: ٢، السلوك ٦٣: ٣.
стр. 20
وظلّ الأمر كذلك إلى أن تمكّن أحد كبار الأمراء من الوثوب إلى الحكم والإطاحة ببقيّة بيت قلاوون هو برقوق الذي أسّس أسرة حاكمة جديدة سنة ٧٨٤ هـ/ ١٣٨٢ م عرفت ب «المماليك الشّراكسة» أو «البرجيّة» (١). ولم يكن من الممكن لهذا التغيير أن يمنع حدوث التّدهور الذي عرفته مصر في نهاية القرن الثامن ومطلع القرن التاسع الهجري الذي كان من الصّعب تداركه.
***
وإذا كان كلّ مؤلّفي الخطط السّابق ذكرهم خصّصوا مؤلّفاتهم للحديث عن خطط الفسطاط، فإنّ أوّل مؤلّف يضع كتابا في وصف خطط القاهرة كان القاضي محيي الدين أبو الفضل عبد اللّه بن رشيد الدين عبد الظّاهر بن نشوان السّعدي المصري المعروف بابن عبد الظّاهر المتوفى سنة ٦٩٢ هـ/ ١٢٩٣ م (٢) والذي تعدّ مؤلّفاته المصادر الأساسية لفترة حكم الظّاهر بيبرس والمنصور قلاوون والأشرف خليل، فقد عاصر هؤلاء السّلاطين وكان كاتب السّرّ عندهم (٣). وقد ألّف ابن عبد الظّاهر في تاريخ خطط القاهرة كتابه «الرّوضة البهيّة الزّاهرة في خطط المعزّيّة القاهرة» قال المقريزي: «فتح فيه بابا كانت الحاجة داعية إليه» (٤). وسأفصّل الحديث عن هذا الكتاب عندما أتناول دراسة مصادر المقريزي في المجلّد الثّاني.
وفي الوقت نفسه كان هناك من لا يزال يصف خطط الفسطاط يقول المقريزي أيضا:
«وآخر ما رأيت من الكتب التي صنّفت في خطط مصر كتاب «إيقاظ المتغفّل واتّعاظ المتأمّل» تأليف القاضي الرّئيس تاج الدين محمد بن عبد الوهّاب بن المتوّج الزّبيري - رحمه
_________
(١) المقريزي: السلوك ٤٧٦: ٣ - ٤٨٠؛ أبو المحاسن: المنهل الصافي ٢٨٥: ٣ - ٣٤٢؛ Wiet، G.، El ٢?.، art.
Barku? kI، pp. ١٠٨٢ - ١٠٨٣.
(٢) راجع في ترجمته، الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٥٧: ١٧ - ٢٩٠؛ المقريزي: المقفى الكبير ٥٧٩: ٤ - ٥٨١؛ أبا المحاسن: النجوم الزاهرة ٣٨: ٨ - ٣٩، Casanova، P.، «L'historien Ibn c? abd-Adh- Dhahir»، MMAFC VI (١٨٩٢)، pp. ٤٩٣ - ٥٠٥; pedersen، J.، El?.، art.Ibn Abd al-za? hir III، pp. ٧٠١ - ٧٠٢.
(٣) يعد ابن عبد الظاهر أول من لقب في الدولة المماليكية بكاتب السر وذلك في سنة ٦٧٨ هـ. (ابن إياس: بدائع الزهور ٣٤٨: ١/ ١).
(٤) المقريزي: المواعظ والاعتبار فيما يلي ١٠.
стр. 21
اللّه - وقطع على سنة خمس وعشرين وسبع مائة» (١)، وأضاف في «المقفّى» أنّه كتاب كبير وأنّ وفاة مؤلّفه كانت سنة ٧٣٠ هـ/ ١٣٣٠ م (٢).
وقد ذكر المقريزي في أكثر من نصف صفحة عدد ما ذكره ابن المتوّج من خطط الفسطاط وأزقّتها ودروبها وخوخها وأسواقها … إلخ (٣). ولكن أكثر ما ذكره ابن المتوّج باد ودثر «في وباء سنة تسع وأربعين وسبع مائة ثم وباء سنة إحدى وستين ثم في غلاء سنة ستّ وسبعين وسبع مائة» (٤). ولا نعرف عن هذا المؤلّف غير ما اقتبس منه المقريزي ومعاصراه القلقشندي وابن دقماق ثم السّيوطي في «حسن المحاضرة» (٥).
ويحوي كتاب «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العبّاس أحمد بن علي القلقشندي المتوفي سنة ٨٢١ هـ/ ١٤١٨ م فصلا هامّا عن خطط الفسطاط والقاهرة والقلعة (٦) اعتمد فيه على العديد من المصادر المتقدّمة أهمها الكندي والقضاعي والشّريف النّسّابة وابن عبد الظّاهر وابن المتوّج وابن فضل اللّه العمري.
أمّا ابن دقماق والأوحدي معاصرا المقريزي فسأتناول مؤلّفيهما عند حديثي عن مشكلة تحرير كتاب الخطط (٧).
قاهرة المقريزي
تراجعت مكانة القاهرة بشدّة في العقود الأخيرة للقرن الثّامن الهجري وفي مطلع القرن التّاسع الهجري، فقد وصل الغزو المغولي بقيادة تيمور لنك من جديد إلى مشارف مصر، وتزايدت الأزمات التي بدأت تصيب مصر منذ سنة ٧٧٦ هـ/ ١٣٧٤ م فارتفعت الأسعار وكثر الغلاء وطالت مدّته وكثرت الحروب الأهلية والفتن بين أهل الدولة. وقد أرجع المقريزي سبب خراب إقليميّ مصر والشّام في هذا الوقت إلى سوء تدبير الملك النّاصر فرج بن برقوق وقال عنه إنّه كان
_________
(١) المقريزي: الخطط ٣٤٢: ١، وكذلك السيوطي: حسن المحاضرة ٣: ١.
(٢) المقريزي: المقفى الكبير ١٦٠: ٦؛ ابن إياس: بدائع الزهور ٤٦١: ١/ ١.
(٣) المقريزي: الخطط ٣٤٢: ١ - ٣٤٣.
(٤) المقريزي: المواعظ والاعتبار فيما يلي ١٠.
(٥) القلقشندي: صبح ٣٣٣: ٣، ٣٣٤، ٣٣٦، ٣٣٨، ٣٤١؛ ابن دقماق: الإنتصار ١٤: ٤، ١٨، ٥٣، ٥٥، ٥٩، ٧٥، ٧٧، السيوطي: حسن المحاضرة ٣: ١.
(٦) القلقشندي: صبح الأعشى ٣٢٥: ٣ - ٣٧٥.
(٧) فيما يلي ص ٥٦ - ٦٤.
стр. 22
«أشأم ملوك الإسلام فإنّه خرّب بسوء تدبيره جميع أراضي مصر وبلاد الشّام» (١) فقد «طرق ديار مصر الغلاء من سنة ستّ وثمان مائة» حيث عمل أمراؤه على رفع الأسعار وزيادة أجرة أطيان الأراضي وكثرت المظالم الحادثة من الدولة بمصادرة الجمهور وتتبّع أرباب الأموال واحتجاز ما بأيديهم من المال بالقهر والقوة والغلبة (٢).
ويضيف المقريزي أنّه نتيجة لهذا الفساد السّياسي والإداري «خربت الإسكندرية وبلاد البحيرة، وأكثر الشّرقيّة، ومعظم الغربيّة، والجيزية، وتدمّرت بلاد الفيّوم، وعمّ الخراب بلاد الصّعيد … وتلاشت مدنه كلّها، وخرب من القاهرة وظواهرها زيادة على نصف أملاكها، ومات من أهل إقليم مصر بالجوع والوباء نحو ثلثيّ الناس، وقتل من الفتن بمصر مدّة أيّامه خلائق لا تدخل تحت حصر» (٣).
ومن خلال وصف المقريزي لمدينة القاهرة ومراكز نشاطها الاقتصادي نستطيع أن نلحظ المؤشّرات الأكثر وضوحا على تدهور وضع القاهرة في وقته يقول: «وقد اختلّ حال القصبة وخرب وتعطّل أكثر ما تشتمل عليه من الحوانيت بعد ما كانت مع سعتها تضيق بالباعة فيجلسون على الأرض في طول القصبة بأطباق الخبز وأصناف المعايش ويقال لهم أصحاب المقاعد … وقد ذهب واللّه ما هناك ولم يبق إلاّ القليل، وفي القصبة عدّة أسواق منها ما خرب ومنها ما هو باق» (٤).
ويشير المقريزي إلى تخرّب سوق المرحّلين بعد حوادث سنة ٨٠٦ هـ، وكثرة سفر السّلطان فرج بن برقوق إلى محاربة الأمير شيخ والأمير نوروز بالبلاد الشّامية، واستدعاء الوزراء ما تحتاج إليه الجمال من الرّحال والأقتاب دون أن يدفعوا ثمنها أو يدفعوا فيها الشيء اليسير ممّا أدّى إلى اختلال حال المرحّلين وتخرّب معظم حوانيت هذا السّوق (٥). وكذلك إلى تلاشي أمر سوق الرّوّاسين واختلاله (٦)، وإلى خراب أكثر حوانيت سوق حارة برجوان بعد أحداث سنة ٨٠٦ هـ وزوال كلّ أثر لها وأنّه صار «أوحش من وتد في قاع بعد أن كان الإنسان لا يستطيع أن يمرّ فيه من ازدحام النّاس ليلا ونهارا إلاّ بمشقّة» (٧). ويكرّر المقريزي الحديث عن خراب وتلاشي العديد من
_________
(١) المقريزي: السلوك ٢٢٥: ٤.
(٢) المقريزي: مسودة المواعظ ٦٥.
(٣) المقريزي: السلوك ٢٢٦: ٤، ٢٢٧.
(٤) المقريزي: الخطط ٩٥: ٢.
(٥) نفسه ٩٥: ٢.
(٦) نفسه ٩٥: ٢.
(٧) نفسه ٩٦: ٢.
стр. 23
أسواق القاهرة التي كانت في القصبة بسبب فقر النّاس وزيادة الغلاء والفوضى التي عمّت في فترة فرج بن برقوق (١). ويقدّر أبو المحاسن بن تغري بردي أنّ أكثر من نصف القاهرة وظواهرها قد تخرّب في أثناء الغلاء والوباء الذي صاحب أزمة سنة ٨٠٦ هـ كما فقدت فيه القاهرة نحو ثلثيّ أهلها (٢).
وعلى ذلك فإنّ المقريزي عندما دوّن أغلب مادّة كتابه، والتي كتبها على الأرجح في الفترة ما بين سنتي ٨١٨ هـ/ ١٤١٥ م و ٨٢٧ هـ/ ١٤٢٢ م قبل مجاورته بمكّة، لم يكن قد شاهد مجد القاهرة وعظمتها الذي يوضّحه لنا في كتابه وإنّما عرفه ممّا سمعه من المشائخ أو قرأه في المصادر.
فقد دوّن كتابه بعد أزمة سنة ٨٠٦ هـ/ ١٤٠٣ م والفوضى التي عرفتها البلاد في عهد فرج بن برقوق وبعد استبداد الأمير المشير جمال الدين الأستادّار بالأمر وهدمه للكثير من العمائر القديمة واستيلائه عليها وتغيير معالم المنطقة التي نعرفها اليوم بالجماليّة نسبة إليه.
كتب الخطط بعد المقريزي
لم تكن لكتب الخطط التي ألّفت بعد المقريزي نفس القيمة التي كانت لمؤلّف المقريزي أو لمؤلّفات سابقيه. فقد فقدت مصر استقلالها بعد الفتح العثماني سنة ٩٢٣ هـ/ ١٥١٧ م وأصبحت مجرّد ولاية في الإمبراطورية العثمانية الواسعة، كما أنّ الكتابة التاريخية تقهّقرت كثيرا ولم يشهد العصر العثماني مؤرّخين يمكن مقارنتهم بالمؤرّخين المصريين الذين ظهروا في آخر العصر المملوكي (٣). كذلك فقد تقهقر وضع مدينة القاهرة فبعد أن كانت عاصمة لدولة قويّة - هي دولة المماليك - أصبحت مجرّد مدينة بين مدن الإمبراطورية العثمانية. واكتفى المؤرّخون باستعادة معلومات خطط المقريزي واختصارها وأحيانا السّطو عليها دون أن يضيفوا إليها شيئا ذا بال حتى ألّف علي مبارك كتابه «الخطط التّوفيقيّة الجديدة» في آخر القرن التاسع عشر.
_________
(١) المقريزي: الخطط ٩٦: ٢ - ١٠٧.
(٢) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ١٥٢: ١٣؛ المقريزي: مسودة المواعظ ٦٢ - ٦٣.
(٣) راجع عن مؤرخي العصر العثماني والكتابة التاريخية في هذه الفترة، محمد أنيس: مدرسة التاريخ المصري في العصر العثماني، القاهرة - معهد الدراسات العربية العالية ١٩٦٢ وفي أبحاث الندوة الدولية لتاريخ القاهرة، القاهرة ١٩٧١، ١٠٩٧: ٣ - ١١٥٦؛ ليلى عبد اللطيف أحمد: دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام إبان العصر العثماني: القاهرة - مكتبة الخانجي ١٩٨٠.
стр. 24
والملاحظ أنّه لم توجد مؤلّفات اختصّت بذكر الخطط طوال هذه الفترة سوى ثلاث كتب فقط، بينما ضمّن بعض المؤلّفين مؤلّفاتهم التاريخية فصولا في وصف الخطط مثلما فعل أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي تلميذ المقريزي المتوفى سنة ٨٧٤ هـ/ ١٤٧٠ م الذي خصّص فصلا في الجزء الرّابع من كتابه «النّجوم الزّاهرة في ملوك مصر والقاهرة» للحديث عن خطط القاهرة وتأسيسها في العصر الفاطمي اعتمد فيه على الأخصّ على كتاب «الرّوضة البهيّة الزّاهرة» لابن عبد الظّاهر (١)، كما أنّه ضمّن كتابه على امتداد بقيّة أجزائه معلومات هامّة عن العديد من المنشآت الدينية وذات الطّابع الاجتماعي، والتغييرات والتّوسّعات التي طرأت على العاصمة المصرية حتى عصره، ولكنّ الغريب أنّه لا يشير إطلاقا على امتداد كتابه إلى خطط المقريزي!
أمّا المؤلّف صاحب التّصانيف المتنوّعة جلال الدين عبد الرّحمن بن أبي بكر السّيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م فقد ضمّن كتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» بعض المعلومات الطّبوغرافية عن مصر والقاهرة ومعالمها الأثرية وعلى الأخصّ المساجد الجامعة والمدارس والخوانق ملخّصا ما أورده بشأنها المقريزي في خططه (٢).
وأوّل المؤلّفات المتعلّقة مباشرة بالخطط كتاب يحمل عنوان «التّحفة الفاخرة في ذكر رسوم خطوط القاهرة» ألّفه شخص يدعى آقبغا الخاصّكي - وهو مؤلّف غير معروف لنا - للسّلطان الملك الأشرف فانصوه الغوري. وتحتفظ المكتبة الأهلية في باريس بمخطوطة من هذا الكتاب تحت رقم ٢٢٦٥ عربي (٣) منها مصوّرة في دار الكتب المصرية برقم ١٥٢ بلدان تيمور وهي لا تعدو أن تكون نسخة من الجزء الثاني من خطط المقريزي (في طبعة بولاق) الذي يبدأ بذكر الحارات مع بعض الخلافات الضّئيلة في الأسلوب.
وإلى هذه الفترة ترجع رسالة صغيرة لأبي حامد محمد بن عبد الرّحمن المقدسي المصري الشّافعي المتوفى نحو سنة ٨٩٣ هـ/ ١٤٨٨ م عنوانها: «الفوائد النّفيسة الباهرة في بيان حكم شوارع القاهرة في مذاهب الأئمّة الأربعة الزّاهرة»، نقل فيه المؤلف الفصل الخاص بذكر بين القصرين في خطط المقريزي نقلا حرفيا. وقد نشرت هذه الرّسالة الدكتورة آمال العمري
_________
(١) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٣٤: ٤ - ٥٤.
(٢) السيوطي: حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ١ - ٢، القاهرة ١٩٦٧.
(٣) De Slane، Catalogue des manuscrits arabes de la Bibiotheque Nationale (Paris ١٨٨٣ - ٩٥)، p.
٣٩٧.
стр. 25
وصدرت في القاهرة عن هيئة الآثار المصرية سنة ١٩٨٨. وأبو حامد المقدسي هو مؤلّف كتاب «الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة» الذي نسبه ناشراه خطأ إلى ابن ظهيرة، كما أثبت ذلك الأستاذ مايكل كوك اعتمادا على نسخة في مكتبة غوطا (١).
والمؤلّف الثاني هو كتاب «قطف الأزهار من الخطط والآثار» لشمس الدّين أبي عبد اللّه محمّد ابن محمّد بن أبي السّرور البكري المتوفي سنة ١٠٦٠ هـ/ (٢) ١٦٥٠ ذكر في مقدّمته أنّه لمّا طالع كتاب الخطط للمقريزي رآه «أسهب فيه غاية الإسهاب وأطنب فيه غاية الإطناب ولم يرتّبه ترتيبا يسهل منه الكشف لما يريد الطّالب» (٣) وهو بذلك اختصار لخطط المقريزي رتّبه مؤلّفه على ترتيب أصل كتاب المقريزي فيما عدا الباب الثّامن الخاصّ «بذكر الفسطاط وفتح مصر وأخطاطها» فقد أضاف إليه «ذكر بكربكية مصر إلى آخر زمن الوزير أيّوب باشا وذكر فتحها على يد مولانا السّلطان سليم خان مع غاية الاختصار وخاتمة تجمع قضاة مصر إلى آخر مدّة المرحوم المولى زين العابدين أفندي المتوفى بمصر في شوّال سنة ستّ وخمسين وألف وذلك من زيادتي لتتمّ فائدة المختصر» (٤). والنّسخة المحفوظة من الكتاب في دار الكتب المصرية برقم ٤٥٧ جغرافيا مليئة بالأخطاء الإملائية وبأوهام النّاسخ وخاصّة في أسماء المواضع والمصطلحات كبقيّة نسخ خطط المقريزي نفسها، وكذلك النّسخة رقم ٥٣ بلدان تيمور (٥).
أمّا الكتاب الثّالث فهو مختصر أيضا لخطط المقريزي عنوانه «الرّوضة البهيّة في تلخيص كتاب المواعظ والاعتبار المقريزية» منه نسخة بخطّ مختصره أحمد الحنفي المعروف بالبوح - وهو مؤلّف غير معروف لنا أيضا - في مكتبة غوطا برقم ١٦٣٨ وهي تحوي اختصار المؤلّف لقسم من خطط المقريزي يبدأ من أوّل الكتاب وينتهي بالكلام على مدينة رعماس (٦).
_________
(١) Cook، M.، «Abu Ha? mid al-Qudsi? (d. ٨٨٨/ ١٤٦٣)»، JSS ٢٨ (١٩٩٣)، pp. ٨٥ - ٩٧، وترجمه السخاوي باسم المحب أبو حامد محمد بن خليل بن يوسف ابن علي (أو أحمد) بن عبد اللّه البلبيني الأصل الرملي المقدسي الشافعي واشتهر بكنيته (الضوء اللامع ٢٣٤: ٧ - ٢٣٧).
(٢) محمد عبد اللّه عنان: مصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية، ٦٢ - ٦٣؛ ليلى عبد اللطيف: دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر ١٢٩ - ١٤٧، Shaw، St.J.، El ٢? art.al- Bakr? i، p. ٩٩٥.
(٣) ابن أبي السرور البكري: قطف الأزهار، مخطوطة دار الكتب المصرية رقم ٤٥٧ جغرافيا، ورقة ١ ظ.
(٤) نفسه ورقة ٤٧ ظ.
(٥) يقوم على نشر هذا الكتاب الآن الدكتور محمد حسام الدين إسماعيل مدرس الآثار الإسلامية بكلية الآداب - جامعة عين شمس.
(٦) محمد عبد اللّه عنان: المرجع السابق ٦٣ - ٦٤.
стр. 26
ولا يقابلنا طوال القرنين السّابع عشر والثّامن عشر من ألّف في موضوع الخطط حتى إذا وصلنا إلى نهاية القرن الثامن عشر ووصول الحملة الفرنسية إلى مصر نجد علماء الحملة يؤلّفون كتابهم الضّخم «وصف مصر» La Description de I'Egypte الذي يعدّ أهم كتاب في تاريخ مصر في نهاية العصر الحديث. وقد وضع اثنان من علماء الحملة قسمين هامّين من الكتاب: «وصف مدينة القاهرة وقلعة الجبل» لإدم فرانسوا جومار (١) Edme Francois Jomard و «مذكرات عن جزيرة الرّوضة والمقياس» لمارسيل. J.Marcel
ويمثّل وصف القاهرة وقلعة الجبل لجومار تطوّرا هامّا في تاريخ كتابة الخطط المصرية فهو في هذه المرّة وصف لمشاهدة أجنبي زار المدينة وزوّد بجميع الإمكانات التي تتيح له تقديم وصف دقيق للمدينة ورفع لأهمّ معالمها الأثرية ورسم تصويري لهذه المعالم.
والميزة الأساسية لوصف جومار والتي تجعل منه مؤلّفا متميّزا في سلسلة الكتب المتعلّقة بتاريخ الخطط المصرية أنّه تسجيل ووصف لحالة مدينة القاهرة ولقلعة الجبل في سنوات بأعيانها هي الثّلاث سنوات التي أمضتها الحملة الفرنسية في مصر، بل بالتحديد وصف لحالة هذه المدينة خلال شهرين يبدءان من يوم ١٠ ديسمبر سنة ١٧٩٩ وينتهيان في أواسط فبراير سنة ١٨٠٠ م، وهي الفترة التي قام فيها جومار بجولته في القاهرة لتسجيل معالم المدينة على الخريطة التي وضعها المهندسون الجغرافيون المصاحبون للحملة، بالإضافة إلى الرّفع الهندسي لهذه المعالم والرّسم التّصويري لها.
وعلى ذلك فإنّه لأوّل مرّة تصحب الوصف الطّبوغرافي لمدينة القاهرة خريطة تفصيلية - هي الأولى من نوعها - مثبت عليها حدود المدينة وشوارعها الرئيسة والجانبية وأهمّ معالمها نحو سنة ١٨٠٠ م مع شرح لما جاء على هذه الخريطة.
وترجع أهميّة هذه الخريطة كذلك إلى أن تغييرا كبيرا كان قد طرأ على شكل مدينة القاهرة وعلى مقرّ الحكم في القلعة منذ وصف المقريزي في القرن التاسع/ الخامس عشر، كما أنّ تغييرا آخر تعرضّت له المدينة ومقرّ الحكم بعد وصف جومار في نهاية القرن الثامن عشر حيث خرّب الفرنسيون وأزالوا الكثير من المواضع التي ورد ذكرها في وصف الحملة نفسه، ثم على يد محمّد عليّ باشا وأبنائه، وخاصّة إسماعيل، حيث فتحت طرق كثيرة أدّت إلى زوال العديد من نقاط
_________
(١) نقلته إلى العربية بعنوان «وصف مدينة القاهرة وقلعة الجبل» مع مقدمة عن التطور العمراني لمدينة القاهرة حتى سنة ١٨٠٠ م، القاهرة - مكتبة الخانجي ١٩٨٨.
стр. 27
الاستدلال التي عينها سواء المقريزي أو جومار، كما ردمت أغلب برك القاهرة (١).
وإذا كانت الخرائط المفصّلة التي رسمها الفرنسيون لأحياء القاهرة موضّحين عليها معالمها وطرقاتها وآثارها التي كانت قائمة في سنة ١٨٠٠ م هي الأولى من نوعها وكانت نقطة الانطلاق لأعمال رسّامي الخرائط الذين رسموا خرائط للقاهرة في أيّام محمّد عليّ باشا وخلفائه، فيحقّ لنا أن نتساءل إذا كانت هناك محاولات لرسم خرائط للقاهرة سابقة على خريطة الحملة؟
لقد أثبت جان كلود جارسان بأدلّة قاطعة أنّ أوّل خريطة وضعت للقاهرة ووصلت إلينا رسمها شخص يرمز له بالحرفين. r.d في زمن السّلطان قايتباي في أواخر القرن التاسع/ الخامس عشر، أي بعد وفاة المقريزي بأقلّ من نصف قرن. وقد طبعت هذه الخريطة التي تعرف باسم خريطة Matheo Pagano لأوّل مرّة سنة ١٥٤٩ م في فينسيا ثم أعيد طبعها مرّة ثانية في سنة ١٥٧٤ م (٢). وتوصّلت الباحثة سيلفي دينوا Sylvie Denoix بعد أن قابلت هذه الخريطة على خريطة كتاب «وصف مصر» وعلى الوصف الطّبوغرافي الذي قدّمه المقريزي في أواسط القرن التاسع الهجري في كتابه «الخطط» إلى أنّ هذه الخريطة صالحة للاستخدام في عمومها (٣).
ومن أهمّ المصادر التي تناولت خطط القاهرة في القرن التاسع عشر كتاب «عجائب الآثار في التّراجم والأخبار» المعروف ب «تاريخ الجبرتي» لمؤلّفة عبد الرّحمن بن حسن الجبرتي المتوفي سنة ١٢٣٧ هـ/ ١٨٢٢ م. والجبرتي ليس من كتّاب الخطط مثل المقريزي، ولكنّه في أثناء وصفه أحداث القاهرة أو عند حديثه على رجال عصره، كان يجعل تعيين المواقع والأماكن ظاهرة واضحة في سطوره بحيث أنّنا نستطيع من خلال روايته أن نصوّر معالم القاهرة ونتعرّف على خططها وأحيائها المعاصرة رغم أنّه لا يحدّدها تحديدا دقيقا كما يفعل كتّاب الخطط
_________
(١) راجع مقدمتي لوصف مدينة القاهرة لجومار ١٥ - ٢٢، ومقالي: «دور علماء الحملة الفرنسية في دراسة خطط القاهرة»، المجلة التاريخية المصرية ٤٠ (١٩٩٧ - ١٩٩٩)، ٣٢٣ - ٣٣٦، وقارن مع خريطة جراند بك لمدينة القاهرة في عصر إسماعيل سنة ١٨٧٤.
(٢) Garcin، J.Cl.، «Une carte du Caire vers la fin du sultanat de Qaytbay»، An.IsI.XVii (١٩٨١)، pp. ٢٧٢ - ٨٥; Blanc، B. & Gordiani، K.، & Denoix، S.، «A propos de la carte du Caire de Matheo Pagano» An.IsI.XVii (١٩٨١)، pp. ٢٠٣ - ٢٤١؛ وانظر كذلك مقال فيكتوريا ماينيكه الذي تناولت فيه طريقة عرض خرائط القاهرة التي طبعت في أوربا في القرن السادس عشر meinecke-berg، v.، «eine stadtansicht des mamlukischen kairo aus dem ١٦ jahrundert»، MDAIK ٣٢ (١٩٧٦)، pp. ١١٣ - ٣٢.
(٣) Denoix S.، «Histoire et Formes Urbaines (elements de methode)»، Itineraires d'Egypte- Melanges offerts au Pere Maurice Martin، reunis par Christian Decobert، Le Caire IFAO ١٩٩٢، p. ٤٦.
стр. 28
المتخصّصين، لأنّه غني فقط بذكر ما شيّد أو خرّب أو غيّرت معالمه بالقاهرة من مساجد وقصور وأسبلة في الفترة التي عاصرها (١).
ويختتم هذه السّلسلة الطّويلة من كتب الخطط المصرية كتاب «الخطط التّوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشّهيرة» لعلي باشا مبارك الذي طبع بين سنتي ١٣٠٥ هـ/ ١٨٨٨ م و ١٣٠٦ هـ/ ١٨٨٩ م.
وقد بنى علي مبارك كتابه على «خطط» المقريزي وجعلها مرشدة الأوّل ومصدره الذي لا ينضب في التعريف والابتداء (٢) وجعل همّه تتبّع الخطط والمعالم والآثار طوال القرون الأربعة التي تفصل بينه وبين سلفه العظيم، وأن يصل حاضر خطط القاهرة بماضيها (٣). ورغم الجهد الكبير الذي بذله على مبارك في كتابه والذي وسّع إطاره ليشمل جميع المدن والقرى المصرية مع الترجمة لكثير من أعيانها في مختلف العصور، فالفرق شاسع بين ما دوّنه على مبارك في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وبين ما دوّنه المقريزي في القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، فكتاب المقريزي ينبض بالحياة ويتميّز بالدّقّة بعكس كتاب علي مبارك الذي نقل أغلب كتاب المقريزي وأضاف إلى كلّ معلم ما صار إليه في وقته ولكن دون رابطة تربط هذا الوصف وتصل أنحاءه. وقد تمكّن علي مبارك من الرّجوع إلى عدد كبير من كتب الوقف وعقود الأملاك استطاع من خلالها استخراج صور خطط القاهرة وأحيائها في العصر الإسلامي من خططها ومعالمها المعاصرة، وتقدير الأبعاد والمسافات التي تحدّد الكثير من هذه الآثار المندرسة.
ورغم أنّ علي مبارك اطّلع على وصف الحملة الفرنسية وكان هو نفسه مهندسا درس الهندسة في فرنسا فقد جاء وصفه للخطط خاليا من أيّة خريطة توضيحية خاصّة وأنّ كتابه تتعذّر الاستفادة منه الاستفادة الحقّة في غياب هذه الخرائط التوضيحية.
وتحتفظ دار الكتب المصرية بالجزء الثاني من مخطوطة عنوانها «نزهة الأبصار في خطط مصر القاهرة وما فيها من الآثار» وهي بخطّ مؤلّفها حسين وفائي المعروف بوفائي الحكيم كتبها سنة ١٣٣٦ هـ ومحفوظة تحت رقم ١٦٨٧ ط. وهذا الكتاب على شكل جداول تشرح أسماء
_________
(١) محمد عبد اللّه عنان: المرجع السابق ٦٤ - ٦٦؛ عبد الرحمن زكي: «خطط القاهرة في أيام الجبرتي» في كتاب عبد الرحمن الجبرتي - دراسات وبحوث، القاهرة ١٩٧٦، ٤٧١.
(٢) محمد عبد اللّه عنان: مصر الإسلامية ٧١.
(٣) نفسه ٧٠.
стр. 29
الحارات والشّوارع وتبيّن ما بها من الآثار. كما تحتفظ كذلك بنسختين من كتاب «ذيل خطط المقريزي» لعبد الحميد نافع تحت رقم ١٩٠ بلدان تيمور و ٢٣٩٠ تاريخ تيمور.
ويضاف إلى هذه السّلسلة من الأعمال الخاصّة بخطط القاهرة التّعليقات الغنيّة التي أثرى بها المرحوم محمد بك رمزي هوامش كتاب «النّجوم الزّاهرة في ملوك مصر والقاهرة» لأبي المحاسن يوسف بن تغري بردي والتي استطاع فيها اعتمادا على خطط المقريزي وخطط علي مبارك وخريطة وصف مصر بالإضافة إلى تحقيقاته الشخصية، أن يتتبّع أغلب المواضع الواردة في الكتاب ويحدّد أماكنها أو المواضع التي حلّت محلّها.
كتب «الزّيارات»
تعدّ كتب الزّيارات مؤلّفات ذات طابع طبوغرافي تدلّ المتّقين والورعين على الأماكن التي قبر فيها الصّحابة والصّالحون والبقاع التي يستجاب عندها الدّعاء، وتوضّح لهم كيفية زيارتها ومن أين تبدأ الزيارة وأين تنتهي. ويتخلّل ذلك وصف طبوغرافي للقرافة أو المواضع التي بها مشاهد هؤلاء الصّالحين.
وقد نشأ هذا النّوع من التأليف في أوّل الأمر في أوساط الشّيعة ولكن أهمّ كتب «الزّيارات» وأكثرها تطوّرا في طريقة تأليفها وعرضها هي كتب الزّيارات الخاصة بالقاهرة.
وقد أحصى الباحث يوسف راغب كتب الزّيارات الخاصّة بالقاهرة وقرافة مصر في مقال نشره سنة ١٩٧٣، وبلغ عدد هذه المؤلّفات واحدا وعشرين مؤلّفا فقد قسم كبير منها (١) وأهمّ ما وصل إلينا منها:
«مرشد الزّوّار إلى قبور الأبرار» المعروف أيضا ب «الدّرّ المنظّم في زيارة (أو فضل) الجبل المقطّم» أو «الدّرّ المنثور في زيارة القبور» للموفّق أبي القاسم عبد الرّحمن بن أبي الحرم مكيّ بن عثمان الأنصاري السّعدي الشّارعي المعروف بالموفّق بن عثمان المتوفى سنة ٦١٥ هـ/ ١٢١٨ م (٢). وقد اعتمد على كتابه كلّ من ابن عين الفضلاء وابن الزّيّات وابن دقماق والمقريزي، كما نقل قسم
_________
(١) Ra? gib، Y.، «Essai d'inventaire chrono- logique des guides a I'usage des pelerins du Caire»، REiXLI (١٩٧٣)، pp. ٢٥٨ - ٢٨٠.
(٢) المنذري: التكملة لوفيات النقلة ١٤٠٦: ٢، الذهبي: تاريخ الإسلام وفيات المشاهير والأعلام، الطبقة الثانية والستون ٢٢٩ - ٢٣٠.
стр. 30
منه إلى التركية. و «لمرشد الزّوّار» عدد كبير من المخطوطات أضاف النّسّاخ إلى بعضها الكثير من الزيادات والتعليقات (١).
«مصباح الدّياجي وغوث الرّاجي وكهف اللاّجي» لمجد الدين أبي عبد اللّه (المعالي) محمد بن عبد اللّه النّاسخ المعروف بابن عين الفضلاء وبابن النّاسخ المتوفى بعد سنة ٦٩٦ هـ/ ١٢٩٧ م الذي لا تذكر كتب التّراجم والطّبقات أي شيء عنه، ونعرف من خلال كتابه أنّه كان يعيش في صحبة الوزير الصّاحب تاج الدّين أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد بن سليم بن حنّا والذي بفضله تعرّف على أرباب المملكة وألّف له كتابه.
وقد قسم ابن عين الفضلاء كتابه قسمين ذكر في القسم الأوّل مواضع الزّيارة في القاهرة مبتدئا بذكر مشهد الحسين ثم يذكر ما في خطّ الجامع الطّولوني ثم يمر بمدينة الفسطاط ويعبر النّيل إلى الرّوضة والجيزة. ثم يدخل إلى القرافة من باب القرافة ويتوجه إلى الجنوب حتى حدود القرافة الكبرى ذاكرا مواضع الزّيارة بها. وفي القسم الثاني يبدأ ابن عين الفضلاء زيارته من جامع الفتح تجاه الشمال ثم ينهي كتابه بذكر المقابر الواقعة بالقرافة الصّغرى. ومسلكه هنا أيضا من باب القرافة متتبعا سفح المقطم.
وقد اعتمد على «مصباح الدّياجي» مطوّلا ابن الزّيّات والسّخاوي (٢).
أمّا أهم كتب الزّيارات التي وصلت إلينا فكتاب «الكواكب السّيّارة في ترتيب الزّيارة في القرافتين الكبرى والصّغرى» لشمس الدين أبي عبد اللّه محمّد بن محمّد ابن الزّيّات المتوفي سنة ٨١٤ هـ/ ١٤١٢ م في خانقاه سرياقوس حيث دفن. وقد ألّف كتابه بناء على سؤال بعض إخوانه أن يجمع له كتابا في ترتيب زيارة القرافة فرغ من جمعه وتأليفه في سنة أربع وثمان مائة ورتّبه على خمسة فصول: الأوّل - في فضل مصر ونيلها، الثّاني - في عجائبها، الثّالث - في مقطّمها وما عليه من المساجد والمعابد، الرّابع - في شروط الزّيارة وآدابها وترتيبها وختمه بفصل سمّاه اللّمعة في زيارة السّبعة، الخامس - فيمن دخلها من أصحاب رسول اللّه ﷺ
_________
(١) Ra? gib، Y.، op.cit.، pp. ٢٦٥ - ٦٩. ومن الكتاب عدة مخطوطات في دار الكتب برقم ٥١٢٩ و ٣٢٥ تاريخ (مصورة في معهد المخطوطات برقم ٤٦٩ و ٧٩٨ تاريخ) و ١٤٠٨ تصوف و ٦٥ بلدان تيمور، وفي آياصوفيا برقم ٢٠٦٤ وفي المكتبة الأزهرية. ونشره: مؤخرا محمد فتحي أبو بكر وصدر عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة سنة ١٩٩٥ م.
(٢) Ra? gib، Y.، op.cit.، pp. ٢٧٢ - ٧٣ ومن الكتاب نسختان في دار الكتب برقم ١٤٦١ تاريخ و ٨٧ بلدان تيمور.
стр. 31
ومن دفن بها منهم. وذكر ابن الزّيّات في مقدّمته من ألّف في الموضوع قبله.
وأشار ابن الزّيّات في أكثر من موضع من كتابه إلى عزمه على تأليف جزء يتضمّن تعيين خطط القاهرة ومشاهدها ومدافن الصّحراء ومشاهدها ومدافن مصر ومشاهدها ومدافن الجيزوة ومن قبر بها … ولا ندري إن كان قد أتمّ هذا الكتاب أم لا.
وقد نشر كتاب «الكواكب السّيّارة» في طبعة متواضعة العلاّمة أحمد تيمور باشا في القاهرة سنة ١٩٠٧ م، وهي بحاجة إلى إعادة نشر ومقابلتها على أصولها ومصادرها والمؤلّفات التي اعتمدت عليها. ومن الكتاب عدّة نسخ بدار الكتب المصرية تحمل الأرقام ٢٤ تاريخ م، ٢٦١ تاريخ، ٢٦٢ تاريخ، ٢٢٧٢ تاريخ، ٥٨ بلدان تيمور.
وآخر كتاب وصل إلينا في هذا الموضوع هو كتاب «تحفة الأحباب وبغية الطّلاّب في الخطط والمزارات والتراجم والبقاع المباركات» لنور الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن عمر بن خلف بن محمود السّخاوي الحنفي من علماء القرن العاشر وهو غير الحافظ الكبير شمس الدين السّخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ/ ١٤٩٧ م. وقد وضع السّخاوي كتابه على ترتيب كتاب «الكواكب السّيّارة» لابن الزّيّات باعتباره «أكمل كتاب في هذه الطّريقة» (١) إلاّ أنّه «دخل عليه السّهو في مواضع منه» فأراد السّخاوي «أن يجمع من الشّوارد ما فات ابن الزّيّات مع ذكر التّراجم المفيدة والمناقب الحميدة … ويبيّن كلّ فنّ في مكانه الذي هو فيه الآن، ويذكر صفة ما عليه إن كان موجودا أو معروفا ويذكر الخطّة التي هو فيها والتّربة التي دفن بها … لينتفع به الزّائر ويهتدي به الحائر … » (٢).
وقد بدأ السّخاوي كتابه بزيارة مشهد رأس إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن العلوي بالمطريّة، ثم اجتاز بعد ذلك المقابر الواقعة شمال القاهرة، ثم زار المقابر والمشاهد الواقعة داخل أسوار المدينة، ثم المشاهد والمزارات خارج باب زويلة جنوب القاهرة، ثم زار القرافة بادئا أيضا مثل سابقيه من باب القرافة، وأنهى كتابه بزيارة السّبعة التي أوصى بزيارتها القضاعيّ.
وقد طبع كتاب «تحفة الأحباب» مرّتين المرّة الأولى على هامش الجزء الرابع من كتاب «نفح الطّيب» للمقّري، ثم في نشرة مستقلة بعناية محمود ربيع وحسن قاسم (في سنة ١٩٣٧). وقد جاءت الطّبعتان مليئتين بالأخطاء والأوهام، والكتاب بحاجة إلى إعادة نشر بمنهج علمي نقدي
_________
(١) السخاوي: تحفة الأحباب ٣.
(٢) نفسه ٣ وانظر. Ra? gib، Y.، op.cit.، pp. ٢٧٧ - ٧٩
стр. 32
سليم (١). ومن الكتاب عدّة نسخ مخطوطة في دار الكتب المصرية تحمل الأرقام ٤١ تاريخ، ١٠٢٢ تاريخ، ١٠٢٣ تاريخ، ١٩٢٨ تاريخ.
٢ - مؤلّف الكتاب ترجمة جديدة للمقريزي
[تقيّ الدين أبو محمد (أبو العباس)] أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصّمد بن أبي الحسن بن عبد الصّمد بن تميم الشهير جده بالمقريزي والشهير والده بابن المقريزي الشّافعي. هكذا ساق المقريزي نسبه بخطّه على غلاف الجزء الأوّل من كتاب «السّلوك» وعلى غلاف «درر العقود الفريدة» وعلى غلاف مختصره لكتاب «الكامل في الضّعفاء والمتروكين» ليحيى بن عديّ وفي مقدّمة الخطط (٢).
_________
(١) أعاد الدكتور فؤاد سزجين نشر كتابىّ ابن الزّيّات والسّخاوي بالتصوير وصدرا في سلسلة الجغرافيا الإسلامية التي يصدرها معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في إطار جامعة فرانكفورت المجلد رقم ٥٥ والمجلد رقم ٦٤. (١٤١٣ هـ/ ١٩٩٢ م).
(٢) انظر ترجمة المقريزي عند، ابن حجر، إنباء الغمر بأبناء العمر ١٨٧: ٤ - ١٨٨؛ العيني: عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان (تحقيق عبد الرازق القرموط، القاهرة - الزهراء للإعلام العربي ١٩٨٩) ٥٧٤؛ أبي المحاسن: النجوم الزاهرة ٤٩٠: ١٥ - ٤٩١، المنهل الصافي ٤١٥: ١ - ٤٢٠، حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور (تحقيق فهيم محمد شلتوت، القاهرة ١٩٩٠) ٣٩: ١ - ٤١؛ ابن الصيرفي: نزهة النفوس والأبدان ٢٤٢: ٤ - ٢٤٤؛ السخاوي: الضوء اللامع ٢١: ٢ - ٢٥، التبر المسبوك في ذيل السلوك ٢١ - ٢٤؛ ابن إياس: بدائع الزهور ٢٣١: ٢ - ٢٣٢؛ الشوكاني: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ٧٩: ١ - ٨١؛ علي مبارك: الخطط التوفيقية ٦٩: ٩ - ٧٠.
محمد عبد اللّه عنان: مصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية ٤٤ - ٥٩، مؤرخو مصر الإسلامية ٨٥ - ١٠٤؛ محمد مصطفى زيادة: المؤرخون في مصر في القرن الخامس عشر الميلادي ٦ - ١٧؛ كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ٤٧٦ - ٤٨٧؛ سعيد عبد الفتاح عاشور: «أضواء جديدة على المؤرخ أحمد بن علي المقريزي وكتاباته»، عالم الفكر - الكويت ١٤ (١٩٨٦) ٤٥٣ - ٤٩٨؛ أيمن فؤاد سيد: «ملاحظات حول تأليف خطط المقريزي»، مجلة معهد المخطوطات العربية ٢٦ (نوفمبر ١٩٨٠) ١٣ - ٣٦؛ محمد كمال الدين عز الدين علي: المقريزي مؤرخا، بيروت: عالم الكتب ١٩٩٠؛ مجموعة من العلماء: دراسات عن المقريزي: القاهرة ١٩٧١.
Brockelmann.، GALII، ٤٧ (٣٨)، SII، ٣٦ - ٣٨; id،.، El? art.al-Makri? zi? III، p. ١٨٦; Rosenthal، F.، El ٢?.، art.al-Makri؟ zi؟ VI، pp. ١٧٧ - ١٧٨; Fu'a? d Sayyid، A.، «Remarques sur la composition des Khitat de Maqri؟ zi d'apres un manuscrit autographe»، Hommages a la memoire de Serge Sauneron، IFAO ١٩٧٩، II، pp. ٢٣١ - ٢٥٨; Garcin، J. -Cl.، «Al-Maqri؟ zi؟، un historien
стр. 33
وهو من أسرة ترجع أصولها إلى بعلبك في لبنان الحالية، وتشير نسبة المقريزي إلى إحدى حارات هذه المدينة التي تعرف بحارة المقارزة (١).
حياته
ولد المقريزي في حارة برجوان بالقاهرة سنة ٧٦٦ هـ/ ١٣٦٤ م (٢)، وكانت القاهرة في هذا الوقت أهمّ وأكبر مدينة في العالم الإسلامي، فهي عاصمة دولة المماليك التي قامت قبل ذلك بأكثر من مائة عام ومدّت سيطرتها على مصر والهلال الخصيب حتى الفرات. وقد استولى المماليك على السّلطة في الوقت الذي كان فيه سادتهم الأيّوبيون خلفاء صلاح الدين على وشك الاندحار أمام جيش الصّليبيين بقيادة لويس التّاسع. فقد نجح المماليك في ردّ غزو الفرنج ووضع نهاية للمالك المسيحية في فلسطين وجنوب الشّام، كما صدّوا هجوم المغول وأوقفوا تقدّمهم بعد أن أسقطوا الخلافة العبّاسية في بغداد سنة ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م، واستضاف سلاطين المماليك الخلفاء العبّاسيين في القاهرة، وهكذا أضحت القاهرة - حيث ولد المقريزي - ليست فقط عاصمة لسلطنة المماليك بل مركز الجذب السّياسي والثّقافي للعالم الإسلامي (٣).
ورغم أنّ جدّ المقريزي الشّيخ محيي الدين أبا محمّد عبد القادر بن محمّد بن إبراهيم قد تردّد على القاهرة إلاّ أنّه لم يستقرّ بها، فقد توفي بدمشق في ١٢ ربيع الأوّل سنة ٧٣٣ هـ/ ١٣٣٢ م (٤).
وكان علاء الدين عليّ بن عبد القادر والد المقريزي، هو الذي انتقل إلى القاهرة حيث تزوّج منها واستقرّ نهائيا فيها حتى وفاته سنة ٧٧٩ هـ/ ١٣٨٤ م (٥).
_________
= Encyclopedique du monde afro-oriental»، Les Africains IX (Paris ١٩٧٨) pp. ١٩٧ - ٢٢٣; Rabbat، N.O.، «Al-Maqrizi's khitat، an Egyptian Lieu de memoire»، in the Cairo Heritage-Essays in Honor of Laila Ali Ibrahim، ed.by Doris Behrens-Abouseif، Cairo-AUC ٢٠٠٠، pp.
١٦ - ٣٠; Jarrar، S.، «al-Maqrizi's Reinvention of Egyptian Historiography through Architectural History»، pp. ٣١ - ٥٤.
(١) ابن حجر: إنباء الغمر ١٨٧: ٤؛ السخاوي: الضوء اللامع ٢١: ٢، التبر المسبوك ٢١.
(٢) ابن الصيرفي: نزهة النفوس ٢٤٢: ٤.
(٣) Garcin، J. -Cl.، op.cit.، p. ١٩٩
(٤) المقريزي: السلوك ٣٦٥: ٢؛ ابن حجر: الدرر الكامنة ٥: ٢.
(٥) نفسه ٣٢٦: ٣؛ ابن حجر: إنباء الغمر ١٦٦: ١؛ أبو المحاسن: الدليل الشافي ٤٢٢: ١.
стр. 34
وكان مذهب أسرة المقريزي، على الأقلّ اعتبارا من جدّ المقريزي، هو المذهب الحنبلي؛ فقد كان عبد القادر بن محمّد المقريزي من أعيان فقهاء الحنابلة ومن كبار المحدّثين (١). وعندما هاجر ولده عليّ بن عبد القادر إلى مصر واستقرّ في القاهرة «باشر التّوقيع السّلطاني وعدّة وظائف، وكان الأغلب عليه صناعة كتابة الإنشاء والحساب» (٢). ورغم أنّ المذاهب الشّائعة في مصر في هذا الوقت كانت المذهب الشّافعي والمذهب المالكيّ، فقد صاهر والد المقريزي أسرة حنفيّة المذهب حيث تزوّج من ابنة أحد كبار فقهاء الحنفيّة وتدعي السيدة أسماء ابنة الشّيخ شمس الدين محمّد بن عبد الرّحمن بن عليّ بن الصّائغ في المحرّم سنة ٧٦٥ هـ/ ١٣٦٤ م (٣) الذي شغل بعض الوظائف الهامّة حيث تولّى إفتاء دار العدل سنة ٧٦٥ هـ/ ١٣٦٤ م ثم تولّى قضاء العسكر وتدريس المذهب الحنفي بجامع ابن طولون سنة ٧٧٣ هـ/ ١٣٧٣ م وكان الطّلبة يتردّدون على داره ليلا لأخذ علم القراءات عليه إلى أن توفّي في سنة ٧٧٦ هـ/ ١٣٧٥ م (٤).
هكذا نشأ المقريزيّ في بيت علم وحتّى يستفيد من علاقات جدّه لأمّه وصلاته العلمية تلقّى المقريزي علومه الدينية على المذهب الحنفي بدلا من المذهب الحنبلي الذي كان عليه أباؤه، وظلّ كذلك حتى بعد وفاة جدّه ابن الصّائغ سنة ٧٧٦ هـ/ ١٣٧٥ م. ولكن بعد وفاة والده عليّ بن عبد القادر بعد ذلك بثلاث سنوات سنة ٧٧٩ هـ/ ١٣٨٤ م تحوّل شافعيّا واستقرّ على هذا المذهب حتى وفاته مع ميل إلى مذهب الظّاهر (أي مذهب ابن حزم) (٥). فقد كان المقريزيّ يرى أنّ انتسابه للمذهب الشّافعيّ سيساعده على الاندماج في المجتمع المصري أكثر من المذهب الحنبلي مذهب أبائه والأكثر تشدّدا من المذهب الحنفي الذي كان يرى أنّه أكثر تسامحا وإن احتفظ له ببعض الكره (٦) يتّضح من معاداته بعد ذلك لكثير من المنتسبين لهذا المذهب ومنهم المؤرّخ صارم الدين إبراهيم بن أيدمر العلائي المعروف بابن دقماق.
_________
(١) المقريزي: السلوك ٣٦٥: ٢؛ السخاوي: الضوء اللامع ٢١: ٢، ٢٢.
(٢) نفسه ٣٢٦: ٣؛ نفسه ٢١: ٢، ابن حجر: إنباء الغمر ١٨٨: ٤، ابن الصيرفي: نزهة النفوس ٢٤٢: ٤.
(٣) المقريزي: درر العقود الفريدة ٤٧٩، ابن حجر: إنباء الغمر ١٦٦: ١، ٣٣: ٢، ١٨٨: ٤، الدرر الكامنة ٥: ٣.
(٤) ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء ١٦٤: ٢؛ المقريزي: السلوك ٢٤٥: ٣؛ ابن حجر: إنباء الغمر ٩٥: ١، الدرر الكامنة ٤.
(٥) أبو المحاسن: المنهل الصافي ٤١٥: ١، النجوم الزاهرة ٤٩١: ١٥؛ السخاوي: الضوء اللامع ٢١: ٢، التبر المسبوك ٢٢؛ ابن الصيرفي: نزهة النفوس ٢٤٢: ٤.
(٦) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٤٩١: ١٥. Garcin، J. -CI.، op.cit.p. ٢٠٠.
стр. 35
وقد تتلمذ المقريزي لمشيخة فاضلة من علماء عصره بلغوا حسب إحصائه لهم - كما نقل عنه السّخاوي - ستّ مائة نفس، أخذ عنهم الفقه والحديث والقراءات واللّغة والنّحو والأدب والتاريخ (١).
ولا شك أنّ أهمّ شيوخ المقريزي الذين أثّروا فيه واستفاد منهم في مجال التّاريخ، وخاصّة التّاريخ العمراني والاقتصادي والاجتماعي، أستاذه مؤسّس علم الاجتماع العلاّمة التّونسي عبد الرّحمن بن خلدون. فقد اجتمع المقريزي بابن خلدون منذ قدومه إلى مصر واستقراره بها سنة ٧٨٤ هـ/ ١٣٨٢ م. ومنذ وصول ابن خلدون إلى مصر توطّدت الصّلة بينه وبين السّلطان الظّاهر برقوق الذي ولاّه تدريس المدرسة القمحيّة المجاورة لجامع عمرو بن العاص بالفسطاط، وقلّده قضاء القضاة المالكيّة بديار مصر سنة ٧٨٦ هـ/ ١٣٨٤ م. وبعد وفاة برقوق سنة ٨٠١ هـ/ ١٣٩٩ م صحب ابن خلدون ولده السّلطان الملك النّاصر فرج عندما خرج إلى الشّام لمحاربة تيمور لنك وسعى للقاء تيمور لنك بعد انهزام فرج بن برقوق في دمشق. وبعد عودة ابن خلدون إلى القاهرة تولّى قضاء قضاة المالكيّة بها أكثر من مرّة حتى وفاته سنة ٨٠٨ هـ/ ١٤٠٥ م (٢).
وقد ترجم المقريزيّ لشيخه ابن خلدون ترجمة مطوّلة في كتابه «درر العقود الفريدة» (٣) أظهر فيها إعجابه الشّديد به وبكتابه «العبر وديوان المبتدأ والخبر» وقال عنه: «وهو لعمري نادرة عجيبة ودرّة بديعة غريبة سيّما مقدّمته التي لم يعمل مثالها، وأنّه لعزيز أن ينال مجتهد منالها إذ هي زبدة المعارف والعلوم ونتيجة العقول السّليمة والفهوم، توقفك على كنه الأشياء وتعرّفك حقيقة الحوادث والأنباء» (٤).
_________
(١) السخاوي: الضوء اللامع ٢٣: ٢؛ الشوكاني: البدر الطالع ٧٩: ١، ٨١؛ محمد كمال الدين عز الدين: المقريزي مؤرخا ٣٤ - ٤٢.
(٢) ما كتب عن ابن خلدون كثير يتناسب مع قيمته وأهميته لذلك فإني أحيل القارئ إلى المؤلفات الآتية التي تشمل لوحة حياته وأهم أعماله، ابن خلدون: التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا، نشره محمد بن تاويت الطنجي، القاهرة ١٩٥١؛ محمد عبد اللّه عنان: ابن خلدون، حياته وتراثه الفكري، القاهرة ١٩٣٣، ١٩٥٣؛ عبد الرحمن بدوي: مؤلفات ابن خلدون، القاهرة ١٩٦٢، تونس: ١٩٦٩؛ أبو القاسم محمد كرو: العرب وابن خلدون: بيروت ١٩٨٨؛ Fischel، W.J.، Ibn Khaldun in Egypt.His Public Functions and his Historical Research (١٣٨٢ - ١٤٠٦)، Berkeley ١٩٦٧; Talbi، M.، El?.، art.Ibn Khaldu? n III pp.
٨٤٩ - ٥٥.
(٣) محمود الجليلي: «ترجمة ابن خلدون للمقريزي»، مجلة المجمع العلمي العراقي ١٣ (١٩٦٥) ٢١٥ - ٢٤٢.
(٤) نفسه ٢٣٥.
стр. 36
وقد أدّت إقامة ابن خلدون الطّويلة في مصر إلى اتّصال العديد من علماء ومؤرّخي مصر به ممّا أدّى إلى تكوين مدرسة حوله من المعجبين به والمتتلمذين عليه يأتي في مقدّمتهم المقريزي (١).
***
ومن خلال مقدّمته لكتاب «الخطط» نرى المقريزي مواطنا مصريا غيورا كرّس جهده العلمي طوال حياته لكتابة تاريخ مصر السّياسي والاجتماعي والاقتصادي، ولإحياء معالم مسقط رأسه القاهرة وتوضيح مجاهلها وتجديد مآثرها وترجمة أعيانها (٢). يقول في مقدّمة «الخطط»: «كانت مصر هي مسقط رأسي وملعب أترابي ومجمع ناسي ومغني عشيرتي وحامتي وموطن خاصّتي وعامّتي وجوّي الذي ربّي جناحي في وكره وعشّ مأربي» (٣). ويقول عن حارة برجوان التي ولد فيها: «وما برحنا ونحن شباب نفاخر بحارة برجوان سكّان جميع حارات القاهرة» (٤).
وقد كانت للمقريزي مشاركة في الحياة العامّة منذ نعومة أظفاره، ففي أثناء الجفاف الذي أصاب البلاد سنة ٧٧٥ هـ/ ١٣٧٣ هـ خرج المقريزيّ مع من خرج يومئذ إلى قبّة النّصر خارج القاهرة لصلاة صلاة الاستسقاء (٥). وعندما بلغ أشدّه تقلّب في العديد من الوظائف الدّيوانية حيث باشر التّوقيع السّلطاني عند القاضي بدر الدين محمّد بن فضل اللّه العمري جالسا بقاعة الإنشاء المجاورة لقاعة الصّاحب بقلعة القاهرة إلى نحو التسعين وسبع مائة/ ١٣٨٨ م (٦).
وفي ١١ رجب سنة ٨٠١ هـ/ ١٣٩٨ م ولي المقريزي حسبة القاهرة والوجه البحري عوضا عن شمس الدين محمد المحاسني، وفي ١٧ ذي القعدة من العام نفسه خلع عليه وكتب له بحسبة القاهرة بعد تولّي النّاصر فرج بن برقوق، ثم عزل بالقاضي بدر الدين العيني في ٢٦ ذي الحجّة من نفس العام (٧). ولا شكّ أنّ شغله لوظيفة الحسبة قد منحه تدريبا عمليّا حول بعض القضايا الاقتصادية استعان بها في مؤلّفاته وخاصّة «إغاثة الأمّة»، كما أنّ مباشرته للتّوقيع السّلطاني
_________
(١) محمد مصطفى زيادة: المؤرخون في مصر في القرن الخامس عشر الميلادي ٦.
(٢) السخاوي: الضوء اللامع ٢٤: ٢، التبر المسبوك ٢٤.
(٣) المقريزي: المواعظ والاعتبار فيما يلي ٤.
(٤) المقريزي: الخطط ٩٥: ٢.
(٥) المقريزي: السلوك ٢١٩: ٣.
(٦) المقريزي: الخطط ٢٢٥: ٢؛ السخاوي: التبر المسبوك ٢٢.
(٧) المقريزي: السلوك ٩٣٠: ٣؛ أبو المحاسن: المنهل الصافي ٤١٦: ١، ٤١٧؛ السخاوي: الضوء اللامع ٢٢: ٢؛ ابن الصيرفي: نزهة النفوس ٢٤٣: ٤.
стр. 37
بديوان الإنشاء عرّفه بعالم رجال الدّولة ومشاكله التي لا شكّ في أنّه أفاد منها كمؤرّخ فيما بعد.
وقد تولّى المقريزي كذلك في تواريخ نجهلها نيابة الحكم والخطابة بجامع عمرو وبمدرسة السّلطان حسن وإمامة ونظر جامع الحاكم (١). وربّما شغل المقريزي هذه الوظائف في الفترة التي اتّصل فيها بالسّلطان الظّاهر برقوق بواسطة شيخه عبد الرّحمن بن خلدون، حيث نال منه حظوة. وفي هذه الفترة وطّد المقريزي صلته بأحد كبار الأمراء هو يشبك بن عبد اللّه الأتابكي الشّعباني (٢) الذي لعب دورا نشطا في أثناء الاضطرابات الدامية التي سادت في زمن النّاصر فرج بن برقوق. وربّما بسبب هذه الصّلة دخل المقريزي إلى دمشق بصحبة النّاصر فرج في فترة مليئة بالفوضى السّياسية، وأخذ يتردّد عليها حتّى سنة ٨١٥ هـ/ ١٤١٢ م حيث تولّى بها نظر وقف القلانسي والبيمارستان النّوري وتدريس دار الحديث الأشرفيّة والمدرسة الإقباليّة. وعرض عليه النّاصر فرج أثناء وجوده بالشّام قضاء الشّافعيّة فأبى قبوله لأنّه شعر أنّ وراء هذا العرض بعض الشّبهات (٣).
كانت إقامة المقريزي في دمشق هذه الفترة هربا من الجوّ السّياسي المضطرب والخطير الذي كان سائدا حينئذ في العاصمة المصرية. وعندما عاد المقريزي إلى القاهرة سنة ٨١٥ هـ/ ١٤١٢ م إثر مقتل النّاصر فرج، كان النّظام المملوكي قد بدأ يعرف استقرارا نسبيا في زمن سلطنة المؤيّد شيخ المحمودي (٨١٥ - ٨٢٥ هـ/ ١٤١٢ - ١٤٢١ م) ويبدو أنّ المقريزي قد وضع أمالا كبارا في السّلطان الجديد، وربّما كانت هناك صلة بين هذه المشاعر وتقلّد المقريزي تدريس الحديث بالمدرسة المؤيّدية (٤) - التي أنشأها السّلطان المؤيّد شيخ ملاصقة لباب زويلة في القاهرة - دون شك بعد الفراغ من بنائها سنة ٨٢٣ هـ/ ١٤٢٠ م، ولا ندري الوقت الذي أمضاه المقريزي في تولّي وظيفة تدريس الحديث بالمؤيّدية وربّما انتهت هذه المدّة بوفاة المؤيّد شيخ نفسه في عام ٨٢٥ هـ/ ١٤٢١ م.
وطوال العشرين عاما التالية أعرض المقريزي عن الوظائف العامّة وأبعده عنها السّلاطين وخاصّة برسباي «فأقام ببلده عاكفا على الاشتغال بالتاريخ حتّى اشتهر به ذكره وبعد فيه صيته» (٥)، ولم
_________
(١) السخاوي: الضوء اللامع ٢٢: ٢، التبر المسبوك ٢٢.
(٢) أبو المحاسن: المنهل الصافي ٧٨٤: ٢؛ السخاوي: التبر المسبوك ٢٢؛ الشوكاني: البدر الطالع ٨٠: ١.
(٣) أبو المحاسن: المنهل الصافي ٤١٧: ١؛ السخاوي: الضوء اللامع ٢٢: ٢، التبر المسبوك ٢٢؛ الشوكاني: البدر الطالع ٨٠: ١؛ Garcin، J. -CI.، op.cit.، p. ٢٠١.
(٤) السخاوي: الضوء اللامع ٢٢: ٢، التبر المسبوك ٢٢.
(٥) نفسه ٢٢: ٢.
стр. 38
يقطع هذا الاعتكاف سوى مجاورته في مكّة بين سنتي ٨٣٤ هـ/ ١٤٣٠ م و ٨٣٩ هـ/ ١٤٣٥ م حيث حدّث فيها ببعض مروياته وتصانيفه ومن أهمّها كتاب «إمتاع الأسماع» الذي بدأ في إسماعه في أوّل أيام رمضان سنة ٨٣٤ هـ/ ١٤٣٠ م بالمسجد الحرام تجاه الميزاب (١).
وقد استغلّ المقريزي وجوده في مكّة في جمع معلومات لبعض مؤلّفاته الصّغيرة، وخاصّة عن بلاد العرب الجنوبية والحبشة، عن طريق اتّصاله بحجّاج بيت اللّه، وهي المؤلّفات التي كتب مسوّداتها هناك سنة ٨٣٩ هـ/ ١٤٣٥ م وبيّضها بعد عودته إلى القاهرة سنة ٨٤١ هـ/ ١٤٣٧ م (٢) حيث ظلّ مقيما منقطعا في داره بحارة برجوان «ملازما للعبادة والخلوة لا يتردّد إلى أحد إلاّ لضرورة» (٣) يكمل مؤلّفاته التي زادت على مائتي مجلّدة كبار حتّى وافاه الأجل بعد مرض طويل في عصر يوم الخميس سادس عشر رمضان سنة ٨٤٥ هـ/ ٦ فبراير سنة ١٤٤٢ م ودفن في اليوم التالي بحوش الصّوفيّة البيبرسية خارج باب النّصر بالقاهرة ﵀ (٤).
نسبه
ذكر بعض المؤرّخين أنّ نسب المقريزي يرجع إلى الفاطميين ومنهم صاحبه ابن حجر العسقلاني الذي قال في ترجمته: «وقد رأيت بعض المكّيين قرأ عليه شيئا من تصانيفه فكتب في أوّله نسبه إلى تميم بن المعزّ بن المنصور بن القائم بن المهدي عبد اللّه القائم بالمغرب قبل الثلاث مائة، ثم إنّه كشط ما كتبه ذلك المكّي من أوّل المجلّد، وكان في تصانيفه لا يتجاوز في نسبه عبد الصّمد بن تميم. ووقفت على ترجمة جدّه عبد القادر بخطّ الشيخ تقيّ الدين بن رافع (٥) وقد نسبه أنصاريّا فذكرت ذلك له فأنكر ذلك على ابن رافع وقال: من أين له ذلك! وذكر لي ناصر الدين أخوه أنّه بحث عن مستند أخيه تقي الدين في الانتساب إلى العبيديين، فذكر له أنّه دخل مع
_________
(١) المقريزي: السلوك ٨٥٤: ٤، ٨٥٨؛ أبو المحاسن: المنهل الصافي ٤١٨: ١؛ السخاوي: الضوء اللامع ٢٤: ٢.
(٢) مثل كتب «الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام» و «الطّرفة الغريبة في أخبار حضرموت العجيبة» و «الذّهب المشبوك في ذكر من حجّ من الخلفاء والملوك» و «تجريد التوحيد المفيد» و «المقاصد السنية لمعرفة الأجسام المعدنية».
(٣) أبو المحاسن: المنهل الصافي ٤١٧: ١، ويقول ابن الصيرفي: «كان الناس يترددون إليه وهو لا يتردد إليهم إلاّ في النادر» (نزهة النفوس ٢٤٣: ٤).
(٤) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٤٩٠: ١٥ - ٤٩١، المنهل الصافي ٤٢٠: ١؛ السخاوي: الضوء اللامع ٢٥: ٢، التبر المسبوك ٢٤؛ ابن حجر: إنباء الغمر ١٨٨: ٤ وفيه أن وفاته في سابع عشري شهر رمضان!، ابن الصيرفي: نزهة النفوس ٢٤٣: ٤ وفيه أن وفاته في تاسع عشر رمضان!
(٥) تقي الدين أبو المعالي محمد بن رافع بن هجرس -
стр. 39
والده جامع الحاكم فقال له وهو معه في وسط الجامع: يا ولدي هذا جامع جدّك» (١).
وقد كرّر ابن حجر ذلك في «الدّرر الكامنة» وقال إنّ المقريزي كان «يذكر أنّ أباه ذكر له أنّه من ذريّة تميم بن المعزّ باني القاهرة ولا يظهر ذلك إلاّ لمن يثق به» (٢).
وهذا الادّعاء الذي لم يرد في أيّ من مؤلّفات المقريزي والذي دعا إليه فيما يبدو عناية المقريزي واهتمامه بتاريخ الفاطميين وتاريخ القاهرة في زمانهم والذي دفع بعض الباحثين إلى التشكّك في اعتقاد المقريزي نفسه، يدحضه أنّ المقريزي كشط بنفسه ما أثبته المكّي الذي قرأ عليه بعض مصنّفاته ورفع فيه نسبه إلى الفاطميين. وقد برّأ المقريزيّ نفسه من اعتقاد مذاهب الفاطميين عندما تحدّث في كتابه عن الدّعوة الفاطمية حيث قال: «إنّ أكثر الناس اليوم قد جهلوا معتقدهم (أي الفاطميين) فأحببت أن أبيّن ذلك على ما وقفت عليه في كتبهم المصنّفة في ذلك متبرئا منه» (٣).
دار المقريزي وقبره
ولد المقريزي ونشأ وأقام في حارة برجوان - وهي واحدة من أقدم حارات القاهرة تنسب إلى الأستاذ أبي الفتوح برجوان مديّر دولة الحاكم بأمر اللّه الفاطمي -. ويحدّد موضعها اليوم المنطقة.
الواقعة أمام جامع الأقمر وخلف جامع سليمان أغا السّلحدار بشارع المعزّ لدين اللّه. وأشاد بها وبسوقها المقريزي في كتابه يقول: «وأدركت سوق حارة برجوان أعظم أسواق القاهرة، وما برحنا ونحن شباب نفاخر بحارة برجوان سكّان جميع حارات القاهرة» (٤).
وعند ذكره لدار المظفّر - التي كانت تقع داخل حارة برجوان - أشار إلى أنّ دار القاضي شمس الدين محمد الطّرابلسي بنيت في محلّ دار المظفّر وأنّها تقع على يسار من سلك من باب حارة برجوان طالبا المسجد المسمّى بجعفر، وذكر أنّ من جملة حقوقها رحبة الأفيال وحدرة الزّاهدي إلى الدّار المعروفة بسكني قريبا من حمّام الرّومي (٥). وذكر في موضع آخر
_________
= السّلامي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ صاحب كتاب «الوفيات»، نشره صالح مهدي عباس وصدر عن مؤسسة الرسالة في بيروت سنة ١٩٨٢، ولم أقف فيه على أي ذكر لجد المقريزي وربما ذكر ذلك في كتاب آخر.
(١) ابن حجر: إنباء الغمر ١٨٨: ٤، وانظر كذلك ابن الصيرفي: نزهة النفوس ٢٤٢: ٤ - ٢٤٣؛ الشوكاني: البدر الطالع ٨٠: ١.
(٢) ابن حجر: الدرر الكامنة ٥: ٣.
(٣) المقريزي: مسودة المواعظ ٩٤.
(٤) المقريزي: الخطط ٩٥: ٢.
(٥) نفسه ٥٢: ٢.
стр. 40
أنّ «الدار التي بها سكنى اليوم هي من حقوق دار المظفّر الصّغرى» (١).
وذكر أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي - تلميذ المقريزي - أنّه سمع كتاب «فضل الخيل» للحافظ شرف الدين الدّمياطي بمنزل المقريزي بحارة برجوان قبل وفاة المقريزي بأقلّ من شهر يقول: «وقد سمعت أنا هذا الكتاب بقراءة الحافظ قطب الدين [محمد بن محمد بن عبد اللّه] الخيضري في أربع مجالس آخرها في سلخ شعبان سنة خمس وأربعين وثمان مائة بالقاهرة في منزل المسمع بحارة برجوان على الشيخ الإمام العلاّمة المحدّث عمدة المؤرّخين [مؤرّخ الدّيار المصرية] تقيّ الدين أحمد بن عليّ بن عبد القادر المقريزي الشّافعي بسماعه جميعه على الشيخ المسند ناصر الدين محمد بن علي بن يوسف بن الطّبردار الحرّاوي بسماعه جميعه من مؤلّفه الحافظ أبي محمد الدّمياطي» (٢).
وقد تمكّن عالم الآثار الرّاحل حسن عبد الوهّاب (١٨٩٨ - ١٩٦٧) من تحديد موقع دار المقريزي بحارة برجوان. ففي شهر مايو سنة ١٩٥٧ م كتبت وزارة الأوقاف إلى مصلحة الآثار تطلب إبداء الرأي في استبدال قطعة الأرض رقم ١٢ بعطفة السّلحدار وقف تقيّ الدين المقريزي الخيري.
وبالرجوع إلى مستندات قسم الاستبدال بوزارة الأوقاف تأكّد الأستاذ حسن عبد الوهّاب أنّ هذه القطعة جزء من أرض دار المقريزي، وبعد هدم قصر سليمان أغا السّلحدار وإنشاء مدرسة ودور حديثة على مساحته أصبحت دار المقريزي في ساحة المدرسة المنشأة وعلى رأس الحارة (٣).
أمّا «قبر المقريزي» فقد كان يقع في حوش الصّوفيّة البيبرسية خارج باب النّصر وقبره المسنّم من جانب حائط التّربة بينه وبين الكمال الدّميري خطوات يسيرة (٤). وهو الحوش الذي كان يدفن فيه صوفيّة خانقاه سعيد السّعداء وخانقاه بيبرس الجاشنكير، ودفن في هذا الحوش كذلك عدد كبير من علماء ومشايخ المسلمين من بينهم عالم الاجتماع المشهور وشيخ المقريزي، عبد الرّحمن بن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ هـ/ ١٤٠٦ م. وللأسف الشديد فقد تمّت إزالة هذا الحوش في منتصف عام ٢٠٠١ م لفتح طريق أمام سور القاهرة الشمالي لتوسعة شارع جلال، وليربط بين شارع المنصورية
_________
(١) المقريزي: الخطط ٤٦١: ١، وذكر المقريزي في موضع أثناء حديثه عن دار أزدمر أنّها مجاورة لسكنه الآن خلف فندق مسرور الكبير (الخطط ٤٤٥: ١).
(٢) أبو المحاسن: المنهل الصافي ٣٧٢: ٧ - ٣٧٣، النجوم الزاهرة ٢١٩: ٨.
(٣) حسن عبد الوهاب: «حول دار المقريزي»، دراسات عن المقريزي، القاهرة ١٩٧١، ٧٥ - ٧٩.
(٤) من تعليق للجبرتي على غلاف نسخة الخطط المحفوظة في المكتبة البريطانية برقم. Add. ٢٥٧٤١
следующие страницы →