Полный текст (3 560 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وقد أدّت إقامة ابن خلدون الطّويلة في مصر إلى اتّصال العديد من علماء ومؤرّخي مصر به ممّا أدّى إلى تكوين مدرسة حوله من المعجبين به والمتتلمذين عليه يأتي في مقدّمتهم المقريزي (١).
***
ومن خلال مقدّمته لكتاب «الخطط» نرى المقريزي مواطنا مصريا غيورا كرّس جهده العلمي طوال حياته لكتابة تاريخ مصر السّياسي والاجتماعي والاقتصادي، ولإحياء معالم مسقط رأسه القاهرة وتوضيح مجاهلها وتجديد مآثرها وترجمة أعيانها (٢). يقول في مقدّمة «الخطط»: «كانت مصر هي مسقط رأسي وملعب أترابي ومجمع ناسي ومغني عشيرتي وحامتي وموطن خاصّتي وعامّتي وجوّي الذي ربّي جناحي في وكره وعشّ مأربي» (٣). ويقول عن حارة برجوان التي ولد فيها: «وما برحنا ونحن شباب نفاخر بحارة برجوان سكّان جميع حارات القاهرة» (٤).
وقد كانت للمقريزي مشاركة في الحياة العامّة منذ نعومة أظفاره، ففي أثناء الجفاف الذي أصاب البلاد سنة ٧٧٥ هـ/ ١٣٧٣ هـ خرج المقريزيّ مع من خرج يومئذ إلى قبّة النّصر خارج القاهرة لصلاة صلاة الاستسقاء (٥). وعندما بلغ أشدّه تقلّب في العديد من الوظائف الدّيوانية حيث باشر التّوقيع السّلطاني عند القاضي بدر الدين محمّد بن فضل اللّه العمري جالسا بقاعة الإنشاء المجاورة لقاعة الصّاحب بقلعة القاهرة إلى نحو التسعين وسبع مائة/ ١٣٨٨ م (٦).
وفي ١١ رجب سنة ٨٠١ هـ/ ١٣٩٨ م ولي المقريزي حسبة القاهرة والوجه البحري عوضا عن شمس الدين محمد المحاسني، وفي ١٧ ذي القعدة من العام نفسه خلع عليه وكتب له بحسبة القاهرة بعد تولّي النّاصر فرج بن برقوق، ثم عزل بالقاضي بدر الدين العيني في ٢٦ ذي الحجّة من نفس العام (٧). ولا شكّ أنّ شغله لوظيفة الحسبة قد منحه تدريبا عمليّا حول بعض القضايا الاقتصادية استعان بها في مؤلّفاته وخاصّة «إغاثة الأمّة»، كما أنّ مباشرته للتّوقيع السّلطاني
_________
(١) محمد مصطفى زيادة: المؤرخون في مصر في القرن الخامس عشر الميلادي ٦.
(٢) السخاوي: الضوء اللامع ٢٤: ٢، التبر المسبوك ٢٤.
(٣) المقريزي: المواعظ والاعتبار فيما يلي ٤.
(٤) المقريزي: الخطط ٩٥: ٢.
(٥) المقريزي: السلوك ٢١٩: ٣.
(٦) المقريزي: الخطط ٢٢٥: ٢؛ السخاوي: التبر المسبوك ٢٢.
(٧) المقريزي: السلوك ٩٣٠: ٣؛ أبو المحاسن: المنهل الصافي ٤١٦: ١، ٤١٧؛ السخاوي: الضوء اللامع ٢٢: ٢؛ ابن الصيرفي: نزهة النفوس ٢٤٣: ٤.
стр. 37
بديوان الإنشاء عرّفه بعالم رجال الدّولة ومشاكله التي لا شكّ في أنّه أفاد منها كمؤرّخ فيما بعد.
وقد تولّى المقريزي كذلك في تواريخ نجهلها نيابة الحكم والخطابة بجامع عمرو وبمدرسة السّلطان حسن وإمامة ونظر جامع الحاكم (١). وربّما شغل المقريزي هذه الوظائف في الفترة التي اتّصل فيها بالسّلطان الظّاهر برقوق بواسطة شيخه عبد الرّحمن بن خلدون، حيث نال منه حظوة. وفي هذه الفترة وطّد المقريزي صلته بأحد كبار الأمراء هو يشبك بن عبد اللّه الأتابكي الشّعباني (٢) الذي لعب دورا نشطا في أثناء الاضطرابات الدامية التي سادت في زمن النّاصر فرج بن برقوق. وربّما بسبب هذه الصّلة دخل المقريزي إلى دمشق بصحبة النّاصر فرج في فترة مليئة بالفوضى السّياسية، وأخذ يتردّد عليها حتّى سنة ٨١٥ هـ/ ١٤١٢ م حيث تولّى بها نظر وقف القلانسي والبيمارستان النّوري وتدريس دار الحديث الأشرفيّة والمدرسة الإقباليّة. وعرض عليه النّاصر فرج أثناء وجوده بالشّام قضاء الشّافعيّة فأبى قبوله لأنّه شعر أنّ وراء هذا العرض بعض الشّبهات (٣).
كانت إقامة المقريزي في دمشق هذه الفترة هربا من الجوّ السّياسي المضطرب والخطير الذي كان سائدا حينئذ في العاصمة المصرية. وعندما عاد المقريزي إلى القاهرة سنة ٨١٥ هـ/ ١٤١٢ م إثر مقتل النّاصر فرج، كان النّظام المملوكي قد بدأ يعرف استقرارا نسبيا في زمن سلطنة المؤيّد شيخ المحمودي (٨١٥ - ٨٢٥ هـ/ ١٤١٢ - ١٤٢١ م) ويبدو أنّ المقريزي قد وضع أمالا كبارا في السّلطان الجديد، وربّما كانت هناك صلة بين هذه المشاعر وتقلّد المقريزي تدريس الحديث بالمدرسة المؤيّدية (٤) - التي أنشأها السّلطان المؤيّد شيخ ملاصقة لباب زويلة في القاهرة - دون شك بعد الفراغ من بنائها سنة ٨٢٣ هـ/ ١٤٢٠ م، ولا ندري الوقت الذي أمضاه المقريزي في تولّي وظيفة تدريس الحديث بالمؤيّدية وربّما انتهت هذه المدّة بوفاة المؤيّد شيخ نفسه في عام ٨٢٥ هـ/ ١٤٢١ م.
وطوال العشرين عاما التالية أعرض المقريزي عن الوظائف العامّة وأبعده عنها السّلاطين وخاصّة برسباي «فأقام ببلده عاكفا على الاشتغال بالتاريخ حتّى اشتهر به ذكره وبعد فيه صيته» (٥)، ولم
_________
(١) السخاوي: الضوء اللامع ٢٢: ٢، التبر المسبوك ٢٢.
(٢) أبو المحاسن: المنهل الصافي ٧٨٤: ٢؛ السخاوي: التبر المسبوك ٢٢؛ الشوكاني: البدر الطالع ٨٠: ١.
(٣) أبو المحاسن: المنهل الصافي ٤١٧: ١؛ السخاوي: الضوء اللامع ٢٢: ٢، التبر المسبوك ٢٢؛ الشوكاني: البدر الطالع ٨٠: ١؛ Garcin، J. -CI.، op.cit.، p. ٢٠١.
(٤) السخاوي: الضوء اللامع ٢٢: ٢، التبر المسبوك ٢٢.
(٥) نفسه ٢٢: ٢.
стр. 38
يقطع هذا الاعتكاف سوى مجاورته في مكّة بين سنتي ٨٣٤ هـ/ ١٤٣٠ م و ٨٣٩ هـ/ ١٤٣٥ م حيث حدّث فيها ببعض مروياته وتصانيفه ومن أهمّها كتاب «إمتاع الأسماع» الذي بدأ في إسماعه في أوّل أيام رمضان سنة ٨٣٤ هـ/ ١٤٣٠ م بالمسجد الحرام تجاه الميزاب (١).
وقد استغلّ المقريزي وجوده في مكّة في جمع معلومات لبعض مؤلّفاته الصّغيرة، وخاصّة عن بلاد العرب الجنوبية والحبشة، عن طريق اتّصاله بحجّاج بيت اللّه، وهي المؤلّفات التي كتب مسوّداتها هناك سنة ٨٣٩ هـ/ ١٤٣٥ م وبيّضها بعد عودته إلى القاهرة سنة ٨٤١ هـ/ ١٤٣٧ م (٢) حيث ظلّ مقيما منقطعا في داره بحارة برجوان «ملازما للعبادة والخلوة لا يتردّد إلى أحد إلاّ لضرورة» (٣) يكمل مؤلّفاته التي زادت على مائتي مجلّدة كبار حتّى وافاه الأجل بعد مرض طويل في عصر يوم الخميس سادس عشر رمضان سنة ٨٤٥ هـ/ ٦ فبراير سنة ١٤٤٢ م ودفن في اليوم التالي بحوش الصّوفيّة البيبرسية خارج باب النّصر بالقاهرة ﵀ (٤).
نسبه
ذكر بعض المؤرّخين أنّ نسب المقريزي يرجع إلى الفاطميين ومنهم صاحبه ابن حجر العسقلاني الذي قال في ترجمته: «وقد رأيت بعض المكّيين قرأ عليه شيئا من تصانيفه فكتب في أوّله نسبه إلى تميم بن المعزّ بن المنصور بن القائم بن المهدي عبد اللّه القائم بالمغرب قبل الثلاث مائة، ثم إنّه كشط ما كتبه ذلك المكّي من أوّل المجلّد، وكان في تصانيفه لا يتجاوز في نسبه عبد الصّمد بن تميم. ووقفت على ترجمة جدّه عبد القادر بخطّ الشيخ تقيّ الدين بن رافع (٥) وقد نسبه أنصاريّا فذكرت ذلك له فأنكر ذلك على ابن رافع وقال: من أين له ذلك! وذكر لي ناصر الدين أخوه أنّه بحث عن مستند أخيه تقي الدين في الانتساب إلى العبيديين، فذكر له أنّه دخل مع
_________
(١) المقريزي: السلوك ٨٥٤: ٤، ٨٥٨؛ أبو المحاسن: المنهل الصافي ٤١٨: ١؛ السخاوي: الضوء اللامع ٢٤: ٢.
(٢) مثل كتب «الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام» و «الطّرفة الغريبة في أخبار حضرموت العجيبة» و «الذّهب المشبوك في ذكر من حجّ من الخلفاء والملوك» و «تجريد التوحيد المفيد» و «المقاصد السنية لمعرفة الأجسام المعدنية».
(٣) أبو المحاسن: المنهل الصافي ٤١٧: ١، ويقول ابن الصيرفي: «كان الناس يترددون إليه وهو لا يتردد إليهم إلاّ في النادر» (نزهة النفوس ٢٤٣: ٤).
(٤) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٤٩٠: ١٥ - ٤٩١، المنهل الصافي ٤٢٠: ١؛ السخاوي: الضوء اللامع ٢٥: ٢، التبر المسبوك ٢٤؛ ابن حجر: إنباء الغمر ١٨٨: ٤ وفيه أن وفاته في سابع عشري شهر رمضان!، ابن الصيرفي: نزهة النفوس ٢٤٣: ٤ وفيه أن وفاته في تاسع عشر رمضان!
(٥) تقي الدين أبو المعالي محمد بن رافع بن هجرس -
стр. 39
والده جامع الحاكم فقال له وهو معه في وسط الجامع: يا ولدي هذا جامع جدّك» (١).
وقد كرّر ابن حجر ذلك في «الدّرر الكامنة» وقال إنّ المقريزي كان «يذكر أنّ أباه ذكر له أنّه من ذريّة تميم بن المعزّ باني القاهرة ولا يظهر ذلك إلاّ لمن يثق به» (٢).
وهذا الادّعاء الذي لم يرد في أيّ من مؤلّفات المقريزي والذي دعا إليه فيما يبدو عناية المقريزي واهتمامه بتاريخ الفاطميين وتاريخ القاهرة في زمانهم والذي دفع بعض الباحثين إلى التشكّك في اعتقاد المقريزي نفسه، يدحضه أنّ المقريزي كشط بنفسه ما أثبته المكّي الذي قرأ عليه بعض مصنّفاته ورفع فيه نسبه إلى الفاطميين. وقد برّأ المقريزيّ نفسه من اعتقاد مذاهب الفاطميين عندما تحدّث في كتابه عن الدّعوة الفاطمية حيث قال: «إنّ أكثر الناس اليوم قد جهلوا معتقدهم (أي الفاطميين) فأحببت أن أبيّن ذلك على ما وقفت عليه في كتبهم المصنّفة في ذلك متبرئا منه» (٣).
دار المقريزي وقبره
ولد المقريزي ونشأ وأقام في حارة برجوان - وهي واحدة من أقدم حارات القاهرة تنسب إلى الأستاذ أبي الفتوح برجوان مديّر دولة الحاكم بأمر اللّه الفاطمي -. ويحدّد موضعها اليوم المنطقة.
الواقعة أمام جامع الأقمر وخلف جامع سليمان أغا السّلحدار بشارع المعزّ لدين اللّه. وأشاد بها وبسوقها المقريزي في كتابه يقول: «وأدركت سوق حارة برجوان أعظم أسواق القاهرة، وما برحنا ونحن شباب نفاخر بحارة برجوان سكّان جميع حارات القاهرة» (٤).
وعند ذكره لدار المظفّر - التي كانت تقع داخل حارة برجوان - أشار إلى أنّ دار القاضي شمس الدين محمد الطّرابلسي بنيت في محلّ دار المظفّر وأنّها تقع على يسار من سلك من باب حارة برجوان طالبا المسجد المسمّى بجعفر، وذكر أنّ من جملة حقوقها رحبة الأفيال وحدرة الزّاهدي إلى الدّار المعروفة بسكني قريبا من حمّام الرّومي (٥). وذكر في موضع آخر
_________
= السّلامي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ صاحب كتاب «الوفيات»، نشره صالح مهدي عباس وصدر عن مؤسسة الرسالة في بيروت سنة ١٩٨٢، ولم أقف فيه على أي ذكر لجد المقريزي وربما ذكر ذلك في كتاب آخر.
(١) ابن حجر: إنباء الغمر ١٨٨: ٤، وانظر كذلك ابن الصيرفي: نزهة النفوس ٢٤٢: ٤ - ٢٤٣؛ الشوكاني: البدر الطالع ٨٠: ١.
(٢) ابن حجر: الدرر الكامنة ٥: ٣.
(٣) المقريزي: مسودة المواعظ ٩٤.
(٤) المقريزي: الخطط ٩٥: ٢.
(٥) نفسه ٥٢: ٢.
стр. 40
أنّ «الدار التي بها سكنى اليوم هي من حقوق دار المظفّر الصّغرى» (١).
وذكر أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي - تلميذ المقريزي - أنّه سمع كتاب «فضل الخيل» للحافظ شرف الدين الدّمياطي بمنزل المقريزي بحارة برجوان قبل وفاة المقريزي بأقلّ من شهر يقول: «وقد سمعت أنا هذا الكتاب بقراءة الحافظ قطب الدين [محمد بن محمد بن عبد اللّه] الخيضري في أربع مجالس آخرها في سلخ شعبان سنة خمس وأربعين وثمان مائة بالقاهرة في منزل المسمع بحارة برجوان على الشيخ الإمام العلاّمة المحدّث عمدة المؤرّخين [مؤرّخ الدّيار المصرية] تقيّ الدين أحمد بن عليّ بن عبد القادر المقريزي الشّافعي بسماعه جميعه على الشيخ المسند ناصر الدين محمد بن علي بن يوسف بن الطّبردار الحرّاوي بسماعه جميعه من مؤلّفه الحافظ أبي محمد الدّمياطي» (٢).
وقد تمكّن عالم الآثار الرّاحل حسن عبد الوهّاب (١٨٩٨ - ١٩٦٧) من تحديد موقع دار المقريزي بحارة برجوان. ففي شهر مايو سنة ١٩٥٧ م كتبت وزارة الأوقاف إلى مصلحة الآثار تطلب إبداء الرأي في استبدال قطعة الأرض رقم ١٢ بعطفة السّلحدار وقف تقيّ الدين المقريزي الخيري.
وبالرجوع إلى مستندات قسم الاستبدال بوزارة الأوقاف تأكّد الأستاذ حسن عبد الوهّاب أنّ هذه القطعة جزء من أرض دار المقريزي، وبعد هدم قصر سليمان أغا السّلحدار وإنشاء مدرسة ودور حديثة على مساحته أصبحت دار المقريزي في ساحة المدرسة المنشأة وعلى رأس الحارة (٣).
أمّا «قبر المقريزي» فقد كان يقع في حوش الصّوفيّة البيبرسية خارج باب النّصر وقبره المسنّم من جانب حائط التّربة بينه وبين الكمال الدّميري خطوات يسيرة (٤). وهو الحوش الذي كان يدفن فيه صوفيّة خانقاه سعيد السّعداء وخانقاه بيبرس الجاشنكير، ودفن في هذا الحوش كذلك عدد كبير من علماء ومشايخ المسلمين من بينهم عالم الاجتماع المشهور وشيخ المقريزي، عبد الرّحمن بن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ هـ/ ١٤٠٦ م. وللأسف الشديد فقد تمّت إزالة هذا الحوش في منتصف عام ٢٠٠١ م لفتح طريق أمام سور القاهرة الشمالي لتوسعة شارع جلال، وليربط بين شارع المنصورية
_________
(١) المقريزي: الخطط ٤٦١: ١، وذكر المقريزي في موضع أثناء حديثه عن دار أزدمر أنّها مجاورة لسكنه الآن خلف فندق مسرور الكبير (الخطط ٤٤٥: ١).
(٢) أبو المحاسن: المنهل الصافي ٣٧٢: ٧ - ٣٧٣، النجوم الزاهرة ٢١٩: ٨.
(٣) حسن عبد الوهاب: «حول دار المقريزي»، دراسات عن المقريزي، القاهرة ١٩٧١، ٧٥ - ٧٩.
(٤) من تعليق للجبرتي على غلاف نسخة الخطط المحفوظة في المكتبة البريطانية برقم. Add. ٢٥٧٤١
стр. 41
شرقا وشارع الجيش غربا، رغم نداءات المتخصّصين المتكرّرة للحفاظ على الصبغة التاريخية للمكان ووضع علامات وشواهد تدلّ على أسماء كبار العلماء الذين دفنوا في هذا الحوش.
стр. 42
مؤلّفاته
تنوّعت مؤلّفات المقريزي وتعدّدت وزادت على مائتي مجلّدة كبار كما ذكر السّخاوي، وغلب على هذه المؤلّفات التاريخ الذي «اشتهر به ذكره وبعد فيه صيته» (١). ويمكننا في هذا العرض أن نقسّم مؤلّفات المقريزي إلى أربعة أقسام:
المؤلّفات التاريخية وتشتمل على مؤلّفاته في تاريخ مصر وتاريخ الإسلام العام وسيرة النّبيّ ﷺ .
مؤلّفاته الصّغيرة.
مختصراته.
الكتب المنسوبة إليه.
مؤلّفاته التاريخية
١ - مصر
بالرّغم من وجود العديد من المؤلّفات التاريخية التي تؤرّخ لسلاطين المماليك منذ النّصف الثاني للقرن السّابع الهجري/ الثّالث عشر الميلادي، فنستطيع القول أنّه لم تظهر مدرسة مصرية بارزة من المؤرّخين قبل القرن الأخير من حكم المماليك. وبعد أن أنجبت هذه المدرسة مجموعة عظيمة من المؤرّخين انهارت فجأة بعد الفتح العثماني لمصر.
وقد تتلمذ الجيل الأوّل من هذه المدرسة على المؤرّخ وعالم الاجتماع التّونسي عبد الرّحمن بن خلدون. وتبدأ سلسلة هؤلاء المؤرّخين بمؤرّخنا تقيّ الدين أحمد بن علي المقريزي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ/ ١٤٤٢ م، وتستمرّ هذه المدرسة مع منافس المقريزي بدر الدين العيني المتوفي سنة ٨٥٥ هـ/ ١٤٥١ م وابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ/ ١٤٤٨ م. ثم واصل التأليف التاريخي تلميذ المقريزي أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي المتوفى سنة ٨٧٤ هـ/ ١٤٦٩ م ومنافسه علي بن داود الجوهري الصّيرفي المتوفى سنة ٩٠٠ هـ/ ١٤٩٤ م والمؤرّخ النّاقد شمس
_________
(١) السخاوي: الضوء اللامع ٢٢: ٢.
стр. 43
الدين السّخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ/ ١٤٩٧ م وصاحب التآليف المتنوعة جلال الدين السّيوطي المتوفي سنة ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م وتلميذه محمد بن إياس الحنفي المتوفي سنة ٩٣٠ هـ/ ١٥٢٤ م. أمّا أحمد ابن زنبل الرّمّال المتوفى سنة ٩٥١ هـ/ ١٥٤٤ م، مؤرّخ الفتح العثماني الذي ظهر في الجيل التالي لأولئك المؤرّخين، فينتمي إلى موروث آخر (١).
وعلى الرغم من أنّ هؤلاء المؤرّخين - كما يقول جب Gibb - يشاركون من سبقهم من المؤرّخين المهتمين بالتاريخ السّياسي في كثير من نواحي القصور، فإنّ تعاقب العالم ورجل الدّولة بينهم وسّع أفق نظرتهم وأحكامهم. وأبرز خصائص كتاباتهم أنّهم قصروها على مصر إلى حدّ أنّ أولئك الذين أرادوا وضع تواريخ عامّة أخرجوها في أطر مصرية خالصة. ويرى جب Gibb أنّ أبرز هؤلاء المؤرّخين هو المقريزي الذي لا تعود شهرته فقط إلى دقّته التي لا مطعن فيها، بقدر ما تعود إلى جلده وسعة إحاطته بالموضوعات التي تناولها والاهتمام الذي يبديه كذلك بنواحي التاريخ التي تتّصل أكثر ما تتّصل بالاجتماع والسّكّان (٢).
وقد خصّص المقريزي العديد من كتبه ليعرض فيها تطوّر تاريخ مصر عبر القرون. وبما أنّ كتاب «المواعظ والاعتبار» يحتلّ مكان القلب بين إنتاجه الفكري فقد قصد المقريزي أن يشرح ما أجمله من أخبار الدّول الإسلامية التي تعاقبت على حكم مصر في هذا الكتاب في مؤلّفات تاريخية مفصّلة.
فالوقت الذي لم تكن فيه الفسطاط سوى عاصمة إقليم (٢١ - ٣٥٨ هـ/ ٦٤١ - ٩٦٩ م) سجّل المقريزي أحداثه التاريخية في كتاب «عقد جواهر الأسفاط من أخبار مدينة الفسطاط» وهو كتاب مفقود اليوم للأسف (٣).
أمّا الفترة التالية لذلك والتي أصبحت فيها مصر خلافة مستقلة تناوئ العبّاسيين (٣٥٨ - ٥٦٧ هـ/ ٩٦٩ - ١١٧١ م) وبنى فيها الفاطميون - حكّام مصر الجدد - مدينة القاهرة لتكون عاصمة الإمبراطورية العالمية التي حلموا بتكوينها، فقد سجّل المقريزي تاريخها في مؤلّف
_________
(١) ; Gibb، H.، El?.، art.Ta'rikh Suppl.p. ٢٥٨ محمد مصطفى زيادة: المؤرخون في مصر في القرن الخامس عشر الميلادي، القاهرة ١٩٤٩، Little، D.، An Introduction to Mamluk Historiography، Wiesbaden ١٩٧٠.
(٢) Gibb H.، op.cit.، p. ٢٥٨.
(٣) راجع، المقريزي: المواعظ والاعتبار فيما يلي ٥٧٨، اتعاظ الحنفا ٤: ١، السلوك ٩: ١، ضوء الساري في خبر تميم الداري ٣١.
стр. 44
كبير هو «اتّعاظ الحنفا بأخبار الأئمّة الفاطميين الخلفا» (١).
وعندما أصبحت القلعة مركز الحكم في مصر سجّل المقريزي تاريخ السّلاطين - سادة القلعة وخلفاء صلاح الدين والمماليك - في تاريخ ضخم للسّلاطين الأيّوبيين والمماليك وصل به إلى عصره وحتّى إلى ما قبل وفاته مباشرة (٥٦٧ - ٨٤٤ هـ/ ١١٧١ - ١٤٤١ م) عنوانه «السّلوك لمعرفة دول الملّوك» (٢).
وعلى ذلك فإنّه توجد بين وصف المقريزي لمدن وآثار مصر وخطط العاصمة، وبين مؤلّفاته التاريخية الكبيرة، وحدة عميقة هي فعالية المؤرّخ التي تقود إلى عرض وتحليل ما أدمجه أو اختصره
_________
(١) المقريزي: اتعاظ الحنفا ٤: ١، السلوك ٩: ١.
نشر هذا الكتاب أولا المستشرق Hugo Bunz في ليبتسج سنة ١٩٠٩ اعتمادا على القطعة الموجودة في مكتبة غوطا بخط المقريزي تحت رقم ١٦٢٥، ثم أعاد نشر القطعة نفسها جمال الدين الشيال في القاهرة سنة ١٩٤٨. وكان المستشرق كلود كاهن قد أشار في سنة ١٩٣٦ إلى وجود نسخة كاملة من هذا الكتاب الهام بمكتبة أحمد الثالث باستامبول في مقاله Cahen، CI.، «Les chroniques arabes concernant la Syrie، I'Egypte et la mesopotamie de la conque? te arabe a la conque? te ottomane dans les bibliotheques d'Istanbul»، REl X (١٩٣٦)، p.
٣٥٢ نبّه إليها جمال الدين الشيال بعد صدور نشرته سنة ١٩٤٨، فأعاد الشيال نشر الكتاب على مخطوطة أحمد الثالث وأصدر الجزء الأول منه سنة ١٩٦٧ ضمن مطبوعات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة ولكن المنية وافته قبل إتمام إصدار بقية الكتاب فكلّف المجلس به الدكتور محمد حلمي محمد أحمد الذي أصدر جزأين أتم بهما الكتاب في سنتي ١٩٧١، ١٩٧٣. وكتب كاهن نقدا لهذين الجزأين وأعاد قراءة بعض ما ورد مصحّفا في النشرة في مجلة أرابيكا Cahen، Cl.، Arabica XXII (١٩٧٥) pp. ٣٠٢ - ٣٢٠.
(٢) أوّل محاولة جادّة لإخراج هذا الكتاب كانت ترجمة فرنسية لقسم يبدأ بحوادث سنة ٦٤٨ هـ وينتهي بسنة ٧٠٨ هـ قام بها المستشرق كاترمير Quatremere، E.، Histoire des Sultans Mamlouks de l'Egypte ecrite en arabeL ٢ par Taki-Eddin Ahmad-Makrizi (I-II)، Paris؛ ١٨٣٧ - ١٨٤٥ وبين سنتي ١٨٩٨ و ١٩٠٨ ترجم بلوشيه ما فاته كاترمير في الجزء الأول بعنوان Blochet، E.، «Histoire d'Egypte de Makrizi»، Revue de l'Orient Latin VI (١٨٩٨)، pp. ٤٣٥ - ٤٨٩; VIII (١٩٠٠ - ١٩٠١)، pp. ١٦٥ - ٢١٢، ٥٠١ - ٥٥٣; IX (١٩٠٢)، pp. ٦ - ١٦٣، ٤٦٦ - ٥٣٠; X (١٩٠٣ - ٠٤)، pp. ٢٤٨ - ٣٧١; XI ((١٩٠٥ - ٠٨) pp. ١٨٥ - ٢٣٩. كما قدّم برودارست ترجمة لتاريخ الأيوبيين بعنوان Broadhurst، R.J.C.، A History of the Ayyubid Sultans of Egypt، Boston ١٩٨٠.
أمّا النشرة العربية الكاملة لهذا الكتاب فقد اضطلع بها الدكتور محمد مصطفى زيادة حيث بدأ في عام ١٩٣٤ بإخراج القسم الأول من الكتاب، وحتى سنة ١٩٥٨ كان قد أخرج جزأين من الكتاب يشتمل كل جزء على ثلاثة أقسام تنتهي بحوادث سنة ٧٥٤ هـ وصدرت عن لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة. وبعد وفاة الدكتور زيادة ﵀ سنة ١٩٦٨ تولى الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور استكمال إصدار هذا الكتاب الهام فأصدر الجزأين الثالث والرابع في ستة أقسام تنتهي بنهاية الكتاب بين سنتي ١٩٧٠ و ١٩٧٣ وصدرا عن مركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية بالقاهرة، وصدرت في بيروت عن مكتبة دار الكتب العلمية طبعة أخرى سنة ١٩٩٨ أعادت جمع نشرة الدكتور زيادة والدكتور عاشور ونسبت التحقيق إلى شخص يدعى عبد القادر أحمد عطا.
стр. 45
في مؤلّفه الذي يحتلّ مكان الصّدارة بين جميع مؤلّفاته. وتنصف هذه الفعالية المقريزي من الاتّهام الذي ساقه السّخاوي وأراد أن يسلب فيه المقريزي أهمّ مؤلّفاته والذي سأناقشه بعد قليل.
***
وإلى جانب هذه المؤلّفات الضّخمة في تاريخ مصر الإسلامية والتي تناولت في الأساس تاريخ مصر السّياسي، كانت للمقريزي طموحات أخرى في الكتابة التاريخية عن مصر الإسلامية، إذ بدأ أثناء تأليفه هذه المؤلّفات في إعداد معجم ضخم لتراجم المشاهير والعلماء والأدباء والشّعراء الذين عاشوا في مصر أو قدموا إليها منذ الفتح العربي وحتّى أواسط القرن الثامن الهجري، هو كتاب «التّاريخ الكبير المقفّى» أو «المقفّى الكبير»، ذكر أبو المحاسن بن تغري بردي تلميذ المقريزي، أنّه قال له: «لو كمل هذا التّاريخ على ما أختاره لجاوز الثمانين مجلدا» (١)، بينما يذكر السّخاوي أنّ الكتاب يقع في ستّة عشر مجلدا (٢) ربّما هي الأجزاء التي أتمّ المقريزي تأليفها. ولم يصل إلينا من هذا الكتاب الهام سوى أربعة أجزاء بخطّ المقريزي نفسه: Autographe جزء فيه بعض حرف الطّاء وحرف الظّاء وحرف العين موجود في المكتبة الأهلية بباريس تحت رقم Ar. ٢١٤٤، وثلاثة أجزاء بها بعض تراجم الهمزة وتراجم من حرفيّ الكاف واللاّم وأسماء المحمّدين محفوظة بمكتبة جامعة ليدن تحت رقم، ١٣٦٦ بالإضافة إلى جزء خامس يشتمل على الحروف من الألف إلى الخاء محفوظ في المكتبة السّليمية (برتف باشا) باستامبول تحت رقم ٤٩٦، كتب بخط نسخ نفيس نقلا عن مسوّدة المؤلّف فقد ترك النّاسخ كثيرا من البياض والفراغات التي تركها المؤلّف في الأصل ليستدركها بعد ذلك. وتشتمل هذه الأجزاء الخمسة على ثلاثة آلاف وخمس وثلاثين ترجمة (٣).
واقتنت مكتبة جامعة ليدن في سنة ١٩٨٠ م من صالة مزادات كرستي بلندن خمس مائة ورقة من مخطوط اتّضح أنّه مسوّدة الجزء الأوّل من كتاب «المقفّى الكبير» المشتمل على حروف الألف إلى الخاء المحفوظ في استامبول، وتحمل هذه النّسخة الآن رقم Or ١٤٥٣٣ (٤).
_________
(١) أبو المحاسن: المنهل الصافي ٤١٩: ١.
(٢) السخاوي: الضوء اللامع ٢٣: ٢.
(٣) نشر محمد اليعلاوي تراجم مغربية ومشرقية من الفترة العبيدية من كتاب المقفى الكبير للمقريزي (٧٧ ترجمة) وصدرت عن دار الغرب الإسلامي في بيروت سنة ١٩٨٧، ثم نشر الكتاب كاملا اعتمادا على مخطوطات باريس وليدن والسليمية في ثمانية أجزاء منها جزء كامل للفهارس وصدر أيضا عن دار الغرب الإسلامي في بيروت سنة ١٩٩١.
(٤) Witkam.J.J.، «Les autographes d'al- Maqri? zi?»، Le Manuscrit arabe et la codicologie، Rabat ١٩٩٤، pp. ٩٢ - ٩٦.
стр. 46
وكان هذا القسم في الأصل على شكل رزمة، فقد طالعها شخص في حياة المقريزي وكتب على هامش الورقة ١٧٠ ظ:
«الحمد للّه طالع هذه الرّزمة من أوّلها إلى هنا داعيا لمصنّفها بطول حياته العبد محمد بن محمد الخيضري الدّمشقي الشّافعي عفي اللّه تعالى الدائم ونقل منها واستفاد في شعبان سنة أربع وأربعين وثمان مائة».
وعندما ناهز المقريزي من العمر الخمسين (بعد سنة ٨١٦ هـ/ ١٤١٣ م) فقد معظم أصحابه وأقربائه واشتدّ حزنه لفقدهم فأملى ما حضره من أنبائهم في كتاب سمّاه «درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة» (١)، ثم جمع فيه بعد ذلك أخبار من أدركه من الملوك والأمراء وأعيان الكتّاب والوزراء وكذلك رواة الحديث والفقهاء وحملة العلم والشّعراء من ابتداء سنة ستين وسبع مائة (٢). ويشتمل الكتاب على نحو ستّ مائة وستّ وستين ترجمة.
ويوجد من هذا الكتاب قطعة بخطّ يد المقريزي Autographe محفوظة في مكتبة غوطا بألمانيا برقم. Ar تقع في ١٨٥ ورقة تشتمل على عنوان الكتاب ومقدّمته ونحو ثلاث مائة وثلاث وخمسين ترجمة من مجموع تراجم الكتاب كلّها في حرف الألف وبها خرم بعد ترجمة من اسمه إيدكو ملك التّرك أضيف مكانه تراجم بخطّ المقريزي رجّح ناشر الكتاب أنّها تكمل حرف العين من كتاب «المقفّى الكبير» (٣). كذلك توجد له مخطوطة كاملة في ملك الدكتور محمود الجليلي، من علماء الموصل بالعراق، عرّف بها في مقال نشره عام ١٩٦٥ وذكر أنّها تقع في مجلدين يحتويان على ٤٨٦ ورقة مقاسها ٢٧ x ١٩ سم ومسطرتها ٢٩ سطرا تداول كتابتها ناسخان في سنة ٨٧٨ هـ نقلا عن خط المؤلّف. وقد حبس الدكتور الجليلي هذه المخطوطة عن الباحثين واكتفى بالتّعريف بها في مقال ونشر ترجمة ابن خلدون فيها (٤).
وفي إطار المؤلّفات الخاصّة بتاريخ مصر الإسلامية نستطيع أن نضيف اسم مؤلّفين لم يصلا إلينا وعرفنا خبرهما من خلال ما ذكره المقريزي بنفسه في كتاب الخطط. الأوّل «تلقيح العقول
_________
(١) المقريزي: درر العقود الفريدة ٩٣: ١.
(٢) المصدر نفسه ٩٤: ١.
(٣) اختار محمد كمال الدين عز الدين على ثلاث مائة ترجمة من مخطوطة غوطا ونشرها في جزأين بعنوان: المقريزي وكتابه درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة، بيروت - عالم الكتب ١٩٩٢ م.
(٤) محمود الجليلي: «درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة للمقريزي»، مجلة المجمع العلمي العراقي ١٣ (١٩٦٥) ٢٠١ - ٢١٤؛ «ترجمة ابن خلدون للمقريزي»، مجلة المجمع العلمي العراقي ١٣ (١٩٦٥) ٢١٥ - ٢٤٢.
стр. 47
والأراء في تنقيح أخبار الجلّة الوزراء» ذكر أنّه استقصي في سير الوزراء (١)، وذكر في موضع آخر من الخطط أنّه جمع في وزراء الإسلام كتابا جليل القدر وأفرد وزراء مصر في تصنيف بديع (٢) هو دون شكّ هذا الكتاب.
الثاني «خلاصة التّبر في أخبار كتّاب السّرّ» الذي أشار إليه في موضع واحد في كتاب الخطط عند ذكر خبر فتح اللّه بن معتصم بن نفيس أحد الذين تولّوا كتابة السّرّ في مصر المملوكية (٣).
وقد كان المقريزي دائم الإحالة في كتبه إلى مؤلّفاته الأخرى ويصل بينها ممّا يدلّ على أنّه قد وضع لنفسه منهجا دقيقا وكان يربط بين المعلومات التي يوردها تفصيلا أو إيجازا في مؤلّفاته.
وبما أنّه استمرّ يؤلّف كتاب «المواعظ والاعتبار» خلال أكثر من ربع قرن فإنّه كان دائم الإشارة فيه إلى بقية مؤلّفاته، يقول عن أحد ولاة الفرما في عصر الولاة: «وللسروي والجروي هنا أخبار كثيرة نبّهنا عليها في كتاب «عقد جواهر الأسفاط في أخبار مدينة الفسطاط» (٤)، وأشار في مقدّمة «اتّعاظ الحنفا» إلى أنّه لم يبدأ في تأليفه إلاّ بعد أن أكمل كتاب «عقد جواهر الأسفاط» (٥). وعندما ورد ذكر للأيّوبيين والمماليك في كتاب «الخطط» قال المقريزي: «وستقف إن شاء اللّه على ذكر من ملك من الأكراد والأتراك والجراكسة وتعرف أخبارهم على ما شرطنا من الاختصار إذ قد وضعت لبسط ذلك كتابا سمّيته كتاب «السّلوك لمعرفة دول الملّوك» وجرّدت تراجمهم في كتاب «التاريخ الكبير المقفّى» فتطلّبهما تجد فيهما ما لا تحتاج بعده إلى سواهما في معناهما» (٦).
وفي ختام كتاب «اتّعاظ الحنفا» يقول المقريزي وهو يتحدّث عن ترتيب دولة الفاطميين:
«وسيأتي من إيراد جزئيات ترتيبهم وحكاية أمور دولتهم عند ذكر خطط القاهرة إن شاء اللّه ما يعرّفك مقدار ما كانوا فيه من أمور الدنيا وحضارة من جاء بعدهم» (٧).
ويشير المقريزي كذلك في كتاب «المواعظ والاعتبار» إلى بقيّة مؤلّفاته الأخرى، ففي معرض حديثه عن مناقب الشّافعي يقول: «وقد أوردت في كتاب «إمتاع الأسماع … » نظير هذه
_________
(١) المقريزي: الخطط ٤٤٣: ١.
(٢) نفسه ٢٢٣: ٢.
(٣) نفسه ٦٣: ٢؛ وراجع أحمد دراج: «تراجم كتاب السر في العصر المملوكي (٦٤٨ - ٩٢٣ هـ)»، مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي - مكة المكرمة ٤ (١٤٠١ هـ) ٣١٥ - ٣٥٠.
(٤) المقريزي: المواعظ والاعتبار فيما يلي ٥٧٨.
(٥) المقريزي: اتعاظ الحنفا ٤: ١.
(٦) المقريزي: الخطط ٢٣٢: ٢ وكذلك السلوك ٩: ١.
(٧) المقريزي: اتعاظ الحنفا ٣٤٤: ٣.
стр. 48
الواقعة» (١). وبمناسبة الحديث عن أولاد شيخ الشّيوخ يقول: «وقد ذكرت أولاد شيخ الشّيوخ في كتاب «تاريخ مصر الكبير» واستقصيت فيه أخبارهم» (٢)، وعند ذكر قبر الإمام الشّافعي يقول:
«وله في تاريخي الكبير المقفّى ترجمة كبيرة» (٣)، ويحيل على نفس الكتاب بمناسبة حديثه عن إحداث القول بوصيّة رسول اللّه ﷺ لعليّ بن أبي طالب بالإمامة من بعده قائلا «كما ذكر في ترجمة ابن سبأ من كتاب التاريخ الكبير المقفّى» (٤).
ويحتلّ كتاب «المقفّى الكبير» مكانة كبيرة عند المقريزي تعادل مكانة كتاب «المواعظ والاعتبار» ففيه تراجم أهل مصر من بداية الفتح إلى أواسط القرن الثّامن الهجري، وهو يحيل عليه القارئ لطلب تفصيلات عن الأشخاص الذين يوجز عند ذكرهم في «الخطط» أو في مؤلّفاته التاريخية (٥)، فهو كما يقول، عند ما ورد ذكر بكتمر السّاقي في كتاب السّلوك: «وقد ذكرت ترجمته في كتابنا الكبير المقفّى بما فيه كفاية إذ هو كتاب تراجم ووفيات كما أنّ هذا كتاب حوادث ومجريات» (٦).
أمّا كتاب «درر العقود الفريدة» فيحيل عليه القارئ فيما يخصّ المعاصرين له ويشير إلى أنّه قد ذكر المترجم به بأبسط من هذا في هذا الكتاب (٧).
وفيما يخصّ المعلومات الطّبوغرافية فإنّه يحيل بالطّبع في سائر مؤلّفاته على كتاب «الخطط» (٨)، كما نراه يحيل في كتاب «شذور العقود في ذكر النقود» على رسالته الهامّة «إغاثة الأمّة بكشف الغمّة» (٩).
وهكذا فإنّ المقريزي لم يكن - كما يحلو لبعض المستشرقين أن يصفوه - مجرّد جامع للمعلومات وإنّما كان مؤرّخا صاحب منهج وخطّة علمية واضحة تتّضح من خلال ربطه لمؤلّفاته بعضها ببعض.
_________
(١) المقريزي: الخطط ٤٦٢: ٢.
(٢) نفسه ٣٤: ٢.
(٣) نفسه ٤٦٢: ٢.
(٤) نفسه ٣٥٧: ٢.
(٥) المقريزي: الذهب المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك ٢٨، ٥١، ٧٣، ٧٦، ٧٩، ٨٢، ٨٦.
(٦) المقريزي: السلوك ٣٦٥: ٢.
(٧) المقريزي: الخطط ٥٢: ٢، ٦٠، ٧٥.
(٨) المقريزي: المقفى ٣٦٨: ٢، ٨١٨: ٣، ٦٦٨: ٥، ٤٩٣: ٦، السلوك ٦٤١: ٢.
(٩) المقريزي: شذور العقود في ذكر النقود ٧٦.
стр. 49
٢ - التّاريخ الإسلامي والسّيرة النّبويّة
وفي إطار التاريخ الإسلامي العام والسّيرة النّبويّة ألّف المقريزي كتابين «الخبر عن البشر» و «إمتاع الأسماع». وقد جعل المقريزي كتاب «الخبر عن البشر» كالمدخل إلى كتاب «إمتاع الأسماع» (١). ويشتمل «الخبر عن البشر» على الحديث عن بدء الخلق ومن سكن الأرض وذكر أنساب قبائل العرب وأسواق العرب في الجاهلية. وقد ألّف المقريزي هذا الكتاب في أربعة مجلّدات وعمل له مقدّمة في مجلد (٢). وللكتاب عدّة نسخ مخطوطة منها نسخة في ستة أجزاء ناقصة من الآخر بخطّ المقريزي وبأوّلها فهرس بخطّه أيضا لمحتويات الجزء الأوّل محفوظة في مكتبة الفاتح باستامبول برقم ٤٣٣٨ (مصوّرة بدار الكتب المصرية برقم ٩٤٧ تاريخ، وبمعهد المخطوطات بالقاهرة برقم ٢٢٦ و ١٠٣٥ تاريخ)، ونسخة أخرى في مكتبة أحمد الثالث برقم ٢٩٢٦ (مصوّرة بمعهد المخطوطات في القاهرة برقم ٢٢٦ تاريخ و ٦٤٥ تاريخ)، والجزء الثاني من نسخة كتبت في القرن التاسع محفوظة بالمكتبة الأزهرية برقم ٤٣٩ تاريخ (٦٧٣٣ أباظة) (مصوّرة بمعهد المخطوطات بالقاهرة برقم ٢٢٦ تاريخ)، ونسخة أخرى في دار الكتب برقم ٥٢٥١ تاريخ.
أمّا كتاب «إمتاع الأسماع بما للرّسول من الأبناء والأحوال والحفدة والمتاع» فيقع في ستّة مجلّدات، قال أبو المحاسن تلميذ المقريزي: «رأيته وطالعته وهو كتاب نفيس، وحدّث به في مكّة، قال لي مؤلّفه ﵀: سألت اللّه تعالى أن تكتب من هذا الكتاب نسخة بمكّة وأن أحدّث به فوقع ذلك في مجاورتي وللّه الحمد» (٣). ومن الكتاب نسخة كاملة في مكتبة كوبريلي باستامبول برقم ١٠٠٤ كتبت سنة ٩٦٨ هـ (مصوّرة في دار الكتب برقم ٨٨٦ تاريخ وبمعهد المخطوطات في القاهرة برقم ٦٣ تاريخ). وتوجد منه نسخ أخرى في أسعد أفندي وفضل اللّه باستامبول.
وفي سنة ١٩٤١ نشر العلاّمة المحقّق الأستاذ محمود محمد شاكر ﵀ (١٩٠٩ - ١٩٩٧) الجزء الأوّل من الكتاب وصدر عن لجنة التأليف والترجمة والنّشر بالقاهرة على نفقة السّيّدة قوت القلوب هانم الدّمرداشية، وأعاد نشر نفس الجزء عبد الحميد النّميسي وراجعه محمد جميل غازي وصدر عن دار الأنصار بالقاهرة سنة ١٩٨١.
_________
(١) المقريزي: ضوء الساري في خبر تميم الداري ٢٩.
(٢) نفسه ٤١٨: ١.
(٣) أبو المحاسن: المنهل الصافي ٤١٨: ١.
стр. 50
مؤلّفاته الصّغيرة
تعدّ مؤلّفات المقريزي الصّغيرة ذات أهميّة خاصّة وقد صنّف المرحوم الدكتور جمال الدين الشّيّال - الذي عني بنشر عدد كبير منها - هذه المؤلّفات إلى أصناف أربعة.
صنف عني فيه المقريزي بمناقشة بعض مشكلات أو نواحي التاريخ الإسلامي العام.
وصنف عني فيه المقريزي بذكر عرض موجز لتاريخ بعض أطراف العالم الإسلامي ممّا لم يعن به مؤرّخون آخرون.
وصنف عني فيه المقريزي بالترجمة المختصرة لمجموعة من الملّوك.
ثم صنف عني فيه المقريزي بدراسة بعض النّواحي العلمية البحتة أو بالتأريخ لبعض النّواحي الاجتماعية والاقتصادية في العالم الإسلامي عامّة أو في مصر الإسلامية خاصّة.
ولفت المرحوم الدكتور الشّيّال نظر الباحثين إلى ظاهرتين هامّتين في مؤلّفات المقريزي الصّغيرة. الأولى أنّ المقريزي كان عالما بكلّ ما تحمله كلمة عالم من معنى، يحبّ المعرفة لذاتها ويجد المتعة في البحث والدّراسة والاستقصاء، وأنّه لم يؤلّف هذه المؤلّفات إلاّ إشباعا لذاته المتطلّعة إلى الاستزادة من العلم والمعرفة. والثانية أنّ المقريزي ألّف معظم هذه المؤلّفات الصّغيرة في أخريات حياته - بعد أن تمّ نضجه الفكري واتّسعت قراءاته وعمقت معرفته - وبصفة خاصّة في سنة ٨٣٩ هـ أثناء مجاورته في مكّة، ثم بيّضها بعد عودته إلى مصر في سنة ٨٤١ هـ.
وخلص الشّيّال إلى أنّ كتب الصّنف الرّابع في رأيه هي أهمّ مؤلّفات المقريزي الصّغيرة وأكثرها قيمة وأطرفها موضوعا لأنّه عالج فيها موضوعات قلّما عالجها غيره من المؤرّخين المسلمين، وعني فيها على الأخصّ بالموضوعات العلمية البحتة وبالشّعب ومشكلاته الاجتماعية والاقتصادية.
وعلى أنّ معلوماته في هذا الصّنف تدل على قراءة واسعة ومعرفة متثبّتة وفكر واضح منظّم ومنهج علمي سليم (١).
فمن مؤلّفات الصّنف الأوّل كتاب «النّزاع والتّخاصم فيما بين بني أميّة وبني هاشم» (٢) وكتاب
_________
(١) جمال الدين الشيال: «مؤلفات المقريزي الصغيرة» في كتاب دراسات عن المقريزي، القاهرة ١٩٧١، ٢٥ - ٢٨، ومقدمة اتعاظ الحنفا للمقريزي ١٣: ١ - ١٧.
(٢) نشر هذا الكتاب أكثر من مرة آخرها نشرة الدكتور حسين مؤنس في سلسلة ذخائر العرب تحت رقم ٦٢ التي تصدرها دار المعارف سنة ١٩٨٨، كما نقله إلى الإنجليزية المستشرق الإنجليزي كليفورد إدموند بوزورث سنة ١٩٨٠ في مجلة الدراسات السامية C.E.، «Al-Maqri? zi'? s Book
стр. 51
«معرفة ما يجب لآل البيت» (١) وكتاب «ضوء السّاري في معرفة خبر تميم الدّاري» (٢) و «الإشارة والإعلام ببناء الكعبة والبيت الحرام» (٣).
أمّا المؤلّفات التي عرض فيها لتاريخ بعض أطراف العالم الإسلامي فهي «الإلمام بأخبار من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام» (٤) وكتاب «الطّرفة الغريبة في أخبار وادي حضرموت العجيبة» (٥).
ويمثّل كتاب «تراجم ملوك الغرب» وكتاب «الذّهب المسبوك بذكر من حجّ من الخلفاء والملّوك» (٦)، الذي ألّفه المقريزي في ذي القعدة سنة ٨٤١ هـ، الصّنف الثّالث.
أمّا الصّنف الرّابع الذي يعدّ ذا طابع خاصّ - فيمثّله كتاب «المقاصد السّنيّة لمعرفة الأجسام المعدنية» (٧) وكتاب «شذور العقود في ذكر النّقود» (٨) و «الأوزان والأكيال الشّرعية» (٩) وكتاب «نحل
_________
= of the Contention and Strife concerning the Relation between the Banu? Umayya and the؛ Banu? Ha? shim»، JSS ١٩٨٠ وانظر مقدمة حسين مؤنس للكتاب.
(١) نشره محمد أحمد عاشور وصدر عن دار الاعتصام بالقاهرة سنة ١٩٧٢.
(٢) نشره محمد أحمد عاشور في دار الاعتصام بالقاهرة سنة ١٩٧٢.
(٣) منه نسخة ضمن مجموعة في ليدن تحت رقم ٢٤٠٨.
(٤) طبع هذا الكتاب أولا في ليدن سنة ١٧٩٠ مع ترجمة لاتينية وتقديم لفريدريك تيودور رينك، ثم طبع بمطبعة التأليف بمصر سنة ١٨٩٥. وقد أثبت جودفري دي مومبين أن المقريزي نقل في هذا الكتاب كل ما ذكره ابن فضل اللّه العمري عن الحبشة في الباب الثامن من قسم الممالك في كتابه «مسالك الأبصار» دون أدنى إشارة إليه Gaudefroy- Demombynes، Masa? lik al-Absa? r fi Mama? lik al- Amsar، I L'Afrique moins l'Egypte، Paris ١٩٢٧،، pp. ٣٣ - ٣٤ وقد أشرت كذلك في نشرتي لممالك مصر والشام والحجاز واليمن من نفس الكتاب إلى أن المقريزي نقل كل ما ذكره العمري عن قلعة الجبل في «الخطط» دون أن يشير إلى ذلك أيضا.
(٥) طبع في بون سنة ١٨٦٦ بعناية Noskowyj مع ترجمة لاتينية.
(٦) نشره جمال الدين الشيال وصدر في القاهرة عن لجنة التأليف والترجمة والنشر سنة ١٩٥٥.
(٧) توجد هذه الرسالة في مخطوطتي باريس رقم ٤٦٥٧ ووليّ الدين باستامبول رقم ٣١٩٥ (ومنها مصورة بمكتبة جامعة القاهرة برقم ٢٦٢٤٧).
(٨) نشر هذا الكتاب أكثر من مرة في روستك سنة ١٧٩٧ مع ترجمة لاتينية بعناية جيرهارد نيكسن وفي القاهرة سنة ١٩١٤ ونشر ماير L.A.Mayer في سنة ١٩٣٣ بطريقة الفاكسيملي نسخة مكتبة ليدن رقم Or. ٥٦٠ Warn وهي نسخة كتبت في حياة المقريزي وراجعها المقريزي وأدخل عليها بخطه ملاحظات وتصويبات في شهر رمضان سنة ٨٤١ هـ. كما نشره الأب أنستاس ماري الكرملي في كتاب «النقود العربية والإسلامية وعلم النميات»، القاهرة ١٩٣٩، ٢٥ - ٨٠، ومحمد السيد علي بحر العلوم في بغداد سنة ١٩٦٧.
(٩) نشره مع ترجمة لاتينية جيرهادر نيكسن في روستك سنة ١٨٠٠ م.
стр. 52
عبر النّحل» (١) وكتاب «البيان والإعراب بمن نزل أرض مصر من الأعراب» (٢) وكتاب «إزالة التّعب والعناء في معرفة حلّ الغناء» و «الإشارة والإيماء إلى حلّ لغز الماء» (٣) وأخيرا كتاب «إغاثة الأمّة بكشف الغمّة» الذي يؤرّخ فيه المقريزي للغلاء والمجاعات التي أصابت مصر منذ أقدم العصور إلى سنة ٨٠٨ هـ وأسبابها (٤).
ومن الموضوعات الطّريفة التي تناولها المقريزي كذلك في مؤلّفاته التّعرّض لمذهب «وحدة الوجود»، وهو مذهب الصّوفي الكبير محيي الدين بن عربي. ويشير المقريزي في رسالته «البيان المفيد في الفرق بين التوحيد والتّلحيد» (٥) إلى أنّ هذا المذهب كان له أتباعه في دمشق في القرن التاسع الهجري وأنّه كان شائعا أيضا في القاهرة في زمنه، وخلص إلى أن متّبعي هذا المذهب ليسوا بمسلمين حقيقيين.
مختصراته
اختصر المقريزي عددا من المؤلّفات في موضوعات مختلفة وصل إلينا منها مختصران.
الأوّل - «المنتقى من أخبار مصر لابن ميسّر» انتقاه المقريزي وأتمّ كتابته مساء يوم السبت لستّ بقين من شهر ربيع الآخر سنة أربع عشرة وثمان مائة. وقد وصل إلينا هذا المختصر في نسخة واحدة منقولة عن نسخة المؤلّف محفوظة في المكتبة الأهلية بباريس تحت رقم Paris B.N.ar.
١٦٨٨ ويعدّ تاريخ ابن ميسّر، تاج الدين أبي عبد اللّه محمد بن عليّ بن يوسف بن جلب راغب المتوفى سنة ٦٧٧ هـ/ ١٢٧٨ م أهم مصدر وصل إلينا لدراسة تاريخ الفاطميين المتأخّرين، وكان المصدر الأساسي الذي استقي منه مؤرّخو عصر سلاطين المماليك، وخاصّة
_________
(١) نشره جمال الدين الشيال في القاهرة - لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٩٤٥؛ كما أعاد نشره عبد المجيد دياب في القاهرة سنة ١٩٩٤.
(٢) نشره وستنفلد في جوتنجن سنة ١٨٤٧، كما حققه عبد المجيد عابدين وطبع في القاهرة سنة ١٩٦١.
(٣) توجد هذه الرسائل في مخطوطتين تحوي خمس عشرة رسالة للمقريزي الأولى في المكتبة الوطنية بباريس برقم ١٩٣٨ والثانية في مكتبة ولي الدين باستامبول برقم ٣١٩٥.
(٤) نشره محمد مصطفى زيادة وجمال الدين الشيال في القاهرة - لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٩٤٠ و ١٩٥٧. ونقله إلى الفرنسية مع تعليقات غنية جاستون فييت Wiet، G.، «Le Traite des Famines de Maqri? zi?»، JESHO V؛ (١٩٦٢)، pp. ١ - ٩٠ ونقله إلى الإنجليزية مع دراسة عن الاقتصاد المملوكي عادل علّوش Allouche، A.، Mamluk Economics.A Study and Translation of al- Maqri? zi'sIgha? thah، University of Utah Press ١٩٩٤.
(٥) نشرها الأب قنواتي سنة ١٩٧٣ بعنوان Anawati، G.C.، «Un Aspect de la lutte contre l'heresie au XVeme? siecle d'apres un inedit attribue a Maqri? zi?» CIHC، DDR ١٩٧٣، pp. ٢٣ - ٣٦.
стр. 53
النّويري والمقريزي، غالب معلوماتهما عن تاريخ الفاطميين المتأخّرين. وقد استفاد المقريزي من النّصوص التي علّقها لنفسه وانتقاها من تاريخ ابن ميسّر الكثير وهو يكتب كتابه «اتّعاظ الحنفا بأخبار الأئمّة الفاطميين الخلفا» ابتداء من حوادث سنة ٤٣٩ هـ. وكان المستشرق الفرنسي هنري ماسيه Henri Masse (١٨٨٦ - ١٩٧٠) قد نشر انتقاء المقريزي من تاريخ ابن ميسّر سنة ١٩١٩ م بالمعهد العلمي الفرنسي بالقاهرة نشرة يسّرت الانتفاع بالكتاب وتداوله بين الباحثين والعلماء ولكنّها لم تقابل نصوص الكتاب على مصادره أو تستكمل نقصه من المصادر المتأخّرة. وقد استدرك المستشرق الفرنسي جاستون فييت Gaston Wiet الكثير على نشرة ماسيه وصوّب أخطاءها وقابلها على عدد من مصادر التاريخ الفاطمي التي كانت معروفة في وقته (١). ونظرا لأهمية هذا الكتاب وقيمته بين مصادر التاريخ الفاطمي فقد قمت بإعادة نشره وقدّمت له بدراسة وافية وعلّقت على أخباره وقابلتها على مصادرها المختلفة وصدر عن المعهد العلمي الفرنسي للآثار بالقاهرة سنة ١٩٨١ م.
الثاني - «مختصر الكامل في معرفة ضعفاء المحدّثين لابن عديّ»، أبي أحمد عبد اللّه بن عديّ بن عبد اللّه بن محمد بن مبارك الجرجاني المعروف بابن القطّان المتوفى سنة ٣٦٥ هـ/ ٩٧٦ م.
وكتاب «الكامل في معرفة الضّعفاء» أو «الكامل في الجرح والتّعديل» لابن عديّ أكمل كتب الجرح والتّعديل، قال الصّفديّ: «ذكر فيه كلّ من تكلّم فيه ولو كان من رجال الصّحيح وذكر في كلّ ترجمة حديثا فأكثر من غرائب ذلك الرّجل ومناكيره، وتكلّم على الرجال بكلام منصف» (٢). وللكتاب مخطوطات كثيرة (٣) وله مختصران: مختصر لأحمد بن أيبك بن عبد اللّه الدّمياطي المتوفى سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٨ م بعنوان «عمدة الفاضل في اختصار الكامل» منه نسخة في برلين برقم ٩٩٤٤ في ١١٤ ورقة بخطّ المختصر كتبت حوالي سنة ٧٢٥ هـ (٤).
والمختصر الثّاني هو مختصر تقيّ الدين المقريزي وتوجد منه نسخة بخطّ المقريزي كتبها سنة ٧٩٥ هـ في ٣١٥ ورقة محفوظة في مكتبة مراد ملا في استامبول برقم ٥٦٩ ومنها مصوّرة على الميكروفلم بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة برقم ٤٥٦ تاريخ.
_________
(١) Wiet، G.، JA (١٩٢١)، pp. ٦٥ - ١٢٥.
(٢) الصفدي: الوافي بالوفيات ٣١٩: ١٧.
(٣) Sezgin، F.، GASI، pp. ١٩٨ - ٩٩.
(٤) Ibid.، p. ١٩٨.
стр. 54
قال المقريزيّ في مقدّمته أنّ ابن عديّ عندما أملى كتابه شحنه بكثرة الأسانيد فأحبّ أن يلخّص منه ما قيل في الرّواة على سبيل الإيجاز وحذف منه علل الحديث إلاّ إذا احتيج إليها وأضرب عن ذكر الأسانيد إلاّ أن تدعو الضّرورة إليها (١).
ويبدو أنّ المقريزي قد اختصر هذا الكتاب عندما كان يدرّس الحديث بمدرسة السّلطان حسن ثم استخدمه بعد ذلك عندما عهد إليه بتدريس الحديث في المدرسة المؤيّديّة.
كتاب منسوب للمقريزي
من بين الكتب المنسوبة في فهارس المخطوطات إلى المقريزي كتاب «جني الأزهار من الرّوض المعطار» (٢) الذي يوحي عنوانه أنّه اختصار لكتاب سابق يسمّي «الرّوض المعطار». و «الرّوض المعطار في خبر الأقطار» كتاب جغرافي ألّفه أبو عبد اللّه محمد بن عبد المنعم الصّنهاجي الحميري (٣) المتوفى تبعا لابن حجر العسقلاني سنة ٧٢٧ هـ/ ١٣٢٦ م (٤).
ورغم أنّ أحدا ممّن ترجم للمقريزي لم ينسب إليه هذا الكتاب، فإنّ مقدّمة هذا المختصر تحتوي على مغالطات كثيرة، فهي تشير إلى أنّ الكتاب المختصر عنوانه «الرّوض المعطار في عجائب الأقطار» ولا تذكر اسم مؤلّفه، ومقابلة هذا النّصّ بكتاب «الرّوض المعطار» لابن عبد المنعم الحميري تدلّ على أنّه لا علاقة له من قريب أو بعيد بهذا الكتاب. وقد أثبت ذلك المستشرق فولرز Vollers في مقال نشره سنة ١٨٩٣ ودلّل على أنّ الكتاب مختصر لكتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للإدريسي (٥). وذكر بلوشيه Blochet الشيء نفسه عند وصفه لنسخة «جني الأزهار» المحفوظة في باريس (٦). ثم أثبت جاستون فييت Gaston Wiet الأمر بصفة نهائية عندما نشر أسماء البلاد المصرية الواردة في «جني الأزهار» مع ترجمة فرنسية لها (٧).
_________
(١) لطفي عبد البديع: فهرست المخطوطات المصورة (التاريخ) ٢٣٨: ١/ ٢.
(٢) انظر نسخة دار الكتب المصرية رقم ٤٥٨ جغرافية.
(٣) نشر ليفي بروفنسال قسما من الكتاب مع ترجمة فرنسية بعنوان «صفة جزيرة الأندلس»، القاهرة ١٩٣٧، ثم نشر الكتاب كاملا الدكتور إحسان عبّاس وصدر عن مكتبة لبنان في بيروت سنة ١٩٧٥.
(٤) ابن حجر: الدرر الكامنة ١٥١: ٤.
(٥) Vollers، K.، «Note sur un manuscrit arabe attribue a? Makri? zi?»، Bull.Soc.Khed.de Geogr.
du Caire، III? serie (١٨٩٨) pp. ١٣١ - ١٣٩.
(٦) Blochet، E.، Catalogue des manuscrits arabes des nouvelles acquisitions (١٨٨٤ - ١٩٢٤)، Paris ١٩٢٥ p. ١٤٠.
(٧) Wiet، G.، «Un resume d'Idri? si?»، BSRGE XX (١٩٣٩) pp. ١٦١ - ٢٠١.
стр. 55
وفي مقال صدر سنة ١٩٦٠ أوضح فلاديسلاف كوبياك Wladislaw Kubiak أنّ كلّ مخطوطات هذا المختصر مثبت عليها أنّها من تأليف شخص يدعى الحافظ شهاب الدين أحمد المقريزي، وهو بذلك لا يمكن أن يكون مؤرّخنا الشّهير تقيّ الدين أحمد بن عليّ المقريزي (١).
وبالتالي فكما ذهب جيوفاني أومان Geovani Oman وحسين مؤنس في دراستيهما عن الإدريسي، فإنّ هذا الكتاب لا علاقة له بمؤلّفات تقيّ الدين المقريزي أو بكتاب «الرّوض المعطار» لابن عبد المنعم الحميري، وأنّه اختصار لكتاب الإدريسي «نزهة المشتاق» (٢).
٣ - المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار
بلغ فنّ التأليف في الخطط ذروته مع كتاب «المواعظ والاعتبار» للمقريزي الذي يعدّ أكبر ممثل لنمط التأليف في الخطط. فحقيقة الأمر أنّه لا يوجد أي كتاب - باعتبار أهميته - يمكن أن يوضع إلى جانب كتاب خطط المقريزي الذي يحتلّ مكان الصّدارة بين بقيّة مؤلّفاته.
ترتيب الكتاب ومنهجه
أوضح المقريزي في مقدّمته بجلاء كاف مفهومه للتاريخ وأراءه الشخصية حول مصنّفه، وغرضه من تأليف الكتاب والأهداف التي وضعها نصب عينيه، ثم مضمون الكتاب ومنهجه في كتابته. غير أنّ المقريزي لم يوفّق كلّ التوفيق في تحقيق هدفه فيوجد لديه اختلاف كبير بين النّظريّة والتّطبيق كما هو الحال عند شيخه ابن خلدون في مقدّمته الشهيرة وكتابه في التاريخ.
فمحتويات الكتاب تختلف بعض الشيء خاصّة قرب نهايته عن خطّة المؤلّف كما وردت في المقدّمة. فيذكر المقريزي أنّه رتّب كتابه على سبعة أجزاء أوّلها يشتمل على جمل من أخبار مصر وأحوال نيلها وخراجها وجبالها، وثانيها يشتمل على كثير من مدنها وأجناس أهلها، وثالثها
_________
(١) Kubiak، W.، «Some West-and Middle European Geographical names to the abridgement of Idri? si's Nuzhat al-mushta? k Known as Makri? si'? s Gany al-Azha? r min arrawd al-mi ta? r»، Folia Orientalia I/ ٢ (Krakow ١٩٦٠)، pp. ١٩٨ - ٢٠٠.
(٢) Oman، G.، «Notizie bibliografiche sul geografo arabo al-Idri? si? (XII secOlo) e sulle sue opere»، Annali dell' Istituto Universitario Orientale di Napoli، Nuova serie XI (١٩٦١) pp.
، ٥٢ - ٥٤ حسين مؤنس: تاريخ الجغرافية والجغرافيين في الأندلس، معهد الدراسات الإسلامية - مدريد ١٩٦٧، ٢٢٩، ٥٢٩.
стр. 56
يشتمل على أخبار فسطاط مصر ومن ملكها، ورابعها يشتمل على أخبار القاهرة وخلائفها وما كان لهم من الآثار، وخامسها يشتمل على ذكر ما أدرك عليه القاهرة وظواهرها من الأحوال، وسادسها يشتمل على ذكر قلعة الجبل وملوكها، وسابعها يشتمل على ذكر الأسباب التي نشأ عنها خراب إقليم مصر. وقد تضمّن كلّ جزء من هذه الأجزاء عدّة أقسام (١).
وقد التزم المقريزي تماما بالأجزاء الأربعة الأولى التي ذكرها في مقدّمته، حيث ضمّن المجلّد الأوّل من الكتاب - الذي ننشره اليوم - الجزأين الأوّل والثاني: «أخبار أرض مصر وأحوال نيلها وخراجها وجبالها» و «مدن مصر وأجناس أهلها» الذي ذيّله بفصل تناول فيه «تاريخ الخليقة والتواريخ التي كانت للأمم قبل تاريخ القبط» وفصل هام عن تحويل السّنة الخراجيّة القبطيّة إلى السّنة الهلاليّة العربية يستكمل فيه الحديث عن الفصل الذي عقده في الجزء الأوّل حول «خراج مصر في الإسلام»؛ وضمّن المجلد الثاني الجزأين الثّالث والرّابع الذي تناول فيه «أخبار فسطاط مصر ومن ملكها» و «أخبار القاهرة وخلائفها وما كان لهم من الآثار»؛ وتناول في المجلد الثالث الجزء الخامس المشتمل على ذكر حارات القاهرة وما بها من دور وحمّامات وخانات وفنادق وخوخ … إلخ، والجزء السّادس المشتمل على ذكر قلعة الجبل وملوكها.
ولكنّ المجلّد الرّابع - وهو أكثر أجزاء الكتاب استخداما من الآثاريين - لم يشتمل على الجزء السّابع الذي كان سيتضمّن الحديث عن «الأسباب التي نشأ عنها خراب مصر» والذي أحال إليه القاريء في مواضع كثيرة من كتابه، فهذا الجزء لا وجود له ألبتّة في نصّ كتاب «المواعظ والاعتبار» الذي وصل إلينا، ومن ثمّ فيجب الافتراض أنّ المقريزي عدل عن عزمه عن معالجة هذا القسم بعد الإشارة إليه في المقدّمة، وربّما وجد في رسالته «إغاثة الأمّة» التي ألّفها سنة ٨٠٨ هـ ما يسدّ به هذا الباب، واستعاض المقريزي عن ذلك بالحديث عن المساجد الجامعة والمدارس والخوانق والزّوايا والمشاهد والمقابر والقرافة، الذي يبدو كأنّه تتمّة للجزء الخامس، ويتخلّل ذلك مقالات مطوّلة عن «المحاريب بمصر وسبب اختلافها» و «مذاهب أهل مصر ونحلهم» و «ذكر فرق الخليقة واختلاف عقائدها» و «عقائد أهل الإسلام منذ ابتداء الملّة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعريّة»، وأخيرا اختتم الكتاب بفصول تناول فيها تاريخ اليهود والقبط وفرقهم واختلاف مذاهبهم مع تعداد أديرتهم وكنائسهم».
_________
(١) المقريزي: المواعظ والاعتبار فيما يلي ٧ - ٨.
стр. 57
وعدم التزام المقريزي بما جاء في مقدّمته يقف دليلا على أنّه لم ينقّح هذه المقدّمة، كما أنّ مراجعة الكتاب توضّح لنا أنّ المقريزي لم ينقّح فقط مقدّمته بل إنّه لم يعاود النّظر نهائيا في كتابه، فهو لم يمحّص مادّته في كثير من الأحيان بما فيه الكفاية بحيث يبدو كتابه أشبه بمجموعة من المقالات والمواد المتفرّقة في تاريخ مصر وطبوغرافية مدينة القاهرة يختلط فيها التّاريخ بعلم الآثار، أكثر منه مصنّفا متماسكا بحيث لا يمكن أحيانا - كما يقول جست Guest - معرفة ما إذا كان الكتاب مؤلّفا في التّاريخ أم مصنّفا في الطّبوغرافيا أو فنّ الخطط (١).
ولكن ما لا يختلف عليه أحد هو تنوّع وتعدّد المصادر التي اعتمد عليها المقريزي ومعرفته الواسعة بمصادر معلوماته حتى أنّ جانبا كبيرا من المادّة التي حفظها لنا كان في حكم المفقود لولا نقله لها، فأنقذ بذلك من الضّياع جزءا كبيرا من تاريخ مصر كان سيظلّ بدونه مجهولا لنا.
وتعدّ الأجزاء التي وصف فيها المقريزي نظام الخراج وجبي الضّرائب ونظام الإقطاع (فيما يلي ٢١٨ - ٢٤٤)، وجميع الجزء الخاصّ بالفاطميين وتأسيس القاهرة (٣٤٨: ١ - ٤٩٦)، أكثر أجزاء كتاب «المواعظ والاعتبار» قيمة وأصالة. وإلى جانب ذلك يعدّ المقريزي أهمّ مؤرّخ مصري أرّخ للفاطميين، فقد كان يرى أنّ كتابة تاريخ مصر دون وضع الفاطميين في موقعهم الصّحيح في هذا التاريخ غير ممكن، فهم مؤسّسو القاهرة وهم الذين أعطوا لمصر مكانتها الاستراتيجية الهامّة في المنطقة، لذلك فقد شغل حديثه عن الفاطميين وتاريخ القاهرة في زمنهم نحو ربع كتابه (٢).
ومن الغريب أنّ وصف المقريزي لقلعة الجبل العاصمة التي أقام بها الأيّوبيون ثم ورثها عنهم خلفاؤهم سلاطين المماليك سادة مصر في وقته، لا يرقى في قيمته ومصادره إلى الوصف الذي يقدّمه المقريزي للقاهرة في زمن الفاطميين.
وأشار المقريزي في مقدّمة «الخطط» إلى المنهج الذي اعتمد عليه في جمع مادّة كتابه وهو «النّقل» من الكتب المصنّفة في العلوم وهو ما نطلق عليه اليوم المصادر الأدبية، و «الرّواية» عمّن أدرك من مشيخة العلم وجلّة الناس، وأخيرا «المشاهدة» لما عاينه ورآه، أي المعلومات المبنية على اختباره الشّخصي ومشاهداته (٣). وعند كلامه عن أسلوبه التاريخي الذي اتّبعه يقول: «فأمّا النّقل من دواوين العلماء التي صنّفوها في أنواع العلوم فإنّي أعزو كلّ نقل إلى الكتاب الذي نقلته منه
_________
(١) Guest، A.R.، «A list of Writers، books and other authorities mentioned by El-Maqri? zi? in his Khitat» JRAS (١٩٠٢) pp. ١٠٦ - ١٠٧.
(٢) Garcin، J. -Cl.، al-Maqri? zi? p. ٢٠٦.
(٣) المقريزي: المواعظ والاعتبار فيما يلي ٨.
стр. 58
لأخلص من عهدته وأبرأ من جريرته … وأمّا الرّواية عمّن أدركت من الجلّة والمشائخ فإنّي في الغالب والأكثر أصرّح باسم من حدّثني إلاّ أن يحتاج إلى تعيينه أو أكون قد أنسيته وقلّ ما يتّفق مثل ذلك. وأمّا ما شاهدته فإنّي أرجو أن أكون وللّه الحمد غير متّهم ولا ظنين» (١).
مشكلة تحرير كتاب «المواعظ والاعتبار»
اتّفق جميع الباحثين الذين درسوا كتاب «خطط» المقريزي بما لا يدع مجالا للخلاف على القيمة الكبيرة للكتاب بالنسبة للمادّة التي يحويها بين دفّتيه، فقد استطاع المقريزي على امتداد صفحات هذا الكتاب أن يرجع إلى جميع المصادر السّابقة عليه والتي فقد أكثر من ثلاثة أرباعها اليوم، والتي ينقل عنها في العادة بدقّة، ولكن في حدود المنهج الذي سار عليه المؤلّفون القدماء.
غير أنّنا إذا فحصنا هذه المسألة عن كثب، كما يقول كراتشكوفسكي، فسنصطدم بصورة جدّية بمشكلة عويصة تتعلّق بأمانة المقريزي في استخدامه لمصادره إذ يقع عليه عبء الاتّهام بالسّرقة الأدبية (٢) الذي وجّهه إليه معاصره المؤرّخ النّاقد شمس الدين السّخاوي (٣)، ومن الباحثين المعاصرين جاستون فييت الذي اتّهم المقريزي بأنّه أعمل يد النّهب في كتاب «ولاة مصر» للكندي (٤)، وكاتب هذه السّطور حيث لاحظت عندما نشرت ممالك مصر والشّام والحجاز واليمن من كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» لابن فضل اللّه العمري أنّ المقريزي نقل كلّ وصف ابن فضل اللّه العمري لقلعة الجبل دون أن يشير إليه في أي موضع من كتابه (٥). ومع ذلك فإنّنا في الحالات التي تمكّنّا فيها من تحقيق رواية المقريزي في أصولها تبيّن لنا أنّ المقريزي أهل للثّقة بصورة تجعلنا نعتمد عليه اعتمادا كاملا حتى في الحالات التي نجهل فيها جهلا تامّا المصادر التي استقى منها مادّته.
_________
(١) المقريزي: المواعظ والاعتبار فيما يلي ٨.
(٢) كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ٤٨٣ - ٤٨٤.
(٣) انظر فيما يلي ص ٧٢.
(٤) Wiet، G.، «Kindi et Maqrizi»، BIFAOXII. (١٩١٥)، p. ٦٣
(٥) ابن فضل اللّه العمري: مسالك الأبصار - ممالك مصر والشام والحجاز واليمن، القاهرة ١٩٨٥، ٢٨ م، كما أشار جودفري دمومبين إلى نقل المقريزي لكل ما ذكره العمري عن الحبشة في كتابه «الإلمام بذكر ملوك الحبشة في الإسلام» دون إشارة إليه.
стр. 59
الخطط بين المقريزي والأوحدي وابن دقماق
آخر مؤلّفي الخطط الذين ذكرهم المقريزي في مقدّمته واستفاد منهم في خلال كتابه هو تاج الدين محمد بن عبد الوهاب بن المتوّج صاحب كتاب «إيقاظ المتغفّل واتّعاظ المتأمّل» (١). وقد كتب بعد ابن المتوّج اثنان من أشهر مؤرّخي الخطط لم يشر إليهما المقريزي في كتابه على الإطلاق، أحدهما وصل إلينا قسم من كتابه هو ابن دقماق، والثاني فقد كتابه منذ زمن هو الأوحدي.
ف ابن دقماق، صارم الدين إبراهيم بن محمد بن أيدمر العلائي المتوفى سنة ٨٠٩ هـ/ ١٤٠٧ م (٢) صنّف عددا كبيرا من الكتب في التّاريخ والطّبقات وصل إلينا منها بعضها. وكان قليل الإحاطة بالعربية عامي العبارة، كما كان من غلاة الحنفيّة وصنّف كتابا في طبقاتهم عنوانه «نظم الجمان» في ثلاثة مجلدات امتحن بسببه (٣).
ويهمنا في هذا الموضع من مؤلّفات ابن دقماق كتاب «الانتصار لواسطة عقد الأمصار» الذي وصل إلينا منه جزءان هما الجزء الرابع والجزء الخامس وهما مسوّدة المؤلّف للكتاب بخطّه.
ويعالج في هذين الجزأين الحديث عن الفسطاط والقاهرة والإسكندرية، وتبدو قيمة هذا المؤلّف خاصّة بالنسبة لمدينة الفسطاط وخططها حتى اعتبره جورج سالمون Georges Salmon أفضل دليل يمكن عن طريقه إعادة البناء الطّبوغرافي لكلّ من الفسطاط والعسكر والقطائع (٤)، كما أنّ بول كازانوفا Paul Casanova تمكّن بمساعدة كتاب ابن دقماق من أن يقدّم لنا وصفا دقيقا للفسطاط (٥)، وبناء عليه فقد قدّمت لنا أيضا سيلقي دينوا Sylvie Denoix وصفا للفسطاط اعتمادا على معطيات ابن دقماق والمقريزي (٦).
_________
(١) المقريزي: الخطط ١، ٥، ٣٤٢.
(٢) راجع ترجمة ابن دقماق عند المقريزي: درر العقود الفريدة ١٦٢ - ١٦٥، ابن حجر: ذيل الدرر الكامنة ١٨٢، أبي المحاسن: المنهل الصافي ١٣٨: ١ - ١٤٠، السخاوي: الضوء اللامع ١٤٥: ١ - ١٤٦، كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ٤٧١ - ٤٧٢، Brockelmann.، GAL II، ٥٠، ٦٧; S II، ٤٩; Pedersen، J.، EI ٢?.، art.
Ibn Dukma? k III، p. ٧٧٩، Denoix، S.، Decrire le Caire Fustat Misr d'apres Ibn Duqmaq et Maqrizi، Le Caire IFAO ١٩٩٢، pp. ١١ - ٢٨.
(٣) المقريزي: درر العقود ١٦٢، ابن حجر: ذيل الدرر الكامنة ١٨٢، السخاوي: الضوء اللامع ١٤٥: ١.
(٤) Slamon، G.، Essai Sur la topographie du Caire، p.II.
(٥) Casanova، P.، Essai de reconstitution topographique de la ville d'al-Fustat ou Misr، p.IV.
(٦) Denoix، S.، Decrire le Caire Fustat Misr d'apres Ibn Duqmaq et Maqri? zi?، Le Caire IFAO ١٩٩٢.
стр. 60
ومن المحتمل أنّ ابن دقماق حاول، تحت تأثير نمط «الفضائل» القديم من جهة والجغرافيا الإقليمية الإدارية من جهة أخرى، أن يصف الأمصار العشرة الكبرى في العالم الإسلامي موليا اهتمامه الأكبر إلى مدن مصر ومبيّنا فضلها على بقية المدن، ولذلك سمّى كتابه «الانتصار لواسطة عقد الأمصار» (١).
ويوحي الكتاب بصورة عامّة أنّ مؤلّفه لم يتمّه فكثيرا ما يقابلنا في مسوّدة المؤلّف بياض يمسّ الأرقام بشكل خاصّ، وربّما لم يقدّر للمؤلّف أن ينفّذ خطّته بالتمام لذا فلم يتمكّن إلاّ من تدوين جزأين من العشرة التي كان ينوي كتابتها.
وكان المقريزي وثيق الصّلة بابن دقماق يقول: «صحبته مدّة وجاورني عدّة سنين وتردّد إليّ كثيرا … وكان يستعير مجاميعي التي بخطّي» (٢)، فلا عجب أن عرف المقريزي مؤلّفاته جيّدا ولكنّه لا يذكر كتابه «الانتصار» على الإطلاق في الترجمة التي أفردها له، وبالتالي فإنّه لا ينقل عنه في الخطط وأغفل ذكره تماما. ويرى كراتشكوفسكي أنّه من الممكن أن يكون المقريزي قد أغفل ذكر كتاب ابن دقماق عمدا لأنّ المقريزي كان شافعيا متطرّفا على حين كان ابن دقماق من غلاة الحنفيّة (٣). والأمر الغريب أنّ كتاب «الانتصار» يعدّ كتابا مجهولا للعلماء الذين كتبوا ترجمة ابن دقماق فلم يذكره واحد منهم بين مؤلّفاته كما لم ينقل عنه أحد من المؤرّخين المتأخّرين، فيما عدا ذكر حاجي خليفة له ووصفه بأنّه «كبير في عشر مجلدات لخّص منه كتابا وسمّاه «الدّرّة المضيّة في فضل مصر والإسكندرية» (٤)! ومسوّدة المؤلّف المحفوظة الآن في دار الكتب المصرية تحت رقم ١٢٤٤ تاريخ كانت موجودة في جامع الفخري (المعروف الآن بجامع البنات الواقع في شارع بورسعيد بجوار محكمة مصر من جهة تقاطعه مع شارع الأزهر) وانتقلت إلى الدّار مع أوراق أخرى استقدمت من مساجد مختلفة سنة ١٨٩١ م. وقد جاء في نهاية الجزء الرابع «أنّ المقرّ الكريم العالي المولوي الفخري فخر الدين عبد الغني [بن الأمير الوزير الأستادّار تاج الدين عبد الرّازق] بن أبي الفرج … أوقف هذا الكتاب بمدرسته المعروفة بالفخريّة الكائنة بخطّ بين السّورين» (٥).
_________
(١) كراتشكوفسكي: المرجع السابق ٤٧١.
(٢) المقريزي: درر العقود الفريدة ١٦٣: ١، ١٦٤.
(٣) كراتشكوفسكي: المرجع السابق ٤٨٢.
(٤) حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ١٧٤: ١.
(٥) ابن دقماق: الانتصار (مخ. دار الكتب رقم ١٢٤٤ تاريخ) ١٢٦: ٤.
стр. 61
وهذه المدرسة (الجامع) أنشأها الأمير المذكور سنة ٨٢١ هـ/ ١٤١٨ م بجوار دار الذّهب بخطّ بين السّورين فيما بين باب الخوخة وباب سعادة ودفن بها بعد وفاته في نفس العام (١)، فيكون قد وقف الكتاب على مدرسته مع كتب أخرى في هذا التاريخ. ويبدو أنّ الكتاب استقرّ بجامع الفخري منذ هذا التاريخ وظلّ مجهولا من الجميع - فيما عدا إشارة حاجي خليفة - حتى ضمّ إلى دار الكتب المصرية سنة ١٨٩١ ونشره المستشرق فولرز Vollers بعد ذلك بعامين سنة ١٣١٠ هـ/ ١٨٩٣ م نشرة سقيمة تستحق أن يعاد نشرها نشرا علميا صحيحا.
وكتاب ابن دقماق ينقصه الوضوح ونقاط الاستدلال ويركّز على تخطيط المدينة عند تأسيسها؛ ورغم أنّ المعلومات الطّبوغرافية لدى المقريزي عن الفسطاط يشوبها بعض الاضطراب، فإنّه يقدّم لنا تفاصيل كثيرة أهملها ابن دقماق، وعلى الأخصّ عن حدود المدينة وصلتها بالقاهرة، كما كانت بحوزته مصادر أفضل من تلك التي اعتمد عليها ابن دقماق. ومع ذلك فإنّ مقارنة بسيطة للأقسام المشتركة بين الكتابين تثبت أنّ المقريزي ربّما قد اطّلع على الكتاب أو أنّه استخدم نفس مصادره، فنصوص الكتابين متطابقة في مواضع كثيرة أشرت إليها في أماكنها.
أمّا الأوحدي، شهاب الدّين أحمد بن عبد اللّه بن الحسن بن طوغان المقرئ الشّافعي المتوفي سنة ٨١١ هـ/ ١٤٠٨ م فكان أحد رجال الحلقه أديبا مقرئا معتنيا بالتاريخ لهجا به جمع كتابا في خطط القاهرة «تعب عليه ومات وهو مسوّدة» كما يقول ابن حجر (٢).
وقد وجّه شمس الدين السّخاوي - أحد أقطاب التفكير والنّقد في القرن التاسع - اتّهاما صريحا للمقريزي بأنّه سطا على مسوّدة جاره الأوحدي في الخطط فبيّضها وزاد عليها ونسبها لنفسه. ولم يترك السّخاوي مناسبة في مؤلّفاته ذكر فيها الأوحدي أو المقريزي إلاّ أثار فيها هذه القضيّة وكرّر فيها هذا الاتّهام (٣).
_________
(١) المقريزي: الخطط ٣٢٨: ٢، أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ١٥٢: ١٤، ١٥٤، الدليل الشافي ٤٢٠، علي مبارك: الخطط التوفيقية ٧٦: ٣، ١٤٠: ٤ - ١٤١.
(٢) ابن حجر: إنباء الغمر ٤٠٦: ٢، ذيل الدرر ١٩٥.
(٣) المواضع التي اتهم فيها السّخاوي المقريزي بالسّطو على مسودة الأوحدي:
- قال في ترجمة الأوحدي: «واعتنى بالتاريخ وكان لهجا به وكتب مسوّدة كبيرة لخطط مصر والقاهرة تعب فيها وأفاد وأجاد وبيّض بعضها، فبيّضها التقي المقريزي ونسبها لنفسه مع زيادات». (الضوء اللمع ٣٥٨: ١).
- قال في ترجمة المقريزي: «وأقام ببلده عاكفا على الاشتغال بالتاريخ حتى اشتهر به ذكره وبعد فيه صيته -
стр. 62
ولم يكتف السّخاوي باتّهام المقريزي بالسّطو على مسوّدة الأوحدي في الخطط بل اتّهمه أيضا بأنّه قليل المعرفة بالمتقدّمين ولا يفصح عمّن ينقل عنه (١).
وفي أحد المواضع التي وجّه فيها السّخاوي إلى المقريزي تهمة السّطو على كتاب الأوحدي ذكر أنّ شيخه ابن حجر هو صاحب هذا الاتّهام (٢). ولم أجد فيما كتبه ابن حجر عن المقريزي أو الأوحدي ذكرا لهذا الاتّهام بل على العكس فإنّ ابن حجر يصف المقريزي في مؤلّفاته بأنّه «رفيقه الإمام الأوحد المطّلع» (٣) وبأنّ له «النّظم الفائق والنثر الرّائق والتّصانيف الباهرة وخصوصا في تاريخ القاهرة فإنّه أحيا معالمها وأوضح مجاهلها وجدّد مآثرها وترجم أعيانها» (٤). ويقول ابن الصّيرفي:
«كان شيخنا العلاّمة حافظ العصر [يقصد ابن حجر] يكرمه ويبجّله ويعظّمه ويتوجّه إلى داره ويقيم عنده» (٥).
وقد شغلت هذه القضيّة التي أثارها السّخاوي عددا من الباحثين فكتب فيها كاترمير (٦) ومحمد عبد اللّه عنان (٧) وكراتشكوفسكي (٨) وبرو كلمان (٩) وسعيد عبد الفتّاح عاشور (١٠) وكاتب هذه السّطور (١١). ودراسة العلاقة بين المؤرّخين الثّلاثة: ابن دقماق والأوحدي والمقريزي، وما كتبه المقريزي
_________
= وصارت له فيه جملة تصانيف كالخطط للقاهرة وهو مفيد لكونه ظفر بمسوّدة الأوحدي - كما سبق في ترجمته - فأخذها وزادها زوائد غير طائلة … ». (الضوء اللامع ٢٢: ٢، التبر المسبوك ٢٢).
- قال عند ذكر المؤلفات الخاصة بالقاهرة: «وكذا جمع خططها المقريزي وهو مفيد. قال شيخنا (أي ابن حجر) أنه ظفر به مسوّدة لجاره الشهاب أحمد بن عبد اللّه بن الحسن الأوحدي، بل كان بيّض بعضه فأخذها وزاد عليها زيادات ونسبها لنفسه». (الإعلان بالتوبيخ ١٣١).
(١) السخاوي: الضوء اللامع ٢٣: ٢، التبر المسبوك ٢٣، ١٠٣.
(٢) السخاوي: الإعلان بالتوبيخ ١٣١.
(٣) ابن حجر: رفع الإصر عن قضاة مصر ٣.
(٤) ابن حجر اقتباس للسخاوي: الضوء اللامع ٢٤: ٢، التبر المسبوك ٢٤، الشوكاني: البدر الطالع ٨١: ١.
(٥) ابن الصيرفي: نزهة النفوس ٢٤٣: ٤.
(٦) Quatremere، E.، Journal des Savants ١٨٥٦.
(٧) محمد عبد اللّه عنان: مصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية ٥١ - ٥٩، «خطط المقريزي بين الأصالة والنقل» في دراسات عن المقريزي، القاهرة ١٩٧١، ٣٩ - ٤٨.
(٨) كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ٤٨٤ - ٤٨٦.
(٩) Brockelmann، C.، El ٢?.، art.al-makri? ziIII، p. ١٨٦.
(١٠) سعيد عبد الفتاح عاشور: «أضواء جديدة على المؤرخ أحمد بن علي المقريزي وكتاباته»، عالم الفكر ١٤ (١٩٨٦) ٤٥٧ - ٤٦٣.
(١١) Fu'a? d Sayyid، A.، «Remarques sur la composition des Hitat de Maqri? zi? d'apres un manuscrit autographe» Hommages a'la Memoire؛ de Serge Sauneron، IFAO ١٩٧٩، II، pp. ٢٤٣ - ٤٨ أيمن فؤاد سيد: «ملاحظات حول تأليف خطط المقريزي»، مجلة معهد المخطوطات العربية ٢٦ (نوفمبر ١٩٨٠) ٢٤ - ٣٠.
стр. 63
بنفسه عن الأوحدي تجعلنا نصل إلى حكم صحيح حول صحّة أو عدم صحّة الاتّهام الذي ساقه السّخاوي.
فأقدم هؤلاء الثلاثة ابن دقماق ولد سنة ٧٥٠ هـ. أمّا الأوحدي والمقريزي فمتقاربان في السّن ولد الأوّل سنة ٧٦١ هـ وولد الثاني بعده بخمس سنوات في سنة ٧٦٦ هـ. وتوفي الأوحدي شابّا سنة ٨١١ هـ قبل أن يكمل تأليف كتابه وتركه مسوّدة لم يبيّضها بينما عمّر المقريزي بعده أربعا وثلاثين عاما متنقّلا في بعض المناصب العامّة ومرتحلا إلى الشّام والحجاز حتّى توفي سنة ٨٤٥ هـ.
كان الأوحديّ جارا للمقريزي دائم التّردّد عليه ويتبادلا الأراء في المسائل التي تهمهما، فيقول المقريزي في ترجمته: «حدّثني صاحبنا المقريء المؤرّخ الأديب شهاب الدين أحمد بن عبد اللّه بن الحسن بن طوغان الأوحدي الجندي الشّافعي إملاء بمنزلي من القاهرة في يوم السبت لسبع ليال بقين من شهر رجب سنة عشر وثمان مائة» (١).
ولا ندري سببا واحدا يجعل المقريزي يغفل الإشارة إلى عمل صاحبه الأوحدي في الخطط في مقدّمته لكتاب «المواعظ والاعتبار» رغم هذه العلاقة القائمة بينهما إلاّ أن تكون الغيرة العلمية. فقد كان الأوحديّ - كما وصفه ابن حجر - «لهجا بالتاريخ» (٢)، وبالفعل فقد وقف على كثير من المؤلّفات الخاصّة بتاريخ مصر والقاهرة وسجّل عليها بخطّه ما يفيد إفادته منها أو امتلاكه لها، فمن ذلك ما دوّنه على الورقة ١٣٤ ومن مخطوطة كتاب «الولاة والقضاة» للكندي المحفوظة في المتحف البريطاني برقم Add ٢٣، ٣٢٤ ونصّه: «لأحمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الأوحدي بالقاهرة في شهر رمضان المعظّم من سنة خمس وثمان مائة»، ونسخة «ديوان ابن حمديس» المحفوظة في مكتبة الفاتيكان برقم ٤٤٧ ونصّه:
«لأحمد بن عبد اللّه بن الحسن بن الأوحدي بالقاهرة في جمادى الأولى سنة إحدى وثمان مائة».
وكثيرا ما نجد اسم الأوحدي جنبا إلى جنب مع اسم المقريزي على بعض مؤلّفات تاريخ مصر الإسلامية مثل ما جاء على الورقة ١٣٢ و، وهي صفحة غلاف «الجزء الأربعين من أخبار مصر للمسبّحي» المحفوظة في الإسكوريال تحت رقم ٥٣٤? ونصّه: «طالعه أحمد بن عبد اللّه بن الحسن الأوحدي بالقاهرة سنة ٨٠٣»، وأثبت المقريزي على الصّفحة نفسها: «استفاد منه داعيا له أحمد ابن علي المقريزي».
وعلى غلاف مخطوطة كتاب «المغرب في حلى المغرب» لابن سعيد المغربي (الورقة ١٣٢ و) المحفوظة في دار الكتب المصرية رقم ١٠٣ تاريخ م - وهي بخط ابن سعيد نفسه كتبها لخزانة مؤرّخ
_________
(١) المقريزي: درر العقود الفريدة ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٢) ابن حجر: إنباء الغمر ٤٠٦: ٢.
стр. 64
حلب ابن أبي جرادة المعروف بابن العديم وفرغ من كتابتها بين سنتي ٦٤٥ و ٦٤٧ هـ - نجد توقيع المؤرّخين الثلاثة بالصيغة التالية: «استفاد منه داعيا لمالكه إبراهيم بن دقماق عفا اللّه عنه ورحمه آمين»، و «طالعه أحمد بن عبد اللّه بن الأوحدي سنة ٨٠٢»، و «استفاد منه داعيا لمالكه أحمد بن علي المقريزي سنة ٨٠٣». وهذا الكتاب أحد أهمّ مصادر المقريزي في كتابيه «الخطط» و «اتّعاظ الحنفا».
وكما ذكرت في أكثر من موضع فإنّ معظم المصادر التي استفاد منها المقريزي في «الخطط» قد فقدت منذ زمن بعيد، حتى أنّ الجبرتي في مطلع القرن التاسع عشر يقول إنّ المقريزي «نقل في مؤلّفاته أسماء تواريخ لم نسمع بأسمائها في غير كتبه مثل تاريخ ابن أبي طيّ والمسبّحي وابن المأمون وابن زولاق والقضاعي» (١)، والعدد القليل من هذه المصادر التي وصلت إلينا تشهد بأنّه امتلكها أو استفاد منها ابن دقماق والأوحدي والمقريزي، ودائما ما كان استخدام المقريزي لهذه المؤلّفات لاحقا لاستخدام ابن دقماق والأوحدي. ويغلب على ظنّي أنّ نسخ هذه الكتب كانت نادرة في زمن المقريزي حتى إنّ المؤرّخين الثلاثة - كما يتّضح لنا - قد استخدموا في مراجعتهم نسخة واحدة فقط.
ولم يصل إلينا من مؤلّفات الأوحدي سوى اختيارات ألحقها بكتاب «الذّخائر والتّحف».
فالنّسخة الوحيدة من كتاب «الذّخائر والتّحف» المنسوب للقاضي الرّشيد بن الزّبير والمحفوظة في مكتبة أفيون قره حصار في تركيا برقم ٧٠٢ عمومي كتبها شيخ المقريزي ابن دقماق وأثبت في آخرها ذيلا على الكتاب جاء في أوّله: «زيادات على ما وجد من كتاب «الهدايا والتحف» (كذا» اختارها صاحبنا الأمير الأجلّ شهاب الدين أحمد بن عبد اللّه بن الحسن الأوحدي المقريء الشّافعي». هذا كلّ ما وصل إلينا منسوبا إلى الأوحدي.
وكتاب «الذّخائر والتّحف» من أهمّ مصادر المقريزي في «الخطط» و «الاتّعاظ». ونقل المقريزي نصّا عن هذا الكتاب أرجّح أنّه من هذه النسخة نفسها التي وصلت إلينا يقول: «وقال في كتاب «الذّخائر والتحف وما كان بالقصر من ذلك»، وهو جمع بعض المصريين مجهول المصنّف وفيه فوائد جمّة ومنه نقلت … » (٢). وهذا العنوان هو نفسه العنوان المثبت على مخطوطة أفيون قره حصار.
ولعلّ المؤرّخ ناصر الدّين محمد بن عبد الرّحيم بن الفرات المتوفى سنة ٨٠٧ هـ/ ١٤٠٤ م، المؤرّخ الوحيد الذي اعتمد على الأوحدي ونقل عنه في مواضع متعدّدة في كتابه «تاريخ الدّول
_________
(١) الجبرتي: عجائب الآثار في التراجم والأخبار (بولاق ١٢٩٧ هـ) ٦: ١.
(٢) المقريزي: مسودة المواعظ ١٤١.
стр. 65
والملوك» والذي نشرت أجزاء منه بعنوان «تاريخ ابن الفرات» (١)، وعلى الأخصّ في الجزء التاسع، ولكنّ ابن الفرات لا يشير في هذه المواضع إلى عنوان كتاب الأوحدي الذي ينقل منه، ولأنّ كتاب ابن الفرات كتاب في التاريخ فإنّ كلّ ما نقله عنه يتعلّق بضبط بعض الأحداث التاريخية أو تصحيح أسماء بعض الأعلام المعاصرين. واقترن نقل ابن الفرات عن الأوحدي أيضا بالنّقل عن المؤرّخ صارم الدين إبراهيم بن دقماق وعلى الأخصّ من كتابه «نزهة الأنام في تاريخ الإسلام» وكان يسبق النّقل عنه بقوله: «ورأيت بخطّ صاحبنا الأمير صارم الدين ابن دقماق» أو «قال صاحبنا صارم الدين إبراهيم الشّهير بابن دقماق ومن خطّه كتبت» (تاريخ ٤١٣: ٢/ ٩، ٤٢٤).
أمّا نقول ابن الفرات عن الأوحدي فقد جاءت بالصّيغ التالية:
«رأيت بخطّ بعض الإخوان وهو الأمير شهاب الدّين أحمد بن جمال الدين الأوحدي وأخبرني قال … » (تاريخ ١٤٢: ٢/ ٤).
«رأيت بخطّ الأمير شهاب الدّين أحمد بن الأمير جمال الدين عبد اللّه الشهير بالأوحدي، أحد رجال الحلقة وأحد قرّاء السّبعة، قال … » (تاريخ ١٩١: ٢/ ٤).
«رأيت بخطّ الأمير شهاب الدّين أحمد الأوحدي أحد رجال الحلقة المنصورة ما صيغته … ». وختم النقل بالعبارة التالية.
«انتهى ما نقلته من خطّ الأمير شهاب [الدّين] أحمد … » (تاريخ ١٣٨: ١/ ٩ - ١٤٠).
«قال الأخ شهاب الدّين أحمد الأوحدي» (تاريخ ٤١٧: ٢/ ٩).
«ورأيت بخطّ الأخ شهاب الدّين أحمد بن الأوحدي أحد رجال الحلقة المنصورة … » (تاريخ ٤٢٢: ٢/ ٩).
«وذكره الأخ شهاب الدّين أحمد الأوحدي من أهل الوزيرة» (تاريخ ٤١٧: ٢/ ٩).
«قال الأخ شهاب الدّين أحمد بن الأوحدي أحد رجال الحلقة» (تاريخ ٤٥١: ٢/ ٩).
«ورأيت بخطّ الأخ شهاب الدّين أحمد بن الأوحدي … » (تاريخ ٤٧٣: ٢/ ٩).
و «تاريخ ابن الفرات» - الذي يعرف كذلك في بعض نسخه ب «الطّريق الواضح المسلوك إلى معرفة تراجم الخلفاء والملوك» - لم يبيّضه مؤلّفه وتركه مسوّدّة كما يذكر ابن حجر وتلميذه السّخاوي.
ووصلت إلينا هذه المسوّدة وهي محفوظة في مكتبات فيينا والفاتيكان وحسين جلبي بإستانبول والخزانة العامّة بالرّباط. وذكر السّخاوي أنّ المقريزي ذكر ابن الفرات في «عقوده» وقال: «إنّه تفقّه
_________
(١) راجع عن ابن الفرات، السخاوي: الضوء اللامع ٥١: ٨؛ ابن حجر: ذيل الدرر الكامنة ١٦٣ - ١٦٤؛ Cahen CI.
El ٢? art.Ibn al-Fura? t III، p. ٧٩٢
стр. 66
وكتب في التّاريخ مسوّدة تبلغ مائة مجلّد بيّض منها نحو العشرين وقفت عليها واستفدت منها»، يؤيّد ذلك ما كتبه المقريزي بخطّه في أسفل ورقة ٩٥ ظ من الجزء السابع من تاريخ ابن الفرات المحفوظة في مكتبة الدولة بقيينا: «انتقاه داعيا لمالكه أحمد بن علي المقريزي في صفر سنة ٨١٩ هـ» ومطالعة أخرى له على الجزء الخامس المحفوظة بالخزانة العامة بالرّباط مؤرّخة سنة ٨١٨ هـ (١).
ورغم تجاهل المقريزي التام لابن دقماق والأوحدي في كتابه «الخطط» فقد أثنى على صاحبه الأوحدي عندما ترجم له في كتابه «درر العقود الفريدة» وقال عنه:
«كان ضابطا متقنا مفيدا ذاكرا لكثير من القراءات وتوجّهها وعللها، حافظا للكثير من التاريخ لا سيّما أخبار مصر، فإنّه لا يكاد يشذّ عنه من أخبار ملوكها وخلفائها وأمرائها ووقائع حروبها وخطط دورها وتراجم أعيانها إلاّ اليسير، مع معرفة النّحو والعروض وقرض الشّعر الحسن، وكان ﵀ كثير التّعصّب للدولة التركية محبّا لطريق اللّه» (٢).
ومن حسن الحظ فقد حفظ لنا المؤرّخ ابن الفرات (المتوفى سنة ٨٠٨ هـ/ ١٤٠٥ م) فقرتين من خطط الأوحدي يتعلّقان بذكر بعض مقابر قرافة مصر (٣)، ورغم أنّ هاتين الفقرتين لا توجدان في خطط المقريزي فإنّها ليست دليلا كافيا على أن المقريزي لم يستفد من مسوّدة الأوحدي.
ولكن ما يثبت أنّ المقريزي قد استفاد من عمل الأوحدي هو اعتراف المقريزي نفسه بذلك عندما ترجم للأوحدي يقول:
«علّقت عنه جملة أخبار واستفدت منه كثيرا في التاريخ وأعانني اللّه بمسوّدات من خطّه في خطط القاهرة ضمّنتها كتابي الكبير المسمّى بكتاب «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار»، وناولني ديوان شعره وهو في مجلدة لطيفة» (٤).
وهذا الاعتراف يثبت ما ذهب إليه السّخاوي وكرّره في مؤلّفاته من أنّ الأوحدي كتب مسوّدة كبيرة لخطط القاهرة تعب فيها وأجاد، ولكنّه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام تبرئة المقريزي من تهمة السّطو على كتاب الأوحدي وينفي الاتّهام الذي ساقه السّخاوي وتشكّك فيه الكثير من الباحثين ويؤكّد سوء نيّة السّخاوي الذي اطّلع على ترجمة الأوحدي عند المقريزي في «درر العقود الفريدة» ولكنّه توقّف بالنّقل وحرّف كلام المقريزي ليؤكّد الاتّهام الذي ساقه ضدّه،
_________
(١) راجع عن هذه النّسخ، أيمن فؤاد سيد: الكتاب العربى المخطوط ٣٤٠ - ٣٤١.
(٢) المقريزي: درر العقود الفريدة ٢٣٢: ١ - ٢٣٣؛ السخاوي: الضوء اللامع ٣٥٩: ١.
(٣) ابن الفرات: تاريخ الدول والملوك ١٤٢: ٢/ ٤، ١٩١.
(٤) المقريزي: درر العقود الفريدة ٢٣٣: ١.
стр. 67
ومع ذلك فإنّ علينا أن نتساءل إذا كان المقريزي قد استفاد باعترافه بمسوّدات الأوحدي وضمّنها في كتابه «المواعظ والاعتبار» لماذا لم يذكره بين المؤلّفين الذين اهتموا بخطط القاهرة في مقدّمة الخطط، ولماذا لم يشر إلى المواضع التي استفاد منه فيها في أثناء الكتاب؟
تفسير ذلك أنّ الأوحدي كتب مسوّدة خطط القاهرة وربّما بيّض بعضها - كما ذكر ابن حجر - في الوقت الذي كان جاره المقريزي مهتمّا بالموضوع نفسه، ويبدو أنّ الأوحدي كان حريصا على حجب مصادر معلوماته عن جاره المقريزي، فلمّا مات الأوحدي في سنة ٨١١ هـ قبل أن يتمّ كتابه ويبيّضه ظفر به المقريزي مسوّدة وأخذ في مراجعة مصادره والمكتبات التي اعتمد عليها الأوحدي، فعرف المصادر التي استخدمها ورجع إليها مباشرة وضمّن هذه النّقول مسوّدته التي وصلت إلينا متمثلة في الطّيّارات الكثيرة الموجودة بين أوراق الكتاب والهوامش المطوّلة التي أضافها على صفحاته، وكلّها نصوص نسبها إلى مصادرها الأصلية أعانت المقريزي على إعادة تبويب كتابه وزوّدته بمواد بالغة القيمة، وترجع أغلب النّصوص التي ضمّنها من كتاب الأوحدي إلى: ابن زولاق والمسبّحي وابن المأمون وابن الصّيرفي وكتاب الذّخائر والتّحف وتعليق القاضي الفاضل في المتجدّدات وكلّها متّصلة بالجزء المتعلّق بوصف القاهرة في زمن الفاطميين.
والواقع أنّ أمتع فصول كتاب «المواعظ والاعتبار» للمقريزي هو ذلك الفصل الشّيّق الذي خصّصه لذكر بناء القاهرة ووصف المدينة في زمن الفاطميين من خلال ذكر قصور خلفائهم ومناظرهم وأماكن نزههم وما كان يصاحب ذلك من نظم ورسوم ومواكب واحتفالات.
واعتمد المقريزي في هذا الوصف على مصادر أصلية فقدت جميعها منذ زمن بعيد فأضحى كتاب المقريزي بذلك هو مصدرها الوحيد تقريبا.
ويبدو أنّ هذا القسم هو نفسه القسم الذي اهتمّ به الأوحدي ولم تكن مسوّدته سوى أمشاج من النّقول ألصقت جنبا إلى جنب دون ما أي تمحيص، ولم يفعل المقريزي أكثر من أن نقل هذه النّقول التي فاتته إلى كتابه من مصادرها الأصلية ولم يجد ضرورة لذكر الأوحدي الذي لم يكن قد بيّض كتابه وأعاد النّظر فيه. ولكن الأمانة العلمية كانت تتطلّب من المقريزي أن يضيف اعترافه بأنّ اللّه أعانه بمسوّدات من خطّ الأوحدي ضمّنها كتاب «المواعظ والاعتبار» في مقدّمة هذا الكتاب بالإضافة إلى الترجمة التي أفردها للأوحدي في «درر العقود الفريدة».
وعلينا أن نلاحظ أنّ أكثر من نصف كتاب «المواعظ والاعتبار» يحدّد مواضع منشآت ويذكر أحداثا وقعت بعد وفاة الأوحدي، فما ذكرته منذ قليل لا يعني أنّ المقريزي نقل تماما مسوّدة الأوحدي بل إنّه طالعها واستفاد منها وعرف مصادرها فتتبّعها ونقل منها ولم يجد ضرورة للإشارة إلى مسوّدة الأوحدي - وهو معاصره - طالما اطّلع هو بنفسه على المصادر التي كتبت عن
стр. 68
تاريخ القاهرة وخططها في العصر الفاطمي وما بعده، تماما مثلما فعل مع ابن فضل اللّه العمري والنّويري والصّفدي وابن الفرات (١).
متى ألّف المقريزي كتابه؟
إنّ كتاب «المواعظ والاعتبار» هو الأثر الأكبر في مجهود حياة المقريزي العلمية، واستغرق منه تأليفه وقتا طويلا، ولم يتوقّف عن الإضافة إليه على مرّ الزّمان، بل إنّه أخذ يضيف إليه إلى عام ٨٤٣ هـ/ ١٤٣٩ م (٢)، أي إلى ما قبل وفاته بنحو عامين. فمتى بدأ المقريزي في تأليف هذا الكتاب؟
لم يشر المقريزي في مقدّمة كتابه إلى السّنة التي بدأ فيها تأليفه، ولكن من خلال فصوله والمناسبات التي ذكر فيها المقريزي تاريخ بعض الأحداث، نستطيع أن نحدّد تاريخا تقريبيا للفترة التي استغرقها تأليف كتابه الموسوعي.
لاشكّ أنّ المقريزي بدأ في تدوين كتابه بعد المحن وسنوات الخراب التي اجتاحت مصر في أعقاب سنة ٨٠٦ هـ/ ١٤٠٤ م، وهي المحنة التي لم يترك مناسبة في كتابه إلاّ وأشار إلى التّغييرات التي طرأت على معالم القاهرة بسببها. وكان من النتائج المباشرة لهذه الأزمة كتابة المقريزي رسالته الهامّة «إغاثة الأمّة بكشف الغمّة» سنة ٨٠٨ هـ/ ١٤٠٦ م. ودخلت مصر في أعقاب هذه الأزمة أيضا في فترة من الفساد السّياسي والإداري في ظلّ سلطنة النّاصر فرج بن برقوق الثانية (٨٠٨ - ٨١٥ هـ/ ١٤٠٥ - ١٤١٢ م) والذي عدّة المقريزي «أشأم ملوك الإسلام» (٣). وشهدت هذه الفترة كذلك ما قام به الأمير المشير جمال الدين الأستادّار من هدم العديد من العمائر القديمة واغتصاب عدد من الأوقاف وتغيير الكثير من معالم المدينة الفاطمية قبل وفاته مقتولا سنة ٨١١ هـ/ ١٤٠٨ م. وعلى ذلك فإنّ المقريزي عندما بدأ في تدوين كتابه كان مجد القاهرة وعظمتها - الذي لم يفتر يشيد به على صفحات كتابه - قد بدأ في الزّوال. فأراد المقريزيّ أن يسجّل للتاريخ ما كانت تذخر به هذه المدينة العظيمة التي أسّسها الفاطميون قبل أكثر من أربع مائة عام، من قصور ودور ومساجد ومدارس وأسوار ومنشآت اجتماعية أخرى عديدة.
ولا تعيننا مسوّدة المقريزي للكتاب - والتي وصلت إلينا منها قطعتين محفوظتين في متحف طوبقبو سراي باستانبول - في معرفة التاريخ الحقيقي لبداية تأليف هذا الكتاب، فقد كان المقريزيّ دائم
_________
(١) انظر فيما يلي المقدمة ٩٨.
(٢) المقريزي: الخطط ٣٣١: ٢.
(٣) المقريزي: السلوك ٢٢٥: ٤.
стр. 69
الإضافة إليه والتّعديل فيه مع التّعرّف على مصادر جديدة، فالمسوّدة مليئة بالإضافات والطّيّارات والتّعديلات، كما أنّه عدل كثيرا عن صياغة المسوّدة عند التّبييض والإخراج النّهائي للكتاب.
وفي رأئي أنّ المقريزي وضع هيكل كتابه - كما هو واضح من مسوّدته - في الفترة التالية للأزمة التي اجتاحت مصر في نهاية العقد الأوّل من القرن التاسع الهجري، وأنّ التّواريخ التي تقابلنا في الإخراج الأخير للكتاب ليست سوى إضافات وتعديلات أضافها المقريزي عند التّبييض لتواكب الحوادث والماجريات. وأقدم هذه التّواريخ هو ما ورد في الفصل الذي ذكر فيه الطّريق بين مدينة مصر ودمشق (فيما يلي ٦١٦) حيث ختمه بقوله: «والأمر على ذلك إلى وقتنا هذا وهو سنة ثمان عشرة وثمان مائة». وعندما تحدّث عن عمود المقياس (٢٨٦: ١) قال: «وهو باق إلى يومنا هذا أعني سنة عشرين وثمان مائة». ولا شك أنّ المقريزي بيّض كتابه في عهد السّلطان المؤيد شيخ المحمودي (٨١٥ - ٨٢٥ هـ/ ١٤٠٢ - ١٤٢١ م) الذي بدأ النّظام المملوكي يعرف في عصره استقرارا نسبيّا في أعقاب الفوضى التي شهدها عهد سلفه النّاصر فرج، ووضع المقريزيّ آمالا كبارا في السّلطان الجديد حتّى أنّه تولّى تدريس المدرسة المؤيّديّة التي أنشأها السّلطان المؤيّد شيخ داخل باب زويلة بعد مقاطعة طويلة للوظائف الحكومية، يقول المقريزي وهو يتحدّث عن عساكر مصر في الدّولة التركية في زمنه (فيما يلي ٢٥٥): «وإنّ خوفي ليكثر أن يكون الحال بعد الملك المؤيّد أبي النّصر شيخ - خلّد اللّه ملكه - يتلاشى … » ولأنّ المقريزي كان دائم النّظر في كتابه والإضافة إليه فقد أضاف في فترة لا حقة بعد هذا الخبر - على هامش نسخته أو في طيّارة - (وهي مشكلة واجهت النّسّاخ الذين نقلوا عن خطّ المقريزي لأنّهم لم يعرفوا أحيانا المكان الصّحيح لهذه الطّيّارات أو الإضافات) «ثم لمّا ملك الأشرف برسباى … صارت المماليك سبع طوائف» وهذا لم يحدث بالطّبع إلاّ بعد وفاة المؤيّد شيخ.
وعند ذكره لمدينة مدين (فيما يلي ٥١٠) قال: «وكان بأرض مدين عدّة مدائن كثيرة قد باد أهلها وخربت وبقي منها إلى يومنا هذا وهو سنة خمس وعشرين وثمان مائة نحو الأربعين مدينة».
ونجد في الكتاب إشارات أخرى إلى تواريخ لاحقة على ذلك، هي في رأي إضافات أضافها المقريزيّ على هامش نسخته لتطوّرات حدثت بعد تأليف كتابه، فعند ذكر خليج الإسكندرية ذكر في آخر ما سجله عنه: «إلى أن كانت سلطنة الملك الأشرف برسباى وبديء في حفره من حادى عشر جمادى الأولى سنة ستّ وعشرين وثمان مائة إلى حادي عشر شعبان لتمام تسعين يوما» (فيما يلي ٤٦٦). وعند حديثه على دار الأمير جمال الدين أيدغدي (٧٩: ٢) يقول: «إلى أن أخذها السّلطان الملك الأشرف أبو العزّ برسباي الدّقماقي الظّاهري وابتدأ بعملها وكالة في شوّال سنة خمس وعشرين
стр. 70
وثمان مائة فكملت في رجب سنة ستّ وعشرين». وعند حديثه عن قيساريّة عبد الباسط التي استولى عليها الأمير جمال الدين الأستادّار فيما اغتصب من الأوقاف (٩١: ٢) ذكر أنّ النّاصر فرج جدّد جانبا منها بعد وفاة جمال الدين ثم أضاف قائلا: «ثم أخذ السّلطان الملك الأشرف برسباي بقيّة الحوانيت من وقف جمال الدين وجدّد عمارتها في سنة سبع وعشرين وثمان مائة».
وكان المقريزيّ يذكر بإيجاز مخلّ أحيانا التّطّورات التي كانت تطرأ على طبوغرافية القاهرة في الرّبع الثاني للقرن التاسع الهجري في تضاعيف كتابه، فعندما ذكر «الجامع الباسطي» بخطّ الكافوري الذي بني سنة ٨٢٣ هـ، ختم ما كتبه عنه بذكر ما تجدّد من جوامع في أخطاط القاهرة بعد هذا التاريخ، وآخرها الجامع الذي أنشأه الفقير المعتقد محمد الغمري في آخر سويقة أمير الجيوش بالقاهرة «وأقيمت به الجمعة في يوم الجمعة رابع ذي الحجّة سنة ثلاث وأربعين وثمان مائة قبل أن يكمل» (٢٣١: ٢). وعند ذكره لجامع قيدان الواقع خارج القاهرة على جانب الخليج الشرقي خارج باب الفتوح، ذكر أنّه جدّده مقدّم بعض المماليك السّلطانية في حدود الثلاثين والثمان مائة ثم وسّع فيه الشيخ أحمد بن محمد الأنصاري العقّاد الشهير بالازراري ومات في ثاني عشر ربيع الأوّل سنة ثلاث وأربعين وثمان مائة (٣١٣: ٢). وعندما ذكر دير المغطّس (٥٠٨: ٢) قال: «وقد هدم هذا الدّير في شهر رمضان سنة إحدى وأربعين وثمان مائة بقيام بعض المعتقدين». ومثال آخر على هذه الإضافات ما ذكره عن قبر الإمام اللّيث بن سعد من أنّه جدّد في سنة اثنتين وثلاثين وثمان مائة على يد امرأة قدمت من دمشق كان لها معروف وبرّ، توفّيت في تاسع عشر ذي القعدة سنة أربعين وثمان مائة (٤٦٣: ٢).
وكلّ هذه التّواريخ واضح أنّها إضافات أضافها المقريزي أثناء معاودته النّظر في كتابه. فحقيقة الأمر أنّ المقريزي لا يقدّم لنا أيّة مادّة عن كثير من العمائر التي بنيت في القاهرة ومصر في الرّبع الثاني من القرن التاسع الهجري. وآخر مباني السّلاطين التي أشار إليها المقريزي: جامع المؤيّد شيخ (٣٢٨: ٢ - ٣٣٠) ثم أربعة أسطر عن الجامع الأشرفي الذي بناه السّلطان الأشرف برسباي وأقيمت به الجمعة في سابع جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وثمان مائة (٣٣٠: ٢ - ٣٣١)، وهو السّلطان الذي أنهى به المقريزي قائمة سلاطين المماليك الشّراكسة الذين ذكر أنّه جلس على تخت الملك في يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمان مائة (٢٤٤: ٢)، ولم يذكر تاريخ وفاته حيث توفى سنة ٨٤١ هـ وخلفه: العزيز يوسف والظّاهر جقمق، وهو السّلطان الذي توفي المقريزي أثناء فترة سلطنته التي امتدّت إلى سنة ٨٥٧ هـ/ ١٤٥٣ م.
стр. 71
مصادر الكتاب
إنّ عدد المصادر التي اعتمد عليها المقريزي في تأليف كتابه «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» هائل حقّا، ويوضّح لنا أنّ المقريزي اعتمد على مكتبة غنيّة بالمصادر المتنوّعة، وأنّ مكتبات مدارس القاهرة - التي كان يتردّد عليها المقريزي - كانت تمثّل ثروة ضخمة من مؤلّفات علماء المسلمين السّابقين. فقد كانت القاهرة في عصر سلاطين المماليك هي مركز الجذب الثّقافي والعلمي للعالم الإسلامي بعد سقوط بغداد في سنة ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م، وانتقل إليها القسم الأكبر من المؤلّفات التي نجت من كارثة اجتياح المغول لمقرّ الخلافة الإسلامية في بغداد، وتوزّع القسم الآخر من هذه الكتب على مكتبات بلاد الشّام وعلى الأخصّ حلب ودمشق، وعلى ذلك فإنّه بعد أقلّ من قرن من وفاة المقريزي ومع الفتح العثماني لبلاد الشّام ومصر، انتقل القسم الأكبر من هذه الكتب إلى دار الخلافة الجديدة في استانبول ومن بينها أصول المقريزي نفسه التي كتبها بخطّه أو التي نقلت من خطّه (١).
وفي دراسة رائدة عن النّقوش التاريخية الموجودة على العمائر الدّينية والحربيّة والمدنيّة في مصر الإسلامية صدرت عام ١٨٩١ م، أشار عالم الكتابات الأثرية السّويسري ماكس فان برشم Max Van Berchem (١٨٦٣ - ١٩٢١ م) إلى الأهمية التي يمكن أن تعود بها دراسة عن مصادر المقريزي في الخطط (٢)؛ وأكّد على ذلك أيضا المستشرق الرّوسي إغناطيوس كراتشكوفسكي Ignati Iulianovich Krachkovski (١٨٨٣ - ١٩٥١ م) الذي أشار في كتابه الرّائد «تاريخ الأدب الجغرافي العربي» إلى أنّ دراسة مصادر المقريزي في «الخطط» تحتاج إلى بحث خاصّ لن يخلو من الأهمية (٣).
وفي سنة ١٩٠٢ م كتب المستشرق الإنجليزي روفن جست Rueven Guest مقالا مسهبا (٤) عدّد فيه عناوين مصادر المقريزي في «الخطط» اعتمادا على طبعة بولاق، وهو لا يزعم أنّ القائمة
_________
(١) انظر، أيمن فؤاد سيد: الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات، ٢٤٦ - ٢٦٠، و «دور تركيا العثمانية في حفظ التراث العربي»، مجلة معهد المخطوطات العربية ٤٤ (نوفمبر ٢٠٠٠)، ١٤١ - ١٥١.
(٢) van Berchem، M.، «Notes d'archeologie arabe-Monuments et inscriptions fatimites»، JA (Mai-Juin ١٨٩١)، pp. ٤٣٠ - ٣١ n. ٢.
(٣) كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ٥٢٨.
(٤) Guest، A.R.، «A List of Writers، Books and other authorities mentioned by El-Maqri? zi? in his Khitat»، JRAS (١٩٠٢)، pp. ١٠٣ - ٢٥.
стр. 72
التي أعدّها قائمة تامّة، خاصّة وأنّ طبعة بولاق التي اعتمد عليها لا تحوي أيّة كشّافات كما أنّها تشتمل على أكثر من ألف صفحة، مسطرة كلّ صفحة ٣٩ سطرا. وقد وفّر هذا العمل دون شكّ جهدا كبيرا على المهتمين بهذا الموضوع في غياب كشّاف تحليلي للكتاب، ولكنّه لم يلبّ رغبة ماكس فان برشم أو أمنية كراتشكوفسكي بعد ذلك في تخصيص بحث لدراسة مصادر المقريزي في كتابه «المواعظ والاعتبار».
ووعد جاستون فييت في مقدّمة نشرته الجزئية للخطط بأنّه سينشر في مجلّد مستقلّ دراسة عن حياة المقريزي سيدرس فيها بالتّفصيل على الأخصّ مصادر الخطط.
«J'ai publiera، dans un volume special، une etude biographique de Maqri? zi?، ou j'examinerai en detail plus particulierement les sources du present travail».
وعلى ذلك ظلّت مصادر المقريزي التي اعتمد عليها في كتابة كتابه الضّخم «المواعظ والاعتبار» تفتقر إلى هذه الدّراسة التي أرجو أن أوفّق في تقديمها في الصّفحات التالية.
وقد استطاع المقريزي فيما يتعلّق بنقاط معيّنة (أخبار النّوبة - الأهرام - أقسام مال مصر - الملّوك المصريون القدماء - الدّعوة الفاطمية - المواكب الاحتفالية عند الفاطميين … ) أن يحصل على موادّ ذات قيمة كبرى تقتصر معرفتنا بها في أحايين كثيرة على ما حفظه لنا هو منها.
وقد نقل المقريزي نصوصا كاملة لمؤلّفين قدماء، ففي عصر الكتاب المخطوط لم تكن أمام المؤلّفين عند استخدام مصادر قديمة طريقة أخرى سوى نقل نصّها كاملا، فلم يجدوا طريقة مناسبة لإطلاع القارئ على المصدر الذي أخذوا عنه أو للإشارة إلى نصوص سبق ذكرها في الكتاب أو إلى صفحات سابقة، إلاّ تضمين هذه النّصوص مرّة أخرى، فلم يكن المؤلّفون القدماء متأكّدين دائما من أنّ الكتب التي ينقلون عنها ميسورة دائما لهؤلاء القرّاء.
وتبعا لذلك فإنّ بعض أقسام كتاب «الخطط» تمثّل نقلا صريحا عن مؤلّفين آخرين قد يستغرق أحيانا صفحات، مثلما فعل مع ابن عبد الحكم والكندي وابن وصيف شاه وعليّ بن رضوان والبيروني وابن المأمون وابن الطّوير وابن المتوّج، غير أنّ هذه المواد المنقولة قد تمّ التأليف بينها بصورة لا تخلو من المهارة والإبداع، واستخرجت من عدد هائل من الآثار الأدبية فقد بعضها تماما بالنسبة لنا مثل مؤلّفات: القضاعي وابن المأمون وابن الطّوير والمسبّحي والقاضي الفاضل وابن أبي طيّ وابن المتوّج واليوسفي وغيرها كثير، وهو لا يهمل في العادة الإشارة إلى مؤلّفيها، ويستثنى من ذلك المؤلّفون قريبو العهد من المقريزي الذين نقل عنهم نقولا مطوّلة دون أدنى إشارة إليهم مثل: ابن فضل اللّه العمري والنّويري والصّفدي وابن الفرات، وربّما كذلك ابن دقماق
стр. 73
والأوحدي. وخير مثال على مهارة المقريزي في استخدام مصادره والتّوفيق بينها الفصل الذي أفرده لأهرامات مصر (فيما يلي ٣٠٠ - ٣٣١) حيث يشير فيه المقريزي إلى أكثر من عشرين مؤلّفا بخلاف من استشهد بهم من الشّعراء.
وسأقصر حديثي في هذه المقدّمة على المصادر التي استخدمها المقريزي في كتابة المجلّد الأوّل من الكتاب الذي ننشره اليوم، وسأخصّص في مقدّمة كلّ جزء تال دراسة لمصادر هذا الجزء.
مصادر المجلّد الأوّل
يشتمل المجلّد الأوّل من «المواعظ والاعتبار» - الذي ننشره اليوم - على الجزأين الأوّلين من أجزاء الكتاب السّبعة التي أشار إليها المقريزي في مقدّمته (فيما يلي ٨)، وهما: «جمل أخبار أرض مصر وأحوال نيلها وخراجها وجبالها» ويستغرق الصّفحات من ١١ - ٣٤٦، و «مدائن أرض مصر» ويستغرق الصّفحات من ٣٤٧ - ٦٧٦، وينتهي هذا المجلّد بذكر «تأريخ الخليقة» من ٦٧٧ - ٧٧٢.
ويحتوي الجزء الأوّل على مقدّمة جغرافية مركّزة تحدّد محلّ مصر من الأرض، وتعيّن حدودها الطّبيعية، لم يحدّد فيها المقريزي مصادره بوضوح، وإن كان أشار فيها في مواضع متفرّقة إلى مؤلّفات محمد بن موسى الخوارزمي (فيما يلي ٢١) وأبي زيد أحمد بن سهل البلخي (فيما يلي ٤، ٣١٢)، كما تتّفق بعض نصوصه مع ما ورد في مقدّمة ياقوت الحموي لكتابه الجامع «معجم البلدان»، وهو من مصادره في المجلّد الثالث. واعتمد المقريزي في تعيين المسافات ووصف الطّرق بين المدن والأقاليم على كتاب «المسالك والممالك» لأبي القاسم عبيد اللّه بن عبد اللّه بن خرداذبه المتوفي حوالي عام ٣٠٠ هـ/ ٩١٢ م (١)، وهو أوّل مصنّف يصل إلينا في الجغرافيا الوصفية، واعتمد في مواضع أخرى على كتاب «صورة الأرض» أو «المسالك والممالك» لأبي القاسم محمد بن حوقل المتوفى سنة ٣٨٠ هـ/ ٩٩٠٠ هـ عند وصفه بعض العمائر وسمّاه أحيانا الحوقلي (٢).
_________
(١) راجع كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ١٦٧ - ١٧١؛ Hadj-Sadok، M.، El ٢? art.Ibn Khurradadhbih III، p. ٨٦٣.
(٢) راجع، كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ٢١٦ - ٢٢٢، Miquel، A.، El ٢? art.Ibn Hawkal lll، pp. ٨١٠ - ١١.
стр. 74
وتناول المقريزي بعد ذلك «فضائل مصر» وهو موضوع مطروق منذ القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، واعتمد فيه في الأساس على ما ورد في «القرآن الكريم» و «الحديث النّبوي» بالإضافة إلى كتب الفضائل وعلى الأخصّ «فضائل مصر» لعمر بن أبي عمر محمد بن يوسف الكندي، ابن الكندي صاحب «ولاة مصر» و «قضاة مصر»، الذي ألّفه للأمير أبي المسك كافور الإخشيدي (١)، وكتاب «غريب الحديث» لأبي محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ/ ٨٨٩ م (٢).
وبالطّبع كان كتاب «فتوح مصر وأخبارها» لأبي القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم المتوفى سنة ٢٥٧ هـ/ ٨٧١ م (٣)، المصدر الرئيس للمقريزي في كلّ ما يتعلّق بمسائل فتح مصر والإسكندرية وأقاليمها المختلفة وكافّة القضايا المتعلّقة بهذه الفترة. فابن عبد الحكم هو أوّل مؤرّخ لمصر الإسلامية، وكتابه «فتوح مصر» المصدر الوحيد الذي سجّل أحداث الفتح العربي الإسلامي لمصر، فكان مصدرا لا غنى عنه لكلّ من تناولوا هذا الموضوع من القضاعي إلى ابن إياس.
ونقل المقريزي أغلب كتاب ابن عبد الحكم وعلى الأخصّ روايات محمد بن حبيب وعبد اللّه بن لهيعة واللّيث بن سعد، تماما مثلما فعل مع كتاب «أمراء مصر» أو «ولاة مصر» للكندي للفترة التالية لأحداث الفتح وحتى سقوط الدولة الإخشيدية، والتي سترد في المجلّد الثاني.
وبعد ذلك تحدّث المقريزي عن تاريخ مصر القديم وما بها من عجائب، وقد أعاد ذكر ما ورد في هذا القسم بطريقة أكثر تفصيلا عند حديثه على مدينتي أمسوس ومنف في الجزء الثاني الخاصّ بذكر مدائن أرض مصر. والحقيقة أنّ مادّة المقريزي الخاصّة بالتاريخ القديم أسطورية بأكملها واعتمد فيها في الأساس على مصدرين رئيسين: «أخبار مصر وعجائبها» لإبراهيم بن وصيف شاه، و «أخبار الزّمان ومن أباده الحدثان» للمسعودي بالإضافة إلى مقدّمة «فتوح مصر» لابن عبد الحكم و «الإكليل» للهمداني و «التّيجان في ملوك حمير» لابن هشام و «الآثار الباقية» للبيروني، و «مروج الذّهب» للمسعودي.
فالمسعودي أبو الحسن عليّ بن الحسين المتوفى سنة ٣٤٥ هـ/ ٩٥٦ م، الذي اعتمد عليه المقريزي في مواضع عديدة من المجلّد الأوّل، هو «أكثر الجغرافيين العرب أصالة في القرن الرّابع
_________
(١) نشره عليّ محمد عمر وصدر عن مكتبة الخانجي بالقاهرة سنة ١٩٩٧.
(٢) نشره عبد اللّه الجبّوري في بغداد سنة ١٩٧٧ - ١٩٧٩ في ثلاثة أجزاء.
(٣) ابن حجر: تهذيب التهذيب ٢٦٠: ٩ - ٢٦٢؛ إبراهيم أحمد العدوي: ابن عبد الحكم رائد المؤرخين العرب، القاهرة ١٩٦٣؛ مجموعة من الأساتذة: دراسات عن ابن عبد الحكم، القاهرة ١٩٧٥؛ Rosenthal، F.، El ٢? art.Ibn c? Abd al-Hakam.III، p. ٦٩٦ واعتمدت في إحالاتي على نشرة C.C.
Torrey الصادرة في نيوهافن سنة ١٩٢٢.
стр. 75
الهجري/ العاشر الميلادي». وقد أقام المسعودي فترة غير قصيرة بمصر حيث يشير في مواضع مختلفة من كتابه «مروج الذّهب» إلى أنّه كان بها في سنة ٣٣٢ هـ/ ٩٤٤ م. وللأسف الشّديد لم يصل إلينا من مؤلّفات المسعودي سوى مؤلّفين فقط: «مروج الذّهب» و «التّنبيه والإشراف». (١)
والكتابان مصدران أساسيان للمقريزي إضافة إلى كتاب «أخبار الزّمان»، وفي النّصّ الذي وصل إلينا منه شكّ في نسبته إلى المسعودي، ويزيد في تعقيد نسبة هذا النّصّ الموجود بين أيدينا إلى المسعودي وجود مقتطفات منه نسبها المقريزي إلى إبراهيم بن وصيف شاه.
فنحن نعرف أنّ المسعوديّ وضع كتابا مطوّلا في التاريخ عنوانه «أخبار الزّمان ومن أباده الحدثان من الأمم الماضية والأجيال الخالية والممالك الدّاثرة» يقع في ثلاثين جزءا، ثم وضع كتابا اختصر فيه الكثير ممّا جاء في «أخبار الزّمان» سمّاه «الكتاب الأوسط» (٢). وللأسف فإنّنا لا نعرف هذين الكتابين إلاّ من خلال اقتباسات ضئيلة ليست بذات قيمة، كما أنّ الشّكّ يعتور صحّة نسبة هذه النّقول إليه.
أمّا كتاب «مروج الذّهب ومعادن الجوهر» فهو الكتاب التاريخي الوحيد بين مؤلّفات المسعودي الذي وصل إلينا، ويعدّ أفضل تصوير للحياة الاجتماعية والثّقافية في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، كما يحتوي على معلومات هامّة عن الأمم القديمة وملوكها وسير الأنبياء، والمدن التاريخية، والبحار والأنهار والخلجان، وأخبار النّيل والعجائب الموجودة بمصر، والتأريخ وأسماء الشّهور المختلفة، كانت معينا مهمّا للمقريزي على امتداد صفحات المجلّد الأوّل.
وعندما ينقل المقريزي عن «مروج الذّهب» يعيّن عنوانه بينما يكتفي أحيانا بالقول: قال المسعودي، عندما ينقل عن «أخبار الزّمان». وتعتمد طريقة المسعودي في كتابه على العرض
_________
(١) راجع، ابن النديم: الفهرست ١٧١؛ ياقوت: معجم الأدباء ٩٠: ١٣ - ٩٤؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء ٥٦٩: ١٥؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٥: ٢١ - ٦؛ السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ٤٥٦: ٣ - ٤٥٧ (وكلّها تراجم قصيرة لم تقدّر المسعودي حقّ قدره). وانظر من الدراسات الحديثة التي أعادت تقييم المسعودي Maqbu? l Ahmad، S.، «Al-Masc? u? di's contribution to mediaeval Arab Geography»، IC XXVII (١٩٥٣)، pp. ٦١ - ٧٧، XXVIII (١٩٥٤)، pp.
٢٧٦ - ٨٦.، id.، (ed.)، al-Masc? u? di Millenary Comm- emoration Volume، Aligarh ١٩٦٠ (الذي يحتوي على عشرين دراسة حول موضوعات محدّدة عن المسعودي)؛ كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي العربي ١٩٠ - ٢٠١؛ Sezgin، F.، GASI، pp. ٣٣٢ - ٣٦; Miquel، A.، La Geographie humaine du monde musulman jusqu'au milieu du ll? siecle، Paris ١٩٦٧، I، pp.
، ٢٠٢ - ١٢ ثم الدراستين الهامتين Khalidi، T.، Islamic historiography.The histories of Masc? u? di?، Albany ١٩٧٥ (دراسة هامّة عن المنهج التاريخي للمسعودي)؛ Shboul، A.، Al-Masc? u? di? and his world.A Muslim humanist and his interest in non-Muslims، London ١٩٧٩; Pellat،.Ch.، El ٢? art.al-Masc? u? di? V، pp. ٧٧٣ - ٧٨
(٢) المسعودي: مروج الذهب ٩: ١ - ١٠.
следующие страницы →