إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه، ولا تمنعوا منه، ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه.
وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مصلّيا، وعليكم كنسه وإسراجه وتكرمته.
وعليكم في كلّ سنة ثلاث مائة وستّون رأسا تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم؛ تدفعون ذلك إلى والي أسوان.
وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم، ولا منعه عنكم من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان؛ فإن أنتم آويتم عبدا لمسلم، أو قتلتم مسلما أو معاهدا، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم، أو منعتم شيئا من الثلاث مائة رأس والستين رأسا، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان، وعدنا نحن وأنتم على سواء، ﴿حَتّى يَحْكُمَ اَللّهُ﴾ بيننا ﴿وَهُوَ خَيْرُ اَلْحاكِمِينَ﴾ [الآية ١٠٩ سورة يونس]؛ علينا بذلك عهد اللّه وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح وذمّة الحواريين وذمّة من تعظّمونه من أهل دينكم وملّتكم، اللّه الشّاهد بيننا وبينكم على ذلك.
كتبه عمرو بن شرحبيل (١) في رمضان سنة إحدى وثلاثين».
وكانت النّوبة دفعت إلى عمرو بن العاص ما صولحوا عليه من البقط قبل نكثهم، وأهدوا إلى عمرو أربعين رأسا من الرّقيق فلم يقبلها وردّ الهديّة إلى كبير القبط (¬a) - ويقال له نستقوس (¬b) - فاشترى له بذلك جهازا وخمرا ووجّهه إليه (٢).
стр. 667
وبعث إليهم عبد اللّه بن سعد ما وعدهم به من الحبوب: قمحا وشعيرا وعدسا، وثيابا، وخيلا. ثم تطاول الرّسم على ذلك فصار رسما يأخذونه عند دفع البقط في كلّ سنة، وصارت الأربعون رأسا التي أهديت إلى عمرو يأخذها والي مصر.
وعن أبي خليفة حميد بن هشام البحتري أنّ الذي صولح عليه النّوبة ثلاث مائة وستون رأسا لفيء المسلمين، ولصاحب مصر أربعون رأسا، ويدفع إليهم ألف أردبّ قمحا، ولرسله ثلاث مائة أردبّ، ومن الشّعير كذلك، ومن الخمر ألف أقنين (¬a)، للمتملّك ولرسله ثلاث مائة أقنين (¬a)، وفرسين من نتاج خيل الإمارة، ومن أصناف الثّياب مائة ثوب، ومن القباطي أربعة أثواب للمتملّك ولرسله ثلاثة، ومن البقطرية ثمانية أثواب، ومن المعلّمة خمسة أثواب، وجبّة مجمّلة للملك، ومن قمص أبي بقطر عشرة أثواب، ومن أحاصي عشرة أثواب، وهي ثياب غلاظ.
قال أبو خليفة: ليس في كتاب عبد اللّه بن وهب، ولا في كتاب الواقدي، تسمية ينتهى إليها، وإنّما أخذت التسمية من أبي زكريّا، قال أبو زكريّا: سمعت والدي عثمان (¬b) بن صالح يقول هذا الخبر، فحفظت منه ما وقفت عليه.
وقال: حضرت مجلس الأمير عبد اللّه بن طاهر، وهو على مصر، فقال/: أنت عثمان بن صالح الذي وجّهنا إليك في كتاب بقط النّوبة؟ قلت: نعم؛ فأقبل على محفوظ بن سليمان فقال: ما أعجب أمر هذه البلدة! وجّهنا إليهم نطلب علما من علومهم وإلى هذا الشّيخ، فما شفانا أحد منهم؛ فقلت: أصلح اللّه الأمير، إنّ الذي طلبت من خبر النّوبة عندي، قد حفظه شيوخ عن الشّيوخ الذين حضروا هناك، والهدنة والصّلح الذي جرى بين عبد اللّه بن سعد وبين النّوبة؛ ثم حدّثته عن أخبارهم كما سمعت، فأنكر عطيّة الخمر، فقلت: قد أنكرها عبد العزيز ابن مروان. وكان هذا المجلس بفسطاط مصر سنة إحدى عشرة ومائتين، بعد أن تمّ الصّلح بينه وبين عبد اللّه بن السّريّ بن الحكم التّميمي الأمير كان قبله.
قال عثمان بن صالح: فوجّه الأمير إلى الدّيوان بظهر المسجد الجامع بمصر، فاستخرج منه خبر النّوبة فوجده كما ذكرت، فسرّه ذلك.
стр. 668
وعن مالك بن أنس أنّه كان يرى أنّ أرض النّوبة إلى حدّ علوة صلح، وكان لا يجيز شراء رقيقهم، وكان أصحابه مثل عبد اللّه بن عبد الحكم وعبد اللّه بن وهب واللّيث بن سعد ويزيد بن أبي حبيب وغيرهم من فقهاء مصر يرون خلاف ذلك.
قال اللّيث بن سعد: نحن أعرف بأرض النّوبة من الإمام مالك بن أنس، إنّما صولحوا على ألاّ نغزوهم ولا نمنع منهم عدوّا، فما استرقّه متملّكهم أو غزا بعضهم بعضا فشراؤه جائز، وما استرّقه بغاة المسلمين وسرّاقهم فغير جائز. وكان عند جماعة منهم جوار نوبيّات لفرشهم.
ولم يزل النّوبة يؤدّون البقط في كلّ سنة، ويدفع إليهم ما تقدّم ذكره، إلى أيّام أمير المؤمنين المعتصم باللّه أبي إسحاق بن الرّشيد، وكبير النّوبة يومئذ زكرياء بن يحنّس. وكانت النّوبة ربّما عجزت عن دفع البقط، فشنّت الغارة عليهم ولاة المسلمين القريبون من بلادهم، ويمنع من إخراج الجهاز إليهم، فأنكر قيرقي ولد كبيرهم زكريّاء على أبيه بذله الطّاعة لغيره، واستعجزه فيما يدفع، فقال له أبوه: فما تشاء؟ قال: عصيانهم ومحاربتهم. قال أبوه: هذا شيء رآه السّلف من آبائنا صوابا، وأخشى أن يفضي هذا الأمر إليك فتقدم على محاربة المسلمين، غير أنّي أوجّهك إلى ملكهم رسولا، فأنت ترى حالنا وحالهم، فإن رأيت لنا بهم طاقة حاربناهم على خبرة، وإلاّ سألته الإحسان إلينا.
فشخص قيرقى إلى بغداد، وكانت البلدان تزيّن له ويسير على المدن، وانحدر بانحداره رئيس البجة بأسبابه، ولقيا المعتصم فنظرا إلى ما بهرهما من حال العراق في كثرة الجيوش وعظم العمارة مع ما شاهداه في طريقهما. فقرّب المعتصم قيرقي وأدناه، وأحسن إليه إحسانا تامّا، وقبل هديّته وكافأه بأضعافها، وقال له: تمنّ ما شئت؛ فسأله في إطلاق المحبوسين فأجابه إلى ذلك.
وكبر في عين المعتصم، ووهب له الدار التي نزلها بالعراق، وأمر أن يشترى له في كلّ منزل من طريقه دار تكون لرسلهم، فإنّه امتنع من دخول دار لأحد في طريقه، فأخذ له بمصر دار بالجيزة، وأخرى ببني وائل.
وأجرى لهم في ديوان مصر سبع مائة دينار، وفرسا وسرجا ولجاما، وسيفا محلّى، وثوبا مثقلا، وعمامة من الخزّ، وقميص شرب ورداء شرب، وثيابا لرسله غير محدودة عند وصول البقط إلى مصر، ولهم حملان وخلع على المتولّي لقبض البقط، وعليهم رسوم معلومة لقابض البقط والمنصرفين معه، وما يهدى إليهم بعد ذلك فغير محدود، وهو عندهم هديّة يجازون عليها.
стр. 669
ونظر المعتصم إلى ما كان يدفعه المسلمون فوجده أكثر من البقط، وأنكر عطيّة الخمر، وأجرى الحبوب والثّياب التي تقدّم ذكرها، وقرّر دفع البقط بعد انقضاء كلّ ثلاث سنين، وكتب لهم كتابا بذلك بقي في يد النّوبة.
وادّعى النّوبيّ على قوم من أهل أسوان أنّهم اشتروا أملاكا من عبيده، فأمر المعتصم بالنّظر في ذلك، فأحضر والي البلد والمختار للحكم فيه التابعين من النّوبة وسألاهم عمّا ادّعاه صاحبهم من بيعهم، فأنكروا ذلك وقالوا: نحن رعيّة، فزال ما ادّعاه.
وطلب أشياء غير ذلك من إزالة المسلحة المعروفة بالقصر عن موضعها إلى الحدّ الذي بينهم وبين المسلمين؛ لأنّ المسلحة على أرضهم، فلم يجبه إلى ذلك. ولم يزل الرّسم جاريا بدفع البقط على هذا التّقرير، ويدفع إليهم ما أجراه المعتصم، إلى أن قدمت الدولة الفاطمية إلى مصر (١)، ذكر ذلك مؤرّخ النّوبة.
وقال أبو الحسن المسعودي: والبقط هو ما يقبض من السّبي في كلّ سنة ويحمل إلى مصر ضريبة عليهم، وهو ثلاث مائة رأس وخمسة وستون رأسا لبيت المال (٢)، بشرط الهدنة بين النّوبة والمسلمين؛ وللأمير بمصر غير ما ذكرنا أربعون رأسا، ولخليفته المقيم بأسوان - وهو المتولّي لقبض البقط - عشرون رأسا، وللحاكم المقيم بأسوان الذي يحضر مع أمير أسوان قبض البقط خمسة أرؤس، ولاثني عشر شاهدا عدول من أهل أسوان يحضرون مع الحاكم لقبض البقط اثنا عشر رأسا من السّبي على حسب ما جرى به الرّسم في صدر الإسلام في بدء إيقاع الهدنة بين المسلمين والنّوبة (٣).
وقال البلاذري في كتاب «الفتوحات»: إنّ المقرّر على النّوبة أربع مائة رأس يأخذون بها طعاما - أي غلّة - وألزمهم أمير المؤمنين المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور ثلاث مائة وستين رأسا وزرافة (٤).
/ وفي سنة أربع وسبعين وستّ مائة كثر خبث داود متملّك النّوبة، وأقبل إلى أن قرب من مدينة أسوان، وحرق عدّة سواق بعدما أفسد بعيذاب فمضى إليه والي قوص فلم يدركه، وقبض
стр. 670
على صاحب الخيل في عدّة من النّوبة، وحملهم إلى السّلطان الملك الظّاهر بيبرس البندقداري بقلعة الجبل فوسّطهم.
وقدم شكندة (¬a) ابن أخت (¬b) متملّك النّوبة متظلّما من خاله داود، فجرّد السّلطان معه الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقاني الأستادّار، والأمير عزّ الدين أيبك الأفرم، وأمير جاندار، في جماعة كثيرة من العسكر ومن أجناد الولايات وعربان الوجه القبلي والزّرّاقين والرّماة ورجال الحراريق.
فساروا في أوّل شعبان من القاهرة حتى وصلوا إلى أرض النّوبة، فخرجوا إلى لقائهم على النّجب، بأيديهم الحراب وعليهم دكادك سود، فاقتتل الفريقان قتالا كبيرا، انهزم فيه النّوبة، وأغار الأفرم على قلعة الدّرّ، وقتل وسبى. وأوغل الفارقاني في أرض النّوبة برّا وبحرا يقتل ويأسر، فحاز من المواشي ما لا يعدّ، ونزل بجزيرة ميكائيل برأس الجنادل، ونفر المراكب من الجنادل. ففرّ النوبة إلى الجزائر، وكتب لقمر الدّولة نائب داود متملّك النّوبة أمانا، فحلف لشكندة (¬a) على الطّاعة، وأحضر رجال المريس ومن فرّ.
وخاض الأفرم إلى برج فى الماء وحصره حتى أخذه، وقتل به مائتين، وأسر أخا لداود، فهرب داود والعسكر في أثره مدّة ثلاثة أيام، وهم يقتلون ويأسرون، حتى أذعن القوم.
وأسرت أمّ داود وأخته، ولم يقدر على داود فتقرّر شكندة (¬c) عوضه، وقرّر على نفسه القطيعة في كلّ سنة ثلاث فيلة وثلاث زرافات وخمس فهود من إناثها، ومائة نجيب أصهب وأربعمائة رأس من البقر المنتجة، على أن تكون بلاد النّوبة نصفين: نصفها للسّلطان، ونصفها لعمارة البلاد وحفظها، ما خلا بلاد الجنادل، فإنّها كلّها للسّلطان لقربها من أسوان، وهي نحو الرّبع من بلاد النّوبة. وأن يحمل ما بها من التّمر والقطن والحقوق الجارية بها العادة من قديم الزّمان.
وأن يقوموا بالجزية ما بقوا على النّصرانية، فيدفع كلّ بالغ منهم في السنة دينارا عينا (١).
стр. 671
وكتب نسخة يمين بذلك حلف عليها الملك شكندة، ونسخة يمين أخرى حلفت عليها الرّعيّة (١).
وخرّب الأميران كنائس النّوبة، وأخذ ما فيها، وقبض على نحو عشرين أميرا من أمراء النّوبة، وأفرج عمّن كان بأيدي النّوبة من أهل أسوان وعيذاب من المسلمين في أسرهم.
وألبس شكندة تاج الملك، وأقعد على سرير المملكة، بعد ما حلف والتزم أن يحمل جميع ما لداود ولكلّ من قتل وأسر من مال ودوابّ إلى السّلطان مع البقط القديم، وهو أربع مائة رأس من الرّقيق في كلّ سنة وزرافة (من ذلك ما كان للخليفة ثلاث مائة وستون رأسا، ولنائبه بمصر أربعون رأسا)، على أن يطلق لهم إذا وصلوا بالبقط تامّا من القمح ألف أردبّ لمتملّكهم، وثلاث مائة أردبّ لرسله.
ذكر صحراء عيذاب
اعلم أنّ حجّاج مصر والمغرب أقاموا زيادة على مائتي سنة لا يتوجّهون إلى مكّة - شرّفها اللّه تعالى - إلاّ من صحراء عيذاب، يركبون النّيل من ساحل مدينة مصر الفسطاط إلى قوص، ثم يركبون الإبل من قوص ويعبرون هذه الصّحراء إلى عيذاب (٢)، ثم يركبون
стр. 672
البحر في الجلاب (١) إلى جدّة ساحل مكّة. وكذلك تجّار الهند واليمن والحبشة، يردون في البحر إلى عيذاب، ثم يسلكون هذه الصّحراء إلى قوص، ومنها يردون مدينة مصر.
فكانت هذه الصّحراء لا تزال عامرة آهلة بما يصدر أو يرد من قوافل التّجّار والحجّاج، حتى إن كانت أحمال البهار كالقرفة والفلفل ونحو ذلك لتوجد ملقاة بها، والقفول صاعدة وهابطة، لا يعترض لها أحد، إلى أن يأخذها صاحبها:
فلم تزل مسلكا للحجّاج في ذهابهم وإيابهم زيادة على مائتي سنة: من أعوام بضع وخمسين وأربع مائة، إلى أعوام بضع وستين وستّ مائة؛ وذلك منذ كانت الشّدّة العظمى في أيّام الخليفة المستنصر باللّه أبي تميم معدّ بن الظّاهر وانقطاع الحجّ في البرّ، إلى أن كسا السّلطان الملك الظّاهر ركن الدين بيبرس البندقداري الكعبة وعمل لها مفتاحا، ثم أخرج قافلة الحاج من البرّ في سنة ستّ وستين وستّ مائة، فقلّ سلوك الحاج لهذه الصّحراء، واستمرّت بضائع التّجّار تحمل من عيذاب إلى قوص حتى بطل ذلك بعد سنة ستين وسبع مائة، وتلاشى أمر قوص من حينئذ.
وهذه الصّحراء مسافتها من قوص إلى عيذاب سبعة عشر يوما، ويفقد فيها الماء ثلاثة أيّام متوالية، وتارة يفقد أربعة أيام.
وعيذاب مدينة على ساحل بحر جدّة، وهي غير مسوّرة، وأكثر بيوتها أخصاص. وكانت من أعظم مراسي الدّنيا، بسبب أنّ مراكب الهند واليمن تحطّ فيها البضائع وتقلع منها مع مراكب الحجّاج الصادرة والواردة (٢). فلمّا انقطع ورود مراكب الهند واليمن إليها، صارت المرسى
стр. 673
العظيمة عدن من بلاد اليمن، إلى أن كانت أعوام بضع/ وعشرين وثمان مائة فصارت جدّة أعظم مراسى الدّنيا، وكذلك هرمز فإنّها مرسى جليل (١).
وعيذاب في صحراء لا نبات فيها، وكلّ ما يؤكل بها مجلوب إليها حتى الماء. وكان لأهلها من الحجّاج والتّجّار فوائد لا تحصى، وكان لهم على كلّ حمل يحملونه للحجّاج ضريبة مقرّرة، وكانوا يكارون الحجّاج الجلاب التي تحملهم في البحر إلى جدّة ومن جدّة إلى عيذاب، فيجتمع لهم من ذلك مال عظيم. ولم يكن في أهل عيذاب إلاّ من له جلبة فأكثر على قدر يساره (٢).
وفي بحر عيذاب مغاصّ اللّؤلؤ في جزائر قريبة منها، تخرج إليه الغوّاصون في وقت معيّن من كلّ سنة في الزّوارق، حتى يوافوه بتلك الجزائر فيقيمون هنالك أيّاما ثم يعودون بما قسم لهم من الحظّ؛ والمغاص فيها قريب القعر. وعيش أهل عيذاب عيش البهائم، وهم أقرب إلى الوحش في أخلاقهم من الإنس.
وكان الحجّاج يجدون في ركوبهم الجلاب على البحر أهوالا عظيمة؛ لأنّ الرّياح تلقيهم في الغالب بمراس في صحارى بعيدة ممّا يلي الجنوب، فينزل إليهم التّجّار من جبالهم فيكارونهم الجمال، ويسلكون بهم على غير ماء، فربّما هلك أكثرهم عطشا وأخذ التّجّار ما كان معهم، ومنهم من يصل ويهلك عطشا. والذي يسلم منهم يدخل إلى عيذاب كأنه نشر من كفن، قد استحالت هيئاتهم، وتغيّرت صفاتهم. وأكثر هلاك الحجّاج بهذه المراسي، ومنهم من يساعده الرّيح فتحطّه بمرسى عيذاب، وهو الأقلّ.
وجلباتهم التي تحمل الحجّاج في البحر لا يستعمل فيها مسمار ألبتّة، إنّما يخيّط خشبها بالقنبار - وهو متّخذ من شجر النارجيل - ويخلّلونها بدسر من عيدان النّخل، ثم يسقونها بسمن أو دهن الخروع أو دهن القرش، وهو حوت عظيم في البحر يبتلع الغرقى، وقلاع هذه الجلاب من خوص شجر المقل.
ولأهل عيذاب في الحجّاج أحكام الطّواغيت، فإنّهم يبالغون في شحن الجلبة بالناس حتى يبقى بعضهم فوق بعض حرصا على الأجرة، ولا يبالون بما يصيب النّاس في البحر، بل يقولون دائما: علينا بالألواح، وعلى الحجّاج بالأرواح.
стр. 674
وأهل عيذاب من البجاة، ولهم ملك منهم، وبها وال من قبل سلطان مصر. وأدركت قاضيها عندنا بالقاهرة أسود اللّون. والبجاة قوم لا دين لهم ولا عقل، ورجالهم ونساؤهم أبدا عراة، وعلى عوراتهم خرق، وكثير منهم لا يسترون عوراتهم (١).
وعيذاب حرّها شديد بسموم محرق.
ذكر مدينة الأقصر
هذه المدينة من مدائن الصّعيد العظيمة، يقال إنّ أهلها المريس، ومنها الحمير المريسيّة (٢).
ذكر البلينا (٣)
ذكر الكمال الأدفوي أنّه وقع بين أهل البلاد ووالي قوص [مخاصمة] (¬b)، فتوجّهوا إلى القاهرة وصرفوه، وولّي غيره؛ وطلع الخطيب بالبلينا صحبته، وكان إقطاعه تزمنت (¬c) (٤)، فلمّا وصل إليها أضافه أهلها بستين منسفا من طعام اللّبن، فقال للخطيب: في بلادكم مثل هذا؟ فقال الخطيب:
وحلوى. فلمّا وصل إلى إخميم تقدّم الخطيب إلى البلينا، فعندما وصل الوالي إليها أخرجوا له ستين منسفا حلوى وستين منسفا شواء (٥).
a ساقطة من الأصل.
стр. 675
قال: وبعض الحكّام بها في عيد من الأعياد امتدحه من أهلها خمسة وعشرون شاعرا. وفيها من لا يرضى بمدح القاضي، وفيها من تقصر رتبته عن ذلك.
قال: وكان فيها عدّة مسابك للسّكّر، ويوصف أهلها بالمكارم (١).
ذكر سمهود
هذه المدينة بالجانب الغربي من النّيل، قال الأدفوي: كان بسمهود سبعة عشر حجرا لاعتصار قصب السّكّر، ويقال إنّ الفأر لا يأكل (¬b) قصبها (٢).
ذكر إرجنّوس
هذه المدينة من جملة عمل البهنسا، بها كنيسة بظاهرها فيها بئر يقال لها بئر سيرس صغيرة لها عيد يعمل في اليوم الخامس والعشرين من بشنس أحد شهور القبط، فيفور بها الماء عند مضيّ ستّ ساعات من النّهار حتى يطفو ثم يعود إلى ما كان عليه (٣). ويستدلّ النّصارى على زيادة النّيل في كلّ سنة بقدر ما على الماء من الأرض، فيزعمون أنّ الأمر في النّيل وزيادته يكون موافقا لذلك.
ذكر أبويط
هذه المدينة أيضا من جملة البهنساوية، كان بها منارة محكمة البناء، إذا هزّها الرّجل تحرّكت يمينا وشمالا، فيرى/ ميلها رؤية ظاهرة بانتقال ظلّها عن موضعه (٤).
a ساقطة من الأصل.
стр. 676
ذكر ملّوى
هذه المدينة بالجانب الغربي من النّيل، وأرضها معروفة بزراعة قصب السّكّر، وكان بها عدّة أحجار لاعتصاره. وآخر من كان بها أولاد فضيل، بلغت زراعتهم في أيّام النّاصر محمد بن قلاوون ألفا وخمس مائة فدّان من القصب في كلّ سنة. فأوقع النّشو - ناظر الخاصّ (١) - الحوطة على موجودهم في سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة، فوجد من جملة مالهم أربعة عشر ألف قنطار من القند (٢) حملها إلى دار القند بمصر، سوى العسل، وألزمهم بحمل ثمانية آلاف قنطار بعد ذلك؛ وأفرج عنهم، فوجدوا لهم حاصلا لم يهتد له النّشو فيه عشر آلاف قنطار قند، سوى ما لهم من عبيد وغلال وغير ذلك (٣).
ذكر مدينة أنصنا
اعلم أنّ مدينة أنصنا إحدى مدائن صعيد مصر القديمة، وفيها عدّة عجائب، منها الملعب، ويقال إنّه كان مقياس النّيل، وإنّه من بناء دلوكة أحد من ملك مصر، وكان كالطّيلسان، وفي دائره عمد على عدّة أيّام السّنة الشّمسيّة، كلّها من الصّوّان الأحمر الماتع، ومسافة ما بين كل عمودين مقدار خطوة إنسان.
وكان ماء النّيل يدخل إلى هذا الملعب من فوّهة عند زيادة الماء؛ فإذا بلغ ماء النّيل الحدّ الذي كان إذ ذاك يحصل منه ريّ أرض مصر وكفايتها، جلس الملك عند ذلك في مشرف له، وصعد القوم من خواصّه إلى رؤوس الأعمدة المذكورة، فيتعادون عليها ما بين ذاهب وآت، ويتساقطون من الأعمدة إلى الملعب وهو ممتلئ بالماء (٤).
a ساقطة من الأصل.
стр. 677
قال أبو عبيد البكري: أنصنا - بفتح أوّله وإسكان ثانيه بعده صاد مهملة مكسورة ونون وألف - كورة من كور مصر معروفة، منها كانت مارية (¬a) سريّة النّبيّ ﷺ أمّ ابنه إبراهيم من قرية يقال لها حفن من قرى هذه الكورة (١).
ويقال إنّ سحرة فرعون كانوا منها، وإنّه جلبهم منها يوم الموعد للقاء موسى ﵇.
ويقال إنّ التّمساح لا يضرّ بساحل أنصنا لطلاسم وضعت بها، وأنّه إذا حاذى برّها انقلب على ظهره حتى يجاوزها (٢).
ويقال إنّ الذي بنى مدينة أنصنا أشمون بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح.
وهي واقعة في شرقي النّيل، وكانت حسنة البساتين والمتنزّهات، كثيرة الثّمار والفواكه، وهي الآن خراب (٣).
وقال أبو حنيفة الدّينوري: ولا ينبت البنج إلاّ بأنصنا، وهو عود ينشر منه ألواح للسّفن، وربّما أرعفت ناشرها. ويباع اللّوح منها بخمسين دينارا ونحوها. وإذا شدّ لوح منها بلوح وطرح في الماء ستّة أيام، صارا لوحا واحدا (٤).
وكان لأنصنا سور عتيق هدمه السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، وجعل على كلّ مركب منحدر في النّيل جزءا من حمل صخره إلى القاهرة، فنقل بأسره إليها.
ذكر القيس
اعلم أنّ القيس من البلاد التي تجاور مدينة البهنسا؛ وكان يقال القيس والبهنسا (٥).
стр. 678
قال ابن عبد الحكم: بعث عمرو بن العاص قيس بن الحارث إلى الصّعيد، فسار حتى أتى القيس فنزل بها فسمّيت به (١).
وقال ابن يونس (٢): قيس بن الحارث المرادي ثم الكعبي، شهد فتح مصر يروي عن عمر بن الخطّاب، وكان يفتي الناس في زمانه. روى عنه سويد بن قيس - وقيل شديد بن قيس بن ثعلبة - وروى عنه عسكر بن سوادة. وهو الذي فتح القرية بصعيد مصر المعروفة بالقيس فنسبت إليه.
وقال ابن الكندي: ولهم ثياب الصّوف، والأكسية المرعز، وليس هي بالدنيا إلاّ بمصر.
وذكر بعض أهل مصر أنّ معاوية بن أبي سفيان لمّا كبر كان لا يدفأ، فأجمعوا أنّه لا يدفيه إلاّ أكسية تعمل بمصر من صوفها المرعز العسلي الغير المصبوغ. فعمل له منها عدد، فما احتاج منها إلاّ إلى واحد. ولهم طراز القيس والبهنسا في السّتور والمضارب، يعرفون به، ومنه طراز أهل الدنيا (¬a) (٣).
وظهر بها بالقرب من البهنسا سرب في أيّام السّلطان الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر ابن أيّوب، فأمّر متولّي البهنساوية بكشفه، فجمع له أهل المعرفة بالعوم والغطس، فكانوا ما ينيف على مائتي رجل ما فيهم إلاّ من نزل السّرب فلم يجد له قرارا ولا جوانب.
فأمر بعمل مركب طويل رقيق بحيث يمكن إدخاله من رأس السّرب وشحنه بالأزواد والرّجال، وركّب فيه حبالا مربوطة في خوازيق عند رأس السّرب، وحمل مع الرجال آلات يعرفون بها أوقات اللّيل والنّهار، وعدّة شموع وغيرها ممّا تستخرج به النار وتشعل به، وأمرهم أن يسلكوا بالمركب في السّرب حتى ينفذ نصف ما معهم من/ الزّاد. فساروا بالمركب في ظلمة وهم يلقون الحبال ولا يجدون لما هم سائرون فيه من الماء جوانب. فما زالوا حتى قلّت أزوادهم،
стр. 679
فأبطلوا حركة المركب بالمجاذيف إلى داخل السّرب وجرّوا الحبال ليرجعوا إلى حيث دخلوا، حتى انتهوا إلى رأس السّرب.
فكانت مدّة غيبتهم في السّرب ستة أيام: أربعة منها دخولا إلى جوفة وتطواف جوانبه، ويومان رجوعا إلى رأس السّرب. ولم يقفوا في هذه المدّة على نهاية السّرب.
فكتب بذلك الأمير علاء الدين ألطنبغا والي البهنسا إلى الملك الكامل، فتعجّب عجبا كثيرا، واشتغل عن ذلك بمحاربة الفرنج على دمياط. فلمّا رحلوا عن دمياط وعادوا إلى القاهرة، خرج بعد ذلك حتى شاهد السّرب المذكور.
ذكر دروط بلهاسة
اعلم أنّ دروط - وهي بفتح الدال المهملة وضمّ الراء وسكون الواو وطاء - اسم لثلاث قرى: دروط أشمون من الأشمونين، ودروط سريان من الأشمونين أيضا، ودروط بلهاسة من ناحية البهنسا بالصّعيد (١).
وبها جامع أنشأه زياد بن المغيرة بن زياد بن عمرو العتكي (٢)، ومات في المحرّم سنة إحدى وتسعين ومائة فدفن به، وقال فيه الشّاعر:
[الخفيف]
حلف الجود حلفة برّ فيها … ما برّا اللّه واحدا كزياد
كان غيثا لمصر إذ كان حيّا … وأمانا من السّنين الشّداد
ومات أخوه إبراهيم بن المغيرة سة سبع وتسعين ومائة، فقال الشّاعر فيه:
[البسيط]
ابن المغيرة إبراهيم من ذهب … يزداد حسنا على طول الدّهارير
لو كان يملك ما في الأرض عجّله … إلى العفاة ولم يهمم بتأخير
ومات أحمد بن زياد بن المغيرة في المحرّم سنة ستّ وثلاثين ومائتين، فقال الشّاعر فيه:
[الخفيف]
أحمد مات ماجدا مفقودا … ولقد كان أحمد محمودا
ورث المجد عن أب ثم عمّ … مثله ليس بعده موجودا
стр. 680
ذكر أسكر (١)
هي من الإطفيحيّة، تجاهها واد به إلى وقتنا هذا شكل جمل من الحجر كأكبر ما يرى من الجمال وأحسنها هيئة. وهو قائم على أربعة وقد استقبل بوجهه المشرق، وعلى فخذه الأيمن كتابة بقلمهم، وهي أحرف مقطّعة في ثلاثة أسطر.
ثم على نحو مائة وخمسين خطوة منه جمل آخر مثله سواء، ووجهه إلى وجه الجمل الأوّل، وليس عليه كتابة.
وفيما بين الجملين المذكورين هيئة أعدال قد ملئت قماشا عدّتها أربعون زكيبة موضوعة بالأرض، عشرين تجاه عشرين، وجميعها من حجارة، ولا يشكّ من رآها أنّها أحمال قماش.
وبعد مائة وخمسين خطوة منها جمل ثالث على هيئة الجملين المذكورين، وهو أيضا قائم، وظهره إلى ظهر الجمل الثاني، ووجهه إلى الجبل، وهناك آخر الوادي، وليس على هذا الجمل أيضا كتابة. أخبرني بذلك من لا أتّهم روايته.
ذكر منية الخصيب
هذه المدينة تنسب إلى الخصيب بن عبد الحميد، صاحب خراج مصر من قبل أمير المؤمنين هارون الرّشيد (٢).
a ساقطة من الأصل.
стр. 681
ذكر منية الباساك (¬a)
هي بلدة من جملة الإطفيحيّة (١) عرفت بالباساك (¬a) أخي الوزير بهرام الأرمنيّ في أيّام الخليفة الحافظ لدين اللّه أبي الميمون عبد المجيد بن محمد، ولي من قبل أخيه مدينة قوص سنة تسع وعشرين وخمس مائة - وولاية قوص يومئذ أجلّ ولايات مصر (٢) - فجار على المسلمين، واشتدّ عسفه وأذاه لهم. فعندما وصل الخبر بقيام رضوان بن ولخشي على بهرام وهزيمته منه وتقلّده الوزارة بعده، ثار أهل قوص بالباساك (¬a) في جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وخمس مائة وقتلوه، وربطوا كلبا ميّتا في رجله، وسحبوه حتى ألقوه على مزبلة، وكان نصرانيّا (٣).
ذكر الجيزة
قال ابن سيدة: الجيزة النّاحية والجانب، وجمعها جيز وجيز. والجيز جانب الوادي، وقد يقال فيه الجيزة (٤).
واعلم أنّ الجيزة اسم لقرية كبيرة جميلة البنيان على النّيل من جانبه الغربي تجاه مدينة فسطاط مصر، لها في كلّ يوم أحد سوق عظيم يجيء إليه من النّواحي أصناف كثيرة جدّا، ويجتمع فيه عالم عظيم؛ وبها عدّة مساجد جامعه.
وقد روى/ الحافظ أبو بكر بن ثابت الخطيب، من حديث نبيط بن شريط، قال: قال رسول اللّه ﷺ : «الجيزة روضة من رياض الجنّة، ومصر خزائن اللّه في أرضه».
стр. 682
ويقال إنّ مسجد التّوبة الذي بالجيزة كان فيه تابوت موسى ﵇ الذي قذفته أمّه فيه بالنّيل؛ وبها النّخلة التي أرضعت مريم تحتها عيسى، فلم يثمر غيرها.
وقال ابن عبد الحكم، عن يزيد بن أبي حبيب: فاستحبّت همدان ومن والاها الجيزة، فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب ﵄ يعلمه بما صنع اللّه للمسلمين، وما فتح عليهم، وما فعلوا في خططهم، وما استحبّت همدان من النّزول بالجيزة. فكتب إليه عمر يحمد اللّه على ما كان من ذلك، ويقول له: كيف رضيت أن تفرّق أصحابك؟ لم يكن ينبغي لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينك وبينهم بحر، ولا تدري ما يفجأهم، فلعلّك لا تقدر على غياثهم حين ينزل بهم ما تكره؛ فاجمعهم إليك، فإن أبوا عليك وأعجبهم موضعهم بالجيزة وأحبّوا ما هنالك، فابن عليهم من فيء المسلمين حصنا.
فعرض عليهم عمرو ذلك فأبوا، وأعجبهم موضعهم بالجيزة - ومن والاهم على ذلك من رهطهم نافع وغيرها - وأحبّوا ما هنالك. فبنى لهم عمرو بن العاص الحصن في الجيزة في سنة إحدى وعشرين، وفرغ من بنائه في سنة اثنتين وعشرين.
ويقال إنّ عمرو بن العاص لمّا سأل أهل الجيزة أن ينضمّوا إلى الفسطاط، قالوا: مقدم قدمناه في سبيل اللّه، ما كنّا لنرحل منه إلى غيره. فنزلت نافع الجيزة فيها مبرّح بن شهاب، وهمدان وذو أصبح فيهم أبو شمر بن أبرهة، وطائفة من الحجر (١).
وقال القضاعيّ: ولمّا رجع عمرو بن العاص من الإسكندرية، ونزل الفسطاط، جعل طائفة من جيشه بالجيزة خوفا من عدوّ يغشاهم من تلك الناحية، فجعل فيها آل ذي أصبح من حمير وهم كثير ونافع بن زيد من رعين، وجعل فيها همدان، وجعل فيها طائفة من الأزديين بني الحجر ابن الهبو بن الأزد، وطائفة من الحبشة، وديوانهم في الأزد.
فلمّا استقرّ عمرو في الفسطاط، أمر الذين خلّفهم بالجيزة أن ينضمّوا إليه، فكرهوا ذلك وقالوا: هذا مقدم قدمناه في سبيل اللّه وأقمنا به، ما كنّا بالذين نرغب عنه ونحن به منذ أشهر.
فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب ﵄ بذلك، يخبره أنّ همدان وآل ذي أصبح ونافعا ومن كان معهم أحبّوا المقام بالجيزة. فكتب إليه: كيف رضيت أن تفرّق عنك أصحابك وتجعل بينك وبينهم بحرا، لا تدري ما يفجأهم، فلعلّك لا تقدر على
стр. 683
غياثهم، فاجمعهم إليك ولا تفرّقهم، فإن أبوا وأعجبهم مكانهم فابن عليهم حصنا من فيء المسلمين.
فجمعهم عمرو وأخبرهم بكتاب عمر، فامتنعوا من الخروج من الجيزة. فأمر عمرو ببناء الحصن عليهم، فكرهوا ذلك وقالوا: لا حصن أحصن لنا من سيوفنا. وكرهت ذلك همدان ونافع، فأقرع عمرو بينهم فوقعت القرعة على نافع، فبنى فيهم الحصن في سنة إحدى وعشرين، وفرغ من بنائه في سنة اثنتين وعشرين.
وأمرهم عمرو بالخطط بها: فاختطّ ذو أصبح من حمير من الشّرق، ومضوا إلى الغرب حتى بلغوا أرض الحرث والزّرع، وكرهوا أن يبنى الحصن فيهم. واختطّ نافع بن الحارث من رعين بوسط الجيزة، وبني الحصن في خططهم، وخرجت طائفة منهم عن الحصن أنفة منه. واختطّت بكيل بن جشم بن نوف - من همدان - في مهبّ الجنوب من الجيزة في شرقيها. واختطّت حاشد بن جشم بن نوف في مهبّ الشّمال من الجيزة في غربيها. واختطّت الحياوية بنو عامر بن بكيل في قبلي الجيزة. واختطّت بنو حجر بن أرحب بن بكيل في قبلي الجيزة. واختطّ بنو كعب ابن مالك بن الحجر بن الهبو بن الأزد فيما بين بكيل ونافع. والحبشة اختطّوا على الشّارع الأعظم (١).
والمسجد الجامع بالجيزة بناه محمد بن عبد اللّه الخازن، في المحرّم سنة خمسين وثلاث مائة، بأمر الأمير عليّ بن الإخشيد، فتقدّم كافور إلى الخازن ببنائه وعمل له مستغلاّ. وكان الناس قبل ذلك بالجيزة يصلّون الجمعة في مسجد همدان، وهو مسجد مراحق بن عامر بن بكيل، كان يجمع فيه الجمعة في الجيزة؛ وشارف بناء هذا الجامع، مع الخازن، أبو الحسن بن أبي جعفر الطّحاوي.
واحتاجوا إلى عمد للجامع، فمضى الخازن في اللّيل إلى كنيسة بأعمال الجيزة فقلع عمدها ونصب بدلها أركانا، وحمل العمد إلى الجامع؛ فترك أبو الحسن ابن الطّحاوي الصّلاة فيه مذ ذاك تورّعا.
قال اليمنيّ (٢): وقد كان ابن الطّحاوي يصلّي في جامع الفسطاط العتيق وبعض عمده، أو
стр. 684
أكثرها، ورخامه من كنائس الإسكندرية وأرياف مصر، وبعضه بناه قرّة بن شريك عامل الوليد ابن عبد الملك (١).
ويقال إنّ بالجيزة قبر كعب الأحبار، وإنّه كان بها أحجار ورخام قد صوّرت فيها التّماسيح، فكانت لا تظهر فيما يلي البلد من النّيل مقدار ثلاثة أميال علوّا وسفلا.
وفي سنة أربع وعشرين وسبع مائة، منع الملك النّاصر محمد بن قلاوون الوزير أن يتعرّض إلى شيء مما يتحصّل من مال الجيزة، فصار جميعه يحمل إليه.
ذكر سجن يوسف ﵇
قال القضاعيّ: سجن يوسف ﵇ ببوصير من عمل الجيزة (٢)، أجمع أهل المعرفة من أهل مصر على صحّة هذا المكان. وفيه أثر نبيّين: أحدهما يوسف، سجن به المدّة التي ذكر أنّ مبلغها سبع سنين، وكان الوحي ينزل عليه فيه.
وسطح السّجن موضع معروف بإجابة الدّعاء، يذكر أنّ كافور الإخشيدي سأل أبا بكر بن الحدّاد عن موضع معروف بإجابة الدّعاء ليدعو فيه، فأشار عليه بالدّعاء على سطح السّجن (٣).
والنّبيّ الآخر موسى ﵇ وقد بني على أثره مسجد هناك يعرف بمسجد موسى.
أخبرنا أبو الحسن عليّ بن إبراهيم الشّرفي بالشّرف (٤) قال: حدّثنا أبو محمد عبد اللّه بن الورد - وكان قد هلكت أخته وورث منها مورثا، وكنّا نسمع عليه دائما، وكان لسجن يوسف وقت يمضي الناس إليه يتفرّجون - فقال لنا يوما: يا أصحابنا، هذا أوان السّجن، ونريد أن نذهب إليه؛ وأخرج عشرة دنانير فناولها لأصحابه وقال لهم: ما اشتهيتموه فاشتروه؛ فمضى أصحاب الحديث واشتروا ما أرادوا؛ وعدّينا يوم أحد الجيزة كلّنا، وبتنا في مسجد همدان، فلمّا كان الصّباح مشينا حتى جئنا إلى مسجد موسى، وهو الذي في السّهل، ومنه يطلع إلى
стр. 685
السّجن، وبينه وبين السّجن تلّ عظيم من الرّمل، فقال الشّيخ: من يحملني ويطلع بي إلى هذا السّجن حتى أحدّثه بحديث لا أحدّثه لأحد بعده حتى تفارق روحي الدّنيا؟ قال الشّرفيّ:
فأخذت الشّيخ وحملته حتى صرت في أعلاه، فنزل وقال: معك ورقة؟ قلت: لا. قال: أبصر لي بلاطة. فأخذ فحمة وكتب: حدّثني يحيى بن أيّوب، عن يحيى بن بكير، عن زيد بن أسلم ابن يسار، عن ابن عبّاس قال: إنّ جبريل أتى إلى يوسف في هذا السّجن، في هذا البيت المظلم، فقال له يوسف: من أنت الذي مذ دخلت السّجن ما رأيت أحسن وجها منك؟ فقال له: أنا جبريل. فبكى يوسف فقال: ما يبكيك يا نبيّ اللّه؟ فقال: إيش يعمل جبريل في مقام المذنبين؟ فقال: أما علمت أنّ اللّه تعالى يطهّر البقاع بالأنبياء، واللّه لقد طهّر اللّه بك السّجن وما حوله؛ فما أقام إلى آخر النّهار حتى أخرج من السّجن (١)!
قال القضاعيّ: سقط بين يحيى وزيد رجل.
وقال الفقيه أبو محمد أحمد بن محمد بن سلامة الطّحاوي، وذكر سجن يوسف: لو سافر الرّجل من العراق ليصلّي فيه وينظر إليه، لما عنّفته في سفره.
وقال الفقيه أبو إسحاق المروزي: لو سافر الرّجل من العراق لينظر إليه ما عنّفته.
وذكر المسبّحيّ في حوادث شهر ربيع الآخر (¬a) سنة خمس عشرة وأربع مائة: أنّ العامّة والسّوقة طافت الأسواق بمصر بالطّبول والبوقات، يجمعون من التّجّار وأرباب الأسواق ما ينفقونه في مضيّهم إلى سجن يوسف، فقال لهم التّجّار: شغلنا بعدم الأقوات يمنعنا من هذا.
وكان قد اشتدّ الغلاء. وأنهوا حالهم إلى الحضرة المطهّرة - يعني أمير المؤمنين الظّاهر لإعزاز دين اللّه أبا الحسن عليّ بن الحاكم بأمر اللّه - فرسم لسامي (¬b) الدولة أبي طاهر بن كافي - متولّي الشّرطة السّفلى - التّرسيم على التّجّار حتى يدفعوا إليهم ما جرت به رسومهم، ورسم لهم بالخروج إلى سجن يوسف، ووعدوا أن يطلق لهم من الحضرة ضعف ما أطلق لهم في السنة الماضية من الهبة، فخرجوا (٢).
стр. 686
وفي يوم السبت لتسع خلون من جمادى الأولى ركب القائد الأجلّ عزّ الدولة وسناها معضاد الخادم الأسود (١) في سائر الأتراك ووجوه القوّاد، وشقّ البلد ونزل إلى الصّناعة التي بالجسر بمن معه. ثم خرج من هناك وعدّى في سائر عساكره إلى الجيزة، حتى رتّب لأمير المؤمنين عساكر تكون معه مقيمة هناك لحفظه؛ لأنّه عدّى يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت منه في أربع عشاريات وأربع عشرة بغلة من بغال النّقل، وفي جميع من معه من خاصّته وحرمه إلى سجن يوسف ﵇ وأقام هناك يومين وليلتين، إلى أن عاد الرمادية الخارجون إلى السّجن بالتّماثيل والمضاحك والحكايات والسّماجات (٢)، فضحك منهم واستظرفهم، وعاد إلى قصره بكرة يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت منه.
وأقام أهل الأسواق نحو الأسبوعين يطوفون (¬a) الشّوارع بالحكايات (¬b) والسّماجات والتّماثيل، ويطلعون إلى القاهرة بذلك ليشاهدهم أمير المؤمنين، ويعودون ومعهم سجلّ قد كتب لهم: ألاّ يعارض أحد منهم في ذهابه وعوده، وأن يعتمد إكرامهم وصيانتهم.
ولم يزالوا على ذلك إلى أن تكامل جميعهم، وكان دخولهم من سجن يوسف يوم السبت لأربع عشرة بقيت من جمادى الأولى، وشقّوا الشّوارع بالحكايات والسّماجات والتّماثيل، فتعطّل الناس في ذلك اليوم عن أشغالهم ومعايشهم. واجتمع في الأسواق خلق كثير لنظرهم، وظلّ الناس أكثر هذا اليوم على ذلك؛ وأطلق لجميعهم ثمانية آلاف درهم، وكانوا اثني عشر سوقا، ونزلوا مسرورين (٣).
стр. 687
وبخارج مدينة الجيزة موضع يعرف بأبي هريرة، فيظنّ من لا علم له أنّه أبو هريرة الصّحابيّ، وليس كذلك، بل هو منسوب إلى ابن ابنته.
ذكر قرية ترسا
قال القضاعيّ: وذكر أنّ القاسم بن عبيد اللّه بن الحبحاب، عامل هشام بن عبد الملك على خراج مصر، بنى في الجيزة قرية تعرف بترسا (١).
والقاسم هذا خرج إلى مصر وولي الخلافة عن أبيه عبيد اللّه بن الحبحاب السّلولي على الخراج في خلافة هشام بن عبد الملك. ثم أمّره هشام على خراج مصر حين خرج أبوه إلى إمارة إفريقيّة في سنة ستّ عشرة ومائة، فلم يزل إلى سنة أربع وعشرين ومائة، فنزع عن مصر، وجمع لحفص ابن الوليد عربها وعجمها، فصار يلي الخراج والصّلاة معا.
وبترسا هذه كانت وقعة مروان بن محمد الجعدي.
ذكر منية أندونة
هي إحدى قرى الجيزة (٢)، عرفت بأندونة كاتب أحمد المدائني الذي كان يتقلّد ضياع موسى ابن بغا التي بمصر، فقبض أحمد بن طولون على أندونة هذا - وكان نصرانيّا - فأخذ منه خمسين ألف دينار.
ذكر وسيم
قال ابن عبد الحكم: وخرج عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان أمير مصر إلى وسيم (٣)، وكانت لرجل من القبط، فسأل عبد اللّه أن يأتيه إلى منزله ويجعل له مائة ألف دينار، فخرج إليه عبد اللّه ابن عبد الملك.
стр. 688
وقيل إنّما مخرج (¬a) عبد اللّه إلى قرية أبي النّمرس (١) مع رجل من الكتّاب يقال له ابن حنظلة، فأتى عبد اللّه العزل وولاية قرّة بن شريك وهو هناك، فلمّا بلغه ذلك قام ليلبس سراويله فلبسه منكوسا (٢).
وقيل إنّ عبد اللّه لمّا بلغه العزل، ردّ المال على صاحبه وقال: قد عزلنا.
وكان عبد اللّه قد ركب معه إلى المعدّيّة، وعدى أصحابه قبله وتأخّر، فورد الكتاب بعزله فقال صاحب المال: واللّه لابدّ أن تشرّف منزلي، وتكون ضيفي، وتأكل طعامي. وواللّه لا عاد لي شيء من ذلك، ولا أدعك منصرفا، فعدّى معه.
ذكر منية عقبة
هذه القرية بالجيزة (٣) عرفت بعقبة بن عامر الجهني ﵁.
قال ابن عبد الحكم: كتب عقبة بن عامر إلى معاوية بن أبي سفيان ﵄ يسأله أرضا يسترفق فيها عند قرية عقبة، فكتب له معاوية بألف ذراع في ألف ذراع، فقال له مولى له كان عنده: انظر أصلحك اللّه أرضا صالحة؛ فقال عقبة: ليس لنا ذلك، إنّ في عهدهم شروطا ستة: منها ألاّ يؤخذ من أرضهم شيء، ولا من نسائهم ولا من أولادهم، ولا يزاد عليهم، ويدفع عنهم موضع الخوف من عدوّهم، وأنا شاهد لهم بذلك.
وفي رواية: كتب عقبة إلى معاوية يسأله بقيعا (¬b) في قرية يبني فيها منازل ومساكن، فأمر له معاوية بألف ذراع في ألف ذراع، فقال له مواليه ومن كان عنده: انظر إلى أرض تعجبك فاختطّ فيها وابتن؛ فقال: إنّه ليس لنا ذلك، لهم في عهدهم ستّة شروط: منها ألاّ يؤخذ من أرضهم شيء، ولا يزاد عليهم، ولا يكلّفوا غير طاقتهم، ولا تؤخذ ذراريهم، وأن يقاتل عنهم عدوّهم من ورائهم (٤).
стр. 689
قال أبو سعيد بن يونس: وهذه الأرض التي اقتطعها عقبة هي المنية المعروفة بمنية عقبة في جيزة فسطاط مصر: عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عديّ بن عمرو بن رفاعة بن مودوعة بن عديّ بن غنم بن الرّبعة بن رشدان بن قيس بن جهينة، كذا نسبه أبو عمرو الكندي (١).
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ: عقبة بن عامر بن عبس (¬a) الجهنيّ من جهينة بن زيد بن سود ابن أسلم بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة - وقد اختلف في هذا النّسب - يكنى أبا حمّاد، وقيل أبا أسد، وقيل أبا عمرو، وقيل أبا سعاد، وقيل أبا الأسود. وقال خليفة بن خيّاط: وقتل أبو عامر عقبة بن عامر الجهني يوم النّهروان شهيدا، وذلك سنة ثمان وثلاثين. وهذا غلط منه، وفي كتابه بعد: وفي سنة ثمان وخمسين توفّي عقبة بن عامر الجهني. قال أبو عمر: سكن عقبة بن عامر مصر، وكان واليا عليها، وابتنى بها دارا، وتوفّي في آخر خلافة معاوية. روى عنه من الصّحابة جابر وابن عبّاس وأبو أمامة ومسلمة بن مخلد، وأمّا رواته من التّابعين فكثير (٢).
وقال الكنديّ: ثم وليها عقبة بن عامر، من قبل معاوية، وجمع له صلاتها وخراجها، فجعل على شرطته حمّادا. وكان عقبة قارئا فقيها فرضيّا شاعرا، له الهجرة والصّحبة السّابقة. وكان صاحب بغلة رسول اللّه ﷺ الشّهباء الذي يقودها في الأسفار. وكان صرف عقبة عن مصر بمسلمة بن مخلد، لعشر بقين من ربيع الأوّل سنة أربعين، فكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر (٣).
وقال ابن يونس: توفّي بمصر سنة ثمان وخمسين، ودفن في مقبرتها بالمقطّم، وكان يخضّب بالسّواد، ﵀/ تعالى.
стр. 690
ذكر حلوان (١)
يقال إنّها تنسب إلى حلوان بن بابليون بن عمرو بن امرئ القيس ملك مصر بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وكان حلوان هذا بالشّام على مقدّمة أبرهة ذي المنار أحد التّبابعة.
قال ابن عبد الحكم: وكان الطّاعون قد وقع بالفسطاط، فخرج عبد العزيز بن مروان من الفسطاط فنزل بحلوان داخلا في الصّحراء في موضع منها يقال له أبو قرقور، وهو رأس العين التي احتفرها عبد العزيز بن مروان وساقها إلى نخيله التي غرسها بحلوان؛ فكان ابن حديج يرسل إلى عبد العزيز في كلّ يوم بخبر ما يحدث في البلد من موت وغيره، فأرسل إليه ذات يوم رسولا فأتاه فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟ فقال: أبو طالب؛ فثقل ذلك على عبد العزيز وغاظه؛ فقال له عبد العزيز: أسألك عن اسمك فتقول أبو طالب! ما اسمك؟ فقال: مدرك، فتفاءل بذلك.
ومرض في مخرجه ذلك ومات هنالك، فحمل في البحر يراد به الفسطاط حتى تغيّر، فأنزل في بعض خصوص ساحل مريس فغسّل فيه وأخرجت من هنالك جنازته، وخرج معه بالمجامر فيها العود لما كان قد تغيّر من ريحه. وأوصى عبد العزيز أن يمرّ بجنازته إذا مات على منزل جناب بن مرثد بن زيد بن هانى الرّعيني صاحب حرسه - وكان صديقا له، وقد توفّي قبل عبد العزيز - فمرّ بجنازته على باب جناب، وقد خرج عيال جناب ولبسن السّواد ووقفن على الباب صائحات ثم اتّبعنه إلى المقبرة.
وكان لنصيب من عبد العزيز ناحية، فقدم عليه في مرضه فأذن له، فلمّا رأى شدّة مرضه أنشأ يقول:
стр. 691
[الكامل]
ونزور سيّدنا وسيّد غيرنا … ليت التّشكّي كان بالعوّاد
لو كان يقبل فدية لفديته … بالمصطفى من طارفي وتلادي
فلمّا سمع صوته فتح عينيه وأمر له بألف دينار، واستبشر بذلك آل عبد العزيز وفرحوا به، ثم مات (١).
وقال الكنديّ: ووقع الطاعون بمصر في سنة سبعين، فخرج عبد العزيز بن مروان منها إلى الشّرقيّة متبدّيا (¬a)، فنزل حلوان فأعجبته، فاتّخذها وسكنها وجعل بها الحرس والأعوان والشّرط، فكان عليهم جناب بن مرثد بحلوان. وبنى عبد العزيز بحلوان الدّور والمساجد، وعمّرها أحسن عمارة وأحكمها، وغرس نخلها وكرمها، فقال ابن قيس الرّقيّات (٢):
[المنسرح]
سقيا لحلوان ذي الكروم وما … صنّف من تينه ومن عنبه
نخل مواقير بالقناء من ال … برنيّ غلب يهتزّ في سربه (¬b)
أسود سكّانه الحمام فما … ينفكّ غربانه على رطبه
ولمّا غرس عبد العزيز نخل حلوان وأطعم، دخله والجند معه، فجعل يطوف فيه ويقف على غروسه ومساقيه، فقال يزيد بن عروة الجملي: ألا قلت أيّها الأمير كما قال العبد الصّالح: ﴿ما شاءَ اَللّهُ لا قُوَّةَ إِلّا بِاللّهِ﴾ [الآية ٣٩ سورة الكهف]؟! فقال: ذكّرتني، شكرا يا غلام، قل لأثيناس يزيد في عطائه عشرة دنانير (٣).
عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي أبو الأصبغ، أمّه ليلى ابنة زبّان بن الأصبغ الكندي. روى عن أبي هريرة وعقبة بن عامر الجهني، وروى عنه عليّ بن رباح وبحير بن داخرة وعبيد اللّه بن مالك الخولاني وكعب بن علقمة، ووثّقه النّسائي وابن سعد (٤).
стр. 692
ولمّا سار أبوه مروان إلى مصر، بعثه في جيش إلى أيلة ليدخل مصر من تلك النّاحية، فبعث إليه ابن جحدم أمير مصر بجيش عليهم زهير بن قيس البلوي، فلقي عبد العزيز ببصاق - وهي سطح عقبة أيلة - فقاتله فانهزم زهير ومن معه.
فلمّا غلب مروان على مصر في جمادى الآخرة سنة خمس وستين، جعل صلاتها وخراجها إلى ابنه عبد العزيز بعد ما أقام بمصر شهرين، فقال عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، كيف المقام ببلد ليس به أحد من بني أبي؟ فقال له مروان: يا بنيّ، عمّهم بإحسانك يكونوا كلّهم بني أبيك، واجعل وجهك طلقا تصف لك مودّتهم، وأوقع إلى كلّ رئيس منهم أنّه خاصّتك دون غيره، يكن لك عينا على غيره، وينقاد قومه إليك. وقد جعلت معك أخاك بشرا مؤنسا، وجعلت لك موسى بن نصير وزيرا ومشيرا. وما عليك يا بنيّ أن تكون أميرا بأقصى الأرض، أليس ذلك أحسن من إغلاق بابك وخمولك في منزلك؟
وأوصاه عند مخرجه من مصر إلى الشّام فقال: أوصيك بتقوى اللّه في سرّ أمرك وعلانيته ف ﴿إِنَّ اَللّهَ مَعَ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [الآية ١٢٨ سورة النحل]، وأوصيك ألاّ تجعل لداعي اللّه عليك سبيلا، فإنّ المؤذّن يدعو إلى فريضة افترضها اللّه، ﴿إِنَّ اَلصَّلاةَ كانَتْ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً﴾ [الآية ١٠٣ سورة النساء]، وأوصيك ألاّ تعد الناس موعدا إلاّ أنفذته لهم، وإن حملته على الأسنّة، وأوصيك ألاّ تعجل في شيء من/ الحكم حتى تستشير، فإنّ اللّه لو أغنى أحدا عن ذلك لأغنى نبيّه محمدا ﷺ عن ذلك بالوحي الذي يأتيه، قال اللّه :
﴿وَشاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ﴾ [الآية ١٥٩ سورة آل عمران].
وخرج مروان من مصر لهلال رجب سنة خمس وستين، فوليها عبد العزيز على صلاتها وخراجها.
وتوفّي مروان لهلال رمضان، وبويع ابنه عبد الملك بن مروان، فأقرّ أخاه عبد العزيز. ووفد على عبد الملك في سنة سبع وستين، وجعل على الحرس والخيل والأعوان جناب بن مرثد الرّعيني، فاشتدّ سلطانه. وكان الرّجل إذا أغلظ لعبد العزيز وخرج، تناوله جناب ومن معه فضربوه وحبسوه.
و (١) عبد العزيز أوّل من عرّف بمصر في سنة إحدى وسبعين؛ قال يزيد بن أبي حبيب: أوّل من أحدث القعود يوم عرفة في المسجد بعد العصر عبد العزيز بن مروان.
стр. 693
وفي سنة اثنتين وسبعين، صرف بعث البحر إلى مكّة لقتال عبد اللّه بن الزّبير، وجعل عليهم مالك بن شرحبيل الخولاني، وهم ثلاثة آلاف رجل فيهم عبد الرّحمن بن يحنّس مولى ابن أبزى، وهو الذي قتل ابن الزّبير (١).
وخرج إلى الإسكندرية في سنة أربع وسبعين، ووفد على أخيه عبد الملك في سنة خمس وسبعين، وهدم جامع الفسطاط كلّه، وزاد فيه من جوانبه كلّها في سنة سبع وسبعين، وأمر بضرب الدّنانير المنقوشة.
وقال ابن عفير: كان لعبد العزيز ألف جفنة كلّ يوم تنصب حول داره. وكانت له مائة جفنة يطاف بها على القبائل تحمل على العجل (٢).
وكتب عبد الملك إليه أن ينزل له عن ولاية العهد ليعهد إلى الوليد وسليمان، فأبى ذلك وكتب إليه: «إن يكن لك ولد فلنا أولاد، ويقضي اللّه ما يشاء». فغضب عبد الملك، فبعث إليه عبد العزيز بعليّ بن رباح يترضّاه. فلمّا قدم على عبد الملك، استعطفه على أخيه، فشكا عبد الملك وقال: «فرّق اللّه بيني وبينه». فلم يزل به عليّ حتى رضي، فقدم على عبد العزيز فأخبره عن عبد الملك وعن حاله، ثم أخبره بدعوته فقال له: أفعل؟ أنا واللّه مفارقه، واللّه ما دعا دعوة قطّ إلاّ أجيبت.
وكان عبد العزيز يقول: قدمت مصر في إمرة مسلمة بن مخلد، فتمنّيت بها ثلاث أماني فأدركتها: تمنّيت ولاية مصر، وأن أجمع بين امرأتي مسلمة، ويحجبني قيس بن كليب حاجبه. فتوفّى مسلمة، وقدم مصر فوليها، وحجبه قيس، وتزوّج امرأتي مسلمة.
وتوفّي ابنه الأصبغ بن عبد العزيز لتسع بقين من ربيع الآخر سنة ستّ وثمانين. فمرض عبد العزيز، وتوفّي ليلة الاثنين لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ستّ وثمانين. فحمل في النّيل من حلوان إلى الفسطاط فدفن بها (٣).
وقال ابن أبي مليكة: رأيت عبد العزيز بن مروان حين حضره الموت يقول: «ألا ليتني لم أك شيئا مذكورا، ألا ليتني كنابتة من الأرض أو كراعي إبل في طرف الحجاز».
стр. 694
ولمّا مات لم يوجد له مال ناض (١) إلاّ سبعة آلاف دينار، وحلوان والقيساريّة، وثياب بعضها مرقوع، وخيل، ورقيق. وكانت ولايته على مصر عشرين سنة وعشرة أشهر وثلاثة عشر يوما، ولم يلها في الإسلام قبله أطول ولاية منه (٢).
وكان بحلوان في النّيل معديّة من صوّان تعدّي بالخيل، تحمل فيها الناس وغيرهم من البرّ الشّرقي بحلوان إلى البرّ الغربي. فلمّا كان (¬a).
وهذا من الأسرار التي في الخليقة؛ فإنّ جميع الأجسام المعدنية، كالحديد والنّحاس والفضّة والرّصاص والذّهب والقصدير، إذا عمل من شيء منها إناء يسع من الماء أكثر من وزنه فإنّه يعوم على وجه الماء، ويحمل ما يمكنه ولا يغرق.
وما برح المسافرون في بحر الهند - إذا أظلم عليهم اللّيل ولم يروا ما يهديهم من الكواكب إلى معرفة الجهات - يحملون حديدة مجوّفة على شكل سمكة ويبالغون في ترقيقها جهد المقدرة، ثم يعمل في فم السّمكة شيء من مغناطيس جيّدا، ويحكّ فيها بالمغناطيس، فإنّ السّمكة إذا وضعت في الماء دارت واستقبلت القطب الجنوبي بفمها، واستدبرت القطب الشّمالي، وهذا أيضا من أسرار الخليقة.
فإذا عرفوا جهتي الجنوب والشّمال، تبيّن منهما المشرق والمغرب، فإنّ من استقبل الجنوب فقد استدبر الشّمال وصار المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره. فإذا تحدّدت الجهات الأربع، عرفوا مواقع البلاد بها، فيقصدون حينئذ جهة النّاحية التي يريدونها.
ذكر مدينة العريش
العريش مدينة فيما بين أرض فلسطين وإقليم مصر، وهي مدينة قديمة، من جملة المدائن التي اختطّت بعد الطّوفان (٣).
стр. 695
قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه عن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇: وكان غلاما مرفّها، فلمّا قرب من مصر بنى له عريشا من أغصان الشّجر وستره بحشيش الأرض، ثم بنى له بعد ذلك في هذا الموضع مدينة وسمّاها درسان - أي باب الجنّة - فزرعوا وغرسوا الأشجار والجنان من درسان إلى البحر، فكانت كلّها زروعا وجنانا وعمارة (١).
وقال آخر: إنّما سمّيت بذلك لأنّ بيصر بن حام بن نوح تحمّل في ولده، وهم أربعة ومعهم/ أولادهم، فكانوا ثلاثين ما بين ذكر وأنثى. وقدم ابنه مصر بن بيصر أمامه نحو أرض مصر حتى خرج من حدّ الشّام، فتاهوا وسقط مصر في موضع العريش - وقد اشتدّ تعبه - ونام، فرأى قائلا يبشّره بحصوله في أرض ذات خير ودرّ وملك وفخر، فانتبه فزعا، فإذا عليه عريش من أطراف الشّجر، وحوله عيون ماء. فحمد اللّه وسأله أن يجمعه بأبيه وإخوته، وأن يبارك له في أرضه، فاستجيب له، وقادهم اللّه إليه فنزلوا في العريش وأقاموا به. فأخرج اللّه لهم من البحر دوابّ ما بين خيل وحمر وبقر وغنم وإبل، فساقوها حتى أتوا موضع مدينة منف فنزلوه، وبنوا فيه قرية سميّت بالقبطيّة ماقة، يعني قرية ثلاثين (٢).
فنمت ذرّية بيصر حتى عمّروا الأرض وزرعوا، وكثرت مواشيهم. وظهرت لهم المعادن، فكان الرّجل منهم يستخرج القطعة من الزّبرجد يعمل منها مائدة كبيرة، ويخرج من الذّهب ما تكون القطعة منه مثل الأسطوانة، وكالبعير الرّابض.
وقال ابن سعيد عن البيهقي: كان دخول إخوة يوسف وأبويه ﵈ عليه بمدينة العريش، وهي أوّل أرض مصر؛ لأنّه خرج إلى تلقّيهم حتى نزل المدينة بطرف سلطانه. وكان له هناك عرش - وهو سرير السّلطنة - فأجلس أبويه عليه. وكانت تلك المدينة تسمّى في القديم بمدينة العرش لذلك، ثم سمّتها العامّة مدينة العريش فغلب ذلك عليها.
ويقال إنّه كان ليوسف ﵇ حرس في أطراف أرض مصر من جميع جوانبها؛ فلمّا أصاب الشّام القحط، وسارت إخوة يوسف لتمتار من مصر، أقاموا بالعريش. وكتب
стр. 696
صاحب الحرس إلى يوسف: إنّ أولاد يعقوب الكنعاني يريدون البلد لقحط نزل بهم.
فعمل إخوة يوسف عند ذلك عرشا يستظلّون به من الشّمس حتى يعود الجواب، فسمّي الموضع العريش. وكتب يوسف بالإذن لهم، فكان من شأنهم ما قد ذكر في موضعه (١).
ويقال للعرش الج .. فهذا كما ترى. وابن وصيف شاه أعرف بأخبار مصر.
وفي سنة خمس عشرة وأربع مائة، طرق عبد اللّه إدريس الجعفري العريش بمعاونة بني الجرّاح، وأحرقها وأخذ جميع ما فيها (٢).
وقال القاضي الفاضل: وفي جمادى الآخرة سنة سبع وسبعين وخمس مائة، ورد الخبر بأنّ نخل العريش قطع الفرنج أكثره وحملوا جذوعه إلى بلادهم، وملئت منه، ولم يجدوا مخاطبا على ذلك.
ونقل عن ابن عبد الحكم أنّ الجفار بأجمعه كان أيّام فرعون موسى في غاية العمارة بالمياه والقرى والسّكّان، وأنّ قول اللّه تعالى: ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الآية ١٣٧ سورة الأعراف] عن هذه المواضع، وأنّ العمارة كانت متّصلة منه إلى اليمن، ولذلك سمّيت العريش عريشا.
وقيل إنّها نهاية التّخوم من الشّام، وإنّ إليه كان ينتهي رعاة إبراهيم الخليل ﵇ بمواشيه، وأنّه ﵇ اتّخذ به عريشا كان يجلس فيه حتى تحلب مواشيه بين يديه، فسمّي العريش من أجل ذلك.
وقيل إنّ مالك بن دعر بن حجر بن جزيلة بن لخم كان له أربعة وعشرون ولدا، منهم العريش ابن مالك، وبه سمّيت العريش لأنّه نزل بها وبناها مدينة (٣).
وعن كعب الأحبار أنّ بالعريش قبور عشرة أنبياء.
стр. 697
ذكر مدينة الفرما (١)
قال البكريّ: الفرماء - بفتح أوّله وثانيه ممدود على وزن «فعلاء» وقد تقصر - مدينة تلقاء مصر (٢).
وقال ابن خالويه في كتاب «ليس»: الفرما هذه سمّيت بأخي الإسكندر، كان يسمّى الفرما، وكان كافرا، وهي قرية أمّ إسماعيل بن إبراهيم (٣)، انتهى.
ويقال اسمه الفرما بن فيلقوس، ويقال فيه ابن فليس، ويقال بليس. وكانت الفرما على شطّ بحيرة تنّيس، وكانت مدينة خصباء، وبها قبر جالينوس الحكيم.
وبنى بها المتوكّل على اللّه حصنا على البحر، تولّى بناءه عنبسة بن إسحاق أمير مصر في سنة تسع وثلاثين ومائتين عندما بنى حصن دمياط وحصن تنّيس، وأنفق فيها مالا عظيما.
ولمّا فتح عمرو بن العاص عين شمس أنفذ إلى الفرماء أبرهة بن الصّبّاح، فصالحه أهلها على خمس مائة دينار هرقليّة وأربع مائة ناقة وألف رأس من الغنم، فرحل عنهم إلى البقّارة.
وفي سنة ثلاث وأربعين وثلاث مائة نزل الرّوم عليها، فنفر الناس إليهم وقتلوا منهم رجلين. ثم نزلوا في جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وثلاث مائة، فخرج إليهم المسلمون وأخذوا منهم مركبا، وقتلوا من فيه وأسروا عشرة.
وقال اليعقوبي: الفرما أوّل مدن مصر من جهة الشّمال، وبها أخلاط من النّاس، وبينها وبين البحر الأخضر ثلاثة أميال (٤).
وقال ابن الكنديّ: ومنها الفرما، وهي أكثر عجائب، وأقدم آثارا، ويذكر أهل مصر أنّه كان منها طريق إلى جزيرة قبرس في البرّ، فغلب عليها البحر، ويقولون إنّه
стр. 698
كان فيما غلب عليه البحر مقطع الرّخام الأبلق، وأنّ مقطع الأبيض بلوبية.
وقال يحيى بن عثمان: كنت أرابط في الفرما، وكان بينها وبين البحر قريب من يوم، يخرج النّاس والمرابطون في أخصاص على السّاحل، ثم علا البحر على ذلك كلّه.
/ وقال ابن قديد: توجّه ابن المدبّر - وكان بتنّيس - إلى الفرما في هدم أبواب من حجارة شرقي الحصن احتاج أن يعمل منها جيرا. فلمّا قلع منها حجر أو حجران خرج أهل الفرما بالسّلاح فمنعوا من قلعها وقالوا: هذه الأبواب التي قال اللّه فيها على لسان يعقوب ﵇:
﴿يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [الآية ٦٧ سورة يوسف].
والفرما بها النّخل العجيب الذي يثمر حين ينقطع البسر والرّطب من سائر الدّنيا، فيبتدئ هذا الرّطب من حين بلد النّخل في الكوانين، فلا ينقطع أربعة أشهر حتى يجيء البلح في الرّبيع. وهذا لا يوجد في بلد من البلدان، لا بالبصرة، ولا بالحجاز، ولا باليمن، ولا بغيرها من البلدان. ويكون في هذا البسر ما وزن البسرة الواحدة فوق العشرين درهما، وفيه ما طول البسرة نحو الشّبر والفتر (١).
وقال ابن المأمون البطائحي في حوادث سنة تسع وخمس مائة: ووصلت النّجّابون من والي الشّرقيّة تخبر بأنّ بغدوين [Boldwin] ملك الفرنج وصل إلى أعمال الفرما؛ فسيّر الأفضل بن أمير الجيوش للوقت إلى والي الشّرقيّة بأن يسيّر المركزيّة والمقطعين بها، وسيّر الراجل من العطوفيّة، وأن يسير الوالي بنفسه بعد أن يتقدّم إلى العربان بأسرهم بأن يكونوا في الطّوالع، ويطاردوا الفرنج، ويشارفوهم باللّيل قبل وصول العساكر إليهم، فاعتمد ذلك. ثم أمر بإخراج الخيام وتجهيز الأصحاب والحواشي؛ فلمّا تواصلت العساكر وتقدّمها العربان، وطاردوا الفرنج، وعلم بغدوين [Boldwin] ملك الفرنج أنّ العساكر متواصلة إليه، وتحقّق أنّ الإقامة لا تمكنه، أمر أصحابه بالنّهب والتّخريب والإحراق، وهدم المساجد، فأحرق جامعها ومساجدها وجميع البلد، وعزم على الرّحيل، فأخذه اللّه ، وعجّل بنفسه إلى النّار. فكتم أصحابه موته، وصاروا بعد أن شقّوا بطن بغدوين وملاؤه ملحا حتى بقي إلى بلاده، فدفنوه بها (٢).
وأمّا العساكر الإسلامية، فإنّهم شنّوا الغارات على بلاد العدوّ، وعادوا بعد أن خيّموا على ظاهر عسقلان.
стр. 699
وكتب إلى الأمير ظهير الدّين طغدكين - صاحب دمشق - بأن يتوجّه إلى بلاد الفرنج، فسار إلى عسقلان، وحملت إليه الضّيافات.
وطولع بخبر وصوله فأمر بحمل الخيام وعدّة وافرة من الخيل والكسوات والبنود والأعلام وسيف ذهب ومنطقة ذهب وطوق ذهب وبدلة طقم وخيمة كبيرة مكمّلة ومرتبة ملوكية وفرشها وجميع آلاتها وما تحتاج إليه من آلات الفضّة.
وسيّر برسم شمس الخواصّ - وهو مقدّم كبير - خلعة مذهّبة ومنطقة ذهب وسيف وسيّر برسم المميّزين من الواصلين خلع وسيوف، وسلّم ذلك بثبت لأحد الحجّاب، وسيّر معه فرّاشان برسم الخيام.
وأمر بضرب الخيمة الكبيرة وفرشها، وأن يركب والي عسقلان وظهير الدين وشمس الخواصّ وجميع الأمراء الواصلين والمقيمين بعسقلان إلى باب الخيمة ويقبّلوه، ثم إلى بساطها والمرتبة المنصوبة، ثم يجلس الوالي وظهير الدّين وشمس الخواص والمقدّمون ويقف الناس بأجمعهم إجلالا وتعظيما. ويخلع على الأمير ظهير الدين وشمس الخواصّ، وتشدّ المناطق في أوساطهما، ويقلّدا بالسّيوف، ويخلع بعدهما على المميّزين، ثم يسير ظهير الدّين والمقدّمون بالتّشريف والأعلام والرّايات المسيّرة إليهم، إلى أن يصلوا إلى الخيام التي ضربت لهم. فإذا كان كلّ يوم يركب الوالي والأميران والمقدّمون والعساكر إلى الخيمة الملوكية، ويتفاوضون فيما يجب من تدبير العساكر، فامتثل ذلك.
وتواصلت الغارات على بلاد العدوّ، وأسروا وقتلوا، فسيّرت إليهم الخلع ثانيا، وجعل لشمس الخواصّ خاصّة في هذه السّفرة عشرة آلاف دينار، وتسلّم ظهير الدّين الخيمة الكبيرة بما فيها.
وكان تقدير ما حصل له ولأصحابه ثلاثين ألف دينار. وبلغ المنفق في هذه النّوبة وعلى ذهاب بغدوين وهلاكه مائة ألف دينار (١).
وفي شهر رجب سنة خمس وأربعين وخمس مائة نزل الفرنج على الفرما في جمع كبيرو أحرقوها ونهبوا أهلها (٢).
стр. 700
وآخر أمرها أنّ الوزير شاور خرّبها لمّا خرج منها متولّيها ملهم أخو الضّرغام في سنة … (¬a)
فاستمرّت خرابا لم تعمر بعد ذلك.
وكان بالفرما والبقّارة والورّادة عرب من جذام يقال لهم القاطع، وهو جري بن عوف بن مالك بن شنوءة بن بديل بن جشم بن جذام، منهم عبد العزيز بن الوزير بن صابي بن مالك بن عامر بن عديّ بن خرش بن نفر بن نصر بن القاطع، مات في صفر سنة خمس ومائتين.
وللسّرّي (¬b) والجرويّ هنا أخبار كثيرة أتينا (¬c) عليها في كتاب «عقد جواهر الأسفاط في أخبار مدينة الفسطاط» (١).
وقال ابن الكنديّ: وبها مجمع البحرين، وهو البرزخ الذي ذكره اللّه فقال: ﴿مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الآيتان ١٩، ٢٠ سورة الرحمن]، وقال: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ اَلْبَحْرَيْنِ حاجِزاً﴾ [الآية ٦١ سورة النمل]، وهما بحر الرّوم وبحر الصّين، والحاجز بينهما مسيرة ليلة ما بين القلزم والفرما، وليس يتقاربان في بلد من البلدان أقرب منهما بهذا الموضع، وبينهما في السّفر مسيرة شهور (٢).
ذكر مدينة القلزم
/ القلزم - بضمّ القاف وسكون اللاّم وضمّ الزّاي وميم - بلدة كانت على ساحل بحر اليمن في أقصاه من جهة مصر. وهي كورة من كور مصر، وإليها ينسب بحر القلزم (٣)، وبالقرب منها غرق فرعون، وبينها وبين مدينة مصر ثلاثة أيّام؛ وقد خربت، ويعرف اليوم موضعها بالسّويس تجاه عجرود (٤).
ولم يكن بالقلزم ماء ولا شجر ولا زرع، وإنّما يحمل الماء إليها من آبار بعيدة. وكان بها فرضة مصر والشّام، ومنها تحمل الحمولات إلى الحجاز واليمن.
стр. 701
ولم يكن بين القلزم وفاران قرية ولا مدينة، سوى (¬a) نخل يسير فيه صيّادون للسّمك. وكذلك من فاران وجبيلان (¬b) إلى أيلة.
قال ابن الطّوير: والبلد المعروف بالقلزم أكثرها باق إلى اليوم، ويراها الرّاكب السّائر من مصر إلى الحجاز. وكانت في القديم ساحلا من سواحل الدّولة (¬c) المصرية، ورأيت شيئا من حسابه من جهة مستخدميه في حواصل القصر وما ينفق على واليه وقاضيه وداعيه وخطيبه والأجناد المركّزين به لحفظه وقربه وجامعه ومساجده، وكان مسكونا مأهولا.
قال المسبّحيّ في حوادث سنة سبع وثمانين وثلاث مائة: وفي شهر رمضان سامح أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أهل مدينة القلزم ممّا كان يؤخذ من مكوس المراكب (١).
وقال ابن خرداذبة عن التّجّار: فيركبون في البحر الغربي، ويخرجون بالفرما ويحملون تجاراتهم على الظّهر إلى القلزم - وبينهما خمسة وعشرون فرسخا - ثم يركبون البحر الشّرقي من القلزم إلى الجار (¬d) وجدّة، ثم يمضون إلى السّند والهند والصّين (٢).
ومن القلزم ينزل النّاس في برّيّة وصحراء ستّ مراحل إلى أيلة، ويتزوّدون من الماء لهذه السّتّ مراحل. ويقال إنّ بين القلزم وبحر الرّوم ثلاث مراحل، وإنّ ما بينهما هو البرزخ الذي ذكره اللّه تعالى بقوله: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الآية ٢٠ سورة الرحمن].
التّيه
هو أرض بالقرب من أيلة، بينهما عقبة لا يكاد الرّاكب يصعد من عليها لصعوبتها، إلاّ أنّها مهّدت من زمن خمارويه بن أحمد بن طولون. ويسير الرّاكب مرحلتين في فحص التّيه هذا حتى يوافي ساحل بحر فاران، حيث كانت مدينة فاران، وهناك غرق فرعون.
والتّيه مقدار أربعين فرسخا في مثلها، وفيه تاه بنو إسرائيل أربعين سنة، لم يدخلوا مدينة ولا أووا إلى بيت، ولا بدّلوا ثوبا، وفيه مات موسى ﵇ ويقال إنّ طول التّيه نحو من ستّة أيّام (٣).
стр. 702
واتّفق أنّ المماليك البحرية لمّا خرجوا من القاهرة هاربين، في سنة اثنتين وخمسين وست مائة (١)، مرّ طائفة منهم بالتّيه فتاهوا فيه خمسة أيام، ثم تراءى لهم في اليوم السادس سواد على بعد، فقصدوه فإذا مدينة عظيمة لها سور وأبواب كلّها من رخام أخضر، فدخلوا بها وطافوا بها فإذا هي قد غلب عليها الرّمل حتى طمّ أسواقها ودورها، ووجدوا بها أواني وملابس، وكانوا إذا تناولوا منها شيئا تناثر من طول البلى. ووجدوا في صينيّة بعض البزّازين تسعة دنانير ذهبا، عليها صورة غزال وكتابة عبرانية، وحفروا موضعا، فإذا حجر على صهريج ماء فشربوا منه ماء أبرد من الثّلج. ثم خرجوا ومشوا ليلة، فإذا بطائفة من العربان حملوهم إلى مدينة الكرك، فدفعوا الدّنانير لبعض الصّيارفة، فإذا عليها أنّها ضربت في أيّام موسى ﵇، ودفع لهم في كلّ دينار مائة درهم (٢).
وقيل لهم إنّ هذه المدينة الخضراء من مدن بني إسرائيل، ولها طوفان رمل يزيد تارة وينقص أخرى، لا يراها إلاّ تائه.
ذكر مدينة دمياط
اعلم أنّ دمياط كورة من كور أرض مصر بينها وبين تنّيس اثنا عشر فرسخا؛ ويقال سمّيت بدمياط من ولد أشمن بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇؛ ويقال إنّ إدريس ﵇ كان أوّل ما أنزل عليه ذو القوّة والجبروت: أنا اللّه مدين المدائن، الفلك بأمري وصنعي، أجمع بين العذب والملح والنّار والثّلج، وذلك بقدرتي ومكنون علمي الدال والميم والألف والطّاء.
قيل هم بالسّريانية دمياط، فتكون دمياط كلمة سريانية أصلها دمط: أي القدرة، إشارة إلى مجمع العذب والمالح (٣).
стр. 703
وقال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه: دمياط بلد قديم بني في زمن فليمون بن أتريب بن قبطيم بن مصرايم على اسم غلام له (¬a) كانت أمّه ساحرة لفليمون (١).
ولمّا قدم المسلمون إلى أرض مصر، كان على دمياط رجل من أخوال المقوقس يقال له الهاموك؛ فلمّا افتتح عمرو بن العاص مصر، امتنع الهاموك بدمياط واستعدّ للحرب، فأنفذ إليه عمرو بن العاص المقداد بن الأسود في طائفة من المسلمين، فحاربهم الهاموك، وقتل ابنه في الحرب، فعاد إلى دمياط، وجمع إليه أصحابه فاستشارهم في أمره.
وكان عنده حكيم قد حضر الشّورى، فقال: أيّها الملك، إنّ جوهر العقل لا قيمة له، وما استغنى به أحد إلاّ هداه إلى سبيل الفوز والنّجاة من الهلاك، وهؤلاء/ العرب من بدء أمرهم لم تردّ لهم راية، وقد فتحوا البلاد وأذلّوا العباد، وما لأحد عليهم قدرة، ولسنا بأشدّ من جيوش الشّام ولا أعزّ وأمنع، وإنّ القوم قد أيّدوا بالنّصر والظّفر، والرّأي أن تعقد مع القوم صلحا ننال به الأمن وحقن الدّماء وصيانة الحرم، فما أنت بأكثر رجالا من المقوقس.
فلم يعبأ الهاموك بقوله، وغضب منه فقتله. وكان له ابن عارف عاقل، وله دار ملاصقة للسّور، فخرج إلى المسلمين في اللّيل ودلّهم على عورات البلد، فاستولى المسلمون عليها وتمكّنوا منها. وبرز الهاموك للحرب، فلم يشعر بالمسلمين إلاّ وهم يكبّرون على سور البلد وقد ملكوه، فعندما رأى شطا بن الهاموك المسلمين فوق السّور، لحق بالمسلمين ومعه عدّة من أصحابه، ففتّ ذلك في عضد أبيه وأستأمن للمقداد، فتسلّم المسلمون دمياط، واستخلف المقداد عليها، وسير بخبر الفتح إلى عمرو بن العاص.
وخرج شطا - وقد أسلم - إلى البرلّس والدّميرة وأشموم طناح، فحشد أهل تلك النّواحي وقدم بهم مددا للمسلمين وعونا لهم على عدوّهم. وسار بهم مع المسلمين لفتح تنّيس، فبرز
стр. 704
لأهلها وقاتلهم قتالا شديدا حتى قتل ﵀ في المعركة شهيدا، بعد ما أنكى فيهم وقتل منهم، فحمل من المعركة ودفن في مكانه المعروف به خارج دمياط. وكان قتله في ليلة الجمعة النصف من شعبان، فلذلك صارت هذه اللّيلة من كلّ سنة موسمّا يجتمع الناس فيها من النّواحي عند شطا ويحيونها، وهم على ذلك إلى اليوم.
وما زالت دمياط بيد المسلمين إلى أن نزل عليها الرّوم في سنة تسعين من الهجرة فأسروا خالد ابن كيسان - وكان على البحر هناك - وسيّروه إلى ملك الرّوم، فأنفذه إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك من أجل الهدنة التي كانت بينه وبين الرّوم.
فلمّا كانت خلافة هشام بن عبد الملك نازل الرّوم دمياط في ثلاث مائة وستين مركبا، فقتلوا وسبوا، وذلك في سنة إحدى وعشرين ومائة.
ولمّا كانت الفتنة بين الأخوين محمد الأمين وعبد اللّه المأمون، وكانت الفتن بأرض مصر، طمع الرّوم في البلاد، ونازلوا دمياط في أعوام بضع ومائتين.
ثم لمّا كانت خلافة أمير المؤمنين المتوكّل على اللّه، وأمير مصر يومئذ عنبسة بن إسحاق، نزل الرّوم دمياط يوم عرفة من سنة ثمان وثلاثين ومائتين، فملكوها وما فيها، وقتلوا بها جمعا كثيرا من المسلمين، وسبوا النّساء والأطفال وأهل الذّمّة. فنفر إليهم عنبسة بن إسحاق يوم النّحر في جيشه، ونفر كثير من النّاس إليهم فلم يدركوهم (١). ومضى الرّوم إلى تنّيس فأقاموا بأشتومها، فلم يتبعهم عنبسة، فقال يحيى بن الفضيل للمتوكّل (٢):
[الطويل]
أترضى بأن يوطا حريمك عنوة … وأن يستباح المسلمون ويحربوا
حمار أتى دمياط والرّوم وثّب … بتنّيس منه رأي العين وأقرب
مقيمون بالأشتوم يبغون مثل ما … أصابوه من دمياط والحرب ترتّب
فما رام من دمياط شبرا ولا درى … من العجز ما يأتي وما يتجنّب
стр. 705
فلا تنسنا إنّا بدار مضيعة … بمصر، وإنّ الدّين قد كاد يذهب
فأمر المتوكّل ببناء حصن دمياط، فابتدئ في بنائه يوم الاثنين لثلاث خلون من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين (١)، وأنشأ من حينئذ الأسطول بمصر.
فلمّا كان في سنة تسع (¬a) طرق الرّوم دمياط في نحو مائتي مركب، فأقاموا يعيثون في السّواحل شهرا وهم يقتلون ويأسرون، وكانت للمسلمين معهم معارك.
ثم لمّا كانت الفتن بعد موت كافور الإخشيدي، طرق الرّوم دمياط لعشر خلون من رجب سنة سبع وخمسين وثلاث مائة في بضع وعشرين مركبا، فقتلوا وأسروا مائة وخمسين من المسلمين.
وفي سنة ثمان وأربع مائة، ظهر بدمياط سمكة عظيمة طولها مائتان وستون ذراعا، وعرضها مائة ذراع. وكانت حمير الملح تدخل في جوفها موسوقة فتفرغ وتخرج، ووقف خمسة رجال في قحفها ومعم المجاريف يجرفون الشّحم ويناولونه الناس، وأقام أهل تلك النّواحي مدّة طويلة يأكلون من لحمها.
وفي أيّام الخليفة الفائز بنصر اللّه عيسى، والوزير حينئذ الصّالح طلائع بن زرّيك، نزل على دمياط نحو ستين مركبا في جمادى الآخرة سنة خمسين وخمس مائة بعث بها جيوم بن رجار صاحب (¬b) صقلّيّة (٢)، فعاثوا وقتلوا، ونزلوا تنّيس ورشيد والإسكندرية، فأكثروا فيها الفساد.
ثم كانت خلافة العاضد لدين اللّه في وزارة شاور بن مجير السّعدي - الوزارة الثانية - عندما حضر ملك الفرنج مرّي [Amaury] إلى القاهرة وحصرها، وقرّر على أهلها المال، واحترقت مدينة الفسطاط، فنزل على تنّيس وأشموم ومنية غمر، وصاحب أسطول الفرنج في عشرين شونة، فقتل وأسر وسبى.