وقال المنتصر بن المنذر المديني:
[الطويل]
ألا يا شعيب قد نطقت مقالة … أتيت (¬a) بها عمرا وحيي (¬b) بني عمرو
هم ملكوا أرض الحجاز بأوجه … كمثل شعاع الشّمس في صورة البدر
وهم قطنوا البيت الحرام وزيّنوا … قطورا وفازوا بالمكارم والفخر
ملوك بني حطّي وسعفص ذي النّدى … وهوّز أرباب الثّنيّة والحجر (١)
قال المسعوديّ: ولهؤلاء الملوك أخبار عجيبة من حروب وسير، وكيفية تغلّبهم على هذه الممالك وتملّكهم عليها، وإبادتهم من كان فيها وعليها (¬c) قبلهم من الأمم (٢).
وقيل إنّ الأيكة المذكورة في قوله : ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ اَلْأَيْكَةِ اَلْمُرْسَلِينَ﴾ [الآية ١٧٦ سورة الشعراء]، وفي قوله : ﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ اَلْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ * * فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ [الآيتان ٧٨، ٧٩ سورة الحجر] هي مدين، وقيل من ساحل البحر إلى مدين، وقيل هي غيضة نحو مدين.
وقيل بل أصحاب الأيكة الذين بعث إليهم شعيب كانوا بتبوك بين الحجر وأوّل الشّام، ولم يكن شعيب منهم، وإنّما كان من مدين.
وقال أبو عبيد البكري: الأيكة المذكورة في كتاب اللّه تعالى، التي كانت منازل قوم شعيب، روي عن ابن عبّاس - رضي اللّه تعالى عنهما - فيها روايتان: إحداهما أنّ الأيكة من مدين إلى شغب وبدا (¬d)؛ والثانية أنّها من ساحل البحر إلى مدين. وكان شجرهم المقل، والأيكة عند أهل اللّغة: الشّجر الملتفّ، وكانوا أصحاب شجر ملتفّ. وقال قوم: الأيكة الغيضة، وليكة اسم البلد حولها، كما قيل مكّة وبكّة. وقال أبو جعفر النّحّاس: ولا يعلم «ليكة» اسم بلد (¬e) (٣).
وقال ابن قتيبة: وكان بعضهم يزعم أنّ بكّة هو موضع المسجد، وما حوله مكّة، كما فرّق بين الأيكة وليكة، فقيل الأيكة الغيضة، وليكة البلد حولها (٤).
стр. 632
وقال البكريّ: مدين بلد بالشّام معلوم تلقاء غزّة، وهو المذكور في كتاب اللّه تعالى (١) - وهذا وهم، بل مدين من أرض مصر.
وبعث رسول اللّه ﷺ سريّة إلى مدينة مدين، أميرهم زيد بن حارثة ﵁ فأصاب سبيا من أهل ميناء (قال ابن إسحاق: وميناء هي السّواحل) فبيعوا، وفرّق بين الأمّهات والأولاد؛ فخرج رسول اللّه ﷺ وهم يبكون، فقال: «ما لهم؟» فأخبر خبرهم، فقال: «لا تبيعوهم إلاّ جميعا».
ومدين من منازل جذام بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن عمرو بن عريب بن زيد ابن كهلان. وشعيب النّبيّ، المبعوث إلى أهل مدين، أحد بني وائل/ من جذام.
وقد روي أنّ رسول اللّه ﷺ قال لوفد جذام: «مرحبا بقوم شعيب وأصهار موسى، ولا تقوم السّاعة حتى يتزوّج فيكم المسيح ويولد له».
وقال محمد بن سهل الأحول: مدين من أعراض المدينة أيضا (¬a)، مثل فدك والفرع ورهاط (٢).
قال مؤلّفه: وكان بأرض مدين عدّة مدائن كثيرة قد باد أهلها وخربت، وبقي منها إلى يومنا هذا - وهو سنة خمس وعشرين وثمان مائة (٣) - نحو الأربعين مدينة قائمة، منها ما يعرف اسمه، ومنها ما قد جهل اسمه؛ فممّا يعرف اسمه - فيما بين أرض الحجاز وبلاد فلسطين وديار مصر - ستّ عشرة مدينة، منها في ناحية فلسطين عشر مدائن، وهي: الخلصة، والسّنيطة (¬b)، والمدرة، والمنية، والأعوج، والخويرق، والبئرين، والماءين، والسّبع، والمعلّق؛ وأعظم هذه المدائن العشر مدينتا (¬a) الخلصة والسّنيطة (¬b)، وكثيرا ما تنقل حجارتها إلى غزّة ويبنى بها هناك.
ومن مدن (¬c) مدين بناحية بحر القلزم والطّور مدينة فاران، ومدينة الرّقّة (٤)، ومدينة القلزم، ومدينة أيلة، ومدينة مدين. وبمدينة مدين إلى الآن آثار عجيبة، وعمد عظيمة.
стр. 633
ووجد في مدينة الأعوج، أعوام بضع وستين وسبع مائة، جبّ بقلعتها بعيد المهوى، يبلغ عمقه نحو مائة باع (¬a)، وبقاعه عدّة أسفار على رفوف، حمل منها سفر طوله ذراعان وأزيد، قد غلّف بلوحين من خشب، وكتابة بالقلم المسند، طول الألف واللام نحو شبر. فوجد ببلاد الكرك من قرأه، فإذا هو سفر من عشرة أسفار، قد ابتدأه بحمد اللّه، ثم قال: خروج موسى من أرض مصر إلى بلاد مدين، وملوك بني مدين فيما بعد شعيب. فذكر لموسى ﵇ عدّة أسماء منها: اسمه بالعربية موسى بن عمران، وبالعبرانية موشي، وبالفارسية داران، وبالقبطيّة هروهسيس؛ وذكر أنّه تزوّج ابنة شعيب، وأنّه أقام بمدين ثماني حجج، ثم قال لابنة شعيب: قد أتممت لك شرطك، وسأزيدك من عندي (¬b) سنتين فضلا منّي (¬c).
قال (١): وخرج موسى متوجّها إلى مصر، والملك يومئذ على مدين أبجد. قال: وقوي أمر أبجد، فطغى حتى ملك الحجاز واليمن، وكان له خمسة أولاد، هم: هوّز، وحطّي، وكلمن، وسعفص، وقرشت. فأقام أبجد ملكا باليمن مائة سنة ومات.
وقد استخلف من بعده ابنه كلمن باليمن، وجعل ابنه هوّز على الحجاز، وابنه حطّي على أرض مصر، وابنه سعفص على الجزيرة وبلادها حيث الموصل وحرّان إلى أرض العراق، وابنه قرشت على العراق ومشارفها من خراسان. وكان قرشت هو الجبّار فيهم، وكان سعفص وهوّز وكلمن أهل عدل وحلم، وكان حطّي صاحب بطش وحرب (¬d). وكان بنو إسرائيل إذ ذاك بالشّام، فلم يملك أولاد أبجد أرض الشّام، ولا احتووا عليها. وكانت مدّة ملكهم نحوا من مائة وخمسين سنة؛ فتمّ لهم بدولة أبيهم أبجد ثلاث مائة سنة وأزيد. ثم ملك بعدهم على بني إسرائيل روزيب بن هوّز، وعزريب بن حطّي بن أبجد، نحو سبع سنين. ثم خرجت الدولة عن أولاد أبجد. وأقام هذا الكتاب عندهم زمانا، ثم أعادوه إلى الجبّ من قلعة الأعوج.
حدّثني بهذا الخبر الحافظ المتقن الضّابط أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد بن محمّد بن عبد الرّحمن الفرّياني التّونسي المالكي (٢)، قال: حدّثني به شتيّ بن غنيم العامريّ - شيخ لقيه بأرض فلسطين - أنّه شاهد هذا الكتاب (¬e) وهو شاب، وحفظ منه ما تقدّم ذكره.
стр. 634
وقيل إنّ مالك بن ذعر بن حجر بن جديلة بن لخم، كان له أربعة وعشرون ولدا ذكرا، فكثرت أولادهم حتى بنوا المدائن والقرى والحصون، وعمّروا بلاد مدين كلّها، وغلبوا على بلاد الشّام ومصر والحجاز وغيرها خمس مائة سنة.
وقيل إنّما كان استيلاء ملوك مدين على مصر خمس مائة سنة، بعد غرق فرعون موسى وهلاك دلوكة بنت زبّان (¬a)، حتى أخرجهم منها نبيّ اللّه سليمان بن داود، فعاد الملك إلى القبط بعدهم (١).
ذكر مدينة فاران
هذه المدينة بساحل بحر القلزم (٢)، وهي من مدن العماليق، على تلّ بين جبلين، وفي الجبلين نقوب كثيرة لا تحصى مملوءة أمواتا.
ومن هناك إلى بحر القلزم مرحلة واحدة، ويقال له هناك ساحل بحر فاران، وهو البحر الذي أغرق اللّه فيه فرعون. وبين مدينة فاران والتّيه مرحلتان.
ويذكر أنّ فاران اسم لجبال مكّة، وقيل اسم لجبال الحجاز، وهي التي ذكرت في التّوراة (٣).
والتّحقيق أنّ فاران والطّور كورتان من كور مصر القبليّة، وهي غير فاران المذكورة في التّوراة.
وقيل إنّ فاران بن عمرو بن عمليق هو الذي نسب إليه جبال الحرم، فقيل جبال فاران، وبعضهم يقول جبال فران. (¬b)) والمشهور أنّ فران هو فران بن بلي بن عمرو بن إلحاف إليه ينسب معدن فران (¬b).
وكانت مدينة فاران من جملة مدائن مدين وبها إلى اليوم نخل (¬c) كثير مثمر أكلت من ثمره، وبها نهر عظيم، وهي خراب يمرّ بها العربان.
стр. 635
ذكر أرض الجفار
اعلم أنّ الجفار (١) اسم لخمس مدائن وهي: الفرما، والبقّارة، والورّادة، والعريش، ورفح.
والجفار كلّه رمل، وسمّي بالجفار لشدّة المشي فيه على النّاس والدّواب، من كثرة رمله وبعد مراحله. والجفار تجفر فيه الإبل (٢)، فاتّخذ له هذا الاسم، كما قيل للحبل الذي يهجر به البعير هجّار، وللّذي يحجر به حجّار، وللّذي يعقل به عقّال، وللّذي يبطن به بطّان، وللّذي يخطم به خطّام، وللّذي يزم به زمّام.
واشتقّت البقّارة من البقر، والورّادة من الوريد (¬a)، والعريش أخذ من العرش، وقيل إنّ رفح اسم جبل (٣). وكان يسكن الجفار في القديم جذام بن العربان.
ويقال إنّ أرض الجفار كانت في الدّهر الأوّل والزّمن الغابر متّصلة العمارة، كثيرة البركات، مشهورة بالخيرات، لكثرة زراعة أهلها الزّعفران والعصفر وقصب السّكّر. وكان ماؤها غزيرا عذبا، ثم صار بها نخل يحدق بها من كلّ النّواحي، إلى أن دمّرها اللّه تدميرا، فصارت إلى اليوم ذات رمل عظيم يسلك فيه إلى العريش وإلى رفح، كلّه قفر، يعرف بعضه (¬b) برمل الغرابي، قليل الماء، عديم المرعى، لا أنيس به، فسبحان محيل الأحوال.
ذكر صعيد مصر
الصّعيد (٤): المرتفع من الأرض، وقيل الأرض المرتفعة من الأرض المنخفضة، وقيل ما لم يخالطه رمل ولا سبخة، وقيل هو وجه الأرض، وقيل الأرض الطّيّبة، وقيل هو كلّ تراب طيّب.
стр. 636
وتسمية هذه الجهة من أرض مصر بهذا الاسم إنّما حدث في الإسلام، سمّاها العرب بذلك لأنّها جهة مرتفعة عمّا دونها من أرض مصر، ولذلك يقال فيها أعلى الأرض، ولأنّها أرض ليس فيها رمل ولا سباخ، بل كلّها أرض طيّبة مباركة. ويقال للصّعيد أيضا «الوجه القبليّ».
قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه: ولمّا حضرت مصرايم الوفاة عهد إلى ابنه قبطيم، وكان قد قسم أرض مصر بين بنيه: فجعل لقبطيم من بلد قفط إلى أسوان [إلى النّوبة] (¬a)، ولأشمون من بلد أشمون إلى منف، ولأتريب الحوف كلّه [إلى الشجرتين إلى أيلة من الحجاز] (¬a)، ولصا من ناحية صا البحيرة إلى قرب برقة؛ وقال لأخيه فارق: لك من برقة إلى الغرب، فهو صاحب إفريقيّة، وولده الأفارق؛ وأمر كلّ واحد من بنيه أن يبني لنفسه مدينة في موضعه (١).
وقال ابن عبد الحكم: فلمّا كثر ولد مصر وأولاد أولادهم، قطع مصر لكلّ واحد منهم قطعة يحوزها لنفسه ولولده، وقسم لهم هذا النّيل. فقطع لابنه قفط موضع قفط فسكنها، وبه سمّيت قفط قفطا، وما فوقها إلى أسوان، وما دونها إلى أشمون في الشّرق والغرب. وقطع لأشمون من أشمون، فما دونها في الشّرق والغرب، إلى منف، فسكن أشمون أشمون، فسمّيت به. وقطع لأتريب ما بين منف إلى صا، فسكن أتريب، فسمّيت به. وقطع لصا ما بين صا إلى البحر، فسكن صا فسمّيت به. فكانت مصر كلّها على أربعة أجزاء؛ جزءين بالصّعيد، وجزءين بأسفل الأرض (٢).
وقال أبو الفضل جعفر بن ثعلب بن جعفر الأدفوي (٣) في كتاب «الطّالع السّعيد في تاريخ الصّعيد»: مسافة إقليم الصّعيد الأعلى مسيرة اثني عشر يوما بسير الجمال [السير المعتاد] (¬b)، وعرضه ثلاث ساعات وأكثر [وأقلّ] (¬b) بحسب الأماكن العامرة. ويتصل عرضه في الكورة
стр. 637
الشرقية بالبحر الملح وأراضي البجة، وفي الغربية بالواح، وهي كورتان: شرقيّة وغربيّة، والنّيل بينهما فاصل.
وأوّل الشّرقيّة من مرج بني هميم، المتّصلة أرضها بأراضي جرجا من عمل إخميم، وآخرها من قبلي أبهر (¬a)، ويليها أوّل أراضي النّوبة، وفي هذه الكورة تيج وقفط وقوص (١).
وأوّل الكورة الغربية برديس تتصل أرضها بأرض جرجا، وفي هذه الكورة الغربية سمهود، وآخر الكورة الغربية أسوان، وبحافته أكثر النّخل من الجانبين، تكون مساحة الأراضي التي فيها النّخل والبساتين تقارب عشرين ألف فدّان، والمستولي على إقليم الصّعيد المشترى (٢).
ويقال كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرادبّ تمرا، فغصبها بعض الولاة، فلم تحمل في ذلك العام ولا تمرة واحدة، وكانت هذه النّخلة في الجانب الغربي، وبيع منها في الغلاء كلّ ويبة بدينار.
ويقال لمّا صوّرت الدّنيا لأمير المؤمنين هارون بن محمد الرّشيد، لم يستحسن إلاّ كورة سيوط من صعيد مصر، فإنّها ثلاثون ألف فدّان في استواء من الأرض، لو وقعت فيها قطرة ماء لانتشرت في جميعها.
وبالصّعيد بقايا سحر قديم؛ حكى الأمير طقصبا (٣) - والي قوص في أيّام النّاصر محمد بن قلاوون - قال: أمسكت امرأة ساحرة فقلت لها: أريد أن أبصر شيئا من سحرك؛ فقالت: أجود عملي أن أسحر العقرب على اسم شخص بعينه، فلابدّ أن تقع عليه، ويصيبه سمّها فتقتله؛ فقلت: أريني هذا، واقصديني بسحرك.
فأخذت عقربا وعملت ما أحبّت، ثم أرسلت العقرب فتبعني، وأنا أتنحّى عنه، وهو يقصدني؛ فجلست على تخت وضعته على بركة ماء، فأقبل العقرب إلى ذلك الماء، وأخذ في
стр. 638
التّوصّل إليّ فلم يطق ذلك، فمرّ إلى الحائط، وصعد فيه وأنا أشاهده، حتّى وصل إلى السّقف،/ ومرّ فيه إلى أن صار فوقي، وألقى نفسه صوبي، وسعى نحوي حتى قرب منّي، فضربته فقتلته، ثم قتلت السّاحرة أيضا (١).
وأرض الصّعيد كثيرة المواشي، من الضّأن وغير ذلك لكثرة نتاجه، حتى إنّ الرّأس الواحد من نعاج الضّأن يتولّد عنه في عشر سنين ألف وأربعة وعشرون رأسا وذلك بتقدير السّلامة، وأن تلد كلّها إناثا، وتلد مرّة واحدة كلّ سنة، ولا تلد في كلّ بطن غير رأس واحد، وإلاّ فإن ولدت في السنة مرّتين، وكان في كلّ بطن رأسان، تضاعف العدد. وتأمّل حساب ما قلناه تجده صحيحا.
وقد شوهد كثيرا أنّ من أغنام الصّعيد ما يلد في السنة ثلاث مرّات، ويلد في البطن الواحد ثلاثة رؤوس.
وكانت الكثرة والغلبة ببلاد الصّعيد لستّ قبائل وهم: بنو هلال، وبلي، وجهينة، وقريش، ولواتة، وبنو كلاب. وكان ينزل مع هؤلاء عدّة قبائل سواهم من الأنصار ومن مزينة وبني رزاح (¬a) وبني كلاب وثعلبة وجذام.
وبلغ من عمارة الصّعيد أنّ الرّجل، في الأيّام النّاصرية (¬b) محمد بن قلاوون وما بعدها، كان يمرّ من القاهرة إلى أسوان فلا يحتاج إلى نفقة، بل يجد بكلّ بلد وناحية عدّة دور للضّيافة إذا دخل دارا منها أحضر لدابّته علفها وجيء له بما يليق به من الأكل ونحوه، وآل أمره الآن إلى ألاّ يجد الرّجل أحدا فيما بين القاهرة وأسوان يضيّفه لضيق الحال.
ثم تلاشى أمر بلاد الصّعيد منذ سنة الشّراقي في الأيّام الأشرفية (¬c) شعبان بن حسين بن محمد ابن قلاوون سنة ستّ وسبعين وسبع مائة، وتزايد تلاشيه في الأيّام الظّاهرية (¬d) برقوق لجور الولاة؛ ولم يزل في إدبار إلى أن كانت سنة ستّ وثمان مائة وشرقت مصر بقصور مدّ النّيل، فدهي أهل الصّعيد من ذلك بما لا يوصف، حتى إنّه مات من مدينة قوص سبعة عشر ألف إنسان، ومات من مدينة سيوط أحد عشر ألف إنسان ممّن غسّل وكفّن، ومن مدينة هو خمسة عشر ألف إنسان وذلك كلّه سوى الطّرحى على الطّرقات، ومن لا يعرف من الغرباء
стр. 639
ونحوهم. ثم دمّر في الأيّام المؤيّدية (¬a) شيخ فلم يبق منه إلاّ رسوم تبذل الولاة الجهد في محوها، نسأل اللّه حسن الخاتمة.
ذكر الجنادل ولمع من أخبار أرض النّوبة
الجندل ما يقلّ الرّجل من الحجارة، وقيل هو الحجر كلّه، الواحدة جندلة.
والجندل الجنادل، قال سيبويه: وقالوا جندل يعنون الجنادل، وصرفوه لنقصان البناء عمّا لا ينصرف، وأرض جندلة: ذات جندل؛ وقيل الجندل المكان الغليظ فيه حجارة، ومكان جندل:
كثير الجندل (١).
قال عبد اللّه بن أحمد بن سليم الأسواني (٢) في كتاب «أخبار النّوبة والمقرّة وعلوة والبجة والنّيل»: وأوّل بلد النّوبة قرية تعرف بالقصر (٣) من أسوان إليها خمسة أميال، وآخر حصن للمسلمين جزيرة تعرف ببلاق بينها وبين قرية النّوبة ميل، وهو ساحل بلد النّوبة (٤).
стр. 640
ومن أسوان إلى هذا الموضع جنادل كثيرة الحجر، لا تسلكها المراكب إلاّ بالحيلة ودلالة من يخبر بذلك من الصّيّادين الذين يصيدون هناك، لأنّ هذه الجنادل متقطّعة وشعاب معترضة في النّيل، ولا نصبابه فيها خرير عظيم ودويّ يسمع من بعد.
وبهذه القرية مسلحة وباب إلى بلد النّوبة، ومنها إلى الجنادل الأولى من بلد النّوبة عشر مراحل. وهي النّاحية التي يتصرّف فيها المسلمون، ولهم فيما قرب أملاك، ويتّجرون في أعلاها. وفيها جماعة من المسلمين قاطنون، لا يفصح أحدهم بالعربية، وشجرها كثير.
وهي ناحية ضيّقة شظفة كثيرة الجبال، وما تخرج عن النّيل، وقراها متسطّرة على شاطئه، وشجرها النّخل والمقل، وأعلاها أوسع من أدناها، وفي أعلاها الكروم. والنّيل لا يروي مزارعها لارتفاع أرضها، وزرعها الفدّان والفدّانان والثلاثة على أعناق البقر بالدّواليب.
والقمح عندهم قليل والشّعير أكثر والسّلت، ويعتقبون الأرض لضيقها فيزرعونها في الصّيف، بعد تطريتها بالزّبل والتّراب، الدّخن والذّرة والجاورس والسّمسم واللّوبيا.
وفي هذه الناحية بخراش مدينة المريسي (¬a)، وقلعة إبريم، وقلعة أخرى دونها، ولها (¬b) مينا تعرف بأدراء ينسب إليها لقمان الحكيم وذو النّون، وبها بربا عجيب.
ولهذه النّاحية وال من قبل عظيم النّوبة يعرف بصاحب الجبل من أجلّ ولاتهم لقربه من أرض الإسلام. ومن يخرج إلى بلد النّوبة من المسلمين فمعاملته معه، في تجارة أو هديّة إليه أو إلى مولاه، يقبل الجميع ويكافئ عليه بالرّقيق، ولا يطلق لأحد الصّعود إلى مولاه لا لمسلم ولا لغيره.
وأوّل الجنادل من بلد النّوبة قرية تعرف بتقوى هي ساحل، وإليها تنتهي مراكب النّوبة المصعدة من القصر أوّل بلدهم، ولا تتجاوزها المراكب، ولا يطلق لأحد من المسلمين ولا من غيرهم الصّعود منها إلاّ بإذن من صاحب جبلهم، ومنها إلى (¬c) المقس الأعلى ستّ مراحل. وهي جنادل كلّها، وشرّ ناحية رأيتها لهم لصعوبتها وضيقها ومشقّة مسالكها.
أمّا بحرها فجنادل وجبال معترضة فيه، حتى أنّ النّيل ينصبّ من شعاب ويضيق في مواضع حتى يكون سعة ما بين/ الجانبين خمسين ذراعا.
وبرّها مجاوب ضيّقة وجبال شاهقة وطرقات ضيّقة، حتى لا يمكن الراكب أن يصعد منها، والراجل الضّعيف يعجز عن سلوكها، ورمال في غربها وشرقها. وهذه الجبال حصنهم، وإليها
стр. 641
يفزع أهل النّاحية التي قبلها المتّصلة بأرض الإسلام. وفي جزائرها نخل يسير، وزرع حقير، وأكثر أكلهم السّمك، ويدهنون بشحمه.
وهي من أرض مريس، وصاحب الجبل واليهم، والمسلحة بالمقس الأعلى صاحبها من قبل كبيرهم شديد الضّبط لها، حتى إنّ عظيمهم إذا صار بها وقف به المسلحي وأوهم أنّه يفتّش عليه، حتى يجد الطّريق إلى ولده ووزيره فمن دونهما.
ولا يجوزها دينار ولا درهم، إذ كانوا لا يتبايعون بذلك إلاّ دون الجنادل مع المسلمين، وما فوق ذلك لا بيع بينهم ولا شراء، وإنّما هي معاوضة بالرّقيق والمواشي والجمال (¬a) والحديد والحبوب.
ولا يطلق لأحد أن يجوزها إلاّ بإذن الملك، ومن خالف كان جزاؤه القتل كائنا من كان.
وبهذا الاحتياط تنكتم أخبارهم، حتى إنّ العسكر منهم يهجم على البلد إلى البادية وغيرهم فلا يعلمون به.
والسّنباذ (١)، الذي يخرط به الجوهر، يخرج من النّيل في هذه المواضع، يغطّس عليه فيوجد جسمه باردا مخالفا للحجارة، فإذا أشكل عليه نفخ فيه بالفم فيغرق.
ومن هذه المسلحة إلى قرية تعرف بساي جنادل أيضا، وهي آخر كرسيهم، ولهم فيها أسقف، وفيها بربا.
ثم ناحية سقلوذا، وتفسيرها السّبع ولاة، وهي أشبه الأرض بالأرض المتاخمة لأرض الإسلام في السّعة والضّيق في مواضع والنّخل والكرم والزّرع وشجر المقل. وفيها شيء من شجر القطن، ويعمل منه ثياب وخشة، وبها شجر الزّيتون.
وواليها من قبل كبيرهم، وتحت يده ولاة يتصرّفون. وفيها قلعة تعرف بأصطنون، وهي أوّل الجنادل الثلاثة، وهي أشدّ الجنادل صعوبة لأنّ فيها جبلا معترضا من الشّرق إلى الغرب في النّيل، والماء ينصبّ من ثلاثة أبواب - وربّما رجع إلى بابين عند انحساره - شديد الخرير عجيب المنظر، يتحدّر الماء عليه من علوّ الجبل.
стр. 642
وقبليه فرش حجارة في النّيل نحو ثلاثة أبرد إلى قرية تعرف ببستو، وهي آخر قرى مريس وأوّل بلد مقرة. ومن هذا الموضع إلى حدّ المسلمين لسانهم مريسي، وهي آخر عمل متملّكهم.
ثم ناحية بقون، وتفسيرها العجب، وهي عند اسمها لحسنها. وما رأيت على النّيل أوسع منها. وقدّرت أن سعة النّيل فيها من الشّرق إلى الغرب مسيرة خمس مراحل الجزائر تقطعه، والأنهار منه تجري بينها على أرض منخفضة، وقرى متّصلة، وعمارة حسنة، بأبرجة حمام ومواش وأنعام.
وأكثر ميرة مدينتهم منها، وطيورها التّغتبط (¬a) والنّوبي والببّغ، وغير ذلك من الطّيور الحسان.
وأكثر نزهة كبيرهم في هذه النّاحية.
قال: وكنت معه في بعض الأوقات فكان سيرنا في ظلّ شجر من الحافتين في الخلجان الضيّقة. وقيل إنّ التّمساح لا يضرّ هناك، ورأيتهم يعبرون أكثر هذه الأنهار سباحة.
ثم سفذبعل وهي ناحية ضيّقة شبيهة بأوّل بلادهم إلاّ أنّ فيها جزائر حسانا، وفيها دون المرحلتين نحو ثلاثين قرية بالأبنية الحسان والكنائس والأديار والنّخل الكبير (¬b) والكروم والبساتين والزّرع، ومروج كبار فيها إبل وجمال صهب مؤبّلة للنّتاج.
وكبيرهم يكثر الدّخول إليها لأنّ طرفها القبلي يحاذي دنقلة مدينتهم، ومن مدينة دنقلة دار المملكة إلى أسوان خمسون مرحلة. وذكر صفتها ثم قال: إنّهم يسقّفون مجالسهم بخشب السّنط، وبخشب السّاج الذي يأتي به النّيل في وقت الزّيادة، إسقالات منحوتة لا يدرى من أين تأتي، ولقد رأيت على بعضها علامة غريبة.
ومسافة ما بين دنقلة (١) إلى أوّل بلد علوة أكثر ممّا بينها وبين أسوان، وفي ذلك من القرى والضّياع والجزائر والمواشي والنّخل والشّجر والمقل والزّرع والكرم أضعاف ما في الجانب الذي يلي أرض الإسلام.
стр. 643
وفي هذه الأماكن جزائر عظام مسيرة أيّام، فيها الجبال والوحش والسّباع، ومفاوز يخاف فيها العطش. والنّيل ينعطف من هذه النّواحي إلى مطلع الشّمس وإلى مغربها مسيرة أيّام حتّى يصير المصعد كالمنحدر. وهي الناحية التي تبلغ العطوف من النّيل إلى المعدن المعروف بالشّنكة (¬a)، وهو بلد يعرف بشنقير، ومنه خرج العمريّ (¬b)) هو أبو عبد الرّحمن عبد اللّه بن عبد الحميد بن عبد اللّه بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب (١)، كانت له في النّوبة والبجة حروب وهدم حبس أحمد بن طولون (¬b)، وتغلّب على هذه النّاحية إلى أن كان من أمره من كان.
وفرس البحر يكثر في هذه المواضع (٢).
ومن هذا الموضع طرق إلى سواكن وباضع ودهلك وجزائر البحر، ومنها عبر من نجا من بني أميّة عند هربهم إلى النّوبة (٣).
وفيها خلق من البجة يعرفون بالزّنافج انتقلوا إلى النّوبة قديما وقطنوا هناك، وهم على جملتهم (¬c) في الرّعي واللّغة لا يخالطون النّوبة ولا يسكنون قراهم، وعليهم وال من قبل النّوبة.
ذكر تشعّب النّيل من بلاد علوة ومن يسكن عليه من الأمم
اعلم أنّ النّوبة والمقرّة جنسان بلسانين كلاهما على النّيل: فالنّوبة وهم المريس المجاورون لأرض الإسلام، وبين أوّل بلدهم وبين أسوان خمسة أميال. ويقال إنّ سلها جدّ النّوبة، ومقرّي جدّ المقرّة، من اليمن. وقيل النّوبة ومقرّي من/ حمير. وأكثر أهل الأنساب على أنّهم جميعا من ولد حام بن نوح.
وكان بين النّوبة والمقرّة حروب قبل النّصرانيّة.
وأوّل أرض المقرّة قرية تعرف بتافة على مرحلة من أسوان، ومدينة ملكهم يقال لها بخراش، على أقلّ من عشر مراحل من أسوان. ويقال إنّ موسى - صلوات اللّه عليه - غزاهم قبل مبعثه في أيّام فرعون، فأخرب تافة، وكانوا صابئة يعبدون الكواكب وينصبون التّماثيل لها، ثم تنصّروا جميعا.
стр. 644
النّوبة والمقرّة ومدينة دنقلة هي دار مملكتهم، وأوّل بلاد علوة قرى في الشّرق على شاطئ النّيل تعرف بالأبواب. ولهذه النّاحية وال من قبل صاحب بلد (¬a) علوة يعرف بالوحواح (¬b).
والنّيل يتشعّب من هذه الناحية على سبعة أنهار، فمنها نهر يأتي من ناحية المشرق، كدر الماء يجفّ في الصّيف حتى يسكن بطنه، فإذا كان وقت زيادة النّيل نبع فيه الماء، وزادت البرك التي فيه، وأقبل المطر والسّيول في سائر البلد فوقعت الزّيادة في النّيل. وقيل إنّ آخر هذا النّهر عين عظيمة تأتي من جبل.
قال مؤرّخ النّوبة (١): وحدّثني سيمون صاحب عهد بلد علوة أنّه يوجد في بطن هذا النّهر حوت لا قشر له، ليس هو من جنس ما في النّيل، يحفر عليه قامة وأكثر حتى يخرج، وهو كبير.
وعليه جنس مولّد بين العلوة والبجة يقال لهم الديحيّون، وجنس يقال لهم بازه، يأتي من عندهم طير يعرف بحمام بازين.
وبعد هؤلاء أوّل بلاد الحبشة، ثم النّيل الأبيض، وهو نهر يأتي من ناحية الغرب شديد البياض مثل اللّبن.
قال: وقد سألت من طرق بلاد السّودان من المغاربة عن النّيل الذي عندهم وعن لونه، فذكر أنّه يخرج من جبال الرّمل، أو جبل الرّمل، وأنّه يجتمع في بلد السّودان في برك عظام، ثم ينصبّ إلى ما لا يعرف، وأنّه ليس بأبيض، فإمّا أن يكون اكتسب ذلك اللّون ممّا يمرّ عليه، أو من نهر آخر ينصبّ إليه، وعليه أجناس من جانبيه؛ ثم النّيل الأخضر، وهو نهر يأتي من القبلة ممّا يلي الشّرق شديد الخضرة، صافي اللّون جدّا، يرى ما في قعره من السّمك، وطعمه مخالف لطعم النّيل، يعطش الشّارب منه بسرعة، وحيتان الجميع واحدة، غير أنّ الطّعم مختلف، ويأتي فيه وقت الزّيادة خشب السّاج والبقم والقناء (¬c)، وخشب له رائحة كرائحة اللّبان، وخشب غليظ ينحت ويعمل منه مقدام. وعلى شاطئه ينبت هذا الخشب أيضا. وقيل إنّه وجد فيه عود البخور.
стр. 645
قال: وقد رأيت على بعض السّقّالات المنحوتة السّاج التي تأتي فيه وقت الزّيادة علامة غريبة، ويجتمع هذان النّهران الأبيض والأخضر عند مدينة متملّك بلد علوة، ويبقيان على ألوانهما قريبا من مرحلة، ثم يختلطان بعد ذلك وبينهما أمواج كبار عظيمة بتلاطمهما.
قال: وأخبرني من نقل النّيل الأبيض وصبّه في النّيل الأخضر، فبقى فيه مثل اللّبن ساعة قبل أن يختلطا. وبين هذين النّهرين جزيرة لا يعرف لها غاية، وكذلك لا يعرف لهذين النّهرين نهاية. فأوّلهما يعرف عرضه، ثم يتّسع فيصير مسافة شهر، ثم لا تدرك سعتهما لخوف من يسكنهما بعضهم من بعض لأنّ فيهما أجناسا كثيرة وخلقا عظيما.
قال: وبلغني أنّ بعض متملّكي بلد علوة سار فيها يريد أقصاها فلم يأت عليه بعد سنين. وأنّ في طرفها القبلي جنسا يسكنون ودوابّهم في بيوت تحت الأرض مثل السّراديب بالنّهار من شدّة حرّ الشّمس، ويسرحون في اللّيل، وفيهم قوم عراة.
والأنهار الأربعة الباقية تأتي أيضا من القبلة، ممّا يلي الشّرق أيضا، في وقت واحد، ولا يعرف لها نهاية أيضا وهي دون النّهرين الأبيض والأخضر في العرض وكثرة الخلجان والجزائر.
وجميع الأنهار الأربعة تنصبّ في الأخضر، وكذلك الأوّل الذي قدّمت ذكره، ثم يجتمع مع الأبيض، وكلّها مسكونة عامرة مسلوك فيها بالسّفن وغيرها؛ وأحد هذه الأربعة يأتي مدّه من بلاد الحبشة.
قال: ولقد أكثرت السّؤال عنها، واستكشفتها من قوم عن قوم، فما وجدت مخبرا يقول إنّه وقف على نهاية جميع هذه الأنهار. والذي انتهى إليه علم من عرّفني عن آخرين إلى خراب، وأنّه يأتي في وقت الزّيادة في هذه الأنهار آلة مراكب وأبواب وغير ذلك، فيدلّ على عمارة بعد الخراب.
فأمّا الزّيادة، فيجمعون أنّها من الأمطار مع مادة تأتي من ذاتها، والدّليل على ذلك النّهر الذي يجفّ ويسكن بطنه، ثم ينبع وقت الزّيادة. ومن عجائبه أنّلا زيادته في أنهار مجتمعة، وسائر النّواحي والبلدان في مصر وما يليها والصّعيد وأسوان وبلد النّوبة وعلوة وما وراء ذلك في زمان واحد.
وأكثر ما وقف عليه من هذه الزيادة أنّه ربّما وجدت مثلا بأسوان ولا توجد بقوص ثم تأتي بعد؛ فإذا كثرت الأمطار عندهم، واتّصلت السّيول، علم أنّها سنة ريّ، وإذا قصرت الأمطار علم أنّها سنة ظما.
стр. 646
قال: وأمّا من طرق بلاد الزّنج، فإنّهم أخبروني عن مسيرهم في بحر الصّين إلى بلاد الزّنج بالرّيح الشّمالي مساحلين للجانب الشّرقي من جزيرة مصر، حتى ينتهوا إلى موضع يعرف برأس حفري، وهو عندهم آخر جزيرة مصر، فينظرون كوكبا يهتدون به، فيقصدون الغرب، ثم يعودون إلى البحري، ويصير الشّمال في وجوههم، حتى يأتوا إلى قبيلة من بلاد الزّنج. وهي مدينة متملّكهم/، وتصير قبلتهم للصّلاة إلى جدّة.
قال: وبعض الأنهار الأربعة يأتي من بلاد الزّنج لأنّه يأتي في الخشب الزّنجي.
وسوبة مدينة العلوي شرقي الجزيرة الكبرى التي بين البحرين الأبيض والأخضر في الطّرف الشّمالي منها عند مجتمعهما، وشرقيها النّهر الذي يجفّ ويسكن بطنه. وفيها أبنية حسان ودور واسعة وكنائس كثيرة الذّهب وبساتين، ولها رباط فيه جماعة من المسلمين.
ومتملّك علوة أكثر مالا من متملّك المقرّة، وأعظم جيشا، وعنده من الخيل ما ليس عند المقرّي، وبلده أخصب وأوسع، والنّخل والكرم عندهم يسير.
وأكثر حبوبهم الذّرة البيضاء التي مثل الأرز، منها خبزهم ومزرهم، واللّحم عندهم كثير لكثرة المواشي والمروج الواسعة العظيمة السّعة، حتى إنّه لا يوصل إلى الجبل إلاّ في أيام.
وعندهم خيل عتاق، وجمال صهب عراب، ودينهم النّصرانية يعاقبة، وأساقفتهم من قبل صاحب الإسكندرية كالنّوبة، وكبتهم بالرّوميّة، يفسّرونها بلسانهم، وهم أقلّ فهما من النّوبة.
وملكهم يسترقّ من شاء من رعيّته بجرم وبغير جرم، ولا ينكرون ذلك عليه، بل يسجدون له ولا يعصون أمره على المكروه الواقع بهم. وينادون: الملك يعيش، فليكن أمره. وهو يتتوّج بالذّهب، والذّهب كثير في بلده.
وممّا في بلده من العجائب أنّ في الجزيرة الكبرى التي بين البحرين جنسا يعرف بالكرنينا، لهم أرض واسعة مزروعة من النّيل والمطر، فإذا كان وقت الزّرع خرج كلّ واحد منهم بما عنده من البذر، واختطّ على مقدار ما معه، وزرع في أربعة أركان الخطّة يسيرا، وجعل البذر في وسط الخطّة وشيئا من المزر، وانصرف عنه. فإذا أصبح وجد ما اختطّ قد زرع وشرب المزر. فإذا كان وقت الحصاد حصد يسيرا منه ووضعه في موضع أراده ومعه مزر وينصرف، فيجد الزّرع قد حصد بأسره وجرن فإذا أراد دراسه وتذريته فعل به كذلك. وربّما أراد أحدهم أن ينقّي زرعه من الحشيش، فيلفظ بقلع شيء من الزّرع فيصبح وقد قلع جميع الزّرع.
стр. 647
وهذه النّاحية التي فيها ما ذكرته بلدان واسعة مسيرة شهرين في شهرين، يزرع جميعها في وقت واحد.
وميرة بلد علوة ومتملّكهم من هذه النّاحية، فيوجّهون المراكب فتوسق، وربّما وقع بينهم حرب.
قال: وهذه الحكاية صحيحة معروفة مشهورة عند جميع النّوبة والعلوة، وكلّ من يطرق ذلك البلد من تجّار المسلمين لا يشكّون فيه، ولا يرتابون به، ولولا أنّ اشتهاره وانتشاره ممّا لا يجوز التّواطؤ على مثله، لما ذكرت شيئا منه لشناعته. فأمّا أهل النّاحية فيزعمون أنّ الجنّ تفعل ذلك، وأنّها تظهر لبعضهم وتخدمهم بحجارة ينطاعون لهم بها، وتعمل لهم عجائب، وأنّ السّحاب يطيعهم.
قال: ومن عجائب ما حدّثني به متملّك المقرّة للنّوبة، أنّهم يمطرون في الجبال، ويلتقطون منه للوقت سمكا على وجه الأرض. وسألتهم عن جنسه فذكروا أنّه صغير القدر بأذناب حمر.
قال: وقد رأيت جماعة وأجناسا ممّن تقدّم ذكر أكثرهم، يعترفون بالباري ، ويتقرّبون إليه بالشّمس والقمر والكواكب، ومنهم من لا يعرف الباري ويعبد الشّمس والنّار، ومنهم من يعبد كلّ ما استحسنه من شجرة أو بهيمة.
وذكر أنّه رأى رجلا في مجلس عظيم المقرّة سأله عن بلده فقال: مسافته إلى النّيل ثلاثة أهلّة.
وسأله عن دينه فقال: ربّي وربّك اللّه، وربّ الملك وربّ النّاس كلّهم واحد؛ وأنّه قال له: فأين يكون؟ قال: في السّماء وحده.
وقال إنّه إذا أبطأ عنهم المطر، أو أصابهم الوباء، أو وقع بدوابهم آفة، صعدوا الجبل، ودعوا اللّه فيجابون للوقت، وتقضى حاجتهم قبل أن ينزلوا. وسأله: هل أرسل فيكم رسول؟ قال:
لا؛ فذكر له بعثة موسى وعيسى ومحمّد صلوات اللّه عليهم وسلامه، وما أيّدوا به من المعجزات، فقال: إذا كانوا فعلوا هذا فقد صدقوا؛ ثم قال: قد صدّقتهم إن كانوا فعلوا.
قال مؤلّفه: وقد غلب أولاد كنز الدّولة (١) على النّوبة وملكوها من سنة … (¬a) وبني بدنقلة جامع يأوي إليه الغرباء.
стр. 648
واعلم أنّ على ضفّة النّيل أيضا الكانم، وملكها مسلم، وبينه وبين بلاد مالي مسافة بعيدة جدّا، وقاعدة ملكه بلدة اسمها جيمي (¬a)، وأوّل مملكته من جهة مصر بلدة اسمها زلا (¬b)، وآخرها طولا بلدة يقال لها كاكا، وبينهما نحو ثلاثة أشهر.
وهم يتلثّمون، وملكهم متحجّب لا يرى إلاّ يومي العيدين، بكرة وعند العصر، وطول السّنة لا يكلّمه أحد إلاّ من وراء حجاب.
وغالب عيشهم الأرز، وهو ينبت من غير بذر. وعندهم القمح والذّرة والتّين واللّيمون والباذنجان واللّفت والرّطب. ويتعاملون بقماش ينسج عندهم اسمه دندي، طول كلّ ثوب عشرة أذرع، يشترون به من ربع ذراع فأكثر. ويتعاملون أيضا بالودع والخرز والنّحاس المكسّر والورق، وجميع ذلك بسعر ذلك القماش.
وفي جنوبها شعاري وصحاري فيها أشخاص متوحّشة كالفيول، قريبة من شكل الآدمي، لا يلحقها الفارس، تؤذي الناس. ويظهر في اللّيل أيضا شبه نار تضيء، فإذا مشى أحد ليلحقها بعدت عنه، ولو جرى إليها لا يصل إليها بل لا تزال أمامه، فإذا رماها بحجر فأصابها تشظّى منها شرر. وتعظم عندهم اليقطينة حتى تصنع منها مراكب يعبر فيها/ في النّيل.
وهذه البلاد بين إفريقية وبرقة ممتدّة في الجنوب إلى سمت الغرب الأوسط. وهي بلاد قحط وشطن وسوء مزاج. وأوّل من بثّ بها الإسلام الهادي العثماني، ادّعى أنّه من ولد عثمان بن عفّان ﵁ وصارت بعده لليزنيّين من بني سيف بن ذي يزن. وهم على مذهب الإمام مالك بن أنس ﵀ والعدل قائم بينهم، وهم يابسون في الدّين لا يلينون. وبنوا بمدينة مصر مدرسة للمالكية عرفت بمدرسة ابن رشيق في سني أربعين وستّ مائة، وصارت وفودهم تنزل بها، وسيرد ذكرها في المدارس إن شاء اللّه (١).
стр. 649
ذكر البجة
ويقال إنّهم من البربر اعلم أنّ أوّل بلد البجة، من قرية تعرف بالخربة معدن الزّمرّد في صحراء قوص (١). وبين هذا الموضع وبين قوص نحو من ثلاث مراحل. وذكر الجاحظ أنّه ليس في الدّنيا معدن للزّمرّد غير هذا الموضع.
وهو يوجد في مغاير بعيدة مظلمة، يدخل إليها بالمصابيح وبحبال يستدلّ بها على الرّجوع خوف الضّلال. ويحفر عليه بالمعاول فيوجد في وسط الحجارة وحوله غشيم دونه في الصّبغ والجوهر.
وآخر بلاد البجة أوّل بلاد الحبشة، وهم في بطن هذه الجزيرة - أعني جزيرة مصر - إلى سيف البحر الملح ممّا يلي جزائر سواكن وباضع ودهلك.
وهم بادية يتبعون الكلأ حيثما كان الرّعي بأخبية من جلود، وأنسابهم من جهة النّساء. ولكلّ بطن منهم رئيس، وليس عليهم متملّك ولا لهم دين (٢).
وهم يورّثون ابن البنت وابن الأخت دون ولد الصّلب، ويقولون إنّ ولادة ابن الأخت وابن البنت أصحّ، فإنّه إن كان من زوجها أو من غيره فهو ولدها على كلّ حال.
стр. 650
وكان لهم قديما رئيس يرجع جميع رؤسائهم إلى حكمه، يسكن قرية تعرف بهجر هي أقصى جزيرة البجة.
ويركبون النّجب الصّهب، وتنتج عندهم، وكذلك الجمال العراب كثيرة عندهم أيضا.
والمواشي من البقر والغنم والضّأن غاية في الكثرة عندهم. وبقرهم حسان ملمّعة بقرون عظام، ومنها جمّ، وكباشهم كذلك منمّرة ولها ألبان. وغذاؤهم اللّحم وشرب اللّبن، وأكلهم للخبز (¬a) قليل وفيهم من يأكله، وأبدانهم صحاح، وبطونهم خماص، وألوانهم مشرقة الصّفرة، ولهم سرعة في الجري يباينون بها النّاس.
وكذلك جمالهم شديدة العدو صبورة عليه وعلى العطش، يسابقون عليها الخيل، ويقاتلون عليها، وتدور بهم كما يشتهون، ويقطعون عليها من البلاد ما يتفاوت ذكره، ويتطاردون عليها في الحرب، فيرمي الواحد منهم الحربة فإن وقعت في الرّمية طار إليها الجمل فأخذها صاحبها، وإن وقعت في الأرض ضرب الجمل بجرانه الأرض فأخذها صاحبها.
ونبغ منهم في بعض الأوقات رجل يعرف بكلاز، شديد مقدام، وله جمل ما سمع بمثله في السّرعة، وكان أعور وصاحبه كذلك، التزم لقومه أنّه يشرف على مصلّى مصر يوم العيد، وقد قرب العيد قربا لا يكون للبلوغ إليها في مثله حقيقة، فوفّى بذلك، وأشرف على المقطّم، وضربت الخيل خلفه فلم يلحق.
وهذا هو الذي أوجب أن يكون في السّفح طليعة يوم العيد. وكان الطّولونيّة وغيرهم من أمراء مصر يوقفون في سفح الجبل المقطّم - ممّا يلي الموضع المعروف بالحبش - جيشا كثيفا مراعيا للناس حتى ينصرفوا من عيدهم في كلّ عيد.
وهم أصحاب ذمّة، فإذا غدر أحدهم رفع المغدور به ثوبا على حربة وقال: هذا غرس (¬b) فلان - يعني أنا الغادر (¬c) -، فتصير سيّئة عليه إلى أن يترضّاه.
وهم يبالغون في الضّيافة، فإذا طرق أحدهم الضّيف ذبح له، فإذا تجاوز ثلاثة نفر نحر لهم من أقرب الأنعام إليه سواء كانت له أو لغيره، وإن لم يكن شيء نحر راحلة الضّيف وعوّضه ما هو خير منها.
وسلاحهم الحراب السّباعيّة، مقدار طول الحديدة ثلاثة أذرع، والعود أربعة أذرع، وبذلك سمّيت سباعيّة؛ والحديدة في عرض السّيف لا يخرجونها من أيديهم إلاّ في بعض الأوقات، لأنّ
стр. 651
في آخر العود شيئا شبيها بالفلكة يمنع خروجها عن أيديهم. وصنّاع هذه الحراب نساء في موضع لا يختلط بهن رجل إلاّ المشتري منهن: فإذا ولدت إحداهنّ من الطّارقين لهن جارية استحيتها، وإن ولدت غلاما قتلته، ويقلن إنّ الرّجال بلاء وحرب.
ودرقهم من جلود البقرة مشعرة، ودرق مقلوبة تعرف بالأكسومية من جلود الجواميس - وكذلك الدّهلكية - ومن دابّة في البحر.
وقسيّهم عربيّة كبار غلاظ من السّدر والشّوحط، يرمون عليها بنبل مسموم. وهذا السّمّ يعمل من عروق شجر الغلقة يطبخ على النّار حتى يصير مثل الغرا. فإذا أرادوا تجربته شرط أحدهم جسده وسيّل الدّم ثم شمّمه هذا السّمّ، فإذا تراجع الدّم علم أنّه جيّد، ومسح الدّم لئلاّ يرجع إلى جسمه فيقتله. فإذا أصاب الإنسان قتل لوقته، ولو مثل شرطة الحجام. وليس له عمل في غير الجرح والدّم، وإن شرب منه لم يضرّ.
وبلدانهم كلّها معادن، وكلّما تصاعدت كانت أجود ذهبا وأكثر. وفيها معادن الفضّة والنّحاس والحديد والرّصاص وحجر المغنيطيس والمرقشيتا والجمشت والزّمرّد وحجارة بيشطا، فإذا بلّت الشّطية منها بزيت، وقدت/ مثل الفيلة، وغير ذلك مما شغلهم طلب معادن الذّهب عمّا سواه. والبجة لا تتعرّض لعمل شيء من هذه المعادن.
وفي أوديتهم شجر المقل والإهليلج والإذخر والشّيح والسّنا والحنظل وشجر البان، وغير ذلك. وبأقصى بلدهم النّخل وشجر الكرم والرّياحين، وغير ذلك ممّا لم يزرعه أحد. وبها سائر الوحش من السّباع والفيلة والنّمور والفهود والقردة وعناق الأرض والزباد، ودابّة تشبه الغزال حسنة المنظر لها قرنان على لون الذّهب، قليلة البقاء إذا صيدت، ومن الطّيور الببّغا والنّقيط والنّوبي والقماري ودجاج الحبش وحمام بازين، وغير ذلك.
وليس منهم رجل إلاّ منزوع البيضة اليمنى، وأمّا النّساء فمقطوع أشفار فروجهنّ، وأنّه يلتحم حتى يشقّ عنه للمتزوّج بمقدار ذكر الرّجل، ثم قلّ هذا الفعل عندهم. وقيل إنّ السّبب في ذلك أنّ ملكا من الملوك حاربهم قديما، ثم صالحهم وشرط عليهم قطع ثدي من يولد لهم من النّساء وقطع ذكور من يولد من الرّجال، أراد بذلك قطع النّسل منهم، فوفّوا بالشّرط، وقلبوا المعنى في أن جعلوا قطع الثّدي للرّجال والفروج للنّساء.
وفيهم جنس يقلعون ثناياهم ويقولون: لا نتشبّه بالحمير. وفيهم جنس آخر في آخر بلاد البجة يقال لهم البازة، نساء جميعهم يتسمّون باسم واحد، وكذلك الرّجال، فطرقهم في وقت رجل
стр. 652
مسلم له جمال، فدعا بعضهم بعضا وقالوا: هذا اللّه قد نزل من السّماء، وهو جالس تحت الشجرة، فجعلوا ينظرون إليه من بعد.
وتعظم الحيّات ببلدهم وتكثر أصنافها، ورئيت حيّة في غدير ماء قد أخرجت ذنبها والتفّت على امرأة وردت فقتلتها، فرئي شحمها قد خرج من دبرها من شدّة الضّغطة.
وبها حيّة ليس لها رأس، وطرفاها سواء، منقّشة ليست بالكبيرة، إذا مشى الإنسان على أثرها مات، وإذا قتلت وأمسك القاتل ما قتلها به من عود أو حربة في يده ولم يلقه من ساعته مات.
وقتلت حيّة منها بخشبة، فانشقّت الخشبة. وإذا تأمّل هذه الحيّة أحد وهي ميّتة أو حيّة أصابه ضررها.
وفي البجة شرّ وتسرّع إليه، ولهم في الإسلام وقبله أذيّة على شرق صعيد مصر، خرّبوا هناك قرى عديدة. وكانت فراعنة مصر تغزوهم وتوادعهم أحيانا لحاجتهم إلى المعادن، وكذلك الرّوم لمّا أن ملكوا مصر. ولهم في المعادن آثار مشهورة، وكان أصحابهم بها وقد فتحت مصر.
قال عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم: وتجمّع لعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح في انصرافه من النّوبة على شاطئ النّيل البجة، فسأل عن شأنهم فأخبر أن ليس لهم ملك يرجعون إليه، فهان عليه أمرهم وتركهم، فلم يكن لهم عقد ولا صلح.
وكان أوّل من هادنهم عبيد اللّه بن الحبحاب السّلولي. ويذكر أنّه وجد في كتاب ابن الحبحاب: لهم ثلاث مائة بكر في كلّ عام حين ينزلون الرّيف مجتازين، تجّارا غير مقيمين، على ألاّ يقتلوا مسلما ولا ذمّيّا، فإن قتلوه فلا عهد لهم. ولا يؤووا عبيد المسلمين، وأن يردّوا آبقيهم إذا وقعوا إليهم. ويقال إنّهم كانوا يؤاخذون بهذا، وبكلّ شاة أخذها البجاوي فعليه أربعة دنانير، وللبقرة عشرة، وكان وكيلهم مقيما بالرّيف رهينة بيد المسلمين (١).
ثم كثر المسلمون فى المعدن فخالطوهم وتزوّجوا فيهم.
وأسلم كثير من الجنس المعروف بالحدارب إسلاما ضعيفا، وهم شوكة القوم ووجوههم، وهم ممّا يلي مصر من أوّل حدّهم إلى العلاّقي وعيذاب المعبر منه إلى جدّة وما وراء ذلك (٢).
стр. 653
ومنهم جنس آخر يعرفون بالزّنافج، هم أكثر عددا من الحدارب، غير أنّهم تبع لهم، وخفراؤهم يحمونهم ويحبونهم المواشي. ولكلّ رئيس من الحدارب قوم من الزّنافج في حملته، فهم كالعبيد يتوارثونهم بعد أن كانت الزّنافج قديما أظهر عليهم (١).
ثم كثرت أذيّتهم على المسلمين، وكان ولاة أسوان من العراق، فرفع إلى أمير المؤمنين المأمون خبرهم، فأخرج إليهم عبد اللّه بن الجهم، فكانت له معهم وقائع، ثم وادعهم وكتب بينه وبين كنون، رئيسهم الكبير الذي يكون بقريتهم هجر المقدّم ذكرها (٢)، كتابا نسخته:
«هذا كتاب كتبه عبد اللّه بن الجهم مولى أمير المؤمنين، صاحب جيش الغزاة، عامل الأمير أبي إسحاق بن أمير المؤمنين الرّشيد أبقاه اللّه، في شهر ربيع الأوّل سنة ستّ عشرة ومائتين، لكنون بن عبد العزيز عظيم البجة بأسوان.
إنّك سألتني وطلبت إليّ أن أؤمّنك وأهل بلدك من البجة، وأعقد لك ولهم أمانا عليّ وعلى جميع المسلمين، فأجبتك إلى أن عقدت لك وعلى جميع المسلمين أمانا ما استقمت واستقاموا، على ما أعطيتني وشرطت لي في كتابي هذا.
وذلك أن يكون سهل بلدك وجبلها من منتهى حدّ أسوان من أرض مصر إلى حدّ ما بين دهلك وباضع ملكا للمأمون عبد اللّه بن هارون أمير المؤمنين أعزّه اللّه تعالى، وأنت وجميع أهل بلدك عبيد لأمير المؤمنين، إلاّ أنك تكون في بلدك ملكا على ما أنت عليه في البجة.
وعلى أن تؤدّي إليه الخراج في كلّ عام على ما كان عليه سلف البجة، وذلك مائة من الإبل، أو ثلاث مائة دينار وازنة داخلة في بيت المال، والخيار في ذلك لأمير المؤمنين ولولاته. وليس لك أن تخرم شيئا عليك من الخراج.
وعلى أنّ كلّ أحد منكم إن ذكر محمدا رسول اللّه صلى/ اللّه عليه وسلم أو كتاب الله أو دينه بما لا ينبغي أن يذكره به، أو قتل أحدا من المسلمين حرّا أو عبدا، فقد برئت منه الذّمّة: ذمّة اللّه، وذمّة رسوله ﷺ ،
стр. 654
وذمّة أمير المؤمنين أعزّه اللّه، وذمّة جماعة المسلمين، وحلّ دمه كما يحلّ دم أهل الحرب وذراريهم.
وعلى أن أحدا منكم إن أعان المحاربين على أهل الإسلام بمال، أو دلّه على عورة من عورات المسلمين أو أثر لعزّتهم، فقد نقض ذمّة عهده، وحلّ دمه.
وعلى أن أحدا منكم إن قتل أحدا من المسلمين عمدا أو سهوا أو خطأ، حرّا أو عبدا أو أحدا من أهل ذمّة المسلمين، أو أصاب لأحد من المسلمين أو أهل ذمّتهم مالا ببلد البجة، أو ببلاد الإسلام، أو ببلاد النّوبة، أو في شيء من البلدان برّا أو بحرا: فعليه في قتل المسلم عشر ديات، وفي قتل العبد المسلم عشر قيم، وفي قتل الذّمّي عشر ديات من دياتهم، وفي كلّ مال أصبتموه للمسلمين وأهل الذّمّة عشرة أضعافه. وإن دخل أحد من المسلمين بلاد البجة تاجرا أو مقيما أو مجتازا أو حاجّا، فهو آمن فيكم كأحدكم حتى يخرج من بلادكم.
ولا تؤووا أحدا من آبقي المسلمين، فإن أتاكم آت، فعليكم أن تردّوه إلى المسلمين.
وعلى أن تردّوا أموال المسلمين إذا صارت في بلادكم بلا مؤنة تلزمهم في ذلك.
وعلى أنّكم إن نزلتم ريف صعيد مصر لتجارة أو مجتازين، لا تظهرون سلاحا، ولا تدخلون المدائن والقرى بحال.
ولا تمنعوا أحدا من المسلمين الدّخول في بلادكم والتّجارة فيها برّا ولا بحرا، ولا تخيفوا السّبيل، ولا تقطعوا الطّريق على أحد من المسلمين ولا أهل الذّمّة، ولا تسرقوا لمسلم ولا ذمّي مالا.
وعلى ألاّ تهدموا شيئا من المساجد التي ابتنى المسلمون بصنجة (¬a) وهجر، وبسائر بلادكم طولا وعرضا، فإن فعلتم ذلك فلا عهد لكم ولا ذمّة.
стр. 655
وعلى أنّ كنون بن عبد العزيز يقيم بريف صعيد مصر، وكيلا يفي للمسلمين بما شرط لهم من دفع الخراج، وردّ ما أصابه البجة للمسلمين من دم ومال.
وعلى أنّ أحدا من البجة لا يعترض حدّ القصر إلى قرية يقال لها قبان من بلد النّوبة حدّ الأعمدة.
عقد عبد اللّه بن الجهم مولى أمير المؤمنين لكنون بن عبد العزيز كبير البجة الأمان على ما سمّينا وشرطنا في كتابنا هذا، وعلى أن يوافي به أمير المؤمنين. فإن زاغ كنون أو عاث، فلا عهد له ولا ذمّة.
وعلى كنون أن يدخل عمّال أمير المؤمنين بلاد البجة لقبض صدقات من أسلم من البجة.
وعلى كنون الوفاء بما شرط لعبد اللّه بن الجهم، وأخذ بذلك عهد اللّه عليه بأعظم ما أخذ على خلقه من الوفاء والميثاق.
ولكنون بن عبد العزيز ولجميع البجة عهد اللّه وميثاقه، وذمّة أمير المؤمنين، وذمّة الأمير أبي إسحاق بن أمير المؤمنين الرّشيد، وذمّة عبد اللّه بن الجهم، وذمّة المسلمين، بالوفاء بما أعطاه عبد اللّه بن الجهم ما وفّى كنون ابن عبد العزيز بجميع ما شرط عليه. فإن غيّر كنون أو بدّل أحد من البجة، فذمّة اللّه جلّ اسمه وذمّة أمير المؤمنين وذمّة الأمير أبي إسحاق ابن أمير المؤمنين الرّشيد وذمّة عبد اللّه بن الجهم وذمّة المسلمين بريئة منهم».
وترجم جميع ما في هذا الكتاب حرفا حرفا زكريا بن صالح المخزومي من سكّان جدّة، وعبد اللّه بن إسماعيل القرشي. ثم نسّق جماعة من شهود أسوان.
فأقام البجة على ذلك برهة، ثم عادوا إلى غزو الرّيف من صعيد مصر، وكثر الضّجيج منهم إلى أمير المؤمنين جعفر المتوكّل على اللّه، فندب لحربهم محمد بن عبد اللّه القمّي، فسأل أن يختار من الرّجال من أحبّ، ولم يرغب إلى الكثرة لصعوبة المسالك (١). فخرج إليهم من مصر في
стр. 656
عدّة قليلة ورجال منتخبة، وسارت المراكب في البحر؛ فاجتمع البجة لهم في عدد كثير عظيم قد ركبوا الإبل فهاب المسلمون ذلك، فشغلهم بكتاب طويل كتبه في طومار ولفّه بثوب، فاجتمعوا لقراءته، فحمل عليهم وفي أعناق الخيل الأجراس فنفرت الجمال بالبجة، ولم تثبت لصلصلة الأجراس، فركب المسلمون أقفيتهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وقتل كبيرهم.
فقام من بعده ابن أخيه، وبعث يطلب الهدنة، فصالحهم على أن يطأ بساط أمير المؤمنين؛ فسار إلى بغداد وقدم على المتوكّل بسرّ من رأى في سنة إحدى وأربعين ومائتين، فصولح على أداء الإتاوة والبقط، واشترط عليهم ألاّ يمنعوا المسلمين من العمل في المعدن.
وأقام القمّيّ بأسوان مدّة، وترك في خزائنها ما كان معه من السّلاح وآلة الغزو، فلم تزل الولاة تأخذ منه حتى لم يبقوا منه شيئا.
فلمّا كثر المسلمون في المعادن واختلطوا بالبجة قلّ شرّهم، وظهر التّبر لكثرة طلاّبه، وتسامع الناس به فوفدوا من البلدان، وقدم عليهم أبو عبد الرّحمن عبد اللّه بن عبد الحميد العمري، بعد محاربته النّوبة في سنة خمس وخمسين ومائتين، ومعه ربيعة وجهينة وغيرهم من العرب؛ فكثرت بهم العمارة في البجة، حتى صارت الرّواحل التي تحمل الميرة إليهم من أسوان ستين ألف راحلة، غير الجلاب التي تحمل من القلزم إلى عيذاب، ومالت البجة إلى ربيعة وتزوّجوا إليهم (١).
وقيل إنّ كهّان البجة قبل إسلام من أسلم منهم، ذكرت عن معبودهم الطّاعة لربيعة ولكنون معا، فهم على ذلك.
فلمّا قتل العمري، واستولت ربيعة على الجزائر، والاهم على ذلك البجة/، فأخرجت من خالفها من العرب، وتصاهروا إلى رؤساء البجة، وبذلك كفّ ضررهم عن المسلمين.
والبجة الداخلة في صحراء بلد علوة ممّا يلي البحر الملح إلى أوّل الحبشة، ورجالهم في الظّعن والمواشي واتّباع الرّعي والمعيشة والمراكب والسّلاح، كحال الحدارب، إلاّ أنّ الحدارب أشجع وأهدى من الدّاخلة على كفرهم من عبادة الشّيطان والاقتداء بكهّانهم.
ولكلّ بطن كاهن يضرب له قبّة من أدم معبدهم فيها؛ فإذا رأوا استخباره عمّا يحتاجون إليه، تعرّى ودخل إلى القبّة مستدبرا، ويخرج إليهم وبه أثر جنون وصرع، يقول: الشّيطان يقرئكم
стр. 657
السّلام، ويقول لكم ارحلوا عن هذه الحلّة فإنّ الرّهط الفلاني يقع بكم؛ وسألتم عن الغزو إلى بلد كذا، فسيروا فإنّكم تظفرون وتغنمون كذا وكذا، والجمال التي تأخذونها من موضع كذا هي لي، والجارية الفلانيّة التي تجدونها في الخباء الفلاني، والغنم التي من صفتها كذا، ونحو هذا القول.
فيزعمون أنّه يصدقهم في أكثر من ذلك، فإذا غنموا أخرجوا من الغنيمة ما ذكر، ودفعوه إلى الكاهن يتموّله، ويحرّمون ألبان نوقها على من لم يقبل. فإذا أرادوا الرّحيل، حمل الكاهن هذه القبّة على جمل مفرد، فيزعمون أنّ ذلك الجمل لا يثور إلاّ بجهد - وكذلك سيره - ويتصبّب عرقا، والخيمة فارغة لا شيء فيها.
وقد بقي في الحدارب جماعة على هذا المذهب، ومنهم من يتمسّك بذلك مع إسلامه.
قال مؤرّخ النّوبة، ومنه لخّصت ما تقدّم ذكره: وقد قرأت في خطبة الأجناس لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ ذكر البجة والكجة، ويقول عنهم: شديد كلبهم، قليل سلبهم. فالبجة كذلك، وأمّا الكجة فلا أعرفهم. انتهى ما ذكره عبد اللّه بن أحمد مؤرّخ النّوبة.
وقال أبو الحسن المسعودي: فأمّا البجة فإنّها نزلت بين بحر القلزم ونيل مصر، وتشعّبوا فرقا وملّكوا عليهم ملكا. وفي أرضهم معادن الذّهب - وهو التّبر - ومعادن الزّمرّد. وتتّصل سراياهم ومناسرهم على النّجب إلى بلاد النّوبة، فيغيرون (¬a) ويسبون؛ وقد كانت النّوبة قبل ذلك أشدّ من البجة إلى أن قوي الإسلام وظهر، وسكن جماعة من المسلمين معدن الذّهب وبلاد العلاّقي وعيذاب، وسكن في تلك الدّيار خلق من العرب من ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، فاشتدّت شوكتهم وتزوّجوا من البجة، فقويت البجة، ثم صاهرها قوم من ربيعة، فقويت ربيعة بالبجة على من ناوأها وجاورها من قحطان وغيرهم ممّن سكن تلك الديار.
وصاحب المعدن في وقتنا هذا (١) - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة - أبو مروان بشر بن إسحاق وهو من ربيعة (¬b)، يركب في ثلاثة آلاف ألف من ربيعة وأحلافها من مصر واليمن، وثلاثين ألف حرّاب على النّجب من البجة في الحجف البجاويّة (¬c)، وهم الحداربه (¬d)، وهم
стр. 658
مسلمون من بين سائر البجة، والدّاخلة من البجة كفّار يعبدون صنما لهم (١).
والبجة المالكة لمعدن الزّمرّد يتصل ديارها بالعلاّقي، وهو معدن الذّهب، وبين العلاّقي والنّيل خمس عشرة مرحلة، وأقرب العمارة إليه مدينة أسوان.
وجزيرة سواكن أقلّ من ميل في ميل، وبينها وبين البحر الحبشي بحر قصير يخاض. وأهلها طائفة من البجة تسمّى الخاس، وهم مسلمون، ولهم بها ملك.
وقال الهمدانيّ: نكح كنعان بن حام أرتيب بنت تباويل (¬a) بن ترس بن يافث، فولدت له حقا والأساوذ ونوبة وفزّان (¬b) والزّنج والزّغاوة وأجناس السّودان (٢).
وقيل البجة من ولد حام بن نوح، وقيل من ولد كوش بن كنعان بن حام.
وقيل البجة قبيلة من الحبش أصحاب أخبية من شعر، وألوانهم أشدّ سوادا من الحبشة، يتزيّون بزيّ العرب. وليس لهم مدن ولا قرى ولا مزارع، ومعيشتهم ممّا ينقل إليهم من أرض الحبشة وأرض مصر والنّوبة.
وكانت البجة تعبد الأصنام، ثم أسلموا في إمارة عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، وفيهم كرم وسماحة.
وهم قبائل وأفخاذ، لكلّ فخذ رئيس. وهم أهل نجعة، وطعامهم اللّحم واللّبن فقط.
ذكر مدينة أسوان (٣)
أسوان من قولهم أسى الرّجل يأسى أسى، إذا حزن. ورجل أسيان وأسوان، أي حزين.
وأسوان في آخر بلاد الصّعيد، وهي ثغر من ثغور الإقليم يفصل بين النّوبة وأرض مصر.
стр. 659
وكانت كثيرة الحنطة وغيرها من الحبوب والفواكه والخضراوات والبقول. وكانت كثيرة الحيوان من الإبل والبقر والغنم، ولحمانها هناك غاية في الطّيب والسّمن. وكانت أسعارها أبدا رخيصة، وبها تجارات وبضائع تحمل منها إلى بلاد النّوبة.
ولا يتّصل بأسوان من شرقها بلد إسلاميّ، وفي جنوبها جبل به معدن الزّمرّد، وهو في برّيّة منقطعة عن العمارة، وعلى خمسة عشر يوما من أسوان معدن الذّهب.
ويتّصل بأسوان من غربيها الواحات، ويسلك من أسوان إلى عيذاب، ويتوصّل من عيذاب إلى الحجاز وإلى اليمن والهند.
(¬a)) قال المسعوديّ: ومدينة أسوان يسكنها خلق من العرب من قحطان/ ونزار بن ربيعة ومضر وخلق كثير من قريش، وأكثرهم من الحجاز. والبلد كثير النّخل خصيب كثير الخير تودع النّواة في الأرض، فتنبت نخلة، ويؤكل من ثمرها بعد سنتين.
ولمن بأسوان [من المسلمين] (¬b) ضياع كثيرة داخلة بأرض النّوبة، يؤدّون خراجها إلى ملك النّوبة، وابتيعت هذه الضّياع من النّوبة في صدر الإسلام في دولة بني أميّة وبني العبّاس.
وقد كان ملك النّوبة استعدى المأمون - حين دخل مصر - على هؤلاء القوم، بوفد وفدهم إلى الفسطاط ذكروا عنه أنّ أناسا من أهل مملكته وعبيده باعوا ضياعا من ضياعهم ممّن جاورهم من أهل أسوان، وأنها ضياعه والقوم عبيد لا أملاك لهم، وإنّما تملّكهم على هذه الضّياع تملّك العبيد العامرين فيها؛ فجعل المأمون أمرهم إلى الحاكم بمدينة أسوان، ومن بها من أهل العلم والشّيوخ.
وعلم من ابتاع هذه الضّياع من أهل أسوان أنّها ستنزع من أيديهم، فاحتالوا على ملك النّوبة بأن يقدّموا إلى من ابتيع منهم من النّوبة أنهم إذا حضروا حضرة الحاكم ألاّ يقرّوا لملكهم بالعبودية، وأن يقولوا: سبيلنا معاشر النّوبة سبيلكم مع ملككم، يجب علينا طاعته وترك مخالفته، فإن كنتم أنتم عبيدا لملككم وأموالكم له، فنحن كذلك.
فلمّا جمع الحاكم بينهم وبين صاحب الملك، أتوا بهذا الكلام للحاكم ونحوه مما أوقفوهم عليه من هذا المعنى، فمضى البيع - لعدم إقرارهم بالرّق لملكهم - إلى هذا الوقت، وتوارث الناس تلك الضّياع بأرض النّوبة من بلاد مريس.
стр. 660
وصار النّوبة أهل مملكة هذا الملك نوعين: من وصفنا أحرار غير عبيد، والنّوع الآخر من أهل مملكته عبيد، وهم من سكن النّوبة في غير هذه البلاد المجاورة لأسوان، وهي بلاد مريس (١).
قال: وأمّا النّوبة فافترقت فرقتين: فرقة في شرق النّيل وغربه، فأناخت على شاطئه، واتّصلت ديارها بديار القبط من أرض صعيد مصر، واتّسعت مساكن النّوبة على شاطئ النّيل مصعدة، ولحقوا بقريب من أعاليه، وبنوا (¬a) دار مملكة، وهي مدينة عظيمة تدعى دنقلة. والفرقة الأخرى من النّوبة يقال لها علوة، وبنوا مدينة عظيمة سمّوها سوبة (¬b).
والبلد المتّصل مملكته بأرض أسوان يعرف بمريس، وإليه تضاف الرّيح المريسيّة، وعمل هذا الملك متّصل بأعمال مصر من أرض الصّعيد ومدينة أسوان (٢).
قال: وفي الجانب الشّرقي من صعيد مصر جبل رخام عظيم كانت الأوائل تقطع منه العمد وغيرها. فأمّا العمد والقواعد والرّؤوس التي يسمّيها أهل مصر «الأسوانيّة»، ومنها حجارة الطّواحين، فتلك نقرها الأوّلون قبل حدوث النّصرانيّة بمئين من السّنين، ومنها العمد التي بالإسكندرية (٣).
وفي ذي الحجّة سنة أربع وأربعين وثلاث مائة أغار ملك النّوبة على أسوان، وقتل جمعا من المسلمين، فخرج إليه محمد بن عبد اللّه الخازن على عسكر مصر من قبل أونوجور بن الإخشيد، في محرّم سنة خمس وأربعين، فساروا في البرّ والبحر، وبعثوا بعدّة من النّوبة أسروهم، فضربت أعناقهم بعد ما أوقع بملك النّوبة. وسار الخازن حتى فتح مدينة أبريم وسبى أهلها.
وقدم إلى مصر في نصف جمادى الأولى سنة خمس وأربعين بمائة وخمسين أسيرا وعدّة رؤوس (٤).
وقال القاضي الفاضل: إنّ متحصّل ثغر أسوان في سنة خمس وثمانين وخمس مائة بلغ خمسة وعشرين ألف دينار.
стр. 661
وقال الكمال جعفر الأدفوي: وكان بأسوان ثمانون رسولا من رسل الشّرع. وتحصّل من أسوان في سنة واحدة ثلاثون ألف أردبّ تمرا. وأخبرنا من وقف على مكتوب كان فيه أربعون شريفا خاصّة، وأن مكتوبا آخر رأى فيه ستين شريفا دون من عداهم؛ قال: ووقفت أنا على مكتوب فيه نحو من أربعين، مؤرّخ بما بعد العشرين وست مائة من الهجرة.
وكان بثغر أسوان بنو الكنز من ربيعة، أمراء ممدوحون مقصودون، صنع لهم الفاضل السّديد أبو الحسن بن عرّام سيرة ذكر فيها مناقبهم وأسماء من مدحهم ومن ورد عليهم.
ولمّا أرسل السّلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب جيشا إلى كنز الدّولة وأصحابه، ترحّلوا عن البلاد، فدخلوا بيوتهم فوجدوا بها قصائد من مدحهم، منها قصيدة أبي محمد الحسن بن الزّبير (١)، قال فيها:
[الطويل]
وينجده - إن خانه الدّهر أو سطا - … أناس إذا ما أنجد الذّلّ أتهموا
أجاروا فما تحت الكواكب خائف … وجادوا فما فوق البسيطة معدم
وأنّه أجازه عليها بألف دينار، ووقف عليه ساقية تساوي ألف دينار (٢).
وكان بأسوان رجال من العسكر مستعدون بالأسلحة لحفظ الثّغر من هجوم النّوبة والسّودان عليه؛ فلمّا زالت الدولة الفاطمية أهمل ذلك (٣)، فسار ملك النّوبة في عشرة آلاف، ونزل تجاه أسوان في جزيرة، وأسر من كان فيها من المسلمين.
ثم تلاشى بعد ذلك أمر الثّغر، واستولى عليه أولاد الكنز (٤) من بعد سنة تسعين وسبع مائة، فأفسدوا فسادا كبيرا، وكانت لهم مع ولاة أسوان عدّة حروب، إلى أن كانت المحن منذ سنة ستّ وثمان مائة، وخرب إقليم الصّعيد، فارتفعت يد السّلطنة عن ثغر أسوان، ولم يبق/ للسّلطان في مدينة أسوان وال، واتّضع حاله عدّة سنين.
стр. 662
ثم زحفت هوّارة في محرّم سنة خمس عشرة وثمان مائة إلى أسوان، وحاربت أولاد الكنز وهزموهم، وقتلوا كثيرا من النّاس، وسبوا ما هناك من النّساء والأولاد، واسترقّوا الجميع، وهدموا سور مدينة أسوان، ومضوا بالسّبي، وقد تركوها خرابا بيابا لا سكن بها. فاستمرّت على ذلك بعد ما كانت بحيث يقول عنها عبد اللّه بن أحمد بن سليم الأسواني في كتاب «أخبار النّوبة»: إنّ أبا عبد الرّحمن عبد اللّه بن عبد الحميد العمري لمّا غلب على المعدن، كتب إلى أسوان يسأل التّجّار الخروج إليه بالجهاز من طريق المعدن، فخرج إليه رجل يعرف بعثمان بن حنجلة التّميمي في ألف راحلة فيها الجهاز والبر.
وذكر أنّ العمريّ لمّا عاد إلى بلاد البجة بعد حروبه للنّوبة، كثرت العمارة حتى صارت الرّواحل التي تحمل الميرة إليهم من أسوان ستين ألف راحلة، غير الجلاب التي تحمل من القلزم إلى عيذاب (١).
قال: وممّا شاهده جماعة من شيوخنا الثّقات بأسوان بقرية تدعى أساشي، هي من أسوان على مرحلتين ونصف، أنهم رأوا شرقها من جانب النّيل قرية بسور وخارج بابها جمّيزة، وناس يدخلون ويخرجون، فإذا عبروا إلى الموضع لم يجدوا شيئا؛ وهذا يكون في الشّتاء دون الصّيف قبل طلوع الشّمس. والناس مجمعون على رؤيتها، وصحّة هذا الخبر.
وكان بها أنواع من التّمر، وأنواع من الرّطب، منها نوع من الرّطب أشدّ ما يكون من خضرة السّلق. وأمر هارون الرّشيد أن يجمع له من ألوان تمر أسوان من كلّ صنف تمرة واحدة، فجمع له ويبة، ولا يعرف في الدّنيا بسر يتتمّر قبل أن يصير رطبا إلاّ بأسوان.
ذكر بلاق
بلاق أجلّ حصن للمسلمين، وهي جزيرة تقرب من الجنادل محيط بها النّيل، فيها بلد كبير يسكنه خلق كثير من الناس. وبها نخل عظيم، ومنبر في جامع وإليها تنتهي سفن النّوبة وسفن المسلمين من أسوان. وبينها وبين القرية التي تعرف بالقصر - وهي أوّل بلد النّوبة - ميل واحد (٢).
وبينها وبين أسوان أربعة أميال. ومن أسوان إلى هذا الموضع جنادل في البحر لا تسلكها المراكب إلاّ بالحيلة ودلالة من يخبر ذلك من الصّيّادين الذين يصيدون هناك.
стр. 663
وبالقصر مسلحة وباب إلى بلد النّوبة (١).
ذكر حائط العجوز
هذا الحائط كان حصنا لأرض مصر يحدق بجميعها، وكان فيه محارس ومسالح، ومن ورائه خليج يجري فيه الماء، معقود عليه القناطر، عملته دلوكة بنت زبّاء، وقد وهى وتلاشى، ولم يبق منه إلاّ يسير في شطّ النّيل الشّرقي ينتهي إلى أسوان (٢).
قال أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم، في كتاب «فتوح مصر»: فبقيت مصر بعد غرقهم - يعني فرعون وجنوده - وليس فيها من أشراف أهلها أحد، ولم يبق بها إلاّ العبيد والأجراء والنّساء. فأعظم أشراف من بمصر من النّساء أن يولّين منهم أحدا، وأجمع رأيهنّ أن يولّين امرأة منهن يقال لها دلوكة بنت زبّاء، وكان لها عقل ومعرفة وتجارب، وكانت في شرف منهن وموضع، وهي يومئذ بنت مائة سنة وستين سنة؛ فملّكوها، فخافت أن يتناولها ملوك الأرض، فجمعت نساء الأشراف فقالت لهن: إنّ بلادنا لم يكن يطمع فيها أحد، ولا يمدّ عينه إليها، وقد هلك أكابرنا وأشرافنا، وذهب السّحرة الذين كنّا نقوى بهم. وقد رأيت أن أبني حصنا أحدق به جميع بلادنا، فأضع عليه المحارس من كلّ ناحية، فإنّا لا نأمن من أن يطمع فينا الناس.
فبنت جدارا أحاطت به على جميع أرض مصر كلّها، المزارع والمدائن والقرى، وجعلت دونه خليجا يجري فيه الماء، وأقامت القناطر والتّرع، وجعلت فيه محارس ومسالح، على كلّ ثلاثة أميال محرس ومسلحة، وفيما بين ذلك محارس صغارا على كلّ ميل.
وجعلت في كلّ محرس رجالا، وأجرت عليهم الأرزاق. وأمرتهم أن يجرّسوا بالأجراس، فإذا أتاهم أحد يخافونه ضرب بعضهم إلى بعض بالأجراس، فأتاهم الخبر
стр. 664
من أي وجه كان (¬a) فمنعت بذلك مصر ممّن أرادها.
وفرغت من بنائه في ستة أشهر. وهو الجدار الذي يقال له جدار العجوز بمصر، وقد بقيت بالصّعيد منه بقايا كبيرة. واللّه أعلم (١).
ذكر البقط
البقط ما يقبض من سبي النّوبة في كلّ عام، ويحمل إلى مصر ضريبة عليهم؛ فإن كانت هذه اللّفظة (¬b) عربيّة فهي إمّا من قولهم: في الأرض بقط من بقل وعشب، أي نبذ من مرعى، فيكون معناه على هذا: نبذة من المال، أو/ يكون من قولهم إنّ في بني تميم بقطا من ربيعة أي فرقة أو قطعة، فيكون معناه على هذا: فرقة من المال أو قطعة منه؛ ومنه بقط الأرض فرقة منها، وبقط الشّيء فرّقه؛ والبقط أن تعطي الحبّة على الثّلث أو الرّبع؛ والبقط أيضا ما سقط من التّمر إذا قطع فأخطأه المخلب (¬c)، فيكون معناه على هذا بعض ما في أيدي النّوبة.
وكان يؤخذ منهم في قرية يقال لها القصر، مسافتها من أسوان خمسة أميال فيما بين بلد بلاق وبلد النّوبة، وكان القصر فرضة لقوص (٢).
وأوّل ما تقرّر هذا البقط على النّوبة في إمارة عمرو بن العاص، لمّا بعث عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح بعد فتح مصر إلى النّوبة سنة عشرين - وقيل سنة إحدى وعشرين - في عشرين ألفا، فمكث بها زمانا، فكتب إليه عمرو يأمره بالرّجوع إليه.
فلمّا مات عمرو ﵁ نقض النّوبة الصّلح الذي جرى بينهم وبين عبد اللّه بن سعد، وكثرت سراياهم إلى الصّعيد فأخربوا وأفسدوا. فغزاهم مرّة ثانية عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح وهو على إمارة مصر في خلافة عثمان ﵁ سنة إحدى وثلاثين، وحصرهم بمدينة دنقلة حصارا شديدا، ورماهم بالمنجنيق - ولم تكن النّوبة تعرفه - وخسف بهم كنيستهم بحجر؛ فبهرهم ذلك وطلب ملكهم - واسمه قليدوروث - الصّلح، وخرج إلى عبد اللّه وأبدى ضعفا ومسكنة وتواضعا؛ فتلقّاه عبد اللّه ورفعه وقرّبه، ثم قرّر الصّلح معه على ثلاث مائة وستين
стр. 665
رأسا في كلّ سنة (١)، ووعده عبد اللّه بحبوب يهديها إليه لمّا شكا له قلّة الطّعام ببلده، وكتب لهم كتابا نسخته بعد البسملة:
«عهد من الأمير عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح لعظيم النّوبة ولجميع أهل مملكته، عهد عقده على الكبير والصّغير من النّوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة: أنّ عبد اللّه بن سعد جعل لهم أمانا وهدنة جارية بينهم وبين المسلمين ممّن جاورهم من أهل صعيد مصر وغيرهم من المسلمين وأهل الذّمّة.
إنّكم معاشر النّوبة آمنون بأمان اللّه وأمان رسوله محمد النّبيّ ﷺ ألاّ نحاربكم، ولا ننصب لكم حربا، ولا نغزوكم، ما أقمتم على الشّرائط التي بيننا وبينكم؛ على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه.
وعليكم حفظ من نزل بلدكم أو يطرقه من مسلم أو معاهد حتى يخرج عنكم. وإنّ عليكم ردّ كلّ آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين حتى تردّوه
стр. 666
إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه، ولا تمنعوا منه، ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه.
وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مصلّيا، وعليكم كنسه وإسراجه وتكرمته.
وعليكم في كلّ سنة ثلاث مائة وستّون رأسا تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم؛ تدفعون ذلك إلى والي أسوان.
وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم، ولا منعه عنكم من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان؛ فإن أنتم آويتم عبدا لمسلم، أو قتلتم مسلما أو معاهدا، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم، أو منعتم شيئا من الثلاث مائة رأس والستين رأسا، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان، وعدنا نحن وأنتم على سواء، ﴿حَتّى يَحْكُمَ اَللّهُ﴾ بيننا ﴿وَهُوَ خَيْرُ اَلْحاكِمِينَ﴾ [الآية ١٠٩ سورة يونس]؛ علينا بذلك عهد اللّه وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح وذمّة الحواريين وذمّة من تعظّمونه من أهل دينكم وملّتكم، اللّه الشّاهد بيننا وبينكم على ذلك.
كتبه عمرو بن شرحبيل (١) في رمضان سنة إحدى وثلاثين».
وكانت النّوبة دفعت إلى عمرو بن العاص ما صولحوا عليه من البقط قبل نكثهم، وأهدوا إلى عمرو أربعين رأسا من الرّقيق فلم يقبلها وردّ الهديّة إلى كبير القبط (¬a) - ويقال له نستقوس (¬b) - فاشترى له بذلك جهازا وخمرا ووجّهه إليه (٢).
стр. 667
وبعث إليهم عبد اللّه بن سعد ما وعدهم به من الحبوب: قمحا وشعيرا وعدسا، وثيابا، وخيلا. ثم تطاول الرّسم على ذلك فصار رسما يأخذونه عند دفع البقط في كلّ سنة، وصارت الأربعون رأسا التي أهديت إلى عمرو يأخذها والي مصر.
وعن أبي خليفة حميد بن هشام البحتري أنّ الذي صولح عليه النّوبة ثلاث مائة وستون رأسا لفيء المسلمين، ولصاحب مصر أربعون رأسا، ويدفع إليهم ألف أردبّ قمحا، ولرسله ثلاث مائة أردبّ، ومن الشّعير كذلك، ومن الخمر ألف أقنين (¬a)، للمتملّك ولرسله ثلاث مائة أقنين (¬a)، وفرسين من نتاج خيل الإمارة، ومن أصناف الثّياب مائة ثوب، ومن القباطي أربعة أثواب للمتملّك ولرسله ثلاثة، ومن البقطرية ثمانية أثواب، ومن المعلّمة خمسة أثواب، وجبّة مجمّلة للملك، ومن قمص أبي بقطر عشرة أثواب، ومن أحاصي عشرة أثواب، وهي ثياب غلاظ.
قال أبو خليفة: ليس في كتاب عبد اللّه بن وهب، ولا في كتاب الواقدي، تسمية ينتهى إليها، وإنّما أخذت التسمية من أبي زكريّا، قال أبو زكريّا: سمعت والدي عثمان (¬b) بن صالح يقول هذا الخبر، فحفظت منه ما وقفت عليه.
وقال: حضرت مجلس الأمير عبد اللّه بن طاهر، وهو على مصر، فقال/: أنت عثمان بن صالح الذي وجّهنا إليك في كتاب بقط النّوبة؟ قلت: نعم؛ فأقبل على محفوظ بن سليمان فقال: ما أعجب أمر هذه البلدة! وجّهنا إليهم نطلب علما من علومهم وإلى هذا الشّيخ، فما شفانا أحد منهم؛ فقلت: أصلح اللّه الأمير، إنّ الذي طلبت من خبر النّوبة عندي، قد حفظه شيوخ عن الشّيوخ الذين حضروا هناك، والهدنة والصّلح الذي جرى بين عبد اللّه بن سعد وبين النّوبة؛ ثم حدّثته عن أخبارهم كما سمعت، فأنكر عطيّة الخمر، فقلت: قد أنكرها عبد العزيز ابن مروان. وكان هذا المجلس بفسطاط مصر سنة إحدى عشرة ومائتين، بعد أن تمّ الصّلح بينه وبين عبد اللّه بن السّريّ بن الحكم التّميمي الأمير كان قبله.
قال عثمان بن صالح: فوجّه الأمير إلى الدّيوان بظهر المسجد الجامع بمصر، فاستخرج منه خبر النّوبة فوجده كما ذكرت، فسرّه ذلك.
стр. 668
وعن مالك بن أنس أنّه كان يرى أنّ أرض النّوبة إلى حدّ علوة صلح، وكان لا يجيز شراء رقيقهم، وكان أصحابه مثل عبد اللّه بن عبد الحكم وعبد اللّه بن وهب واللّيث بن سعد ويزيد بن أبي حبيب وغيرهم من فقهاء مصر يرون خلاف ذلك.
قال اللّيث بن سعد: نحن أعرف بأرض النّوبة من الإمام مالك بن أنس، إنّما صولحوا على ألاّ نغزوهم ولا نمنع منهم عدوّا، فما استرقّه متملّكهم أو غزا بعضهم بعضا فشراؤه جائز، وما استرّقه بغاة المسلمين وسرّاقهم فغير جائز. وكان عند جماعة منهم جوار نوبيّات لفرشهم.
ولم يزل النّوبة يؤدّون البقط في كلّ سنة، ويدفع إليهم ما تقدّم ذكره، إلى أيّام أمير المؤمنين المعتصم باللّه أبي إسحاق بن الرّشيد، وكبير النّوبة يومئذ زكرياء بن يحنّس. وكانت النّوبة ربّما عجزت عن دفع البقط، فشنّت الغارة عليهم ولاة المسلمين القريبون من بلادهم، ويمنع من إخراج الجهاز إليهم، فأنكر قيرقي ولد كبيرهم زكريّاء على أبيه بذله الطّاعة لغيره، واستعجزه فيما يدفع، فقال له أبوه: فما تشاء؟ قال: عصيانهم ومحاربتهم. قال أبوه: هذا شيء رآه السّلف من آبائنا صوابا، وأخشى أن يفضي هذا الأمر إليك فتقدم على محاربة المسلمين، غير أنّي أوجّهك إلى ملكهم رسولا، فأنت ترى حالنا وحالهم، فإن رأيت لنا بهم طاقة حاربناهم على خبرة، وإلاّ سألته الإحسان إلينا.
فشخص قيرقى إلى بغداد، وكانت البلدان تزيّن له ويسير على المدن، وانحدر بانحداره رئيس البجة بأسبابه، ولقيا المعتصم فنظرا إلى ما بهرهما من حال العراق في كثرة الجيوش وعظم العمارة مع ما شاهداه في طريقهما. فقرّب المعتصم قيرقي وأدناه، وأحسن إليه إحسانا تامّا، وقبل هديّته وكافأه بأضعافها، وقال له: تمنّ ما شئت؛ فسأله في إطلاق المحبوسين فأجابه إلى ذلك.
وكبر في عين المعتصم، ووهب له الدار التي نزلها بالعراق، وأمر أن يشترى له في كلّ منزل من طريقه دار تكون لرسلهم، فإنّه امتنع من دخول دار لأحد في طريقه، فأخذ له بمصر دار بالجيزة، وأخرى ببني وائل.
وأجرى لهم في ديوان مصر سبع مائة دينار، وفرسا وسرجا ولجاما، وسيفا محلّى، وثوبا مثقلا، وعمامة من الخزّ، وقميص شرب ورداء شرب، وثيابا لرسله غير محدودة عند وصول البقط إلى مصر، ولهم حملان وخلع على المتولّي لقبض البقط، وعليهم رسوم معلومة لقابض البقط والمنصرفين معه، وما يهدى إليهم بعد ذلك فغير محدود، وهو عندهم هديّة يجازون عليها.
стр. 669
ونظر المعتصم إلى ما كان يدفعه المسلمون فوجده أكثر من البقط، وأنكر عطيّة الخمر، وأجرى الحبوب والثّياب التي تقدّم ذكرها، وقرّر دفع البقط بعد انقضاء كلّ ثلاث سنين، وكتب لهم كتابا بذلك بقي في يد النّوبة.
وادّعى النّوبيّ على قوم من أهل أسوان أنّهم اشتروا أملاكا من عبيده، فأمر المعتصم بالنّظر في ذلك، فأحضر والي البلد والمختار للحكم فيه التابعين من النّوبة وسألاهم عمّا ادّعاه صاحبهم من بيعهم، فأنكروا ذلك وقالوا: نحن رعيّة، فزال ما ادّعاه.
وطلب أشياء غير ذلك من إزالة المسلحة المعروفة بالقصر عن موضعها إلى الحدّ الذي بينهم وبين المسلمين؛ لأنّ المسلحة على أرضهم، فلم يجبه إلى ذلك. ولم يزل الرّسم جاريا بدفع البقط على هذا التّقرير، ويدفع إليهم ما أجراه المعتصم، إلى أن قدمت الدولة الفاطمية إلى مصر (١)، ذكر ذلك مؤرّخ النّوبة.
وقال أبو الحسن المسعودي: والبقط هو ما يقبض من السّبي في كلّ سنة ويحمل إلى مصر ضريبة عليهم، وهو ثلاث مائة رأس وخمسة وستون رأسا لبيت المال (٢)، بشرط الهدنة بين النّوبة والمسلمين؛ وللأمير بمصر غير ما ذكرنا أربعون رأسا، ولخليفته المقيم بأسوان - وهو المتولّي لقبض البقط - عشرون رأسا، وللحاكم المقيم بأسوان الذي يحضر مع أمير أسوان قبض البقط خمسة أرؤس، ولاثني عشر شاهدا عدول من أهل أسوان يحضرون مع الحاكم لقبض البقط اثنا عشر رأسا من السّبي على حسب ما جرى به الرّسم في صدر الإسلام في بدء إيقاع الهدنة بين المسلمين والنّوبة (٣).
وقال البلاذري في كتاب «الفتوحات»: إنّ المقرّر على النّوبة أربع مائة رأس يأخذون بها طعاما - أي غلّة - وألزمهم أمير المؤمنين المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور ثلاث مائة وستين رأسا وزرافة (٤).
/ وفي سنة أربع وسبعين وستّ مائة كثر خبث داود متملّك النّوبة، وأقبل إلى أن قرب من مدينة أسوان، وحرق عدّة سواق بعدما أفسد بعيذاب فمضى إليه والي قوص فلم يدركه، وقبض
стр. 670
على صاحب الخيل في عدّة من النّوبة، وحملهم إلى السّلطان الملك الظّاهر بيبرس البندقداري بقلعة الجبل فوسّطهم.
وقدم شكندة (¬a) ابن أخت (¬b) متملّك النّوبة متظلّما من خاله داود، فجرّد السّلطان معه الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقاني الأستادّار، والأمير عزّ الدين أيبك الأفرم، وأمير جاندار، في جماعة كثيرة من العسكر ومن أجناد الولايات وعربان الوجه القبلي والزّرّاقين والرّماة ورجال الحراريق.
فساروا في أوّل شعبان من القاهرة حتى وصلوا إلى أرض النّوبة، فخرجوا إلى لقائهم على النّجب، بأيديهم الحراب وعليهم دكادك سود، فاقتتل الفريقان قتالا كبيرا، انهزم فيه النّوبة، وأغار الأفرم على قلعة الدّرّ، وقتل وسبى. وأوغل الفارقاني في أرض النّوبة برّا وبحرا يقتل ويأسر، فحاز من المواشي ما لا يعدّ، ونزل بجزيرة ميكائيل برأس الجنادل، ونفر المراكب من الجنادل. ففرّ النوبة إلى الجزائر، وكتب لقمر الدّولة نائب داود متملّك النّوبة أمانا، فحلف لشكندة (¬a) على الطّاعة، وأحضر رجال المريس ومن فرّ.
وخاض الأفرم إلى برج فى الماء وحصره حتى أخذه، وقتل به مائتين، وأسر أخا لداود، فهرب داود والعسكر في أثره مدّة ثلاثة أيام، وهم يقتلون ويأسرون، حتى أذعن القوم.
وأسرت أمّ داود وأخته، ولم يقدر على داود فتقرّر شكندة (¬c) عوضه، وقرّر على نفسه القطيعة في كلّ سنة ثلاث فيلة وثلاث زرافات وخمس فهود من إناثها، ومائة نجيب أصهب وأربعمائة رأس من البقر المنتجة، على أن تكون بلاد النّوبة نصفين: نصفها للسّلطان، ونصفها لعمارة البلاد وحفظها، ما خلا بلاد الجنادل، فإنّها كلّها للسّلطان لقربها من أسوان، وهي نحو الرّبع من بلاد النّوبة. وأن يحمل ما بها من التّمر والقطن والحقوق الجارية بها العادة من قديم الزّمان.
وأن يقوموا بالجزية ما بقوا على النّصرانية، فيدفع كلّ بالغ منهم في السنة دينارا عينا (١).