← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ذكر الطّريق فيما بين مدينة مصر ودمشق (١) اعلم أنّ البريد أوّل من رتّب دوابّه الملك دارا بن بهمن بن كيبشتاف بن لهراسف (¬a)، أحد ملوك الفرس. وأمّا في الإسلام فأوّل من أقام البريد أمير المؤمنين المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور، أقامه فيما بين مكّة والمدينة - (¬b)) على ساكنها أفضل الصّلاة والسّلام والتحيّة والإكرام (¬b) واليمن، وجعله بغالا وإبلا، وذلك في سنة ستّ وستين ومائة. وأصل هذه الكلمة «بريد ذنب» فإنّ دارا أقام في سكك البريد دوابّ محذوفة الأذناب سمّيت «بريد ذنب»، ثم عرّبت وحذف منها نصفها الأخير فقيل «بريد». وهذا الدّرب/ الذي يسلكه العساكر والتّجّار وغيرهم من القاهرة على الرّمل إلى مدينة غزّة، ليس هو الدّرب الذي يسلك في القديم من مصر إلى الشّام. ولم يحدث هذا الدّرب الذي يسلك فيه من الرّمل الآن إلاّ بعد الخمس مائة من سني الهجرة، عندما انقرضت الدّولة الفاطمية (٢). وكان الدّرب أوّلا قبل استيلاء الفرنج على سواحل البلاد الشّاميّة غير هذا؛ قال أبو القاسم عبيد اللّه بن عبد اللّه بن خرداذبه في كتاب «المسالك والممالك»: وصفة الأرض والطّريق من دمشق إلى الكسوة اثنا عشر ميلا، ثم إلى جاسم أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى فيق أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى طبريّة مدينة الأردنّ ستّة أميال، ومن طبريّة إلى اللّجون عشرون ميلا، ثم إلى القلنسوة عشرون ميلا، ثم إلى الرّملة مدينة فلسطين أربعة وعشرون ميلا، والطريق من الرّملة إلى أزدود اثنا عشر ميلا، ثم إلى غزّة عشرون ميلا، ثم إلى العريش أربعة وعشرون ميلا في رمل، ثم إلى الورّادة ثمانية عشر ميلا، ثم إلى أمّ العرب (٣) عشرون ميلا، ثم إلى الفرما أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى جرجير ثلاثون ميلا، ثم إلى الغاضرة (¬c) أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى

стр. 737

مسجد قضاعة ثمانية عشر ميلا، ثم إلى بلبيس أحد وعشرون ميلا، ثم إلى الفسطاط مدينة مصر أربعة وعشرون ميلا (١). فهذا كما ترى إنّما كان الدّرب المسلوك من مصر إلى دمشق، على غير ما هو الآن، فيسلك من بلبيس إلى الفرما في البلاد التي تعرف اليوم ببلاد السّباخ، من الحوف، ويسلك من الفرما - وهي بالقرب من قطية - إلى أمّ العرب - وهي بلاد خراب على البحر فيما بين قطية والورّادة، ويقصدها قوم من النّاس، ويحفرون في كيمانها فيجدون دراهم من فضّة خالصة، ثقيلة الوزن، كبيرة المقدار - ويسلك من أمّ العرب إلى الورّادة، وكانت بلدة في غير موضعها الآن، قد ذكرت في هذا الكتاب (٢). فلمّا خرج الفرنج من بحر القسطنطينيّة في سنة تسعين وأربع مائة لأخذ البلاد من أيدي المسلمين، وأخذ بغدوين [Boldwin] الشّوبك وعمّره في سنة تسع وخمس مائة، وكان قد خرب من تقادم السّنين، وأغار على العريش - وهو يومئذ عامر - بطل السّفر حينئذ من مصر إلى الشّام، وسار يسلك على طريق البرّ مع العرب مخافة الفرنج، إلى أن استنقذ السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب بيت المقدس من أيدي الفرنج في سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، وأكثر من الإيقاع بالفرنج، وافتتح منهم عدّة بلاد بالسّاحل، وصار يسلك هذا الدّرب على الرّمل (٣). فسلكه المسافرون من حينئذ إلى أن ولي ملك مصر الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب، فأنشأ بأرض السّباخ، على طرف الرّمل، بلدة عرفت إلى اليوم بالصّالحيّة وذلك في سنة أربع وأربعين وست مائة، وصار ينزل بها ويقيم فيها، ونزل بها من بعده الملوك (٤). فلمّا ملك مصر الملك الظّاهر بيبرس البندقداري، رتّب البريد في سائر الطّرقات، حتى صار الخبر يصل من قلعة الجبل إلى دمشق في أربعة أيّام ويعود في مثلها. فصارت أخبار الممالك ترد إليه في كلّ جمعة مرّتين، ويتحكّم في سائر ممالكه بالعزل والولاية وهو مقيم بالقلعة، وأنفق في ذلك

стр. 738

مالا عظيما، حتى تمّ ترتيبه. وكان ذلك في سنة تسع وخمسين وستّ مائة (١). وما زال أمر البريد مستمرّا فيما بين القاهرة ودمشق، يوجد بكلّ مركز من مراكزه عدّة من الخيول المعدّة للركوب - وتعرف بخيل البريد - وعندها عدّة سوّاس، وللخيل رجال يعرفون بالسّوّاقين، واحدهم سوّاق، يركب مع من رسم بركوبه خيل البريد ليسوق له فرسه ويخدمه مدّة مسيره. ولا يركب أحد خيل البريد إلاّ بمرسوم سلطاني، فتارة يمنع الناس من ركوبه إلاّ من انتدبه السّلطان لمهمّاته، وتارة يركبه من يريد السّفر من الأعيان بمرسوم سلطاني. وكانت طرق الشّام عامرة، يوجد بها عند كلّ بريد ما يحتاج إليه المسافر من زاد وعلف وغيره. ولكثرة ما كان فيه من الأمن أدركنا المرأة تسافر من القاهرة إلى الشّام بمفردها - راكبة أو ماشية - لا تحمل زادا ولا ماء. فلمّا أخذ تيمور لنك دمشق وسبى أهلها، وحرقها في سنة ثلاث وثمان مائة، خربت مراكز البريد واشتغل أهل الدّولة بما نزل بالبلاد من المحن، وما دهوا به من كثرة الفتن، عن إقامة البريد (٢)، فاختلّ بانقطاعه طريق الشّام خللا فاحشا؛ والأمر على ذلك إلى وقتنا هذا، وهو سنة ثمان عشرة وثمان مائة. ذكر مدينة حطّين هذه المدينة آثارها إلى اليوم باقية فيما بين حبوة والعاقولة بأرض العاقولة فيما بين قطية والعريش، تجاهها بميل ماء عذب تسمّيه العرب أبا العروق، وهو شرقيها (٣). وهذه المدينة تنسب إلى حطّين، ويقال حطّي بن الملك أبي جاد المديني. وأهل قطية اليوم يسمّون تلك الأرض ببلاد حطّين والجفر. وملك حطّين هذا أرض مصر بعد موت أبيه، وكان صاحب حرب وبطش، وكان ينزل بقلعة في جبال الأردنّ قريبا من طبريّة، وإليه تنسب قرية حطّين التي بها/ الآن قبر شعيب بالقرب من صفد (٤).

стр. 739

ذكر مدينة الرّقّة هذه المدينة من جملة مدائن مدين فيما بين بحر القلزم وجبل الطّور. كان بها عندما خرج موسى ﵇ ببني إسرائيل من مصر قوم من لخم آل فرعون يعبدون البقر، وإيّاهم عنى اللّه بقوله تعالى: ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ اَلْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ﴾ [الآية ١٣٨ سورة الأعراف]. قال قتادة: أولئك القوم من لخم، وكانوا نزولا بالرّقّة. وقيل كانت أصنامهم تماثيل البقر، ولهذا أخرج لهم السّامريّ عجلا. وآثار هذه المدينة باقية إلى اليوم، فيما بقي من مدينة فاران والقلزم ومدين وأيلة، تمرّ بها الأعراب (١). ذكر عين شمس (٢) (¬a) كانت عين شمس هيكلا يحجّ الناس إليه ويقصدونه من أقطار الأرض، في جملة ما كان يحجّ إليه من الهياكل التي كانت في قديم الدّهر. ويقال إنّ الصّابئة أخذت هذه الهياكل عن عاد وثمود، ويزعمون أنّه عن شيث بن آدم، وعن هرمس الأوّل - وهو إدريس - فإنّ (¬b) إدريس هو أوّل من تكلّم في الجواهر العلويّة والحركات النّجوميّة وبنى الهياكل ومجّد اللّه فيها.

стр. 740

ويقال إنّ الهياكل كانت عدّتها في الزّمن الغابر اثني عشر هيكلا، وهي: هيكل العلّة الأولى، وهيكل العقل، وهيكل السّياسة، وهيكل الصّورة، وهيكل النّفس - وكانت هذه الهياكل الخمسة مستديرات - والهيكل السّادس هيكل زحل وهو مسدّس، وبعده هيكل المشتري وهو مثلّث، ثم هيكل المرّيخ وهو مربّع، وهيكل الشّمس وهو أيضا مربّع، وهيكل الزّهرة وهو مثلّث مستطيل، وهيكل عطارد مثلّث في جوف مربّع مستطيل، وهيكل القمر مثمّن. وعلّلوا عبادتهم للهياكل بأن قالوا: لمّا كان صانع العالم مقدّسا عن صفات الحدوث وجب العجز عن إدراك جلاله، وتعيّن أن يتقرّب إليه عباده بالمقرّبين لديه، وهم الرّوحانيون، ليشفعوا لهم، ويكونوا وسائط لهم عنده. وعنوا بالرّوحانيين الملائكة، وزعموا أنّهم (¬a) المدبّرات للكواكب السّبعة السّيّارة في أفلاكها، وهي هياكلها، وأنّه لابدّ لكلّ روحاني من هيكل، ولابد لكلّ هيكل من فلك، وأنّ نسبة الرّوحاني إلى الهيكل نسبة الرّوح إلى الجسد. وزعموا أنّه لابدّ من رؤية المتوسّط بين العباد وبين بارئهم حتى يتوجّه إليه العبد بنفسه، ويستفيد منه. ففزعوا إلى الهياكل التي هي السّيّارات، فعرفوا بيوتها من الفلك، وعرفوا مطالعها ومغاربها واتّصالاتها، وما لها من الأيّام واللّيالي والسّاعات والأشخاص والصّور والأقاليم، وغير ذلك ممّا هو معروف في موضعه من العلم الرّياضي. وسمّوا هذه السّبعة السّيّارة أربابا وآلهة، وسمّوا الشّمس إله الآلهة وربّ الأرباب، وزعموا أنّها المفيضة على السّنة أنوارها، والمظهرة فيها آثارها. فكانوا يتقرّبون إلى الهياكل تقرّبا إلى الرّوحانيين لتقرّبهم إلى الباري، لزعمهم أنّ الهياكل أبدان الرّوحانيين، وكلّ من تقرّب إلى شخص فقد تقرّب إلى روحه. وكانوا يصلّون لكلّ كوكب يوما يزعمون أنّه ربّ ذلك اليوم، وكانت صلاتهم في ثلاثة أوقات: الأولى عند طلوع الشّمس، والثانية عند استوائها في الفلك، والثالثة عند غروبها. فيصلّون لزحل يوم السّبت، وللمشتري يوم الأحد، وللمرّيخ يوم الاثنين، وللشّمس يوم الثلاثاء، وللزهرة يوم الأربعاء، ولعطارد يوم الخميس، وللقمر يوم الجمعة.

стр. 741

ويقال إنّه كان ببلخ هيكل بناه بنو حمير على اسم القمر لتعارض به الكعبة، فكانت الفرس تحجّه وتكسوه الحرير، وكان اسمه نوبهر. فلما تمجّست الفرس عملته بيت نار، وقيل للموكّل بسدانته برمك - يعني والي مكّة وانتهت البرمكة إلى جدّ خالد جد جعفر بن يحيى بن خالد، فأسلم على يد هشام بن عبد الملك، وسمّاه عبد اللّه. وخرّب هذا الهيكل قيس بن الهيثم في أوّل خلافة معاوية سنة إحدى وأربعين. وكان بناء عظيما حوله أروقة وثلاث مائة وستون مقصورة لسكن خدّامه. وكان بصنعاء قصر غمدان من بناء الضّحّاك، وكان هيكل الزّهرة، وهدم في خلافة عثمان ابن عفّان. وكان بالأندلس، في الجبل الفارق بين جزيرة الأندلس، والأرض الكبيرة، هيكل المشتري من بناء كلوبطرة (¬a) بنت بطلميوس. وكان بفرغانة بيت يقال له كوشان (¬b) هيكل للشّمس، بناه بعض ملوك فارس الأول، خرّبه المعتصم. وقد اختلف فيمن بنى هيكل عين شمس، وسأقصّ من أخباره ما لم أره مجموعا في كتاب. قال ابن وصيف شاه: (¬c)) وكان يقال لها في القديم رعمساس (¬c) وقد كان الملك منقاوس إذا ركب عملوا بين يديه التّخاييل العجيبة، فيجتمع الناس ويعجبون من أعمالهم. وأمر أن يبنى له هيكل للعبادة يكون له/ خصوصا، ويجعل فيه قبّة فيها صورة الشّمس والكواكب، وجعل حولها أصناما وعجائب، فكان الملك يركب إليه، ويقيم فيه سبعة أيّام. وجعل فيه عمودين زبر عليهما تاريخ الوقت الذي عمله فيه - وهما باقيان إلى اليوم - وهو الموضع الذي يقال له عين شمس، ونقل إلى عين شمس كنوزا وجواهر وطلّسمات وعقاقير وعجائب، ودفنها بها وبنواحيها. وأقام ملكا إحدى وتسعين سنة، ومات من الطّاعون، وقيل من سمّ؛ وعمل له ناووس في صحراء الغرب، وقيل في غربيّ قوص، ودفن معه (¬d)) مصاحف الحكمة والصّنعة، وتماثيل الذّهب والجوهر، ومن الذّهب المضروب شيء كثير. ودفن معه (¬d) تمثال روحاني الشّمس من ذهب يلمع، وله جناحان من زبرجد، وصنم على صورة امرأته، وكان يحبّها؛ فلمّا ماتت أمر أن تعمل

стр. 742

صورتها في الهياكل كلّها، وعمل صورتها من ذهب بذؤابتين سوداوين، وعليها حلّة من جواهر منظومة وهي جالسة على كرسي. وكان يجعلها بين يديه في كلّ موضع يجلس فيه، يتسلّى بذلك عنها، فدفنت هذه الصّورة معه تحت رجليه كأنّها تخاطبه (١). وقال الحكيم الفاضل أحمد [بن القاسم] (¬a) بن خليفة [المعروف ب ابن أبي أصيبعة] (¬a) (٢) في كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء»: واشتاق فيثاغورس إلى الاجتماع بالكهنة الذين كانوا بمصر، فورد على أهل مدينة الشّمس - المعروفة في زماننا بعين شمس - فقبلوه قبولا كريها، وامتحنوه زمانا فلم يجدوا عليه نقصا ولا تقصيرا؛ فوجّهوا به إلى كهنة منف كي يبالغوا في امتحانه، فقبلوه على كراهة، واستقصوا امتحانه، فلم يجدوا عليه معيبا، ولا أصابوا له عثرة؛ فبعثوا به إلى أهل ديوسوليس (¬b) ليمتحنوه، فلم يجدوا عليه طريقا ولا إلى إدحاضه سبيلا [لعناية ملكهم به] (¬c)، فعرضوا (¬d) عليه فرائض صعبة كيما يمتنع من قبولها فيدحضوه، ويحرموه طلبته مخالفة لفرائض اليونانيين، فقبل ذلك وقام به؛ فاشتدّ إعجابهم به، وفشا بمصر ورعه، حتى بلغ ذكره إلى أماسيس ملك مصر، فأعطاه سلطانا على ضحايا الرّبّ وعلى سائر قرابينهم، ولم يعط ذلك لغريب قط (٣). ويقال إنّه كان للكواكب السّبعة السّيّارة هياكل، يحجّ الناس إليها من سائر أقطار الدنيا، وضعها القدماء، فجعلوا على اسم كلّ كوكب هيكلا في ناحية من نواحي الأرض. زعموا أنّ البيت الأوّل هو الكعبة، وأنّه مما أوصى إدريس - الذي يسمّونه هرمس الأوّل المثلّث (٤) - أن يحجّ إليه، وزعموا أنّه منسوب لزحل. والبيت الثّاني بيت المرّيخ، وكان

стр. 743

بمدينة صور من السّاحل الشّامي. والبيت الثّالث للمشتري، وكان بدمشق، بناه جيرون بن سعد بن عاد، وموضعه الآن جامع بني أميّة. والبيت الرّابع بيت الشّمس بمصر، ويقال إنّه من بناء هوشنك (¬a)، أحد ملوك الطّبقة الأولى من ملوك الفرس، وهو المسمّى بعين شمس. والبيت الخامس بيت الزّهرة، وكان بمنبج (¬b). والبيت السّادس بيت عطارد، وهو بصيدا من ساحل البحر الشّامي. والبيت السّابع بيت القمر، وكان بحرّان - ويقال إنّه قلعتها - ويسمّى المدوّر، ولم يزل عامرا إلى أن خرّبه التّتر؛ ويقال إنّه كان هو هيكل الصّابئة الأعظم. وقال شافع بن عليّ في كتاب «عجائب البنيان» (¬c): وعين شمس مدينة صغيرة، تشاهد سورها محدقا بها مهدوما، ويظهر من أمرها أنّها كانت بيت عبادة. وفيها من الأصنام الهائلة العظيمة الشّكل، من نحيت الحجارة، ما يكون طول الصّنم بقدر ثلاثين ذراعا، وأعضاؤه على تلك النّسبة من العظم، وكلّ هذه الأصنام قائمة على قواعد، وبعضها قاعد على نصبات عجيبة وإتقانات محكمة؛ وباب المدينة موجود إلى الآن (¬d). وعلى معظم تلك الحجارة تصاوير على شكل الإنسان وغيره من الحيوان، وكتابة كثيرة بالقلم المجهول، وقلّما ترى حجرا غفلا (¬e) من كتابة أو نقش أو صورة. وفي هذه المدينة المسلّتان المشهورتان، وتسمّيان مسلّتي فرعون. وصفة المسلّة قاعدة مربّعة، طولها عشرة أذرع في مثلها عرضا في نحوها سمكا، قد وضعت على أساس ثابت في الأرض، ثم أقيم عليها عمود مثلّث مخروط ينيف طوله على مائة ذراع، يبتدئ من القاعدة لعلّ (¬f) قطرها خمسة أذرع، وينتهي إلى نقطة، وقد لبّس رأسها بقلنسوة نحاس إلى نحو ثلاثة أذرع منها كالقمع، وقد تزنجر بالمطر وطول المدّة، واخضرّ وسال من خضرته على بسيط المسلّة، وكلّها عليها كتابات بذلك القلم. وكانت المسلّتان قائمتين، ثم خربت إحداهما، وانصدعت من نصفها لعظم الثّقل، وأخذ النّحاس من رأسها. ثم إنّ حولها من الأصنام شيئا كثيرا لا يحصى عدده، على نصف تلك العظمى أو ثلثها (¬g)، وقلّما يوجد في هذه المسال الصّغار ما هو قطعة واحدة، بل فصوصها بعضها

стр. 744

على بعض، وقد تهدّم أكثرها وإنّما بقيت قواعدها (١). وقال محمد بن إبراهيم الجزريّ في «تاريخه» (٢): وفي رابع شهر رمضان - يعني من سنة ستّ وخمسين وست مائة - وقعت إحدى مسالّ (¬a) فرعون، التي بأراضي المطريّة من ضواحي القاهرة، فوجدوا داخلها مائتي قنطار من نحاس، وأخذ من رأسها عشرة آلاف دينار. ويقال إنّ عين شمس بناها الوليد بن دومغ من الملوك العماليق؛ وقيل بناها الرّيّان بن الوليد، وكانت سرير ملكه. والفرس تزعم أنّ هوشنك (¬b) بناها. ويقال طول العمودية مائة ذراع، وقيل/ أربعة وثمانون ذراعا، وقيل خمسون ذراعا. ويقال إنّ بخت نصّر هو الذي خرّب عين شمس لمّا دخل إلى مصر. وقال القضاعيّ: وعين شمس - وهي هيكل الشّمس - بها العمودان اللذان لم ير أعجب منهما ولا من شأنهما، طولهما في السّماء نحو من خمسين ذراعا، وهما محمولان على وجه الأرض، وبينهما صورة إنسان على دابّة، وعلى رأسهما شبه الصّومعتين من نحاس؛ فإذا جاء النّيل قطر من رأسيهما ما تستبينه وتراه منهما واضحا ينبع حتى يجري من أسافلهما، فينبت في أصلهما العوسج وغيره. وإذا دخلت الشّمس دقيقة من الجدي - وهو أقصر يوم في السّنة - انتهت إلى الجنوبي منهما، فطلعت عليه على قمّة رأسه. ثم إذا دخلت دقيقة من السّرطان - وهو أطول يوم في السّنة - انتهت إلى الشّمالي منهما، فطلعت على قمّة رأسه؛ وهما منتهى الميلين، وخطّ الاستواء في الواسطة منهما، ثم خطرت بينهما ذاهبة وجائية سائر السّنة، كذا يقول أهل العلم بذلك (٣).

стр. 745

وقال ابن سعيد في كتاب «المغرب»: وكانت عين شمس، في قديم الزّمان، عظيمة الطّول والعرض، متّصلة البناء بمصر القديمة حيث مدينة الفسطاط الآن (١) (¬a)) ولمّا قدم عمرو بن العاص، نازل عين شمس - وكان جمع القوم - حتى فتحها (¬a). وقال جامع «السّيرة الطّولونيّة»: كان بعين شمس صنم بمقدار الرّجل المعتدل الخلق، من كذّان أبيض محكم الصّنعة، يتخيّل من استعرضه أنّه ناطق. فوصف لأحمد بن طولون، فاشتاق إلى تأمّله، فنهاه ندوسة عنه وقال: ما رآه وال قطّ إلاّ عزل. فركب إليه - وكان هذا في سنة ثمان وخمسين ومائتين - وتأمّله، ثم دعا بالقطّاعين وأمرهم باجتثاثه من الأرض، ولم يترك منه شيئا. ثم قال لندوسة خازنه: ياندوسة، من صرف منّا صاحبه؟ قال: أنت أيّها الأمير. وعاش بعدها أحمد اثنتي عشرة سنة أميرا (٢). وبنى العزيز باللّه نزار بن المعزّ قصورا بعين شمس (¬b) (٣). وقال أبو عبيد البكري: عين شمس - بفتح الشّين وإسكان ثانيه بعده سين مهملة - عين ماء معروفة. قال محمد بن حبيب: عين شمس حيث بنى فرعون الصّرح. وزعم قوم أنّ عبد (¬c) شمس إلى هذا الماء أضيف. وأوّل من سمّي هذا الاسم سبأ بن يشجب. وذكر الكلبيّ أنّ شمسا الذي تسمّوا به صنم قديم (٤).

стр. 746

وقال ابن خرداذبه: وأسطوانتين بعين شمس من أرض مصر، ومن بقايا أساطين كانت هناك، في رأس كلّ أسطوانة طوق من نحاس، يقطر من إحداهما ماء من تحت الطّوق إلى نصف الأسطوانة لا يجاوزه، ولا ينقطع قطره ليلا ولا نهارا، فموضعه من الأسطوانة أخضر رطب، ولا يصل الماء إلى الأرض. وهو من بناء أوشهنك (١). وذكر محمد بن عبد الرّحيم في كتاب «تحفة الألباب» أنّ هذا المنار مربّع علوّه مائة ذراع [من الرخام المجزّع الصّافي] (¬a) قطعة واحدة، محدّدة الرّأس على قاعدة من حجر، وعلى رأس المنار غشاء من صفر كالذّهب، فيه صورة إنسان على كرسي قد استقبل المشرق، ويخرج من تحت ذلك الغشاء الصّفر ماء يسيل مقدار عشرة أذرع، وقد نبت منه شيء كالطّحلب، فلا يبرح لمعان الماء على تلك الخضرة أبدا صيفا وشتاء، لا ينقطع ولا يصل إلى الأرض منه شيء (٢). وبعين شمس نبت يزرع كالقضبان يسمّى «البلسم»، يتّخذ منه دهن البلسان، لا يعرف بمكان من الأرض إلاّ هناك، وتؤكل لحى هذه القضبان فيكون له طعم، وفيه حرارة وحرافة لذيذة (¬b) (٣). وبناحية المطريّة، من حاضرة عين شمس، البلسان، وهو شجر قصار يسقى من ماء بئر هناك، وهذه البئر تعظّمها النّصارى، وتقصدها وتغتسل بمائها وتستشفي به. ويخرج لاعتصار البلسان - أوان إدراكه - من قبل السّلطان من يتولّى ذلك ويحفظه، ويحمل إلى الخزانة السّلطانيّة، ثم ينقل منه إلى قلاع الشّام والمارستانات لمعالجة المبرودين، ولا يؤخذ منه شيء إلاّ من خزانة السّلطان، بعد أخذ مرسوم بذلك. ولملوك النّصارى - من الحبشة والرّوم والفرنج - فيه غلوّ عظيم، وهم يتهادونه من صاحب مصر، ويرون أنّهم لا يصحّ عندهم لأحد أن يتنصّر إلاّ أن ينغمس في ماء المعموديّة ويعتقدون أنّه

стр. 747

لابدّ أن يكون في ماء المعموديّة شيء من دهن البلسان، ويسمّونه الميرون (١). وكان في القديم إذا وصل من الشّام خبر انتهى إلى صاحب عين شمس، ثم يرد من عين شمس إلى الحصن الذي عرف بقصر الشّمع حيث الآن مدينة مصر، ثم يرد من الحصن إلى مدينة منف حيث كانت منف تحت الملك. وسبب تعظيم النّصارى لدهن البلسان ما ذكره في كتاب «السّنكسار» (٢) - وهو يشتمل على أخبار النّصارى - أنّ المسيح لمّا خرجت به أمّه، ومعهما يوسف النّجّار، من بيت المقدس، فرارا من هيرودس ملك اليهود، نزلت به أوّل موضع من أرض مصر مدينة بسطة في رابع عشري بشنس، فلم يقبلهم أهلها، فنزلوا بظاهرها، وأقاموا أيّاما؛ ثم ساروا إلى مدينة سمنّود، وعدّوا النّيل إلى الغربيّة، ومشوا إلى مدينة الأشمونين، وكان بأعلاها إذ ذاك شكل فرس من نحاس قائم على أربعة أعمدة، فإذا قدم إليها غريب صهل، فجاءوا ونظروا في أمر القادم، فعندما وصلت مريم بالمسيح ﵇ إلى المدينة سقط الفرس المذكور وتكسّر/، فدخلت به أمّه. وظهرت له ﵇ في الأشمونين آية، وهو أنّ خمسة جمال محمّلة زحمتهم (¬a) في مرورهم، فصرخ فيها المسيح في الأشمونين، فصارت حجارة. ثم إنّهم ساروا من الأشمونين، وأقاموا بقرية تسمّى فيكس (¬b) مدّة أيّام، ثم مضوا إلى مدينة تسمّى قس قام (¬c) - وهي التي يقال لها اليوم القوصيّة - فنطق الشّيطان من أجواف الأصنام التي بها، وقال: إنّ امرأة أتت ومعها ولدها يريدون أن يخرّبوا بيوت معابدكم؛ فخرج إليهم مائة رجل بسلاحهم، وطردوهم عن المدينة. فمضوا إلى ناحية مير (¬d) في غربيّ القوصيّة، ونزلوا في الموضع الذي يعرف اليوم بدير المحرّق، وأقاموا به ستة أشهر وأياما، فرأى يوسف النّجّار في منامه قائلا يخبره بموت هيرودس، ويأمره أن

стр. 748

يرجع بالمسيح إلى القدس. فعادوا من مير (¬a) حتى نزلوا حيث الموضع الذي يعرف اليوم في مدينة مصر بقصر الشّمع، وأقاموا بمغارة تعرف اليوم بكنيسة بوسرجة (١). ثم خرجوا منها إلى عين شمس، فاستراحوا هناك بجوار ماء، فغسلت مريم من ذلك الماء ثياب المسيح وقد اتّسخت، وصبّت غسالتها بتلك الأراضي، فأنبت اللّه هنالك البلسان، وكان إذ ذاك بالأردن، فانقطع من هناك وبقي بهذه الأرض (٢). وعمرت (¬b) هذه البئر، التي هي الآن موجودة هناك، على ذلك الماء الذي غسلت منه مريم. وبلغني أنّها إلى الآن إذا اعتبرت يوجد ماؤها عينا جارية في أسفلها؛ فهذا سبب تعظيم النّصارى لهذه البئر وللبلسان، فإنّه إنّما يسقى (¬c) منها، واللّه أعلم. المنصورة هذه البلدة على رأس بحر أشموم (٣)، تجاه ناحية طلخا، بناها السّلطان الملك الكامل ناصر الدّين محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، في سنة ستّ عشرة وستّ مائة، عندما ملك الفرنج مدينة دمياط (٤). فنزل في موضع هذه البلدة وخيّم به، وبنى قصرا لسكناه، وأمر من معه من الأمراء والعساكر بالبناء، فبني هناك عدّة دور، ونصبت الأسواق، وأدار عليها سورا ممّا يلي البحر، وستره بالآلات الحربية والسّتائر. وسمّى (¬d) هذه المنزلة المدينة المنصورة، ولم يزل بها حتى

стр. 749

استرجع مدينة دمياط - كما تقدّم ذكره عند ذكر مدينة دمياط من كتابنا هذا - فصارت مدينة كبيرة، بها الحمّامات والفنادق والأسواق (١). ولمّا استنقذ الملك الكامل دمياط من الفرنج، ورحل الفرنج إلى بلادهم، جلس بقصره في المنصورة وبين يديه إخوته: الملك المعظم عيسى صاحب دمشق، والملك الأشرف موسى صاحب بلاد الشّرق، وغيرهما من أهله وخواصّه، فأمر الملك الأشرف جاريته (٢) فغنّت على عودها (٣): [الطويل] ولمّا طغى فرعون عكّا وقومه … وجاء إلى مصر ليفسد في الأرض أتى نحوهم موسى وفي يده العصا … فأغرقهم في اليمّ بعضا على بعض فطرب الأشرف، وقال لها: «باللّه كرّري»؛ فشقّ ذلك على الملك الكامل وأسكتها، وقال لجاريته: «غنّي أنت»، فأخذت العود وغنّت: [الطويل] أيا أهل دين الكفر قوموا لتنظروا … لما قد جرى في وقتنا وتجدّدا أعبّاد عيسى إنّ عيسى وقومه (¬a) … وموسى جميعا ينصران محمّدا وهذا البيت من قصيدة لشرف الدين بن حبّارة أوّلها: «أبى الوجد إلاّ أن أبيت مسهّدا» (¬b) فأعجب ذلك الملك الكامل، وأمر لكلّ من الجاريتين بخمس مائة دينار. فنهض القاضي الصّدر الأجلّ الرّئيس هبة اللّه بن محاسن قاضي غزّة - وكان من جملة الجلساء - على قدميه، وأنشد يقول: [الطويل] هنيئا فإنّ السّعد جاء مخلّدا … وقد أنجز الرّحمن بالنّصر موعدا حبانا إله الخلق فتحا لنا بدا … مبينا وإنعاما وعزّا مؤبّدا تهلّل وجه الأرض بعد قطوبه … وأصبح وجه الشّرك بالظّلم أسودا

стр. 750

ولمّا طغى البحر الخضمّ بأهله … الطّغاة وأضحى بالمراكب مزبدا أقام لهذا الدّين من سلّ عزمه … صقيلا كما سلّ الحسام المهنّدا فلم ينج إلاّ كلّ شلو مجدّل … ثوى منهم أو من تراه مقيّدا ونادى لسان الكون في الأرض رافعا … عقيرته في الخافقين ومنشدا أعبّاد عيسى إنّ عيسى وحزبه … وموسى جميعا ينصران محمّدا فكانت هذه اللّيلة بالمنصورة من أحسن ليلة مرّت لملك من الملوك (١). وكان عند إنشاده يشير، إذا قال عيسى، إلى/ عيسى المعظّم، وإذا قال موسى، إلى موسى الأشرف، وإذا قال محمّدا، إلى السّلطان الملك الكامل. وقد قيل إنّ الذي أنشد هذه الأبيات إنّما هو راجح الحلّي (¬a) الشّاعر (٢). العبّاسة هذه القرية فيما بين بلبيس والصّالحيّة من أرض السّدير، ولم تزل (¬b) متنزّها لملوك مصر، وبها ولد العبّاس بن أحمد بن طولون فسمّاه لذلك أبوه العبّاس، وولد بها أيضا الملك الأمجد تقيّ الدين عبّاس بن العادل أبي بكر بن أيّوب. وكان الملك الكامل محمد بن العادل يقيم بها كثيرا، ويقول: هذه قفل (¬c) مصر؛ إذا أقمت بها أصطاد الطّير من السّماء، والسّمك من الماء، والوحش من الفضاء، ويصل الخبز من قلعة الجبل إليّ بها في قلعتي، وهو سخن. وبنى بها آدرّا ومناظر وبساتين، وبنى أمراؤه بها أيضا عدّة مساكن في البساتين. ولم تزل العبّاسة على ذلك، حتى أنشأ الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب بن الكامل المنزلة الصّالحيّة، فتلاشى حينئذ أمر العبّاسة، وخربت المناظر في سلطنة الملك المعزّ أيبك (٣).

стр. 751

فلمّا كانت سلطنة الملك الظّاهر ركن الدين بيبرس، مرّ على السّدير - وهو فمّ الوادي - فأعجب به، وبنى في موضع اختاره، منه قرية سمّاها «الظّاهريّة»، وأنشأ بها جامعا، وذلك في سنة ستّ وستين وستّ مائة (١). وسمّيت بالعبّاسة بنت أحمد بن طولون، فإنّها خرجت إلى هذا الموضع مودّعة لبنت أخيها قطر النّدى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون، لمّا حملت إلى المعتضد، وضربت هناك فساطيطها، ثم بنيت (¬a) قرية فسمّيت باسمها (٢). ذكر مدينة قفط بصعيد مصر هذه المدينة بصعيد مصر عرفت (¬b) بقفطريم بن قبطيم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. وكانت في الدّهر الأوّل مدينة الإقليم، وإنّما بدأ خرابها بعد الأربع مائة من تاريخ الهجرة النبوية (¬c). وآخر ما كان فيها - بعد السّبع مائة من سني الهجرة - أربعون مسبكا للسكر، وست معاصر للقصب (٣). ويقال كان فيها قباب بأعالي دورها، تكون (¬d) إشارة من ملك من أهلها عشرة آلاف دينار، أن يجعل في داره قبّة. وبالقرب منها معدن الزّمرّد، ولم يبطل إلاّ من قريب. قفطريم (¬e) ولي الملك بعد أبيه قبطيم. قال ابن وصيف شاه: كان أكبر ولد أبيه، وكان جبّارا عظيم الخلق، وهو الذي وضع أساسات الأهرام الدّهشورية وغيرها، وهو الذي بنى مدينة دندرة

стр. 752

ومدينة الأصنام، وهلكت عاد بالرّيح في آخر أيّامه؛ وأثار من المعادن ما لم يثره غيره، وكان يتّخذ من الذّهب مثل حجر الرّحى، ومن الزّبرجد مثل الأسطوانة، ومن الأسباذشم في صحراء الغرب كالقلّة. وعمل من العجائب شيئا كثيرا، وبنى منارا عاليا على جبل قفط يرى منه البحر الشرقيّ، ووجد هناك معدن زئبق فعمل منه تمثالا كالعمود لا ينحلّ ولا يذوب. وعمل البركة التي سمّاها صيّادة الطّير، إذا مرّ عليها طائر سقط فيها، ولم يقدر على الحركة حتى يؤخذ. وهذه البركة يقال إنّها هناك إلى الآن، وأمّا المنار فسقط. وعمل عجائب كثيرة. وفي أيّامه أثار عبادة الأصنام التي كان الطّوفان غرّقها، وزيّن الشّيطان أمرها وعبادتها؛ ويقال إنّه بنى المدائن الدّاخلة وعمل فيها عجائب. وبنى غربيّ النّيل وخلف الواحات الدّاخلة، مدنا عمل فيها عجائب كثيرة، ووكّل بها الرّوحانيين الذين يمنعون منها، فما يستطيع أحد أن يدنو إليها ولا يدخلها إلاّ أن يعمل قرابين لأولئك الرّوحانيين. وأقام قفطريم ملكا أربع مائة وثمانين سنة، وأكثر العجائب عملت في وقته ووقت ابنه البودسير. ولذلك كان الصّعيد أكثر عجائب من أسفل الأرض (¬a)، لأنّ حيّز قفطريم فيه. ولمّا حضرت (¬b) قفطريم الوفاة، عمل له (¬c) ناووس في الجبل الغربي قرب مدينة الكهّان، في سرب تحت الأرض معقود على أزج إلى الأرض، ونقر تحت الجبل دارا واسعة، وجعل دورها خزائن منقورة، وفي سقفها مسارب للرّياح، وبلّط السّرب وجميع الدار بالمرمر؛ وجعل في وسط الدار مجلسا على ثمانية أركان، مصفّحا بالزّجاج الملوّن المسبوك، وجعل في سقفه جواهر تسرج، وجعل في كلّ ركن من أركان المجلس تمثالا من الذّهب بيده كالبوق الذي يبوق به؛ وتحت القبّة دكّة مصفّحة بذهب، ولها حواف من زبرجد، وفوق الدّكّة فرش من حرير، وجعل عليها جسده بعد أن لطّخ بالأدوية المجفّفة، ووضع في جانبه آلات كافور، وسدلت عليه ثياب منسوجة بالذّهب، ووجهه مكشوف، وعلى رأسه تاج مكلّل، وعن جوانب الدّكّة أربعة تماثيل مجوّفات من زجاج مسبوك، في صور النساء بأيديهن مراوح من ذهب، وعلى صدره من فوق الثّياب سيف فاخر قائمته من زبرجد. وجعل في تلك الخزائن من الذّخائر وسبائك الذّهب والتّيجان والجوهر وبراني الحكم وأصناف العقاقير والطّلّسمات ومصاحف العلوم ما لا يحصى كثرة.

стр. 753

وجعل/ على باب المجلس ديكا من ذهب، على قاعدة من زجاج أخضر، منشور الجناحين، مزبورا عليه آيات مانعة. وجعل على مدخل كلّ (¬a) أزج صورتين من نحاس بأيديهما سيفان، وقدّامهما بلاطة تحتها لوالب من وطئها ضرباه بأسيافهما فقتلاه، وفي سقف كلّ أزج كرة، وعليها لطوخ مدبّر، يسرج فيقد طول الزّمان. وسدّ باب الأزج بالأساطين المرصّصة، ورصوا على سقفه البلاط العظام، وردموا فوقها الرّمال، وزبروا على باب الأزج: «هذا المدخل إلى جسد الملك المعظّم، المهيب الكريم الشّديد قفطريم، ذي الأيد والفخر والغلبة والقهر، أفل نجمه، وبقي ذكره وعلمه، فلا يصل أحد إليه، ولا يقدر بحيلة عليه، وذلك لسبع مائة وسبعين ودورات مضت من السّنين» (١). وقال المسعوديّ: ومعدن الزّمرّد في عمل الصّعيد الأعلى من أعمال (¬b) مدينة قفط، ومنها يخرج إلى هذا المعدن، والموضع الذي هو فيه يعرف بالخربة، وهي مفازة (¬c) وجبال، والبجة تحمي هذا المكان المعروف بالخربة، وإليها يؤدّي الخفارات من يرد إلى حفر الزّمرّد (٢). ووجدت جماعة من صعيد مصر من ذوي الدّراية - ممّن اتّصلت معرفته بهذا المعدن، وعرف هذا النّوع من الجوهر - يخبرون أنّه يكثر ويقلّ في فصول السّنة، فيكثر في قوّة من (¬b) مواد الهواء وهبوب نوع من الرّياح الأربع، وتقوى الخضرة فيه والشّعاع النّوري في أوائل الشهر، والزّيادة في نور القمر. وبين الموضع المعروف بالخربة الذي فيه معدن الزّمرّد، وبين ما اتّصل من العمارة وقرب منه من الدّيار، مسيرة سبعة أيّام. وهي قفط وقوص وغيرهما من صعيد مصر، وقوص راكبة النّيل. وبين النّيل وقفط نحو من ميلين. ولمدينتي قفط وقوص أخبار عجيبة في بدء عمارتهما، وما كان في أيّام القبط من أخبارهما، إلاّ أنّ مدينة قفط في هذا الوقت متداعية للخراب، وقوص أعمر، والنّاس فيها أكثر (٣).

стр. 754

وكان بقفط بربا موكل بها روحانيّ في صورة جارية سوداء تحمل صبيّا أسود صغيرا، حكي أنّها رئيت بها مرارا. ومعدن الزّمرّد (١) في البرّ المتّصل بأسوان، وكان له ديوان فيه شهود وكتّاب، وينفق على العمال به، وتنال لهم المؤن لحفره، واستخراج الزّمرّد منه. وهو في جبال مرمّلة يحفر فيه، وربّما سقط على الجماعة به فماتوا. وكان يجمع ما يخرج منه، ويحمل إلى الفسطاط، ومنه يحمل إلى البلاد (٢). وقد كان الناس يسيرون من قوص إلى معدن الزّمرّد في ثمانية أيّام بالسّير المعتدل، وكانت البجاة تنزل حوله وقريبا منه لأجل القيام بخفره وحفظه. وهذا المعدن في الجبل الآخذ على شرقي النّيل، في بحري قطعة عظيمة من هذا الجبل تسمّى أقرشندة، وليس هناك من الجبال أعلى منها، وهو في منقطع من البرّ لا عمارة عنده ولا حوله ولا قريبا منه، والماء عنه مسيرة نصف يوم أو أزيد، وهو ما يتحصّل من المطر، ويعرف بغدير أعين، يكثر بكثرة المطر ويقلّ بقلّته. وهذا المعدن في صدر مغارة (¬a) طويلة في حجر أبيض يستخرج منه الزّمرّد، وهذا الحجر الأبيض ثلاثة أنواع: أحدها يقال له طلق كافوري، والثاني يقال له طلق فضّي، والثالث يقال له حجر جروي. ويضرب في هذه الحجارة حتى يخرج الزّمرّد، وهو كالعروق (¬b) فيه. وأنواعه الذّبابي (¬c)، وهو أقلّ من القليل، لا يخرج إلاّ في النّادر، وإذا استخرج ألقي في الزّيت الحار، ثم يحطّ في قطن، ويصرّ ذلك القطن في خرقة خام (¬d) أو نحوها. وكان الاحتراز على هذا المعدن كثيرا جدّا، ويفتّش الفعلة عند الخروج منه كلّ يوم حتى تفتّش عوراتهم، ومع ذلك فيختلسون منه بصناعات لهم في ذلك (٣).

стр. 755

ولم يزل هذا المعدن يستخرج منه الزّمرّد، إلى أن أبطل العمل منه الوزير الصّاحب علم الدين عبد اللّه بن زنبور، في أيّام الملك النّاصر حسن بن محمد بن قلاوون، في سنة بضع وستين وسبع مائة. وفي سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة، كانت فتنة كبيرة بمدينة قفط، سببها أنّ داعيا من بني عبد القوي ادّعى أنّه داود بن العاضد، فاجتمع الناس عليه، فبعث السّلطان صلاح الدّين يوسف ابن أيّوب أخاه الملك العادل أبا بكر بن أيّوب على جيش، فقتل من أهل قفط نحو ثلاثة آلاف، وصلبهم على شجرها ظاهر قفط بعمائمهم وطيالستهم. ذكر مدينة دندرة (١) أحد (¬a) مدن الصّعيد الأعلى القديمة، بناها قفطريم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇ وكان فيها بربا عظيمة فيها مائة وثمانون كوّة تدخل الشّمس في كلّ يوم من كوّة حتى تأتي على آخرها، ثم تكرّ راجعة إلى حيث بدأت. وكانت روحانيتها الموكّلة بها تظهر في هيئة إنسان له رأس أسد بقرنين. وكان بها أيضا شجرة - تعرف بشجرة العبّاس - متوسّطة، وأوراقها خضر مستديرة، إذا قال الإنسان عندها: يا شجرة العبّاس جاءك الفاس، تجتمع أوراقها وتحترق (¬b) لوقتها ثم تعود كما كانت. وبين دندرة وبين قوص بريد واحد. وكانت بربا دندرة أعظم من بربا إخميم (٢).

стр. 756

ذكر الواحات الدّاخلة الواحات منقطعة وراء الوجه القبلي في مغاربه، ولا تعدّ في الولايات ولا في الأعمال، ولا يحكم عليها من قبل السّلطان وال، وإنّما يحكم عليها من قبل مقطعها. وبلاد الواحات، بين مصر والإسكندرية والصّعيد والنّوبة والحبشة، بعضها داخل ببعض. وهو بلد قائم بنفسه غير متّصل بغيره، ولا مفتقر (¬a) إلى سواه. وفي (¬b) أرضها شبّيّة وزاجيّة، وعيون حامضة الطّعم تستعمل كاستعمال الخلّ، وعيون مختلفة الطّعوم من الحامض والقابض والملح. ولكلّ نوع منها خاصّية ومنفعة، وهي على قسمين: واحات داخلة، وواحات خارجة. جملتها أربع واحات. ويقال إنّ الواحات ولد (¬c) حويلا بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وأنّه أخو سبأ بن كوش أبو الحبش وأبو شقا بن كوش أبو زغاوة وأبو شخنتا (¬d) بن كوش أبو الدّقمدم (¬e). قال ابن وصيف شاه: ويقال إنّ قفطريم بنى المدائن الدّاخلة، وعمل فيها عجائب: منها الماء [الملفوف] (¬f) القائم كالعمود لا ينحلّ ولا يذوب، والبركة التي تسمّى فلسطين - أي صيّادة الطّير - إذا مرّ عليها الطّير سقط فيها، ولم يمكنه الخروج منها حتى يؤخذ. وعمل أيضا عمودا من نحاس عليه صورة طائر، إذا قرب الأسد أو الحيّات، أو غيرها من الأشياء المضرّة، من تلك المدينة، صفّر تصفيرا عاليا، فترجع تلك الدّواب هاربة. وعمل على أربعة أبواب هذه المدينة أربعة أصنام من نحاس، لا يقرب منها غريب إلاّ ألقي عليه النّوم والسّبات، فينام عندها، ولا يبرح حتى يأتيه أهل المدينة وينفخوا في وجهه ليقوم، وإن لم يفعلوا ذلك لا يزال نائما عند الأصنام حتى يهلك. وعمل منارا لطيفا من زجاج ملّوّن، على قاعدة من نحاس، وعمل على رأس المنار صورة صنم من أخلاط كثيرة، وفي يده كالقوس كأنّه يرمي عنها، فإن عاينه غريب وقف في موضعه، ولم يبرح حتى ينحّيه أهل المدينة. وكان ذلك الصّنم يتوجّه إلى مهبّ الرّياح الأربع من نفسه.

стр. 757

وقيل إنّ هذا الصّنم على حاله إلى الآن، وإنّ الناس تحاموا تلك المدينة - على كثرة ما فيها من الكنوز والعجائب الظاهرة - خوفا من ذلك الصّنم أن تقع عين إنسان عليه، فلا يزال قائما حتى يتلف. وكان بعض الملوك عمل على قلعه فما أمكنه، وهلك لذلك خلق كثير. ويقال إنّه عمل في بعض المدائن الدّاخلة مرآة يرى فيها جميع ما يسأل الإنسان عنه. وبنى غربي النّيل، وخلف الواحات الدّاخلة، مدنا عمل فيها عجائب كثيرة، ووكّل الرّوحانيين بها الذين يمنعون منها، فما يستطيع أحد أن يدنو إليها ولا يدخلها، أو يعمل قرابين أولئك الرّوحانيين، فيصل إليها حينئذ، ويأخذ من كنوزها ما أحبّ من غير مشقّة ولا ضرر (١). وبنى الملك صا بن أنساد - وقيل صا بن مرقونس - بداخل الواحات مدينة، وغرس حولها نخلا كثيرا، وكان يسكن منف، وملك الأحياز كلها، وعمل عجائب وطلّسمات، وردّ الكهنة إلى مراتبهم، ونفى الملهين وأهل الشّر ممّن كان يصحب أنساد بن مرقونس، وجعل على أطراف مصر أصحاب أخبار يرفعون إليه ما يجري في حدودهم، وعمل على غربيّ النّيل مناير يوقد عليها إذا حزبهم أمر أو قصدهم قاصد. وكان لمّا ملك البلد بأسره، جمع الحكماء إليه، ونظر في نجومه - وكان بها حاذقا - فرأى أنّ بلده لا بدّ أن تغرق بالطّوفان من نيلها، ورأى أنّها تخرب على يد رجل يأتي من ناحية الشّام، فجمع كلّ فاعل بمصر، وبنى في ألواح الأقصى مدينة، جعل طول حصنها في الارتفاع خمسين ذراعا، وأودعها جميع الحكم والأموال؛ وهي المدينة التي وقع عليها موسى بن نصير في زمن بني أميّة لمّا قدم من المغرب. فلمّا دخل مصر أخذ على ألواح الأقصى - وكان عنده علم منها - فأقام سبعة أيّام يسير في رمال بين الغرب والجنوب، فظهرت له مدينة عليها حصن وأبواب من حديد، فلم يمكنه فتح الأبواب. وكان إذا صعد إليها الرّجال، وعلوا الحصن وأشرفوا على المدينة، ألقوا بأنفسهم فيها، فلمّا أعياه أمرها مضى، وهلك من أصحابه عدّة (٢). قال: وفي تلك الصّحاري كانت متنزّهات القوم ومدنهم العجيبة وكنوزهم، إلاّ أنّ الرّمال غلبت عليها، ولم يبق يملك ملك إلاّ وقد عمل للرّمل طلّسما لدفعه، ففسدت طلّسماتها لقدم الزّمان (٣).

стр. 758

قال: ولا ينبغي لأحد أن ينكر كثرة بنيانهم، ولا مدائنهم ولا ما نصبوه من الأعلام العظام، فقد كان للقوم بطش لم يكن لغيرهم، وإنّ آثارهم لبيّنة، مثل الأهرام والأعلام والإسكندرية، وما في صحاري الشّرق، والجبال المنحوتة التي جعلوا كنوزهم فيها والأدوية المنحوتة، ومثل ما بالصّعيد من البرابي وما نقشوه عليها من حكمتهم؛ فلو تعاطى جميع ملوك الأرض أن يبنوا مثل الهرمين ما تهيّأ لهم، وكذلك أن ينقشوا بربا لطال بهم الأمد ولم يمكنهم. وحكي عن قوم من البنّائين، في ضياع الغرب، أنّ عاملا عندهم عنف بهم، ففرّوا في صحراء الغرب ومعهم زاد إلى أن تنصلح أحوالهم ويرجعوا؛ فلمّا كانوا على مسيرة يوم وبعض آخر، قدموا إلى سفح جبل، فوجدوا عيرا أهليّا قد خرج من بعض الشّعاب، فتبعه بعضهم، فانتهى إلى مساكن وأشجار ونخل ومياه تطّرد (١)، وقوم هناك/ يرعون ولهم مساكن، وكلّمهم وأعجب بهم. فجاء إلى أصحابه، وقدم بهم على أولئك القوم، فسألوهم عن حالهم فأخبروهم، وأقاموا عندهم حتى صلحت أحوالهم، وخرجوا ليأتوا بأهاليهم ومواشيهم ويقيموا عندهم، فساروا مدّة وهم لا يعرفون الطّريق ولا يتأتّى لهم العود، فأسفوا على ما فاتهم. وضلّ آخرون عن الطّريق في الغرب، فوقعوا على مدينة عامرة كثيرة النّاس والمواشي والنّخل والشّجر، فأضافوهم وأطعموهم وسقوهم، وباتوا في طاحونة، فسكروا من الشّراب وناموا، فلم ينتبهوا إلاّ من حرّ الشّمس، فإذا هم في مدينة خراب ليس فيها أحد؛ فخافوا وخرجوا، وظلّوا يومهم سائرين إلى المساء، فظهرت لهم مدينة أكبر من الأولى وأعمر: وأكثر أهلا وشجرا ومواشي، فأنسوا بهم وأخبروهم بخبر المدينة الأولى، فجعلوا يعجبون منهم ويضحكون، وانطلقوا بهم إلى وليمة لبعض أهل المدينة، فأكلوا وشربوا وغنّوهم (¬a) حتى سكروا. فلمّا كان من الغد انتبهوا، فإذا هم في مدينة عظيمة ليس فيها أحد، وحولها نخل قد تساقط ثمرة وتكدّس. فخرجوا، وهم يجدون ريح الشّراب ومعاني (¬b) الخمار، فساروا يوما إلى المساء، وإذا راع يرعى غنما، فسألوه عن الطّريق فدلّهم، فساروا بعض يوم من الغد، فوصلوا مدينة الأشمونين بالصّعيد.

стр. 759

قال: وهذه مدائن القوم الدّاخلة القديمة قد غلب عليها الجانّ، ومنها ما سترته عن العيون، فلا ينظر إليها أحد (١). وقال: إنّ البودسير بن قفطريم بن قبطيم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، في أيّامه بنيت بصحراء الغرب مناير ومتنزّهات، وحوّل إليها جماعة من أهل بيته، فعمّروا تلك النّواحي، وبنوا فيها حتى صارت أرض الغرب عامرة كلّها. وأقامت على ذلك مدّة كثيرة، فخالطهم البربر ونكحوا منهم، ثم تحاسدوا، فكانت بينهم حروب خربت فيها تلك الجهات وبادت، إلاّ بقيّة منازل تسمّى الواحات. ذكر مدينة سنتريّة ومدينة سنتريّة من جملة الواحات (٢)، بناها مناقيوش باني مدينة إخميم، كان أحد ملوك القبط القدماء (٣). قال ابن وصيف شاه: وكان في حزم أبيه وحنكته، فعظم في أعين أهل مصر. وهو أوّل من عمل الميدان، وأمر أصحابه برياضة أنفسهم فيه، وأوّل من عمل المارستان لعلاج المرضى والزّمنى، وأودعه العقاقير، ورتّب فيه الأطبّاء، وأجرى عليهم ما يسعهم، وأقام الأمناء على ذلك. وصنع لنفسه عيدا، فكان الناس يجتمعون إليه فيه، وسمّاه «عيد الملك» في يوم من السنة، فيأكلون ويشربون سبعة أيام، وهو مشرف عليهم من مجلس على عمد قد طوّقت بالذّهب، وألبست فاخر الثّياب المنسوجة بالذّهب، وعليه قبّة مصفّحة من داخل بالرّخام والزّجاج والذّهب. وفي أيّامه بنيت سنتريّة في صحراء الواحات، عملها من حجر أبيض مربّعة، وفي كلّ حائط باب في وسطه شارع إلى حائط محاذ له، وجعل في كلّ شارع يمنة ويسرة أبوابا تنتهي طرقاتها إلى داخل المدينة، وفي وسط المدينة ملعب يدور به من كلّ ناحية سبع درج، وعليه قبّة من

стр. 760

خشب مدهون، على عمد عظيمة من رخام، وفي وسطه منار من رخام، عليه صنم من صوّان أسود يدور مع الشّمس بدورانها، وبسائر نواحي القبّة صور معلّقة تصفّر وتصيح بلغات مختلفة. فكان الملك يجلس على الدّرجة العالية من الملعب وحوله بنوه وأقاربه وأبناء الملوك، وعلى الدّرجة الثانية رؤساء الكهنة والوزراء، وعلى الثالثة رؤساء الجيش، وعلى الرّابعة الفلاسفة والمنجّمون والأطبّاء وأرباب العلوم، وعلى الخامسة أصحاب العمارات، وعلى السّادسة أصحاب المهن، وعلى السّابعة العامّة. فيقال لكلّ صنف منهم: انظروا إلى من دونكم ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإنّكم (¬a) لا تلحقونهم، وهذا ضرب من التّأديب. وقتلته امرأته بسكين فمات، وكان ملكه ستين سنة (١). وسنتريّة الآن بلد صغير، يسكنه نحو ستّ مائة رجل من البربر يعرفون بسيوة، ولغتهم تعرف بالسيوية تقرب من لغة زنانة. وبها حدائق نخل، وأشجار من زيتون وتين وغير ذلك، وكرم كثير. وبها الآن نحو العشرين عينا تسيح بماء عذب. ومسافتها من الإسكندرية أحد عشر يوما، ومن جيزة مصر أربعة عشر يوما. وهي قرية يصيب أهلها الحمّى كثيرا، وثمرها غاية في الجودة، وتعبث الجنّ بأهلها كثيرا، وتختطف من انفرد منهم، وتسمع الناس بها عزيف الجنّ. ذكر الواحات الخارجة بناها أحد ملوك القبط الأول، ويقال له البودسير بن قفطيم بن قبطيم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. قال ابن وصيف شاه: وأراد البودسير أن يسير مغرّبا لينظر إلى ما هنالك، فوقع على أرض واسعة متحرّقة/ بالمياه والعيون كثيرة العشب، فبنى فيها مناير ومتنزّهات، وأقام فيها جماعة من أهل بيته، فعمّروا تلك النّواحي وبنوا فيها حتى صارت أرض الغرب عمارة كلّها. وأقامت كذلك مدّة كثيرة، وخالطهم البربر، فنكح بعضهم من بعض، ثم إنّهم تحاسدوا وبغى بعضهم

стр. 761

على بعض، فكانت بينهم حروب، فخرب ذلك البلد وباد أهله، إلاّ بقيّة منازل تسمّى الواحات (١). وقال المسعودي: وأمّا بلاد الواحات فهي بين بلاد مصر والإسكندرية وصعيد مصر والغرب وأرض الأحابش من النّوبة وغيرهم. وبها أرض شبّيّة وزاجيّة، وعيون حامضة وغير ذلك من الطّعوم. وصاحب الواحات في وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة - عبد الملك بن مروان، وهو رجل من لواته، إلاّ أنّه مرواني المذهب، ويركب في آلاف من النّاس خيلا ونجبا؛ وبينه وبين الأحابش نحو من ستة أيام، وكذلك بينه وبين سائر ما ذكرنا من العمائر هذا المقدار من المسافة. وفي أرضه خواصّ وعجائب، وهو بلد قائم بنفسه، غير متّصل بغيره ولا مفتقر (¬a) إليه. ويحمل من أرضه التّمر والزّبيب والعنّاب (٢). وحدّثني وكيل أبي الشّيخ المعمّر (¬b) حسام الدين عمرو بن محمد بن زنكي الشّهرزوري، أنّه سمع ببلاد الواحات أنّ فيها شجرة نارنج يقطف منها، في سنة واحدة، أربعة عشر ألف حبّة نارنج صفراء، سوى ما يتناثر وسوى ما هو أخضر. فلم أصدّق ذلك لغرابته، وقمت حتى شاهدت الشّجرة المذكورة، فإذا هي كأعظم ما يكون من شجر الجمّيز بمصر وأكبر. وسألت مستوفي البلد عنها، فأحضر إليّ جرائد حسباناته، وتصحّفها حتى أوقفني منها في سنة كذا قطف من النّارنجة الفلانية أربعة عشر ألف حبّة نارنج مستوية صفراء، سوى ما بقي عليها من الأخضر، وسوى ما تناثر منها وهو صغير (٣). وبالواحات الشّبّ الأبيض بواد تجاه مدينة أدفو، كان في زمن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر، وفي زمن ابنه الصّالح نجم الدين أيّوب، على مقطعي الواحات حمل ألف قنطار شبّ أبيض في كلّ سنة إلى القاهرة، ويطلق لهم في نظير ذلك جوالي الواحات، ثم أهمل هذا فبطل. وفي سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة، سار ملك النّوبة في جيش عظيم إلى الواحات، فأوقع بأهلها وقتل منها وأسر كثيرا (٤).

стр. 762

ذكر مدينة قوص اعلم أنّ قوص أعظم مدائن الصّعيد، وهي على النّيل، بنيت بعد قفط في أيّام ملك من ملوك القبط الأول يقال له شدّات (¬a) بن عديم بن البودسير بن قفطريم (١). قيل سمّيت باسم قوص بن قفط ابن إخميم بن سيفاف بن أشمن بن مصر (٢). قال ابن وصيف شاه: شدّات (¬b) بن عديم هو الذي بنى الأهرام الدّهشورية من الحجارة التي قطعت في زمان أبيه، وعمل مصاحف النّيرنجات وهيكل أرمنت، وعمل في المدائن الداخلة من أنصنا هيكلا وأقام قبّة (¬b) في أتريب، وهيكلا في شرقيّ الإسكندرية، وبنى في الجانب الشّرقي مدائن، وفي أيّامه بنيت قوص العالية، وأسكن فيها قوما من أهل الحكمة وأهل الصّناعات. وكانت الحبش والسّودان قد عاثوا في بلده، فأخرج لهم ابنه منقاوش في جيش عظيم، فقتل منهم وسبى، واستعبد الذين سباهم وصار ذلك سنّة لهم، واقتطع معدن

стр. 763

الذّهب من أرضهم، وأقام ذلك السّبي يعملون فيه ويحملون الذّهب إليه. وهو أوّل من أحبّ الصّيد، واتّخذ الجوارح، وولّد الكلاب السّلوقيّة من الذّئاب والكلاب الأهلية، وعمل من العجائب والطّلّسمات لكلّ فنّ ما لا يحصى كثرة (١). وقال الأدفوي في «تاريخ الصّعيد»: وقوص بجانب قفط، حكى بعض المؤرّخين أنّها شرعت في العمارة، وشرعت قفط في الخراب من سنة أربع مائة (٢). قيل إنّه حضر مرّة قاضي قوص، فخرج من أسوان أربع مائة راكب بغلة إلى لقائه (٣). وفي شهر رمضان سنة اثنتين وستين وستّ مائة، أحضر إلى الملك الظّاهر بيبرس فلوس وجدت مدفونة بقوص؛ فأخذ منها فلس، فإذا على أحد وجهيه صورة ملك واقف وفي يده اليمنى ميزان وفي اليسرى سيف، وعلى الوجه الآخر رأس فيه أذن كبيرة وعين مفتوحة؛ وبدائر الفلس كتابة، فقرأها راهب يوناني، فكان تاريخه إلى وقت قراءته ألفين وثلاث مائة سنة، وفيه «أنا غلياث الملك: ميزان العدل والكرم في يميني لمن أطاع، والسّيف في يساري لمن عصى». وفي الوجه الآخر: «أنا غلياث الملك: أذني مفتوحة لسماع المظلوم، وعينيّ مفتوحة أنظر بها مصالح ملكي». وقوص كثيرة العقارب والسّام أبرص، وبها صنف من العقارب القتّالات حتى إنّه كان يقال فيها [عن الملسوع:] (¬a) أكلته العقرب؛ لأنّه كان لا يرجى لمن لسعته حياة. واجتمع بها مرّة، في يوم صائف، على حائط الجامع سبعون سامّ أبرص صفّا واحدا. وكان الواحد من أهلها إذا مشى في الصّيف ليلا خارج داره يأخذ بإحدى يديه مسرجة تضيء له، وبالأخرى مشكّ (¬b) من حديد يشكّ به العقارب (٤). ثم إنّها تلاشت بعد سنة ثمان مائة. فلمّا كانت الحوادث والمحن، مات بها سبعة عشر/ ألف إنسان في سنة ستّ وثمان مائة. وكانت من العمارة بحيث إنّه تعطّل منها في شراقي البلاد سنة ستّ وسبعين وسبع مائة، مائة

стр. 764

وخمسون مغلقا (والمغلق عندهم بستان من عشرين فدّانا فصاعدا، وله ساقية بأربعة وجوه) وذلك سوى ما تعطّل ممّا هو دون ذلك، وهو كثير جدّا. ذكر مدينة إسنا قال الأدفوي: وذكر أنّ إسنا في سنة حصل منها أربعون ألف إردبّ تمر، واثنا عشر ألف إردبّ زبيب. وإسنا تشتمل على ما يقارب ثلاثة عشر ألف منزل، وقيل إنّه كان بها في وقت سبعون شاعرا (١). ذكر مدينة أدفو ومدينة أدفو (يقال بالدال المهملة، ويقال أيضا بالتاء المثنّاة من فوق) (٢)، قال الأدفوي: أخبرني الخطيب العدل أبو بكر، خطيب أدفو، أنّ جبّارة (¬a) (٣) طرحت ثلاثة شماريخ في كلّ شمروخ تمرة واحدة، وأنّه قلع الجبّارة (¬a) بأصلها ووزنها فجاءت خمسة وعشرين درهما، كلّها بجريدها وخشبها، وذلك بأدفو (٤). ولمّا كان بعد سنة سبع مائة، حفر صنّاع الطّوب، فظهرت صورة شخص من حجر شكل امرأة متربّعة على كرسي، وعليها مثال شبكة، وفي ظهرها لوح مكتوب بالقلم البربائي (¬b)، رأيتها على هذه الحالة في مدينة أدفو.

стр. 765

أهناس كورة من كور الصّعيد (١)، يقال إنّ عيسى ابن مريم ﵇ ولد بها، وإنّ نخلة مريم ﵍ التي ذكرت في قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا﴾ [الآية ٢٥ سورة مريم] لم تزل بها إلى آخر أيّام بني أميّة. والذي عليه الجماهرة أنّ عيسى ﵇ إنّما ولد بقرية بيت لحم من مدينة بيت المقدس (٢). وبأهناس شجر اللّبخ (¬a). ذكر مدينة البهنسا هذه المدينة في جهة الغرب من النّيل (٣)، بها تعمل السّتور البهنسيّة، وينسج المطرّز والمقاطع السّلطانية، والمضارب الكبار والثّياب المتحيّزة (¬b). وكان يعمل بها من السّتور ما يبلغ طول السّتر الواحد ثلاثين ذراعا، وقيمة الزّوج مائتا مثقال ذهبا. وإذا صنع بها شيء من السّتور والأكسية والثّياب، من الصّوف أو القطن، لا بدّ أن يكون فيها اسم المتّخذ له مكتوبا، على ذلك مضوا جيلا بعد جيل. وقبط مصر مجمعون على أنّ المسيح وأمّه مريم كانا بالبهنسا، ثم انتقلا عنها إلى القدس. وقال بعض المفسّرين في قوله تعالى عن المسيح وأمّه: ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ [الآية ٥٠ سورة المؤمنون]: الرّبوة: البهنسا. وهذه المدينة بناها ملك من القبط يقال له مناوش بن منقاوش.

стр. 766

قال ابن وصيف شاه: واستخلف مناوش الملك، فطلب الحكمة مثل أبيه، واستخرج كتبها، وأكرم أهلها، وبذل فيهم الجوائز، وطلب الإغراب في عمل العجائب. وكان كلّ من ملوكهم يجهد جهده في أن يعمل له غريبة من الأعمال لم تعمل لمن كان قبله. وثبت في كتبهم، وزبر على الحجارة في تواريخهم. وهو أوّل من عبد البقر من أهل مصر؛ وكان السّبب في ذلك أنّه اعتلّ علّة بئس منه فيها، فرأى في منامه صورة روحانيّ عظيم يقول له: إنّه لا يخرجك من علّتك إلاّ عبادتك البقر، لأنّ الطّالع كان وقت حلولها بك صورة ثور بقرنين؛ ففعل ذلك، وأمر بأخذ ثور أبلق حسن الصّورة، وعمل له مجلسا في قصره، وسقّفه بقبّة مذهّبة. فكان يبخّره ويطيّب موضعه، ووكّل به سادنا (¬a) يقوم به ويكنس تحته، ويعبده سرّا من أهل مملكته، فبرأ من علّته. وهو أوّل من عمل العجل في علّته، فكان يركّب عليها البيوت من فوقها قباب الخشب. وعمل ذلك مع (¬b) من أحبّ من نسائه وخدمه إلى المواضع والمتنزّهات، وكانت البقر تجرّه (¬c)، فإذا مرّ بمكان نزه (¬d) أقام فيه، وإذا مرّ بمكان خراب أمر بعمارته فيها (¬b)؛ فيقال إنّه نظر إلى ثور من البقر الذي يجرّ عجلته، أبلق حسن الشّية، فأمر بترفّهه وسوقه بين يديه إعجابا به، وجعل عليه جلاّ من ديباج؛ فلمّا كان في يوم، وقد خلا في موضع صار إليه، وقد انفرد عن عبيده وخدمه، والثّور قائم، إذ خاطبه الثّور وقال له: لو رفّهني الملك عن السّير معه، وجعلني في هيكل وعبدني، وأمر أهل مملكته بعبادتي، كفيته جميع ما يريده، وعاونته على أمره، وقوّيته في مملكته، وأزلت عنه جميع علله؛ فارتاع لذلك، وأمر بالثّور فغسّل وطيّب وأدخل في هيكل، وأمر بعبادته. فأقام ذلك الثّور يعبد مدّة، وصار فيه آية، وهو أنّه لا يبول ولا يروث، ولا يأكل إلاّ أطراف ورق القصب الأخضر في كلّ شهر مرّة، فافتتن الناس به/ وصار ذلك أصلا لعبادة البقر (١).

стр. 767

وبنى مواضع كنز فيها كنوزا، وأقام عليها أعلاما. وبنى في صحراء الغرب مدينة يقال لها ديماس، وأقام فيها منارا، ودفن حولها كنوزا (١). ويقال إنّ هذه المدينة قائمة، وإنّ قوما جازوا بها من نواحي الغرب وقد ضلّوا الطّريق، فسمعوا بها عزيف الجنّ، ورأوا ضوءا يتراءى بها. وفي بعض كتبهم أنّ ذلك الثّور، بعد مدّة من عبادتهم له، أمرهم أن يعملوا صورته من ذهب أجوف، ويؤخذ من رأسه شعرات ومن ذنبه ومن نحاته قرونه وأظلافه، ويجعل في التّمثال المذكور؛ وعرّفهم أنّه يلحق بعالمه، وأمرهم أن يجعلوا جسده في جرن من حجر أحمر، ويدفن في الهيكل، وينصب تمثاله عليه، وزحل في شرفه، والشّمس تنظر إليه من تثليث و (¬a) القمر زائد النّور، وينقش على التّمثال علامات الكواكب السّبعة؛ ففعلوا ذلك، وكلّلوه بجميع الأصناف من الجواهر، وجعلوا عينيه جزعتين، وغرسوا في الهيكل عليه شجرة، بعد ما دفنوه في الجرن الأحمر، وبنوا منارا طوله ثمانون ذراعا، على رأسه قبّة تتلوّن كل يوم لونا حتى تمضي سبعة أيام، ثم تعود إلى اللّون الأوّل. وكسوا الهيكل ألوان الثّياب، وشقّوا نهرا من النّيل إلى الهيكل، وجعل حوله طلّسمات، رؤوسها رؤوس القرود على أبدان النّاس، كلّ واحد منها لدفع مضرّة وجلب منفعة. وأقام عند الهيكل أربعة أصنام على أربعة أبواب، ودفن تحت كلّ صنم صنفا من الكنوز، وكتب عليها قربانها وبخورها، وأسكنها السّحرة (¬b)، فكانت تعرف بمدينة السّحرة (¬b)، ومنها كانت أصناف السّحرة (¬b) تخرج (٢). وهو أوّل من عمل النّوروز بمصر. وفي زمانه بنيت البهنسا. وأقام بها أسطوانات، وجعل فيما فوقها مجلسا من زجاج أصفر، عليه قبّة مذهّبة، إذا طلعت الشّمس ألقت شعاعها على المدينة (٣). ويقال إنّه ملكهم ثمان مائة وثلاثين سنة، ودفن في أحد الأهرام الصّغار القبلية، وقيل في غربي الأشمونين. ودفن معه من المال والجوهر والعجائب شيء كثير، وأصنام (¬c) الكواكب السّبعة

стр. 768

التي ترى الدّفين والخبيئة، وألف سرج ذهبا وفضّة، وعشرة آلاف جام وغضار من ذهب وفضّة وزجاج، وألف عقار (¬a) لفنون الأعمال. وزبر (¬b) عليه اسمه ومدّة ملكه ووقت موته. وفي سنة أربع وثلاثين وسبع مائة، ظهر بالأشمونين، في واد بين جبلين، فساقي مربّعة مملوءة ماء عذبا صافيا، فمشى شخص على حافتها طول يوم وليلة فلم يبلغ آخرها. ويقال إنّها من عمل سوريد باني الأهرام، لتكون عدّة لما كانوا قد توقّعوه من حدوث طوفان ناري، فردم هذا الوادي بعد ذلك خوفا من تلاف النّاس (١). يقول الشّيخ الإمام محمّد بن أحمد الفرّياني (٢): حدّثني علي بن حسن بن خالد الشّعيري ثلاث مرّات لم يختلف قوله عليّ فيها، قال: حدّثني رجل من فزارة السّاكنين بكورة البهنسا، قال: خرجت أنا ورجل رفيق لي نرتاد البلاد ونطلب الرّزق في الأرض، وذلك بعد سنة عشر وثمان مائة، فقطعنا الجبل الغربي من ناحية البهنسا، وسرنا متوكّلين على اللّه تعالى، فأقمنا أياما ونحن نمشي ما بين الغرب والجنوب، فوقعنا في واد كثير الشّجر والنّبات والماء والكلأ، ليس فيه أنيس. وهو واد واسع في الطّول والعرض، نحو يوم في الطّول ويوم في العرض، كلّه أعين وبساتين نخل وزيتون، كثير الإبل والمعز، والذّئب والضّبع به كثير، والإبل به متوحّشة وكذلك المعز قد صارت به وحشية، بعد أن كانت آنسية (¬c)، وليس بالوادي لا رائح ولا غاد من النّاس. قال: فأخبرني أنّهما (¬d) أقاما بالوادي نحوا من شهرين أو ثلاثة، وأنّهما رأيا في وسط الوادي مدينة حصينة منيعة عالية السّور شامخة القصور، فإذا تقرّبا من سورها سمعا ضجيجا عظيما وأصواتا مهولة مخوفة، ورأيا دخانا يرتفع إلى جوّ السّماء حتى يغطّي سور المدينة وجميع ما فيها؛ وأنّ تلك الإبل الوحشية عدت على رواحلهما الإنسية فآذتها وقتلتها.

стр. 769

فتحيّل عند ذلك الرجلان الفزاريان بحيل، وفتلا حبالا وأشراكا شباكا من ليف النّخل، وقيّدا تلك الإبل الوحشية، وفتلا خوصا، وضفّرا قفافا من الخوص لزادهما وملآها تمرا، وزلّلا من تلك الإبل الوحشية مكان رواحلهما، عوضا عنها، وركباها متوجّهين نحو الشّرق، وحملا معهما من الجريد - أعني جريد النّخل - ما يعرفان به الطريق التي بينهما وبينها، ويجعلان ذلك أمارات لمرورهما إليها. فكانا كلّما مرّا على شرف، جعلا عليه جريدتين علما، حتى وصلا إلى الجبل الغربي من مصر، فنزلا إلى البهنسا، فعرفا قومهما، وتحمّلا بأهاليهما. فلمّا علوا سطح الجبل الغربي، وجدا كلّ ما فرّقاه من جريد النّخل على رؤوس الآكام مجتمعا في مكان واحد في أعلى الجبل، فرجعا عند ذلك لأهاليهما ومن معهم إلى أرض البهنسا. وهذا ما حدّثني به، واللّه أعلم. ذكر مدينة الأشمونين (١) كانت من عظائم مدائن (¬a) الصّعيد، يقال إنّها من بناء أشمون بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح. وقال/ ابن وصيف شاه: كان أشمون أعدل ولد أبيه، وأرغبهم في صنعة تبقى ويبقى ذكرها، وهو الذي بنى المجالس المصفّحة بالزّجاج الملوّن وسط النّيل. وتقول القبط: إنّه بنى سربا تحت الأرض، من الأشمونين إلى أنصنا تحت النّيل، وقيل إنّه حفره وعمله لبناته لأنّهنّ كنّ يمضين إلى هيكل الشّمس. وكان هذا السّرب مبلّط الأرض والحيطان والسّقف بالزّجاج الثّخين الملوّن.

стр. 770

وقيل: إنّ أشمون كان أطول إخوته ملكا؛ وقال أهل الأثر: إنّه ملك ثمان مائة سنة، وإنّ قوم عاد انتزعوا منه الملك بعد ستّ مائة سنة من ملكه، وأقاموا تسعين سنة، واستولوا على البلد، فانتقلوا إلى الدّثينة من طريق الحجاز إلى وادي القرى فعمّروها، واتّخذوا بها المنازل والمصنانع، وسلّط اللّه عليهم الذّرّ فأهلكهم، وعاد ملك مصر إلى أشمون. ويقال إنّه عمل على باب الأشمونين إوزّة من نحاس، فكان الغريب إذا جاء ليدخل المدينة صاحت الإوزّة وصفّقت بجناحيها فيعلم به، فإن أحبّوا منعوه، وإن أحبّوا تركوه. وكثرت الحيّات في وقته، فكانوا يصيدونها ويعملون من لحومها أدوية وترياقات، ثم ساقوها بسحرهم إلى وادي الحيّات في جبال لوبيه ومراقية، فسجنوها هناك (١). (¬a)) وفي «تواريخ النّصارى» أنّ المسيح ﵇ لمّا قدمت به أمّه وهو طفل إلى أرض مصر نزلت أوّلا ظاهر مدينة بسطه، ثم مضت وعدّت النّيل إلى الجانب الغربي ومضت إلى الأشمونين، وكان على أعلى المدينة صورة فرس على أربعة أعمدة إذا قدم غريب صهلت، فعندما قدم المسيح سقط هذا الفرس وتكسّر (¬a) (٢). وقال في «كتاب هروشيوش»: إنّ أشمون بن قبط أوّل ملوك المصريين، وإنّه كان في زمان ساروج (¬b) بن راعو بن فالغ (¬c) بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وإنّ سني الدنيا صارت إلى زمان ساروج (¬b) ألفين وتسع مائة وخمس سنين (¬d)، يكون ذلك بعد الطّوفان بستّ مائة وثلاث وستين سنة (٣). وبها كانت فرهة الخيل والبغال والحمير، وكان يعمل بها فرش القرمز الذي يشبه الأرمنيّ. وكان ينزل بأرض الأشمونين عدّة بطون من بني جعفر بن أبي طالب ﵁ وكانوا بادية أصحاب شوكة - وكان معهم بنو مسلمة بن عبد الملك بن مروان حلفاء لهم، ومعهم بطن آخر يقال لهم بنو عسكر، يقال إنّ أباهم كان مولى لعبد الملك بن مروان، ويزعمون أنّهم من بني

стр. 771

أميّة صلبيّة. وكان معهم أيضا حلفاء لهم بنو خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ينزلون أرض دلجة عند أشمون. ذكر مدينة إخميم ضبطها البكري بكسر الهمزة وإسكان الخاء ثم ميم وياء وميم على بناء إفعيل (١). وهي في الجانب الشّرقي من النّيل، والذي بناها مناقيوش بن أحد ملوك القبط الأول (٢). قال ابن وصيف شاه: كان جلدا محنّكا، فاستأنف العمارة، وبنى القرى، ونصب الأعلام، وجمع الحكم ومصاحف الملوك والحكماء، وعمل العجائب، وبنى لنفسه مدينة انفرد بها، وعمل عليها حصنا، ونصب عليه أربعة أعلام، في كلّ ركن من أركانه علم، وبين تلك الأعلام ثمانون صنما من نحاس وأخلاط في أيديها السّلاح، وزبر على صدرها آياتها. وكان بمنف رجل من أولاد الكهنة، من أعلم الناس بالسّحر، وأبصرهم بأخذ التّماسيح والسّباع، وكان يعلّم الغلمان السّحر، فإذا حذقوا علّم غيرهم. فأمر الملك أن يبنى له مدينة، ويحوّل إليها وهي إخميم. فملكهم مناقيوش نيفا وأربعين سنة، ومات فدفن في الهرم المحاذي لإطفيح، ومعه شيء كثير من المال والجوهر والآنية والتماثيل، وزبر عليه اسمه والوقت الذي هلك فيه (٣). قال: وذكر أهل إخميم أنّ رجلا أتى من الشّرق، وكان يلزم البربا، ويأتى إليه كلّ يوم ببخور وخلوق، فيبخّر ويطيّب صورة في عضادة الباب، فيجد تحتها دينارا فيأخذه وينصرف. ففعل ذلك مدّة حتى وشى به غلام له إلى عامل البلد، فقبض عليه، فبذل مالا وخرج عن البلد. a بياض بالأصل.

стр. 772

وكانت بربا إخميم من أعجب البرابي وأعظمها، قد بنيت لخزن برّهم، فإنّهم قضوا على أهل مصر بالطّوفان قبل وقته بقرائن، لكنهم اختلفوا فيه، فقال بعضهم: تكون نار فتحرق جميع ما على وجه الأرض، وقال آخرون: بل يكون ماء، فعملوا هذه البراني قبل الطّوفان. وكان في هذه البربا صور الملوك الذين يملكون مصر، وكانت مبنية بحجر المرمر، وطول كلّ حجر منها خمسة أذرع في سمك ذراعين، وهي سبعة دهاليز سقوفها حجارة، طول الحجر منها ثمانية عشر ذراعا في عرض خمسة أذرع، مدهونة بالاّزورد وغيره من الأصباغ التي يحسبها النّاظر كأنّما فرغ الدّهان منها الآن لجدّتها (١). وكان كلّ دهليز منها على اسم كوكب من الكواكب السّبعة السّيّارة، وجدران هذه الدّهاليز منقوشة بصور مختلفة الهيئات والمقادير، فيها رموز علوم القبط، من الكيمياء والسّيمياء والطّلّسمات والطّبّ والنّجوم والهندسة وغير ذلك، أودعوها تلك الصّور. وذكر ابن جبير في «رحلته» أنّ طول هذه البربا مائتان وعشرون ذراعا، وسعتها مائة وسبعون (¬a) ذراعا، وأنّها قائمة على أربعين سارية سوى الحيطان، دور كلّ سارية خمسون شبرا، وبين كلّ ساريتين ثلاثون شبرا، ورؤوسها في نهاية العظم كلّها منقّشة (¬b) من أسفلها إلى أعلاها، ومن رأس كل سارية إلى الأخرى لوح عظيم من الحجر المنحوت فيها ما ذرعه ستة وخمسون شبرا طولا، في عرض عشرة أشبار وارتفاع ثمانية أشبار؛ وسطحها (¬c) من ألواح الحجارة، كأنّها فرش واحد، فيه التّصاوير البديعة/ والأصبغة الغريبة، كهيئة الطّيور والآدميين، وغير ذلك في داخلها وخارجها؛ وعرض حائط البربا ثمانية عشر شبرا من حجارة مرصوصة (٢)، كذا قاسها ابن جبير في سنة ثمان وسبعين وخمس مائة. ويقال إنّ ذا النّون عرف منها علم الكيمياء. وما زالت هذه البربا قائمة إلى سنة ثمانين وسبع مائة، فخرّبها رجل من أهل إخميم، يعرف بالخطيب كمال الدين بن بكر الخطيب علم الدين عليّ، ونال منها مالا، فلم تطل

стр. 773

حياته ومات. ومن حينئذ تلاشى أمر إخميم إلى أن خربت. وقد ذكر جماعة أنّ بربا إخميم كانت في هيئة غلام أمرد عريان، وأنّ قوما دخلوها مرّة، فتبعهم وأخذ يضربهم ضربا وجيعا حتى خرجوا هاربين. وحكي مثل ذلك عمّن دخل الأهرام أيضا. وقد حكي أنّ رجلا ألصق على صورة من بربا إخميم شمعة، فكان إذا تركها في موضع التجأت العقارب إليها، وإذا وضع الشّمعة في تابوت اجتمعت العقارب حوله. ويقال إنّه كان في بربا إخميم شيطان قائم على رجل واحدة، وله يد واحدة وقد رفعها إلى الهواء، وفي جبهته وحواليه كتابة، وله إحليل ظاهر ملتصق بالحائط. وكان يذكر أنّ من احتال حتى ينقّب على ذلك الإحليل حتى يخرجه من غير أن ينكسر، ويعلّقه على وسطه، فإنّه لا يزال منعظا إلى أن ينزعه، ويجامع ما أحبّ ولا يفتر ما دام معلّقا عليه، وأنّ بعض من ولي إخميم اقتلعه فوجد منه شيئا عجيبا من ذلك. وكانت الأنطاع تجلب من إخميم، وبها تعمل، ويقال إنّه كان بها اثنا عشر ألف عريف على السّحرة، وكان بها شجر البنج. ويقال إنّ الذي بنى بربا إخميم اسمه دومريا، وإنّه جعل هذه البربا مثلا للأمم الآتية بعده، وكتب فيها تواريخ الأمم والأجيال ومفاخرهم التي يفتخرون بها، وصوّر فيها الأنبياء والحكماء، وكتب فيها من يأتي من الملوك إلى آخر الدّهر. وكان بناؤه إيّاها والنّسر برأس الحمل، والنّسر يقيم عندهم في كلّ برج ثلاثة آلاف سنة. قلت: والنّسر في زماننا بآخر باب برج الجدي، فيكون على ذلك لهذه البربا منذ بنيت نحو الثلاثين ألف سنة. وذكر أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرّحيم القيسي، في كتاب «تحفة الألباب»، أنّ هذه البربا مربّعة من حجارة منحوتة، ولها أربعة أبواب، يفضي كلّ باب إلى بيت له أربعة أبواب، كلّها مظلمة، ويصعد منها إلى بيوت كالغرف على قدرها (١) (٢).

стр. 774

ذكر مدينة العقاب قال المسعودي: مدينة العقاب غربيّ أهرام بوصير الجيزة (¬a)، على مسيرة خمسة أيّام بلياليها للرّاكب المجدّ، وقد غور طريقها، وعمي المسلك إليها والسّمت الذي يؤدّي نحوها، وفيها عجائب البنيان والجواهر والأموال (١). وقال ابن وصيف شاه (٢): وكان الوليد بن دومغ العمليقيّ قد خرج في جيش كثيف يتنقّل في البلدان ويقهر ملوكها، فلمّا صار بالشّام وجّه غلاما له يقال له عون، فسار إلى مصر وفتحها، ثم سار فتلقّاه عون ودخل مصر فاستباح أهلها. ثم سنح له أن يقف على مصبّ النّيل، فخرج في جيش كثيف، واستخلف عونا على مصر، وأقام في غيبته أربعين سنة. وإنّ عونا، بعد سبع سنين من مسيره، تجبّر وادّعى أنّه الملك، وأنكر أن يكون غلام الوليد وإنّما هو أخوه، وغلب بالسّحر، وسبى الحرائر، فمال الناس إليه، ولم يدع امرأة من بنات ملوك مصر إلاّ نكحها، ولا مالا إلاّ أخذه وقتل صاحبه. وهو مع ذلك يكرم الكهنة، ويعظّم الهياكل (¬b). فاتّفق أنّه رأى الوليد في منامه وهو يقول له: من أمرك أن تتسمّى باسم الملك، وقد علمت أنّه من فعل ذلك استحقّ القتل؟ ونكحت بنات الملوك، وأخذت الأموال بغير واجب. ثم أمر بقدر ملئت زيتا، وأحميت حتى غلت، ونزع ثيابه ليلقيه فيها، فأتاه عقاب فاختطفه وحلّق به في الجوّ، وجعله في هوّة على رأس جبل، فسقط إلى واد فيه حمأة منتنة (¬c). فانتبه مرعوبا، وقصّ ذلك على كهنته، فقالوا: نحن نخلّصك منه بأن تعمل عقابا وتعبده، فإنّه الذي خلّصك في نومك؛ فقال: أشهد لقد قال لي: اعرف لي هذا المقام ولا تنسه. فعمل عقابا من ذهب، وجعل عينيه جوهرتين، ووشحّه بالجوهر، وعمل له هيكلا لطيفا، وأرخى عليه ستور الحرير، وأقبلوا على تبخيره وقربانه حتى نطق لهم، فأقبل عون على عبادته، ودعا الناس إلى ذلك فأجابوه.

стр. 775

ثم أمر فجمع له كلّ صانع بمصر، وأخرج أصحابه إلى صحراء الغرب لطلب أرض سهلة حسنة الاستواء، يدخل إليها من مواضع صعبة وجبال وعرة، بحيث تقرب من مغيض الماء - التي هي اليوم الفيّوم، وكانت مغيضا لماء النّيل حتى أصلحها يوسف ﵇ ليجري الماء منها إلى المدينة. فخرجوا، وأقاموا شهرا يطوفون حتى وجدوا بغيته، فلم يبق بمصر فاعل ولا مهندس، ولا أحد له بصر بالبناء وقطع الصّخور ونحتها إلاّ وجّه إليها، وأنفذ ألف رجل من الجيش وسبع مائة ساحر لمعاونتهم، وأنفذ معهم الآلات والأزواد على العجل؛ وطريق هذه العجل إلى الفيّوم في صحراء الغرب واضحة من خلف الأهرام. فلمّا تكامل له ما أراد من نحت الحجارة، خطّوا المدينة فرسخين في مثلهما، وحفروا في/ الوسط بئرا جعلوا فيها تمثال خنزير من نحاس بأخلاط، ونصبوه على قاعدة نحاس ووجهه إلى الشّرق، وذلك بطالع بيت زحل واستقامته وسلامته - وكان في شرفه - وذبحوا خنزيرا، ولطّخوا التّمثال بدمه في وجهه، وبخّروا بشيء من شعره، وحشوا جوفه بدمه وشعره وعظامه ولحمه ومرارته، وجعلوا في أذنيه من مرارته، وحرقوا بقيّة الخنزير، وجعلوا رماده في قلّة من نحاس بين يدي التّمثال، ونقشوه بآيات زحل. ثم شقّوا في البئر من الجهات الأربع، في كلّ جهة سربا إلى حيطان المدينة، وعملوا على أفواهها منافس تجذب الهواء، وسدّوا البئر، وعقدوا فيها قبّة على عمد مرتفعة على حيطان المدينة، وجعلوا فيها شوارع يتّصل كلّ شارع بباب من أبواب المدينة، وفصلوها بالطّرقات والمنازل، وجعلوا حول القبّة تماثيل فرسان من نحاس بأيديها حراب، ووجوهها تجاه الأبواب. وجعلوا أساس المدينة من حجر أسود، فوقه حجر أحمر، عليه حجر أصفر، من فوقه حجر أخضر، وفوق الجميع حجر أبيض يشفّ، وكلّها مبنيّة بالرّصاص المصبوب بين الحجارة، وفي قلوبها أعمدة من حديد على بناء الأهرام. وجعلوا طول حصنها ستين ذراعا في عرض عشرين، وعلى رأس كلّ باب حصن بأعلاه عقاب كبير من صفر وأخلاط قد نشر جناحيه وهو أجوف، وعلى كلّ ركن فارس بيده حربة ووجهه إلى خارج المدينة. وساق الماء إلى الباب الشرقي، ينحدر في صبّه إلى الباب الغربي ويخرج إلى صهاريج، وكذلك من الباب الجنوبي إلى الشّمالي، وقرّب للعقاب عقبانا ذكورا، واجتلب الرّياح إلى أفواه
следующие страницы →