← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أميّة صلبيّة. وكان معهم أيضا حلفاء لهم بنو خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ينزلون أرض دلجة عند أشمون. ذكر مدينة إخميم ضبطها البكري بكسر الهمزة وإسكان الخاء ثم ميم وياء وميم على بناء إفعيل (١). وهي في الجانب الشّرقي من النّيل، والذي بناها مناقيوش بن أحد ملوك القبط الأول (٢). قال ابن وصيف شاه: كان جلدا محنّكا، فاستأنف العمارة، وبنى القرى، ونصب الأعلام، وجمع الحكم ومصاحف الملوك والحكماء، وعمل العجائب، وبنى لنفسه مدينة انفرد بها، وعمل عليها حصنا، ونصب عليه أربعة أعلام، في كلّ ركن من أركانه علم، وبين تلك الأعلام ثمانون صنما من نحاس وأخلاط في أيديها السّلاح، وزبر على صدرها آياتها. وكان بمنف رجل من أولاد الكهنة، من أعلم الناس بالسّحر، وأبصرهم بأخذ التّماسيح والسّباع، وكان يعلّم الغلمان السّحر، فإذا حذقوا علّم غيرهم. فأمر الملك أن يبنى له مدينة، ويحوّل إليها وهي إخميم. فملكهم مناقيوش نيفا وأربعين سنة، ومات فدفن في الهرم المحاذي لإطفيح، ومعه شيء كثير من المال والجوهر والآنية والتماثيل، وزبر عليه اسمه والوقت الذي هلك فيه (٣). قال: وذكر أهل إخميم أنّ رجلا أتى من الشّرق، وكان يلزم البربا، ويأتى إليه كلّ يوم ببخور وخلوق، فيبخّر ويطيّب صورة في عضادة الباب، فيجد تحتها دينارا فيأخذه وينصرف. ففعل ذلك مدّة حتى وشى به غلام له إلى عامل البلد، فقبض عليه، فبذل مالا وخرج عن البلد. a بياض بالأصل.

стр. 772

وكانت بربا إخميم من أعجب البرابي وأعظمها، قد بنيت لخزن برّهم، فإنّهم قضوا على أهل مصر بالطّوفان قبل وقته بقرائن، لكنهم اختلفوا فيه، فقال بعضهم: تكون نار فتحرق جميع ما على وجه الأرض، وقال آخرون: بل يكون ماء، فعملوا هذه البراني قبل الطّوفان. وكان في هذه البربا صور الملوك الذين يملكون مصر، وكانت مبنية بحجر المرمر، وطول كلّ حجر منها خمسة أذرع في سمك ذراعين، وهي سبعة دهاليز سقوفها حجارة، طول الحجر منها ثمانية عشر ذراعا في عرض خمسة أذرع، مدهونة بالاّزورد وغيره من الأصباغ التي يحسبها النّاظر كأنّما فرغ الدّهان منها الآن لجدّتها (١). وكان كلّ دهليز منها على اسم كوكب من الكواكب السّبعة السّيّارة، وجدران هذه الدّهاليز منقوشة بصور مختلفة الهيئات والمقادير، فيها رموز علوم القبط، من الكيمياء والسّيمياء والطّلّسمات والطّبّ والنّجوم والهندسة وغير ذلك، أودعوها تلك الصّور. وذكر ابن جبير في «رحلته» أنّ طول هذه البربا مائتان وعشرون ذراعا، وسعتها مائة وسبعون (¬a) ذراعا، وأنّها قائمة على أربعين سارية سوى الحيطان، دور كلّ سارية خمسون شبرا، وبين كلّ ساريتين ثلاثون شبرا، ورؤوسها في نهاية العظم كلّها منقّشة (¬b) من أسفلها إلى أعلاها، ومن رأس كل سارية إلى الأخرى لوح عظيم من الحجر المنحوت فيها ما ذرعه ستة وخمسون شبرا طولا، في عرض عشرة أشبار وارتفاع ثمانية أشبار؛ وسطحها (¬c) من ألواح الحجارة، كأنّها فرش واحد، فيه التّصاوير البديعة/ والأصبغة الغريبة، كهيئة الطّيور والآدميين، وغير ذلك في داخلها وخارجها؛ وعرض حائط البربا ثمانية عشر شبرا من حجارة مرصوصة (٢)، كذا قاسها ابن جبير في سنة ثمان وسبعين وخمس مائة. ويقال إنّ ذا النّون عرف منها علم الكيمياء. وما زالت هذه البربا قائمة إلى سنة ثمانين وسبع مائة، فخرّبها رجل من أهل إخميم، يعرف بالخطيب كمال الدين بن بكر الخطيب علم الدين عليّ، ونال منها مالا، فلم تطل

стр. 773

حياته ومات. ومن حينئذ تلاشى أمر إخميم إلى أن خربت. وقد ذكر جماعة أنّ بربا إخميم كانت في هيئة غلام أمرد عريان، وأنّ قوما دخلوها مرّة، فتبعهم وأخذ يضربهم ضربا وجيعا حتى خرجوا هاربين. وحكي مثل ذلك عمّن دخل الأهرام أيضا. وقد حكي أنّ رجلا ألصق على صورة من بربا إخميم شمعة، فكان إذا تركها في موضع التجأت العقارب إليها، وإذا وضع الشّمعة في تابوت اجتمعت العقارب حوله. ويقال إنّه كان في بربا إخميم شيطان قائم على رجل واحدة، وله يد واحدة وقد رفعها إلى الهواء، وفي جبهته وحواليه كتابة، وله إحليل ظاهر ملتصق بالحائط. وكان يذكر أنّ من احتال حتى ينقّب على ذلك الإحليل حتى يخرجه من غير أن ينكسر، ويعلّقه على وسطه، فإنّه لا يزال منعظا إلى أن ينزعه، ويجامع ما أحبّ ولا يفتر ما دام معلّقا عليه، وأنّ بعض من ولي إخميم اقتلعه فوجد منه شيئا عجيبا من ذلك. وكانت الأنطاع تجلب من إخميم، وبها تعمل، ويقال إنّه كان بها اثنا عشر ألف عريف على السّحرة، وكان بها شجر البنج. ويقال إنّ الذي بنى بربا إخميم اسمه دومريا، وإنّه جعل هذه البربا مثلا للأمم الآتية بعده، وكتب فيها تواريخ الأمم والأجيال ومفاخرهم التي يفتخرون بها، وصوّر فيها الأنبياء والحكماء، وكتب فيها من يأتي من الملوك إلى آخر الدّهر. وكان بناؤه إيّاها والنّسر برأس الحمل، والنّسر يقيم عندهم في كلّ برج ثلاثة آلاف سنة. قلت: والنّسر في زماننا بآخر باب برج الجدي، فيكون على ذلك لهذه البربا منذ بنيت نحو الثلاثين ألف سنة. وذكر أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرّحيم القيسي، في كتاب «تحفة الألباب»، أنّ هذه البربا مربّعة من حجارة منحوتة، ولها أربعة أبواب، يفضي كلّ باب إلى بيت له أربعة أبواب، كلّها مظلمة، ويصعد منها إلى بيوت كالغرف على قدرها (١) (٢).

стр. 774

ذكر مدينة العقاب قال المسعودي: مدينة العقاب غربيّ أهرام بوصير الجيزة (¬a)، على مسيرة خمسة أيّام بلياليها للرّاكب المجدّ، وقد غور طريقها، وعمي المسلك إليها والسّمت الذي يؤدّي نحوها، وفيها عجائب البنيان والجواهر والأموال (١). وقال ابن وصيف شاه (٢): وكان الوليد بن دومغ العمليقيّ قد خرج في جيش كثيف يتنقّل في البلدان ويقهر ملوكها، فلمّا صار بالشّام وجّه غلاما له يقال له عون، فسار إلى مصر وفتحها، ثم سار فتلقّاه عون ودخل مصر فاستباح أهلها. ثم سنح له أن يقف على مصبّ النّيل، فخرج في جيش كثيف، واستخلف عونا على مصر، وأقام في غيبته أربعين سنة. وإنّ عونا، بعد سبع سنين من مسيره، تجبّر وادّعى أنّه الملك، وأنكر أن يكون غلام الوليد وإنّما هو أخوه، وغلب بالسّحر، وسبى الحرائر، فمال الناس إليه، ولم يدع امرأة من بنات ملوك مصر إلاّ نكحها، ولا مالا إلاّ أخذه وقتل صاحبه. وهو مع ذلك يكرم الكهنة، ويعظّم الهياكل (¬b). فاتّفق أنّه رأى الوليد في منامه وهو يقول له: من أمرك أن تتسمّى باسم الملك، وقد علمت أنّه من فعل ذلك استحقّ القتل؟ ونكحت بنات الملوك، وأخذت الأموال بغير واجب. ثم أمر بقدر ملئت زيتا، وأحميت حتى غلت، ونزع ثيابه ليلقيه فيها، فأتاه عقاب فاختطفه وحلّق به في الجوّ، وجعله في هوّة على رأس جبل، فسقط إلى واد فيه حمأة منتنة (¬c). فانتبه مرعوبا، وقصّ ذلك على كهنته، فقالوا: نحن نخلّصك منه بأن تعمل عقابا وتعبده، فإنّه الذي خلّصك في نومك؛ فقال: أشهد لقد قال لي: اعرف لي هذا المقام ولا تنسه. فعمل عقابا من ذهب، وجعل عينيه جوهرتين، ووشحّه بالجوهر، وعمل له هيكلا لطيفا، وأرخى عليه ستور الحرير، وأقبلوا على تبخيره وقربانه حتى نطق لهم، فأقبل عون على عبادته، ودعا الناس إلى ذلك فأجابوه.

стр. 775

ثم أمر فجمع له كلّ صانع بمصر، وأخرج أصحابه إلى صحراء الغرب لطلب أرض سهلة حسنة الاستواء، يدخل إليها من مواضع صعبة وجبال وعرة، بحيث تقرب من مغيض الماء - التي هي اليوم الفيّوم، وكانت مغيضا لماء النّيل حتى أصلحها يوسف ﵇ ليجري الماء منها إلى المدينة. فخرجوا، وأقاموا شهرا يطوفون حتى وجدوا بغيته، فلم يبق بمصر فاعل ولا مهندس، ولا أحد له بصر بالبناء وقطع الصّخور ونحتها إلاّ وجّه إليها، وأنفذ ألف رجل من الجيش وسبع مائة ساحر لمعاونتهم، وأنفذ معهم الآلات والأزواد على العجل؛ وطريق هذه العجل إلى الفيّوم في صحراء الغرب واضحة من خلف الأهرام. فلمّا تكامل له ما أراد من نحت الحجارة، خطّوا المدينة فرسخين في مثلهما، وحفروا في/ الوسط بئرا جعلوا فيها تمثال خنزير من نحاس بأخلاط، ونصبوه على قاعدة نحاس ووجهه إلى الشّرق، وذلك بطالع بيت زحل واستقامته وسلامته - وكان في شرفه - وذبحوا خنزيرا، ولطّخوا التّمثال بدمه في وجهه، وبخّروا بشيء من شعره، وحشوا جوفه بدمه وشعره وعظامه ولحمه ومرارته، وجعلوا في أذنيه من مرارته، وحرقوا بقيّة الخنزير، وجعلوا رماده في قلّة من نحاس بين يدي التّمثال، ونقشوه بآيات زحل. ثم شقّوا في البئر من الجهات الأربع، في كلّ جهة سربا إلى حيطان المدينة، وعملوا على أفواهها منافس تجذب الهواء، وسدّوا البئر، وعقدوا فيها قبّة على عمد مرتفعة على حيطان المدينة، وجعلوا فيها شوارع يتّصل كلّ شارع بباب من أبواب المدينة، وفصلوها بالطّرقات والمنازل، وجعلوا حول القبّة تماثيل فرسان من نحاس بأيديها حراب، ووجوهها تجاه الأبواب. وجعلوا أساس المدينة من حجر أسود، فوقه حجر أحمر، عليه حجر أصفر، من فوقه حجر أخضر، وفوق الجميع حجر أبيض يشفّ، وكلّها مبنيّة بالرّصاص المصبوب بين الحجارة، وفي قلوبها أعمدة من حديد على بناء الأهرام. وجعلوا طول حصنها ستين ذراعا في عرض عشرين، وعلى رأس كلّ باب حصن بأعلاه عقاب كبير من صفر وأخلاط قد نشر جناحيه وهو أجوف، وعلى كلّ ركن فارس بيده حربة ووجهه إلى خارج المدينة. وساق الماء إلى الباب الشرقي، ينحدر في صبّه إلى الباب الغربي ويخرج إلى صهاريج، وكذلك من الباب الجنوبي إلى الشّمالي، وقرّب للعقاب عقبانا ذكورا، واجتلب الرّياح إلى أفواه

стр. 776

التّماثيل، فصار يسمع لها أصوات هائلة، ووكّل بها أرواحا تمنع الدّاخل إليها إلاّ أن يكون من أهلها. ونصب العقاب الذي يتعبّد له تحت القبّة في وسط المدينة، على قاعدة بأربعة أركان على كلّ ركن وجه شيطان، وجعلها على عمود يديرها. فكان العقاب يدور إلى الجهات، فيقيم في كلّ جهة ربع السنة. فلمّا تمّ ذلك، نقل إلى المدينة الأموال والجواهر التي بمصر من عهد الملوك، والتّماثيل والحكم وتراب الفضّة والعقاقير والسّلاح، وحوّل إليها كبار السّحرة والكهنة وأصحاب الصّنائع والتّجّار، وقسّم المساكن بينهم، فلا يختلط أهل صناعة بسواهم. وعمل لها (¬a) ربضا [يحيط بها وبنى فيه منازل] (¬b) لأصحاب المهن والزّراعة، وعقد على تلك الأنهار قناطر يمشي عليها الدّاخل إلى المدينة، وجعل الماء يدور حول الرّبض، ونصب عليها أعلاما وحرسا، ثم غرس وراء ذلك مما يتّصل بالبرّيّة النّخل والكرم، وجميع أصناف الشّجر على أقسام مقسومة، ومن وراء ذلك كلّه مزارع الغلاّت من كلّ جهة، كلّ ذلك خوفا من الوليد. قال: وبين هذه المدينة وبين منف ثلاثة أيّام، وكان يقيم فيها ويخرج إليها، ثم يعود إلى منف، وكان لها أربعة أعياد في السنة، وهي الأوقات التي يتحوّل العقاب فيها. فلمّا تمّ لعون ذلك اطمأنّ قلبه، إلى أن وافى إليه كتاب الوليد من النّوبة، يأمره بحمل الأزواد ونصب الأسواق. فوجّه إليه في البرّ والبحر بما أراد، وحوّل أهله ومن اصطفاه من بنات الملوك والكبراء إلى المدينة. فلمّا قرب الوليد، خرج إليها وتحصّن فيها، واستخلف على منف. فقدم الوليد، وقد سمع ما فعله عون، فغضب وهمّ أن يبعث إليه جيشا، فعرف بخبر المدينة ومنعتها وخبر السّحرة، فكتب إليه أن يقدم عليه، ويحذّره عاقبة التّخلّف؛ فأجابه: ما على الملك منّي مئونة ولا تعرّض، ولا عبث في بلده لأنّي عبده، وأنا له ردء في هذا المكان من كلّ عدوّ يأتيه من الغرب، ولا أقدر على المسير إليه لخوفي منه، فليقرّني الملك بحالي كأحد عمّاله، وأوجّه إليه

стр. 777

ما يلزمني من خراجه وهداياه؛ وبعث إليه بأموال جليلة وجوهر نفيس، فكفّ عنه. وأقام الوليد بمصر حتّى مات (١). ذكر مدينة الفيّوم اعلم أنّ موضع الفيّوم كان مغيض ماء النّيل، فلمّا ولي السّيّد يوسف الصّدّيق ﵇ تدبير أمور مصر، عمّرها (٢). قال ابن وصيف شاه: ثم ملك الرّيّان بن الوليد - وهو فرعون يوسف، والقبط تسمّيه نهراوش - فجلس على سرير الملك، وكان عظيم الخلق، جميل الوجه، عاقلا متمكّنا؛ فوعد بالجميل، وأسقط عن النّاس خراج ثلاث سنين، وفرّق المال في الخاصّ والعامّ (٣). وملّك على البلد رجلا من أهل بيته يقال له أطفين (¬a)، وهو الذي تسمّيه أهل الأثر: العزيز، فأمر أن ينصب له في قصر الملك سرير من فضّة يجلس عليه، ويغدو فيه ويروح إلى باب الملك، ويخرج العمّال والكتّاب بين يديه فكفى نهراوس ما خالف ستره، وقام بجميع أموره، وخلاّه للذّته (٤). فانغمس نهراوش في لهوه ولم ينظر في عمل، ولا ظهر للنّاس حينا، والبلد عامر وهو لا يسأل عن شيء، وعمل له مجالس من زجاج ملوّن، وحولها ماء فيه أسماك مفرطة وبلّور ملوّن، فكان إذا وقعت عليه الشّمس ظهر له شعاع عجيب. وعملت له عدّة منتزّهات على عدد أيّام السنة، فكان كل يوم في موضع منها، وعمل له في كلّ موضع من الآنية والفرش ما ليس لغيره.

стр. 778

فاتّصل بملوك/ النّواحي تشاغله بلذّته وتدبير أطفين. فسار ملك من العماليق - يقال له أبو قابوس عاكن بن بيجوم (¬a) - إلى مصر، ونزل على حدودها، فجهّز إليه العزيز جيشا عليه قائد يقال له بريانس، فأقام يحاربه ثلاث سنين، فظفر به العمليقي وقتله، وهدم الأعلام والمصانع، وقوي طمعه في البلد. فاجتمع الناس إلى قصر الملك واستغاثوا، فخرج إليهم، وعرض جيوشه، وخرج في ستّ مائة ألف مقاتل سوى الأتباع، فالتقوا من وراء الحوف، وكان بينهما قتال شديد، فانهزم العمليقي، وتبعه نهراوش إلى حدّ الشّام، وقتل خلقا من أصحابه، وأفسد زروعهم وأشجارهم، وحرّق وصلب، ونصب أعلاما على الأماكن التي وصلها، وزبر عليها: «إنّي لمن يجاوز هذا المكان بالمرصاد». وقيل إنّه بلغ الموصل، وضرب على أهل الشّام خراجا، وبنى عند العريش مدينة لطيفة وشحنها بالرّجال. ورجع إلى مصر، فحشد من جميع الأعمال جنودا، واستعدّ لغزو ملك الغرب، وخرج في سبع مائة ألف، فمرّ بأرض البربر، وأجلى كثيرا منهم، وجهّز قائدا في السّفن من ناحية رقودة إلى جزائر بني يافث، فعاث فيها، وخرج من ناحية أرض البربر، فقتل وصالح بعضهم على مال حملوه إليه. ومضى إلى إفريقيّة وقرطاجنّة، فصالحوه على مال، ومرّ حتى بلغ مصبّ البحر الأخضر إلى بحر الرّوم - وهو موضع الأصنام النّحاس - فأقام هناك صنما زبر عليه اسمه وتاريخ خروجه، وضرب على أهل تلك النّواحي الخراج. وعدّى إلى الأرض الكبيرة، وسار إلى الأندلس، فحاربه ملكها أيّاما، ثم صالحه على مال، وأن يمنع من يغزو مصر من ناحيته. وانصرف على غير البحر مشرّقا في بلاد البربر، فلم يمرّ بأمّة إلاّ ودخلت في طاعته. ومرّ في الجنوب فقتل خلقا، وبعث قائدا إلى مدينة على البحر الأسود، فخرج إليه ملكها، وذكر له حال الرّيّان ومصالحة الملوك له، فقال: ما بلّغنا أحد قط. وسأله القائد عن البحر: هل ركبه أحد قط؟ فقال: ما يقدر أحد على ركوبه، وربّما أظلّه غمام فلا يرى أياما؛ وقدم الرّيّان، فحملوا الهدايا إليه، فاكهة أكثرها الموز، وحجارة سوداء إذا جعلت في الماء صارت بيضاء. ثم سار الملك على أمم السّودان إلى مملكة الدّمدم الذين يأكلون النّاس، فخرجوا إليه عراة، فهزمهم وظفر بهم.

стр. 779

ومرّ على البحر المظلم، فغشيهم منه غمام، فترجّع شمالا حتى انتهى إلى تمثال من حجر أحمر يومئ بيده: ارجعوا، وعلى صدره مزبور: «ما ورائي أحد». فسار إلى مدينة النّحاس فلم يصل إليها، ومضى إلى الوادي المظلم، وكانوا (¬a) يسمعون منه جلبة عظيمة، ولا يرون أحدا لشدّة ظلمته. وسار إلى وادي الرّمل، فرأى على معبره أصناما عليها أسماء الملوك، فأقام عليه صنما زبر عليه اسمه، فلمّا أثبت الرّمل جاز عليه إلى الخراب المتّصل بالبحر الأسود، فرأى سباعا يزأر بعضها على بعض، فحكم أنّه لا مذهب له من ورائها. فرجع وعدّى وادي الرّمل، ومرّ بأرض العقارب، فهلك بعض أصحابه، ودفعوا عن أنفسهم أذاها بالرّقى، وجازها إلى مدينة الحكماء - وتعرف بمدينة الكند - ففرّوا منه إلى جبل، فأقام عليه أياما حتى كاد يهلك جيشه عطشا؛ فنزل إليه من الجبل رجل من أفاضل الحكماء، وقد لبس شعره جسده، فقال للملك: أين تريد أيها المغرور الممدود له في الأجل، المرزوق فوق الكفاية؟ أتعبت نفسك وجيشك، ألا اجتزأت بما تملكه، واتّكلت على خالقك، وربحت الرّاحة، وتركت العناء والغرر بهذا الخلق؟ فعجب من قوله، وسأله عن الماء فدّله عليه. وسأله عن موضعهم، فقال: موضع لا يصل إليه أحد، ولا بلغه قبلك أحد؛ فقال: ما عيشك؟ قال: من أصول النّبات نقنع به، ويكفينا اليسير. قال: فمن أين تشربون؟ قال: من الأمطار والثّلوج. قال: فلم هربتم منّا؟ قال: زهادة في مخالطتكم، وإلاّ فليس لنا ما نخافكم عليه؛ قال: فكيف بكم إذا حميت الشّمس؟ قال: نأوي إلى غيران تحت هذا الجبل؛ قال: فهل لكم في مال أخلّفه لكم؟ قال: إنّما يريد المال أهل التّرف، ونحن لا نستعمل منه شيئا، استغنينا عنه بما قد اكتفينا به، وعندنا منه ما لو رأيته لاحتقرت ما عندك؛ قال: فأرنيه، فانطلق بنفر من أصحابه إلى أرض في سفح جبلهم فيها قضبان ذهب ناتئة، وأراهم واديا لهم في حافتيه حجارة زبرجد وفيروز. فأمر نهراوش أصحابه أن يحملوا من كبار تلك الحجارة، ففعلوا. ورأى الحكيم جماعة الملك يصلّون إلى صنم يحملونه معهم، فسأل الملك ألاّ يقيم بأرضهم، وخوّفه من عبادة الأصنام؛ فودّعه وسار، فلم يمرّ بأمّة إلاّ أثّر فيها، حتى بلغ النّوبة فصالحهم على مال، وأقام على دنقلة صنما وزبر عيه اسمه ومسيره. وسار يريد مدينة منف، فكان أهل كلّ

стр. 780

مدينة من مدائن مصر يتلقّونه بالفرح والسّرور والرّياحين والطّيب إلى أن بلغ منف، فخرج أهلها إليه مع العزيز بأصناف الرّياحين والطّيب. وكان العزيز قد بنى له مجلسا من زجاج ملوّن، وفرشه بأحسن فرش، وغرس حوله الأشجار والرّياحين، وجعل فيه بحرة (¬a) من زجاج سماوي، وفي أرضه شبه السّمك من زجاج أبيض، فنزل الملك فيه، وأقام الناس يأكلون ويشربون أياما كثيرة. وتفقّد جيشه، ففقد منهم سبعين ألفا، ووجد فيهم ممّن أسره نيّفا وخمسين ألفا. فكانت/ مدّة غيبته عن مصر، في مسيره هذا، إحدى عشرة سنة. فلمّا بلغ الملوك قدومه هابوه، واشتدّ بأسه وتجبّر، وبنى في الجانب الشرقيّ قصورا من رخام، ونصب عليها أعلاما، وأمر بالعمارة وإصلاح الجسور واستنباط الأراضي، حتى زاد الخراج على مائة ألف ألف دينار (١). ودخل إلى البلد في أيّامه غلام من أهل الشّام احتال عليه إخوته وباعوه - وكانت قوافل الشّام تعرس بناحية الموقف اليوم - فوقف الغلام ونودي عليه، وهو يوسف الصّدّيق بن يعقوب بن إبراهيم خليل الرّحمن - صلوات اللّه عليهم وسلامه - فاشتراه أطفين العزيز (¬b) ليهديه إلى الملك (٢)، فلمّا أتى به قصره رأته امرأته زليخا، وهي ابنة عمّه، فقالت: اتركه لنا نربّيه لينفعنا، ففعل (¬b)، وكان من أمرها ما قصّه اللّه تعالى في القرآن. فكانت تكتم حبّة حتى غلبت، فخلت به وتزيّنت له، وعرّفته أنّها تحبّه، وأنّه إن واتاها على ما تريده منه حبته بمال عظيم، فامتنع من ذلك. ورامت (¬c) أن تغلبه، فما زالت تعاركه، وهو يمتنع عليها (¬d)، إلى أن وافى زوجها، ورآه وهو هارب منها - وكان العزيز عنّينا لا يأتي النّساء - فجعل يوسف يعتذر إليه، وقالت: إنّي كنت نائمة فأتاني يراودني عن نفسي. وتبيّن من شاهد أهلها أنّ الأمر من قبل امرأته، فقال ليوسف: ﴿أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ - أي عن اعتذارك - وقال لها: ﴿اِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [الآية ٢٩ سورة يوسف].

стр. 781

وقد كان خبر أطفين والغلام بلغ الملك، وكان نهراوش عاود العكوف على اللّهو والاحتجاب عن النّاس. واتّصل خبر زليخا ويوسف بنساء الخاصّة، فعيّرنها بذلك، فدعت جماعة منهن، وصنعت لهنّ طعاما وشرابا، وعملت مجلسين مذهّبين، وفرشتهما بديباج أصفر مذهّب، وأرخت عليهما ستور الدّيباج، وأمرت المواشط بتزيين يوسف وإخراجه من المجلس الذي يحاذي المجلس الذي كانت مع النّسوة فيه، وكان المجلس محاذيا للشّمس. فأخذته المواشط، ونظمن شعره بأصناف الجواهر، وألبسنه ثوب ديباج أصفر قد نسج بدارات حمر مذهّبة فيها أطيار صغار خضر، مبطّن ببطانة خضراء، ومن تحته غلالة حمراء، وعلى رأسه تاج قد نظم بالدّرّ والجوهر، وأخرجن من تحت التّاج أطراف شعره على جبهته، ورددن ذوائبه على صدره، وجعلن جبهته مكشوفة والتّاج محيط بها، وفي أذنية قرطي جوهر، ومن خلف طوق القباء شعر مسبل بين كتفيه منظوم مشبّك بالذّهب والجوهر، وفي عنقه طوق منظوم بذهب، مشدّد بجوهر أحمر ودرّ فاخر، وفي وسطه منطقة ذهب، فيها كواكب (¬a) جوهر ملوّن، ولها معاليق منظومة، وألبسنه خفّين أبيضين منقوشين بأخضر على نقوش ذهب، وجعلن للقباء الذى عليه وشاحين على كتفيه (¬b) وفراوز يحيط بأسفله، وكمّيه من جوهر أخضر، وعقربن صدغيه على خدّيه، وكحّلن عينيه، ودفعن إليه مذبّة شعرها أخضر. فلمّا فرغ النّساء من طعامهن، وشربن أقداحا، قدّمت إليهن سكاكين نصلهنّ (¬c) من جوهر ليقطعن بها الفاكهة. فيقال إنّهن أخذن أترجا وهن يقطّعنه، إذ قالت لهن: قد بلغني حديثكنّ في أمري مع عبدي؛ فقلن لها: الأمر كما بلغك، لأنّك أعلى قدرا من هذا، ومثلك يرتفع عن أولاد الملوك لحسنك وشرفك، فكيف ترضين بغلامك؟ فقالت: لم يبلغكن الصّدق، ولا هو عندي بهذا؛ وأومأت إلى المواشط أن يخرجن يوسف، فرفعن السّتور عن المجلس الذي يحاذي مجلسها، وبرز منه يوسف محاذيا بوجهه الشّمس، فأشرق المجلس وما فيه من وجه يوسف، وأقبل بالمذبّة - وهن يرمقنه - فوقف على رأس زليخا يذبّ عنها. فاشتغل النّساء برؤيته، وجعلن يقطّعن أيديهنّ موضع الفاكهة التي كانت معهنّ، ولا يعين الكلام ذهولا منهن بما رأين من حسن يوسف؛ فقالت لهنّ زليخا: ما لكنّ قد اشتغلتنّ عن خطابي بالنّظر إلى عبدي؟ فقلن: معاذ اللّه!

стр. 782

ما هذا عبدك، إن هذا إلاّ ملك كريم! ولم يبق منهن امرأة إلا حاضت، وأنزلت شهوة من محبّته؛ فقالت زليخا عند ذلك: فهذا الذي لمتنّني فيه؛ فقلن: ما ينبغي لأحد أن يلومك في هذا، ومن لامك فقد ظلمك، فدونكه، قالت: قد فعلت فأبى عليّ، فخاطبنه لي. فكانت كلّ واحدة منهن تخاطبه، وتدعوه سرّا إلى نفسها، وتبتذل له وهو يمتنع عليها، فإذا يئست منه أن يجيبها لنفسها، خاطبته من جهة زليخا، وقالت: مولاتك تحبّك وأنت تكرهها، ما ينبغي أن تخالفها، فقال: ما لي بذلك حاجة؛ فلمّا رأين ذلك أجمعن على أخذه غصبا، فقالت زليخا: لا يجوز هذا، لكنّه إن لم يفعل لأمنعنّه اللّذات، ولأسجنّنه، وأنتزع جميع ما أعطيته؛ فقالت يوسف: ﴿رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [الآية ٣٣ سورة يوسف]. فأقسمت بإلهها - وكان صنما من زبرجد أخضر باسم عطارد - أنّه إن لم يفعل لتعجّلنّ له ذلك. ثم أمرت بنزع ثيابه، وألبسته الصّوف، وسألت العزيز حبسه ليزول ما قذفها به، فأمر به فحبس. ورأى الملك في منامه كأنّ آتيا أتاه فقال له إنّ فلانا وفلانا قد عزما على قتلك - يريد صاحبي طعامه وشرابه - فلمّا أصبح قرّرهما، فاعترفا له، وقيل اعترف أحدهما وأنكر الآخر، فأمر بحبسهما. وكان اسم صاحب الطّعام «راسان»، واسم صاحب الشّراب «مرطس». وكان يوسف وهو في السّجن، رءوفا بمن فيه ويعدهم/ الفرج؛ فأخبره صاحبا طعام الملك وشرابه برؤياهما التي قصّها اللّه في كتابه، فوقع كما قصّه يوسف. ورأى الملك البقرات والسّنابل، فعرّفه السّاقي خبر يوسف، فمضى إليه وقصّها عليه. فلمّا عاد إلى الملك، قال: جيئوني به؛ فقال يوسف: ما أخرج، أو يكشف أمر النّسوة اللاتي من أجلهنّ حبست؛ فكشف عن ذلك، فاعترفت زليخا بالقصّة. ووجّه إليه، فأخرج وغسل من درن السّجن وألبس ما يليق بالدّخول على الملوك. فلمّا رآه امتلأ قلبه من حبّه وإكباره، وسأله عن الرّؤيا، ففسّرها كما قال اللّه تعالى؛ فقال الملك: ومن يقوم لي بذلك؟ فقال: أنا. فخلع عليه خلع الملوك، وألبسه تاجا، وأمر أن يطاف به، وركب الجيش معه، وتردّد إلى قصر الملك، وجلس على سرير العزيز، واستخلفه الملك على ملكه مكانه. ويقال: إنّ العزيز أطفين كان قد مات، فزوّجه امرأته؛ وقال لها يوسف: هذا أصلح ممّا أردت؛ فقالت: اعذرني إنّ زوجي كان عنّينا، ولم ترك امرأة إلاّ صبا قلبها إليك من حسنك.

стр. 783

وجاءت سنو خصب في مصر، فجمع يوسف الغلال وخزنها وأكثر منها. فلمّا جاءت سنو الجدب بدأ النّيل في النّقصان، وكان ينقص كلّ سنة أكثر من التي قبلها، فقحط البلد حتى بيع القمح بالمال والجوهر والدّواب والثّياب والآنية والعقار، وكاد أهل مصر يرحلون عنها لولا تدبير يوسف. وقحط الشّام أيضا، وكان من مجيء إخوة يوسف ما قصّه اللّه تعالى، ووجّه إلى أبيه فحمل إلى مصر وجميع أهله، وخرج في وجوه أهل مصر فتلقّاه وأدخله على الملك. وكان يعقوب مهيبا (¬a)، فأعظمه الملك، وسأله عن سنّه وصناعته وعبادته؛ فقال: سنّي عشرون ومائة سنة، وأمّا صناعتي فلنا غنم ترعى ننتفع بها، وأعبد ربّ العالمين الذي خلقك وخلقني، وهو إله آبائي وإلهك وإله كلّ شيء. وكان في مجلس الملك كاهن جليل القدر، فقال للملك: إنّي أخاف أن يكون خراب مصر على يد ولد هذا؛ فقال له الملك: فأنّى لنا خبره، فقال الكاهن ليعقوب: أرني إلهك أيّها الشّيخ؛ قال: إلهي أعظم من أن يرى، قال: فإنّا نرى آلهتنا، قال: إنّ آلهتكم من ذهب وفضّة وحجارة وجوهر ونحاس وخشب ممّا يعمله بنو آدم، وهم عبيد إلهي، لا إله إلاّ هو العزيز الحكيم؛ قال الكاهن: إنّ كلّ شيء لا تراه العيون ليس بشيء. فغضب يعقوب وكذّبه، وقال: إنّ اللّه شيء لا كالأشياء، وهو خالق كلّ شيء لا إله إلاّ هو. قال: فصفه لنا؛ قال: إنّما يوصف المخلوق، لكنّه خالق واحد قديم مدبّر أزليّ، يرى ولا يرى. وقام يعقوب مغضبا، فأجلسه الملك، وأمر الكاهن فكفّ عنه. فقال الكاهن: إنّا نجد في كتبنا أنّ خراب مصر يجري على أيدي هؤلاء؛ فقال الملك: هذا يكون في أيّامنا؟ قال: لا، ولا إلى مدّة كثيرة، والصّواب أن يقتله الملك ولا يبقي من ذرّيته أحدا، فقال الملك: إن كان الأمر كما تقول فلا يمكننا أن ندفعه، ولا نقدر على قتل هؤلاء. وأنزل يعقوب ومن معه بوادي السّدير إلى أن مات، فحمل إلى قرية إبراهيم ﵇ ودفن عنده. ويقال إنّ نهراوش الملك آمن، وكتم إيمانه خوفا من فساد أمره، وأقام ملكا مائة وعشرين سنة.

стр. 784

وفي وقته عمل يوسف الفيّوم، فإنّ أهل مصر كانوا وشوا به إلى الملك، وقالوا: قد كبر ونقص نفعه، فاختبره، فقال له: إنّي وهبت هذه النّاحية لابنتي - وكانت مغايض للماء - فدبّرها لها، فعملها يوسف، واحتال للمياه حتى أخرجها وقلع أدغالها (¬a)، وساق المنهى وبنى اللاّهون، وجعل الماء فيها مقسوما موزونا، وفرغ منها في شهور أربعة، فعجبوا من حكمته. ويقال إنّه أوّل من هندس بمصر. ومات نهراوش، فخلف ابنه دريموس (¬b)، وسمّته أهل الأثر دارم بن الرّيّان، هو الفرعون الرّابع عندهم، فخالف سنّة أبيه (١). وكان يوسف خليفته، فقبل منه بعضا، وخالفه في البعض. فمات يوسف في أيّامه وله مائة وعشرون سنة، فكفّن وجعل في تابوت من رخام، ودفن في الجانب الغربي فأخصب ونقص الشّرقي، فحوّل إليه فأخصب ونقص الغربي، فاتّفقوا على أن يجعلوه في الشرقي عاما وفي الغربي عاما، ثم حدث لهم من الرّأي أن يجعلوا له حلقا وثاقا ويشدّوا التّابوت في وسط النّيل، فأخصب الجانبان كلاهما (٢). وقال ابن عبد الحكم: فملكهم الرّيّان بن الوليد بن دومغ، وهو صاحب يوسف النّبي ﵇ فلمّا رأى الملك رؤياه التي رأى وعبّرها يوسف، أرسل إليه الملك فأخرجه من السّجن، قال ابن عبّاس ﵄: فأتاه الرّسول فقال: ألق عنك ثياب السّجن، والبس ثيابا جددا، وقم إلى الملك، فدعا له أهل السّجن، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة، فلمّا أتاه، رأى غلاما حدثا فقال: أيعلم هذا رؤياي ولا تعلمها السّحرة والكهنة؟ وأقعده قدّامه وقال له: لا تخف؛ قال: فلمّا استنطقه وسأله، عظم في عينيه، وجلّ أمره في قلبه (¬c)، فدفع إليه خاتمه، وولاّه ما خلف بابه، وألبسه طوقا من ذهب وثياب حرير، وأعطاه دابّة مسرجة مزيّنة كدابّة الملك، وضرب بالطّبل بمصر أنّ يوسف خليفة الملك. وعن عكرمة أنّ فرعون قال ليوسف: قد سلطنتك على مصر، غير أنّي أريد أن أجعل كرسيّ أطول من كرسيك بأربع أصابع؛ وأجلسه/ على السّرير، ودخل الملك بيته مع

стр. 785

نسائه، وفوّض أمر مصر كلّها إليه، فبسبب عبارة رؤيا الملك، ملك يوسف مصر. وعن اللّيث بن سعد قال: حدّثني مشيخة لنا، قالوا: اشتدّ الجوع على أهل مصر، فاشتروا الطّعام بالذّهب حتى لم يجدوا ذهبا، فاشتروا بالفضّة حتى لم يجدوا فضّة، فاشتروا بأغنامهم حتى لم يجدوا غنما. فلم يزل يبيعهم الطّعام حتى لم يبق لهم فضّة ولا ذهب ولا شاة ولا بقرة في تلك السنتين، فأتوه في الثّالثة فقالوا له (¬a): لم يبق لنا إلاّ أنفسنا وأهلونا وأرضونا، فاشترى يوسف أرضهم كلّها لفرعون، ثم أعطاهم يوسف طعاما يزرعونه على أنّ لفرعون الخمس (١). ويقال في خبر بناء يوسف ﵇ مدينة الفيّوم: إنّه لمّا وزر لفرعون ثلاثين سنة عزله، فقال: لم عزلتني؟ قال: لم أعزلك عن ريبة (¬b)، ولا أنسى بركتك، ولكنّ آبائي عهدوا إليّ ألاّ يتولّى لنا وزير أكثر من ثلاثين سنة، وإنّا نخشى أن يتأصّل الوزير حتى يدبّر على الملك، فقال له يوسف: قد علمت نصحي لك حتى صيّرت ديار مصر كلّها ملكا لك، فأقطعني أرضا تكون لقوتي وقوت أهلي وعشيرتي، فقال له فرعون: اختر حيث شئت. فمشى يوسف في قفار الأرض، حتى رأى أرض الفيّوم وفيها جبل حائل بين النّيل وبينها، فوزن ماء النّيل حتى رأى أنّ قاعها يركبه النّيل، فخرق خرقا في ذلك الجبل، وساق الماء فيه إلى الفيّوم فسقى الأرض. وعمل في جوانب الماء ثلاث مائة وستين قرية على عدد أيّام السنة، وشحنها بالغلال والأقوات التي ازدرعها، فكان إذا نقص النّيل ووقع الجوع بأرض مصر، باع كلّ يوم ما جمعه في قرية من قرى الفيّوم، حتى ملك مصر لنفسه كما جمعها للملك. فعظم شأن يوسف وكثر ماله، فردّه الملك بعد مدّة إلى وزارته. وتوفّي وهو وزير، فأوصى بخروج جثّتّه إلى الأرض المقدّسة، فخرج بها هارون بن أفراييم بن يوسف في مائة ألف من بني إسرائيل، فهزمته الجبابرة فيما بين مصر والشّام، وهلك أكثر من معه، وعاد بمن بقي معه إلى مصر، فأقاموا بها حتى بعث اللّه موسى بن عمران ﵇ إلى فرعون رسولا، فخرج ببني إسرائيل من مصر ومعه جثّة يوسف ﵇.

стр. 786

وفي ذلك الزّمان استنبطت الفيّوم، كان سبب ذلك أنّ يوسف لمّا ملك مصر، وعظمت منزلته من فرعون، وجاوزت سنّة مائة سنة، قال وزراء الملك له: إنّ يوسف قلّ علمه، وتغيّر عقله، ونفدت حكمته. فعنّفهم فرعون، وردّ عليهم مقالتهم، وأساء اللّفظ لهم، فكفّوا. ثم عاودوه بذلك القول بعد سنين، فقال لهم: هلمّوا ما شئتم، من أي شيء أختبره به؟ وكان بلد الفيّوم يومئذ يدعى الجوبة، وإنّما كانت لمصالة ماء الصّعيد وفضوله، فاجتمع رأيهم على أن تكون هي المحنة التي يمتحنون بها يوسف، فقالوا لفرعون: سل يوسف أن يصرف ماء الجوبة عنها ويخرجه منها، فتزداد بلدا إلى بلدك، وخراجا إلى خراجك. فدعا يوسف فقال: تعلم مكان ابنتي فلانة منّي، وقد رأيت إذا بلغت أن أطلب لها بلدا، وإنّي لم أصب لها إلاّ الجوبة - وذلك أنّه بلد بعيد قريب، لا يؤتى من وجه من الوجوه إلاّ من غابة أو صحراء، وكذلك ليست هي تؤتى من ناحية من النّواحي من مصر إلاّ من مفازة وصحراء، فالفيّوم وسط مصر كمثل مصر في وسط البلاد، لأنّ مصر لا تؤتى من ناحية من النّواحي إلاّ من صحراء أو مفازة - قال: وقد أقطعتها إيّاها، فلا تتركن وجها ولا نظرا إلاّ بلغته. فقال يوسف: نعم أيّها الملك، متى أردت ذلك فابعث إليّ، فإنّي إن شاء اللّه فاعل ذلك؛ قال: إنّ أحبّه إليّ وأوفقه أعجله. فأوحي إلى يوسف أن تحفر ثلاثة خلج: خليجا من أعلى الصّعيد من موضع كذا إلى موضع كذا، وخليجا شرقيّا من موضع كذا إلى موضع كذا، وخليجا غربيّا من موضع كذا إلى موضع كذا. فوضع يوسف العمّال، فحفر خليج المنهى من أعلى أشمون إلى اللاّهون، وأمر البنّائين أن يحفروا اللاّهون، وحفر خليج الفيّوم وهو الخليج الشّرقي، وحفر خليجا بقرية يقال لها تنهمت (¬a) من قرى الفيّوم وهو الخليج الغربي. فخرج ماؤها من الخليج الشّرقي فصبّ في النّيل، وخرج من الخليج الغربي فصبّ في صحراء تنهمت إلى الغرب، فلم يبق في الجوبة ماء. ثم أدخلها الفعلة، فقطع ما كان فيها من القصب والطّرفاء، وأخرجه منها. وكان ذلك ابتداء جري النّيل، وقد صارت أرض الجوبة أرضا (¬b) نقيّة برية، وارتفع ماء النّيل فدخل في رأس المنهى، فجرى فيه حتى انتهى إلى اللاّهون، فقطعه إلى الفيّوم فدخل خليجها فسقاها، فصارت لجّة من النّيل. (١)

стр. 787

وخرج إليها الملك ووزراؤه - وكان هذا كلّه في سبعين يوما - فلمّا نظر إليها الملك قال لوزرائه أولئك: هذا عمل ألف يوم، فسمّيت ألفيوم، وأقامت تزرع كما تزرع غوائط مصر. قال: وقد سمعت في استخراج الفيّوم غير هذا، أنّ يوسف ﵇ ملك مصر وهو ابن ثلاثين، فأقام يدبّرها أربعين سنة، فقال أهل مصر: قد كبر يوسف واختلّ (¬a) رأيه فعزلوه، وقالوا: اختر لنفسك من الموات أرضا تقطعها لنفسك وتصلحها وتعمل رأيك فيها، فإنّ رأينا من رأيك وحسن تدبيرك ما نعلم أنّك في زيادة من عقلك، رددناك إلى ملكك؛ فاعترض البرّيّة في نواحي مصر، فاختار موضع الفيّوم، فأعطيها، فشقّ إليها خليج/ المنهى من النّيل حتى أدخله الفيّوم كلّها، وفرغ من حفر ذلك كلّه في سنة. قال يزيد بن أبي حبيب: وبلغنا أنّه إنّما عمل ذلك بالوحي، وقوي على ذلك بكثرة الفعلة والأعوان، فنظروا فإذا الذي أحياه يوسف من الفيّوم لا يعلمون له بمصر كلّها مثلا ولا نظيرا، فقالوا: ما كان يوسف قطّ أفضل عقلا ولا رأيا ولا تدبيرا منه اليوم، فردّوا إليه الملك، فأقام ستّين سنة أخرى تمام مائة سنة، حتّى مات وهو ابن ثلاثين ومائة سنة. قال: ثم بلغ يوسف قول وزراء الملك وأنّه إنّما كان ذلك منهم (¬b) على المحنة منهم له، فقال للملك: عندي من الحكمة والتّدبير غير ما رأيت؛ فقال له الملك: وما ذاك؟ قال: أنزل الفيّوم من كلّ كورة من كور مصر أهل بيت، وآمر أهل كلّ بيت أن يبنوا لأنفسهم قرية - وكانت قرى الفيّوم على عدد كور مصر - فإذا فرغوا من بناء قراهم، صيّرت لكلّ قرية من الماء بقدر ما أصيّر لها من الأرض، لا يكون في ذلك زيادة ولا نقص، وأصيّر لكلّ قرية شربا في زمان لا ينالهم الماء إلاّ فيه، وأصيّر مطاطئا للمرتفع ومرتفعا للمطاطئ بأوقات من السّاعات في اللّيل والنّهار، وأصيّر لها قبضات، فلا يقصر بأحد دون حقّه، ولا يزاد (¬c) فوق قدره؛ فقال له فرعون: هذا من ملكوت السّماء؟ قال: نعم. فبدأ يوسف فأمر ببنيان القرى وحدّد لها حدودا، وكانت أوّل قرية عمّرت بالفيّوم قرية يقال لها شانة (¬d)، وهي القرية التي كانت تنزلها بنت فرعون. ثم أمر بحفر الخليج وبنيان القناطر، فلمّا فرغوا من ذلك استقبل وزن الأرض ووزن الماء. ومن يومئذ حدثت الهندسة، ولم يكن الناس يعرفونها قبل ذلك. وكان أوّل من قاس النّيل بمصر يوسف، ووضع مقياسا بمنف (١).

стр. 788

قال جامعه: وفي التّوراة أنّ فرعون ألزم بني إسرائيل البناء وضرب اللّبن، فبنوا له عدّة مدن محصّنة منها فيثوم وعرمسيس، قال الشارح: هي الفيّوم وحوف رمسيس. وفي (١) زمان الرّيّان بن الوليد دخل يعقوب ﵇ وولده مصر، وهم ثلاثة وسبعون نفسا ما بين رجل وامرأة، فأنزلهم يوسف ما بين عين شمس إلى الفرما، وهي أرض ريفية برية. وكان يعقوب لمّا دنا من مصر، أرسل يهوذا إلى يوسف، فخرج إليه يوسف فلقيه فالتزمه وبكى. فلمّا دخل يعقوب على فرعون كلّمه - وكان يعقوب شيخا كبيرا حليما، حسن الوجه واللّحية، جهير الصّوت - فقال له فرعون: أيّها الشّيخ، كم أتى عليك؟ قال: عشرون ومائة. وكان بمين (¬a) ساحر فرعون قد وصف صفة يعقوب ويوسف وموسى - صلوات اللّه عليهم - في كتبه، وأخبر أنّ خراب مصر وهلاك أهلها يكون على أيديهم، ووضع البربايات وصفات من تخرب مصر على يديه. فلمّا رأى يعقوب قام إلى مجلسه، فكان أوّل ما سأله عنه أن قال: من تعبد أيّها الشّيخ؟ قال له يعقوب: أعبد اللّه إله كلّ شيء؛ فقال: فكيف تعبد من لا ترى؟ قال يعقوب: إنّه أعظم وأجلّ من أن يراه أحد. قال: فنحن نرى آلهتنا؟ قال يعقوب: إنّ آلهتكم من عمل أيدي بني آدم من يموت ويبلى، وإنّ إلهي لأعظم وأرفع، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد. فنظر بمين (¬a) إلى فرعون فقال: هذا الذي يكون هلاك بلادنا على يديه، قال فرعون: أفي أيّامنا أو في أيّام غيرنا؟ قال: ليس في أيّامك ولا أيّام بنيك؛ قال الملك: فهل تجد هذا فيما قضى به إلهكم؟ قال: نعم. قال: فكيف تقدر أن تقتل من يريد إلهه هلاك قومه على يديه فلا تعبأ بهذا الكلام؟ وعن كعب أنّ يعقوب عاش في أرض مصر ستّ عشرة سنة، فلمّا حضرته الوفاة قال ليوسف: لا تدفنّي بمصر، فإذا متّ فاحملوني فادفنوني في مغارة جبل حبرون - وحبرون (¬b) (٢) مسجد إبراهيم الخليل ﵇، وبينه وبين بيت المقدس ثمانية عشر ميلا.

стр. 789

قال: فلمّا مات لطّخوه بمرّ وصبر، وجعلوه في تابوت من ساج، فكانوا يفعلون به ذلك أربعين يوما، حتى كلّم يوسف فرعون فأعلمه أنّ أباه قد مات، وأنّه سأله أن يقبره في أرض كنعان، فأذن له، وخرج معه أشراف أهل مصر حتى دفنه وانصرف. وقيل: قبر يعقوب بمصر فأقام بها نحوا من ثلاث سنين، ثم حمل إلى بيت المقدس، وأوصاهم بذلك عند موته (١). قال: ثم مات الرّيّان بن الوليد، فملكهم من بعده ابنه دارم بن الرّيّان. وفي زمانه توفّي يوسف ﵇ فلمّا حضرته الوفاة قال: إنّكم ستخرجون من أرض مصر إلى أرض آبائكم، فاحملوا عظامي معكم. فمات فجعلوه في تابوت ودفنوه في أحد جانبي النّيل، فأخصب الجانب الذي كان فيه وأجدب الجانب الآخر، فحوّلوه إلى الجانب الآخر فأخصب الجانب الذي حوّلوه إليه وأجدب الآخر. فلمّا رأوا ذلك، جمعوا عظامه فجعلوها في صندوق من حديد، وجعلوا فيه سلسلة، وأقاموا عمودا على شاطئ النّيل، وجعلوا في أصله سكّة من حديد، وجعلوا السّلسلة في السّكّة، وألقوا الصّندوق في وسط النّيل، فأخصب الجانبان جميعا (٢). وكان سبب حمل عظام يوسف من مصر إلى الشّام، أنّ سارح (¬a) ابنة أشر بن يعقوب عمّرت حتى صارت عجوزا كبيرة ذاهبة البصر، فلمّا سرى موسى ﵇ ببني إسرائيل غشيتهم ضبابة حالت بينهم وبين الطّريق أن يبصروه، وقيل لموسى: لن تعبر إلاّ ومعك عظام يوسف؛ قال: ومن يدري أين/ موضعها؟ قالوا: عجوز كبيرة ذاهبة البصر تركناها في الدّيار، فرجع موسى، فلمّا سمعت حسّه، قالت: ما ردّك؟ قال: أمرت أن أحمل عظام يوسف، قالت: ما كنتم لتعبروا إلاّ وأنا معكم، قال: دلّيني على عظام يوسف، فدلّته عليها، فأخذ عظام يوسف معه إلى التّيه. يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرّحمن، صلوات اللّه عليهم، أحد الأسباط الاثني عشر، ولد بأرض كنعان من بلاد الشّام، ورأى الأحد عشر كوكبا والشّمس والقمر له ساجدين، وعمره سبع عشرة سنة.

стр. 790

وكاده إخوته على ذلك، وباعوه من قوم مدنيّين، فساروا به إلى مصر وباعوه لقائد فرعون. فأقام في منزله اثني عشر شهرا، ثم راودته امرأة العزيز عن نفسه فاعتصم، وكذبت عليه إلى أن حبس، ومكث في السّجن عشر سنين، وقيل غير ذلك. فلم يزل في السّجّن إلى أن رأى السّاقي والخبّاز ذينك المنامين، وفسّر لهما يوسف وخرجا، فأنسي السّاقي يوسف سنتين، إلى أن رأى الملك البقر والسّنابل، فذكره وأتاه فقصّ عليه الرّؤيا وعبّرها، فأخرج من السّجن وله حينئذ ثلاثون سنة، فاستوزره الملك. ومن ذلك الوقت إلى أن صار يعقوب إلى مصر تسع سنين، منها سبع سنين من سني الشّبع، وسنتان من سني الجوع. وكان ليعقوب في السّنة التي صار فيها إلى مصر مائة سنة وثلاثون سنة، وكان أهل بيته حينئذ سبعين نفسا. ومنذ سار إلى مصر إلى أن ولد موسى ﵇ مائة وثلاثون سنة أخرى. فلمّا مضى له بمصر سبع عشرة سنة توفي وعمره مائة وسبع وأربعون سنة. فخاف الأسباط حينئذ مقابلة يوسف إيّاهم، فقالوا: إنّ أباك أوصى أن تغفر ذنب إخوتك، فإنّك وهم عبيد اللّه إله أبيك، فبكى يوسف وقال لهم: لا تحتاجون إلى ذلك، ووعدهم بخير تمّمه لهم. ومات يوسف وله مائة سنة وعشر سنين، واللّه أعلم. ذكر ما قيل في الفيّوم وخلجانها وضياعها قال اليعقوبيّ: كان يقال في متقدّم الأيّام: مصر والفيّوم، لجلالة الفيّوم وكثرة عمارتها، وبها القمح الموصوف، وبها يعمل الخيش (١). وحكى المسعودي أن معنى الفيّوم: ألف يوم (٢). قال القضاعيّ: الفيّوم، وهي مدينة دبّرها يوسف النّبي ﵇ بالوحي، وكانت ثلاث مائة وستّين ضيعة، تمير كلّ ضيعة منها مصر يوما واحدا، فكانت تمير مصر السّنة. وكانت تروى من اثني عشر ذراعا، ولا يستبحر ما زاد على ذلك، فإنّ يوسف ﵇ اتّخذ لهم مجرى، ورتّبه ليدوم لهم دخول الماء فيه، وقوّمه بالحجارة المنضّدة، وبنى به اللاّهون.

стр. 791

وقال ابن رضوان: الفيّوم يخزن فيه ماء النّيل، ويزرع عليه مرّات في السنة، حتى إنّك ترى هذا الماء إذا خلّي يغيّر لون النّيل وطعمه، وأكثر ما تحسّ هذه الحالة في البحيرة التي تكون في أيّام القيظ بسفط ونهيا وصاعدا إلى ما يلي الفيّوم، وهذه حالة تزيد في رداءة أهل المدينة - يعني مصر - ولا سيّما إذا هبّت ريح الجنوب (١)، فإنّ الفيّوم في جنوب مدينة مصر على مسافة بعيدة من أرضها. وقال القاضي السّعيد أبو الحسن عليّ بن القاضي المؤتمن بقيّة الدولة أبي عمرو عثمان بن يوسف القرشي المخزومي في كتاب «المنهاج في علم الخراج»: وهذه الأعمال من أحسن الأشياء تدبيرا، وأوسعها أرضا وأجودها قطرا، وإنّما غلب على بعضها الخراب لخلوّها من أهلها، واستيلاء الرّمل على كثير من أرضها. وقد وقفت على دستور عمله أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر بن الحسن ابن إسحاق، لذكر خلجان الأعمال المدثورة وما عليها من الضّياع. وقد أوردته ههنا وإن كان منه ما قد دثر، ومنه ما تغيّرت أسماؤه، ومنه ما جهلت مواضعه بالدّثور ولكن أوردته ليعلم منه حال العامر الآن، ويستضيء (¬a) به من له رغبة في عمارة ما يقدر عليه من الغامر. وفي إيراده مصلحة ليعلم شرب كلّ موضع من موضعه (¬b). ونسخته: «دستور يشتمل (¬b) على ما أوضحه الكشف من حال الخلج الأمّهات بمدينة الفيّوم، وما لها من المواضع، وشرب كلّ ضيعة منها، ورسمها في السّد والفتح والتّعديل والتّحرير وزمان ذلك، عمل في جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وأربع مائة. نبتدئ، بعون اللّه وحسن توفيقه، بذكر حال البحر الأعظم الذي منه هذا الخليج (¬c)، فنذكر مادّته التي صلاحه بصلاحها. خليج الفيّوم الأعظم: يصل الماء إلى هذا الخليج من البحر الصّغير المعروف بالمنهى ذي الحجر اليوسفي، وفوقه هذا البحر عند الجبل المعروف بكرسي السّاحرة من أعمال الأشمونين، ومنه شرب بعض الضّياع

стр. 792

الأشمونية والقيسيّة والأهناسيّة، وعلى جانبيه ضياع كثيرة شربها منه وشرب كروم ما له كروم منها. قال: «الحجر اليوسفي»: والحجر اليوسفي جدار مبني بالطّوب والجير المعروف عند المتقدّمين بالصّاروج، وهو الجير والزّيت. وبناؤه من جهة الشّمال إلى الجنوب، ويتّصل من نهايته من الجنوب بجدار بناؤه مثل بنائه، على استقامة من الغرب إلى الشّرق، ويحصره/ ميلان منه في نهايته، وطوله مائتا ذراع بذراع العمل. ويتّصل بهذا الجدار، على طول ثمانين ذراعا منه من جهة الغرب، نهاية الجدار الأعظم من الجنوب. وفائدة بناء الجدار الأعظم، ردّ الماء إذا انتهى إلى حدود اثنتي عشرة ذراعا إلى مدينة الفيّوم. وطول ما يتّصل منه الجدار الذي من جهة الغرب إلى الشّرق، ثم يتّصل بالميل، ثم ينخفض من حدود هذا الميل إلى ميل مثله يقابله من جهة الشّمال، خمسون ذراعا. وبعد ما بين هذين الميلين - وهو المنخفض - مائة ذراع وعشرة أذرع. ومقدار المنخفض منه أربعة أذرع. وهذا المنخفض هو الذي يسدّ بجسر من حشيش يسمّى لمشا: وعرض ما يجري عليه الماء وقت النّيل (¬a) - وهو موضع اللّمش وما قابله إلى جهة الشّرق - أربعون ذراعا، وعليه (¬b)) تجري المراكب في وقت النّيل ويحصر موضع اللمش ميلان فائدتهما (¬b) مسك اللّمش الثاني. ويتّصل بهذا الميل إلى جهة الشّمال ما طوله ثلاث مائة واثنان وسبعون ذراعا، ثم يتّصل به - على نهاية هذا الطول - جدار رسم (¬c) على استقامته إلى المشرق (¬d) مبني بالحجر، طوله على استقامته إلى جهة الشّرق مائة ذراع - ثم ينخفض أيضا من حيث يتّصل بهذا الجدار ما طوله عشرون ذراعا، وقدر المنخفض منه ذراعان. وهذا المنخفض أيضا يسدّ بجسر حشيش يسمّى اللكند. وطول بقيّة الجدار إلى نهايته إلى (¬e) جهة الشّمال مائة وستة وثلاثون ذراعا، وقبالة هذا بطوله منه مبلّط، وفيه قناطر مبنية بالحجر، كانت قديما

стр. 793

تردّ الماء إلى الفيّوم من الخليج القديم الذي عنده السّدود اليوم، وكان عليها أبواب، وعدّتها عشر قناطر قديمة. فيكون جميع ذرع الجدار الأعظم من نهايته سبع مائة واثنين وسبعين ذراعا بذراع العمل، دون الجدار المعترض من الغرب إلى الشرق. ويمرّ هذا الجدار الأعظم من كلتا جهتيه جميعا حتى يتّصل بالجبل، فتوجد آثاره في الغيط (¬a) مرورا على غير استقامة، وعرضه مختلف. وكلّما انتهى إلى سطحه قلّ عرضه. وعرض أعلاه مع الظّاهر من أسفله جميعا ستة عشر ذراعا. وفيه منافس يخرج منها الماء، وهي برابخ زجاج ملوّنة تشبه المينا وأزرق وسليماني. وهو من العجائب الحسنة في عظم البناء وإتقانه؛ لأنّه من الأبنية اللاّحقة بمنارة الإسكندرية وبناء الأهرام. فمن معجزته أنّ النّيل يمرّ عليه من عهد يوسف ﵇ إلى هذه الغاية وما تغيّر عن مستقرّه. ويدخل الماء من هذا البحر، في هذا الزّمان، إلى مدينة الفيّوم من خليجها الأعظم، ما بين أرض الضّيعتين المعروفتين بدمونة واللاّهون، ومنه شرب هاتين الضّيعتين وغيرهما سيحا، ومنه شرب كرومها بالدّواليب على أعناق البقر. وإن قصّر النّيل عن الصّعود إلى سوادها، سقيت منه على أعناق البقر وزرعت. وينتهى في الخليج الأعظم إلى خليج يعرف بخليج الأواسي، وليس عليه رسم في سدّ ولا فتح ولا تعديل. وينتهي إلى الضّيعة المعروفة ببياض، فيملأ بركتها وغيرها من البرك، وللبرك مقاسم يصل إلى كلّ مقسم منها كفايته ومقدار شرب ما عليه. وينتهي إلى الضّيعة المعروفة بالأوسيّة الكبرى، فمنه شربها من مقسمين لها، وبرسمها باب، ومنه يشرب نخلها وشجرها، وعلى هذا الحدّ طاحونة تعمل بالماء.

стр. 794

ثم ينتهي إلى ثلاثة مقاسم آخرها الضّيعة المعروفة بمرطينة: منها مقسم لها، ومقسم لقبالات عدّة، والمقسم الثالث يسقي أحد أحياء النّخل. وبهذا الحيّ سواق وبساتين قد خربت، وجمّيز دائر به. وكان بها بيوت في أفنية النّخل. ثم ينتهي إلى حيّ ثان على صفة الأوّل، ثم ينتهي إلى الضّيعة المعروفة بالخربة (¬a) فيملأ بركها. وينتهي إلى ثلاثة مقاسم في صفّ، وفوقها خليج معطّل، ويشرب من هذه المقاسم عدّة ضياع. ثم ينتهي الماء من هذا الخليج إلى البطس، وهو نهايته. وعلى الخليج الأعظم بعد هذا أباليز، شربها منه من أفواه لها سيحا؛ فإذا نضب النّيل نصب على أفواهها، برسم صيد السّمك، شباك. ثم ينتهي الخليج الأعظم، على يمنة من يريد الفيّوم، إلى خليج يعرف ب «خليج سمسطوس» منه شرب سمسطوس وغيرها، وأباليز كثيرة تجاوز الصّحراء من المشرق منه ومن قبليه، وهي ما بين هذا الخليج وخليج الأواسي. ثم ينتهي الخليج الأعظم أيضا إلى «خليج دهالة»، ومنه شرب عدّة ضياع، وعليه يزرع الأرز وغيره، ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى ثلاثة خلج. ثم ينتهي إلى «خليج تنبطاوة»، وبهذا الخليج ثلاثة أبواب قديمة يوسفيّة، سعة كلّ باب منها ذراعان بذراع العمل، ويمرّ فيه الماء. وينتهي أيضا إلى بابين يوسفيّين. ورسم هذا الخليج: أن يسدّ هو وسائر المطأطئة على استقبال عشر تخلو من هاتور إلى سلخه، ويفتح على استقبال كيهك إلى عشر تبقى منه، ثم يسدّ إلى عشر تخلو من طوبة، ثم يفتح ليلة الغطاس إلى سلخ طوبة، ثم يسدّ على استقبال أمشير إلى عشرة تبقى منه، ثم يفتح لعشر تبقى منه إلى عشر تخلو من برمهات، ثم يفتح إلى عشر تخلو من برمودة، ثم يعدّل في موضعه. وقد خرب ما على بحريه من الضّياع، ويشرب مه عدّة ضياع ولهذا الخليج مفيض معمول تحت الجبل بقبو يخرج منه الماء في زمان تكاثره.

стр. 795

ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى «خليج دله»، وهو المطأطئة، وحكمه في السّدّ والفتح والتّعديل والتّحسين كما تقدّم. وهو/ على يسرة من يريد المدينة، وله بابان يوسفيّان مبنيان بالحجر سعة كلّ منهما ذراعان وربع، ومنه شرب عدّة ضياع أمّهات وغيرها، وفي وسطه مفيض لزمان الاستبحار يفتح فيفيض الماء إلى البركة العظمى، وفي أقصى هذه البركة أيضا مفيض له أبواب، يقال إنّها كانت من حديد، فإذا زادت فتحت الأبواب فيمضي الماء إلى الغرب، وقيل إنّه يمرّ إلى سنتريّة. وكان على هذين الخليجين بساتين وكروم كثيرة تشرب على أعناق البقر. وينتهي الخليج الأعظم إلى «خليج المجنونة»، سمّي بذلك لعظم ما يصير إليه من الماء. وحكمه في السّدّ وغيره على ما ذكر. ومنه شرب ضياع كثيرة، وبه تدار طواحين، وإليه تصير فضالات مياه الضّياع القبلية، وإلى بركة في أقصى مدينة الفيّوم تجاور الجبل المعروف بأبي قطران، وتلتقي ما ينصبّ من فضالات الضّياع البحرّية فيها وهي البركة العظمى. ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى «خليج تلاله»، وله بابان يوسفيان متينان مبنيان بالحجر، سعة كلّ منهما ذراعان وثلثا ذراع، وليس فيه رسم سدّ ولا فتح ولا تعديل ولا تحييز، إلاّ في تقصير النّيل فإنّه يحيّز بحشيش، ومنه شرب طوائف المدينة وعدّة أراض وضياع، وفيه فوّهة خليج البطس الذي تصير (¬a) إليه مفاضل المياه، وفيه أبواب تسدّ حتى يصعد الماء إلى أراض مرتفعة بقدر معلوم. وإذا حدث بالسّدّ حدث يفسده، كانت النّفقة عليه من الضّياع التي تشرب منه بقدر استحقاقها. ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى خلجان من جانبيه في قبليه وبحريه. ثم ينتهي إلى «خليج بموه» (¬b)، وهو على يمنة من يريد مدينة الفيّوم، وهو من المطأطئة، وله بابان يوسفيان سعة كلّ منهما ذراعان ونصف، وحكمه حكم ما تقدّم، ومنه شرب طوائف كثيرة وعدّة ضياع. وينتهي إلى أربعة

стр. 796

مقاسم بأبواب، وإلى (¬a)) خليج فيه شاذروان (١) ينزل عليه الماء وينتهي الخليج الأعظم إلى عدّة (¬a) خلجان تسقي ضياعا كثيرة، منها «خليج تبدود» فيه عين حلوة، فإذا سدّ هذا الخليج سقى منها أراضي ما جاورها. وظهرت هذه العين لمّا عدم الماء، وحفر هذا الموضع ليعمل بئرا، فظهرت منه هذه العين فاكتفي بها. ثم ينتهي الخليج الأعظم إلى خلجان بها شاذروانات ومقاسم قديمة يوسفية. وبها أبواب يوسفية لها رسوم في السّدّ والفتح يشرب منها عدّة (¬b) ضياع كثيرة. ورسم التّرع: أن يسدّ جميعها على استقبال عشرة أيّام تخلو من هاتور إلى سلخه، وتفتح على استقبال كيهك مدّة عشرين يوما، وتسدّ لعشر تبقى منه إلى الغطاس، وتفتح يوم الغطاس إلى سلخ طوبة، وتسدّ على استقبال أمشير عشرين يوما، ثم تفتح لعشر تبقى منه إلى عشرين من برمهات، وتفتح عشرة أيام تخلو من برمودة، ثم تعدّل فيهتمّ بعمارتها. ولهم في التّعديل قسم تعطى منه كلّ ناحية شربها بالعدل، بقوانين معروفة عندهم». وقد اختصرت أسماء الضّياع التي ذكرها لخراب أكثرها الآن، واللّه أعلم. ذكر فتح الفيّوم ومبلغ خراجها وما فيها من المرافق قال ابن عبد الحكم: فلمّا تمّ الفتح للمسلمين، بعث عمرو بن العاص جرائد الخيل إلى القرى التي حولها، فأقامت الفيّوم سنة لا يعلم المسلمون بمكانها، حتى أتاهم رجل فذكرها لهم. فأرسل عمرو معه ربيعة بن حبيش بن عرفطة الصّدفي، فلمّا سلكوا في المجابة لم يروا شيئا، فهمّوا بالانصراف، فقالوا: لا تعجلوا، سيروا، فإن كان قد كذب فما أقدركم على ما أردتم. فلم يسيروا إلاّ قليلا حتى طلع لهم سواد الفيّوم، فهجموا عليها، فلم يكن عندهم قتال وألقوا بأيديهم. قال: ويقال بل خرج مالك بن ناعمة الصّدفي، وهو صاحب الأشقر، على فرسه ينفض المجابة ولا علم له بما خلفها من الفيّوم، فلمّا رأى سوادها رجع إلى عمرو فأخبره بذلك.

стр. 797

قال: ويقال بل بعث عمرو بن العاص قيس بن الحارث إلى الصّعيد، فسار حتى أتي القيس فنزل بها، وبه سمّيت القيس (١). فراث على عمرو خبره، فقال ربيعة بن حبيش: كفيت. فركب فرسه فأجاز عليه البحر - وكانت أنثى - فأتاه بالخبر. ويقال إنّه أجاز من ناحية الشّرقيّة حتى انتهى إلى الفيّوم، وكان يقال لفرسه الأعمى، واللّه أعلم (٢). وقال ابن الكنديّ في كتاب «فضائل مصر»: ومنها كورة الفيّوم، وهي ثلاث مائة وستون قرية دبّرت على عدد أيّام السّنة لا تنقص عن الرّي. فإن قصر النّيل في سنة من السنين، مار بلد مصر كلّ يوم قرية (¬a). وليس في الدّنيا ما بني بالوحي غير هذه الكورة، ولا بالدّنيا بلد أنفس منه ولا أخصب ولا أكثر خيرا ولا أغزر أنهارا. ولو قايسنا بأنهار الفيّوم أنهار البصرة ودمشق، لكان لنا بذلك الفضل. ولقد عدّ جماعة من أهل العقل والمعرفة مرافق الفيّوم وخيرها فإذا هي لا تحصى، فتركوا ذلك وعدّوا ما فيها من المباح - ممّا ليس عليه ملك لأحد من مسلم ولا معاهد يستعين به القويّ والضّعيف - فإذا هو فوق السبعين صنفا (٣). وقال ابن زولاق في كتاب «الذّيل على أمراء مصر» للكندي: وعقدت لكافور الإخشيدي الفيّوم في هذه السنة - يعني سنة ستّ وخمسين وثلاث مائة - ستّ مائة ألف دينار ونيفا وعشرين ألف دينار. وقال القاضي الفاضل/ في كتاب «متجدّدات الحوادث»، ومن خطّه نقلت: إنّ الفيّوم بلغت في سنة خمس وثمانين وخمس مائة مبلغ مائة ألف واثنين وخمسين ألف دينار وسبع مائة وثلاثة دنانير (٤). وقال البكريّ: والفيّوم معروف هنالك، يغلّ في كلّ يوم ألفي مثقال ذهبا (٥).

стр. 798

مدينة النّخريريّة (١) كانت أرضا مقطعة لعشرة من أجناد الحلقة (٢) من جملتهم شمس الدين سنقر السّعدي، فأخذ قطعة من أراضي زراعتها، وجعلها إصطبلا لدوابّه وخيله، فشكاه شركاؤه إلى السّلطان الملك المنصور قلاوون، فسأله عن ذلك، فقال: أريد أن أجعله جامعا تقام فيه الخطبة، فأذن له السّلطان في ذلك. فابتدأ عمارته في أخريات سنة ثلاث وثمانين وست مائة حتى كمل في سنة خمس وثمانين، فعمل له السّلطان منبرا، وأقيمت به الجمعة واستمرّت إلى يومنا هذا. وأنشأ السّعديّ حوانيت حول الجامع، فلم تزل بيده حتى مات. وورثها ابناه غرس الدين (¬a) خليل وركن الدين عمر، فباعاها بعد مدّة للأمير شيخو العمري، فجعلها ممّا وقفه على الخانكاه والجامع اللّذين أنشأهما بخطّ صليبة جامع ابن طولون خارج القاهرة. فعمرت هذه الأرض بعمارة الجامع، وسكنها الناس، فصارت مدينة من مدائن أراضي مصر بحيث بلغت أنوال القزّازين فيها عدّة كثيرة. وترقّى سنقر السّعدي في الخدم حتى صار من الأمراء، وولي نقيب المماليك السّلطانية، وأنشأ المدرسة السّعديّة خارج القاهرة قريبا من حدرة البقر (٣)، فيما بين قلعة الجبل وبركة الفيل، في سنة خمس عشرة وسبع مائة، وبنى أيضا رباطا للنّساء. وكان شديد الرّغبة في العمائر، محبّا للزّراعة، كثير المال ظاهر الغنى. ثم إنّه أخرج إلى طرابلس، وبها مات سنة ثمان وعشرين وسبع مائة (٤).

стр. 799

ذكر تأريخ الخليقة اعلم أنّه لمّا كانت الحوادث لابدّ من ضبطها، وكان لا يضبط ما بين العصور وبين أزمنة الحوادث إلاّ بالتأريخ المستعمل العام الذي لا ينكره الجماعة أو أكثرها، وذلك أنّ التأريخ المجمع عليه لا يكون إلاّ من حادث عظيم يملأ ذكره الأسماع. وكانت زيادة ماء النّيل ونقصانه إنّما يعتبرهما أهل مصر ويحسبون أيّامهما بأشهر القبط، وكذلك خراج أراضي مصر إنّما يحسبون أوقاته بذلك، وهكذا زراعات الأراضي إنّما يعتمدون في أوقاتها أيّام الأشهر القبطية عادة، وسلكوا فيها سبيل أسلافهم، واقتفوا مناهج قدمائهم - وما برح النّاس من قديم الدّهر أسراء العوايد - احتيج في هذا الكتاب إلى إيراد جملة من تواريخ (¬a) الخليقة لتعيين موقع تآريخ القبط منها، فإنّ بذكر ذلك يتمّ الغرض. فأقول: التّأريخ عبارة عن يوم ينسب إليه ما يأتي بعده، ويقال أيضا: التأريخ عبارة عن مدّة معلومة، تعدّ من أوّل زمن مفروض، لتعرف بها الأوقات المحدودة؛ ولا غنى عن التأريخ في جميع الأحوال الدّنيوية والأمور الدّينية؛ ولكلّ أمّة (¬b)) من أمم البشر (¬b) تأريخ تحتاج إليه في معاملاتها وفي معرفة أزمنتها، تنفرد به دون غيرها من بقيّة الأمم. وأوّل الأوائل القديمة وأشهرها هو كون مبدأ البشر، ولأهل الكتاب من اليهود والنّصارى والمجوس في كيفيته وسياقة التأريخ منه خلاف لا يجوز مثله في التواريخ. وكلّ ما تتعلّق معرفته ببدء الخلق وأحوال القرون السّالفة، فإنّه مختلط بتزويرات وأساطير، لبعد العهد وعجز المعتنى به عن حفظه. وقد قال اللّه : ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اَللّهُ﴾ [الآية ٩ سورة إبراهيم]. فالأولى ألاّ يقبل من ذلك إلاّ ما يشهد به كتاب أنزل من عند اللّه يعتمد على صحّته لم يرد فيه نسخ ولا طرقه تبديل، أو خبر ينقله الثّقات. وإذا نظرنا في التأريخ وجدنا فيه بين الأمم خلافا كبيرا. وسأتلو عليك من ذلك ما لا أظنّك تجده مجموعا في كتاب، وأقدّم بين يدي هذا القول ما قيل في مدّة بقاء الدّنيا (¬c).

стр. 800

ذكر ما قيل في مدّة أيّام الدّنيا وباقيها وماضيها (¬a) اعلم أنّ الناس قد اختلفوا قديما وحديثا في هذه المسألة، فقال قوم من القدماء الأول بالأكوار والأدوار، وهم الدّهريّة، وهؤلاء هم القائلون بعود العوالم كلّها على ما كانت عليه بعد ألوف من السّنين معدودة؛ وهم في ذلك غالطون من جهة طول أدوار النّجوم. وذلك أنّهم وجدوا قوما من الهند والفرس قد عملوا أدوارا للنّجوم ليصحّحوا بها في كلّ وقت مواضع الكواكب، وظنّوا (¬b) أنّ العدد المشترك لجميعها هو عود (¬c) سني العالم أو أيّام العالم، وأنّه كلّما مضى/ ذلك العدد عادت الأشياء إلى حالها الأوّل. وقد وقع في هذا الظّنّ ناس كثير مثل أبي معشر (١) وغيره، وتبع هؤلاء خلق. وأنت تقف على فساد هذا الظّنّ إن كنت تخبر من العدد شيئا ما، وذلك أنّك إذا طلبت عددا مشتركا بعده أعداد معلومة، فإنّك تقدر أن تضع لكلّ زيج أيّاما معلومة كالذي وضعه الهند والفرس؛ فهؤلاء حيث جهلوا صورة الحال في هذه الأدوار، ظنّوا أنّها عدد أيّام العالم، فتفطّن ترشد. وعند هؤلاء أنّ الدّور هو (¬d) أخذ الكواكب من نقطة وهي سائرة حتى تعود إلى تلك النّقطة (¬e)، وأنّ الكور هو (¬f) استئناف الكواكب في أدوارها سيرا آخر إلى أن تعود إلى مواضعها مرّة بعد أخرى. وزعم أهل هذه المقالة أنّ الأدوار منحصرة (¬g) في أنواع خمسة: الأوّل أدوار الكواكب السّيّارة في أفلاك تداويرها؛ الثّاني أدوار مراكز أفلاك التّدوير في أفلاكها الحاملة؛ الثّالث أدوار أفلاكها الحالة في فلك البروج؛ (¬h)) الرّابع أدوار الكواكب الثّابتة في فلك البروج (¬h)؛ الخامس أدوار الفلك المحيط بالكلّ حول الأركان الأربعة.

стр. 801

وهذه الأدوار المذكورة: منها ما يكون في كلّ زمان طويل مرّة واحدة، ومنها ما يكون في كلّ زمان قصير مرّة واحدة. فأقصر هذه الأدوار أدوار الفلك المحيط بالكلّ حول الأركان الأربعة، فإنّه يدور في كلّ أربع وعشرين ساعة دورة واحدة. وباقي الأدوار يكون في أزمنة أخر أطول من هذه، لا حاجة بنا في هذه المسألة إلى ذكرها. قالوا: وأدوار الكواكب الثّابتة في فلك البروج تكون في كلّ ستة وثلاثين ألف سنة شمسية مرّة واحدة، وحينئذ تنتقل أوجات الكواكب وجوزهراتها إلى مواضع حضيضها ونوبهراتها وبالعكس، فيوجب ذلك عندهم عود العوالم كلّها إلى ما كانت عليه من الأحوال في الزّمان والمكان والأشخاص والأوضاع، بحيث لا يتخالف ذرّة واحدة. وهم مع ذلك مختلفون في كمّيّة ما مضى من أيّام العالم وما بقي. فقال البراهمة من الهند في ذلك قولا غريبا، وهو على (¬a) ما حكاه عنهم الأستاذ أبو الرّيحان محمد بن أحمد البيروني في كتاب «القانون المسعودي»، أنّهم يسمّون (¬b) الطّبيعة باسم ملك يقال له براهم (¬c)، ويزعمون أنّه محدث محصور المدّة (¬d) بين مبدأ وانتهاء، عمره كعمرها في مقدار (¬a) مائة سنة برهموية، كلّ سنة منها ثلاث مائة وستون يوما، زمان النّهار منها بقدر مدّة دوران الأفلاك والكواكب لإثارة الكون والفساد (١)، وهذه المدّة بقدر ما بين كلّ اجتماعين للكواكب السّبعة في أوّل برج الحمل بأوجاتها وجوزهراتها، ومقدارها أربعة آلاف ألف سنة وثلاث مائة ألف ألف سنة وعشرين ألف ألف سنة شمسية، وهو زمان اثني عشر ألف دورة للكواكب الثّابتة، على أنّ زمان الدّورة الواحدة ثلاث مائة ألف سنة وستون ألف سنة شمسيّة (٢). واسم هذا النّهار بلغتهم «الكلبة (¬e)» (٣)، وزمان اللّيل عندهم كزمان النّهار، وفي اللّيل تسكن المتحرّكات، وتستريح الطّبيعة من إثارة الكون والفساد، ثم يثور في مبدأ اليوم الثاني بالحركة

стр. 802

والتّكوّن، فيكون زمان اليوم بليلته من سني النّاس ثمانية آلاف ألف سنة وستّ مائة ألف ألف سنة وأربعين ألف ألف سنة. فإذا ضربنا ذلك في ثلاث مائة وستين، تبلغ سنو أيّام السّنة البرهمويّة ثلاثة آلف ألف ألف سنة وعشرة آلاف ألف ألف سنة وأربع مائة ألف ألف سنة شمسيّة؛ فإذا ضربناها في مائة، يبلغ عمر الملك الطّبيعي البرهموي، من سني الناس، ثلاث مائة ألف ألف ألف ألف سنة وأحد عشر ألف ألف ألف سنة وأربعين ألف ألف سنة شمسيّة. فإذا تمّت هذه السّنون بطل العالم عن الحركة والتّكوين ما شاء اللّه، ثم يستأنف من جديد على الوضع المذكور. وقسّموا زمان النّهار المذكور إلى تسع وعشرين قطعة، وسمّوا كلّ أربع عشرة قطعة منها نوبا، وسمّوا الخمس عشرة قطعة الباقية فصولا، وجعلوا كلّ نوبة محصورة بين فصلين، وكلّ فصل محصورا بين نوبتين، وقدّموا زمان الفصل على النّوبة إلى تمام المدّة. وزمان الفصل هو خمسا الدّور، والدّور جزء من ألف جزء من المدّة. فإذا قسمنا المدّة على ألف، تحصّل زمان الدّور أربعة آلاف ألف سنة وثلاث مائة ألف سنة وعشرين ألف سنة، وخمساه - أعني زمان الفصل - ألف ألف سنة وسبع مائة ألف سنة وثمانية وعشرون ألف سنة. وزمان النّوبة عندهم أحد وسبعون دورا، مقدارها من السنين ثلاث مائة ألف ألف سنة وستة آلاف ألف سنة وسبع مائة ألف سنة وعشرون ألف سنة. وقد قسموا الدّور أيضا بأربع قطع: أوّلها أعظمها، وهي مدّة الفصل المذكور، وثانيها ثلاثة أرباع الفصل، ومدّتها ألف ألف سنة ومائتا ألف سنة وستة وتسعون ألف سنة؛ وثالثها نصف الفصل، ومدّته ثمان مائة ألف سنة وأربعة وستون ألف سنة؛ ورابعها ربع الفصل، وهو عشر الدّور المذكور، ومدّته أربع مائة ألف سنة واثنان وثلاثون ألف سنة. ولكلّ واحد من هذه القطع الأربع اسم يعرف به، فاسم القطعة الرابعة عندهم «كلكال» لأنّهم يزعمون أنّهم في زمانها، وأنّ الذي مضى من عمر الملك/ الطّبيعي - على زعم حكيمهم

стр. 803

الأعظم المسمّى عندهم برهمكوت [Brahmagupta] - ثمان سنين وخمسة أشهر وأربعة أيّام. ونحن الآن في نهار اليوم الخامس من الشهر السادس من السنة التاسعة، ومضى من النّهار الخامس ستّ نوب وسبعة فصول وسبعة وعشرون دورا من النّوبة السّابعة، وثلاث قطع من الدّور المذكور - أعني تسعة أعشاره - ومضى من القطعة الرّابعة - أعني من أوّل كلكال إلى هلاك شككال عظيم ملوكهم، الواقع في آخر سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة للإسكندر - ثلاثة آلاف سنة ومائة سنة وتسع وسبعون سنة. وقال: إنّما عرفنا هذا الزّمان من علم إلهي وقع إلينا من عظماء أنبيائنا المتألّهين برواياتهم جيلا بعد جيل على ممرّ الدّهور والأزمان. وزعموا أنّ في مبدأ كلّ دور أو فصل أو قطعة أو نوبة تتجدّد أزمنة العوالم وتنتقل من حال إلى حال، وأنّ الماضي من أوّل كلكال إلى شككال ثلاثة آلاف ومائة وتسع وسبعون سنة. والماضي من النّهار المذكور، إلى آخر سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة للإسكندر، ألف ألف ألف سنة وتسع مائة ألف ألف سنة واثنان وسبعون ألف ألف سنة وتسع مائة ألف سنة وسبعة وأربعون ألف سنة ومائة سنة وسبع وسبعون سنة. فيكون الماضي من عمر الملك الطّبيعي إلى آخر هذه السّنة: ستة وعشرين ألف ألف ألف ألف سنة وثلاث مائة ألف ألف ألف سنة وخمسة عشر ألف ألف ألف سنة وسبع مائة ألف ألف واثنين وثلاثين ألف ألف سنة وتسع مائة ألف سنة وسبعة وأربعين ألف سنة ومائة سنة وتسعا وسبعين سنة. فإذا زدنا عليها الباقي من تأريخ الإسكندر، بعد نقصان السّنين المذكورة منه، تحصّل الماضي من عمر الملك بالوقت المفروض؛ واللّه أعلم بحقيقة ذلك. وقال الخطا والإيغر (¬a) في ذلك قولا أعجب من قول الهند وأغرب، على ما نقلته من «زيج أدوار الأنوار»، وقد لخّص هذا القول من كتب أهل الصين، وذلك أنّهم جعلوا مبادئ سنيهم مبنيّة على ثلاثة أدوار: الأوّل يعرف بالعشري (¬b)، مدّته عشر سنين، لكلّ سنة منها اسم يعرف به؛ والثّاني يعرف بالدّور الاثني عشري، وهو أشهرها خصوصا في بلاد التّرك، يسمّون سنيه بأسماء

стр. 804

حيوانات بلغتي الخطا والإيغر (١). والثّالث مركّب من الدّورين جميعا، ومدّته ستون سنة، وبه يؤرّخون سني العالم وأيّامه، ويقوم عندهم مقام أيّام الأسبوع عند العرب وغيرها. واسم كلّ سنة منها مركّب من اسميها في الدّورين جميعا، وكذلك كلّ يوم من أيام السّنة. ولهذا الدّور ثلاثة أسماء وهي: شانكون [Shank-wan]، وجونكون [ju? nk-wan]، وخاون [Kha? -wan]، وتصير بحسبها مرّة أعظم، ومرّة أوسط، ومرّة أصغر. فيقال: دور شانكون الأعظم، ودور جونكون الأوسط، ودور خاون الأصغر. وبهذه الأدوار يعتبرون سني العالم وأيّامه، وجملتها مائة وثمانون سنة، ثم تدور الأدوار الثلاثة عليها مرّة أخرى. واتّفق وقوع مبدأ الدّور الأعظم في الشّهر الأوّل من سنة ثلاثة وثلاثين وستّ مائة ليزدجرد، واسمها بلغتهم «كازه» (¬a) وبلغة العرب: سنة الفأر. وكان أوّل دخول فروردين (¬b) هذه السّنة من سني العرب يوم الخميس، وهو بلغتهم تين جو [ti? n-ju?] (¬c)، ومن هذا اليّوم وعلى هذا التّاريخ تترتّب مبادي سنيهم وأيّامهم في الماضي والمستقبل. وشهورهم اثنا عشر شهرا، لكلّ شهر منها اسم بلغة الخطا وبلغة الإيغر، لا حاجة بنا هنا إلى ذكرها. ويقسّمون اليوم الأوّل بليلته اثني عشر قسما، كلّ قسم منها يقال له جاغ [jag]، وكلّ جاغ ثمانية أقسام، كلّ قسم منها يقال له كه [Kah]. ويقسّمون اليوم بليلته أيضا عشرة آلاف فنك [Fank]، وكلّ فنك منها مائة مياو [Miya? u]، فيصيب كلّ جاغ ثمان مائة وثلاثة وثلاثين فنكا وثلث فنك، وكلّ كه مائة وأربعة أفناك وسدس

стр. 805

فنك. وينسبون كلّ جاغ إلى صورة من الصّور الاثنتي عشرة؛ ومبدأ اليوم بليلته عندهم من نصف اللّيل، وفي منتصف جاغ كسكو يتغيّر أوّل النّهار وآخره بحسب الطّول والقصر، من قبل أنّ كلّ جاغ ساعتان مستويتان، وفي منتصف النّهار ينتصف جاغ يوند. وهم يكبسون في كلّ ثلاث سنين قمريّة شهرا واحدا يسمّونه شيون، ليحفظوا بالكبس مبادي سني الشّمس في زمان واحد من سنة أخرى، ويكسبون أحد عشر شهرا في كلّ ثلاثين سنة قمرية. ولا يقع عندهم شهر الكبس في موضع واحد بعينه من السنة، بل يقع في كلّ موضع منها. وكلّ شهر عدّة أيّامه إمّا ثلاثون يوما أو تسعة وعشرون يوما، ولا يمكن عندهم أكثر من ثلاثة أشهر متوالية تامّة، ولا أكثر من شهرين ناقصين. ومبادي شهورهم يوم الاجتماع، إن وقع اجتماع النّيّزين نهارا، فإن وقع الاجتماع ليلا كان أوّل الشّهر في اليوم الذي بعد الاجتماع. وزمان السّنة الشّمسيّة - بحسب أرصادهم - ثلاث مائة وخمسة وستون يوما، وألفان وأربع مائة وستة وثلاثة فنكا. والسّنة أربعة وعشرون قسما: كلّ قسم منها خمسة عشر يوما، وألفان ومائة وأربعة وثمانون فنكا وخمسة أسداس فنك. ولكلّ قسم من هذه الأقسام اسم، وكلّ ستة أقسام منها فصل من فصول السّنة. فاسم أوّل قسم من فصولها ليجن [Li? jun] (¬a)، وأوّله أبدا حيث تكون الشّمس في ستّ عشرة درجة من/ برج الدّلو، وهكذا أوائل كلّ فصل إنّما تكون في حدود أواسط البروج الثابتة. وكان بعد مدخل ليجن (¬a)، من أوّل الدّور السّتيني في السنة المذكورة: أحد عشر يوما، وسبعة آلاف وستّ مائة وستين فنكا. واسم مدخله يي خاي [Yi? -kha? y]، وكان بعد دخول السنة الفارسيّة المذكورة بنحو عشرين يوما، ويبعد مدخله عن أوّل الدّور في كلّ سنة بقدر فضل سنة الشّمس على سنة الدّور، وهو خمسة أيّام وأربعة وعشرين فنكا. فإن زادت الأيّام على ستين يوما، كان الباقي بعد ليجن في تلك السنة عن أوّل الدّور السّتّيني.

стр. 806

ويتفاضل البعد بينها في كلّ سنة بقدر فضل سنة الشّمس على سنة القمر التي هي ثلاث مائة وأربعة وخمسون يوما، وثلاثة آلاف وستّ مائة واثنان وسبعون فنكا. ومقدار الفضل بينهما عشرة أيّام، وثمانية آلاف وسبع مائة وأربعة وستون فنكا. فإن زادت الأيام على زمان الشّهر القمري الأوسط، الذي هو تسعة وعشرون يوما وخمسة آلاف وثمان مائة وستة أفناك، نقص منها هذا العدد واحتسب بالباقي. فإذا عرفت هذا من حسابهم، فاعلم أنّ عمر العالم عندهم ثلاث مائة ألف ون [Wan] وستون ألف ون، كلّ ون عشرة آلاف سنة، مضى من ذلك إلى أوّل سنة ثلاث وثلاثين وستّ مائة ليزدجرد - وهي دور شانكون [Shank-wan] الأعظم - ثمانية آلاف ون وثمان مائة وثلاثة وستون ونّا وتسعة آلاف وسبع مائة وأربعون سنة، فتكون المدّة العظمى على هذا: ثلاثة آلاف ألف ألف ألف ألف سنة وستّ مائة ألف ألف ألف ألف سنة (بهذه الصّورة ٣٦٠٠٠٠٠٠٠٠) والماضي منها إلى السّنة المذكورة: ثمانية وثمانون ألف ألف سنة وستّ مائة ألف سنة وتسعة وثلاثون ألف سنة وسبع مائة سنة وأربعون سنة (بهذه الصّورة ٨٨٦٣٩٧٤٠) (١)؛ ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ اَلْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [الآية ١٢٣ سورة هود]. وإنّما ذكرت طرفا من حساب سني البراهمة، وطرفا من حساب سني الخطا والإيغر المستخرج من حساب الصّين، ليعلم المنصف أنّ ذلك لم يضعه حكماؤهم عبثا، ولأمر ما جدع قصير أنفه. وكم من جاهل بالتّعاليم، إذا سمع أقوالهم في مدّة سني العالم، يبادر إلى تكذيبهم من غير علم بدليلهم عليه؛ وطريق الحقّ أن يتوقّف فيما لا يعلمه حتى يتبيّن أحد طرفيه فيرجّحه على الآخر ﴿وَاَللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾. و (٢) قال أصحاب «السّند هند» (٣) - ومعناه الدّهر الدّاهر: إنّ الكواكب وأوجاتها وجوزهراتها

стр. 807

تجتمع كلّها في أوّل (¬a) برج الحمل، عند كلّ أربعة آلاف ألف ألف سنة وثلاث مائة ألف ألف سنة وعشرين ألف ألف سنة شمسية، وعندهم أن هذه السنين هي مدّة العالم، ويزعمون أنّها إذا اجتمعت برأس برج (¬b) الحمل فسدت المكوّنات الثلاث التي يحويها عالم الكون والفساد، المعبّر عنه بالحياة الدّنيا، والمكوّنات الثلاث هي (¬c): المعدن والنّبات والحيوان، قالوا (¬d): فإذا فسدت بقي العالم السّفلي خرابا دهرا طويلا إلى أن تتفرّق الكواكب والأوجات والجوزهرات في بروج الفلك، فإذا تفرّقت فيها بدأ الكون بعد الفساد، فعادت أحوال العالم السّفلي إلى الأمر الأوّل، وهذا يكون عودا بعد بدء إلى غير نهاية. قالوا (¬e): ولكلّ واحد من الكواكب والأوجات والجوزهرات عدّة أدوار في هذه المدّة، يدلّ كلّ دور منها على شيء من المكوّنات، كما هو مذكور في كتبهم، ممّا لا حاجة بنا هنا إلى ذكره، وهذا القول منتزع من قول البراهمة الذي تقدّم ذكره. (¬f)) وقال أصحاب الهاذروان من قدماء الهند (١): إنّ كلّ ثلاث مائة ألف سنة وستين ألف سنة شمسية يهلك العالم بأسره، ويبقى مثل هذه المدّة، ثم يعود بعينه ويعقبه البدل، وهكذا أبدا يكون الحال لا إلى نهاية. قالوا: ومضى من أيّام العالم المذكورة إلى طوفان نوح ﵇ مائة ألف وثمانون ألف سنة شمسيّة، ومضى من الطّوفان إلى سنة الهجرة المحمّدية ثلاثة آلاف وسبع مائة وثلاث وعشرون سنة وأربعة أشهر وأيّام، وبقي من سني العالم حتى يبتدئ ويفنى مائة ألف وبضع وسبعون ألف سنة شمسيّة، أوّلها تأريخ الهجرة الذي يؤرّخ به أهل الإسلام (¬f).

стр. 808

وقال أصحاب الأرجبهز (¬a) (١): مدّة العالم، التى تجتمع فيها الكواكب برأس برج (¬b) الحمل هي وأوجاتها وجوزهراتها، جزء من ألف جزء من مدّة السّند هند، وهذا أيضا منتزع من قول البراهمة (٢). وقال أبو معشر (٣) وابن نوبخت (٤): إنّ بعض الفرس يرى أنّ عمر الدّنيا اثنا عشر ألف سنة بعدّة البروج، لكلّ برج ألف سنة. فكان ابتداء أمر الدّنيا في أوّل ألف الحمل، لأنّ الحمل والثّور والجوزاء تسمّى أشرف الشّرف، وينسب إلى الحمل الفصل، وفيها تكون الشّمس في شرفها وعلوّها وطول نهارها، ولذلك الدّنيا كانت إلى ثلاثة آلاف سنة علوية روحانية طاهرة. ولأنّ السّرطان والأسد والسّنبلة منتقصة، فإنّ الشّمس تنحطّ من علوّها في أوّل دقيقة من السّرطان، وكان قدر الدّنيا وأبنائها منحطّا في الثلاثة الآلاف الثانية. ولأنّ الميزان أهبط الهبوط وبئر الآبار وضد البرج الذي فيه شرف الشّمس، دلّ على أنّه أصابت الدّنيا واكتسب أهلها المعصية، والميزان والعقرب والقوس إذا نزلتها الشّمس لم تزدد إلا انحطاطا والأيام إلاّ نقصانا؛/ فلذلك دلّت على البلايا والضّيق والشّدّة والشّرّ.

стр. 809

وحيث تبلغ الآلاف إلى أوّل الجدي الذي فيه أوّل ارتفاع الشّمس وإشرافها على شرفها، وفيه تزداد الأيام طولا، والدّلو والحوت اللّذان تزداد الشّمس فيهما صعودا حتى تصل لشرفها، فيدلّ على ظهور الخير وضعف الشّرّ، وثبات الدّين والعقل، والعمل بالحقّ والعدل، ومعرفة فضل العلم والأدب في تلك الثلاثة الآلاف سنة. وما يكون في ذلك فعلى قدر صاحب الألف والمائة والعشرة، وعلى حسب اتّفاق الكواكب في أوّل سلطان صاحب الألف. فلا يزال ذلك في زيادة حتى يعود أمر الدّنيا في آخرها إلى مثل ما كان عليه ابتداؤها وهي في ألف الحمل. وكلّما تقارب آخر كلّ ألف من هذه الألوف، اشتدّ الزّمان وكثرت البلايا، لأنّ أواخر البرج في حدود النّحوس، وكذلك في آخر المئين والعشرات، فعلى هذا الانقضاء للدنيا إذا كان الزّمان يعود إلى الحمل كما بدأ أوّل مرّة. وزعموا أنّ ابتداء الخلق بالتحرّك، كان والشّمس في ابتداء المسير: فدار الفلك، وجرت المياه، وهبّت الرّياح، واتّقدت النّيران، وتحرّك سائر الخلائق بما هم عليه من خير وشرّ. والطّالع تلك السّاعة تسع عشرة درجة من برج السّرطان وفيه المشتري، وفي البيت الرابع الذي هو بيت العافية، وهو برج الميزان، زحل، وكان الذّنب في القوس، والمرّيخ والجدي والزّهرة وعطارد في الحوت، ووسط السّماء برج الحمل، وفي أوّل دقيقة منه الشّمس، وكان القمر في الثّور وفي بيت السّعادة، وكان الرأس في برج الجوزاء وهو بيت الشّقاء. وفي تلك الدّقيقة من السّاعة كان استقبال أمر الدّنيا، فكان خيرها وشرّها وانحطاطها وارتفاعها وسائر ما فيها، على قدر مجاري البروج والنّجوم وولاية أصحاب الألوف وغير ذلك من أحوالها. ولأنّ المشتري كان في السّرطان في شرفه، وزحل في الميزان في شرفه، والمرّيخ والشّمس والقمر في إشرافها، دلّت على كائنة جليلة، فكان نشو العالم. وانبرز زحل فتولّى الألف هو والميزان، وكان المشتري في الطّالع مقبولا، وكذلك جميع الكواكب كانت مقبولة، فدلّ على نماء العالم وحسن نشوه. وكان زحل هو المستولي والعالي في الفلك والبرج طويل المطالع، فطالت أعمار تلك الألف، وقويت أبدانهم، وكثرت مياههم. وكون الميزان تحت الأرض، دلّ على خفاء أوّل حدوث العالم، وعلى أنّ أهل ذلك الزّمان ينظرون في عمارة الأرضين وتشييد البنيان.

стр. 810

ثم ولي الألف الثاني العقرب والمرّيخ، وكان في الطّالع المرّيخ، فدلّ على القتل في ذلك الألف، وسفك الدّماء والسّبي والظّلم والجور والخوف والهمّ والأحزان والفساد وجور الملوك. وولي الألف الثّالث القوس، وشاركه عطارد والزّهرة بطلوعهما، وكان الذّنب في القوس: فدلّ المشتري على النّجدة في تلك الألف والشّدة والجلد والبأس والرّياسة والعدل، وتقسيم الملوك الدّنيا وسفك الدّماء بسبب ذلك؛ ودلّت الزّهرة على ظهور بيوت العبادة وعلى الأنبياء؛ ودلّ عطارد على ظهور العقل والأدب والكلام. وكون البرج مجسّدا، دلّ على انقلاب الخير والشّرّ في تلك الألف مرّات، وعلى ظهور ألوان من آيات الحقّ والعدل والجور. ثم ولي الألف الرّابع الجدي - وكان فيه المرّيخ - فدلّ على ما كان في تلك الألف من إهراق الدّماء، ودلّت الشّمس على ظهور الخير والعلم ومعرفة اللّه تعالى وعبادته وطاعته وطاعة أنبيائه، والرّغبة في الدين مع الشّجاعة والجلد. وكون البرج منقلبا هو والبرج الذي فيه الشّمس، دلّ على انقلاب ذلك في آخرها، وظهور الشّرّ والتّفرّق والغشم (¬a) والقتل وسفك الدّماء والغضب في أصناف كثيرة، وتحوّل ذلك وتلوّنه. وكون الجدي منحطّا، دلّ على أنّه يظهر في آخر تلك الألف الجنس (¬b) الشّبيه بصفة زحل والمرّيخ، وانقطاع العظماء والحكماء وبوارهم، وارتفاع السّفلة، وخراب العامر، وعمارة الخراب، وكثرة تلوّن الأشياء. وولي الألف الخامس الدّلو بطلوع القمر - وكان القمر في الثّور - فدلّ الدّلو لبرودته وعسره على سقوط العظماء وعطلة أمرهم، وارتفاع السّفلة والعبيد، ومحمدة البخلاء، وظهور الجنس (¬c) الأسود والسّواد، وعلى كثرة التّفتيش والتفكّر وظهور الكلام في الأديان ومحبّة الخصومات. وكون القمر في شرفه يدلّ على قهر الملوك، وظهور ولاة الحقّ، ونفاذ الخير، وظهور بيوت العبادة، والكفّ عن الدّماء، والرّاحة والسّعادة في العامّة، وثبات ما يكون من العدل والخير وطول المدّة فيه. وكون البرج مائيّا يدلّ على كثرة الأمطار والغرق، وآفة من البرد يهلك فيها الكثير. ويلي الألف السّادس برج الحوت بطلوع المشتري والرأس، فيدلّ على المحمدة في الناس عامّة، وعلى الصّلاح والخير والسّرور وذهاب الشّرّ وحسن العيش. ولكلّ واحد من الكواكب ولاية ألف سنة، فصار عطارد خاتما في برج السّنبلة.
следующие страницы →