← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تصدير يسر الأمانة العامة لمجمع البحوث الإسلامية، أن تقدم لقراء الثقافة الإسلامية، كتاب: (التفسير الوسيط للقرآن الكريم) وهو ثمرة توصية لمس فيها المؤتمر الرابع للمجمع، حاجة المسلمين إلى وضع تفسير وسيط للقرآن الكريم، في أسلوب ميسر: يسهل للقارئ الوصول إلى معانيه. ولقد سارع المجمع - إثر صدور هذه التوصية - إِلى العمل على تنفيدها، مدركا خطورة الموضوع الذي يتصدى له، مستجيبا للهفة المسلمين إلى تفسير للقرآن الكريم: ييسر لهم الرجوع إليه- باعتباره أساس وجودهم، ومصدر شريعتهم- في وقت أخذوا يتلمسون فيه الطريق إلى ذاتهم، وبناء حضارتهم: على أساس راسخ، وبنيان متين. فعقد مجلس المجمع عدة جلسات للنظر في التخطيط؛ لتنفيذ هذا المشروع، ووافق على الخطة التي انتهى إليها، وعهد إلى بعض أعضائه بالإشراف على إِخراجه. وقد سار العمل في هذا المشروع على درجتين: أولاهما يتم فيها وضع التفسير، بتوزيع أجزاء القرآن على نخبة من العلماء الممتازين ليقوم بكتابة التفسير، وفقا للخطة العلمية التي أقرها المجلس. وثانيتهما: يتم فيها مراجعة ما كتب والتنسيق بينه، بحيث يظهر في أسلوب موحد واف بالمقصود. وقد اشترك في لجنة التنسيق من السادة أعضاء المجمع فضيلة الأستاذ الشيخ محمد أحمد أبو زهرة، والأستاذ محمد خلف الله أحمد، والأستاذ الدكتور محمد مهدى علام. وانضم إليهم من السادة العلماء: ١ - فضيلة الأُستاذ الدكتور عبد العظيم الغباشى. ٢ - السيد الأُستاذ على عبد العظيم. ٣ - فضيلة الأُستاذ الدكتور محمد السيد ندا.

стр. 2

٤ - فضيلة الأُستاذ الدكتور محمد حسين الذهبي. ٥ - فضيلة الأُستاذ الشيخ محمد سليم زيدان. ٦ - فضيلة الأُستاذ الشيخ مصطفى محمد الحديدى الطير. كما اشترك في بعض المراحل فضيلة الأُستاذ الدكتور عبد الحسيب طه حميدة. واننا لنتوجه إلى الله العلى القدير، أن يمدهم بعونه وتوفيقه، ليكملوا أداء هذه الرسالة الجليلة، وأن يوفقهم إلى إتمامها، في الصورة التي يرضى عنها الله المؤمنون. كما نرجوه -سبحانه- أن يوفق الأمانة العامة إلى موالاة إصدار ما يتم من هذا التفسير. ولله الموفق، والهادى إلى الصواب. تحريرا فى ٣٠ من ربيع الأول ١٣٩٣ هـ ٢٣ من أبريل ١٩٧٣ م الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية دكتور محمد الرحمن بيصار

стр. 3

مقدمة الحمد لله رب العالمين، بعث محمدا خاتما للمرسلين، وأَنزل عليه القرآن العظيم، بلسان عربى مبين، وجعله حجة باقية على الزمان، ونبراسا للهدى والعرفان، ففتح به قلوبا غلفا، وأسمع به آذانا صما، وبَصَّرَ به أعينا عميا. والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين: سيدنا ومولانا محمد صفوة خلق الله أجمعين: اختصه برسالته الخالدة، واصطفاه لدعوة الحق الباقية، وشرفه بالعلم والعرفان، وزينه بأكرم السجايا وأكمل الأَخلاق. ورضوان الله ورحمته وبركاته، على آله وأصحابه، ومن نهج نهجهم، واتبع سبيلهم من المؤمنين الصادقين إلى يوم الدين. أما بعد، فإن القرآن الكريم: كتاب الله الخالد، نزل به الروح الأمين، على أكمل البشر، وخاتم الرسل: سيدنا محمد ﷺ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، بعد ما اشتبه عليهم الضلال بالهدى، والجهل بالعرفان. وكان ذلك من رحمة الله بعباده، وعظيم رأفته بخلقه. وقد استطاع القرآن - ببلاغته وعظيم هداه - أن يلين قلوب العرب بعد عنادهم، ويروض جماحهم بعد شماسهم، فلانوا بعد صلابة، وانقادوا بعد شرود، واستجابوا بعد إباء، إذ انشرحت له صدورهم، وتفتحت له قلوبهم. ثم ما لبثوا أن انتقلوا من الضلالة إلى الرشاد، ومن البداوة إلى الحضارة، ومن الجهالة إلى العلم، ومن الفرقة والشقاق، إلى الأُلفة والاتحاد، ومن الضعف إلى القوة، ومن الهوان إلى العزة، وصدق الله إذ يقول: " ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. (١)﴾ ويقول: ﴿ … وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ … (٢)﴾.

стр. 4

وتحت راية هذا الذكر الحكيم: انتشر الإسلام في العالمين وسادت اللغة العربية كثيرا من لغات البلاد التي آمنت به، وازدهرت الحضارة الرفيعة في ربوعها، فإنه أباح لهم عمارتها والتمتع بطيباتها وزينتها، إلى جانب أنه حثهم على السمو الروحى عن طريق العلم والعمل الصالح، للفوز في دار الخلود. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ. . .﴾ (١) ويقول : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾. (٢) ويقول سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٣) وفي ظلال تمسكهم بهداه، استحقوا أن يكونوا خير أُمة أُخرجت للناس. وذلك لأنهم: يأْمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤْمنون باللهِ، ويسلكون سبيل الرشاد. ولما تراخى المسلمون في الاعتصام به: انتثر عقدهم، وذهبت ريحهم، وتفرق شملهم، فلا سبيل إلى استعادة أمجادهم وعزتهم وتوتهم، إلا بأَن يعودوا إلى التمسك حهذا الكتاب العظيم: وأن تخفق قلوبهم لتوجيهه، وتنقاد لإرشاده، في شئون الدنيا والدين. ومن أبرز صفات المؤمنين الصادقين، التجاوب العقلى والروحى، والعملي مع آي الذكر الحكيم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٤). وأن يتأثروا بعظاته على نحو ما يقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. . .﴾ (٥) وأن يحذروا الفرقة بعد أن جمعهم الله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ … ﴾ (٦). ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا. . .﴾ (٧). وأن يأخذوا بأسباب القوة علماً وعملا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ. . .﴾ (٨)

стр. 5

القرآن والتفسير القرآن هو المصدر الأول للعقيدة والشريعة الإسلامية، لهذا عني به علماءُ المسلمين منذ عهد الرسول ﷺ حتى الآن تلاوة وتدبرًا، ودراسة من جمع نواحيه: البلاغية والتشريعية، والاجتماعية والخُلقية والعلمية. وهو المعجزة الكبرى لنبينا محمد ﷺ ودستور العفيدة والشريعة والاخلاق لأُمته. والقرآن الكريم في أعلى درجات البلاغة، بحيث لا تصل إِلى مثله قدرة البشر؛ ومع هذا فقد كان ميسر اللهم للعرب الذين نزل بلغتهم، وقلما كانوا يحتاجون إلى بيان مَقصد غامض فيه، فإذا جدَّ لهم ذلك سألوا رسول الله- ﷺ ببانه عملا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) ومن ذلك أنه لما نزل في إباحة الفطر في ليالى رمضان قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٢). سأل عدى بن حاتم رسول الله عن الخيطين، فقال: هما بياض النهار، وسواد الليل. ولما اتسعت الفتوح الإسلامية، واختلط العرب بالأعاجم، فسدت عروبتهم بما شابها من لغات هؤُلاء الأعاجم، وأُترف المسلمون، فأصابتهم أمراض الترف، من ضعف في التدين، ثم اقتراف للمآثم وإشاعة للبدع. فخاف المصلحون من العلماء الأَعلام على كتاب ربهم أن يفسره من لا يحسن تفسيره، أو من يزيغ به عن معناه لغرض في نفسه، كبدعة يريد ترويجها، فألفوا التفاسير، ووضعوا قيودًا وشروطًا للمفسر، لا يصح تجاوزها، حتى يسلم كتاب الله من التأويلات الفاسدة، الناشئة عن الجهل، أو مرض القلوب. وأول المبينين هو رسول الله ﷺ فقد شرح من الآيات ما التبس فهمه على أصحابه، ثم تلاه بعض أصحابه، ثم تدفق الخبر من التابعين ومن يليهم، ممن آتاهم الله بسطة في العلم، ورسوخا في الإيمان.

стр. 6

ومن أبرز مفسري الصحابة: عبد الله بن عباس، فقد عُرِف- لدقة فهمه، وصدق حسه - بأَنه ترجمان القرآن، وأنه حبر الأُمة. روى البخاري عن دقة فهمه أَنه قال: "كان عمر يدخلنى مع أشياخ بدر، فكأَن بعضهم وجد فى نفسه، فقال: لِمَ يدخل هذا معنا، وإِن لنا ابناء مثله؟ فقال عمر: إِنه ممن علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخلهم معه، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره، إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجَلُ رسول الله- ﷺ أعلمه له، قال: إذا جاء نصر الله والفتح، فذلك علامة أجلك، فسبح بحمد، بك واستغفره إنه كان توابًا، فقال عمر: "لا أعلم إلا ما تقول". وقد كثرت الروايات عنه عناية بآرائه. وما يروى له من اختلاف في الرأى في المسألة الواحدة أحيانًا، فإن مرجعه إلى اختلاف الروايات قوة وضعفا، أو أنه بدا له فيها من الأدلة ما لم يبد له أولًا، فعدل إلى ما رآه راجحًا، وذلك حق الله على كل مجتهد. وقد عرف بالتفسير من الصحابة أيضًا: الخلفاءُ الأربعة، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأَبو موسى الأشعرى، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم. ولم يتوقف أحد في قبول تفسير الصحابة وإنما الأمر في التابعين. وقد وقع الإجماع على وجوب تفسير القرآن بما صحت روايته عن النبي ﷺ أما ما روى عن الصحابة في تفسيره، فقد أخذ به الكثيرون: لسلامة عروبتهم ودقة فهمهم، واحتمال سماعهم من الرسول ﷺ ومن الأئمة من كان يأخذ في فهم الآية بما رجح عنده من أدلة الرجحان، وإن خالف به فهم الصحابي، ما دام لم ينسبه الصحابي إلى الرسول ﷺ فكما اجتهد الصحابة في فهمه، يجتهد غيرهم من أثبات العلماء؛ أهل الاقتدار وسلامة الدين.

стр. 7

ولما جاء عصر التدوين، جمع بعض المفسرين الأقوال المأثورة في التفسير، عن الرسول والصحابة والتابعين، واقتصروا عليها. وجنح آخرون إلى إِضافة ما هداهم الله إلى فهمه في الذكر الحكيم مع المأْثور، ليكون القارئُ على بينة مما قيل في تفسيره، فيختار ما رجح عنده مما قوى دليله. ومنهم من كانت عنايته بالأحكام الفقهية أعظم، كالقرطبى، والجصاص. ومنهم من كانت عنايته بوجوه الإعجاز فيه أبلغ كأبي بكر الباقلاني. ومنهم من كانت عنايته بالنحو أكثر كأبى حيان. ومنهم من فسره بحسب الآراء الفلسفية أو الطائفية. ومنهم من فسره وفق النظريات العلمية، وبالغ في ذلك مبالغة كبيرة، مع أن النظريات العلمية عرضة للتبديل والتغيير، فإذا فسر بما يظهر مع الأيام فساده، كان في ذلك خطورة على عصمته من الباطل، والله تعالى يقول: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١). أما تفسيره بالحقائق العلمية الوطيدة، فلا مانع منه إِن كان بغير تكلف، بل بحسن نية. هذا، إلى أن سيلا جارفًا من الأساطير الإسرائيلية، والأقاصيص الخرافية، تطرق إلى بعض كتب التفسير التي ألفها أعلام العلماء، ونقلت عنهم من بعدهم بحسن نية. وأكبر الظن أن هذه الأساطير والخرافات، سرت إِلى كتب القوم من أعداءٍ الإسلام الذين عجزوا في وقت ازدهاره عن حربه علنًا، فنسخوا كتب أُولئك العلماء ودسوا فيها تلك الأكاذيب، بعد رحيلهم إِلى دار الخلود في غفلة عن عيون الرقباء، لتضعف الثقة بالقرآن وبعقليات المفسرين! وبذلك يتم لهم ما أَرادوا من حرب الإسلام عن طريق القلم، بدلا من حربه بالسيف. وهناك من المفسربن، من أوجزوا في التفسير، فبالغوا في الإيجاز حتى قل الانتفاع به. وهناك من أطنبوا فجاوزوا القصد، وضموا إلى تفسيرهم بعض المصطلحات الفنية التى لا يفهمها إلا المتخصصون، فعسرت الاستفادة منه.

стр. 8

لهذا كله، كان المثقفون المعاصرون - على اختلاف ثقافاتهم - في أشد الحاجة إلى تفسير وسيط: يخلو من الإسرائيليات والخرافات، ويبتعد عن الخلافات الطائفية، ويتجنب الجدل الفلسفي ما أمكن، ويتضمن الأحكام الفقهية التي يساعد عليها ظاهر النصوص في إيجاز، ويبتعد عن الصطلحات النحوية والبلاغية إلا ما دعت إِليه الضرورة، ولا يذْكُر من الأُمور العلمية والكونية إلا ما ثبت منها قطعًا، وما اتفق مع النص بلا تكلف، ويعرض لربط الآيات والسور بعضها مع بعض، ويبيّن أَسباب النزولِ، كل ذلك في لغة سهلة محببة إلى القارئ: تستدعى المتابعة، وتلتقى مع الرغبة في الاستفادة. وقد أدرك (مجمع البحوث الاسلامية) حاجة المسلمين في هذا العصر إلى مثل هذا التفسير؛ ليروى ظمأهم من معانى كتاب الله تعالى، فقرر إخراجه استجابة منه لتلك الدواعى الشريفة. فلذلك عهد إلى ثلاثة من أعضائه، بالإشراف على إخراج هذا التفسير، من حيز التفكير إلى حيز التنجيز. واستعان بمجموعة من العلماء الفضلاء الأثبات، للقيام بهذا التفسير، وانتظم من الجميع مؤْتمر عام تعددت جلساته. واستقر الرأى- أخيرًا- على النهج الذي ينبغى أن يمضى فيه المشروع، وتكونت لجان فرعية؛ كل لجنة مؤلفة من عالمين يقومان بالتأليف، وخصت كل لجنة بحزبٍ من أحزاب القرآن، فإن فرغت من تفسيره، أخذت سواه. وهكذا. واقتضت دقة العمل وتوحيد المنهج والأسلوب والروح، تأْليف لجنة لتنسيق ما يؤَلفه السادة الاعضاءُ، مكونة من أعضاء المجمع الثلاثة الذين تقرر إشرافهم على العمل، ومن لفيف من الخبراء الباحثين، حتى يخرج التفسير على نسق واحد محققًا الأمل المنشود. ولما كانت بعض آى الذكر الحكيم، تشير إلى نوع من الحقائق العلمية في ملكوت السموات والأرض، وعوالم الإنسان والحيوان والنبات، أو تقضى استيفاءَ بعض الأحداث التاريخية، أو الاستيثاق من بعض الآراء التي ينبغى أن تشرح الآيات بها، رأت اللجنة أن تستعين بالخبراء المختصين بتلك الشئون، عملا بقوله تعالى: " .... فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" (١).

стр. 9

منهج هذا التفسير ١ - تسبق السورةَ مقدمةٌ لها: تحوى أهم مقاصدها، حتى يلم القاريءُ بمجمل أغراضها، قبل أن يتناول فهم كل آية على حدتها. ٢ - يُذْكَرُ نص الآية أو الآيات المترابطة، وتتبع كل آية برقمها في المصحف، مع التزام الرسم العثماني في كتابتها، ومراعاة العلامات والرموز التي اتفق عليها في الرسم العثماني. ٣ - تُفَسَّر المفردات اللغوية بايجاز، مع التزام ما يتفق وظاهر معني اللفظ في الآية، وترك التفصيلات اللغوية التي لا تتصل بالمعنى القرآني المراد. ٤ - تذكر أسباب النزول - إن وجدت - واستدعى التفسير ذكرها. ٥ - يربط معنى الآية أو الآيات الكريمة بما سبقها؛ ليتضح التسلسل- البياني في السرد القرآنى بقدر الإمكان، مع البعد عن التكلف أو الإغراب. ٦ - تتجنب الإسرائيليات والأخبار الخرافية. ٧ - يترك التعرض للإشارات الصوفية، والخلافات الطائفية، والأساليب الجدلية. ٨ - يذكر التفسير بعبارة واضحة سهلة، يستطيع فهمها المثقف العادى، ويجد من أسلوبها ما يرغبه في متابعة القراءة مع ذكر نص الآية المراد تفسيرها، قبل الشروع في التفسير، مسبوقة برقمها. ٩ - تترك المصطلحات الفنية التي تعوق القارئ غير المتخصص عن متابعة القراءة، إلا إذا دعت الضرورة إليها لغرض التوضيح، وإبانة المعنى المراد. ١٠ - تذكر الأحكام الفقهية التي تظهر بوضوح من النص، وعند اختلاف الفقهاء في الحكم المستفاد منه، يذكر هذا الاختلاف لمصلحة القارئ ـ، ولا يتوسع فيه، وان أمكن التوفيق بين الآراء، يوفق بينها. ١١ - إذا تكرر موضوع الآية في أكثر من سورة، شرح في كل موضع شرحًا كافيًا؛ ولكن التوسع في معناه، يترك إِلى النص الأوفى في الموضوع، ويشار إلى ذلك، للرجوع إليه عند الحاجة.

стр. 10

١٢ - إذا صحت وثبتت أمور كونية يمكن تفسير الآية بها، ذكرناها في تفسيرها، مستعينين بآراء الخبراء فيها. ١٣ - يقتصر في الكلام على أسماء الحروف التي استهلت بها بعض السور على أرجح الأَقوال، وكذا في الكلام على القضاء والقدر، ونحو ذلك. ١٤ - تُرَدَّ شبهات الملحدين في شرح الآيات التي أثاروها فيها. ١٥ - لا يتعرض لاختلاف القُرَّاء إلا إذا احتاج إليه تفسير الآية، بأن أفاد معنى آخر أو حكما ينبغى أن يعلم. ١٦ - يتناول الشرح الآية جملةً جملةً، وأحيانًا يكون التفسير وراء النص، متناولا لمشتملات الآية كلها، عندما يرى أن ذلك أوضح للقاريءٍ، وأيسر وأجمع للفكرة. ١٧ - عند الاستشهاد بآية أُخرى في الشرح، يذكر رقمها وسورتها، وعند الاستشهاد بالحديث النبوى الشريف، تذكر درجته أو مصدره من كتب السنة المعتمدة. ١٨ - عند الفراغ من شرح قصة قرآنية، يذكر الغرض من ذكرها. ١٩ - إذا وردت القصة القرآنية في أسفار العهد القديم أو الجديد، ولم تتعارض مع النص القرآنى أشرنا إلى ذلك إِن رأينا فيه فائدة، فإن خالفته، فالمعول عليه هو ما في القرآن الكريم، ولذا نغفل الإشارة إليها في أسفارهم. ٢٠ - التزمت اللجنة القصد في التعبير، ما لم يقتض موضوع الآية البسط، فإنها تسلك سبيله لمصلحة القراءِ. هذا هو المنهج الذي صارت عليه اللجنة. وهي تقرر أنها انتفعت بجهود أعلام المفسرين القدامي والمعاصرين - جزاهم الله على ما قدموا خير الجزاء - كما أضافت ما وصل إليه العلم في شتى الميادين. وبعد: فإن اللجنة تتوجه إلى الله تعالى أن يجعل عملها خالصًا لوجهه الكربم، وأن يتقبل منها ما قامت به، وأن يعفو عما يكون منها من تقصير. والله الموفق للصواب. أعضاء اللجنة

стр. 11

سورة الفاتحة مقدمة هذه السورة الكريمة، نزلت بمكة قبل الهجرة، وهي سبع آيات، نزلت بتمامها، وسميت الفاتحة لأنها أول القرآن في ترتيب المصحف، فهى فاتحته. وهذه. السورة - مع قلة آياتها وإيجازها - تشتمل على مقاصد القرآن كله. فالقرآن نزل لتعريف الناس برب العالمين، وما يتصف به من صفات جليلة، ولحثهم على حمده وعبادته، وإثبات يوم الجزاء، وأن الملك له تعالى في هذا اليوم، وأنه يجب توحيده بالعبادة دون شريك، والاستعانة به تعالى في جميع الشئون، إذ لا يوجد شيء ولا يتم إلا بمعونته. ولهذا يطلب من العباد أن يستعينوا به في أمرهم كله، وأن يهديهم الطريق المستقيم، وأن يكفيهم شر طريق المغضوب عليهم والضالين، وقد اشتملت الفاتحة على هذا كله فى إيجاز، فلا غرابة في أن تسمى أُم الكتاب، وأن يفتتح بها القرآن الكريم، وأن تفرض في الصلاة. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. لما كانت الفاتحة تتلى في كل ركعة في الصلاة، فإن استحضار معانيها في ذهن المصلي، أمر مطلوب، لأنه يثني بها على ربه ويناجيه، فلهذا قدمنا تفسيرها بمجمل مرقم لمعانيها فيما يلى:

стр. 12

١ - أَستعين متيمنا متبركا ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ الذي لا معبود بحق سواه، ﴿الرَّحْمَنِ﴾ المنعم بجلائل النعم، ﴿الرَّحِيمِ﴾: المنعم بدقائقها. ٢ - الثناءُ كله لله تعالى، على ما أسداه. من النعم على عباده، وعلى ما اتصف به من صفات الكمال، لأنه منشيءُ العالمين، ومبلغهم كما لا تم، وحافظهم. ٣ - (الرحَّمْن) واسع الرحمة لعباده جميعًا في الدنيا، إذ عمهم بنعمه فلم يحرم منها كافرا ولا فاسقا. (الرَّحْمن) واسع الرحمة لعباده المؤمنين في الآخرة، يقبل من محسنهم ويحسن ثوابه، ويعفو عن مسيئهم ويقبل متابه. ٤ - مالك يوم الجزاء، فلا سلطان فيه لأحد سواه، في ظاهر الأمر وباطنه: يحاسب فيه عباده، فيعاقب من عصى، فلا يمتنع عليه بملك ولا جاه، ويثيب من أطاع، فيعطيه بغير حساب. ٥ - نخصك - يا من هذه صفاتك العلية - بالعبادة، فلا نشرك فيها أحدًا سواك، فأنت وحدكَ المعبود ونخصك بالاستعانة، فأنت وحدك المعين. ٦ - وفقنا يا رب، واهدنا الطريق المستقيم، الذي سنه كتابك العظيم، وبيَّنه رسولك الأَمين. ٧ - (صراط الذين أنعمت عليهم): في الدنيا بالتوفيق إلى طاعتك، وفي الآخرة بحسن مثوبتك، لا صراط الذين غضبت عليهم لكفرهم، ولا الضالين الذين لم يهتدوا بهداك. التفسير ١ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: أجمع المسلمون على أن البسملة من القرآن، لأنها وردت في سورة النمل " الآية (٣٠). واختلف العلماء في مكانها من سور القرآن: فأَكثر علماء السلف، على أن البسملة آية من الفاتحة. ولذا تجب قراءتها مفتتحة بها في الصلاة، وبها تم آياتها السبع، كما أنها آية من كل سورة. وممن قال بذلك: قراءُ مكة، والكوفة وفقهاؤُهما، والشافعى وأصحابه.

стр. 13

ويؤيد مذهبهم: إثباتها في المصاحف أول كل سورة، ما عدا "التوبة". مع ما ورد من الأمر بتجريد القرآن عن كل ما ليس منه: ولذلك لم يكتبوا "آمين" فى آخر الفاتحة؛ لأنها دعاءُ مطلوب بعدها، وليس منها. وذهب آخرون إلى انها آية من الفاتحة وحدها، وبه أخذ بعض الشافعية وحمزة، ونسب إلى الإِمام أحمد، وقد أقام الفخر على ذلك ست عشرة حجة منها نصوص من السنة: وقراءُ المدينة والبصرة والشام وفقهاؤُها، ومالك والأوزاعى- على أن البسملة ليست آية من الفاتحة، ولا من أي سورة أخرى، وإنما أثبتت في المصحف للتبرك بها والفصل بين السور. ﴿بسْم اللهِ﴾: المراد بالاسم هنا: المسمى، وهو ذات الله تعالى، فإنه سبحانه هو المستعان به في كل أمر يؤْتى بالبسملة فيه. والدليل على ذلك أنه لما نزل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ أول سورة الأعلى، قال رسول الله ﷺ : "اجعلوها في سجودكم" (١). وكان يقول في سجوده: "سبحان ربى الأعلى" ولم يقل: سبحان اسم ربي الأعلى. وقال الآلوسى: الأسم يطلق على نفس الذات والحقيقة والوجود والعين، وهي عندهم أسماء مترادفة، كما قال الإِمام ابن فورك في كتابه الكبير فى الأَسماء والصفات، وأبو القاسم السهيلى في شرح الإرشاد، ثم قال: ومنه ﴿سَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأعلَى﴾ إذًا التسبيح إنما يتوجه إلى الذات الأقدس. إلى آخر ما قال. ويمكن تقدير فعل محذوف تقديره: أبتدئُ باسم الله، ويكون ذكر الاسم هنا على معناه المشهور. ولفظ الجلالة (الله). علم على الذات العلية، وهو الإله المعبود بحق، الذي يخلق عباده، يرزقهم، ويدبر شئونهم ويقتدر عليهم، وله ما في السموات وما في الأرض. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: تذكير برحمته التي وسعت كل شئٍ، وبذلك جمع الله لعباده في البسملة من أسمائه الشريفة، بين ما يقتضى الإجلال والتقديس والعبادة وهو لفظ الجلالة علم الذات، وبين ما يقتضى الأنس والأمل في الخير، وهو الرحمن الرحيم، ليأْنسوا بربهم، ولا يقنطوا من رحمة الله تعالى.

стр. 14

وسيأتي الكلام على معناهما في الفاتحة. وينبغى أن يضمر القاريءُ في نفسه معانى ما جاءَت البسملة من أجله، كالقراءَة، والتبرك، والاستعانة ونحوها … ٢ - ﴿الْحَمْدُ للهِ﴾: الحمد: هو الثناءُ على الجميل الذي يصدر عن المحمود باختياره، من نعمة أو غيرها. أما الشكر فهو مقابلة النعمة بالثناءِ على صاحبها بالقول، أو مقابلة نعمته بعمل يدل على الاعتراف بها: كآداب الجوارح، أو الشعور القلبى بفضل صاحبها. ولذلك يقول الشاعر: أفادتكم النعماءُ مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجبا والحمد شعبة من شعب الشكر الثلاث، ولكنه أَدل على إجلال المنعم وشكره من سائر الشعب؛ لخفاء الاعتقاد، وما في آداب الجوارح من الاحتمال فلذا جعل الحمد رأس الشكر والعمدة فيه. قال ﷺ "الحمد رأْس الشكر، ما شكر الله عبد لا يحمده" (١) وأل في الحمد للاستغراق، والمعنى: جميل الحامد لله تعالى. ولفظ الجلالة (الله) يشعر باستحقاقه تعالى وحده للحمد، كما يشعر به لفظ ﴿رَبِّ﴾ في قوله: ﴿رَبِّ الْعاَلمينَ﴾: أي أنه تعالى مستحق للحمد؛ لألوهيته ولأنه رب العالمين، أى منشئهم ومبلغهم إلى كمالاتهم اللائقة بهم، وحافظهم حتى ينتهوا إلى غاياتهم. وكلمة: ﴿الْعاَلَمِينَ﴾ جمع عالَم، وهو ما سوى الله من جميع المخلوقات، فيشمل العاقل وغيره من الأجناس. وحكمة بدء الفاتحة بالحمد لله، الإِشارة إلى حصول النعم الإلهية التي أحاط الله بها عباده، وأن المصلي يحمده تعالى على ذلك. ٣ - ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمَ﴾: أصل الرحمة في اللغة: رقة القلب وانعطافه بالشفقة. وهذا المعنى ينطبق على المخلوقات فإطلاقه على الله تعالى، إنما يكون باعتبار لازمه الذي يليق به تعالى، وهو التفضل والإحسان.

стр. 15

والرحمن الرحيم: صفتان لله - تعالى - وصيغة كلتيهما: تدل على الكثير وقد جمع ببن الرحمن والرحبم؛ لتأكيد كثرة رحمته جل وعلا. ويختص الوصف بالرحمن شرعا، باللُه -تعالى- بخلاف الرحيم، فيصح إطلاقه على المخلوقات. ومن ذلك قول الله تعالى في وصف النبي - صل الله عليه وسلم - ﴿ … حَرِيصٌ عَلَيكُم بالمؤمنين رءُوفٌ رحيمٌ﴾ (١) وقوله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿ … رُحَماءُ بَينَهم … ﴾ (٢). ٤ - ﴿مَالِكِ يَوْمَ الدِّينِ﴾: هذا هو رابع الأوصاف للفظ الجلالة: وصف أولا بكونه: ﴿رَبِّ العاَلَمينَ﴾، وثانيا بقوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾، وثالثا بقوله: ﴿الرَّحِيمِ﴾، ورابعا بقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمَ الدِّينِ﴾. والمالك: من له التصرف الشامل فما يملك بدون منازع. والدين: هو الجزاءُ على الأَعمال. ومعنى: (مَالِكِ يَوْمَ الدِّينِ): المالك لكل ما في هذا اليوم من جنة ونار، وإنس، وجن، وحساب وجزاءٍ - من ثواب أو عقاب - وغير ذلك. وهذه الآية دالة على المعاد، ومجازاة كل مخلوق بما قدم من عمل، ولو لم يكن معاد للخلق يجازون فيه، لكان الموت هو نهاية الجميع. وبذلك يستوى المؤْمن والكافر، والبر والفاجر والمصلح والمفسد، وذلك أمر يتنافى مع العدالة الإلهية، ولا تسلم به المبادئُ العقلية؟. لهذا اقتضت حكمة الله أن يكون للناس معاد، يجازون فيه بالثواب أو العقاب على ما قدموا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٣). ووصف الله بـ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لإظهار استحقاقه تعالى للحمد، وللإشعار - من طريق المفهوم - بأن من لم يتصف بتلك الصفات، لا يستحق أن يحْمد، فضلا عن أن يعبد!

стр. 16

٥ - ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: من أول السورة إلى هنا، كان الأُسلوب للغيبة، ثم تغير هنا إلى الخطاب حتى آخرالسورة. وفوق ما يفيده تغير الأسلوب من التنبيه إلى موضوع الكلام، فإن فيه إشارة لطيفة إلى ترقي الحامد كلما أثنى على ربه، وأخلص في مناجاته، فينتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور، وذلك حال المصلي الذي يقرأ الفاتحة، فإنه حين يدخل الصلاة، يكون قريب عهد بما كان يشغله من الشئون قبل الدخول فيها، فإذا أقبل على ربه بحمده له، وثنائه عليه، تاركا شواغله، انتقل إلى مقام الإحسان في عبادته، وهو أن يعبده الله كانه يراه على ما سنبينه. وهذا يقتضى أن ينتقل من الغيبة إلى موقف المخاطب لمولاه، فيقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. هذا، وتقديم ضمير المفعوك ﴿إيَّاكَ﴾، في كل من الجملتين، للاهتمام، مع إفادة القصر، كأَنه قيل: إياك يا الله وحدك نعبد، واياك يا الله دون سواك نستعين. وفي ذلك إقرار له تعالى، بالأُلوهية والوحدانية. وقدمت جملة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على جملة: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، لأن المقصود الأوَّلي هو العبادة، ولما كان فعل الطاعة وتوفر الدواعى إلى فعلها، لا يتمان إلا بمعونة الله وتوفيقه، فلهذا يطلب العبد الاستعانة باللهِ عقب تخصيصه بالعبادة، إذ أن العبد لا حول له ولا قوة إلا باللهِ. والعبادة للمعبود هي الطاعة الخالصة له، المبنية على حبه، المؤَداة على وجهِ يشعر بمنتهى الخضوع له. ولكون العبادة بهذا المعنى، فلا تكون إلا لله وحده (١)، وهي أخص من الطاعة التى تتحقق في مطلق الامتثال، فكل عبادة طاعة، وليس كل طاعة عبادة، فأنت إذا امتثلت أمر والديك أو ولى أمرك، يقال لك: أنت أطعتهم، ولا يصح أن يقال: أنت عبدتهم، فالعبادة أعلى مقام في الطاعات، وهي المعراج الروحى الذي يصعد فيه العباد إلى درجة،

стр. 17

كأنهم فيها يشهدون الحق فإن لم يصلوا إلى ذلك، فليشعروا بأنه تعالى يراهم، وذلك هو مقام الإحسان الذي يشير إليه الحديث الشريف بقوله -عليه الصلاة والسلام- في تعريف الإحسان "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك (١) ". والعبادة: تشمل عمل القلوب، وعمل الجوارح. وتشمل فعل المأمور به، وترك المنهى عنه. فلا يتحقق معنى العبادة إلا بذلك كله. وفي الآية سؤَال وهو ان مقام العبودية يقتضى التواضع والذلة لله تعالى. فكان الظاهر أن يقول العبد.: إياك أعبد، وإياك استعين " بضمير المفرد الذي لا يعظم نفسه". والجواب: أن النون في (نَعْبُدُ)، و (نَسْتَعِينُ)، ليست للمتكم المعظم نفسه، ولكنها للمتكلم ومعه غيره من المؤمنين، فكلهم يعبد الله، ويستعين به وحده، فهذا إقرار من المصلي، وشهادة منه بان هذا هو شأن المؤمنين مع ربهم. وفي ذلك إدراج لعبادته واستعانته، ضمن عبادتهم واستعانتهم؛ رجاء القبول ببركة ذلك. ومن أجل هذا الملحظ -ولما سبق- طلبت الصلاة في جماعة. ٦ - ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: بعد أن يخص العبد ربه بالعبادة، والاستعانة مخاطبا له بقوله: ﴿إياكَ نَعْبُدُ وَإياكَ نَسْتَعِين﴾ يناجيه، وايصلب منه الهداية إلى الطريق المستقيم، فإن الله وحده هو المانح للخير، والهادى إلى الصرط القويم والهداية: هي البيان والإِرشاد، سواء اهتدى من ترشده أم لم يهتد، وقد يراد منها: خلق الاهتداءَ في القلب. وهي بهذا المعنى مختصة باللهِ -تعالى- إذ لا يقدر عليها سواه، ولما كانت من أشرف المطالب وأسناها. شرع الله لعباده أن يرجوها منه سبحانه بقولهم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ اما الصراط: فهو الطريق الذىَ يسلكه السائر إلى المقصود، وهو نوعان: حسي ومعنوي؛ فالطريق إلى منزلك حسي، والطريق إلى الله معنوي، وهو الطاعة. ووصف الطريق بالمستقيم؛ للاحتراز عن الطريق المنحرفة المعوجة، وهي طريق أَهل الضلال والفساد.

стр. 18

ومعروف، أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتى المبتدأ والمنتهى. وإذا كان المقصود للعباد في رحلة الحياة الدنيا، هو الوصول إلى الله تعالى: فإن أقرب الطرق إليه هو الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (١)﴾. ففى وصف الصراط بالمستقيم، إِشارة لطيفة إلى أن سبيل الله هي أقرب الطرق إلى مرضاته تعالى. وأَما غيرها فإما أنها لا توصل إلى الله أصلًا، وهي صراط المغضوب عليهم والضالين، وإما أنها توصل بعد محنة العقاب، وهي صراط العصاة المؤْمنين. ٧ - ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ … ﴾ الآية ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ … ﴾ إلخ بدل من الصراط المستقيم، مبين لمعناه، فإن الصراط المستقيم هو طريق من أنْعَمَ الله عليهم بالإيمان والإسلام، أي اهدنا صراط المؤمنين الذين أنعمت عليهم في الدنيا بحسن الطاعة، وفي الآخرة بحسن الثواب: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢). ﴿غَيْرِ المغَضْوُبِ عَلَيْهِمْ﴾، المغضوبُ عليهم: هم الذين خرجوا عن طاعة الله ورسوله، وأفسدوا دينهم بالكفر والمعاصى، فغضب الله عليهم، أي أَراد الانتقام منهم لذلك. ﴿وَلا الضَّالَّين﴾. الضالون، هم الذين أَفسدوا عقيدتهم بالجهل بدين الله، فانحرفوا عن سواء السبيل. هذا، واشتهر بين المفسرين: أن المراد بالمغضوب عليهم: اليهود، لقول الله فيهم: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ (٣) ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾. وأن المراد بالضالين: النصارى، لقول الله فيهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءالسَّبِيلِ﴾ (٤) ولأَن الرسول -صلى الله عليه وسم- فسرهما بذلك كما رواه عنه أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، وحسنه.

стр. 19

والظاهر: أَن تفسير الرسول لهما باليهود والنصارى، لدخولهما في عموم معناهما، وقد شرحنا المراد منهما فما تقدم، وهو شامل لهاتين الطائفتين وغيرهما من أهل الكفر والضلال. وقاريء الفاتحة يختمها في الصلاة أو سوا ها بقوله "آمين" وليس منها. ولكنه مسنون وهو اسم فعل أمر معناه: استجِبْ. واعلم أن الفاتحة تسمى السبع المثافى، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾؛ (١) ولأنها تثني -أى تكرر- في الصلاة وغيرها. فحافظ أيها المؤْمن على تلاوتها في أذكارك، فهي كثيرة الخيرات، جمة البركات.

стр. 20

سورة البقرة مقاصدها: تشتمل هذه السورة على مقاصد عظيمة، منها ما يأتى: ١ - التنويه بشأن الكتاب العزيز، الذكرهو أصل التشريع السماوى، وأساس القانون الإسلامى. ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٣)﴾. ٢ - بيان أحوال الناس من الدعوة الإسلامية، وهم فرق ثلاث: (أ) فرقة المؤمنين الصادقين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾. (ب) فرقة الكافرين المشركين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾. (ج) فرقة المنافقين، وهم أضر أعداء الدِّين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ وقد عني القرآن بأوصافهم وأحوالهم في ثلاث عشرة آية. ٣ - تذكير الطوائف الثلاث، بنعمة الخلق لعلهم بعتبرون، فيستمسكوا بالعروة الوثقى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ ٤ - توجيه التحدي لمن أنكر معجزة القرآن: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾. ٥ - بيان الدلائل الكونية المقرونة بالنعم الإلَهية، لإقناع الخلق بالبعث والمعاد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾.

стр. 21

٦ - عناية الله تعالى بخلافة البشر في الأرض، إذ جعل أول خليفة فيها آدم ﵇ وخلقه وأبناءه ليعبده، ويعمروا إلأرض، كما قال جل شأنه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا … ﴾ الآيات (٣٠) وما بعدها. ٧ - القصص القرآني فيما يتصل بنفع الإيمان، وضرر الكفر، وخداع المنافقين، وأثر ذلك في المجتمعات الق بعث الأنبياء لإصلاحها. ٨ - عناية القرآن بذكر قصص بني إسرائيل، لأنهم أَكثر الأُمم نعمًا، وأشدهم عصيانًا وكفرًا: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. (٤٠) ٩ - قصة موسى ﵇ مع بني إسرائيل في شأن البقرة التي سميت السورة باسمها: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً … ﴾ الآية (٦٧). ١٠ - قصص الرسل مع أممهم من بعد موسى، لبيان ما تحملوه في سبيل الدعوة إلى الله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ … ﴾ الآية (٨٧). ١١ - تبيين موقف أهل لكتاب الكفار - من المؤمنين حتى لا يتخذوهم أَولياءَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ … ﴾ الآية (١٠٩). ١٢ - العناية بقصة إبراهيم وإسماعيل ﵉ في بناء الكعبة بمكة؛ لأنها أول بيت وضع للناس في الأرض، وقدجعله الله مثابة للناس وأمنا. ١٣ - اختبار الناس بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة: ﴿ … وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ … ﴾ الآية (١٤٣). ١٤ - تصوير حال أهل الكفر والضلال، حين يتبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. (١٦٧)

стр. 22

١٥ - بيان ما أحل الله للمؤْمنين، وما حرم عليهم في الأطعمة، ليقفوا عند حدود الله تعالى في مطاعمهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾. ١٦ - بيان عبادة الصوم التي بها طهارة القلوب، وزكاة النفوس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ … (١٨٣)﴾، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ … ﴾ الآية (١٨٥). ١٧ - الأمر بالجهاد، دفاعًا لا اعتداءً، مع مايراعي من الآداب عند القتال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا … ﴾ الآية (١٩٠)، ﴿ … وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ الآية (١٩١)، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ … الآية﴾ (١٩٣) ١٨ - تطهير ذرية المؤمنين من الانتماء إلى الأمهات أو الآباء المشركين، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ … الآية﴾ (٢٢١) ١٩ - وضع حد للشقاق بين الزوجين والمحافظة على طهارة الأنساب، ببيان أَحكام الطلاق، والعدة للمطلقة، والمتوفى عنها زوجها ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ … ﴾ الآية (٢٣٩) ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ … ﴾ الآية (٢٢٨)، ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا … ﴾ الآية (٢٣٤). ٢٠ - بيان التفاضل بين الرسل على حسب درجاتهم عند الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ … ﴾ الآية (٢٥٣) ٢١ - الحث على الإنفاق في سبيل الله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾. ٢٢ - النهى عن الربا؛ لأنه من المعاملات التي لاتتفق مع المروءة الإسلامية، ولا الأُخوة الدينية ولا مع النظام المالى الإسلامي، الذي يحرم أكل أموال الناس بالباطل: ﴿وَأحَل اللهُ البَبعَ وَحَرمَ

стр. 23

الرِّبَا .. ﴾ الآية (٢٧٥)، ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ .. ﴾ الآية (٢٧٦)؛ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ الآية (٢٧٩). ٢٣ - الأمر بقيد الديون وتسجيلها في وثائق، حى لاتقع المشكلات في المعاملات المالية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ … ﴾ (٢٨٢). ٢٤ - الإيمان بالله، وجميع الرسل والملائكة، والكتب دون تفرقة بينهم ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ … ﴾ الآية (٢٨٥). هذه بعض المقاصد والأهداف من سورة البقرة. وهي مدنية. وآياتها ست وثمانون ومائتان. والمدني: ما نزل بعد الهجرة. ﴿بسم الله الرحمن الرحيم الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ المفردات: ﴿الم﴾ يقول السلف: إنها وأمثالها في فواتح السور من المتشابه، الذي استأثر الله بعلمه. ويقول غيرهم: إنها للتنبيه. وقيل غير ذلك. وسيأتى بيان مافيه. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا ينبغى أن يشك في صحته. ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾: إرشاد لهم

стр. 24

﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾: يصدقرن بما غاب عن حسِّهم، مما أخبر عنه الكتاب الذي لاربب فيه. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ يؤَدونها في أوقاتها، كاملة الأركان والشروط. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: ومما انعمنا عليهم يبذلون في سبيل الخير. ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾: أي أولئك الموصوفون بما تقدم، متمكنون من هدى ربهم. ﴿وأولئك هم المُفْلِحُونَ﴾: أى بما يرجون، الناجون مما يكرهون. التفسير ١ - ﴿الم﴾: افتتح الله بعض سور القرآن، بأَسماء بعض الحروف، وعددها ثمانيه وسبعون حرفا فى جملة السور. وهي تكرار لأربعة عشر حرفا في أوائل تسع وعشرين سورة، منها سورة البقرة هذه، وأولها: ﴿الم﴾. وقد ذهب كثير من السلف، إلى أن معافى هذه الحروف وأغراضها، سر من الاسرار التي استأثر الله تعالى بعلمها، فتكون من المتشابه الذي لا يعلم تأويل إِلا الله . أما علماء الخلف، فقدحاولوا ببان المقصودمنها لأن القرآن جاء بلغة العرب ليفهموه، ومن أَحسن ما قيل في ذلك: إنها تشير إلى أَن القرآن، مكوَّن من كلمات أساسها هذه الحروف التي تنظمون منهَا -أيها العرب- كلامكم، ومع ذلك عجزتم عن أتأتوا بمثله، وفيكم الفصحاء والبلغاء. فإذا جاء به النبي الأُمى، فالله تعالى هو الذي أنزله إليه، ولم يأت به من عند نفسه، لأنه مثلكم في البلاغة وفي الفصاحة. فإذا كنتم عاجزين عن الإتيان بمثله، - وأَنتم أَئمة البلاغة، فهو مثلكم في ذلك العجز. فالقرآن فوق مقدرة البشر جميعًا. ومن أَحسن ماقيل أيضًا: إن المشركين كانو اتضافروا، على ألا يسمعوا القرآن: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ .. ﴾ (١) فكان النبي ﷺ يبدأ التلاوة بهذه الاحرف المنزلة، جاهرا بقراءته ليستمعوا إِلى القرآن الذي أعرضوا عنه. فهي- لغرابتها- أقوى في تنبيههم إلى استماعه من أن يقول لهم: استمعوا إليه.

стр. 25

٢ - ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿ذَلِك﴾ إشارة للبعيد الحسِّي. وقد يستعمل للبعبد المعنوىٌ للتعظيم، كما فى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١)﴾. وهي هنا إشارة إلى الكتاب؛ للإيذان ببعد منزلته علوًّا، أي ذلك الكتاب البعيد المدى في منزلته الرفيعة. ﴿الكِتَابُ﴾: بمعنى المكتوب، وهو القرآن الذي نتلوه، الموعود به ﷺ في قوله جل شأنه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٢)﴾ فأل فيه للعهد، أي ذلك الكتاب الذي وعدنا بإلقائه عليك، ويجوز أَن تكون للكمال، والمعنى: ذلك الكتاب: الكامل، في بلاغته وإِعجازه وتشريعه. أو ذلك الكتاب، أما غيره فلا. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شك فيه، أَى أنه ليس من شأنه أن يشك فيه، لنصوع حقائقه. وإلا فهناك من المنكرين المعارضين من شك وشكَّك، وارتاب وأراب، فلم يعتبر ريبهم فيه ريبا. لأنه نشأَ عن الرين والحجاب الذي ختم الله به على قلو بهم. قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ … وينكر الفم طعم الماء من سقم ﴿هُدًى لِّلْمُتقينَ﴾ أي بيان وإرشاد لهم إلى ماينفعهما في دنياهم وأُخراهم، لما تضمنه القرآن من العقائد والَأحكام، والأخلاق التي لا غاية وراءَها. والمتقي: من يتقي عذاب الله ويصون نفسه منه، بترك السيئات وعمل الصالحات. وخص بهذا، لأنهم هم الذين ينتفعون بما في الكتاب من هداية إلى الصراط المستقيم، على حد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ (٣). وأيضًا قوله جل شأنه: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (٤) ربما أنه مذكر للجميع وهاديهم ومنذرهم، فالتقييد بما ذكر، مراعاة لمحل الثمرة والفائدة أما غيرهم، فلم ينتفعون بالقرآن؛ لسُوء اختيارهم. ٣ - ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾:

стр. 26

تَضَمَّنَتْ هذه الآية الصفة إلاُولى للمتَّقين الذين نزل القرآن هدى لهم. واعلم ان التكاليف الشرعية: اما ترك، واما فعل. وما يطلب تركه يدخل تحت عنوان المتقين. والفعل: اما قلبى: ويدخل تحت قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. وإِما من عمل الجوارح. وقد أَشار إلى البدني منها بقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، وتخصيصها بالذكر؛ لأنها رأس العبادة البدنية، ولأنهاتنهى عن الفحشاء والمنكر، لقوله تعالى: ﴿ … إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ … (١)﴾. وأَشار إلى المالي منها بقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. ووجه الترتيب في الآيتين: أن الترك من قبيل التخلية، وأن الأفعال من قبيل التحلية، والأولَى تسبق الثانية، ولهذا قدم وصفهم بالمتقين على غيره من الأوصاف، لأن التقوى من قبيل التحلية، فهي أشبه بإزالة الأدران والأوساخ قبل التحلية باللباس النظيف الجديد الذي تشبهه سائر صفات المتقين. ويلي هذا ما كان عن عمل القلوب، وهو الإيمان بالغيب، إذ هو أساس قبول العمل الصالح، ولهذا لم يقبل من الكفار عمل مهما كانت صورته طيبة، لأنه لم يقم على عقيدة صحيحة قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢)﴾: ويلي ذلك العبادة البدنية التى ترجع فائدتها إلى فاعلها، وقد أشير إليها بقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ ثم العبادة المالية المتعلقة بغير فاعلها المشار إليها بقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، أي على جهات البر. والإيمان بالغبب هو التصديق والإذعان القلبى به، والمراد بالغيب ما غاب عن الحس من شئون الدين وقام الدليل على ثبوته، فافه تعالى لا تدركه الأبصار، وما يتعلق بالملإِ الأعلى أو بأحوال يوم القيامة، من بعث وحثر وحساب، غيب - فالإيمان بذلك كله ايمان بالغيب، ولا يتحقق الإيمان بدونه، وهو أساس لفروع الإيمان، ولهذا قدمه عليها. جاء في تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٤١ قال سعيد بن منصور، حدثنا أبر معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بت عمير، عن عبد الرحمن بت يزيد، قال: كنا عند عبد الله

стр. 27

ابن سعود جلوسا فذكرنا اصحاب النبي ﷺ وما سبقونا به، فقال عبد الله: إِن أمر محمد ﷺ كان بَيِّنًا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد. قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب. ثم قرأ ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ … ﴾ إلى قوله: ﴿ … الْمُفْلِحُونَ﴾. وهكذا رواه ابن أبى حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه، من طرق عن الأعمش بهذا الإسناد. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولها يخرجاه. وكلام ابن مسعود ﵁ في هذا الأثر يشعر بان من لم يروا النبي -صلى إليه عليه وسلم- وآمنوا به، يعتبر إيمانهم برسالتِهِ إيمانا بالغيب، وأَن ذلك منقذ لهم. ومعنى ﴿وَيُقِيمُونَ الصلَاةَ﴾: يؤَدُّونها في أوقاتها، كاملة الأَركان والسنن. ومن كلام أمير المومنين عمر- ﵁: من حفظها- اى الصلاة- وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها كان لما سواها أضيع. ومعنى قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: ومما أعطيناهم من فضلنا ينفقون. وإسناد الفعل ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾ إلى ضمير الله تعاك، إشارة إلى أن الله تعالى، جعلنا مستخلفين عنه فيما ننفق من الرزق الممنوح لنا، ولم تبين جهة الصرف لغرض التعميم، فينبغى ألا نبخل بمال الله على خلق الله المحتاجين، وألا نشح على كل عمل معد لمصلحة الإسلام والمسلمين. ٤ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ … ﴾ الآية. هذه هي الصفة الثانية للمتقين، وفي وصفهم بالايمان بما أنزل على النبي وهو القرآن، وما أنزل من سائر الكتب على من قبله من الرسل- بيان أن الإسلام يقر الرسالات السماويِّة في حينها، ولا ينكرها، وانه لا يفرِّق بين أحدٍ من رسل الله، على عكس اليهود والنصارى. فاليهود ينكرون المسيحية والإسلام وكتابيهما، والمسيحيون ينكرون الإسلام وكتابه. وقوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: أي ويؤْمنون كذلك بالدار الآخرة، وما فيها من بعث وحشر وثواب وعقاب، والعبارة فيها قصر اليقين بالآخرة على المؤْمنين، وفي

стр. 28

ذلك تعريض بإيمان أَهل الكتاب بها، فإنه غير مطابق، ولا صادر عن يقين، فاليقين: إنما يكون عن علم لا يعتريه شك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (١) وأهل الكتاب ليسوا كذلك. وسميت الدار الثانية بالآخرة؛ لتأخرها عن دار الدنيا. ٥ - ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ … ﴾ الآية. اسم الإشارة في ﴿أولئك﴾ عائد على المتقين الموصوفين بالصفات السابقة، فتكون تلك الصفات كلها ملحوظة مع المشار إِليه، والتعببر بقوله: ﴿عَلى هُدىً﴾: فيه إشارة إلى تمكن المتقين من الهدى، فكأنهم مستقرون عليه، وتنكير هدى لتعظيمه، وأكد هذا التعظيم بأنه صادر ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾: أي بتوفيقه: ﴿قُلْ إنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى (٢)﴾ ﴿وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أي وأولئك الموصوفون بما تقدم هم -لا غيرهم- الفائزون عند الله بالسعادة الدائمة. وأصل الفلح: الشق في الأرض، وهو عمل الفلاح، والمؤمنون قد شقوا طريقهم إلى الله، فوصلوا وفازوا يمرضاة ربهم، وعظيم ثوابه. وتكرار اسم الإِشارة: ﴿أوَلئكَ﴾، للتنويه بشأْن المتقين المتصفين بهذه الصفات. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾. المفردات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المراد بهم الذين جحدوا ما أنزل على محمد ﷺ ، وأَصروا على ذلك.

стр. 29

﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾: أي أغلقها ومنعها عن قبول الهدى، بسبب إصرارهم على الكفر. والمقصود أنه تعالى لم يوفقهم إلى الإيمان بسبب عنادهم. ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾: أي غطاء، وهذا كناية عن عدم انتفاعهم بالآيات الكونية المرئية: الدالة على وحدانية الله تعالى، كما لا ينتفع الأعمى بالمرئيات لغيره. التفسير ٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. بعد أن وصف الله المؤمنين الصادقين، في أربع آيات، صدرت بهن السورة، أتبعها وصف الكافرين، فخصهم بآيتين، لبيان حالهم ومآلهم. فهنا في هذه الآية: إخبار من الله تعالى عن قوم، علم الله أَزلا: أنهم لا يؤْمنون، وأن الإنذار وعدمه سواء عندهم، لأن ظلمة الكفر حجبتهم وتحجبهم عن نور الإيمان. وقد يقال: إذا علم الله أزلًا كفرهم باختيارهم السَّيِّئ، وأَخبر عنهم بأنهم لا يؤْمنون فما فائدة الإنذار، وتوجيه الدعوة إليهم؟ والجواب: أن الإنذار لإقامة الحجة عليهم، حتى لا يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، ولتحقيق عموم الرسالة، وليثاب الرسول على توجيه الدعوة إليهم، وإن لم يستجيبوا. هذا والكفر نوعان: كفر إنكار لله قلبا ولسانا، ككفر فرعون. وكفر إباء وامتناع: وهو أن يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه، أَو يغر بلسانه ويكفر بحقوقه ويأباها، ككفر إبليس، ومن على شاكلته من البشر، وكلاهما يؤَدئ إلى الخلود في النار. ٧ - ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ … ﴾ الآية. الختم لغة: الاستيثاق على الشيءِ بوضع مادة تغطيه، حتى لا يخرج منه ما هو فيه، ولا يدخله ما هو خارخ عنه. والمادة التي يختم بها اسمها الختام بكسو الخاء، كما في قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ (١) والألة التي تستعمل في الختم اسمها الخاتَم بفتح التاء.

стр. 30

والمقصود من قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ .... ﴾ إلخ بيان السبب في إضرارهم على الكفر، وعدم اننفاعهم بإنذار الرسول ﷺ . وليس المرادمن الختم على القلوب، والغشاوة على الأسماع والأبصار، المعنى الحقيقى لهما، إذ لا ختم في الحقيقة ولا غشاوة، بل المراد إنه تعالى تركهم وشانهم الذي اختاروه لأنفسهم من إِصرارهم على الكفر، وتركهم التذكر بقلوبهم وعقولهم، وصرفهم اشماعهم عن المواعظ وابصارهم عن آيات الله تعالى، فلم يلطف بهم ولم يهدهم، جزاءَ إصرارهم وسوء اختيارهم، كما يشير إليه قو له تعالى: ﴿ .. بَل طَبَع اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ (١) .. ﴾ وقوله: ﴿ … كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (٢)﴾. وقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٣)﴾ ونقل ابن كثير عن ابن جرير الطبرى في تفسير الآية أنه قال: والحق عندي في ذلك ما صح في نظيره الخبرُ عن رسوال الله ﷺ وساق ابن جريرهذا الخبر بسنده عن ابى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ : "إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب ونَزَع واسْتَعْتَبَ (٤) صُقِل قلبُه (٥) وإن زاد زادت حتى تعلُوَ قلبه، فذلك الرانُ الذي قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦)﴾. قال ابن كثير: ثم قال ابن جرير: فأخبر رسول الله- ﷺ ، أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب اغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذالختم والطبع من قبل الله، فلا يكون للإيمان إليها مسلك؛ ولاللكفر عنها مخلص، فذلك هو الختم في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ … ﴾ الآية: انتهى باختصار. وخلاصة كلامه وكلامنا أن الكافر هو الذى تسبب في إظلام قلبه حتى انصرف عن الإيمان، وأن الرين هو ذلك الظلام المعنوي الذي حَجَبَ قلبه، بسبب انصر افه عن دواعى الإيمان، وان نسبة الختم إلى الله كناية عن تركه لهذا الظلام دون أَن يكشفه حتى يدخل الهدى في قلبه، بسبب إصراره.

стр. 31

ولو أنه صرف قواه الفكرية والحية إلى معرفة الحق لكشف الله عنه هذا الظلام، ولهدا. إلى الحق المبين. ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾: جملة مستأنفة لاتدخل في حكم الختم السابق. والغشاوة: هي الغطاء. والجملة: كناية عن عدم انتفاعهم بالَايات الكونية المرئية. وبذلك اجتمع على الكفار عمى البصيرة، التي هي نور القلوب، وعمى البصر الذى هو نور الابصار، وانسداد السمع. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: ويشمل ما أعد للكافرين من عذاب الآخرة الدائم، وما يصيبهم في الدنيا على أيدى المؤمنين من الأسر والقتل. والعظيم ضد الحقير، كما أَن الكبير ضد الصغير. وقد وصف العذاب بلفظ (عظيم) منكرا، تهويلالما يصيبهم من أليم العذاب. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾. المفردات ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾: الخداع: أَن تظهر لغيرك خلاف ما تخفيه له من الشر ليحسن الظن بك، ولما كان المولى سبحانه، لا يخفى عليه سرهم ونجواهم، فلذا يكون الخداع هنا بحسب زعمهم؛ جهلًا منهم. ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾: أي وما يعو د ضرر خداعهم إلا عليهم.

стр. 32

﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: أَى وما يدرون أن ضرره عائد عليهم. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ المراد منه هنا الشك والارتياب الذي نشأَ عنه النفاق. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾: شكًا وارتيابا. والمراد: أنه خلّاهم وريبهم، فلم يسعفهم بالتوفيق، لسوء نيّاتهم، فتضاعف الريب في قلو بهم، وتعاظم أثرد من الننفاق. التفسير ٨ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: هذا شروع فى بيان صفات الطائفة الثالثة، وهم المنافقون، الذين يظهرون خلاف ما يبطنون. وهم أسوأ واخبث من الكافرين الصرحاء. وقد ابتلى الله بهم كل مجتمع: في كل زمان ومكان. وفي الاحتراز عنهم وعن مكرهم صعوبة ومشقة؛ لأن مظهرهم لا يتفق مع مخبرهم. وقد ذكر القرآن فى شانهم هنا ثلاث عشرة آية متتالية - تبدا من هذه الآية - ليحدد أوصافهم وخداعهم، وضرب فيهم الأمثال التي تكشف عن حالهم، وعاقبة أَمرهم. وقد ظهر النفاق بالمدينة بعد غزوة بدر الكبرى، وسببه -كما قال ابن كثير- أن عبد الله ابن أبي سلول، كان سيد اللخزرج، ركان رئيسا لهم وللأوس قبل الإسلام، ثم رأَوا أن يجعلوه ملكا عليهم، فلما جاءَ الخبر اشلموا واشتغلوا عنه، فبقى في نفسه من الإسلام واهله شئ، فلما كانت وقعة بدر وظهرت شوكة المسلمين قال: هذا أمْرٌ قد تَوَجَّه، يريد بالامر: الملك، ويريد بتوجهه: زواله عنه وقد دفعه يأسه من تحقيق أمنيته، أن يدخل في الأسلام كما دخل قومه، ولكنه دخله مرائيا غير مخلص، ودخل معه آخرون من قومه وغيرهم على مشاكلته، كما حدث مثل ذلك من طائفة من أهل الكتاب، فمن ثمَّ وُجِدَ النفاق فئ أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب، والنفاق مرض اجتماعى ينشأ عن الحقدوالضعف النفسى والطمع. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي وبعض الناس جماعةٌ منافقون: يظهرون للمؤمنين أخهم جمعوا بين طرفين من الإيمان، أولهما الإيمان باللهِ، وثانيهما الإيمان باليوم الآخر: خداعا للمؤمنين، حتى يأمنوا جانبهم،

стр. 33

﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي وليسوا في الحقيقة مؤمنين؛ لعدم إيمانهم بالنبى ﷺ ؛ ولأن إيمانهم باللهِ واليوم الآخر غير صادق. وقد روعي لفظ (مَن)، مفردا في ضمير يقول. وروعى معناه جمعا في ضمائر ﴿ءَامنَّا﴾، ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. ونفي إيمانهم الذي ادعوه بالجملة الاسمية في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أَقوى، لأَنها تقتضى دوام النفي واستمراره، كما علم الله فيهم. ٩ - : ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا … ﴾: الآية. هذه الآية كالتعليل لنفي الإِيمان عنهم، أي وما هم بمؤْمنين حقا؛ لأنهم يخادعون الله والمؤْمنين بما يقولون. والخدْع: ان توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكرره. أَما الخادعة فإنها في أصل معناها تقتضى أن يكون من الجانبين، ولكن قد يراد منها المبالغة في الخدع من جانب واحد، وهو المقصود هنا. ولذا قريءَ ﴿يَخْدَعُون﴾ على الأصل. وخداعهم الله -بحسب زعمهم- جهل منهم بالله، إذ لو عرفوه لعلموا أنه لايُخْدَعُ، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن. وخداعهم للمؤْمنين غفلة منهم، فنفاقهم غير خاف على أحد منهم فقد فضحهم الله، وأظهر رسوله على نفاقهم، وفضحوا أنفسهم في غزوة أحد، ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (١)، ولذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾. فإن من خادع من لا يُخْدَع فقد خدع نفسه، لانه يظهر لها بفعله انه يحقق لها أمنيتها من التقية والسلامة، مع أَنه يوردها به موارد العطب، ويجرعها كأس العذاب وأليم العقاب والحرمان من دار الثواب. ويجوز أن يكون المعنى: وما يعود ضرر خداعهم إلا على أنفسهم، فإنهم سيعذبون به في أخراهم، وسيفضحهم الله في الدنيا باطلاع نبيه على ما أضمروه. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: أي وما يفطنون لهذه العاقبة، لتمادي غفلتهم، كالذي لا حس له ولا شعور.

стр. 34

١٠ - ﴿في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا … ﴾: الآية. المرض في الأصل: خرو البدن عن اعتدال مزاجه وصحة أعضائه، فيتعرض البدن للآلام. ويطلق مجازا على شك القلوب رارتيابها. فمرض القلوب هنا، مراد به نرددها في العقيدة، وعدم وصولها إلى الحق، مع قيام الأدلة عليه، فلما عموا عن النور، زادهم الله مرضا. فالنفاقُ عرض ظاهرى لمرض قلبى هو: الشك والجبن. والمراد من زيادة المرض: نمو حال النفاق عندهم. ذلك ان المنافق يبتدئُ فيكذب على الناس ويرائيهم، فإن استمر على ذلك، صار النفاق من أحواله الملازمة، على حد قوله تعالى: ﴿ … مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ (١) … ﴾. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: أي ولهم عقاب مؤْلم في الدنيا، بسبب ما يجره عليهم النفاق من مهانة واحتقار، وعذاب شديد عند الله في الآخرة. بكذبهم على الله والناس بقولهم: ﴿آمَنَّا﴾. وقد يقال: إذا كان المنافقون أشد خبثا من الكفار، فلم لم يستحل النبي قتلهم؟ والجواب: انهم لما اظهرو االاسلام، عاملتهم الشريعة بهذا الظاهر، والله يتولى السرائر. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾. التفسير ١١ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ قِى الآية بيان لعناد المنافقين، وإصرارهم على الفساد، كلما وجه إليهم الإرشاد من أيَ ناصح، ولهذا بق القول للمجهول، فقبل: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ لاتُفْسِدُوا في الْأرْضِ﴾. وإفسادهم

стр. 35

في الأرض كان: باثارة الفتن بين المسلمين، وإفشائهم أسرار المسلمين للكفار ة وتحريض الجميع -مسلمين وكفارا- على الحروب. وقد كانت الأرض قبل مبعث النبي مليئة بالفساد وبالمعاصي، فلما بعث النبي ﷺ عمل على إزالة هذا الفساد، والقضاء على العصبيات الجاهلية. وبذلك تهيأت الأرض للصلاح باستقامة المجتمعات الصالحة عليها، فلما جاءَ المنافقون، وكان من آثارهم إحياء الفتن بين الناس- قيل لهم: ﴿لَا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾، أى بعد إصلاحها بالتعاليم الإسلامية، فكان جواب النافقين مبنيا على مغالطة كاذبة. إذ قالوا: ﴿إنمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾: أَى: نحن مقصورون على الأصلاح، ولا نعرف الإفساد، فكيف ننهى عنه مع أننا لم نفعله؟. وإنما قالوا ذلك، لأنهم صوروا الإفساد إصلاحا، لمرض قلوبهم، على حد قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ (١). ١٢ - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: هذا هو الرد على دعواهم. وهو أَبلغ رد لما فيه من ﴿ألَا﴾، المنبهة و ﴿إنَّ﴾ المؤَكدة، وتعريف الخبر ﴿الْمُفْسِدُونَ﴾. وتوسيط ضمير الفصل ﴿هُم﴾. ونفى اليشعور والادراك عنهم لفساد عقولهم، فصاروا لا يميزون بين الخبيث والطيب، ولا يشعرون بالفروق ببن الفاسد والصالح. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ التفسير ١٣ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ … ﴾: الآية. نُصِحُوا في الآية السابقة بترك الإفساد، وهنا، نصحوا بتحقيق إيمان سليم من النفاق.

стр. 36

والمعنى: وإذا أُرشدوا، فقيل لهم: آمنوا باللهِ ورسوله- بقلوبكم- كما آمن الناس الكاملون المستجمعون لخصائص جنسهم ومزاياه، بحيث لايقترن إيمانكم بشئً من شوائب النفاق. ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ والاستفهام في كلامهم للإنكاروالنفى. والسفهاءُ: ناقصو العقل والرأي، أي لانؤمن كإِيمان المؤْمنين السفهاء، الذين لا عقل عندهم ولارأى. وهذا الرد قالوه فيما بينهم، لأنه كفر صريح، وهم يتظاهرون بالإيمان، وقد فضح الله سرهم هذا وأَظهره، ثم رد عليهم السفه كما سيأتى. وقال أبو السعود في قولهم: ﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ إنه رد في متهابلة الناصحين من المؤْمنين، فيه ضرب من النفاق، لأنه يحتمل الشر والخير - فهو في ظاهره- على معنى: نحن لا نؤْمن كما آمن السفهاء، بل نؤْمن كما آمن الناس كما أَمرتمونا أنتم، فلا تتهمونا بفساد الإِيمان، ولكنهم يقصدون في أنفسهم أن المسلمين سفهاء، وأنهم لذلك لايؤْمنون كما آمنوا. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: رد الله عليهم السفه الذى اتهموا به المسلمين أُبلغ رد، واكد اتصافهم به، وأَنه مقصور عليهم، فصدر بلفظ ﴿أَلَا﴾ التي هي للتنبيه، وأكده بلفظ ﴿إنَّ﴾، وبالجملة الاسمية، وبضمير الفصل، أَى إِنهم هم السفهاءُ، لاغيرهم ممن أرادوا وصفهم يالسفه من المؤْمنين. ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنهم هم السفهاء وحدهها، أَما المؤْمنون فهم العقلاء العلماء. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ المفردات: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾: أي انفردوا بمن بقى منهم على الكفر، أو برؤَساءِ- المنافقيق والقائلون: صغارهم. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي كافرون مثلكم بمحمد.

стр. 37

﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾: أَى مستخفون بالمؤمنين، حينما تظهر الإيمان لهم. ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾: أي يجازيهم على استهزائهم. ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: أي يمهلهم في ضلالهم. ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرونَ. التفسير ١٤ - ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾: في هذه الآية تصوير لأحوال المنافقين في معاملتهم المؤْمنين والكفار، فإذا لقوا المؤْمنين قالوا آمنا؛ ليظهروا موافقتهم لهم، وإذا خلوا إلى شياطينهم الذين يلقنونهم الباطل - وهم من بقى منهم على الكفر، أو كبار المنافقين، والقائلون صغارهم- قالوا مطمئنين لهم: إنا معكم في الكفر باطنا، وتعللوالإظهار الإيمان للمؤْمنين بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أي مستخفون بهم، إذ نعمل على خلاف ما نقول لهم. وقد صور الله نفاقهم في الآية أبدع تصوير، فعبّر عن ملاقاتهم للمؤْمنين بكلمة ﴿لَقُوا﴾ لأن لقاءَهم للمؤْمنين كانه مصادفة لا يحرصون عليه. وعبر عن ملاقاتهم لشياطينهم بكلمة ﴿خَلَوْا﴾ لأن الخلوة تطلب قصدا للادلاء بالأسرار، وذكر انهم كانوا عند لقاء المؤْمنين يقولون (آمنَّا) فعبروا بالفعل الماضي ليظهروا للمؤْمنين انهم معهم من زمان مضى، وعند لقائهم لشياطينهم يقولون: ﴿إنَّا مَعَكُم﴾ بالجملة الاسمية المفيدة للدوام، ويؤَكدونها بإنَّ، ويعللون إظهار إيمانهم بالاستهزاء بالمؤْمنين. فرد القرآن عليهم بقوله تعالى: ١٥ - ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: ومعنى ﴿اللهُ يَسْتَهْزِىٌ بِهِمْ﴾: ينتقم منهم ويجازيهم على استهزائهم، لاستحالة المعنى الحقيقى على الله تعالى. سميت عقوبتهم باسم الذنب الذي صدر عنهم، للمشاكلة اللفظية، وهي ذكر الشئ بلفمل غيره لوقوعه في صحبته. ومما جاءَ على هذا النمط قوله تعالى: ﴿وجَزَاء، سيِّئَةٍ سَيِّئَة مثْلُهَا … ﴾ (١).

стр. 38

فالجزاء ليس. سيئة، وإِنما عبر بها عنه للمشاكلة اللفظية، والمعنى مختلف. وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ المدّ يأتى قى بمعنى الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿ … وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … ﴾ (١) أو الإمهال والأملاء. والطغيان هنا، مجاوزة الحد في الضلال، والعَمَه: عمى القلب. ومن لوازمه: الحيرة والتردد. والعنى: ويزيدهم الله فى ضلالهم الشديد، أو يمهلهم فيه: يتحيرون ويتخبطون، لا يدرون أين يتوجهون بسبب طغيانهم المستمر. والمراد أنهم -بسبب كفرهم وعنادهم- سد الله عليهم طرق التوفيق، فازداوا رَينًا على قلوبهم، وطغيانا في تصرفاتهم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ المفردات: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: المراد به، استحبو االكفر على الإيمان. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾: فما نالوا خيرًا من الكفر الذى جعلوه بدلامن الإيمان، فكانوا أشبه بالتجار الذين جهلوا أساليب التجارة، فجروا على أنفسهم الخسارة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: إلى ما يوصلهم إلى الربح، لجهلهم. التفسير ١٦ - ﴿ولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى … ﴾ الآية. اسم الإشارة يعود على المنافقين، مع ملاحظة صفاتهم المتقدمة. والأصل في الاشتراء: أن يكون في المبادلات الحسية، كاشتراء السلعة بثمنها، ثم استعملته العرب في المعاق، كاشتراء الضلالة بالهدى.

стр. 39

والمراد: انهم استحبوا الكفر على الإيمان فليس الاستبدال حقيقة حتى يكون معاوضة، لأنهم لم يسبق لهم الإيمان حتى يبذلوه في مقابلة الكفر. والتعبير بلفظ ﴿اشْتَرَوا﴾ يؤْذن بأنهم قادرون على الإيمان بالفطرة، لو نظروا واعتبروا. والباء في قوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ داخلة على المتروك. لأنهم اخذوا الضلالة وتركوا الهدى الذى كان فيهم بالفطرة، وتمكنوا منه بالأدلة الواضحة. ﴿فَمَا رَبِحَت تَجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ترشيح وتقوية للمعنى المجازى؛ فإِنه لما استعمل لفظ. اشترىَ مجازا عن استبدل، أتبعه ما يشاكله تقوية له، وتمثيلا لما فاتهم من فوائد الهدى. بصورة خسران التجارة، الذي يتحاشاه كل أحد، للإشباع في التخسير والتحسير أىَ: فلم يربحوا، ولكن خسروا، وما كانوا مهتدين إلى الربح اجهلهم بطرق التجارة الرابحة، وعدم اهتدائهم إلى أساليبها وأسبابها. وكذلك هؤلاءِ المنافقون: كان رأْس مالهم الهدى، فاستبدلوا به الضلالة، فخسروا بذلك رأْس المال: وهو الهدى، وربحه وهو النجاة والفوز، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى طرق التجارة الرابحة في الدين. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾. التفسير ١٧ - ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ بعد أن بين الله في الآيات السابقة صفات المنافقين، عقبها بتمثيلهم فيها، زيادة في توضيحها وتقريرها.

стр. 40

ففى التمثيل إبراز المعنى الخفى في صووة الظاهر. وهو نوع من أساليب البلاغة تصور فيه المعقولات والمحسات، والمَثَلُ في أصل اللغة بمعنى الشبيه والنظير، كالمِثل والمثِيل، وقد يستعار للحال التي فيها غرابة كما في هذه الآية (١). والمراد من قوله: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ مَنْ سعى في تحصيل وقدِها- أَى لهبها وضوئها لتضيء له في الليلة المظْلمة. والأصل في كلمة ﴿الَّذِى﴾ أن من تستعمل في المفرد، وقد تستعمل في الجمع كما هنا، فهي بمعنى جماعة المستوقدين، ولذا قال سبحانه: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ بضمير الجمع، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿ … وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا … ﴾ (٢)، أي كجماعة الخائضين. ويجوز أن يراعي لفظه المفرد، فيعاد الضمير عليه مفردا كما في قوله تعالى ﴿اسْتَوْقدَ﴾ و ﴿حَوْلَهُ﴾ كما يجوز أن يراعي معناه، فيعاد الضمير عليه جمعا، كما في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾. وخلاصة المعنى: أن الله شبه حال هؤلاءِ المنافقين - وقد آتاهم ضربا من الهدى باستعداد الفطرة، ونطقوا بالشهادتين بألسنتهم، ثم أضاعوا ذلك ولم يتوصلوا به إلى نعيم الآخرة وسعادة الأبد فبقوا في حيرة واضطراب لإعراضهم عن الحق واستبطانهم للكفر:- شبه حالهم هذا- بمن أَوقد نارا لينتفع بنورها في الظلمة ليلا، فلما أضاءَت ما حيوله عن الامكنة، سرعان ما انطفات، وذهب الله بنورهم، قبقوا في مكانهم حائرين: لا يرون شيئًا فيما حولهم؛ لشدة الظلمة التي تحبط بهم من كل جانب. والتعبير بلفظ ﴿أَضَاءَتْ﴾ أبلغ من التعبير بأنارت، لأن الضوء مصدر النور، كما يعلم من قوله تعالى: هو ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا … ﴾ (٣)، ومعلوم أن نور القمر مستمد من ضياء الشمس. وقوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، معنا.: لم يُبق منه شيئًا. وإنما لم يقل: بضو ئهم كما يقتضيه الظاهر من كلمة ﴿أضَاَءتْ﴾ لئلا يتوهم أن الذي ذهب هو زيادة الضوء، مع بقاء أصل النور
следующие страницы →