← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والمعنى: وإذا أُرشدوا، فقيل لهم: آمنوا باللهِ ورسوله- بقلوبكم- كما آمن الناس الكاملون المستجمعون لخصائص جنسهم ومزاياه، بحيث لايقترن إيمانكم بشئً من شوائب النفاق. ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾؟ والاستفهام في كلامهم للإنكاروالنفى. والسفهاءُ: ناقصو العقل والرأي، أي لانؤمن كإِيمان المؤْمنين السفهاء، الذين لا عقل عندهم ولارأى. وهذا الرد قالوه فيما بينهم، لأنه كفر صريح، وهم يتظاهرون بالإيمان، وقد فضح الله سرهم هذا وأَظهره، ثم رد عليهم السفه كما سيأتى. وقال أبو السعود في قولهم: ﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ إنه رد في متهابلة الناصحين من المؤْمنين، فيه ضرب من النفاق، لأنه يحتمل الشر والخير - فهو في ظاهره- على معنى: نحن لا نؤْمن كما آمن السفهاء، بل نؤْمن كما آمن الناس كما أَمرتمونا أنتم، فلا تتهمونا بفساد الإِيمان، ولكنهم يقصدون في أنفسهم أن المسلمين سفهاء، وأنهم لذلك لايؤْمنون كما آمنوا. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: رد الله عليهم السفه الذى اتهموا به المسلمين أُبلغ رد، واكد اتصافهم به، وأَنه مقصور عليهم، فصدر بلفظ ﴿أَلَا﴾ التي هي للتنبيه، وأكده بلفظ ﴿إنَّ﴾، وبالجملة الاسمية، وبضمير الفصل، أَى إِنهم هم السفهاءُ، لاغيرهم ممن أرادوا وصفهم يالسفه من المؤْمنين. ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنهم هم السفهاء وحدهها، أَما المؤْمنون فهم العقلاء العلماء. ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ المفردات: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾: أي انفردوا بمن بقى منهم على الكفر، أو برؤَساءِ- المنافقيق والقائلون: صغارهم. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي كافرون مثلكم بمحمد.

стр. 37

﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾: أَى مستخفون بالمؤمنين، حينما تظهر الإيمان لهم. ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾: أي يجازيهم على استهزائهم. ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: أي يمهلهم في ضلالهم. ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرونَ. التفسير ١٤ - ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾: في هذه الآية تصوير لأحوال المنافقين في معاملتهم المؤْمنين والكفار، فإذا لقوا المؤْمنين قالوا آمنا؛ ليظهروا موافقتهم لهم، وإذا خلوا إلى شياطينهم الذين يلقنونهم الباطل - وهم من بقى منهم على الكفر، أو كبار المنافقين، والقائلون صغارهم- قالوا مطمئنين لهم: إنا معكم في الكفر باطنا، وتعللوالإظهار الإيمان للمؤْمنين بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أي مستخفون بهم، إذ نعمل على خلاف ما نقول لهم. وقد صور الله نفاقهم في الآية أبدع تصوير، فعبّر عن ملاقاتهم للمؤْمنين بكلمة ﴿لَقُوا﴾ لأن لقاءَهم للمؤْمنين كانه مصادفة لا يحرصون عليه. وعبر عن ملاقاتهم لشياطينهم بكلمة ﴿خَلَوْا﴾ لأن الخلوة تطلب قصدا للادلاء بالأسرار، وذكر انهم كانوا عند لقاء المؤْمنين يقولون (آمنَّا) فعبروا بالفعل الماضي ليظهروا للمؤْمنين انهم معهم من زمان مضى، وعند لقائهم لشياطينهم يقولون: ﴿إنَّا مَعَكُم﴾ بالجملة الاسمية المفيدة للدوام، ويؤَكدونها بإنَّ، ويعللون إظهار إيمانهم بالاستهزاء بالمؤْمنين. فرد القرآن عليهم بقوله تعالى: ١٥ - ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: ومعنى ﴿اللهُ يَسْتَهْزِىٌ بِهِمْ﴾: ينتقم منهم ويجازيهم على استهزائهم، لاستحالة المعنى الحقيقى على الله تعالى. سميت عقوبتهم باسم الذنب الذي صدر عنهم، للمشاكلة اللفظية، وهي ذكر الشئ بلفمل غيره لوقوعه في صحبته. ومما جاءَ على هذا النمط قوله تعالى: ﴿وجَزَاء، سيِّئَةٍ سَيِّئَة مثْلُهَا … ﴾ (١).

стр. 38

فالجزاء ليس. سيئة، وإِنما عبر بها عنه للمشاكلة اللفظية، والمعنى مختلف. وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ المدّ يأتى قى بمعنى الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿ … وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … ﴾ (١) أو الإمهال والأملاء. والطغيان هنا، مجاوزة الحد في الضلال، والعَمَه: عمى القلب. ومن لوازمه: الحيرة والتردد. والعنى: ويزيدهم الله فى ضلالهم الشديد، أو يمهلهم فيه: يتحيرون ويتخبطون، لا يدرون أين يتوجهون بسبب طغيانهم المستمر. والمراد أنهم -بسبب كفرهم وعنادهم- سد الله عليهم طرق التوفيق، فازداوا رَينًا على قلوبهم، وطغيانا في تصرفاتهم. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ المفردات: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: المراد به، استحبو االكفر على الإيمان. ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾: فما نالوا خيرًا من الكفر الذى جعلوه بدلامن الإيمان، فكانوا أشبه بالتجار الذين جهلوا أساليب التجارة، فجروا على أنفسهم الخسارة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: إلى ما يوصلهم إلى الربح، لجهلهم. التفسير ١٦ - ﴿ولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى … ﴾ الآية. اسم الإشارة يعود على المنافقين، مع ملاحظة صفاتهم المتقدمة. والأصل في الاشتراء: أن يكون في المبادلات الحسية، كاشتراء السلعة بثمنها، ثم استعملته العرب في المعاق، كاشتراء الضلالة بالهدى.

стр. 39

والمراد: انهم استحبوا الكفر على الإيمان فليس الاستبدال حقيقة حتى يكون معاوضة، لأنهم لم يسبق لهم الإيمان حتى يبذلوه في مقابلة الكفر. والتعبير بلفظ ﴿اشْتَرَوا﴾ يؤْذن بأنهم قادرون على الإيمان بالفطرة، لو نظروا واعتبروا. والباء في قوله: ﴿بِالْهُدَى﴾ داخلة على المتروك. لأنهم اخذوا الضلالة وتركوا الهدى الذى كان فيهم بالفطرة، وتمكنوا منه بالأدلة الواضحة. ﴿فَمَا رَبِحَت تَجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ترشيح وتقوية للمعنى المجازى؛ فإِنه لما استعمل لفظ. اشترىَ مجازا عن استبدل، أتبعه ما يشاكله تقوية له، وتمثيلا لما فاتهم من فوائد الهدى. بصورة خسران التجارة، الذي يتحاشاه كل أحد، للإشباع في التخسير والتحسير أىَ: فلم يربحوا، ولكن خسروا، وما كانوا مهتدين إلى الربح اجهلهم بطرق التجارة الرابحة، وعدم اهتدائهم إلى أساليبها وأسبابها. وكذلك هؤلاءِ المنافقون: كان رأْس مالهم الهدى، فاستبدلوا به الضلالة، فخسروا بذلك رأْس المال: وهو الهدى، وربحه وهو النجاة والفوز، ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى طرق التجارة الرابحة في الدين. ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾. التفسير ١٧ - ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ بعد أن بين الله في الآيات السابقة صفات المنافقين، عقبها بتمثيلهم فيها، زيادة في توضيحها وتقريرها.

стр. 40

ففى التمثيل إبراز المعنى الخفى في صووة الظاهر. وهو نوع من أساليب البلاغة تصور فيه المعقولات والمحسات، والمَثَلُ في أصل اللغة بمعنى الشبيه والنظير، كالمِثل والمثِيل، وقد يستعار للحال التي فيها غرابة كما في هذه الآية (١). والمراد من قوله: ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ مَنْ سعى في تحصيل وقدِها- أَى لهبها وضوئها لتضيء له في الليلة المظْلمة. والأصل في كلمة ﴿الَّذِى﴾ أن من تستعمل في المفرد، وقد تستعمل في الجمع كما هنا، فهي بمعنى جماعة المستوقدين، ولذا قال سبحانه: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ بضمير الجمع، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿ … وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا … ﴾ (٢)، أي كجماعة الخائضين. ويجوز أن يراعي لفظه المفرد، فيعاد الضمير عليه مفردا كما في قوله تعالى ﴿اسْتَوْقدَ﴾ و ﴿حَوْلَهُ﴾ كما يجوز أن يراعي معناه، فيعاد الضمير عليه جمعا، كما في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾. وخلاصة المعنى: أن الله شبه حال هؤلاءِ المنافقين - وقد آتاهم ضربا من الهدى باستعداد الفطرة، ونطقوا بالشهادتين بألسنتهم، ثم أضاعوا ذلك ولم يتوصلوا به إلى نعيم الآخرة وسعادة الأبد فبقوا في حيرة واضطراب لإعراضهم عن الحق واستبطانهم للكفر:- شبه حالهم هذا- بمن أَوقد نارا لينتفع بنورها في الظلمة ليلا، فلما أضاءَت ما حيوله عن الامكنة، سرعان ما انطفات، وذهب الله بنورهم، قبقوا في مكانهم حائرين: لا يرون شيئًا فيما حولهم؛ لشدة الظلمة التي تحبط بهم من كل جانب. والتعبير بلفظ ﴿أَضَاءَتْ﴾ أبلغ من التعبير بأنارت، لأن الضوء مصدر النور، كما يعلم من قوله تعالى: هو ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا … ﴾ (٣)، ومعلوم أن نور القمر مستمد من ضياء الشمس. وقوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، معنا.: لم يُبق منه شيئًا. وإنما لم يقل: بضو ئهم كما يقتضيه الظاهر من كلمة ﴿أضَاَءتْ﴾ لئلا يتوهم أن الذي ذهب هو زيادة الضوء، مع بقاء أصل النور

стр. 41

ولذا قال عقبه: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي تركهم في ظلمات لايرى فيهاشئ. وإسناد إذهاب النور إلى الله، للإيذان بأنه إنما ذهب بأمر سماوى. كالمطر والهواء أو المبالغة في إذهابه. ١٨ - ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: ليس المراد: الاخبار بأنهم أُصيبوا بحقيقة الصمم والبكم والعمى، فقد كان لهم آذان تسمع، وألسنة تنطق، وأبصار تنظر. ولكنهم- لما حجبوا أسماعهم عن معرفة الحقائق كانوا بمثابة الصم الذين لا يسمعون. ولمّا لم ينطقوا بالحق مخلصين، كانوا بمثابة البكم الذين لا يتكلمون. ولمَّا لم يتعرَّفوا الحقائق ببصائرهم، كانوا كالعمى الذين لا يبصرون. ولا سبيل لعودتهم إلى الحق؛ لإعراضهم عن استعمال هذه الحواس فيما خلقت لأجله. ولهذا قال سبحانه: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعونَ﴾ أَي لا يعودون إِلى الهدى، فقد أضاعوه، كما لا يعود إلى مقصده من بقى في ظلام لا يهتدى فيه إلى سبيل يوصله إليه. ومن هذا البيان اتضح أن في الكلام تمثيل حالهم - في تعطيلهم لفطرتهم المتمكنة من من الهدى، وعدم انتفاعهم بالَايات والنذر، وعدم قطعهم بالحق - بحال. من فقد السمع والنطق والبصر، لتعطل مصادر النفع وعدم الانتفاع نى كل منهما. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾. المفردات: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾: الصيب: (١) بطلق على المطر المنهمر، وعل السحاب الكثيف، والسماء: كل ما علاك والمراد منها هنا: السحاب، فهو من معانيها.

стр. 42

﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾: المراد بها الظلمات الناشئة من كثافة المطر وتتابعه وغمامه وظلمة الليل ﴿وَرَعْدٌ﴾: الرعد، صوت مدوٍّ في الهواءِ، سببه التقاء سحابة كهرباؤها موجبة، بسحابة أخرى كهرباؤها سالبة، فتتحد الكهرباءُ فيهما، وعندها يسخن الهواءُ فيتمدد تمددا فجائيا، ينشأ عنه ضغط قوي، يعقبه تخلخل سريع فيجذب إليه تيارات هوائية أُخرى تحدث صوتا قويا هو الرعد، ويتم هذا في سرعة عجيبة. ﴿وَبَرْقٌ﴾: البرق، لمعان ضوئي شديد، يظهر ويختفى سريعا. وسببه حدوث شرارة كهربائية ناشئة عن اتصال الكهرباء في سحابتين: إحداهما كهرباؤها سالبة، والأخرى كهرباؤها موجبة. والبرق والرعد متلازمان غالبا، ولكننا نرى البرق ثم نسمع بعده الرعد؛ لأن سرعة الضوء تفوق سرعة الصوت أضعافا مضاعفة. ﴿الصَّوَاعِق﴾: جمع صاعقة، وهي حرارة هائلة تصحب البرق والرعد أحيانا. وسببها اتصال كهربائيّ ناجم عن التفريغ الكهربائى الذئ يحدث بين الأرض والسحب المكهربة، فتحدث حرارة بالغة سريعة: تصهر ما بينهما، أو تحرقه اوتفتته ة تبعا لاختلاف مادته. وظواهر الرعد والبرق والصواعق، تحدث عند تكاثف السحب، واختلاف درجات الحرارة بين طبقات الهواء. ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: أى لايفوتونه ولا ينجون من بطشه، كما لا ينجو الشخص مِمنْ أحاط به. ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: أَي وإذا أظلم البرق عليهم ولم يضئ لهم، رقفوا ولم يمشوا. التفسير ١٩ - ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ … ﴾ الآية. في هذه الآية تمثيل آخر لحالة المنافقين؛ إذ مثلها بحال مطر غزير منهمر من السحاب، اشتمل على ظلمات كثيرة، كما اشتمل على رعد ربرق.

стр. 43

وقد كرر التمثيل، رعاية لتفننهم في فنون النفاق، وتنقلهم فيه من حال، إلى حال، وذلك جدير بأَن تعدد فيه الأمثال، وقد جئ بحرف العطف ﴿أوْ﴾ بين التمثيلين، لإفادة تساوى القصتين في ان يكونا مئلا لحالهم انفرادا أو اجتماعا، فـ ﴿أوْ﴾ هنا، مثلها في قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. أي جالس أحدهما أوكليهما، فهما سواء في الإفادة. وكأن سائلا قال: كيف حالهم عند سماع الرعد؟. فأُجيب ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. والأَصابع مجاز عن الأنامل. فهو من باب التعبير عن الجزء باسم الكل، مبالغة، في إعراضهم عن قبول ما جاء به النبي ﷺ ، فهم يحذرونه كما يحذر الخائف من الصواعق، فيسد أذنيه بأنامله حتى لا يسمعها؛ خشية أن يموت من شدة الصوت الذي يصحبها. ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: انذار لهم بأنهم لن يفلتوا من عذابه، أي لا يفونونه، كما لا يفوت الشخص من أحاط به من جميع جهاته. ٢٠ - ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا … ﴾ الآية. هذا كلام مستأنف لبيان حالهم عندما يرون البرق، كأن سائلا قال: وما حالهم عند البرقَ فأجيب: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أَي بذهبها ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أَي مشوا فى ضوئه. وسرعان ما يزول الضوء، فيقولون في حيرتهم، وهذا معنى قوله: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: أي وقفوا حائرين. ﴿وَلَو شَاء اللهُ لَذَهَبَ بِسَمعِهِم﴾ عند قصف الرعد ﴿وَأبْصَارِهِمْ﴾ عند وميض البرق، وإنما وحد السمع وجمع الابصار، لأن السمع في الأصل مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع، كما قاله صاحب الإرشاد: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فهو الفاعل المختار، يقول للشئ كن فيكون.

стр. 44

الغرض من الَابتين: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ إلى ﴿قَدِيرٌ﴾، تمثيل حال المنافقين من الحيرة والتردد، بين مُضِيٍّ في الإسلام وإِحجام عنه، بحال من أمطرته السماء في ليلة مظلمة مع رعد قاصف وبرق خاطف فتحير بين إقدام حين يلمع البرق، وبيق إحجام حين يسمع الرعد ويشتد علبه الظلام، والمطر في كلتا الحالتين فوق رأسه ينهمر، فما أَروع هذا التمثيل. ويمكن جعله من باب التشيه المفرق فيشبه القرآن- الذي تعبدهم الله به وسائر ما آتاهم من المعارف التي هي سبب الحياة الأبدية - بالصيب أي المطر الذي به حياة الأرض. ويشبه ما أحاط بهم من التردد والحيرة والشكوك بالظلمات، ويشبه وعد القرآن ووعيده بالرعد، وما فيه من الآيات الباهرة بالبرق، وتَصَامُّهم عما يسمعون من الوعيد بحال من يهوله الرعد فيخاف صواعقه فيسد أُذنيه عنها مع أنهم لاخلاص لهم منها، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ و. اهتزازهم لما يلمع لهم من رُشدٍ يُدركونه، أو رفد تطمح إليه أَبصارهم بمشيهم في مكان ضوء البرق حين يضيءُ، وتحيرهم في الأمر وتوقفهم فيه حين تعرض لهم شبهة أو مصيبة - بتوقفهم إذا أظلم عليهم البرق. ونبه بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ على أنه تعالى جعل لهم السمع والأبصاو ليتوسلوا بها إِلى الهدى والفلاح. ولكنهم صرفوها إلى الحظوظ العاجلة وأوْصدوها عن الفوائد ولآجلة، ولو شاء الله لجعلهم بالحالة التي آثروها لأنفسهم، وهي اضاعة فائدة السمع والبصر فإنه على ما يشاء قدير، ولكنه لم يفعل، لعلهم يعتبرون فيدركوا.

стр. 45

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ المفردات: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: لكي تَقُوا أنفسكم وتحفظوها بعبادته من عقابه. ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾: مبسوطة ممهدة كالفراش. ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾: البناء هو المينى، بيتا كان أو قبة أوخباء. ومنه قولهم: بني الرجل على زوجته، إذا ضرب فوقها قبة. والمراد: أنه جعل السماءَ فوقهم كالقبة. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أَي وأنزل من السحاب ماء، فكل ما علاك، سماءٌ. ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: أَي فلا تجعلوا لله شركاء لشبهونه في الاُلوهية. والند: الشبيه والنظير. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أَنهم لا يصلحون للألوهية والمشابهة لله في الخالقية وسواها، من الصفات اللائقة بالمعبود بحق "سُبْحَانَهُ وَتعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوا كَبِيرًا" (١). التفسير ٢١ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ … ﴾ الآية. بعد أَن ذكر الله طوائف المكلفين من المؤْمنين والكافرين والمنافقين - مع بيان صفات كل طائفة - أقبل عليهم جميعًا بالخطاب؛ هَزَّا لمشاعرهم وتنشيطًا لهم، قائلا لهم:

стр. 46

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي﴾، فكلمة ﴿النَّاسُ﴾ عامة، تشمل أمة الدعوة المكلفين: من آمن منهم ومن لم يؤْمن، من الموجودين في عهد النبي- ﷺ ومن سيوجد بعدهم إلى يوم القيامة؛ لعموم الرسالة المحمدية. وقد دخلوا في الخطاب -وهم غير مخلوقين فى وقت الخطاب- تغليبا للموجودين على من سيوجدون، ويكون الأمر بقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ بالنسبة للمؤمنين، بمعنى داوِموا على عبادته، وبالنسبة إلى غيرهم، بمعنى حصِّلوا العبادة وأنشئوها. والعباده المطلوبة؛ هي الطاعة المبنية على حبِّ المعبود، لا يشاركه فيها غيره؛ لأنه المستحق لها وحده؛ لانفراده بالخلق والربربية وكامل الإنعام، مع القدرة الشاملة وعظيم السلطان. وليست العبادة مقصورة على نحو الصلاة والصوم والزكاة،، بل تشمل كل عمل يعمل لنفع الناس والحيوانات، إذا أريد به وجه الله. فالعامل الذي يخلص في عمله لأبناءَ وطنه ويرجو به رضا الله يكون عابدا وعملُه عبادة. وإطعام الحيوانات والعناية بها امتثالا لأمر الله عبادة. وقد اقترن الأمر بالعبادة بذكر أرصاف المعبود، التي من شأنها أن نحملهم على عبادته، لتعدى أثرها لهم. فقوله: ﴿رَبَّكُمُ﴾ يفيد أَنه تعالى مربيهم رمتعهدهم بالتكميل المستمر. وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ تذكير لهم بأوَّلِ نِعَمه عليهم، وهي الخلق من العدم، لهم ولَابائهم من قبلهم، ونعمة الآباو نعمة للأبناءٌ، إِذ لولا خلق آبائهم لما وجدوا.

стр. 47

﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: أي لتتقوا العذاب، الذى هو عاقبة المخالفين لأمر الله تعالى. ٢٢ - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ … ﴾ الآيه في هذه الآية، تعداد لنعم الخالق على الناس، وتذكير بأَفضاله عليهم، حيث خلق لهم الأرض، وصيرها لهم مبسوطة كالفواش، بحيث يقعدون عليها وينامون، ويزرعون ويحصدون، ويبنون عليها بيوتهم. وجعل ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أَي تكوينا يشبه القبة فوقهم، وزينها بالكواكب والنجوم ليهتدوا بها ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أَي من السحاب (مَاَءً)، وهو المطر الذي تحيا به الأرض والزرع والحيوان ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ تكرما وتفضلا، وخروج الثمار وأصولها بقدرة الله ومشيئته، ولكنه -تعالى- جعل الماء الممزوج بالتراب سببا في اخراجها. كالنطفة للحيوان، بأن أجرى عادته بإفاضة صورها وكيفياتها، على المادة المستخلصة منهما. ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: الفاء للتعقيب على ما سبق ذكره من النعم الجزيلة. والأنداد: الشركاء، جمعْ ند بمعنى النظير. المعنى: يتفرع على هذه النعم ويتسمبب عنها، ألا تتخذوا للمنعم بها شركاءَ تعبدونهم من دونه، وأنتم تعلمون أنهم لا يصلحون للأُلوهية. فهم لا يخلقون شيئا، ولا يملكون لأنفسهم- ولا لغيرهم- ضرًّا ولا نفعا، فلا عذر لمن عطل عقله، فسوى هذه الأصنام العاجزة بالإله القادر، الذي خلقه وأَنعم عليه، دون حجة سوى تقليد الآباء (١). والترتيب في هذه الآية عجيب، فقد رتب الأَمر بالعبادة، على صفة الربوبية لأَنها السبب في وجوب العبادة، ثم بين الربوبية بآثارها. وهي أنه خلقهم وخلق من قبلهم، وما يحتاجون إليه في معاشهم، من الأرض المقلة والسمَاَء المظلة، والثمرات التي منها المطاعم والملابس.

стр. 48

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ المفردات ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾: في شك. ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾: أي من القرآن الذي أنزلناه على ﷺ . ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾: أي بسورة من مثل القرآن في بلاغنه وأَغراضه، أو بسورة من مثل عبدنا. ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾: مَنْ يشهد لكم علىْ ما جئتم به، إن كان يصلح أن يكون مثلا لسورة من القرآن، أو لا يصلح. ﴿مِنْ دُونِ﴾: أي من غير الله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: في دعواكم، أن محمدا اخترعه، ولم ينزله الله عليه. ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾: أي ما توقد به نار جهم؛ هو الناس الكافرون والحجارة التي جعلوها آلهة، وغيرها. التفسير ٢٣ - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. لما أمر الله- في الآيات السابقة- بعبادته وحده، ونهى عن اتخاذ إلأَنداد، أتبع ذلك ما يدل على أن القرآن الذي أنزله على محمد معجزة، وأنه من عند الله، إذ تحداهم أن

стр. 49

يأْتوا بسورة مثله إن كانوا صادقين في أن محمدا افتراه من عنده، فعجزوا أمام هذا التحدى مع أنهم أئمة البلاغة والفصاحة، فإذا عجزوا هُمْ فغيرهم أشد عجزا، وحيث كان محمد ﷺ مثلهم، وكان، فإنه يستحيل أن يكون القرآن- الذي فاق قدرة البشر من تأْليفه هو، فوجب أن يكرن من عند الله، أنزله الله عليه تأْييدا له، كما أيد المرسلين قبله بالمعجزات. واختصى النبي صلى الله عليه وسم بمعجزة القرآن، لأنه هو المناسب لإعجاز العرب البلغاء الفصحاء، ولأن العالم شَبَّ عن الطرق، ولأن رسالته باقية إلى آخر الزمان، وهذا يقتضى أن تكون شواهد معجزته باقية معها مقارنة لها في جميع الاجيال، فلذا كانت معجزته القرآن الكريم، الذي تقارنه شواهد إعجازه دائمًا. أما سائر المرسلين، فإن رسالة كل منهم كانت موقوتة بين رسولين، ومحصورة في محيط ضيق، فلهذا كانت معجزة كل منهم، مقصورة على زمان معين ومكان معين، وبين عدد محدود من الشهور. وإِعجاز القرآن كما يتجلى في بلاغته وفصاحته، يتجلى أيضًا فيما تضمنه من التشريعات الفائقة، والقصص الصادقة للأمم السابقة، والإشارة إلى الكونيات التي كشف العلم بعضها، ولا يزال جاهدا في كشف سواه، وبما اشتمل عليه من قواعد السلوك والأخلاق. وفي ذلك يقول. النبي ﷺ "ما من نبي من الأنبياء إلا قد أُعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" رواه الشيخان عن أبى هريرة، واللفظ لمسلم. وله- ﷺ من المعجزات غير القرآن، ما يفوق الحصر، فلله الحمد والمنة. وقد تحداهم الله هذا التحدى في مواضع عديدة من القرآن، مكيِّه ومَدَنيِّه، فمن مَدنيهِ هذه الآية، ومن مَكِّيِّهِ قوله تعالى فى سورة الإِسراء: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١) وسبب تحديهم بهذه الآية وأمثالها: أنهم قالوا: "لَوْ نَشَاءُ لَقُلنا مِثلَ هَذَا (٢) " ولمَّا نزل القرآن منجما حسَب الحوادث، لم يعجبهم هذا، وقالوا ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ (٣) فجعلوا نزوله منجمًا حسب الوقائع، دليلًا على أنه ليس من عند الله.

стр. 50

وقال بعضهم في أحاديثهم عنه: إنه اساطير الأَولين. وزعم آخرون: انه. سحر. تخبُّطٌ منهم ناشئ عن إصرارهم على الكفر. فهم يلتمسون العلل الباطلة لبقائهم على دينهم، ولحمل المؤمنين على ترك الإِسلام. فلا جرم ان تنزل هذه الآية لتحديهم فيما زعموه، حتى إِذا ما عجزوا، وجب اعترافهم بأن القرآن من عند الله، وأَن المنزل عليه هو نبى الله ورسوله. إذ المراد بعبدنا، هو النبي محمد ﷺ مأخوذ من معنى التعبد، وهو التذلل والخضوع لمالِكِه وخالقه. وإضافة عبد إلى ضميره تعالى، للتنويه بشأْن هذا النبي. والتعبير بكلمة ﴿نَزَّلْناَ﴾ المفيدة للتكرار دون ﴿أَنزَلْنا﴾ منظور فيه لحالة نزول القرآن مفرقا حسب الوقائع. وكان ذلك موضع اعتراضهم كما تقدم. وجواب الشرط قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾. والسورة: اسم لطائفة من آيأت القرآن، مأخوذة من سور الدينة، لأَنها محيطة بطائفة من القرآن إِحاطة سور المدينة بما فيها. والضمير في ﴿مِثْلِهِ﴾ عائد على القرآن. كما في قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (١) أَي فأُتوا بسورة مماثلة لسُوَر القرآن فى البلاغة وحسن النظم، وتضمن مصالح الدنيا والآخرة. فإِن رجعنا ضمير (مِثْلِهِ) على النبي ﷺ فالمعنى فأتوا بسورة صادرة ممن هو على حاله ﷺ في اللغة، وكونه أُميًّا لم يخالط أَهل الكتاب. وجعل الضمير راجعا إلى القرآن أولى، لتطابق هذه الآية مثيلاتها فى القرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ (٢) ولأن الكلام في المنزل، لا فيمن نزل عليه. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي؛ ادعوا أنصاركم الذين يشهدون أَموركم، ويقدرون الأمر في شئونكم؛ ليكون التحدى - في النهاية- للجميع؛ أو لكي يشهدوا بحال ما جئتم به.

стр. 51

أو المراد بالشهداءِ، آلهتهم الذين يعبدونهم من. دون الله، فيكون الكلام للتبكيت لهم على اتخاذهم آلهة لا يفقهونا شيئًا. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم إن القرآن ليس من عند الله، بل من صنع البشر كما زعمتم. وجواب ﴿إن كُنتُمْ﴾ مدلول عليه بقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾. ومعنى آية التحدى هذه إِجمالا: إن كنتم- أيها الكفرة- صادقين في دعواكم: أَنه من كلام البشر- وأَنتم من البشر- فاتوا بسورة مثل هذا القرآن: في بلاغته وفصاحته، ومعناه وأَحكامه، وقد أُنزل القرآن عربيا، فهو من لغتكم، لا من لغة تجهلونها. والعربية مجال تنافسكم وتسابقكم فى المحافل العربية. ولو كان مقدورا لهم لفعلوا، ولأذاعوا به، وأَشاعوه، ولم يثبت شئ من ذلك عنهم. وبذلك ثبت عجزهم المطلق. وإذا عجزوا- وهم الفصحاء البلغاء- كان غيرهم أَعجز كما تقدم. ٢٤ - ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا … ﴾ الآية. إن الشرطية هناءَ مستعملة لليمين، وإن كَان غالب استعمالها للشك، و ﴿لَنْ﴾ في ﴿وَلن تَفْعَلُوا﴾ من الآية إِنما هو لنفي الفعل المستمر فى المستقبل، إِلى الأبد. وذلك من معجزات القرآن، إِذ لم يقع منهم أنهم أتوْا بسورة مثله. ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾: أي فارجعوا إلى الصواب، واتقوا عذاب النار التي اعدت وهيئت للكافرين، بتصديقكم أنه من عند الله. ووصف النار بأَن وقودها ناس وحجارة، مثل قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (١)

стр. 52

فالناس الذين هم وقودها، هم الكفار، والحجارة حجارة الأصنام التي كانوا يعبدونها: تجعل وقودا للنار معهم، إهانةً لهم ولِمَا كانوا يعبدون. والآية تبدى مِنَ التحذير، ما لا يستطيع عاقل تجاهله. وفيها دليل على أن النار مخلوقة موجوده، من قبل نزولها. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ المفردات: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: التبشير يطلق غالبا، على الإِخبار بالخبر السار. وقد يُطلق مجازًا يحزن كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (١)﴾ والمراد هنا الأول. ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾: أَي كلما رزق أهل الجنة شيئًا من ثمارها، يقولون: هذا هو الذي وُعِدنا من قبل في الدنيا أن نرزقه في الآخرة، أَو هذا الذي رزقناه في الدنيا، لكونه مشابها له، حتى إذا تذوقوه أدركوا الفرق بين ثمار الدارَين. ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: أي مُنحوا ثمر الجنة، يشبه بعضه بعضا في الشكل، مع اختلاف الطعم، أو متشابها مع ثمار الدنيا. شكلا ليأْنسوا به، لكنه يفوقه طعما ومذاقا. ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: أي زوجات مبرأَة من الدنس والعيب.

стр. 53

التفسير ٢٥ - ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ … ﴾ الآية. هذه الآية بشارة وعِدَة للمؤمنين، مقابلة لما ذكر في الآية السابقة، من تحذير ووعيد للكفرين. وهكذا، يصرف الله الآيات وينوعا بين الترهيب والترغبب. ومعنى التبشيرة. المفهوم من قوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾: الإخبار بما يسر، وأطلق عليه ذلك، لظهور أثره على البشرة. رقد سيقت البشرى في هذه الآية لمن آمن وعمل صالحا من الناس، أي لمن جمعوا بين عمل القلب، وهو الإيمان والتوحيد الخالص، وعمل الجوارح، وهو الاستقامة والاستدامة للعمل الصالح. ويستدل بها على أن مفهوم الإِيمان لا يدخل فيه العمل الصالح، ولكنه لا بد منه لحسن الجزاء؛ فإن الإيمان وهو التصديق كالأساس، والعمل الصالح كالبنيان فوقه. ولا يكفى أساس من كير بنيان، كما لا يعيش بنيان بغير أساس؛ لأنه معرض للانهيار. وجمع ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ للإِشارة إلى الإتيان بها بأَنواعها، دون اكتفاء ببعضها. فأركان الإِسْلام وما يتصل بها، متماسكة كما يفهم من حديث "بُنِىَ الإسلام على خمس: شهادة أَن لا إله إلاالله، وأَن محمدا رسول الله، واقام الصلاة، وإيتاء الزكإة، والحج، وصوم رمضان (١) " مجمع عليه. ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾: أي وبشرهم بأن لهم جنات .... إِلى آخر الآية، والجنات: البساتين التي تتداخل وتتشابك فروعها، فهي تُجِنُّ أي تستر من دخل تحتها. وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أَي من تحت أشجارها. ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. في هذه الجملة وصف للجنات بان أشجارها تحمل ثمارا متشابهة يستمتع بطعامها أهل الجنة، كلما قطف أَحدهم ثمرة منها وجد مكانها من الغصن ثمرة مثلها، فيعجبون من ذلك

стр. 54

ويقولون: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾، وقد بيَّنت السنَّة ذلك. فعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أَخرى (١) ". وقد يقال في معناها: إن ثمر الجنة متشابه فى الصورة والشكل- مع ما كان في الدنيا، فإِذا رأوه قالوا: هذا الذي رزقناه من قبل في الدنيا-، فإذا ما طعموه، أحسوا فرقا شاسعا - في اللذة والطعم- بينه وبين ثمر الدنيا. وإنما جعل ثمر الجنة مشابها - في الصورة- لثمار الدنيا؛ لتميل النفسى إليه حين تراه، فإن الطباع تميل إلى ما تأْلف، ليتبين لها.- بعد تذوِقه- مزيته على ثمار الدنيا: في الطعم واللذة؛ فيقدروا فضل الله عليهم، وقيل في معناه غير ذلك. ئ ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: ولأهل الجنة زوجات مطهرة مما يستقذر من نساءَ الدنيا، كالحيض ودنس الطبع، وسوءِ الخلق والأقذار. والتطهير يستعمل في الأجسام والأخلاق والافعال. والتعبير بقوله: ﴿مُّطَهَّرَةٌ﴾ يشعر بأَن مُطَهِّرا طَهَّرهن. وهو لا يكون إلا الله- أذ خلقهن على هذا النمط من الطهر. والزوج في الأصل: اسم لما له قرين من جنسه يزاوجه ويثانيه. ويطلق أَيضًا، على الذكر وإلانثى. والقرينة هي التي تعين المراد، ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: الخلود في الأص ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ [النساء: ٥٧] ل؛ البقاء المديد، دام أو لم يدم، فإذا أُريد الدوام قيد بالتأْبيد نحو قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢)﴾ والمرادُ بالخلد هنا: الدوام قطعا، حملا للمطلق هنا على المقيد بالتأْبيد، فى آيأت أُخرى. فإن قيل: إن الأبدان مركبة من أجزاء متضادة في الكيفية، معرضة إلى الاستحالات المؤدية إلى الانحلال والتفكك. فكيف يمكن الدوام في الجنة؟

стр. 55

والجواب: أن ذلك في عالم الدنيا المعرض للفساد، أما الآخرة فالأمر -في تكوين الأجسام فيها- مختلف عنه في الدنيا، فالأجزاء فيها متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض، ولا يعتريها التغير والتحلل. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ المفردات ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾: أي لا يترك ضرب مثل. وضربالمثل: استعماله فما ضرب له، أي: فيما ذكر له. ﴿بَعُوضَة﴾: البعوضة واحدد البعوض، وهو ضرب من الذباب معروف، وهو من البعض، آى القطع. يقال: بعضه البعوض، عضه وآذاه. ولا يقال في غير البعوض. ذكره صاحب اللسان. ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: أي فالذي فوقها. والمراد بالفوقية: الزيادة في الحجم، كالذباب والعنكبوت، أو الزيادة في المعنى الذي أريد بالتمثيل، أعني: الحقارة والهوان. ﴿بهذاَ مَثَلًا﴾: أرادوا بكلمة ﴿هَذَا﴾: تحقير ما يشيرون يها إِليه، وهو البعوض والذباب ونحوهما، مما يضرب مثلا. ﴿إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: أي الخارجين عن طاعة الله. والفسق لغة: الخروج، ومنه: فسقت الرطبة عن قشرها، أي خرجت عنه. التفسير ٢٦ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا … ﴾ الآية. روى عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما (أنَّ الله تعالى لما ضرب هذين المثلين - يعني قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآيات الثلاث.

стр. 56

قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضربَ هذه الإمثال، فانزذ الذ تعالى هذه الآية إلى قوله: ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١). وعن قتادة لا ذكر الله العنكبوت والذباب، قال المشركرن: ما بال العنكبوت والذباب يذكران، فانزل الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾. واذأ تإملنا سبب النزول الأول، عرفنا الرباط القوى بين الكلام السابق في الآيات الماضية، عن تردد المنافقين وحيرتهم وكفرهم القلبى، وبين هذه الآية والتي تليها، أمَّا ما توسط بين قصة المنافقين الماضية وبين هاتين الآيتين: ﴿إنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِى … ﴾ إلخ … فهو مرتبط بقصتهم، فقد اشتمل على دعوتهم- ومن على شاكلتهم من الكافرين- إلى الإيمان الصادق بربهم، وبيان مقتضيات ربوبيته، كما اشتمل على بيان إعجاز القرآن الذي يدعوهم إلى ذلك، الأمر الذي يشهد بكونه من عند الله، ويستدعي إيمانهم به، كما تضمن الأثر المترتب على الكفر من الخلود في النار، والاثر المترتب على الإيمان من الخلود فى الجنة. وحقيقة الاستحياء مستحيلة على الة تعالى لأنه: انقباض النفس عن القبح، مخافة الذم ومعناه: وسط بين الجرأة على فعل القبيح من غير مبالاة، وبين الخجل وهو: إبعاد النفس عن الفعل مطلقا، وهذا من صفة الحوادث. وكل ما ورد من هذا القبيل في الكتاب والسنة، إِنما يراد منه لازمه اللائق بالله تعالى: وهو الترك والامتناع. ومعنى الآية: أن الله لا يمتنع من أن يضرب الأمثال، كيفما كانت ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي فوقها في الحجم كالذباب والعنكبوت وغيرهما، أو في المعنى، وإِن دق الممثَّل به وصغر عن البعوض فإن في ضرب المثل ابرازا للمعقول في صورة المشاهد المحس؛ ليساعد على الفهم. وقد شاعت الأمثال في الكتب الإلهيه، وعبارات الحكماء والبلغاء لذلك، فيمثل الحقير بالحقير، كما يمثل العظيم بالعظيم. ولا يقدح هذا التمثيل في عظمة من قاله. والقرآن الكريم. لم ينفرد بذكر أمثال هذه الحشرات. فقد ورد ذكرها في العهد القديم

стр. 57

أكثر من مرة. ومن ذلك ما جاءَ فى سفر يشوع إصحاح ٢٤ الفقرة ١٢ - "وأُرسلت قدامكم الزنابير وطردتهم من أمامكم"- وتكرر ذلك في سفر الخروج ٢٣ - ١٨ وسفر التثنية ٧ - ٣٠. ومن كلام العرب: "أَسْمَعُ من قُرادٍ، وأَطيَش من فَراشَةٍ". ولا شك أَن قدرة الله تتجلى في الذرة كما تتجلى في المجرة. وقد روعى في التعبير بكلمة: بعوضة، المبالغة في الرد على ما نطقوا به في معارضتهم؛ إذ المذكور في تمثيل القرآن. هو الذباب لا البعوض، والبعوض أصغر من الذباب. ثم بين الله حال المؤمنين والكافرين- إزاء هذا التمثيل- فقال جل شأنه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. ﴿الحَقٌ﴾: الأمر الثابت الذي لا يسوغ إنْكارُهُ، أي: فأَما المؤْمنون، فيعلمون أن المثل هو الأمر الثابت ﴿مِن رَّبِّهِمْ﴾ الذي يضرب الأمثالَ بم ليعينهم على فهم المعافى الصحيحة. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾: كان الظاهر أن يقال: وأما الذين كفروا فلا يعلمون أنه الحق من ربهمِ، ليطابق مقابله، وهو قوله سابقا: ﴿فَيَعْلَمُونَ﴾ الخ … ولكن عدل عنه إلى: ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ لحكاية ما قالوا، وهو مستلزم لجهلهم وعدم علمهم، وذلك أَبلغ؛ لأن قولهم هذا، كالبرهان على كمال جهلهم؛ ففيه نفى العلم مع إثبات دليله. والإشارة في قولهم: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ لتحقير المشار إليه الذي ضربه الله مثلا، وليس غرضهم بما قالوا الاستفهام عن الحكمة في ضرب الله الأمثال، بنحو العنكبوت والذباب والبغوض، بل غرضهم الأيذان بأَنها -من اللإناءة والحقارة- بحيث لا يليق أن يريد الله شيئًا من التمثيل بها. لهذا يستحيل صدور التمثيل بها عن الله تعالى ﴿ … كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (١). لهذا رد عليهم بقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ أي يضل بهذا المثل كثيرًا من الناس مثلهم، ممن ساء اختيارهم وأظلمت قلوبهم، ويهدى به كثيرًا منهم، ممن حسن اختيارهم واستنارت قلوبهم. فلا مانع من أَن يضربه مثلا ويريد ما يترتب على ضربه من الآثار، وهو التفكر والاهتداء، لقوله تعالى: ﴿ … وَتِلْكَ الأمثاَلُ نَضْربُهاَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُنم يَتَفَكَّرُون﴾ (٢)

стр. 58

والإضلال: خلق الضلال في العبد لسوء اختياره. والهداية: خلق الاهتداءِ فيه لحسن اختياره. والتعبير بصيغتى المضارع ﴿يُضِلُّ﴾ ﴿وَيَهْدِى﴾ لإفادة التجدد المستمر. وإنما قدم فعل الإضلال على فعل الهداية، ليكون أَول ما يقرع أسماعهم من المجواب أمرا يسوِءهم، ويفت في أعضادهم. ووصف كل من الفريقين بأَنه كثير، لا ينافى أن أهل الضلال أكثر عددا من أهل الهداية، قال تعالى في المؤمنين: ﴿ … وَقَلِيلٌ ماهُمْ … ﴾ (١)، ﴿ … وَقَلِيلٌ مِّنْ عِباَدِىَ الشكُوُر﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَماَ يُضِل بِهِ إلاَّ الْفَاسِقِينَ﴾ من تمام الجوابة على استفهامهم، وهو يفيد إلصاق وصف الفسق بهم. والمراد به هنا: الخروج عن الدين. وإِضلال الله تعالى للفاسقين، لا يعفيهم من أن يتحملوا تبعته، لأن الإنسان إِذا سلك - باختياره الفاسد- طريق الكفر رالفساد، وسار فيه إلى أَقصى نهايته، غير مكترث بالتحذير منه- يتركه الله في ضلالته؛ لأنه سلك سبيلها وأَوغل فيه مختارا ﴿ … وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٣). أَما من اتبع الهدى، ولبس لبوس التقوى، فإن الله تعالى يهديه، ويمكِّن له في هدايته. قال تعالى: ﴿ … وَمَن يُؤْمِن الله يَهْدِ قَلْبَهُ … ﴾ (٤). ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾. المفردات: ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ النقض: فك التركيب، ويكون في الحسيات، كالحبل والبناء. ويسمتعمل في المعافى مجازا، ومنه: نقض العهد هنا.

стр. 59

وعهد الله: ما أخذه على العباد من التوحيد والعمل بالشرائع. وميثاقه: توثيقهم العهد وإحكامهم اياه. التفسير ٢٧ - ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ … ﴾ الآية. ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾: صفة للفاسقين. وقد وصل ﴿الذين﴾ بثلاث صلات: ﴿يَنقُضُونَ عَهْدَ الله﴾، ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ﴾، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهي صفات في المعنى للفاسقين، فكأنه قيل: وما يضل به إلا الفاسقين الناقضين لعهد الله، القاطعين لما أمر الله به أن يوصل، الفسدين في الأرض. وقد جئ بها للذم، وتقرير ما هم عليه من الفسق. والنقض: حَلُّ المركب. وهو فى الأصل، يستعمل في الحسيات، كنقض الحبل مثلا، وهو فك طياته فيضعف من بعد قوة. واستعماله في إِبطال العهد -وهو أمر معنوي- تشبيها للعهد بالحبل في الارتباوط. لما فيه من ارتباط أحد كلامى المتعاهدين بالآخر. والميثاق: التوثيق والإحكام. والمعنى الأجمالى: وينقضون ما عاهدوا الله عليه، من بعد ما وثقوه بالقبول والالتزام، أَو من بعد ما وثقه الله بإِنزال الكتاب وإرسال الرسل وعهد الله الموثق عام لكل عهد مشروع، فيدخل تحته العهد المأخوذ بالعقل، وهو الحجة القائمة لله على عباده، الدالة على وجوده ووحدته وصددتى رسله. وبه أوِّل قو له تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى … (١)﴾ ويشمل عهد الله أيضًا ميثاقه على النبيين: أن يبلغوا أممهم وجوب الإيمان بالرسول. ونصره إذا بعث مصدقا لما معهم. وهو المشار إليه بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ … ﴾ (٢) كما يشمل توصية للنبيين بقوله: ﴿شرَعَ لَكم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بهِ نُوحًا … ﴾ إلى قوله: ﴿ … أنْ أقِيمُوا الدّينَ ولَا تَتًفَرقُوا فِيهِ … ﴾ (٣).

стр. 60

وميثاقه على الذين أوتوا الكتاب بمثل ذلك بقوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ … ﴾ (١) والعهد الذي يأخذه بعض الناس على بعض، المشار إليه بقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ … ﴾ (٢). وسواء أكان ذلك بين الأفراد، ام الجماعات من إلامة الواحدة، أَو بين الأُمم بعضها مع بعض. فلا يجوز نقض هذه العهود إِلا فيما جاز شرعًا. وقد أشار القرآن إلى هذا في قوله لنبيه- ﷺ : ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ … ﴾ (٣) وسيأتى شرحها في سورتها. وقوله: ﴿من بَعدِ مِيثَاقِهِ﴾: أَي من بعد توثيقه وتمامه بين المتعاهدين. ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾: هذه هي الصفة الثانية من صفات الفاسقين الخارجين على أمر اقه تعالى، أَي ويقطعون ما أَمر اللهُ بوصله من أمور الدين المختلفة. ويدخل تحت هذا الأمر: صلة الأرحام، وصله الأعمال بالأَقوال، وصلة الإِيمان بجميع الأنبياءَ، بحيث لا ينقطع هذا الإِيمان بواحد منهم بالكفر به. وكذلك صلة الأُخوة بين المؤْمنين، وصلات المؤْمنين بالمجتمع الإِنساني، وَوَصْلُ أُمور الدين بعضها ببعض، إذ التهاون في بعضها، يضعف من قوة الدين. فإِن بناءَ الإِسلام، قائم على أَركانه كلها، كالبيت يقوم على أَعمدته، وهدم ركن منها -أَو جزء من تكوينه- يؤَثر في الهيئة الكلية، كما يتأَثر البيت بهدم ركن من أَركانه أو جزء من تكوينه. وقوله تعالى: ﴿وَيُفْسِدُونَ في الْأَرْضِ﴾ هو الصفة الثالثة للفاسقين. والإفساد في الأَرض، ضد إصلاحها، وقد صلحت بنشر دعوة الإِسلام، وضعُفَ ما كان فيها من فساد الجاهلية، فيكون من الإِفساد في - الأَرض: صدٌّ الناس عن الإيمان بالرسول -كما يفعله الكافرون- والعملُ على تهييج الحرب بين المؤمتين رغيرهم، كما يفعله المنافقون.

стр. 61

وقوله تعالى: ﴿أوَلئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ إشارة إلى الفاسقين المتصفين بهذه الصفات الذميمة: أي: أُولئك المتصفون بهذه الصفات المنكرة، هم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم في ميدان الصالحات، إذ استبدلوا: النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والإفساد بالإصلاح والعقاب بالثواب، والشقاوة بالسعادة، كما خسروا منازلهم في الجنات. ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ التفسير ٢٨ - ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ … ﴾ الآية. بعد أن عدَّد الله قبائح الكافرين، توجه إليهم مخاطبا بالإنكار، بأُسلوب يقتضى التعجب من كفرهم، مع وجود النعم التى تقتضى الشكر، بدلا من الكفر! والإنكار على المخاطب، أبلغ من الإنكار على الغائب، لِمَا فيه من إحضاره إلى ساحة التعنيف مشافهة. والمعنى: على أي أساس قام كفركم باللهِ تعالى؟ والغرض من هذا الاستفهام نفى أن يكون لهم مستند سليم، يستند إليه كفرهم باللهِ تعالى، فليس لهم حجة سوى قولهم: ﴿ … إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١) فإن آباءهم كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون. وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ إلخ، تعداد للنعم الرادعة عن الكفر، الباعثة على الإيمان، لتشديد الإنكار والتوبيخ على الكافرين. ومعنى الآية: كيف تكفرون باللهِ، والحال أَن له شئونا معكم. وشئونا في الكون، تقتضى اختصاص بالأُلوهية دون سواه، فقد كنتم أمواتا أَي مشبهين لهم، إذ كنتم عناصر

стр. 62

وأغذية، فنطفا ومضغا، فأحياكم بنفخ الأرواح فيكم، ثم بعد احيائكم، هو الذي يميتكم عندانقضاء آجالكم، ثم بحييكم مرة أخرى -عند النفخة الثانية- حياة البعث، ثم إليه وحده تُرْجعُونَ للحساب والجزاء، ومن كان هذا شأْنه فلا يصح الكفر به أو إشراك غيره معه في العبادة!. وإنما اختلف العاطف في الآية -بالفاء وثم- لأن قوله: ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ مراد منه الحياة ألأُولى بنفخ الروح، وهي حاصلة عقب كونهم أمواتا. فلذا عطف بالفاء التى هي للترتيب والتعقيب. أَما العطف بثم التي هي للترتيب والتراخى في قوله: ﴿ثُم يمُيتُكُمْ﴾ فلأن المراد بالموت هنا: خروج أَرواحهم بعد إنقضاء آجالهم، وهو متراخ فى الزمن عن بدء حياتهم. وقوله آخر الآية: ﴿ثمَّ يُحْييكُمْ﴾ المراد به: الإحياءُ للبعث، وهو متراخ فى الزمن كذلك، لأنه بعد إنقضاءِ فترة البرزخ في القبور. وقد يقال: الامتنان بهذه النعم ظاهر في الإحياء بعد العدم، فما وجه المنة بقوله: ﴿ثُمَّ يمُيتُكُمْ﴾ وهل في الموت امتنان؟ والجواب: أن الموت هو سبيل الحياة الأبدية بعد البعث. وما كان وسيلة للحياة الخالدة، يصح عده بين النعم. أن هم استجابوا إلى دعوة الحق. وقد يقال أيضًا: أن المخاطبين من الكفار، وهم لا يعترفون بالبعث والرجوع إلى الله، فكيف ينظم ما ينكرونه في سلك ما يعترفون به؟ والجواب: أن الله تعالى نزَّل إِنكارهم للبعث منزلة العدم، لقيام الدليل العقلي والنقلي على إمكانه وحدوثه، وأَن المقصود الأساسى تذكيرهم به ليحذروه، ولذا ختم الآية بقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: إليه وحده- لا إلى غيره- مرجعكم بعد هذه الأطوار؛ وسيحاسبكم حسابا عسيرا على كفركم به، على الرغم من ظهور آياته البينات.

стр. 63

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ المفردات: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: تعلقت إِرادته تعالى بتسوية السماءٍ، والسماء: هي كل ما سما وعلا فوق سطح الأرض، ويشمل أيضًا الغلاف الهوائي المحيط بالأرض. ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾: أي جعلهن سَوِيَّاتٍ لانقص فيهن. التفسير ٢٩ - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا … ﴾ الآية. في الآية السابقة بيان لنعمة الخلق والأحياءَ بعد الموت. وفي هذه الآية: بيان قدرته على ما هو أعظم، وهو خلق الأرض والسماءِ وما فيهما من النعم التي يحتاج إليها العباد بعد خلقهم، لأن نعمة الخلق والإِحياء، لا تتم إلا بخلق ما يتوتف عليه بقاؤهم وعيشهم في الحياة الدنيا. ومن خلال هذه النعم، يكون النظر المفيد المؤَدى إلى توحيد الله -تعالى- وإخلاص العبادة له وحده. وقد جاءَت هذه الآية مقررة لما أفادته الآية التي قبلها من الإنكار على الكافرين إذ كفروا بمن هذه نعمه. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا في الارضِ جَمِيعًا﴾ معناه هو الذي أَبدع لأجلكم جميع ما فى الأرض لتنتفعوا به في شئون معاشكم استرزاقا، وفي شئون معادكم استدلالا، فكل ما على سطح الأرض من حيواكا وزرعها وأشجارها ومائها وهوائها، ومافيها من أجزائها ومعادنها وعناصرها وقواها المختلفة، ابدعها الله كلها لمنفعتنا دينا ودنيا، فتبارك الله أحسن الخالقين. وحيث أَبدعها لمنفعتنا، فعلينا أَن نستعملها فيما يرضي الله تعالى، ويحقق النفع لنا، ويدفع الشرَّ عَنا في الدنيا والآخرة.

стр. 64

﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: المراد من استوائه -تعالى- إلى ألسماء، إقباله عليها بإرادته ليخلقها بغير صارف يصرفه عن ذلك (١)، واستعماله في هذا المعنى معروف في لغة العرب ومنه قولهم: استوى إِليه كالسهم المرسل: يعنون بذلك انه قصده قصدا مستويا، من غير أن يصرفه عنه صارف آخر- وهذا التفسير هو الذي اختاره الفراء، وهو الذي نختاره، آما تفسيره بالصعود ونحود، فلا يليق وصف الله به لتنزهه عن صفات الحوادث. والمراد من السماء: الجنس الشامل للسموات السبع، ولذا قال: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ بضمير جمع الأناث. معنى تسويته -تعالى- للسموات السبع، أنه خلقهن من أول الأمر سَوِيَّات، أي مصونات من النقص والعيب (٢). ومثل هذا قولهم: سبحان من كبر الفيل، أي خلقه من أَول الأمر كبيرا، وسيأتى الكلام على اْلسموات السبع. وظاهر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أن خلقه -سبحانه- للسموات خالية من العيب، متأَخر عن خلقه مافى الأرض جميعًا لناْ، لأنه عطف عليه بلفظ (ثُمَّ) وهي للترتيب والتراخى. ولكن هذا الظاهر مخالف لنص آخر يقتضى تقدم خلق السموات على دَحْوِ الأرض، فقد قال تعالى في سورة النازعات: ﴿أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾. فهذا النص يدل على أن الله بنْى السماء وانشأَها مرفوعة مسوَّاةً، وجعك ليلها مظلما، وأخرج فيها شمسها المضيئة. وبعد ذلك دحا الأرض، ورتب فيها منافعها، فأَخرج منها ماءَها ومرعاها، وأرساها بالجبال حتى لا تميد بنا، وجعل ذلك متاعا لنا ولأنعامنا. وهذا الذى قرَّرته سورة النازعات، هو الذق يقول به أصحاب النظريات العلمية الحديثة.

стр. 65

وبما أن القرآن الكريم عودنا على أن لاتضارب بين نصوصه، فلدا يجب تأُويل آية البقرة التي يفيد ظاهرها تأَخر خلق السموات عن خلق مافى الأرض، ليتفق- مع الواقع الذي يفيده نص سورة النازعات، وهو تأخر دحو الأرض وخلق ما عليها، عن خلق السموات، وذلد بجعل ﴿ثُمَّ﴾ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾: للعطف والترقى في الرتبة، لا للتراخي الزمنى، وكثيرا ما يستعمل لفظ ﴿ثم﴾ لذلك، تقول: النَّاس طبقهات، العامة ثم الخاصة، وتقول: الوزراء ثم رئيسهم ثم السلطان مُتَرَقِّيًا في ذلك من أدنى إلى أعلى. ولا شك أَن القصد والاتجاه بالإرادة إلى خلق السموات وتسويتهن، أعلى مرتبة من ترتيب منافع الأرض فكأن قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وكان منه قبل ذلك ما هو أعظم منه وهو أَنه قصد إلى السموات السَّبع فسواهن، أي خلقهن سويات قاليات من العيوب. السماوات السبع فسر المتقدمون السماوات السبع: بالأفلاك السبعة، والأفلاك جمع فَلَك بفتح اللام، وهو: مجرى النُّجوم- كما في القاموس. ونقل الآلوسي- عن أرباب الأرصاد أن الأفلاك تسعة، وهل هي إلا سماوات- كذا قالوا- ولهذا يرى بعض العلماء أن تخصيص العدد بالسبع لاينفى الزيادد عليه، ومِمَّن قال بذلك يالإمام الرازى، وقال السَّالِيكُونِي إنه الحق. وبعد أن سقنا ما رآه المتقدمون فى المراد من السموات وعددها، نقول: لعلهم يرون أن القرآن الكرأيم اقتصر كلى عدد السبع فى السموات لأن ذلك كان مفهوم العرب فيها، فعبَّر القرآن عن عددها كما يفهمون، حتى لايكذّبون الله ورسوله، ولذا أمرنا النبي ﷺ ، أن نخاطب الناس بما يعقلون، حتى لايكذبون الله ورسوله فيما يجهلون. واعلم أن المناظير البعيدة المدى، أثبتت أن في السموات ملايين المجرات، وكل مجرة تحتوى على ملايين المجموعات الشمسية، ولا يزال هذا الملكوت تبرز فيه مجرات جديدة، من عالم الغيب.

стр. 66

فهل كل هذه المجرات تجرى في سبعة أفلاك أو تسعة، كما يقتضبه كلام القدامى من الفلكيين- بحيث تجرى كل مجموعة ذات مستوى معين في فلك منها، أم أَنها تحتاج إلى أفلاك أكثر، فتكون السماوات أكثر مما ظنوا. لا شك أن العلم بالحقيقة مقصور على الله، وما يقوله الخلق عن ذلك عرضة للاهتزاز، ثم الانهيار، لأَن هذه الأجرام السماوية في أبعاد سحيقة، فلا نستطيع الاطمئنان إلى عندهم طبقاتها بسبع أو تسع أو غيرهما- وهم على ظهر الأرض- مهما كانت مناظير هم بعيدة المدى. والذي يظهر لنا من القرآن الكريم، أَن السموات السبع شئٌ آخر غير النجوم والكواكب والأفلاك النى تجرى فيها، فقدقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ (١)﴾. فهذا النص يقتضى أن المجرات بنجومها وكواكبها، هي المصابيح التي زين الله بها السماء الدنيا- أي الأولى- وحيث كانت زينة لها فليست هي السماء الأولى ولا غيرها من السموات السبع، ألا ترى أَن عِقْد اللؤلؤ زينة لصدر الفتاة، وليس هو صدرَ الفتاة بل غيرَه. لهذا لم يكن عجبا ما قرأناه أخيرا، من أن بعض العلماء أثبت أن وراء المجرات عوالم عظيمة لم تتبينها المناظير بعد، والله تعالى أعلم بملكه وملكوته عن عباده. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: هذه الجملة مقررة لما قبلها من خلق السمنوات والأرض على النمط البديع، والمنطوي على الحكم الفائقة، والمصالح العظيمة، فإن علمه بجميع الأشياء، وبما يليق بكل واحد منها، يستدعي أن يخلق كل ما يخلقه على النمط البديع الحكيم. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾. المفردات: ﴿خَليفَةً﴾: الخليفة؛ من يخلف غيره وينوب عنه. فعيل بمعنى فاعل، والتاءُ للمبالغة. والمراد به آدم وبنوه.

стр. 67

وللخليفة معنى آخر؛ هو الحاكم ومنه قوله تعالى في: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ … ﴾ (١) ويكون المعنى على هذا: أن الله سبحانه، خلق لآدم وذريته ما في الأرض جميعًا، وسخره له، وجعله حاكما عليها لينشر فيها العدل، بما هداه الله إِليه من العلم. ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾: أي يريقها والسفك مختص بالدم. ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: نُبْعِدُ عنك ما لا يليق بك، اعتقادا أو قولًا وعملًا: متلبسين بحمدك، من سبح في الماء إِذا أَبعد فيه. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: أي ننزهك عمَّا لا يليق بك، من أجل ذاتك. التفسير ٣٠ - ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً … ﴾ الآية. القصة المذكورة في هذه الآية - من خلق آدم ﵇، وجعله خليفة في الأرض- تتصل بذكر النعم السابقة من الله تعالى على الناس. فإن خلق آدم وتكريمه، وتفضيله على الملائكة، وأَمرهم بالسجود له، كل ذلك: إِنعام من الله تعالى على أبيهم، ونعمة الآباء، نعمة على الأبناء. وهذا توجيه ربط الآية بما قبلها. وكلمة ﴿أذْ﴾ هنا: للظرفية في الماضي. أي: وا ذكر وقت أن قال ربك للملائكة. وتوجيه الأمر بالذكر إِلى الوقت- دون ماوقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودة بالذات- للمبالغة في إيجاب ذكرها. والمقصود: تنبيه الكافرين إلى تذكر قصة خلق آدم ﵇؛ لينبَّهوا لبطلان ما هم فيه من الكفر بالرسول؛ وينتهوا عنه؛ فإن في هذه القصة من الغيبيات ما لا يعلمه إلا نبي موحى إليه من ربه. وفي التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى درجة الكمال - مع إضافته إلى ضمير خطاب النبي ﵊ إِشارة إِلى مقام التشريف والتعظيم من الله تعالى لنبيه محمد ﵊.

стр. 68

﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾: الملائكة جمع مَلَك. وهم: ذوات نورانية، خلِقو الطاعة الله فيما يأْمرهم به، لهم قدرة التشكل بالأشكال الحسنة المختلفة. ولهذا كان الرسل يرونهم. وهذا مذهب أكثر المتكلمين. وقال الحكماءُ: هم جواهر مجردة. مخالفة للنفوس الناطقة بالحقيقة. ومعنى قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إنى خالق في الأرض خليفة وهو آدم- ﵇ وخواص بنيه من البشروهم الرسل، وذلك إن كان المراد بالخلافة: الخلافة من جهة اللُّه -سبحانه- في إجراء أحكامه بين الناس، وسياسة خلقه؟ لقصر استعداد المستخلف عليهم، وعدم لياقتهم لقبول الفيض الإلهى، فتختص باَدم والخواص من بنيه، فإن أُريدت الخلافة ممن كان في الأرض قبل ذلك، فالخليفة هو آدم وذريته جميعًا، صالحهم وطالحهم. فقد خلفوا من سبقهم في عمارة الأرض. ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ هذا اسنئناف وقع جوابا عن سؤال تنساق! ليه الأذهان، كأَنه قيل: فماذا قالت الملاتكة بعد آن أخبرهم الله بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾؟ فقيل جوابا لهذا السؤال: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا … ﴾ إلخ. والمعنى: أنجعل فيها خليفةَ: مَن يفسد فيها؟ وقد عرفوا ذلك، إمّا قراءةً من اللوح المحفوظ الما سجل من مستقبل أعمالهم، وائا قياسًا لهم على من كان قبلهم، وهم الذين أَهلكهم الله وأحلهم محلهم، وائا من الغرائز التي سيخلقون بها، فإنها قد تدعو إلى الفساد. والاستفهام ظاهره تعجب الملائكة من أنه تعالى، سيجعل في الأرض مَن يفسد فيها، أو الاعتراض على ذلك وانكاره. ولكن هذا الظاهر كير مراد؛ لأن الملائكة كما قال تعالى: ﴿ … عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (١) بل هو استفهام تعجب، قالو. استكشافًا لما خفِىَ عليهم من الحكم في خلق من بفسدون في الأرض، واستخبارًا عما يزيح شبهتهم، ويشدهم إلى معرفة ما فى آدم من الفضائل التي جعلته أهلا للخلافة هو وذريته، كسؤال المتعلم أستاذ. عما ينقدح في ذهنه؛ ليعلم الجواب فيستريح.

стр. 69

فليس سؤَالهم اعتراضًا على الله، ولا شكًّا في اشتمال جعله خليفته فى الأرض على الحكم والمصالح. ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾: أي يقتل النفوس التي يحرم قتلها، والتعبير عنه بسفك الدماءِ، لأنه اقبح أنواع القتل. ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: هذه الجملة مقررة للتعجب السابق، ومؤَكدة له، كأنه قيل: أتستخدم مَن شأن ذريته الفساد، مع وجود من هو مجتهد في طاعتك لا يعصيك أَبدا؟ والمقصود عرض أحقيتهم بالخلافة كما فهموا، والاستفسار عما رَجَّحَ بني آدم عليهم، مع ما يتوقع منهم من الفساد؛ ليعرفوا حكمته من الحكيم الخبير: الذي يضع كل شئ في موضعه. وقد نظرت الملائكة في سؤَالها إلى الغرائز الداعية إلى الفساد نى بني آدم، وغفلت عن "العقل" الذي يمسك بها، ويصر فها إِلى الخير وتَعَرُّف أحوال الكائنات والانتفاع بها، وغير ذلك مما يصلح به أمر الخلافة في الأرض، إلى جانب استدلاله حها على الصانع جل وعلا. ولا شك أن بني آدم- بكفاحهم لغرائزهم وشهواتهم، وصرفها ناحية الخير- يفضلون عوام الملائكة، لأنهم مخلوقون للطاعة، ولا شهوة فيهم. والتسبيح: تنزيه الله تعالى عما لايليق به؛ اعتقادا وقولا وعملًا، وكذلك تقديسه. والمعنى: ونحن ننزهك؛ متلبسين بحمدك على ما أنعمت علينا من فنون النعم، ونقدس لك تقديسا يليق بمقامك. وقيل: معنى نقدس لك؛ نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك. وكان جواب الله عليهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي إنى أعلم ما لا تعلمونه من دواعي الخلافة فيه، ولا يضير استخلافه وذريته أن بعضهم مفسد سفاك للدماء، لأن الله أودع فيهم الصلاحية لعمارة الأرض، والخير غالب فيهم. على أن ما يقع من بعضهم من الشر هو ابتلاء من الله للجميع؛ ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، وليثبت القائمين بإرشاد العصاة ثوابا عظيما: ﴿ … وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (١)

стр. 70

﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ التفسير ٣١ - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا … ﴾: الآية. شروع في تفصيل الجواب الإِجمالى من الله للملائكة، ومعنى تعليم الله لآدم الاسماء كلها: أنه خلق فيه - بموجب استعداده- علمًا ضروريا تفصيليا، بأسماء جميع المسميات وأحوالها وخواصها اللائقة بكل منها، كأن يلقي فى روعه تفصيلا: أن هذا فرس، وشأنه كذا وكذا، وهذا بعير وحاله كيت وكيت. وكذا كل مادة وعنصر: عرف اسمه وخواصه وطريقة استعماله. والاسم:- باعتبار الاشتقاق- ما يكون علامة للشئ ودليلا يرفعه إلى الذهن، من الألفاظ والصفات والأفعال. ويستعمل- عرفا- في اللفظ الموضوع لمعنى؛ مفردا كان أو مركبا؛ مخبرا عنه أو خبرا، أَو رابطة بينهما. واصطلاحا فى المفرد الدال على معنى غير مقترن بالزمان. والمراد هنا الأول، أَو الثانى كما قاله العلامة أبو السعود. قال ابن عباس وغيره: علَّمه أَسماءَ جميع الأشياءِ حتى القصعة والقصيعة، والجفنة والمِخْلَب. ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾: أي عرض المسميات المدلول عليها بالأسماء، وضمير جمع العقلاء لتغليبهم على غيرهم، وقد جاء في الحديث أنه عرضهم عليهم كأمثال الذر. عن ابن عباس- ﵁ عن النبي- ﷺ قال: "أخذ الله الميثاق من ظهر آدم ﵊ بمنان- يعني بعرفه- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها

стр. 71

فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا وقال: ﴿ … أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ … ﴾ إلى قوله: ﴿ … بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١) هذا حديث صحيح الإسناد (٢) قال أبر السعود ﵀: ولعل الله عرض عليه من أفراد نوع ما يصلح أن يكون نموذجًا: يتعرف منه أحوال البقية وأَحكامها. ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾: أي قال-تبكيتًا لهم واظهارًا لعجزهم عن اقامة ماعلقوا به رجاءهم من أمر الخلافة- أخبرونى بأسماء هؤلاء فإن تدبير شئون هذاه المسميات موقوف على معرفنها وجميع خواصها وأحوالها، فمن لم يعرفها، لا يصلح للخلافة فيها وولاية أمرها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم أَنكم أحقاء بالخلافة ممن أَستخلِفُه. ٣٢ - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا … ﴾: الآية. قال الملائكة لربهم: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي نسبحك وننزهك التنزيه اللائق بك، فلا يمكن أَن تخلو أفعالك من الحكم، ومن جملتها استخلاف آدم، وما سألنا إلا لنتعلم ونعرف الحكمة، وقد عرفناها بمرفة مزايا من استخلفته. ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ونحن لم نتعلم ذلك، بل تعلمنا العلوم اللائقة بعالمنا كما علمتنا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾ بما ينبغى لكل شئ ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تقديره وتدبيره. ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ التفسير ٣٣ - ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ .... ﴾: الآية. بعد أن أقروا لله بعجزهم أراد -سبحانه- أن يبين لهم فضل آدم عليهم ﴿قَالَ يَا آدَمُ

стр. 72

أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾: أَخْبِرهم بأسماءَ هذه المسميات التي عجزوا عن معرفتها ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ وظهر فضله عليهم بالعلم. ﴿قَالَ﴾ الله لهم بعد ذلك: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يقروا به جوابه السابق لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وفي هذا إلتقرير، تفصيل لما أجمل سابقا، وعتاب لهم على تركهم ما كان أَولى بهم، وهو أَن يتوقفوا: متزصدين أَن يبين اللهُ لهم ما لا يعلمون، بدلًا من توجيه السؤَال له- بهذه الصوره-. والهمزة في: ﴿أَلَمْ أَقُلْ﴾ للاستفهام الإِنكاري. وفيها معنى، النفي، دخلت على حرف النفي ﴿لَمْ﴾ فكان ذلك بمنزلة نفي النفي، فيفيد إِثباتًا وتقريرًا كما قلنا، فالمعنى قلت لكم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أَي أعلم ما فيهما من أَسرار لا تعلمونها ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ من قولكم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ في نفوسكم من أنكم أَفضل منهم وأولى بالخلافه، أو من أمتثالكم الذي أَضمرتموه في أَنفسكم. وفي هذه الآية إِشارة إِلى أَن الإنسان اعطىَ الاستعدادَ لِتَعرفِ الأشياء وإدراك نواميس الكون؛ ليسخرها له بمقتضى ما منحه اللهَ هن الأَسباب. وفيما تقدم من ألَايات، دليل على شرف الإِنسان، وعلى فضل العلم، وأَنه في مقدمة العبادات، وأنه مناط الخلافة والنيابة عن الله في الأرض، وأَن ألحكمة أمر زائد على العلم، لأن الملائكة وصفوا الله تعالى بالحكمة بعد العلم، وإِلا لزم التكرار. وقد دلت الآية الاخيرة على أن الله سبحانه يعلم الأَشياءَ قبل حدوثها. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ التفسير ٣٤ - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ .... ﴾ الآية. في هذه الآيَة، تذكير بنعمة أُخرى على أبينا آدم ﵇، ناطقة بالتعظيم لقدره،

стр. 73

والتنويه بشأْنه، حيث أمر الله الملائكة بالسجرد له. والآية معطوفة على ماقبلها، عطف القصة على القصة. فقد عطفت فيها قصة السجود على قصة الخلق، لتستكمل بها نعمه -تعالى- التي تفضل بها على خلقه. ومعنى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أي واذكر لهم يا محمد، وقت قولنا للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أي: عظموه اعترافا- بفضله، وأداءً لحق تعليمه لكم الأسماءَ، واعتذارا عما وقع منكم فى شأنه ﴿فَسَجَدُوا﴾ عطف على ﴿قُلْنَا﴾، والفاءُ لإفادة مسارعتهم إلى الامتثال ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ فإنه لم يسجد ولم يمتثل. وسيأْتى بيان امتناعه في الآية الكريمة. وظاهر استثنائه من الملائكة الذين سجدوا أنه منهم، ولكنه ليس كذلك، فإنه جِنَّىٌّ؛ لقوله تعالى في آية أُخرى عنه: ﴿ … كَانَ مِنَ الْجِنِّ … ﴾ (١)، ولأنه لو كان من الملائكة، لما امتنع عن امتثال أمر ربه، لأنهم ﴿ … لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢) ولهذا، يحمل استثناؤُة منهم على أنه لما كان بينهم، عابدا بعبادتهم، جعل منهم. فإن من طالت اقامته مع قوم واندمج فيهم، اعتبر منهم وان لم يكن من قبيلتهم. وعلى هذا التأويل، يعتبر استثناؤة متصلًا، ويجوز اعتبار الاستثناء منقطعا. ومعنى ﴿أَبَى﴾ امتنع اختيارا. ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ طلب الكبرياءاستعلاءً وادعاءً، فإن الكبرياءَ حق الله وحده. ومعنى قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ وصار من الكافرين بسبب عصيانه على حد قوله في شأن ابن نوح: ﴿ … فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (٣) واعلم أن الذي تقتضيه هذه الآية- والتي في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ … ﴾ (٤) وكذا ما في سورة الإسراء. وطه والكهف- أن سجود الملائكة، إِنما ترتب على الأمر التنجيزى، الوارد بعد خلقة وتسويته ونفخ الروح فيه.

стр. 74

أَما ما جاءَ في سورالحِجر ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ فهو إخبار منه تعال للملائكة. بأنه سيخلق آدم، ويكلفهم بالسجود له، إذا أتم تسويته ونفخ الروح فيه. فالأَمر بالسجود فيها معلق على تسويته ونفخ الروح فيه، فهم غير مكلفين بالسجود له، حتى يتم ذلك، فيؤْمروا بأَمر تنجيزى جديد، حمعًا بين هذه الآية والآيات إلاخرى التي نبهنا إليها. أَما قوله في سورة الحجر- عقب هذا الأَمر التعليقي،-: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ فمحمول على أنهم سجدوا له بعد تمام خلقه ونفخ الروح فيه، وأَمرهم بعد ذلك بالسجود تنجيزا، بعد أمره به تعليقًا .. وكذلك يفسر ما جاءَ سورة (ص). ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ المفردات: ﴿اسْكُنْ﴾: أقم فيما تسكن فيه النفس وتطمئن. ﴿الْجَنَّةَ﴾: البستان. ﴿رَغَدًا﴾: واسعا. ﴿الشَّجَرَةَ﴾: مجهولة النوع، وعِفم ذلك عند الله تعالى. التفسير ٣٥ - : ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ .... ﴾: الآية. لما كفر إِبليس بعصيانه أَمْرَ ربه بالسجود لآدم، أَبعده الله عن الجنة بقوله: ﴿ … اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا … ﴾ (١) وقال لآدم: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ .... ﴾ (٢) تكريما لهما.

стр. 75

والسكن: الإقامة في مكان تسكن فيه النفس، أي تطمئن فيه. والجنة التي أمر بسكناها: هي دار الثواب، عند الجمهور، لأَنها كذلك في عرف نصوص الشريعة: وقيل هي جنة بأرض فلسطبن، أو بين فارس وكرمان أو في غيرهما، خلقها الله امتحانا لآدم ﵇، وحمل الإهباط منها على النقل منها إلى أرض أخرى، كما في قوله تعالى: ﴿ .... اهْبِطوا مِصْرًا .... ﴾ (١) لأن خلقه كان في الأرض بلا خلاف. ولم يذكر في قصته رفعه منها إلى السماء حيث جنة الجزاء. ولو وقع ذلك، لكان أولى بالذكر؛ ولأنها لو كانت دار الخلود، لما دخلها إبليس. ذكره أبر السعود والآلوسى، والله أعلم. ومعنى قوله: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾: أي تمتعا بالأَكل منها أكلا واسعا، في أَي مكان شئتماه من الجنة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ نهي أُريد به أختبار آدم وحواء، وتعلق النهي بالقرب من الشجرة، للمبالغة في الإبعاد عن الشجرة نفسها، فإن انتفاء القرب يستلزم عدم الوقوع في الأكل وهو المقصودمن النهي. والمشار إليه بـ (هذه) يحتمل أن يكون شجرة بعينها، ويحتمل أن يكون جنسها. فتدخل فيه هي ومثيلاتها. وبين هذين الاحتمالين وقع التأويل من آدم بسبب الوسوسة. فالمظنون أنه تأَوّل النهي بأنه عن شجرة بعينها من الجنس، فَتَرَكَ المشارَ إلى شخصها وأكل عن جنسها؛ مع أن المقصود هو النهى عن الجنس، إذ لا فرق ببن شجرة منه وشجرة أُخرى. ونحن نمسك عن تعيين شخصها أو نوعها؛ لعدم وجود دليل لهذا التعيين. وكان الأكل منها سببا في اخراجهما من الجنة عقوبة على مخالفة النهى. ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: المراد من ظلمهما ظلم أنفسهما، فإن مخالفة النهي، كانت سببا فىْ حرمانهما مما كانا فيه من نعيم الجنة.
следующие страницы →