﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: المراد من طببات الأرزاق: مستلذاتها وفي الكلام قول مقدر.
أي: وقلنا لهم: كلوا.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ بتركهم لشكرنا، وإقبالهم عل معصيتنا، واقتراحهم أدنى الأرزاق وهو الفوم والعدس والبصل، بدلًا من خيرها وهو المن والسلوى ﴿لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: أي ولكن كانوا لا يظلمون سوى أنفسهم، بتعريضها للعقاب والحرمان، دون أن يعود شئً من ظلمهم وآثاره على الله، والتعببر بجملة ﴿كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: يشير إلى أن الظلم لأنفسهم كان خلُقًا قديما فيهم، وأنهم مستمرون عليه.
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾.
المفردات
﴿الْقَرْيَةَ﴾: المدينة من قريتُ إذا جمعت، سميت بذلك لأَنها تجمع الناس، وقبل:
القرية: مسكن القلة من الناس. والمدينة: مسكن الكثرة منهم. والمشهور عن ابن عباس وغيره: أنها بيت المقدس.
﴿رَغَدًا﴾: واسعا هنيئا.
﴿حِطَّةٌ﴾: أي حطٌ لذنوبنا وغفرانٌ لها.
﴿رِجْزًا﴾: أي عذابا، وراؤه مثلثة. لغة.
التفسير
٥٨ - ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ … ﴾ الآية
стр. 107
الظاهر أن الأمر كان على لسان موسى، وهو كالأوامر السابقة واللاحقة. والقرية على المشهور: هي بيت المقدس أو أربحا، ولكنالم نجددليلا يؤيد هذا القول المشهور، والأمر للإباحة، بدليل عطف ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ عليه، فإن الأمر بالأكل للإباحة، وهو غير الأمر المذكور في قوله تعالى:
﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ … ﴾ (١)، فإنه للإيجاب. بدليل عطف
النهي عليه في قوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾، فإن النهي فيه للتحريم وقد عوقبوا علي مخالفته بأن يتيهوا أربعين عاما، وأَمر الإباحة هنا مؤخر عن أمر التكليف في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾: أي فكلوا منها في أي مكان شئتم أكلا واسعًا: لا يقتصر على سد الجوع، وهذه نعمة كبرى، أنعم الله بها عليهم، بعد خروجهم من التيه: حيث أمرهم أن يدخلوا قرية ذات زروع وثمار، وأباح لهم أن يأكلوا من طيباتها - حيث شاءُوا - كلا واسعًا هنيئًا، بعد أن كانوا حيارى في التيه: مقصورين فيه على لون واحد من الطعام. وقد أمرهم الله أَن يدخلوها من بابها فقال: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ متطامنين خاشعين: شكرًا لله تعالى على إخراجكم من التيه، والإنعام عليكم بالاسترزاق في هذ. القرية.
كما أَمرهم أن يسألوه تعالى: العفو عن ذنوبهم الماضية فقال لهم: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي حِطةٌ منك با الله لخطايانا وغفرانٌ لذنوبنا. ووعدهم الله أن يستجيب دعاءهم واستغفارهم عن خطاياهم فقال: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾: نستر لكم سيئاتكم السابقة، فلا نعاقبكم طيها ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: ثوابًا على إحسانهم، فوق غفران خطاياهم، ولكن هؤُلاء المنكرين للنعم لم يستجيبوا
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بما أمروا به وهو قولهم: حطَّةٌ، المفيد لطلب حط ذنوبهم وغفر انها ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ ليس فيه خضوع واستغفار لذنوبهم، إعراضا وعنادًا منهم لربهم ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: أي فأنزلنا عليهم- لظلمهم- عذابًا من السماءَ، بسبب ما استمروا عليه من الفسق المتجدد، والخروج عن الطاعة آنا فآنا.
وظاهر قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ أنهم لم يشتركوا جميعًا في تبديل ماقيل لهم، بل الذين بدلوا هم الذين ظلموا.
стр. 108
وعلى هذا فإن النص يفيد: أن مَن دخل القرية قسمان: قسم أطاع ولم يبدل، وقسم عصى وبدل. فبدلًا من أن يدخلوا خاضعين خائفين متواضعين، دخلوا مستكبرين. وبدلًا من أن يستغفروا ويطلبوا حط الذنوب وغفرانها، لم يعترفوا بذنوبهم ولم يستغفروا الله منها، بل قالوا ما يخالف ذلك، استهزاءً بما كلفوا به، فاستحقوا أن ينزل الله عليهم من السماء رجزًا أي عذبا، بسبب فسقهم وفساد سرهم وعلانيتهم.
ويصح أن يكون التبديل وقع منهم جمبعًا، وأن المعنى: فبدلوا- جميعًا- قو لا غير الدى قيل لهم، لظلمهم.
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾.
المفردات.
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى﴾: طلب السُّقيا من الله.
﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾: المراد بالعصا هنا، آية موسى، وهي المسئول عنها بقوله تعالى:
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ والمراد بالحجر: وليس حجرًا بعينه.
﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾: أي فخرجت منه بقوة بعد انصداعه هذه العيون.
﴿كُلُّ أُنَاسٍ﴾: أناس؛ جمع لا واحد له من لفظه، وتخذف همزته مع أل. والمراد بهم: السبط من أولاد يعقوب؛ أي كل سبط.
﴿مَشْرَبَهُمْ﴾: أي موضع شربهم.
﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾: العثو عند بعض المحققين؛ مجاوزة الحد مطلقا، فسادًا أو غيره، ثم غلب في الفساد
стр. 109
التفسير
٦٠ - ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا … ﴾ الآيه.
كلمة ﴿إِذِ﴾ تكررت خمس عشرة مرة، والقصص الخاصة ببنى إسرئيل.
وهي في اللغة: لمطق الظرفية في الزمن الماضي.: هي على تقدير: اذكر: والمراد من ذكر الوقت فيها: تذكر ما وقع فيه من النعم والحوادث، لعل ذاك يفيدهم العبرة، ويهيئُ نقوسهم للتوبة والاستجابة لأَمر الله.
ولم يعن القرآن بالترتيب الزمنى فى ذكر قصصهم، لأنه ليس له دخل فى تصحيح عقائدهم وأعمالهم. والذي له دخل في ذلك، هو تذكر النعم التي انعم الله بها عليهم، والعقوبات والحوادث التي حلت بهم في أي زمان، فإِن لهم- في تذكر ذلك- أعظم العبر، التي يجب أن تردهم إلى رشدهم، وتكفهم عن التمادي في طغيانهم.
وقد سبقت هذه الآيه، لبيان حال من أحوال بني إسرائيل في هجرتهم. وكانوا قد أصابهم في التيه عطش شديد، فاسنغاث موسى بربه، وطلب منه أن يسقى قومه حتى لا يموتوا عطشا وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾: أي دعا ربه، أن يهيئ لهم وسائل السقيا والري.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾: أجاب الله موسى ﵇ فى طلب السقيا، ودله
على الطريقة التي تحقق رغبتهم، وتكون معجزة له أَمام قومه فقال له: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾، فضرب موسى الحجر ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ بعدد الأسباط: وهم ذرية يعقوب من أولاده الاثنى عشر. والمراد بعصا موسى: العصا التي ضرب بها البحر فانفلق، وكان كل فرق كالطود العظم. وهي معجزته الكبرى. والمراد بالحجر: أَي حجر، كما قال الحسن: ضربه فانفجر منه الماء، وهذا أَبلغ في الإِعجاز وأبين في القدرة.
والمراد من انفجار تلك العيون من الحجر، خروج الماء الغزير- بقوة- من اثنى عشر مكانا، في الحجر الذي ضربه موسى ﵇ بعصاه. ونلك نعمة كبرى، من نعم الله عل بني إسرائيل.
стр. 110
وقد يقال: إن الله قادر على أن يمنحهم الماء بدون ضرب الحجر. بالعصا، فلماذا لم يفعل؟.
والجواب: أن الله تعالى، أراد أن يبين لهم كرامة نبيهم موسى على الله تعالى، ويؤَكد لهم نبوته: بإجراءِ تلك المعجزة على يديه، بمجرد ضربه الحجر بعصاه، حتى يقوى إيمانهم بنبوته، التي يتشككون فيها من آن لآخر.
وقد مرَّ قريبا أنهم قالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ كما أن فيها تثبيت إيمانهم
باللهِ، لأنه إيمات يتزلزل هن آن لآخر. فقد مرَّ قريبًا: أنهم أشرِبوا في قلوبهم حبَّ عبادة
العجل، مع عظيم آيات الله التي مرت بهم، والتي من شأنها أن تصرفهم عن الكفر به. ومن أقواها:
شقه البحر لهم، وعبورهم إلى سيناء - في طرق يابسة- بين حوائط من ماء.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾: أي قد علم كل ناس من الأسباط، محل شربهم من تلك العيون. فقد خصص لكل سبط منهم عين، حتى لا يحدث خلاف بينهم على الماء، فهم أهل خلاف وشقاق.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ أي قلنا لهم: كلوا المن والسلوى، واشربوا من رزق الله الذي تفضل به، فجمع لكم بين النعمتين المتلازمتين، بحيث تحصلون عليهما في يسر وسهولة، وذلك من أجلّ النعم وأعظمها.
وقوله: ﴿مِنْ رِّزْقِ اللَّهِ﴾: إشارة إلى أن الأكل والشرب نعمة متمحضة من جانب الله تعالى، لا دخل لعملهم في الحصول عليها.
ثم عقب الأمر بالأكل، والشرب بالنهى عن الفساد، فقال: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾
فإن من شأن النعمة أن تستحثهم على الطاعة والاستجابة للمنعم سبحانه، في نهيه
لهم عن الإفساد في الأرض، فقد هيأ لهم ما يكفهم عنه.
والعثو: الإفساد. فقوله بعد ذلك: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة، لأن المعنى وأحد لكل من العثو والافساد، ولكن لو نظرنا إلى أصل معنى العثو وهو: مجاوزة الحد مطلقا، فسادا أو غيره، يكون التعبير بلفظ ﴿مُفْسِدِينَ﴾ لتعيين المراد من العثو.
стр. 111
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾
المفردات:
﴿بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾: البقل، النبات الرطب، مما يأْكله الناس والأَنعام، والمراد به هنا: أطايب البقول التي يأْكلها الناس.
والقثاء: هى المعروفة. وقال الخيل: هى الخيار.
والفوم: الحنطة وسائر الحبوب التى تخبز، قاله الزجاج. وقال الكسائى: هو الثوم. أبدلت ثاؤُه فاء، وهو بالبصل والعدس أَوفق، وبه قرأَ ابن مسعود.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾: أى رجعوا به.
التفسير
٦١ - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ … ﴾ الآية.
في هذه الآية بيان حال آخر من أَحوال بني إسرائيل، الناشئة عن العناد والبطر والشهوة فقد كانوا في التيه حينئذ، وقد أَكرمهم الله فيه، فجعل طعامهم المن والسلوى. ولكنهم بطروا هذه النعمة، وطلبوا دونها.
стр. 112
قال الحسن: كانوا يأْكلون في مصر البقل والعدس والبصل، فحنُّوا إليه، أو ذلك مكرٌ منهم، فهم يحتالون بطلبه؛ ليعودوا إلى مصر، فإِنها تنبت ما طلبوا.
وقولهم لموسى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾: تفوح منه رائحة مكرهم وخبثهم؛ لأَنهم -وهم في التيه- يعلمون أَنهم في صحراء: لا تنبت ما طلبوا، ولذلك لم يتجه سيدنا موسى إلى أَن يطلب من الله أَن يخرج لهم هذا النبات معجزة في أَرض الصحراء، ولو أَنهم طلبوا تغيير طعامهم -لملل من استمرارهم على طعام واحد- لما أَصابهم لوم وتأْنيب.
ولعل حكمة حبسهم في التيه، أَن يبعدوا عن الاتصال بأَهل مصر، حتى ينسوهم وينسوا عقيدتهم التي شاركوهم فيها، وعى عبادة العجل، ويتهأوا للطاعة والامثتال لما أَمرهم به موسى، من عبادة الله الواحد الديان.
وقد شرحنا في المفردات: البقل والقثاء والفوم.
وأَما العدس: فهو من الحبوب المعروفة بمصر، وكان طعاما محبوبا لبنى إِسرائيل وأَنبيائهم. والبصل: معروف بمصر وغيرها.
﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾: أَى قال لهم موسى مُتَعَجِّبًا من طلبهم: أَتستبدلون الطعام الذي هو أدني وأَقل قيمة، بالمن والسلوى الذي هو خير وأَلذ: فالباءُ في قوله: ﴿بِالَّذِي﴾ داخلة على الذي يريدون تركه، و هو المن والسلوى.
قال تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ المراد من الهبوط: مجرد الانتقال، فإِنه كما يقال على النزول من أَعلى إلى أَدنى، يقال أَيضا على مجرد الانتقال من مكان إلى آخر. ويجوز أَن يراعى المعنى الأَصلى: وهو النزول من أَعلى إِلى أدنى، بأَن يكون التيه أعلى مكانًا من المصر، أو أَن يراعى نزولهم من أَعلى إلى أَدنى في الرتبة، تبعا لطلبهم الأَدنى من الطعام، بدل أَرقاه وأَعلاه، قيل: و هو الأَنسب بالمقام.
والمصر: البلد العظيم، والمراد به أَى بلد زراعى من ريف الشام، حيث يتيسر فيه وجود ما طلبوا من الطعام، أَمرهم بذلك؛ لخلو الصحراءِ منه. وقيل المراد به: مصر فرعون. وسواءٌ أَكانوا في التيه
стр. 113
أم في المصر، فوجودهم في أَيهما، وجود هجرة وإِيواءٍ لا وجود تملك، فلا يكتسبون به حق انتزاعه من أهله العرب، كما يدعون.
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾: معنى ضربت عليهم الذلة؛ أُحيطوا بها من كل جانب. مأْخوذ من ضرب القبة والخيمة، أَي: إِقامتها، فالذلة كأَنها محيطة بهم، إِحاطة الخيمة بمن ضربت عليه، أَو ألصقت بهم الذلة، مأْخوذ من ضرب الطين على الحائط، والذلة: الصغار والضمة، ويقابلها العزة والإِباء. والمسكنة هنا: فقر النفس.
والمعنى: أَنهم جبلوا على الصغار والخسة وفقر النفس، فقد تربوا عليها فى خدمة سادتهم أهل مصر، وصارت من طبعهم، فاستخدموها في كل زمان لنيل مآربهم الخبيثة.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: أَى رجعوا به، أَو صاروا مستحقين له بسوءِ أَعمالهم.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: أَى ذلك الذي استحقوه -من ضرب الذلة والمسكنة وغضب الله- بسبب أَنهم كانوا يكفرون بآيات الله الكونية، والتنزيلية، -ومن جملتها: فلق البحر، وإظلال الغمام، وإِنزال المن والسلوى، وانفجار العيون من الحجر- وإِخفاء آية الرجم، ونعت محمد في كتابهم. وبسبب أَنهم يقتلون الأَنبياءَ بغير حق، كما فعلوا بأَشعياءَ وزكريا ويحيى ﵈. وفائدة تقييد قتلهم بأنه بغير حق -مع أَن قتل الأَنبياءِ يستحيل أَن يكون بحق- للإيذان بأَنه عندهم فى دينهم كذلك، فهم فعلوه عمدا، معتقدين أَنهم يرتكبون إِثما فى دينهم، إِذ لم يروا منهم ما يقتضيه، وما حملهم عليه إِلا اتباع الهوى، والغلو في العصيان والاعتداء، كما يفصح عنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾: أَى ذلك الكفر منهم بآيات الله وقتلهم للأَنبياءِ بغير الحق -بسبب أَنهم درجوا على العصيان، ومداومة الاعتداءِ، ومجاوزة الحدود، حتى قست قلوبهم فاجترءُوا على الكفر بآيات الله، وقتل الأَنبياءِ. فإِن الاستمرار على صغار المعاصى، يؤَدى إلى الاجتراءِ على كبارها، كما أَن الاستمرار على الطاعات، يستتبع تحرى كبارها.
فلهذا ينبغى تخول الناس بالموعظة، ونهى العصاة عن المنكر، أَولا فأَولًا، حتى لا يصير عندهم -بطول الممارسة- مرضا يستعصى علاجه.
стр. 114
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾
المفردات:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: صدقوا برسالة محمد ﷺ ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾: أي الذين دانوا باليهودية؛ دين موسى ﵇ ويطلق عليهم اسم اليهود.
﴿وَالنَّصَارَى﴾: من ينتسبون إلى النصرانية؛ دين عيسى ﵇ وهو جمع واحده نصران ومؤَنثه نصرانة.
وهذا الاسم مأْخوذ من الناصرة، التى سكنتها السيدة مريم بعد عودتها بعيسى من مصر وهو مراهق -وكانت سنه حينئذ اثنتى عشرة سنة- كما قيل. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: من يخرجون من دين إلى دين، مفرده صابئ، وسيأتي بسط الحديث عنهم في التفسير.
التفسير
٦٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
جاءَت هذه الآية الكريمة عقب وصف اليهود باستحقاق غضب الله، بسبب كفرهم وقتلهم الأَنبياءَ بغير حق، لتشعرهم بأن غضب الله عليهم وما يستتبعه من عقاب يمكن رفعه عنهم وحلول الرضا محله، وفوزهم بالأَجر الجزيل بلا خوف من عقاب، ولا حزن على فقدان ثواب، إن هم آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحا.
وقد شاءَ الكريم المنان، أَلا يحرم من هذه المنة غيرهم، فعم بها النصارى والصابئين، ويدخل في حكمهم مَنْ دان بأَى دين آخر، أَو كان ممن لا دين لهم، فكل من آمن بعد كُفر، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
стр. 115
والمراد بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: من قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤْمن قلوبهم. بدليل نظمهم في سلك الكفرة، وبدليل قوله في آخر الآية: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإن المقصود به طلب الإيمان من جميع مَنْ دُرِجُوا في الآية. وقد ذهب إلى هذا الرأى سفيان الثورى ﵁.
وقيل هم المتدينون بدين محمد - على الله عليه وسلم - مخلصين أو منافقين، واختاره القاضى، ولكن هذا الرأى يقتضى أَن يكون ﴿مَنْ آمَنَ﴾ بمعنى: من استمر على الإيمان -بالنسبة إلى المخلصين، وبمعنى: من أَحدث الإِيمان -بالنسبة إلى المنافقين وغيرهم من الكفار- فيكون الإيمان محمولا على معنيين مختلفين، وفيه خلاف بين العلماءِ والرأى الأول أَقل مؤْنة كما قال الآلوسى -يعنى بذلك أَنه لا تكلف فيه فيكون أَرجح.
والمراد بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾: اليهود والمسيحيون. فهؤُلاءِ وأُولئك مطلوب منهم الإِيمان بالله واليوم الآخر، لأَن إِيمانهم بهما كلا إيمان. فإيمانهم بالله مشوب باتخاذهم لله ولدا، ووصفه بأَوصاف البشر، وفيهم من وصفه بما يتنزه عنه كرام الناس، كالخطإِ فيما يصنع، والندم على الخطإِ. وكمصارعة الله للبشر طول الليل.
كما أَن إِيمانهم بالله مشوب بكفرهم بخاتم المرسلين محمد ﷺ ومن كفر برسول ربه فقد كفر بربه، كما أَن إِيمانهم باليوم الآخر -ليس على النحو المقرر في الشرائع السماوية الحقة.
وأَما الصابئون فهم أهل دين غامض. ولذا اختلف العلماءُ في بيانه، فمنهم من قال: هم قوم يقدسون الروحانيات ويتخذون لها وسائط يعبدونها، لتقربهم إليها، وقد انقسموا فيما يعبدون إِلى فرق: فرقة منهم تعبد السيارات من الكواكب، وأخرى تعبد الثوابت منها، وثالثة تعبد الأَوثان.
ونقل النويرى في جـ ١ من نهاية الأَرب. تحت عنوان -عُبَّاد الشمس- أَن عُبَّاد الشمس طائفة في الهند. وأَن مذهبهم هو مذهب الصابئة.
ونقل الآلوسى عن أَبى حنيفة أنهم ليسوا عبدة أَوثان، بل يعظمون النجوم. كما تعظمُ الكعبة.
نقول: ولعل الغرض من هذا التشبيه، أَنهم يجعلونها قبلة لهم لا معبودا. فهم يعظمونها تعظيم القبلة.
стр. 116
وقيل هم قوم موحدون، لكنهم يعتقدون تأْثير النجوم، كما قيل إنهم يؤْمنون ببعض الأَنبياءِ كيحيى ﵇، ومن أَغرب ما قيل فيهم أنهم يعبدون الملائكة ويصلون إلى الكعبة.
وقيل إنهم أَخذوا طرفا من كل دين، وهذا أَليق باسمهم، فإِن الصابئ من خرج من دين إلى دين.
والكلام في فرقهم، وفيما قيل في دينهم كثير. وحسب القارئ ما قدمناه (١) وهم على أَى اعتبار مطالبون بالإِيمان بالله واليوم الآخر، فإِن إيمانهم بالله -لو صح- مَخْلُوط بعقائد وثنية، كشأْن المشركين وأَهل الكتاب.
وقد قررت الآية الكريمة أَن من آمن بالله من جميع الطوائف، إيمانا لا يشوبه شرك ولا تجسيم ولاتشبيه ولا ادعاء ولد له سبحانه، وآمن أَيضا باليوم الآخر، وما فيه من بعث وحشر وحساب وجزاءٍ، وضم إلى هذا الإِيمان العمل الصالح، فلهم أَجرهم اللائق بإِيمانهم -عند ربهم- ولا خوف مما كانوا فيه من كفر، ولا هم يحزنون على فوت ثواب -فإن الإيمان يغفر ما سبقه من الكفر والخلاصة أن هذه الآية -بهذا التوجيه- تدعو تلك الطوائف إِلى اعتناق الإِسلام، فهو الذي قرر الإِيمان بالله على الوجه الخالص من الشرك وشوائب النقص ومشابهة البشر، كما قررت الإِيمان باليوم الآخر، وما فيه من العدل الكامل لله، فلا تمييز فيه بين ذرية الأَنبياءِ وغيرهم، ولا بين طائفة وأُخرى، ولا بين إِنسان وإِنسان، فلا يحق لطائفة أَن تدعى أَنهم أَبناءُ الله وأَحباؤُه، وأَن النار لن تمسهم إلا أَياما معدودات، ولا غير ذلك من الدعاوى المناقضة لعدل الله، أو التى تنافى ما قرره الإِسلام من شئون الحياة الأخروية وأَحداثها.
كما قررت وجوب العمل الصالح على نحو ما قرره الإِسلام "فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٢) " وقد ضرب النبي ﷺ أَروع الأَمثال فى العمل الصالح، هو وآل بيته، وما أَعظم قوله لابنته فاطمة الزهراء: "يا فاطمة ابنة محمد: اعملى فإنى لا أُغنى عنك من الله شيئا (٣) ".
стр. 117
ويمكن تأْويل الآية بمعنى آخر وهو ما يلي:
إن الذين آمنوا بالله إيمانا صادقا واليهود والنصارى والصابئين، من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا هن هؤُلاءِ -وهم الأَولون- فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم من عقاب ولا هم يحزنون من فوت ثواب، أَما غيرهم ممن يدعون الإيمان فإِنهم معاقبون لكفرهم بالله واليوم الآخر، فإن إِيمانهم بالله مشوب بالشرك وشوائب النقص وإيمانهم بالآخرة مشوب بدعاوى كاذبة، فسقط هذا الإِيمان من حيِّز الاعتبار، إِذ لا فرق بينهم وبين المشركين، فهم مثلهم مؤْمنون بالله، ولكنهم كفار في جميع الأَديان -لشركهم- فأَى فرق بينهم وبين المشركين الذين حُكِمَ بكفرهم.
وعلى هذا التأْويل، لا تؤْخذ دعوة الطوائف غير المؤْمنة إلى الإيمان من هذا النص، بل من قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ (١)﴾
وقد أَساءَ فهم هذه الآية بعض الملحدين، فزعموا أَنه يمكن تحقيق الإيمان من هذه الفرق غير المسلمة، مع بقائها على دينها، وهذا الزعم باطل، لأَنها جميعا كَافرَة في نظر الإِسلام لما تقدم، لقوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ" (٢)، وغير ذلك من النصوص.
وبما أن الإِيمان لا يتحقق إلا بالإِيمان بالله وجميع رسله وفيهم محمد ﷺ لقوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا" (٣) فلهذا تحدد الإِيمان المطلوب في الآية وهو الإيمان بالدين الإِسلامى. فلابد من اعتناقه. وجمع بين الإِيمان بالله واليوم الآخر، لأَهمية الإِيمان باليوم الآخر في تثبيت دعائم الإيمان بالله وإتقان العمل الصالح، فلو لم يؤْمن المكلف باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاءٍ لما اهتم بالإِيمان بالله والعمل الصالح، فإِن النفس البشرية لا يوقظها من غفلتها إلا الجزاءُ، فالإيمان بالله واليوم الآخر هو أَساس العمل الصالح.
стр. 118
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾.
المفردات:
﴿مِيثَاقَكُمْ﴾: عهدكم.
﴿الطُّورَ﴾: لغة، الجبل، والمراد به: جبل معين بسيناءَ.
﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾: أَى من الشريعة.
﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجد وعزيمة.
التفسير
٦٣ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ … ﴾ الآية.
هذا بيان لنعمة أُخرى أَنعمها الله على اليهود، مع بيان حالهم فيما عرض عليهم من التكاليف -أَى واذكروا وقت أَن أَخذنا عليكم العهد: بأَن تتبعوا موسى وتعملوا بالتوراة التى يجيئكم بها من عند الله. ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ تخويفًا لكم. فعن أَبي حاتم عن ابن عباس أَن موسى ﵇ لما جاءَهم بالتوراة وما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأَبَوْا قبولها، فأَمر الله جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا، لأَنهم ظنوا أَنه واقع بهم.
والطور: اسم للجبل مطلقًا، والمراد به هنا: جبل معين وهو الذي كَلَّمَ الله نَبيَّهُ موسى عليه.
﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾:
المراد من القوة: الجد والاجتهاد كما قاله ابن عباس، أى قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بجد واجتهاد مع حسن النية والإخلاص، فإن ذلك يدفعهم إِلى النظر في الآيات حتى يقتنعوا ويحسنوا العمل.
стр. 119
وهنا سؤَال و هو: أنه يؤْخذ من الآية أَن إيمانهم كان بالإِلجاءِ والإِكراه، وهذا ينافى التكليف الذي يقوم على الاختيار، فهو الذي يكوِّن العقيدة الصحيحة المبنية على الإِقناع، ولهذا قال تعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ … " (١). وقال لنبيه وكان حريصًا على إيمان الناس: " … أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (٢).
والجواب: أَن الاختيار كان موكولا إليهم في كل عروض الإِيمان عليهم، فلما لم يمتثلوا، كانت آيات التخويف لهم بمنزلة مشروعية القتال للكفار، لإصلاح حالهم مع الله تعالى، فإن الحكمة تدعو إلى الأَخذ بالقوة إذا فشل النصح والإِرشاد، ولهذا ينبغى أَن يؤَدب الوالد بالقوة ابنه المعوج السلوك، الذي لم يُجْدِهِ تكرار النصح، حتى لا يستمر فساده.
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: أي بعد أَخذ الكتاب بقوة، ادرسوا ما فيه وداوموا على تذكره، حتى يرسخ في قلوبكم، فإِذا فعلتم ذلك، صفت قلوبكم، وارتقت في السلوك إِلى ربكم، حتى تكونوا في مقام الرجاءِ والاطمئنان، لاتخاذ وقاية من غضب الله.
وفي الآية دليل على أَن مجرد العلم غير كاف. بل لابد من الدراسة والمتابعة حتى يكون تذكر الإنسان للعلم من دوافع العمل بما علم، فإذا فعل وطبق علمه على عمله، كان ذلك كفيلا بالوصول إلى مقام التقوى التي هى خير الزاد كما قال تعالى: " … وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ" (٣).
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.
المفردات:
﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: أعرضتم عن الوفاء بالعهد.
﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: أي من المعاقبين، بسبب نقضكم للعهد.
стр. 120
التفسير
٦٤ - ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ … ﴾ الآية.
أَى ثم أَعرضتم، من بعد أَخذ الميثاق عليكم وقبولكم إِياه، وذلك نقض للعهد، تستحقون من أَجله العقاب.
﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: بتوفيقه إِياكم للتوبة ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: أَى لصرتم من الخاسرين لسعادة الدنيا: بالطمأْنينة والأَمن والتمكن في الأرض، ولسعادة الآخرة: بالعقاب وفوت الثواب.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.
المفردات:
﴿اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾: السَّبت؛ هو اليوم المعروف، واعتداؤُهم فيه تجاوزهم في حكمه كما سنبينه.
﴿خَاسِئِينَ﴾: صاغرين مطرودين.
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾: في المختار؛ نكل به تنكيلا: أَى جعله نكالا وعبرة لغيره. والمراد: جعلنا عقوبتهم عبرة لغيرهم، تنكلهم وتمنعهم عن مثل ما فعلوا.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾: للمعاصرين -لها ولمن بعدها- من الأُمم.
стр. 121
التفسير
٦٥ - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ … ﴾ الآية.
ورد الخبر هنا، مؤَكدا بلام القسم وقَدْ، لتحقيق علم اليهود بما جاءَ فيه. والخطاب لليهود المعاصرين للنبى ﷺ والمعتدون فيه هم آباؤُهم، واعتداؤُهم فيه: أَن يوم السبت جعله الله لهم يوما مخلصًا للطاعة، بحيث لا يشتغلون فيه بالاسترزاق. ولذا حرم عليهم فيه صيد السمك. فكانت الحيتان تأْتيهم يوم سبتهم شُرَّعًا، ويوم لا يسبتون لا تأْتيهم على هذا النحو. فلما رأوا ذلك، خالفوا النهى، واصطادوا السمك فيه، كما قاله الحسن، أَو احتجزوه من يوم السبت إلى يوم الأَحد ببعض الحيل كما قال غيره. ولما كان احتجازه من يوم السبت إِلى الأَحد، لا يفترق عن صيده في يوم السبت من جهة المقصود، اعتبر اعتداء في السبت.
وسواءٌ أَكان اعتداؤُهم بهذا أَم بذاك، فقد عاقبهم الله. وذلك لقوله سبحانه: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
روى النسائي عن صفوان بن عسَّال قال: قال يهودى لصاحبه: اذهب بنا إِلى هذا النبي، فقال له صاحبه: لا تقل: نبى؛ لو سمعك، فإن له أَربعة أَعين. فأَتيا رسول الله ﷺ وسأَلاه عن تسع آيات بينات، فقال لهم: "لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببرئٍ إلى سلطان، ولا تسحروا، ولا تأْكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تولوا يوم الزحف، وعليكم -خاصة يهود- أَى لا تعدوا في السبت" فقبَّلوا يديه ورجليه وقالوا: نشهد أَنك نبي. قال: "فما يمنعكم أَن تتبعونى"؟ قالوا: إِن داود دعا، بأَن لا يزال من ذريتى نبى، وإنا نخاف إن اتبعناك أَن تقتلنا يهود.
وأخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
стр. 122
والاعتداءُ في السبت كان من بعضهم، ولم يكن من الكل. ولذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ﴾ فمِن: في قوله ﴿مِنْكُمْ﴾ للتبعيض، أَى علمتم اعتداءَهم، أَو علمتموهم بأعيانهم.
واختلف في المراد من قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فقيلَ: إنه على الحقيقة. وإِنَّ الله حولهم قردة. وقِيلَ: إنه مجاز عن مَسخ قلوبهم، وصرفها عن الخير.
وهذا الرأْى أَولى من سابقه. وبه أَخذ بعض السلف.
فقد روى ابن جرير عن مجاهد أَنه قال: "ما مسخت صورهم، ولكن مسخت قلوبهم، فلا تقبل وعظا، ولا تعى زجرا" وذاك على حد تمثيلهم بالحمار في قوله تعالى: "مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا … " (١)
ولا شك أَن الإِنسان الذي ينقاد لشهواته، وليس له وازع من دينه، يمسخ قلبه، فيصبح كالحيوان: منقاد لغرائزه وشهواته كلما دعته.
وفي مثله قوله تعالى: " … إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا" (٢).
والمعنى: فقلنا لهم كونوا أَذلاءَ محتقرين كالقردة. واليهود كذلك فى المجتمعات الفاضلة، ولذا قال عقبه: ﴿خَاسِئِينَ﴾ أَى: أذلاءَ مطرودين، من خسأَ الكلب: بَعُدَ وطُرِدَ.
٦٦ - ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ … ﴾ الآية.
هذه الآية مرتبة على قوله: "كُونُوا قِرَدَةً" أَى فترتب على عقوبتهم المذكورة: أَن جعلناها نكالا، أَى عبرة تنكل المعتبر بها. أى تمنعه من فعل مثلها،، وتزجره عنه.
والمراد من قوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ لمعاصرى هذه العقوبة، ومَنْ بعدهم.
وهذا هو المروى عن ابن عباس وغيره.
﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أَى: تذكيرا لهم، وهم من يقُون أَنفسهم من عقاب الله من كل أُمة، أَو من أُمة محمد ﷺ أَو من بني إِسرائيل. وخص المتقين، لأَنهم هم الذين ينتفعون بالمواعظ.
стр. 123
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾.
المفردات:
﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾: أَتجعلنا موضع استهزاء، أَى سخرية.
﴿لَا فَارِضٌ﴾: غير مسنة.
﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: وغير فتية.
﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾: نَصَفٌ: بين المسنة والفتية.
﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾: الفاقع، هو شديد الصفرة.
﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: لحسنها.
﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾: أي إِن البقر الفاقع، الذي هو وسط بين الفارض والبكر.
﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ لاشتراك كل بقرة مع مثيلتها في الأَوصاف المطلوبة، فلا نستطيع أَن نفرق بين البقر فيها، حتى نحصل على البقرة المطلوبة.
стр. 124
﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾: إِلى عينها لنذبحها، يظهرون بقولهم هذا، أَنهم يريدون معرفة ما وقعت مشيئة الله عليه من هذا النوع من البقر، بذكر وصف مميز للمطلوب.
﴿لَا ذَلُولٌ﴾: أَى ليست مذللة وميسرة.
﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾: أَى نقلبها بالمحراث.
﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾: أَى لا تروى الزرع.
﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: سليمة من العيوب وآثار العمل.
﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: لا لون فيها يخالف لون معظم جلدها.
﴿جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾: جئت بحقيقة وصف البقرة، ولم يبق فيها إشكال.
﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾: وما قربوا من أَن يذبحوها لغلاءِ ثمنها أَو خوف الفضيحة.
التفسير
٦٧ - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً. . .﴾ الآية.
في الآيات السابقة، كان الله يذكرهم بالنعمة، ثم يذكر مخالفتهم وما وقع لهم من العقوبة، وأَنهم يتوبون فيقبل الله توبتهم: فضلا منه ورحمة.
وفي هذه الآية وما بعدها، بين موقفهم من ذبح البقرة التى أَمرهم أَن يذبحوها؛ ليستبينوا المجرم في جريمة قتل حدثت بينهم.
وتفصيل ذلك: أنه قتل في بني إسرائيل قتيل، وأَخفى القاتل نفسه، وجعل كل منهم يدرأُ التهمة عن نفسه، فسألوا موسى أَن يدعو ربه لمعرفة القاتل الحقيقى، فسأَل موسى ربه، فطلب منه أَن يأْمرهم بذبح بقرة؛ ليضربوا المقتول ببعضها، فيحيا، ويكلمهم بذكر اسم القاتل.
وستجد السبب في أمرهم بذبحها، عقب استيضاحاتهم في شأْن البقرة التى أُمروا بذبحها، وذلك في قوله تعالى: "وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا … " وكان حقه أَن يتقدم حسب ترتيب الوقائع.
فلماذا جعل آخر القصة أولها، وجعل أَولها آخرها، حتى بدت كأَنها قصتان؟
стр. 125
والجواب: أنه قدم قصة الذبح أَولا، لأَمرين اقتضتهما بلاغة القرآن.
الأَول: عناية القرآن بتصوير مخالفتهم، وما تعودوه من عنت ومعارضة لنبيهم موسى، ليسجل عليهم حرصهم على العناد، ولو كان فيما طلبوه مصلحة لهم، وقصة الذبح ظاهرة في ذلك.
والثانى: أَن تقديم قصة الذبح، يهيئ النفوس لاستطلاع السبب، فيكون ذكر السبب -بعد ذلك- أوقع في النفس؛ لاستشرافها وتطلعها إلى معرفته.
على أَن القرآن الكريم -حين يذكر الحوادث أَو القصص- فإِن ذلك لمجرد العبرة بما فيها، دون اهتمام بالترتيب الزمنى، حيث لا يكون له شأْن في بيان الهدف المقصود من الآيات.
هذا، وللعناية بقصة البقرة وما فيها من العبرة، سميت هذه السورة الكبيرة باسمها.
* * *
ويمكن أَن تكون قصة الذبح مستقلة عن قصة النفس المقتولة، فهما قصتان بيانهما فيما يلى:
القصة الأُولى منهما: سيقت للإِيذان بأَن بني إسرائيل، كانوا لا يزالون على عهدهم، في تقديس البقرة التى كانوا يعبدونها هم وسادتهم المصريون، فلذا أمرهم الله تعالى بذبح بقرة، حتى يزيلوا من أَنفسهم عقيدة حبها وتقديسها؛ فإنهم كانوا لا يذبحونها ولا يأْكلون لحمها، فلما أمرهم بذبحها، تَلَكَّأُوا في تنفيذ ما أُمروا به، خوفا من ذبح ما كانوا يعبدون، فجعلوا يراوغون بالأَسئلة المتنوعة عنها، لعلهم يفلتون بالمراوغة من ذبحها. ولكن الله تعالى كان يجيبهم على أَسئلة المراوغة، بتحديد الأَوصاف التى طلبوا تحديدها، حتى لم يجدوا مفرًّا من ذبحها، فذبحوها وما كادوا يفعلون.
وبذلك زالت عقدة تقديسها من نفوسهم. ومما يساعد على هذا الفهم، عبادتهم العجل الذي صنعه لهم السامرى من حليهم. مع أَن الله وحده هو الذي نجاهم مما كانوا فيه. فحقه أن يعبد دون سواه.
стр. 126
وأما الثانية منهما: فهي خاصة بنفس قتلوها وجُهِلَ القاتل، فأرشدهم الله إلى أَن يضربوا المتهم ببعض نفس القتيل، وعلى هذا فمعنى قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ فقلنا اضربوا المتهم ببعض نفس القتيل فالضمير المؤَنث في قوله: "بِبَعْضِهَا" يعود على النفس المقتولة، فإذا كان المتهم هو القاتل، وضرب بجزءٍ من القتيل، فإنه ينهار ويعترف.
ذلك هو الغرض من التكليف بضربه ببعض النفس المقتولة.
ومعنى قوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ عَلى هذا الوجه: كذلك يحييها بالقصاص.
لكن الوجه الأَول الذي جَعَلَهُماَ قصة واحدة -أَظهر في فهم الآيات؛ لقوله في ختام موضوع القتيل: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فإنه يؤذن: بأَن ما تم في شأْن القتيل من الآيات المادية. التي تدل على قدرة الله تعالى بصفة عامة.
وقدرته على إحياءِ الموتى حقيقة وبعثهم بصفة خاصة. وذلك يستدعيه حال اليهود من شئون الله جل وعلا، فإِنهم لا يزالون متأَثرين بعقائد الشرك القديمة.
ولا شك أَن القرآن الكريم، عودنا أن يبرز لنا صورا حسية -من الآيات الواقعية-
على إمكان البعث، كما فى قصة أصحاب الكهف. وقصة الذى أَماته الله مائة عام ثم بعثه.
فقصة البقرة هذه منها. وليست عجيبة على قدرته تعالى. والله أَعلم.
وقد ذكرنا هذه المقدمة، قبل الشروع في تفسير الآية؛ لأنها تزيح ما عساه أَن يقع فى بعض الأَذهان، من تساؤل عن عكس ترتيب الوقائع.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾: من عطف قصة على قصة بالواو، أَى واذكر يا محمد الوقت الذى قال فيه موسى لقومه. والأَمر هنا لكل من يصلح للخطاب، ليعرف ما كان عليه بنو إسرائيل من اللجاجة والعناد، والفرار من الرشاد ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ليكون ذلك وسيلة إلى معرفة القاتل، وأَكد الخبر بلفظ (إنَّ) لما تعوده موسى
стр. 127
من معارضتهم وإِنكارهم. وتنكير لفظ ﴿بَقَرَةً﴾ يشير إلى أنهم لو ذبحوا أيَّة بقرة بعد الأمر لكفَتْهُم، ولكنهم -كعادتهم- شددوا بتكرار الأَسئلة، فشدد الله عليهم (١).
وقوله: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾؟ استئناف بيانى، كأَن سائلا قال:
ماذا قال بنو إسرائيل لموسى، بعد أَن أَمرهم بذبح البقرة؟ فكان الجواب: قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ وهزُوًا: أَي سخرية، وهو بتقدير مضاف أَي: موضع هزو.
استبعدوا أن يكون ذبح البقرة له صلة بتبرئة المتهم بالقتل، فظنوا -لجهلهم- أنه يسخر بهم، فسأَلوه مستنكرين ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ وكان حقهم أَن يمتثلوا، ولا يقولوا ما قالوا. فقد عرفوا في رسولهم الجد في أَمره كله، ولاسيما ما ينقله لهم عن الله تعالى، ولكن غلب عليهم سفههم، وخفة أحلامهم، وجهلهم بعظمة الله تعالى.
﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ لأَن مثلى -وهو مكلف من الله بإرشادكم- لا يكون سفيها مستهزئا، فإن ذلك من شأْن الجاهلين، والمراد بالجاهلين هنا: الذين يضعون الشئَ في غير موضعه؛ قولا أَو فعلا.
٦٨ - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾:
﴿قَالُوا﴾ لموسى -بعد أن عرفوا من جوابه عين الجد-: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ ظاهر قولهم: ما هى؟ أنهم يسأَلون عن حقيقة البقرة. ولكن هذا الظاهر غير مقصود؛ فإِنهم لا يجهلون حقيقتها، فمرادهم السؤَال عن صفتها، حتى يعينوا المطلوب ذبحه من نوعها.
وكما يسأَل بما عن الحقيقة، يسأَل بها أَيضًا عن الصفة، وتقول: ما زيد، فيقال عالم أو طبيب.
стр. 128
لذلك أَجابهم موسى ﵇، ببيان صفة البقرة؛ ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾: لم يكن هذا الجواب من تلقاءِ نفس موسى، بل من ربه ليخبرهم به والفارض من البقر: الكبيرة المسنة التي فرَضتْ سنها، أَى قطعتها وأَتمتها، فانقطعت ولادتها، ويقال لكل ما قدم وطال أَمره: فارض. والبكر من البقر: الفتية الشابة. والمراد من البكر في قوله: "وَلَا بِكْرٌ"؛ الصغيرة التى لم تلد، أى لا هى مسنة ولا هى صغيرة، بل ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾: أَي نَصَفٌ ووسط: بين الكبيرة التى نهكها العمل وبين الصغيرة الضعيفة، و ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة راجع لما ذكر من الوصفين: الفارض والبكر، وبما أن مرجعه متعدد من جهة المعنى. صح قوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾. إذ كلمة ﴿بَيْنَ﴾ تقتضى التعدد، وقوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ تفريع على ما قبله.
وفيه تجديد للأَمر السابق، وتأْكيد له وتنبيه لهم على ترك التعنت.
٦٩ - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا … ﴾ الآية.
اللون: هو الهيئة التى تعطى صفة البياض أَو السواد أو الصفرة أَو نحوها. وقد طلبوا من موسى ﵇ أن يدعو ربه. راجيا أَن يبين لهم لون البقرة؛ تعيينا للمطلوب ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ الفقوع: أشَد ما يكون من الصفرة وأَبلغه، ولذا يكون وصف الصفرة به للتأْكيد. كأَمس الدابر. وكما يختص الأَصفر بالفاقع، يختص الأَسود بالحالك، والأَخضر بالناضر، والأَحمر بالقانى، والأَبيض بالناصع. ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: أَى تعجبهم وتشرح صدورهم، لشعورهم باللذة القلبية لحسن منظرها. وجمهور المفسرين يقولون: إن الصفرة من الأَلوان السارة.
وكلما وجد بنو إِسرائيل أَوصاف البقرة مشتركة في كثير من البقر، سأَلوا مرة أُخرى، ما حكاه الله عنهم بقوله:
٧٠ - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.
стр. 129
كرروا سؤَالهم الأول لطلب الاستكشاف الزائد، وبينوا علة التكرار بقولهم: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾: لاشتراك كثير من البقر فيما ذكر من الصفات، وقولهم بعد هذا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾: فيه تخفيف لصورة عنادهم، وإتيانهم بالمشيئة لتحسين الظن بهم.
وفي الحديث: "لو لم يستثنوا -أَى بقولهم إن شاءَ الله- لما بينت لهم صفتها إلى آخر الأَبد" أَخرجه ابن أَبي حاتم عن أَبي هريرة مرفوعا موصولا وابن جرير عن ابن عباس مرفوعا معضلا وغيرهما.
وقولهم: ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾: أَى إلى المطلوب ذبحه منها، أَو إلى معرفة القاتل بسببها. وقد أَجابهم سيدنا موسى بما حكاه لهم عن ربهم بقوله:
٧١ - ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا … ﴾ الآية.
أَى غير ميسرة لحرْث الأَرض، وسقْى الزرع، فَلفظ ﴿لَا﴾ بمعنى: غير. ومعنى ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: أَى سلَّمها الله من العيوب. ومعنى ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: لا لون فيها يخالف جلدها الأَصفر، والشية في الأَصل، مصدر: وَشَاهُ يَشِيه وَشْيًا وشِيَةً، إذا خلط لونه بلون آخر.
وإلى هنا عينت البقرة بأَوصافها تعيينا تامًّا، فانقطعت أَسئلة الاستفهام.
فماذا كان موقف السائلين من بني إسرائيل؟
الجواب في قوله تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾: أي جئت بحقيقة وصف البقرة، ولا وجه لنا في طلب الإِيضاح بعد ذلك.
﴿فَذَبَحُوهَا﴾: أي فجاءُوا بالبقرة الموصوفة، فذبحوها.
وقوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾: معناه؛ وما قاربوا أَن يفعلوا الذبح. والمقصود منه المبالغة فى تباطئهم، وتعمدهم إطالة الزمن، بكثرة المراجعات في وصف البقرة.
ولعل إكثارهم من المراجعات في أَوصافها؛ لغرض الوصول إلى تعيين وصف يتعذر وجوده في أَبقارهم، فيعفون من ذبح البقرة التى ستكشف لهم الجانى، سترا لفَضيحته
стр. 130
وتجنبا لقتله، أَو لأَنهم لا يريدون ذبحها لأَنهم كانوا يعبدونها، فلهذا يتهيبون ذبحها، أَو لأَن طبيعتهم اللجاجة والتعنت.
وجملة ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾: حالية.
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾.
المفردات:
﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾: تدافعتم فيها، فكل منكم كان يدرأ تهمة قتلها، أَى يدفعها عن نفسه.
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: أَى مظهره مهما كتمتم.
التفسير
٧٢ - ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾:
أى واذكروا يا بني إِسرائيل، وقت أَن قتلتم نفسا منكم، وقد أَخفى القاتل نفسه، فادَّارأْتم وتدافعتم في شأْنها، فكان كل منكم يدفع التهمة عن نفسه، حتى لا يقتل في المقتول، وأسند الفعل (قَتَلْتُمْ) إِلى جمعِهم؛ لأَن المسئولية في القتل مشتركة بين الجميع، حتى يتعين القاتل، فيبرأَ من عداه.
وهذه الجناية الآثمة، هى السبب في الأَمر بذبح البقرة، لتكون وسيلة لمعرفة شخص القاتل، ومعجزة لسيدنا موسى ﵇، بين قومه.
وتقدم بيان الحكمة في تقديم قصة ذبح البقرة على سببها وهو قتلهم النفس.
ولما تم ذبح البقرة بعد تحديد وصفها، أَراد الله أَن يخرج ويظهر ما كانوا يكتمون من إِخفاءِ شخص القاتل، بآية تضمنت عدة آيات، وذلك هو ما حكاه الله بقوله:
стр. 131
٧٣ - ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا. . .﴾ الآية.
أَي اضربوا القتيل ببعض البقرة المذبوحة، ولا قطع بتعيين هذا البعض، وإِن قيل: إنه اللسان أَو الفخذ أَو عجب الذنب، فضربوه بجزءٍ منها، فأَحياه الله تعالى، ونطق باسم القاتل، ثم مات بعد أَن أَخبر به.
وقد أَراد الله أَن يذكرهم بالبعث، قياسا على إحياء هذا القتيل، ليقيسوا الغائب على الأَمر المشاهد من إحياء الميت فقال ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾: أَى مثل الذي رأَيتموه، يكون إحياء الله تعالى للموتى.
ثم قال:
﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: أَى لكي تعقلوا وتعرفوا أَن الموت بعده بعث.
فإنَّ مَن قدر على إحياء هذا القتيل، فإِنه يقدر على إِعادة الحياة لغيره، أَو لعلكم تعقلون أَنفسكم أَي: تمنعونها عن عبثها، أَخذًا من العقال: الذي يقيد الدابة، ويمنعها عن السير.
قد يقال: إن الذي رأَوه آية واحدة، وهي القتيل، فما وجه الجمع فى لفظ (آياته)؟ والجواب: أَنها آية تضمنت جملة آيات، وهى: ترتُّبُ الحياةِ على ضرب عضو ميت، وتكلُّم المقتول، وإِخبارُه باسم القاتل.
وكما أَنها آيات للبعث. فهي معجزة لسيدنا موسى، لأَنها أمور خارقة للعادة.
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾.
المفردات:
﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: القساوة؛ الغلظ مع الصلابة كما في الحجر، وهي في القلوب. مثل في البعد عن الاعتبار.
стр. 132
﴿يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾: التفجر؛ التفتح بسعة وكثرة، كما تدل عليه صيغة التفعُّل، وهو لا يسند إلى الأَنهار، إلا بتضمين فعل مناسب، أَى يتفجر ويخرج منه الأَنهار.
﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾: أَى ينزل من أَعلى، خوفًا من الله. وهذه الجملة مجاز عن انقيادها، وعدم امتناعها على ما يريده الله -تعالى- منها.
التفسير
٧٤ - ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ … ﴾ الآية.
الخطاب لمعاصرى النبي ﷺ والقسوة لغة: الغلظ، والصلابة. فهى من صفات الحجارة، فلا تتصف بها القلوب إلا مجازا، كما هنا. فهي مستعارة لِبُعدِ قلوبهم عن التأثر بالقوارع والعظات.
والإِشارة فى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ راجعة إلى ما ذكر من إحياء القتيل، أَو إلى جميع ما تقدم من الآيات، التى توجب لين القلوب واتجاهها نحو الحق، و (ثُمَّ) لاستبعاد قسوة قلوبهم بعد العظات السابقة الموجبة لرقتها، كما في قوله تعالى: " … ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ" (١).
والمعنى: أَنه ما كان ينبغى لكم أَن تقسو قلوبكم بعد شدة تلك العظات، التى تلين القلوب.
ولكنها قست: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ والفاء لتفريع كونها كالحجارة أَو أَشد على قسوة قلوبهم.
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾:
هذه الجملة أُريد بها تأْكيد ما تقدم: من أَن قلوبهم أَشد صلابة وقسوة من الحجارة، حيث ذكر فيها أَن الحجارة مع قسوتها وصلابتها -تتشقق ويخرج منها الماء، وأَما قلوبهم، فدائمة الصلابة؛ لا تلين بالمواعظ، فلذا، لا يخرج منها الهدى.
стр. 133
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾: أَى يتشقق. ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾: أَى ماء العيون.
والتفجر أَقوى من التشقق، لأَن الأَول ناشئ عن ضغط بالغ منتهى القوة، بسبب كثرة الماء، وشدة ضغطه. ولذا، خرجت بالتفجر الأَنهار، وأَما التشقق، فناشئ عن ضغط يسير للماء. فلذا، خرجت به مياه العيون.
وقد أَشارت الآية الكريمة إِلى ذلك كله.
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾: أَي يتردّى من أَعلى إلى أَسفل، من أَجل الخوف من الله. وقد جعل الله لهذا الهبوط ضوابط، فالشهب والنيازك والرجم تهبط من السماء إلى الأَرض، بموجب قانون الجاذبية. الذي جعله الله للأَرض، والحجر الذي تتركه -من يدك- -وأَنت فى شرفة منزلك- يهبط إلى الأَرض، بموجب هذا القانون، وليس المراد من الهبوط حقيقته، و هى النزول من أَعلى إلى أَسفل فقط، بل هو مجاز عن انقياد الحجارة لأَمر الله وقوانينه، كما قاله أَبو السعود، فيشمل ذلك تشققها وتحطمها، وتأَثرها بأَى سبب جعله الله لذلك.
وإذا كانت الحجارة تتأَثر إلى هذا الحد في الانقياد لأَمر الله، وقلوبهم لا تتأَثر، فتكون أَشد منها قسوة ولا محالة.
وحمل بعضهم الآية على الحقيقة قائلا: لا مانع من أَن يخلق الله في الحجارة إدراكا وخشية من الله -تعالى-.
ويستدل لهذا الرأْى بحديث صحيح عنه ﷺ : "إنِّى لأَعْرِفُ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ (١) ".
وما صح من أَنه ﷺ ما مر بحجر ولا مدر إلا سلَّم عليه (٢).
стр. 134
وتلك القسوة التى وصفهم الله بها قد نشأَت من عَمَهِ قلوبهم، وشدة طغيانهم، حتى قبروا أَنفسهم في ظلمات الحجاب عن الله .
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
ختم القصة بهذا الوعيد؛ ليعلموا -هم ومن كان على شاكلتهم- أَن الله تعالى، ليس بغافل عنهم: يمهلهم ولا يهملهم.
ومن لم تنفعه صنوف النعم، يعاقبه الله بضروب النقم: "فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (١) ".
стр. 135
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾
المفردات:
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾: الهمزة لإنكار طمع المومنين في إِيمان اليهود بعد ما علموا حالهم، أي استنكاره واستبعاده منهم، والفاءُ عطفت ما بعدها على مقدر، والتقدير: "أتحسبون قلوبهم صالحة للإيمان بعد ما علمتموه من حالهم، أفتصمعون أن يؤمنوا لكم"، والمراد نهيهم عن الطمع في ايمانهم بعد علمهم بحالهم.
﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: جماعة منهم.
﴿كَلَامَ اللَّهِ﴾: المراد به: التوراة.
﴿فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: بين لكم خاصة، أو حكم وقضى عليكم
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ﴾: ليخاصموكم ويقيموا عليكم الحجة.
﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: أي في كتاب رببهم وشرعه، كما تقول هو عند الله كذا، أي في كتابه وشرعه.
التفسير
كان النبي ﷺ والمؤمنون معه، شديدى الحرص على إيمان اليهود، طامعين في دخولهم في لأنهم أهل كتاب، ولأنهم كانوا من: قبل يستفتحون ويستنصرون على إلاوس- والخزرج بالنبي الذي قرب زمانه، وذكرت أوصافه في كتابهم،
стр. 136
لكنهم- عندما جاءهم ما عرفوا- كفروا به؛ لما أنطوت عليهَ نفوسهم من الخبث، وسوء السريرة، ولما جبلوا عليه من سوء السيرة؛ ولهذا حكى الله فيما مضى مساوئهم، ونعى عليهم جناياتهم، وذكر أن قلوبهم قاسية، كالحجارة أو أشد قسوة، ورتب على ذلك إقناط المؤمنين من ايمانهم، ونهيه لهم عن الطمع فيه فقال:
٧٥ - ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ … ﴾ الآية.
أي لا تطمعوا في ايمان اليهود مستجيبين لكم.
﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: وهم الأحبار والرهبان.
﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾: أي يسمعون التوراة، ثم يتعمدون تحريف ما فيها، مما لا يوافق أَغراضهم، ولا يتمشى مع أهوائهم، من بعد ما فهموها، فَقُدَماؤُهُمْ حرفوها بتحليل الحرام، وتحريم الحلال، كما قاله مجاهد.
ومعاصروهم للنبى- ﷺ حرفوها بتغيير نعت النبي ﷺ وتبديل آية الرجم، وغير ذلك، حتى يحتفظوا لأنفسهم بالزعامة الدينية: يفعلون ذلك ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾: أي فهموه حق الفهم، دون أن تكون لهم شبهة فيما حرفوه، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مبطلون كاذبون. أَو معناه: وهم يذكرون من غير نسيان، فهم - في جريمتهم هذه - عامدون مصرون. وإِذا كان أمرهم كذلك، فلا تطمعوا في إِيمانهم، فلا يؤمن من. ضاعت أمانته، وخبثت سريرته، واجترأَ على كلام الله بالتحريف مع العمد والإصرار.
فجملة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: حال مؤَكدة لاستهجان قبح ما اجترأوا عليه من التحريف. والتعبير باللام في قوله ﴿لَكُمْ﴾: لتضمين الكلام معنى الاستجابة فكأنه قيل: أفتطمعرن أَن يؤمنوا مستجيبين لكم.
ثم عقب الله اتصافهم بالخيانة العلمية، باتصافهم بالنفاق في الإيمان فقال:
٧٦ - ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا … ﴾ الآية.
أي ومن صفاتهم التي تدعو إلى اليأْس من ايمانهم: أنهم منافقون، فقد كان بعضهم
إِذا لقوا الذين آمنوا، نافقوهم، وأظهرواْ أنهم مؤمنون برسول الله وما أنزك عليه، وأَخبروهم
أته ﷺ مبشَّر به في التوراة.
стр. 137
﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.
أي وإذا فرغ وخلا بعض اليهود - وهم الذين لم يظهروا النفاق - إلى بعض آخر-
وهم المنافقون منهم- بعدما سمعوهم يحدثون المؤمنيين ببعض ما كتموه من التوراة ﴿قَالُوا﴾
-لائمين لإخوانهم المنافقيين منكرين عليهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: أتخبرون
المؤمنين بما فتح الله عليكم من أبواب العلم التي كتمناها عنهم كالبشارة بالنبي وعلاماته،
وأخذ ألميثاق على أنبيائهم بالأيمان به، وتبليغ أُممهم أَن يؤمنوأ به وأن ينصروه إن أدركوه،
- أتحدثونهم بذلك- ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ - أي ليقيموا عليكم به الحجة في كتاب ربكم وشرعه؟
وقيل المراد بقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يوم القيامة، أي ليحاجوكم به يوم القيامة توبيخًا لكم، وزبادة في فضيحتكم على رءُوس الأشهاد؟
وهذا الرأى غير مقبول، فإنهم عالمون بأنهم محجوجون بما في كتابهم يوم القيامة: حدثوا به أو أخفَوه، فلا وجه لتوبيخ اخوانهم على اظهاره للمؤمنين. إِذاكان أن المراد بقوله ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يوم القيامة.
روى عن ابن عباس أن ناسا منهم أَسلموا. ثم نافقوا. فكانوا يحدثون المؤمنين بما عذب به آباؤُهم، فقالت لهم اليهود: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم، أي بما حكم به عليكم من العذاب، ليقولوا نحن أَكرم على الله منكم؟
نقله القرطبى، وقدمه على ما سواه من الآراء.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ خطر هذا الفعل علينا وعليكم؟
والتعبير بالفتح فى قولهها: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الإيذان بأَنه سر مكتوم، وباب مغلق فى وجه غيرهم، فلاينبغى أن يطلع عليه سواهم.
ثم وبخهم الله -تعالى- وجهّلهم، وأنكر عليهم هذا التلوُّن والنفاق في الدين فقال:
٧٧ - ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؟
أَي أَيلومونهم على التحدث: بما فتح الله عليهم، مخافة أَن تقوم عليهم الحجة، ولا يعلمون أن الله- -محيط بما يسرونه من أقوالهم عن الؤمنين، ومايعلنونه
стр. 138
من النفاق، فلا تخفى عليه خمافية من أمرهم، وأنه مطْلع رسوله- ﷺ بالوحى عل كيدهم فتحصل المحاجة، كما حدث في آية الرجم، وتحريم بعض المحرمات عليهم؛ فأي فائدة في اللوم والعتاب؟ فليرتدعوا عن ذلك وينزجروا، ويدخلوا في الإيمان بقلوبهم.
والاستفهام في (أوَ لَا يَعْلَمُونَ): إنكاري: مؤْذن بشناعة نفاق المنافقين منهم، وقبح اللوم من أصحابهم لهم، على اطلاع المؤمنين على صفة الرسول وغيرها في التوراة، مع علمهم أن الله يعلم سرهم ونجواهم.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾
المفردات:
﴿أُمِّيُّونَ﴾: جمع أُمي، وهو الذي لأ يقرأ ولا، يكتب، منسوب إِلى الأم، إِيذانا بأنه- في الخلو عن العلم والكتابة- كما ولدته أُمه.
﴿أَمَانِيَّ﴾: جمع: أُمنية، وهي في الأصل، ما يقدره الإِنسان في نفسه، مأْخوذة من مَنَى، إذا قَدَّر. والمراد بها هنا الأَكاذيب التي أَخذوها عن شَياطينهم المحرفين للتوراة، كما قاله ابن عباس ومجاهد.
﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾: الويل في الأصل، مصدر لا فعل له من لفظه، مثل ويح، والمعنى هلاك لهم وشدة عذاب. وهى كلة دعاءٍ.
стр. 139
التفسير
بعد أن بين الله -سبحانه- جنايات اليهود في ماضيهم وحاضرهم، وفي جملتها تحريفهم لكتاب الله التوراة، من بعد ما عقلوه، عقَّب ذلك بذكر فريق جاهل منهم: تأَثر بتحريف أحبارهم، وضل بإضلالهم، وهم الأُميون فقال:
٧٨ - ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ … ﴾ الآية.
أي ومن هؤُلاء اليهود، عوام جهلة: لا يعرفون القراءَة ولا الكتابة، فلا يقرءُون التوراة، لا يتحققون مما فيها. ومدى علمهم بها أماني مدسوسة وأكاذيب باطلة، تلقوها عن رؤسائهم وأحبارهم، وعملوا بها تقليدًا لهم.
ومن هذه الأُمنيات والأكاذيب: أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأَن الله يعفو عنهم ويرحمهم، وإن كفروا بمحمد- ﷺ وأن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا، وأن النار لا تمسهم إلا أَياما معدودات، وأنهم صفوة الإنسانية، وشعب الله المختار لعمارة الأرض، وأَنهم أبناءُ الله وأخباوه، وأَن السيطرة على الناس لهم، وغير ذلك من الأماني التي تمنوها، فهؤُلاءِ- ضلوا، تبعًا لأضاليل أَحبارهم.
والاستثناءُ في قوله ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾: منقطع عن الكتاب وليس. متصلا به؛ لأَن أمانيهم الكاذبة المذكورة، لا توجد في كتابهم، فهي من اختراع أَحبارهم. فإلا بمعنى: لكن، أي: لكن يعتقدون أَماني فارغة: لا أصل ولا حقيقة لها.
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: أي وما هم إلا قوم يظنون، المراد من الظن هنا، الكذب أو التوهم، أَي: وما هم إلا قوم يكذبون أَو يتوهمون هذا، فلا علم عندهم بما يقولون، ولا دليل عليه، فأنى يرجى منهم الإيمان بالرسول وهم على هذه الاوهام، مغرورون بتلك الأماني! ثم أنذر الله -سبحانه- الأَحبار المحرفين للحق بالهلاك، فقال:
٧٩ - ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا … ﴾ الآية.
стр. 140
أي هلاك عظيم لهؤلاء الذين يحرفون كتاب الله، وهو التوراة، إذ يكتبونها بأيديهم، ويدسون فيها أكاذيبهم، وما يحفظ عليهم رياستهم وجاههم، موهمين العوام أنها من عند الله، ليحملوهم على اعتقادها، والتعلق بالأماني - التي زيفوها في التوراة: يبتغون بهذا الفعل ثمنًا قليلًا، هو: الاحتفاظ بالرياسة، وأكل أموال الناس بالباطل. وهم بهذا يرتكبون. أكبر جريمة، وهي: افتراءُ الكذب على الله، ويختارون الباطل وينبذون الحق، فيكونون بذلك: كمن يبيع شيئا نفيسًا غالى القيمة. بثمن تافه!
وسبب ذلك: أنه لما ضعف أمر علمائهم في أمتهم، عمدوا إلى أمور تصرف الناس إليهم وألحقوها بالتوراة، وقالوا لسفهائهم: هذا من عند الله ليقبلوه عنهم، فتتأكد رياستهم.
وكان مما أحدثوا فيها أن قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا في الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (١): يعنون بالأُميين: العرب، ويعنون بأنهم ليس عليهم في الأُميين سبيل: أن ما أخذوا من أموالهم فهو حل لهم، ومنه قولهم: لا يضرنا ذنب، فنحن أبناءُ الله وأحباؤُه، وأن النار لن تمسنا إلا أياما معدودات. إلى غير ذلك مما كذبهم الله فيه فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾: من تحريف كلام الله، وتبديله، وسوء تأْويله ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ بالباطل من جاء ورياسة ومال.
وتكرير الويل هنا؛ لتأْكيد الوعيد، وتعليله صراحة بالتزوير في الحق، وبكسبهم الحرام، بعد الإشعار به في صدر الآية ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
وإنما قيد الكتابة با لأيدي، مع أنها لا تكون إلا بها، لتحقيق مباشرفهم ما حرفوه، زيادة في تقبيح أَفعالهم، ولتأكيد القصد إلى التحريف، ليشتروا به ثمناَ قليلًا. ولأن الأيدى جوارح تقع بها أكثر الجنايات.
وقدم الكتابة وأَخر: يكسبون؛ لأن الكتابة مقدمة، وإلكسب مترتب عليها، فالكتابة سبب، والكسب مسبب عنها.
стр. 141
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾
المفردات:
﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾: لن تصيبنا، والمس: اتصال أحد الشميئين بآخر واصابته له.
﴿أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾: يضبطها العد، فهي إذن قليلة
﴿بَلَى﴾: حرف جواب كنعم، إلا أنها لا تقع إلا جوابًا لنفي متقدم، سواءً أدخله استفهام أَم لا، وتفيد إثبات ما بعدها.
﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: الخطيئة: السيئة التي استمكنت من النفس، وحملتها على تجنب الصواب عمدًا، وإِحاطتها به: شمولها له واستيلاؤُها على جميع تصرفاته، كما يحيط الثوب بلابسه.
التفسير
اليهود أهل غرور وزعم باطل، فهم يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم شعب الله المختار، ولذا عطف القرآن على ما سبق، ضربًا آخر من ضروب غرورهم، وافترائهم الكدب على الله وهم يعلمون، فقال:
٨٠ - ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً … ﴾ الآية.
إدًعى هؤلاء اليهود أن النار لا تمسهم في الآخرة ولا تصيبهم إلا أياما قليلة يضبطها
العد. مثل اهذا الكلام الذي قالوه؛ لا يجوز قوله أو اعتقاد مدلوله، إلا بعهد من الله -
стр. 142
تعالى - مالك يوم الدين، الذي يقضى فيه بدخول الجنة والنار، ولا معقب لحكمه.
ولذا أمر الله نبيه أن يرد عليهم موبخًا ومبكتًا بقوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾.
بأن النار لن تمسكم إلا أيامًا معدودة؟!
والاستفهام في ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾ للإنكار والنفى، أي: لسنتم على .. عهد من الله بما تدعون.
أما قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ﴾ فهو جواب شرط مقدر، أي إن صح أن لكم عهدا عنده -تعالى- بما قلتم، فلن يخلف الله عهده. وإِظهار لفظ الجلالة في موضع الإضمار؛ للإشعار بعلة الحكم. فإن عدم الخلف في العهد من أَحكام إلأُلوهية.
ثم أكد توبيخهم على ما افترَوه على الله فقال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي بل أتقولون على الله ما لا دليل لكم عليه، فأنتم تفترون على الله الكذب ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (١).
وإنما وبّخهم على قولهم على الله ما لا يعلمون وقوعه- مع أن ما أسندوه إليه يعلمون أنه لم يقع- للمبالغة في التوبيخ والنكير. فان التوببخ على الادنى مستلزم للتوبيخ على الأعلى بالطريق الأولى.
ثم أبطل الله دعواهم على وجه أعم وأشمل، لهم ولسائر الكفرة بقوله:
٨١ - ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
أي بلى: تصيبكم النار فيصهر بها ما في بطونكم والجلود، أنتم وغيركم ممن سار سيرتكم، وأحاطت به خطيئته مثلكم، وتلازمكم وإِياهم النار خالدين فيها، لأَن القانون الإلهى العادل، الذي شرعه رب العالمين: أن من كفر بالله، وعمل السيئات، واستولت عليه الخطايا حتى صار لا يخلو منها، فأُولئك أصحاب النار، أي الملازمون لها في الآخرة. هم فيها خالدون لا يبرحونها.
стр. 143
وقد دل قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ على أنه لم يبق جانب من قلبه ولسانه وجوارحه إلا اشتملت عليه سيئته وخطيئته، واستولت عليه. وهذا لا يتحقق إِلا فى الكافر.
ولذلك فسر علماءُ السلف: السيئة والخطيئة في الآية بالكفر. وقد روى ذلكَ عن ابن عباس وأبى هريرة، ومجاهد وعطاءٍ وغيرهم.
ويشهد لهذا: أن الجزاءَ عليهما هو الخلود في النار، كما نص عليه قوله تعالي: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
كما آذن به تعقيب هذه الآية بثواب المؤمنين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وبهذا التأْويل. لا يحتج بالآية على خلود أصحاب الكبيرة في النار.
وفى الآية تحذير شديد. من ارتكاب السيئات، فانها تؤدى إلى التمادى فيها، فلا يبالي صاحبها بالكفر، فعلى من يرتكب سيئة أَن يبادر بالتوبة منها، فإن من لم يبادر بها، أَحاطت الخطيئة بقلبه، فاصبح مظلمًا لا ينفذ إليه النور، فيكفر، والعياذ بالله تعالى.
قال ﷺ "إن العبد إذا أذنب ذنبًا نُكِتَتْ في قلبه نُكْتةً سوداءُ.
فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تعلوَ قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله -تعالى- في القرآن: "كلا بَلْ (١) رَانَ عَلَى قُلوبِهِمْ ما كَانُوا يَكْسِبُونَ" (٢).
وفي هذه الحالة تحيط به الخطايا، كأنه محبوس فيها لايجد لنفسه منها مخرجا.
وجريا على سنة القرآن في ذكر الوعيد مقرونا بالوعد، ترهيبا وترغيبا، أردف ذلك الوعيد ببيان في جزاءِ المؤمنين الصادقين في الإيمان، ليظهر الفرق بين الاشقياءِ والسعداءِ، فقال سبحانه:
٨٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
أَي والذين جمعوا بين الإيمان الصحبح، ومايترتب عليه من أَعمال صالحة؛ أولئك هم أصحاب الجنة الجديرون بدخولها، بحسب وعدالله وفضله. هم فيها خالدون: منعمون بكل ما يشتهون.
стр. 144
وترتيب الإثابة بالجنة على الإيمان والعمل الصالح: يؤذن بأن العمل الصالح، لا بد منه للحصول محل هذا الثواب، فهو الدليل على صدق الإيمان وقوته، وحياته، فكما أَن أغصان الشجرة وثمارها، دليل على حياة الشجرة وقوتها، فكذلك العمل الصالح، دليل - على حياة الإيمان وقوته.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾
المفردات:
﴿مِيثَاقَ﴾: الميثاق: العهد المؤَكد.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: أي وتحسنون بالوالدين إحسانا مطلقا بلا حدود.
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: الذين أذلتهم الحاجة وأسكنتهم.
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾: أي قولوا لهم قولًا حسنا، وهو ما تطيب به النفوس.
ومنه الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، في غير عنف ولا خشرنة.
التفسير
شروع في ذكر بعض القبائح التي ورثها اليهود المعاصرون للرسول عن أَسلافهم، ممَّا يجعل الإيمان مستبعدًا منهم، ويحمل المؤمنين على ألا يطمعوا فيه. وذلك أَنهم تولَّوا مدبرين عما أخذ عليهم العهد به من الفضائل. ومن كانوا كذلك، فلا ينبغى أَن يطمع المؤمنون في إيمانهم.
٨٣ - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ … ﴾ الآية.
أي واذكروا أيها المومنون، وقت أن أخذنا ميثاق بني إسرائيل، وعاهدناهم عهدًا مُؤكدا في التوراة: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أَي وقلنا لهم فى العهد: لا تعبد ون إلا الله،
стр. 145
والمقصود منه: نهيهم عن عبادتهم لغيره تعالى، فهو نفى بمعنى النهى، أي لا تعبدوا غيره تعالى، وهذا نظير قولك لشخص: تذهب إلى فلان وتقول له كذا، فهو بمعنى: اذهب إليه وقل له كذا، وهو أبلغ من صريح النهى، لما فيه من الإيذان بأنه ينبغى أن يسارع المنهى إلى الامتثال، حتى يخبر عنه بأنه امتثل فعلا، وانصَ عما نهى عنه.
والميثاق - بالتوحيد وغيره من العقائد وأمهات الشرائع والأخلاق - مأخوذ على جميع الأمم، كما أُخذ على بني إسرائيل، فلا خلاف بينها إلا في فروع الشرائع.، فإنها تختلف تبعًا للزمان والأَجيال؛ رعاية لمصلحة البشر، بحسب التطور الإنسانى.
والمراد من أَخذ الله الميثاق عليهم بالأُمور الآتية: توصيتهم بالعمل بها توصية مؤكدة في التوراة التي أنزلها على موسى ﵇ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: وأَخذ الله عليهم العهد أَيضًا: بأَن يحسنوا إلى الوالدين وهذا الإحسان المأْمور به عامّ: يدخل فيه جميع مايجب لها من أنواع الرعاية والعناية، وقد قرن الله الأمر بالإحسان إلى الوالدين بالأمر بعبادته؛ لما الوالدين من الفضل الكبير على الولد؛ لأنهما بَذَلَا الكثير من العنابة الصادقة في تربيته والقيام بشئونه، أيام أن كان ضعيفًا عاجزَا، وكفلاه حتى قدر على الاستقلال، والقيام، بشئون نفسه، مع الحنان العظيم، لا يبغيان من وراء ذلك أَية مصلحة تعود عليهما، فهما أحق بالعناية والرعاية، وما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
وتنكير الإحسان في قوله: ﴿إِحسَانًا﴾؛ للإيذان بتعميمه، وإِبلاغه، إلى أَقصى مداه.
﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾: أي وأوصيناهم بالإحسان كذلك إلى ذوى القربى، وهم: مَن تكون بينهم وبين الإنسان صلة قرابة من جهة الأب أو إلاَّم، والإحسان إليهم هو: القيام بما يحتاجون إليه بقدر الطاقة، وذلك تقوية للروابط بين الأقارب ولأن من لا خير فيه لذوي قرابته فلا خير يرجى منه لغيرهم.
﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾: أي وأخذ عليهم الميثاق أيضًا: بالإحسان إلى اليتامى والمساكين.