← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلا وقال: ﴿ … أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ … ﴾ إلى قوله: ﴿ … بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١) هذا حديث صحيح الإسناد (٢) قال أبر السعود ﵀: ولعل الله عرض عليه من أفراد نوع ما يصلح أن يكون نموذجًا: يتعرف منه أحوال البقية وأَحكامها. ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾: أي قال-تبكيتًا لهم واظهارًا لعجزهم عن اقامة ماعلقوا به رجاءهم من أمر الخلافة- أخبرونى بأسماء هؤلاء فإن تدبير شئون هذاه المسميات موقوف على معرفنها وجميع خواصها وأحوالها، فمن لم يعرفها، لا يصلح للخلافة فيها وولاية أمرها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم أَنكم أحقاء بالخلافة ممن أَستخلِفُه. ٣٢ - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا … ﴾: الآية. قال الملائكة لربهم: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي نسبحك وننزهك التنزيه اللائق بك، فلا يمكن أَن تخلو أفعالك من الحكم، ومن جملتها استخلاف آدم، وما سألنا إلا لنتعلم ونعرف الحكمة، وقد عرفناها بمرفة مزايا من استخلفته. ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ونحن لم نتعلم ذلك، بل تعلمنا العلوم اللائقة بعالمنا كما علمتنا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾ بما ينبغى لكل شئ ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تقديره وتدبيره. ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾ التفسير ٣٣ - ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ .... ﴾: الآية. بعد أن أقروا لله بعجزهم أراد -سبحانه- أن يبين لهم فضل آدم عليهم ﴿قَالَ يَا آدَمُ

стр. 72

أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾: أَخْبِرهم بأسماءَ هذه المسميات التي عجزوا عن معرفتها ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ وظهر فضله عليهم بالعلم. ﴿قَالَ﴾ الله لهم بعد ذلك: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يقروا به جوابه السابق لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وفي هذا إلتقرير، تفصيل لما أجمل سابقا، وعتاب لهم على تركهم ما كان أَولى بهم، وهو أَن يتوقفوا: متزصدين أَن يبين اللهُ لهم ما لا يعلمون، بدلًا من توجيه السؤَال له- بهذه الصوره-. والهمزة في: ﴿أَلَمْ أَقُلْ﴾ للاستفهام الإِنكاري. وفيها معنى، النفي، دخلت على حرف النفي ﴿لَمْ﴾ فكان ذلك بمنزلة نفي النفي، فيفيد إِثباتًا وتقريرًا كما قلنا، فالمعنى قلت لكم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. أَي أعلم ما فيهما من أَسرار لا تعلمونها ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ من قولكم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ في نفوسكم من أنكم أَفضل منهم وأولى بالخلافه، أو من أمتثالكم الذي أَضمرتموه في أَنفسكم. وفي هذه الآية إِشارة إِلى أَن الإنسان اعطىَ الاستعدادَ لِتَعرفِ الأشياء وإدراك نواميس الكون؛ ليسخرها له بمقتضى ما منحه اللهَ هن الأَسباب. وفيما تقدم من ألَايات، دليل على شرف الإِنسان، وعلى فضل العلم، وأَنه في مقدمة العبادات، وأنه مناط الخلافة والنيابة عن الله في الأرض، وأَن ألحكمة أمر زائد على العلم، لأن الملائكة وصفوا الله تعالى بالحكمة بعد العلم، وإِلا لزم التكرار. وقد دلت الآية الاخيرة على أن الله سبحانه يعلم الأَشياءَ قبل حدوثها. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ التفسير ٣٤ - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ .... ﴾ الآية. في هذه الآيَة، تذكير بنعمة أُخرى على أبينا آدم ﵇، ناطقة بالتعظيم لقدره،

стр. 73

والتنويه بشأْنه، حيث أمر الله الملائكة بالسجرد له. والآية معطوفة على ماقبلها، عطف القصة على القصة. فقد عطفت فيها قصة السجود على قصة الخلق، لتستكمل بها نعمه -تعالى- التي تفضل بها على خلقه. ومعنى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أي واذكر لهم يا محمد، وقت قولنا للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أي: عظموه اعترافا- بفضله، وأداءً لحق تعليمه لكم الأسماءَ، واعتذارا عما وقع منكم فى شأنه ﴿فَسَجَدُوا﴾ عطف على ﴿قُلْنَا﴾، والفاءُ لإفادة مسارعتهم إلى الامتثال ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ فإنه لم يسجد ولم يمتثل. وسيأْتى بيان امتناعه في الآية الكريمة. وظاهر استثنائه من الملائكة الذين سجدوا أنه منهم، ولكنه ليس كذلك، فإنه جِنَّىٌّ؛ لقوله تعالى في آية أُخرى عنه: ﴿ … كَانَ مِنَ الْجِنِّ … ﴾ (١)، ولأنه لو كان من الملائكة، لما امتنع عن امتثال أمر ربه، لأنهم ﴿ … لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢) ولهذا، يحمل استثناؤُة منهم على أنه لما كان بينهم، عابدا بعبادتهم، جعل منهم. فإن من طالت اقامته مع قوم واندمج فيهم، اعتبر منهم وان لم يكن من قبيلتهم. وعلى هذا التأويل، يعتبر استثناؤة متصلًا، ويجوز اعتبار الاستثناء منقطعا. ومعنى ﴿أَبَى﴾ امتنع اختيارا. ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ طلب الكبرياءاستعلاءً وادعاءً، فإن الكبرياءَ حق الله وحده. ومعنى قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ وصار من الكافرين بسبب عصيانه على حد قوله في شأن ابن نوح: ﴿ … فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (٣) واعلم أن الذي تقتضيه هذه الآية- والتي في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ … ﴾ (٤) وكذا ما في سورة الإسراء. وطه والكهف- أن سجود الملائكة، إِنما ترتب على الأمر التنجيزى، الوارد بعد خلقة وتسويته ونفخ الروح فيه.

стр. 74

أَما ما جاءَ في سورالحِجر ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ فهو إخبار منه تعال للملائكة. بأنه سيخلق آدم، ويكلفهم بالسجود له، إذا أتم تسويته ونفخ الروح فيه. فالأَمر بالسجود فيها معلق على تسويته ونفخ الروح فيه، فهم غير مكلفين بالسجود له، حتى يتم ذلك، فيؤْمروا بأَمر تنجيزى جديد، حمعًا بين هذه الآية والآيات إلاخرى التي نبهنا إليها. أَما قوله في سورة الحجر- عقب هذا الأَمر التعليقي،-: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ فمحمول على أنهم سجدوا له بعد تمام خلقه ونفخ الروح فيه، وأَمرهم بعد ذلك بالسجود تنجيزا، بعد أمره به تعليقًا .. وكذلك يفسر ما جاءَ سورة (ص). ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ المفردات: ﴿اسْكُنْ﴾: أقم فيما تسكن فيه النفس وتطمئن. ﴿الْجَنَّةَ﴾: البستان. ﴿رَغَدًا﴾: واسعا. ﴿الشَّجَرَةَ﴾: مجهولة النوع، وعِفم ذلك عند الله تعالى. التفسير ٣٥ - : ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ .... ﴾: الآية. لما كفر إِبليس بعصيانه أَمْرَ ربه بالسجود لآدم، أَبعده الله عن الجنة بقوله: ﴿ … اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا … ﴾ (١) وقال لآدم: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ .... ﴾ (٢) تكريما لهما.

стр. 75

والسكن: الإقامة في مكان تسكن فيه النفس، أي تطمئن فيه. والجنة التي أمر بسكناها: هي دار الثواب، عند الجمهور، لأَنها كذلك في عرف نصوص الشريعة: وقيل هي جنة بأرض فلسطبن، أو بين فارس وكرمان أو في غيرهما، خلقها الله امتحانا لآدم ﵇، وحمل الإهباط منها على النقل منها إلى أرض أخرى، كما في قوله تعالى: ﴿ .... اهْبِطوا مِصْرًا .... ﴾ (١) لأن خلقه كان في الأرض بلا خلاف. ولم يذكر في قصته رفعه منها إلى السماء حيث جنة الجزاء. ولو وقع ذلك، لكان أولى بالذكر؛ ولأنها لو كانت دار الخلود، لما دخلها إبليس. ذكره أبر السعود والآلوسى، والله أعلم. ومعنى قوله: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾: أي تمتعا بالأَكل منها أكلا واسعا، في أَي مكان شئتماه من الجنة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ نهي أُريد به أختبار آدم وحواء، وتعلق النهي بالقرب من الشجرة، للمبالغة في الإبعاد عن الشجرة نفسها، فإن انتفاء القرب يستلزم عدم الوقوع في الأكل وهو المقصودمن النهي. والمشار إليه بـ (هذه) يحتمل أن يكون شجرة بعينها، ويحتمل أن يكون جنسها. فتدخل فيه هي ومثيلاتها. وبين هذين الاحتمالين وقع التأويل من آدم بسبب الوسوسة. فالمظنون أنه تأَوّل النهي بأنه عن شجرة بعينها من الجنس، فَتَرَكَ المشارَ إلى شخصها وأكل عن جنسها؛ مع أن المقصود هو النهى عن الجنس، إذ لا فرق ببن شجرة منه وشجرة أُخرى. ونحن نمسك عن تعيين شخصها أو نوعها؛ لعدم وجود دليل لهذا التعيين. وكان الأكل منها سببا في اخراجهما من الجنة عقوبة على مخالفة النهى. ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: المراد من ظلمهما ظلم أنفسهما، فإن مخالفة النهي، كانت سببا فىْ حرمانهما مما كانا فيه من نعيم الجنة.

стр. 76

﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾. المفردات: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾: أَوقعهما في الزلة. ﴿عَنْهَا﴾: أي بسبب الأكل من الشجرة. ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ موضع استقرار. ﴿وَمَتَاعٌ﴾: تمتع وانتفاع. التفسير ٣٦ - ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا … ﴾ الآية. أي جعلهما الشيطان يقعان في الزلة عن هذه الشجرة، أي: بسببها؛ لأَنهما خالفا النهى عن الأكل منها، فأَكلا استجابة لوسوسته. وقريءَ ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾: أي أبعدهما عن الجنة، فالضمير في هذه القراءة للجنة، وفي القراءة السابقة للشجرة. ويجوز أن ترجع القراءَ ة الأولى إلى الثانية، وذلك بأن يكون معنى ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾: أبعدهما عن الجنة؛ فإن الإزلال يستعمل بمعنى الإبعاد. وقد يقال: كيف توصل إبليس إلى إزلالهما بالوسوسة وهما في الجنة، بعد أن قيل له: ﴿ … قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (١)﴾ فخرج منها فعلا. ومن عوقب بالإخراج من الجنة مطرودا لا يدخلها؟ - وأُجيب بأنه مُنِعَ من دخول الجنة تكريما ولم يمنع من الدخول وسوسة، للابتلاءِ.

стр. 77

وقيل: غير ذلك. والأَولى إحالة ذلك إلى الله تعالى، وكل تأْويل فى ذلك رجم بالغيب. وقد ترتب على هذه الزلة ما أشار الله إليه بقوله: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾: أي من النعيم الذي كانا فيه، بعد أن تم الابتلاءُ والوقوع في الزلة؛ ليتحقق ما كان مقدرا في علم الله تعالى ومرتبا على هذه الزلة، مِن هبوط آدم ليكون خليفة في الأرض، فصدر أمر الله بالهبوط إليهما، ومعنى قوله: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: اهبطوا حال كون بعض أولادكما عدوًّا للآخر؛ بما ركزه الله فيهم من غرائز صالحة لاخير والشر، يسشغلها الشيطان فيوسوس لهم ويزين القبيح حسنا، فتندفع الغرائز نحو البغي والعدوان على الناس، إلا من اعتصم بالشرع وحكَّم العقل، فكان من المخلصين، كما قال تعالى: ﴿ … وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (١)﴾. والضمير في ﴿اهْبِطُوا﴾ لآدم وحواه، بدليل ما جاء في لآية أخرى ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا … ﴾ (٢) وضمير الجمع منظور فيه إلى ذرياتهما في ضمنهما، فكانهما الجنس كله، أولَهُمَا ولإبليس بعد ما دخل للوسوسة. وكان قد طرد منها قبل ذلك. أَما القول بأنه راجع إليهما، وأريد بالجمع ما فوق الواحد، فليس حسنا، فإن آدم لم يكن عدوًّا لحواء. ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: أي لكم فيها استقرار أو موضع استقرار، ﴿وَمَتَاعٌ﴾: أي تمتع بالعيش وانتفاع به ﴿إِلَى حِينٍ﴾:- هو حين انتهاء آجالكم بالموت. واعلم أن النهى عن الأكل من الشجرة، ثم الأكل منها بإغواء إبليس، كان مقررا في العلمِ الأزلي، ولكن ترتيبه عليه في الوقوع، كان من ربط المسببات بأسبابها، ابتلاءً وتحقيقًا لمشيئة الله تعالى.

стр. 78

﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ المفردات ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾: أي استقبل. ﴿كَلِمَاتٍ﴾: هي كلمات التربة التي ألهمه الله إِياها. ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: قَبِل توبته. التفسير ٣٧ - ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ … ﴾: الآية. أي ألقى الله في روع آدم؛ أن يتوسل إِليه بكلمات ألهمه إياها؛ ليتوب الله عليه، فاستقبلها بالأخذوالقبول. والعمل بها حينما تعلمها. ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ التر بة. لغة الرجوع. والمعنى: رجع عليه بالرحمة، بأَن قبل توبته، وإ نما وحد الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ مع أن حواءَ شريكة له في الذنب، بإجماع العلماء؛ لأن حواءَ تابعة له في الحكم إذ النساء شقائق الرجال في الأحكام. ولذا طوى ذكرهن في معظم الكتاب والسنة اكتفاء بذكر الرجاك بإزاء الأحكام. ثم ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. تعليلا لقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. وصف الله نفسه بأنه هو التواب أي: كثير قبول التربة. وهي صيغة مبالغة من التوب بمعنى الرجوع فإذا وصف به الله، كان بمعنى الرجوع عن العقاب إلى المغفرة وقبول التوبة. وإذا وصف به العبد، كان بمعنى الرجوع عن المعصية. ﴿الرَّحِيمُ﴾: العظيم الرحمة. وبذلك فتح الله للعصاة طريق التربة إِذا عصوا، ليتوب عليهم كما تاب على أَبيهم آدم، لأنه -سبحانه- التواب الرحيم.

стр. 79

﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ التفسير ٣٨ - ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا … ﴾: الآية. كرر الأمر بالهبوط، إيذانا بأنه محتوم لا بد منه، وأن قبول التوبة لا يدفعه؛ ولأن الهبوط الأول مشوب با لعقاب، وإسكان دار البلاء، والعداوة وعدم الخلود، والثاني مشوب بالرحمة بإيتاء الهدى المؤدي إلى النجاة. ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِّنِّي هُدًى﴾: شرط، جوابه جملة الشرط الثاني، وهي. قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ والمرادمن قوله: (هُدَايَ) كتُبُ الله وآياته ورسُله. والمعنى: فمن تبع هداى: أي بالإيمان والقول مع العمل الصالح، فلا خوف عليهم- في المستقبل- من لحوق مكروه، ولاهم يحزنون على فوت مطلوب، بل يستمرون على السرور والابتهاج. ٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: هذ. الآية معطوفة على قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ كأَنه قيل: ومن لم يتبع هداى بل كفر باللهِ وكذب بآياته القرآنية والكونية .... وقوله: ﴿أولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ بيان لجزاء من كفر باللهِ وكذب بآياته. ومعنى أصحاب النار: أهلها ومستحقوها ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: لا يخرجون منها- والجمع فيما تقدم باعتبار ذرية آدم وحواءَ.

стр. 80

الحكم المستنبطة من القصة قضى الله أزلا أن آدم سيكون خليفته في أرضه، فلذا منحه العقل والقوى والغرائز المختلفة التي تجعله وذريته صالحين لهذه الخلافة. ومع أن تلك القوى التي منحها الله، ضرورية لعمارة الأرض والخلافة عن الله فيها، فهي قابلة لأن تستعمل في غير ما خلقت له من الخير، فكما أنها قابلة للصلاح وإلإصلاح، فهي قابلة للفساد والإفساد. وبما أن كثيرًا منهم- بسبب ذلك- سيقع في المعاصى، بارتكاب ما نهى الله عنه، فلذا أَراد الله أَن يعلمهم- عن طريق أبيهم آدم إذا وقعت منهم المعاصي- كيف يتوبون ويرجعون إِلى ربهم، حتى يتوب عليهم كما تاب على أبيهم. فلذا ابتلى آدم بالنهى عن الأكل من الشجرة فأخطأ، باغراه الشيطان ومساعدة غرائزه، فتلقى من ربه كلمات علَّمه بها: كيف يتوب ويرجع إلى ربه، فلما عمل بمقتضاها، تاب الله عليه. وكان ذلك لتعليم ذريته كيف يتوبون إذا عصوا. ويؤيد هذا أن الله لم يغضب على آدم بعد أن أهبطه إلى الأرض، بل كرمه وسخر له ما في السموات وما في الأرض، وجعل له الأرض مستقرا، وجعل له ولذريته فيها معايش. هذا إلى ما توحي به الآيات الكريمة، من أن الله فضل الإنسان بالعلم، فكلما ازداد علمه كان جديرا بخلافة الله في أرضه، وحمل أمانته بين خلقه، كما توحي بالسئولية الإنسانية، وأن من أخطأ استحق العقاب، ومن أطاع استحق الثواب، ومن تاب تاب الله عليه، وأن الإنسان لا يحكم في أمر وهو جاهل به. ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾. المفردات: ﴿إِسْرَائِيلَ﴾: هو يعقوب ﵇، جد بني إسرائيل. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾: أدوا التكاليف التي عهدت بها إليكم وافية.

стр. 81

﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ أعطكم ثوابى الذي عاهدتكم عليه وافيًا. والعهد: الوصية. والوعد: المَؤثِق. ﴿فَارْهَبُونِ﴾: فخافون. التفسير ٤٠ - ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ … ﴾ الآية. بعد أن عدد الله نعمه العامة في الآيات السابقة، شرع يبين نعمه الخاصة ببنى إسرائيل، وهم أكثر الأُمم نعمة وأشدهم عصيانًا وكفرًا، مع أَنهم أهل كتاب، وكانت الطاعة أجدر بهم. وإسرائيل: لقب يعقوب ﵇-وهى كلمة عبرية، مركبة من جزءين: اسرا، ومعناها: عهد، أو صفوةْ، وإيل معناها: الله. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أي تذكروها بالشكر، ولا تكفروها بالمعاصي. وستجد- بعد هذه الآية- ألوانا من الخطاب لبنى إسرائيل، تذكيبرًا بنعم الله عليهم مجملة أو مفصلة، وتوبيخا لهم على آثام ارتكبوها. والخطاب- في كل ذلك- موجه إِلى المعاصرين منهم للنبى ﷺ ، مع أن بعض هذه النعم كانت على آبائهم، كالانجاء من الغرق، واغراق فرعون وجنوده، وبعض هذه المعاصى كانت من هؤُلاءَ الآباء أيضًا، كاتخاذ عجل السامري إِلها- لهم وقولهم لموسى سمعنا وعصينا. وإنما ذُكِّر المعاصرون منهم بنعم الآباءِ، لأن أثرها واصل إليهم، وفضلها عائد عليهم. وانما وبخوا على معاصيهم، لأنهم يعتزون بالانتساب إليهم. ومن اعتز بآثم فهو آثم مثله. فكأنما فعل فِعْلَهُ، ولأن عار إِثم الآباءِ يلحق الذرية، ما داموا على سنتهم في الضلال. فكأنهم فيه شركاء، ولأن المراد من نحو قوله تعالى ص للمعاصرين: ﴿ … ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ … ﴾ (١) بيان أن ارتكاب الكبائر أَمر كامن في جنسهم، فلا غرابة فى كفرهم بما جاءهم

стр. 82

به محمد ﷺ ، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (١). ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾: أَي افعلوا ما عهدت إليكم بفعله من الإيمان والطاعة والعمل الصالح، وَأَدُّوه وافيًا ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾: با لإِثابة وحسن الجزاء. فالعهد الأول: ﴿بِعَهْدِي﴾ مضاف إلى الفاعل، فإنه تعالى عد إليهم بالايمان والعمل الصالح: بإِرسال الرسل، وإنزال الكتب، ونصب الأدلة. والعهد الثاني ﴿بِعَهْدِكُمْ﴾ مضاف إلى المفعول، أي بعهدى إياكم، فإنه سبحانه، وَعَدَهم الثواب على حسناتهم. وعاهدهم على ذلك. ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ إياى وحدى ارهبونى. والرهبة: خوف مصحوب بالتحرز. والفاء تشير إلى معنى الشرطَ، أي: إن كنتم ترهبون أحدًا فارهبونى، وأَلا تنقضوا عهودكم معي. والآية متضمنة للوعد والوعيد، ودالة على وجوب الشكر والوفاءِ بالعهد، وألا يخاف المؤْمن إلا الله تعالى. وفي ذكر قصة بني إسرائيل- بعد قصة خلق آدم- تصوير لتسلط إبليس اللعين على بعض ذريِة آدم وتأثرهم بوسوسته، مع مزيد فضل الله عليهم، وأنهم لم يحذروه مع ما صنعه بجدهم من الإغواء، وما عرف عنه من العداوة له ولأولاده! ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾.

стр. 83

المفردات: ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾: أي بالقرآن الذى أَنزلته. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾: من التوراة. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: لا تجعلوا بدلا من الإيمان بآياتى، منافع الدنيا، فإنها قليلة. ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ ولا تخلطوه به. التفسير ٤١ - ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ … ﴾ الآية. بعد أَن أموهم الله بالوفاء بالعهود، أَمرهم بالايمان بالقرآن الذى أنزل على محمد صلى الله علمِه وسلم. فإنه من الوفاء بالعهد الذي أخذ عليهم. ومعنى كون القرآن مصدقًا للتوراة التي معهم: أنه يدعو إلى ما تدعو إليه من الإيمان باللهِ وتوحيده، والعدل بين الناس. والنهى عن المعاصى. كما أن فيه ما فيها من قصص المرسلين، والعمل ليوم الدين، وغير ذلك من الأصول. وما بينهما من المخالفات في الفروع، فهو سبب اختلاف العصور. وليست هذه مخالفة في الحقيقة، بل هي موافقة من حيث إن كلا منهما حق في عصره، متضمن لِلحِكَم التي يدور عليها التشريع. وليس في التوراة دليل على أبدية أحكامها الشرعية. ولا يصح أن يكون فيها ذلك؛ لاختلاف العصور المقتضى لتغييرها. فالإيمان بالقرآن المنزل على النبي محمد - صلى الله عليه سلم- لا يتنافى مع ما أُنزل إلى اليهود، فضلا عن أنه واجب عليهم، إذ هو مما عهد الله به إلى جميع النبيين. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ (١) … ﴾

стр. 84

ويجوز أن يكون تصديقه للتوراة، أنه نازل حسبما نعت فيها. ومعنى قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ لا تكونوا أول المبادرين بالكفر به مع علمكم بصدقه من كتابكم. فإن قيل: إِن مشركى العرب سبقوهم إلى الكفر بالقرآن والنبى. فالجواب أن المراد، التعريض، كأنه قيل لهم: ينبغى أن تكونوا أول المومنين به؛ لما عرفتموه من صفاته في كتابكم، فأنتم تعرفونه كما تعرفون أبناءكم، وكنتم تبشرون به، وتستفتحون عل أعدائكم. ويمكن أن يجاب بأن المعنى: ولا تكونوا أول كافر به من أَهل الكتاب، فإنهم سبقوا المسيحيين في الكفر به. ووقوع ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ خبرًا عن ضمير الجمع في قوله ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ بتأويل: أول فريق كافر به. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآيات: حى الدلائل التي أيد الله بها نببه ﵊، وأعظمها القرآن، والثمن القليل: هو ما كان رؤَساؤُهم من رجال الدين يحرصون عليه من الرياسة والمنافع المالية. وإنما وصف الثمن بالقلة لأن كل ما عدا الحق قليل وحقير، فإن مَنْ جَانَبَ عزة الحق، خسر عقله، وخسر منزلة الرضا عند ربه، وآثر ما يفنى على ما يبقى، وما اعظمها من خسارة! ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾: أي لا تتقوا غضب رؤَساثكم ومرؤوسيكم بدوامكم على الكفر، ولكن إياى وحدى فاتقون: بالإيمان واتباع الحق، والإعراض عن متاع الدنيا. ٤٢ - ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي لا تخلطوا الحق الذي علمتموه، بالباطل الذي تخترعونه وتكتبونه، حتى يشتبه أَولهما بالآخر، أَو: لا تجعلوا الحق ملتبسًا على أتباعكم وخفيا عليهم، بسبب الباطل الذي تكتمونه في أثنائه، أو تذكرونه في تأْويله. ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾: معطوف على تلبسوا، داخل معه تحت النهى السابق، أي: لا تجمعوا بين الجريمتين؛ لبس الحق بالباطل وكتمانه، فكل منهما كبيرة في الجرائم.

стр. 85

﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي والحال أنكم عالمون بالحق، وليس لكم عذر بالجهل. وما أَقبح صدور الذنب ممن يزتكبه وهو عالم! ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ المفردات: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: اجعلوها قائمة باستكمال متطلباتها. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: أعطوها لمستضيها. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾: صلُّوا في جماعة. التفسير ٤٣ - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾: بعد أن دعاهم الله إِلى الإيمان بما أنزل على محمد، أمرهم بالأعمال الصالحة، فإن الإيمان كالأَساس، والعمل الصالح كالبناء عليه. وذكر في الآدة عملين من الأعمال الصالحة: أولهما: الصلاة؛ وهي عنوان العبادة البدنية، ومعراج الأرواح للمناجين ربهم. وهي عماد الدين. والثاني: الزكاة؛ وهن العبادة المالية، وهي أَثر من أجل آثار الإيمان، تعالج مرض الشح والبخل في النفس، وتعتبر من أهم عوامل الإصلاح الاجتماعى، وعنوان الشفقة من أَغنياء المؤْمنين على إخوانهم الفقراء والمساكين. واقتصر عليهما لأهميتهما بين أركان الإسلام. و"أل" في (الصَّلَاة) و (الزَّكاَة) للعهد. والمعهود صلاة المسلمين وزكاتهم. أمرالله بهما اليهود- بعد أمرهم بالإيمان وعدم كتمان الحق- ليجمعوا بين الإيمان والعمل الصالح. ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي صلوا مع المصلين جماعة، فإنها تفضل صلاة الفذ بسبع وعشربن درجة، لِماَ فيها من اجتماع النفوس وتآلف القلوب.

стр. 86

والتعبير عن الصلاة بالركوع: احتراز عن صلاة اليهود التي لا ركوع فيها، وهو من إطلاق الجزء على الكل، ويصح أن يكون المعنى: واخضعوا مع الخاضعين، فإن من معانى الركوع: الخضوع، قال الشاعر: لا تحقرن. الضعيف علَّك أن … تركع يومًا والدهر قد رفعه ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾. المفردات: ﴿بِالْبِرِّ﴾: بالتوسع في الخير. ﴿الْكِتَابَ﴾: التوراة. ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾: لثقيلة ﴿الْخَاشِعِينَ﴾: الخاضعين. ﴿يَظُنُّونَ﴾: يعتقدون ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ في الآخِرة لنيل ثوابه التفسير ٤٤ - ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ … ﴾ الآية. هذا توبيخ من الله لبني إسرائيل، وتعجب من شأنهم، والخطاب فيه- وان كان خاصا بهم فهو عام من حيث المعنى: يرادبه توبيخ كل واعظ يأمر بالخير ولا يأْتمر، ويزجر عن

стр. 87

الشر ولا ينزجر. والبر: يتناول جميع أصناف الخير، فيشمل عبادة الله، والإحسان للاقارب والغرباء، وغير ذلك. والخطاب لعلماء اليهود، فإنهم كانوا يأمرون الناس بالخير ولا يفعلونه. ومن ذلك أنهم كانوا يأْمرون بالصدقة ولا يتصدقون. ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾: النسيان؛ السهو الحادث بعد العلم، والمراد به هنا: الترك؛ لأَن أحدا لا ينسى نفسه، بل يحرمها من البرويتركها، كما يتْرك الشئ المنسى، مبالغة في الغفلة وعدم المبالاة بما ينبفى أَن يفعله في حقها. ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ تقرءون التوراة وتدرسونها. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: هذا استنكار واستهجان لعدم تعقلهم؛ إذ نصحوا سواهم وتركوا أنفسهم. والعقل في الأصل: المنع والإمساك. سمى به النور الروحى، الذي به تدرك العلوم الضرورية والنظرية، لأنه يمسك النفس؛ ويمنعها عن تعاطى ما يقبح، ويعقلها على ما يحسن. ومعنى الآية: لا ينبغى لكم يا بني إِسرائيل. أن تامروا الناس بخصالْ الخير. وتتركوا أنفسكم فلا تزكوها بصفات البر، وأَنتم تتلون كتاب التوراة: التي توجب البر على النفس وعلى الناس، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) قبح صنيعم شرعا لمخالفته ما تتلونه في التوراة، وعقلا؛ لأن تطويع النفس للبر والخير يجب عقلا أن يسبق تطويع الناس لهما، فإن الناس لا يأخذون كرائم الأخلاق، ولا يعملون بها إلا إذا رأوا الدعاة إليها يعملون بها قبل غيرهم. ٤٥ - ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ … ﴾ الآية. لما أمرهم الله بترك الضلال والإضلال، والتزام الشرائع- وكان ذلك شاقا عليهم لما فيه من مخالفة الطبع، وحب الرياسة والجاه والمال - طلب منهم أَن يستعينوا بالصبر والصلاة، فإنهما كفيلان بتذليل الصعاب وإزاله العقبات التي تعترض في سبيل الهدى والبر المأْمور بهما. والصبر: ضبط النفس والسيطرة عليها، بحيث تحتمل ما تكره انتظارًا للفرج، وتمننع عن لذائذها وشهواتها إن لم تكن من حقها.

стр. 88

وهو صفة الصالحين، فهم لا يقنطون من رحمة الله. إِذا مسهم البلاء، ولا يندفعون في المعصية، ولا يطغون إذا مستهم النعماء. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ (١). والصبر: دعامة كل عمل صالح، ومعين على اجتياز المصاعب. وقد أمر الله تعالى بالاستعانة بالصبر فى كل الأُمور؛ بأن نصبر على مشقة الطاعات، وصعوبة البعد عن الشهوات وعن اللذات الآثمة، وعلى مكاره الشدائد والمحن، امنثالا لأمر الله في الأُولى، وصبرا على بلائه فى الأُخرى. كما أَمر بالاستعانة بالصلاة، لما فيها من العبادة النفسية والبدنية وإظهار الخشوع لله. وكل ذلك يزكى النفس ويقويها على احمال التكالف والشدائد. ولذا حث الله نبيه وأمته عليها بقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ (٢) وكان النبي- ﷺ إذا حزبه أمر، فزع إلى الصلاة. ويحتمل أن المراد بالصلاة: معناها اللغوى؛ وهو الدعاءُ، فإنه من خير ما يستعان به. والخطاب موجه إلى اليهود بعد دعوتهم إلى الإيمان والعمل الصالح.، ليجمعوا- إِلى. الإيمان المطلوب- هذه العبادات. فكأَنه قيل: ولا تكتموا الحق- وهو نبوة محمد- فأعلنوه وآمنوا به؛ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصلوا مع المصلين من المسلمين، بعد ايمانكم، ولا تأَمروا الناس بالبر على حين تهملون أنفسكم. وأول خصال البر والخير هو الإيمان، واستعينوا بالصبر والصلاة على الأمر كله. وللخطاب مفة العموم فى الحكم لجميع المسلمين أيضًا، كما سيأْتى. ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾: الضمير في ﴿إنَّهاَ﴾ عائد إلى الصلاة، أي وإن الصلاة لثقيلة إلا على الخاشعين الخاضعين بقلوبهم لله، أو عائد إلى جميع الأُمور؛ التي أمر بها بنو إسرائيل، والتي نهوا عنها، في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ الآيات.

стр. 89

ومعنى كونها كبيبرة: أنها صعبة ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾: وهم المتواضعون الخاضعون بقلوبهم. وإنما لم تثقل عليهم لأنهم يرونها حقًّا لله، ويتوقعون حسن الجزاء عليها، فتهون عليهم. ولذا قيل: مَن عَرَف ما يطلب، هان عليه ما يبذل، ومن أَيقن بالخلف، جاد بالعطية. والخشوع: حالة فى النفس، تستتبع في القلب التسليم لأحكام الله، وفي الجوارح السكون والتواضع على الوجه اللائق. والخشوع المتكلف- بالتباكي وطأْطأَة الرأس- مذموم شرعا. فهو من الرياء، يفعله الجهال؛ لِيُرَوا بعين البر والإجلال. ولهذا قال عمر لشاب نكس رأسه: "يا هذا، ارفع رأسك" فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب. ٤٦ - ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ … ﴾ الإَلة. الظن هنا: بمعنى العلم والتيقن، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ (١) وقيل: الظن بمعناه المعروف، وهو إدراك الطرف الراجح، على أن تجعل ملاقاة الرب مجازا عن الموت، لأنهم يلقون بعده ربهم، ويكون المراد: ونها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يتوقعون الموت في كل لحظة، ويعلمون ما وراءه من البعث والحساب، فهؤُلاء لا يكون الصبر على الطاعة وعلى ترك المعاصى كبيرة على نفوسهم، كما لا تكون الصلاة ثقيلة على نفوسهم أيضًا، حذرا من العقاب- بعد البعث- على معصية الله. ويجوز أن تفسر ملاقاة الرب بملاقاة ثوابه، وذلك مظنون فالزاهد العابد، لا يقطع بكونه ملاقيا ثواب الله. بل يظن ذلك، ليحمله هذا الظن على كمال الخشوع. والأول أولى؛ لقوله تعالى عقبه: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: أي ويعلمون أنهم إلى ربهم راجعون للحساب والجزاء، فإن الإيمان بالبعث وما وراءه، لا ينفع فيه الظن، بمعناه المعروف، إذ لا بد فيه من القطع واليقين، الذى هو العلم. وهذه الآيات الثلاث - وإن نزلت في علماء بني إسرائيل - فالحكم فيها عام، يشترك فيه علماءُ الإسلام، ورجال جميع الديانات السماوية من قبل. فهو مبدأ مقرر فيها، فَمَن

стр. 90

أمرَ بالبر، ينبغى له أن يسبق من يدعوه إِليه، فلا ينسى نفسه ويذكر الناس، وعليه أن يستعين بالصبر والصلاة على قهر النفس وتطويعها للبر، وعل تحمل مشاق الحياة ومتاعبها، فإنهما يمنحان النفسى قوة الاحمّال، ويسهلان لها صعاب الأُمور. ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾. المفردات: ﴿نِعْمَتِيَ﴾: المراد بها؛ جميع مما انعم الله به عليهم. ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أي على عالمى زمانهم، قبل أن يضلوا، وتنسخ شريعتهم بما بعدها. ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: أي لا تقضى عنها شيئًا من الحقوق. ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾: أي ترد شفاعة من يشفع لها، لو فرض أنها وجدت شفيعًا. ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: أي ولا هم يمنعون من عذاب الله لهم. التفسير في هاتين الآيتين، يذكر الله تعالى، بني إسرائيل بنعمه التي انعمها عليهم، ويطلب منهم أن يقوا أنفسهم ويحموها من العقاب، بالايمان والعمل الصالح. ويخبرهم: أنهم إن جاءُوا بشفاعة شفيع، فلن تقبل منهم، أو أعْطَوْا فديةً فلن تؤْخذ منهم، أو حاولوا الخلاص بالقهر، فلن يتمكنوا منه. فلا منجاة من عذاب الله لمن يستحقه. وفيما يلي تفصيل ذلك:

стр. 91

٤٧ - ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ … ﴾ الآية. كرر نداءهم وتذكيرهم بنعمته عليهم؛ للتوكيد وربط ما بعده - من الوعيد الشديد- بتجاهلها، ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أي فضلت آباءكم الذين كانوا قبل نسخ شريعتكم. وإنما وجَّه الخطاب- بالتفضيل- إلى المعاصرين للنبى- ﷺ باعتبار أن نعمة الآباء نعمة عليهم. والمراد بالعالين: سائر الوجودين في وقت التفضيل. وتفضيلهم عليهم، إنما كان بما منحهم الله. من النعم؛ المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا … ﴾ (١). ولأنهم كانوا وقتئذ، أصحاب دين سماوي، وغيرهم كانوا يعبدون الأَوثان. فلذا، فضلوا غيرهم. ولا يفهم من الآية تفضيلهم على النبي محمد- ﷺ وامته. بل هو ﵇ وأُمته أَفضل مننهم. قال تعالى. موجها كلامه لأُمة محمد: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ … ﴾ (٢) ٤٨ - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا … ﴾ الآية. المراد: من اتقاء اليوم، اتقاء ما يحصل فيه من العقاب والشدائد، بالإيمان والعمل الصالح. ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: أي لا تقضى نفس عن نفس شيئًا من الحقوق في هذا اليوم. فالحقوق منوطة بأصحابها التزامًا وقضاء. تقول: جزى عني- هذا الأمر، أي قضاه عنى. وقرأ أبو السماك ﴿لَا تَجْزِي﴾ من أجزأ عنه، إذا أغنى. أي لا تغنى نفس عن نفس شيئًا، من الإغناء، ولا تجديها نفعًا.

стр. 92

وفي الآية من التهويل والإيذان بانقطاع المطامع ما لا يخفى. ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾: الضمير في ﴿مِنْهَا﴾ للنفس الثانية، وهي الكافرة؛ لأَنها أقرب مذكور، وليوافق قوله بعد: ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ ولأنه المتبادر من قوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أَي أن النفس الكافرة، لو استأذنت ربها في شفاعة شفيع، فإنه لا يجيبها إلى رغبتها. وقد استدل المعتزلة - بعموم الآية- على أنه لا شفاْعة لأهل الكبائر. وهو مردود بما ورد في الكتاب والسنة من قبول الشفاعة بإذن الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ … مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ … ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿ … وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٢) إلى غير ذلك من الآيات. وقد ثبتت الشفاعة للمؤْمنين المقصرين نصُّا، فيما رواه البخاري عن النبي- ﷺ حيث قال: "أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة، من قال: لا إلَه إلا الله، خالصًا مخلصًا من قَلْبِهِ" وفي رواية: "مِن نَفْسِه". وفيما رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي عن جابر، والطبراق عن ابن عباس، عن النبي- ﷺ : "شفاعتى لأهل الكبائر من أمتي"إلى غير ذلك من الأحاديث. وقد وردت أحاديث الشفاعة مطولة في كتاب التوحيد من صحيح البخاري. وفي باب الإيمان في صحيح مسلم وغيرهما. فالمراد من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ اليهود، فإن الخطاب معهم لردهم عما يعتقدونه من شفاعة آبائهم الأَنبياء لهم. ومثلهم في حكمهم: جميع الكفار من النصارى والوثنيين ومن لا عقيدة لهم. وإنما يقبل الله الشفاعة للمؤْمنين المقصرين. رحمة بهم بسبب إيمانهم الذي خلطوه بعمل صالح وآخر سيئ. وهؤُلاء قد وعدهم الله بالغفران إن تابوا. قال تعالى: ﴿ … خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ … ﴾ (٣).

стр. 93

والشفعاءُ الذين تقبل شفاعتهم بإذن الله، هم: الأنبياءُ والملائكة والصالحون. ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: أي فدية، كما قال ابن عباس. قال الآلوسي: وأصل العدل -بفتح العين- ما يساوى الشيءَ قيمة وقدرًا. وإن لم يكن من جنسه- وبكسرها- المساوى في الجنس والجرم. انتهى. سميت به الفدبة؛ لأَنها تساوى المفدى وتجزئُ عنه. ومعنى الآية: أن النفس الكافرة إِن جاءت بشفاعة شفيع، لم تقبل منها، ولو أَعطت فدية لم تؤخذ منها. ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: النصر؛ العون، فالمعنى: ولا هم يعانون بالقوة حق يفلتوا من العقاب، فهم ونصراُّوهم مقهورون مذللون تحت سلطانه تعالى. وقد سدت الآية عليهم - بما تقدم - طرق الإفلات من العقاب، إذ دلت على أنهم لا ينجون منه يشفاعة شفبع لهم، ولا بفداء يقدمونه، ولا بنصير يحمبهم ويخلصهم من العذاب بقوته وجاهه. ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ المفردات: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾: بوقعون بكم العذاب السيِّءَ. ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: يبفونهن أَحياءَ. ﴿بَلَاءٌ﴾: اختبار، أو مشقة ومحنة. ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾: فصلناه.

стр. 94

التفسير ٤٩ - ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: أي واذكروا نعمتى، وقت إنجائكم من عدوكم فرعون، فى عهد موسى ﵇. والحقيقة أَن الإنجاء منه كان لآباء المخاطبين بهذا التذكير، وهم من كانوا في عهد نبينا محمد- ﷺ من اليهود ولكنهم- لما نجوا منه بإنجاه آبائهم- اعتبر إنجاء آبائهم نعمة عليهم. فلهذا ذكرهم الله بها. وآل فرعون: أهله. والمراد: نجيناكم من فرعون وآله، وهم من ينسبون إِليه والمراد: رعيته، ويطلق على من يؤُول إليك؛ في قرابة أو رأى أو مذهب، فألفه بدل من الواو كما قال يونس: ويخص- في غالب الاستعمال- بالإضافة إلى من له خطر وشان، ولا يضاف إلى مؤَنث، فلا يقال آل عَزَّةَ مثلا، وقد يضاف إلى من لا خطر له كآل الكوفة وقد لا يضاف، نحو: هم خير آل. وفرعون: لقب لمن ملك مصر، ككسرى لملك الفرس، وقيصر لملك الروم، وخاقان لملك الترك، وتُبَّع لملك اليمن، والنجاشي لملك الحبشة. ويرجح بعض الباحثين: أَن فرعون موسى هو منفتاح بن رمسيس الثاني، ارتكازا على بعض عبارات مأْثورة عثر عليها في لوحة في "تل العمارنة" حديثًا. ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ بمعنى: يبغونكم العذاب ويطلبونه لكم. من: سامه خسفا. إذ أولاه ظلما. وسوء العذاب: سيئه. وأفظعه. وهو من اضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي يُذيقونكم العذاب السيِّيء الفظيع، وهو ما في قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ فهو بدل من ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ و ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ - بالتشديد- على التكثير. فقد كان فرعون يذبح الأطفال الذكور، ويبقى البنات، كما كان يقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه، والتجمع لإفساد أمره. وقيل في سبب ذلك: إن فرعون خاف من ذهاب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل، ففعل ما فعل، وكان أمر الله قدرا مقدورا، وكان- هو ورعيته- إلى جانب ذلك يستخدمونهم في الأعمال الشاقة المهينة.

стр. 95

﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: أي يستبقون بناتكم- يا بني إسرائيل- أحياءَ لخدمتهم. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: الإثارة راجعة إلى العذبيح والاستحياء، أو إلى الانجاءِ أو إلى الجميع، فإن البلاء: الاختبار. وهو يكون بالضار لبصبروا، وبالسار ليشكررا، وبهما جمبعا ليشكروا على السار وبصبروا عل الضار. ولا نخلو اختباراته تعالى وبلاؤُه. لعباد. من حِكَم. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي من مالك أموركم. الذي يبلوكم بالشر والخير فتنة وامتحانا؛ ليثيب من شَكر على السراء. ويحرم الثواب من لم يصبر على الضراء. والإشارة إلى المخاطبين في عهد محمد- ﷺ لأن ما أصاب آباءهم، فكأنما أصابهم، ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة، وتنكير ﴿بَلَاءٌ عَظِيمٌ﴾: للتفخيم. ٥٠ - ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ … ﴾ الآية. هذ. نعمة أخرى غير ما تقدم ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾: فَصَدنا بين مياهه، حتى صارت فيه مسالك لكم. والباءُ في ﴿بِكُمْ﴾ بمعنى اللام، أي فرقنا لأجلكم البحر لكي ننجبكم من فرعون وقومه، وتلك نعمة كبرى، تقتضى منهم مزيد الشكر عليها؛ بالإيمانْ والعمل الصالح. وقيل: الباء للملابسة أي فرقنا البحر حال كونه ملتبسا بكم. والبحر كما قيل: هو بحر القلزم، ويطلق على الذى ماؤُه ملح والذي ماؤه عذب، ومنه قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ (١). ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ في الكلام مُقَدرٌ: يدل عليه ما عرف من القصة في نواحى القرآن. وحذف ما يعلم جائز وبليغ. والتقدير: واذ فرقنا بكم البحر وتبعكم فرعون وجنوده، فأنجيناكم من الغرق، ومن إدراك فرعون وآله لكم، ومما تكرهون، إذ أخرجناكم منه سالمين، وأغرقنا أعداءكم: فرعون وآ له- من القواد والجنود الذين تبعوكم ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: أي تنظرون جميع ما مر، وفي ذلك تقرير ﴿للنعمة﴾ عليهم، والخطاب لمعاصري النبي ﷺ باعتبارأنهم أبناءُ مَنْ صنع الله بهم هذ. النعمة الكبرى.

стр. 96

وهذه الواقعة، من الآيات الملجئة إلى العلم؛ بوجود الصانع الحكيم، وتصديق موسى، ﵇، ولكنهم كفروها إِذ عبدوا العجل بعدها-، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً … ﴾ (١) وغير ذلك من سيئاضهم فلا كر، بة في أن يكفر معاصروهم للنبى محمد ﷺ برسالته ومعجزاته. فالجحود فيهم فرض قديم. ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾. المفردات: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ أعطيناه موعدا أن ننزل التوراة عليه بعد أربعين ليلة. ﴿اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾: أي جعلتموه إلها. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي من بعد موسى. والقصود: من بعد مضيه لتلقي التوراة. ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾: أي حين تبتم. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: من بعد الاتخاذ. التفسير ٥١ - ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً … ﴾ الآية. في هذه الآية: إِنعام آخر على بني إسرائيل، بعد ما جاوزوا البحر. فقد وعد الله موسى ﵇ أن يعطيه التوراة بعد أربعين ليلة، وقَبِلَ موسى، فالمواعدة- على هذا- من الجانبين. فهي هن الله وعد، ومن موسى ﵇، قبول. على حد قول الطبيب: عالجت ألمريض، فالعالجة من الطبيب فعل ومن المريض قبول.

стр. 97

ويجوز أَن تكون المفاعلة على غير بابها، فتكون المواعدة بمعنى الوعد من جانب واحد، وذلك مأْلوف في كلام العرب مثل: عاقبت اللص وشاهدت الحديقة، فتكون. المواعدة من الله خاصة لموسى، إذ هي بمعنى: وعدنا موسى. وتدل له قراءة أبى عمرو ﴿وَاعَدْنَا﴾. ويجوز أن يكون واعدنا بمعنى: وافينا، أي: وافيناه بالتوراة بعد أربعين ليلة. وموسى: اسم أعجمى لكليم الله، الذي بعثه لبنى إِسرائيل، وهو منهم. وتعبير الله عن ميقاته بقوله: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ إما لأن افتتاح الميقات كان من الليل، أو لأن الأشهر القمرية تربئ بالهلال، والهلال يرى ليلًا. وأكثر توقيتات القرآن بالليل. ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي صنعتموه من ذهب على شكل العجل، أَو جعلتموه إلها. وعلى المعنى الأول: يتعدى إلى مفعول واحد وهوْ العجل. وعلى الثاني: يتعدى إلى مفعولين والثاني محذوف تقديره "إلها" وهو المقصود. فكلهم عبدوه-، إلا هارون وقلة معه، أو إلا هارون والسبعين الذين كانوا مع موسى ﵇ في ميقات ريه. والعرب. تذم أو تمدح القبيلة بما صدر عن بعضها. والعجل: ولد البقرة الصغير. وقد رأى السامري- عند بني إسرائيل- رغبة جامعة، في عبادة العجل، كما كانوا يفعلون بمصر في عهل الفراعنة، إذ كانوا يعبدون معهم العجل (أبيس) فانخذ من الْحُليِّ تمثالا على صورة العجل، وجسمه ووضعه في مستقبل الريح، فإذا دخلته أحدثث صوتا كخوار العجل، فعبدوه الهذا. وفى الآية تسرية عن النبي ﷺ لماكان يشاهد من جحودهم؛ لنبوته وللكتاب الذي أنزل عليه، وإيذان بان عليه أن يصبر كما صبر موسى في هذه الواقعة، فإن بني إسرائيل- بعد أَن خلصهم الله من فرعون، وأراهم المعجزات العجيبة من أول ظهور موسى إلى ذلك الوقت- اغتروا بتك الشبهة الواهنة التي لا تقتضى أُلوهية العجل، فعبدوه. ثم إن موسى- إذاكان قد صبر على ذلك- فلأن يصبز محمد- صلى. الله عليه وسم- على أَذى قومه أولى؛ لأنه سيد أولي العزم.

стр. 98

﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾: أي في إشراككم، إذ وضبتم العبادة في غير موضعها، وعرضتم أَنفسكم بذلك لعقاب الله. والظلم لغة: وضع الشئ فى غير موضعه ومجاوزة الحد. والجملة حال أو تذييل، لإفادة أنهم قوم عادتهم الظلم، وقد أكد تمكن الظلم منهم، بالجملة الاسمية المفيدة للاستمرار. وفي الآية تنبيه إلى أن ضرر الكفر لا يعود إلا عليهم، لأنهم ما استفادوا بذلك إلا أنهم ظلموا أنفسهم بتعريضها للعفاب. ٥٢ - ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ … ﴾ الآية. العفو لغة: المحو والإزالة. والمراد به هنا: غفران ذنبهم، وشركهم بعبادة العجل، بعد توبتهم منه. والتعبيربلفظ ﴿ثُمَّ﴾ للإيذان بالتفاوت الكبير بين إشراكهم القبيح، وبين لطفه تعالى؛ بالعفو عنهم لما تابوا. والمعنى: ثم محونا عنكم عقوبتكم على اتخاذكم العجل إلهاْ، بعد توبتكم منه. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: لعل هنا للتعليل، أي: لكي تشكروا نعمة عفوه تعالى، بالاستمرار على طاعته، والعدول عن معصيته. ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾. المفردات ﴿إذْ﴾: ظرف للوقت الماضي. ﴿آتَيْنَا﴾: أعطينا. ﴿الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ أي التوراة الجامعة ببن كونها كتابا، وكونها فارقة ببن الحق والباطل.

стр. 99

التفسير ٥٣ - ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: هذا هو الإنعام الرابع على بني إسرائيل. والمراد بالكتاب والفرقان: التوراة، فهي جامعة بين كونهاِ كتابا سماويا وفارقة بين الحق والباطل، والعطف لتغاير العنوان، وذلك على حد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفُزقَانَ وَضِيَاء وَذكْرًا … ﴾ (١). أو المراد بالكتاب: التوراة. وبالفرقان: معجزات موسى ﵇، لأَنها فرقت بين الحق والباطل، أو النصر على فرعون وقومه بإغراقهم. فهو فارق بينهم وبين بني إسرائيل، كما سمى يوم بدر: يوم الفرقان. والمعنى: ولقد آتينا موسى التوراة وما يفَرِّق بين الحق والباطل، لكي يهتدي بذلك بنو إسرائيل إلى الحق، ويرجعوا عما هم فيه. من ضلالة. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ المفردات ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾: أي بعبادة تمثال العجل. ﴿بَارِئِكُمْ﴾: خالقكم. ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: فاصنعوا بها ما يشبه القتل، وهو الحسرة والندم واللوم الشديد. ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: فقبل توبتكم.

стр. 100

التفسير ٥٤ - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: بين الله في هذه الَاية؛ طريقة توبة اليهود عن عبادة العجل، إلتى استعقبت العفو عنهم. والمعنى: واذكر يا محمد، لمعاصريك من اليهود، فضل الله عليهم، إذ أَمر نبيه موسى فقال لآبائهم: يا قوم، انكم ظلمتم أنفسكم، إِذ عرضتموها لعقاب الله باتخاذكم العجل إلها، فعبدتم تمثالا؛ نقربا إليه، مع أَنه- كأصله- مخلوق الله، ولا قدرة له على شئ في نفسه ولا غيره، فتوبوا إلى الله الذي خلقكم وسواكم في أحسن تقويم، فَأَهلِكُوا أنفسكم بالندم على هذه الجريمة، والإقبال على الطاعة له تعالى. ذلكم خير لكم عند خالقكم في الآخرة، لما فيه من عظيم الثواب والبعد عن شديد العقاب .. إنه- تعالى- هو الذى يقبل التوبة كثيرًا عن عباده، البليغ الرحمة بهم. مباحث الآية ١ - ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾: البارئُ؛ هو الذي خلق الخلق بريئًا من التفاوت. قال الله تعالى: ﴿ … مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ … ﴾ (١) فقد خلق الاعضاءَ متناسبة متميزا بعضها عن بعض، في الصورة والوظائف، وجعل كل عضو بقوم بوظانفه العجيبة على الوجه الأَكمل -دون عناءِ- في تعاون مع سائر الأعضاه، كما جعل الناس متمايزين في الصورة. حتى بعرف بعضهم بعضا. فلا ترى أحدًا بشبه الآخرمماما في صورته. إلى غير ذلك عن سباب الكمال في الخلق. وصدق الله تعالى إذيقول في سورة (التين): ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾

стр. 101

وفي ذكر: الباريءِ في هذا المقام، تقريع لهم بما كان منهم؛ من ترك عبادة الله الذي برأهم بلطيف حكمته، إلى عبادة ما لا يقدر على شيءٍ، وهو مثل في الغباوة والبلادة .. والفاءُ هنا. تفيد تسبب الأمر بالتوبة على اتخاذهم العجل. ٢ - ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: المتبادر من القتل، إزهاق الروح، فإن كانت توبتهم هي القتل، فالمراد بقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا﴾: اعزموا على التوبة، هذا إذا كانت الفاءُ للتعقيب. فإن كانت تفسيرية. فالتوبة على أصل معناها، والقتل تفسير لها، كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ … (١)﴾. وإن كانت توبتهم هي الندم المعبر عنه بالقتل مبالغة، فعطف القنل على التوبة للتفسير، ولا إشكال فيه. وكثير عن المفسرين- سلفًا وخلفًا- على أَن القتل حقيقي. قال سفيان بن عيينة: كانت- توبة بني إسرائيل القتل. وقال الزهري: لما قيل لهم: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قاموا صفين. وقتل بعضهم بعضًا حتى قيل لهم: كفوا، فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحي اهـ. ورُوِىَ: أنه أَمر من لم يعبد العجل أن يقتل من عبده. قيل: كانت جملة القتلى سبعين أَلفا. وبتمامها نزلت التوبة وسقطت الشِّفَارُ من أيديهم. ونظرًا لأنه لم يأْت نص يعول عليه في السنة، يقتضى أَن القتل حقيقي-، فقد جنح بعض العلماءِ إلى أن المراد بالآية: اجعلو اأنفسكم كالمقتوله: بمزيد الغم والندم والإذلال. وقدورد استعمال القتل في غير حقيقته في اللغة والسنة. ومما وردفى ذلك قوله ﷺ :"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الأَخير منها". أَي أبطلوا دعوته كمن مات- اهـ من لسان العرب. وقد صدَر أبو السعود والبيضاوى تفسيرالآية بهذا المعنى المجازى، فقال كلاهما: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: إتماما لتوبتكم بالبخع (٢) أوقطع الشهوات اهـ.

стр. 102

ومن الحكم: من لم يعذب نفسه لم يَنعمها، ومن لم يُقتلها لم يُحْيها. ذكره البيضاوى في تفسير الآية. وأنكر القاضى عبد الجبار، أن يكون الله تعالى قد أمر بنى إسرائيل بقتل أنفسهم، إذ الأمر لمصلحة المكلف، وليس بعد القتل حال تكليف ليكون فيه مصلحة. وقرأ قتادة ﴿فَأَقِيلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: بالياءِ بدل التاء. والمعنى: إن أنفسكم تورطت في هذا الذنب العظيم، وفعلت ما يهلكها، فأقيلوها وارفعوها من هذه الورطة؛ بالتوبة والتزام الطاعة. وهذه القراءَة تزكى المعنى الثاني لقتل النفس المطلوب منهم. ٣ - ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ جملة معترضة: للتحريض على التوبة. يعني أن قتلهم لأنفسهم - بالندم على عبادة العجل- خير لهم من بقائهم على عبادته، لما يترتب عليه من العذاب والهلاك الدائم. وكرر كلمة الباريءِ، اعتناءً بالحث على التسليم لما أمَرَ به، وتَلَقى ما يرد من قبله بالقبول والامتثال. ٤ - ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ إِن كان خطابا من الله لهم، فهو معطوف على محذوف، وكأنه قال: ففعلتم ما أَمركم به، فتاب عليكم بارئكم. وإِن كان كلام موسى، فهو جواب شرط تقدبره: إن فعلتم ما أمرتم به. فقد تاب عليكم. وإنما لم يقل: فتاب عليهم، ليعود الضمير على القوم أَسلافهم، لأن هذه نعمة أريد بها تذكير المخاطبين في عهده ﷺ . لا أسلافهم. فالنعمة على الآباءِ نعمة على الذرية. ﴿إِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾. المفردات: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾:"لن"؛ لنفي الفعل في المستقبل، ولا تفيد تأكيدًا ولاتأبيدًا، خلافًا للزمخشري، حكاه صاحب القاموس. والإيمان: التصديق الجازم.

стр. 103

﴿جَهْرَةً﴾: هي في الأصل مصدر جهرت بالقول، استعيرت للمعاينة، لتشابههما في الوضوح والانكشاف. ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: هي نار جاءتهم من ناحية السماء فأحرقتهم. ومن معانيها: الموت وكل عذاب مهلك. التفسير ٥٥ - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: أضفى الله تعالى على بني إسرائيل الآلاءَ السابقة، وقابلوها بالكفر، حتى عيدوا العجل. ودعاهم إلى التوبة: بالندم وكف نفوسهم عن أهوائها وشهواتها، فلما تابوا قبل توبتهم. ومع كثرة البينات المتوالية التي قدمها موسى بإذن من الله تعالى، تفننوا في الطلب، وحسبوا أن الله تعالى في مكان وله حيز، بحيث يمكن أن يروه جهرة في الدنيا، فقالوا لن نؤْمن لك حق نرى الله جهرة: أي معاينة. فالآية سبقت؛ لبيان تعنتهم في طلب الآيات، وتأثرهم بما فاله سيدهم فرعون مصر لهامان: ﴿ … يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (١)﴾. وفي ذلك عبرة وتسلية للنبى ﷺ ، فيما يلقاه من تعنتهم. والمعنى: واذكروا أيها اليهود المعاصرون للنبى ﷺ ، إذ قال أجدادكم لموسى ﵇: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ … ﴾ أي لن نسلم لك - مصدقين مذعنين راضين مطمئنين- ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾: أَي حتى نراه مشاهدة وعيانا. أو الجهرة صفة لخطابهم، كما روى عن ابن عباس.

стр. 104

والمعنى على الرأْي الثاني: واذ قلتم- جهرة وعلانية غير مبالين- يا موسى، لن نؤْمن من أجل قولك، حتى نرى الله بأَعيننا. ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: استولت عليكم وأهلكتكم، لفرط عنادكم وطلبكم المستحيل. والصاعقة: الموت، أو نار سفطت عليهم من السماء. ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: أي تنظرون اليها، وهي نصيبكم وتباشر اهلاككم. ٥٦ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ … ﴾ الآية. ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ بالصاعقة، وكان ذلك بدعاءَ موسى ﵇، ومناشدته ربه بعد أن أفاق. والموت هنا، ظاهر في مفارفة الررح الجسد بقرينة ذكر البعث معه. وقال بعض العلماءَ: كان موتهم غشيانا رهمودا، لا موتا حقيقيا. كما فى قوله تعالى: ﴿ … وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ (١) … ﴾. والمراد من البعث على هذا، إعادة النشاط والصحو لهم. وقال آخر: موتهم؛ هوجهلهم الذي كانوا فيه. وبعثهم: تعلمهم أحكام التوراة؛ ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ … ﴾ (٢) وقول الشاعر: وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى … يُظَنُّ من الأحياء وهو عديم ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي لكي تشكروا نعمته تعالى ببعثكم بعد الموت، أو جميع نعمه بعد ما كفرتموها. والمراد من شكرهم- له تعالى: ما يعم قيامهم بما كلفوا به، وتركهم لما نهوا عنه قبل موتهم بالصاعقة، فإن الله- بعد موتهم- بعئهم لييشكروه تعالى: بالعمل بما شرعه لهم قبل صعقهم، حتى تغفر لهم جرائمهم. فلفظ الشكر: يتناول جميع الطاعات، لقوله تعالى: ﴿ … اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكرًا … ﴾ (٣).

стр. 105

﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾. المفردات: ﴿الْغَمَامَ﴾: السحاب. واحده غمامة، كسحابة. سمى به: لأنه يغم وجه السماء، أي يستره. ﴿الْمَنَّ﴾: المشهرر، أنه الترنجبين. وهو شئٌ يشبه الصمغ: حلو مَشوب بحموضة. ﴿وَالسَّلْوَى﴾: "طائر يشبه السمانى، أَو هو السماني بعينها. التفسير ٥٧ - ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: هذه الآية تتضمن الإنعام السابع على بني إسرائيل، وهي معطوفة على ﴿بَعَثْنَاكُمْ﴾ مؤْذنة بأن الإظلال بالغمام، كان بعد البعث، ولم يكن قبل الصعق، فإنهما جميعًا معطوفان بلفظ ﴿ثُمَّ﴾ على ما قبلهما، وهو أخذتكم الصاعقة، و ﴿ثُمَّ﴾: تفيد الترتيب على ما سبقها. والمعنى: وجعلنا الغمام يظلكم، بعدالبعث، ويرد عنكم حر الشمس في التيه. ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ المن هو- كما سبق- صمغة حلوة فيها بعض الحموضة، وكان ينزل عليهم كالندى، من الفجر إلى طلوع الشمس. وقيل: هو ما مَنَّ الله به عليهم من غير تعب ولا زرع. ومنه قوله ﷺ في حديث رواه مسلم: "الكمأَة من المَنِّ الذي أنزل الله على بني إِسرائيل" أي: بعض المن. والكمأة: نبات معروف. والسلوى: هي السماني أو طائر صغير يشبهها. وكانت تأتيهم بُكْرَةً وعشية فبخناروق سِمَانَها ويَدَعُون غيرها.

стр. 106

﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: المراد من طببات الأرزاق: مستلذاتها وفي الكلام قول مقدر. أي: وقلنا لهم: كلوا. ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ بتركهم لشكرنا، وإقبالهم عل معصيتنا، واقتراحهم أدنى الأرزاق وهو الفوم والعدس والبصل، بدلًا من خيرها وهو المن والسلوى ﴿لَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: أي ولكن كانوا لا يظلمون سوى أنفسهم، بتعريضها للعقاب والحرمان، دون أن يعود شئً من ظلمهم وآثاره على الله، والتعببر بجملة ﴿كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: يشير إلى أن الظلم لأنفسهم كان خلُقًا قديما فيهم، وأنهم مستمرون عليه. ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾. المفردات ﴿الْقَرْيَةَ﴾: المدينة من قريتُ إذا جمعت، سميت بذلك لأَنها تجمع الناس، وقبل: القرية: مسكن القلة من الناس. والمدينة: مسكن الكثرة منهم. والمشهور عن ابن عباس وغيره: أنها بيت المقدس. ﴿رَغَدًا﴾: واسعا هنيئا. ﴿حِطَّةٌ﴾: أي حطٌ لذنوبنا وغفرانٌ لها. ﴿رِجْزًا﴾: أي عذابا، وراؤه مثلثة. لغة. التفسير ٥٨ - ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ … ﴾ الآية

стр. 107

الظاهر أن الأمر كان على لسان موسى، وهو كالأوامر السابقة واللاحقة. والقرية على المشهور: هي بيت المقدس أو أربحا، ولكنالم نجددليلا يؤيد هذا القول المشهور، والأمر للإباحة، بدليل عطف ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ عليه، فإن الأمر بالأكل للإباحة، وهو غير الأمر المذكور في قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ … ﴾ (١)، فإنه للإيجاب. بدليل عطف النهي عليه في قوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾، فإن النهي فيه للتحريم وقد عوقبوا علي مخالفته بأن يتيهوا أربعين عاما، وأَمر الإباحة هنا مؤخر عن أمر التكليف في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾: أي فكلوا منها في أي مكان شئتم أكلا واسعًا: لا يقتصر على سد الجوع، وهذه نعمة كبرى، أنعم الله بها عليهم، بعد خروجهم من التيه: حيث أمرهم أن يدخلوا قرية ذات زروع وثمار، وأباح لهم أن يأكلوا من طيباتها - حيث شاءُوا - كلا واسعًا هنيئًا، بعد أن كانوا حيارى في التيه: مقصورين فيه على لون واحد من الطعام. وقد أمرهم الله أَن يدخلوها من بابها فقال: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ متطامنين خاشعين: شكرًا لله تعالى على إخراجكم من التيه، والإنعام عليكم بالاسترزاق في هذ. القرية. كما أَمرهم أن يسألوه تعالى: العفو عن ذنوبهم الماضية فقال لهم: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي حِطةٌ منك با الله لخطايانا وغفرانٌ لذنوبنا. ووعدهم الله أن يستجيب دعاءهم واستغفارهم عن خطاياهم فقال: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾: نستر لكم سيئاتكم السابقة، فلا نعاقبكم طيها ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: ثوابًا على إحسانهم، فوق غفران خطاياهم، ولكن هؤُلاء المنكرين للنعم لم يستجيبوا ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بما أمروا به وهو قولهم: حطَّةٌ، المفيد لطلب حط ذنوبهم وغفر انها ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ ليس فيه خضوع واستغفار لذنوبهم، إعراضا وعنادًا منهم لربهم ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: أي فأنزلنا عليهم- لظلمهم- عذابًا من السماءَ، بسبب ما استمروا عليه من الفسق المتجدد، والخروج عن الطاعة آنا فآنا. وظاهر قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ أنهم لم يشتركوا جميعًا في تبديل ماقيل لهم، بل الذين بدلوا هم الذين ظلموا.

стр. 108

وعلى هذا فإن النص يفيد: أن مَن دخل القرية قسمان: قسم أطاع ولم يبدل، وقسم عصى وبدل. فبدلًا من أن يدخلوا خاضعين خائفين متواضعين، دخلوا مستكبرين. وبدلًا من أن يستغفروا ويطلبوا حط الذنوب وغفرانها، لم يعترفوا بذنوبهم ولم يستغفروا الله منها، بل قالوا ما يخالف ذلك، استهزاءً بما كلفوا به، فاستحقوا أن ينزل الله عليهم من السماء رجزًا أي عذبا، بسبب فسقهم وفساد سرهم وعلانيتهم. ويصح أن يكون التبديل وقع منهم جمبعًا، وأن المعنى: فبدلوا- جميعًا- قو لا غير الدى قيل لهم، لظلمهم. ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾. المفردات. ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى﴾: طلب السُّقيا من الله. ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾: المراد بالعصا هنا، آية موسى، وهي المسئول عنها بقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ والمراد بالحجر: وليس حجرًا بعينه. ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾: أي فخرجت منه بقوة بعد انصداعه هذه العيون. ﴿كُلُّ أُنَاسٍ﴾: أناس؛ جمع لا واحد له من لفظه، وتخذف همزته مع أل. والمراد بهم: السبط من أولاد يعقوب؛ أي كل سبط. ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾: أي موضع شربهم. ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾: العثو عند بعض المحققين؛ مجاوزة الحد مطلقا، فسادًا أو غيره، ثم غلب في الفساد

стр. 109

التفسير ٦٠ - ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا … ﴾ الآيه. كلمة ﴿إِذِ﴾ تكررت خمس عشرة مرة، والقصص الخاصة ببنى إسرئيل. وهي في اللغة: لمطق الظرفية في الزمن الماضي.: هي على تقدير: اذكر: والمراد من ذكر الوقت فيها: تذكر ما وقع فيه من النعم والحوادث، لعل ذاك يفيدهم العبرة، ويهيئُ نقوسهم للتوبة والاستجابة لأَمر الله. ولم يعن القرآن بالترتيب الزمنى فى ذكر قصصهم، لأنه ليس له دخل فى تصحيح عقائدهم وأعمالهم. والذي له دخل في ذلك، هو تذكر النعم التي انعم الله بها عليهم، والعقوبات والحوادث التي حلت بهم في أي زمان، فإِن لهم- في تذكر ذلك- أعظم العبر، التي يجب أن تردهم إلى رشدهم، وتكفهم عن التمادي في طغيانهم. وقد سبقت هذه الآيه، لبيان حال من أحوال بني إسرائيل في هجرتهم. وكانوا قد أصابهم في التيه عطش شديد، فاسنغاث موسى بربه، وطلب منه أن يسقى قومه حتى لا يموتوا عطشا وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾: أي دعا ربه، أن يهيئ لهم وسائل السقيا والري. ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾: أجاب الله موسى ﵇ فى طلب السقيا، ودله على الطريقة التي تحقق رغبتهم، وتكون معجزة له أَمام قومه فقال له: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾، فضرب موسى الحجر ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ بعدد الأسباط: وهم ذرية يعقوب من أولاده الاثنى عشر. والمراد بعصا موسى: العصا التي ضرب بها البحر فانفلق، وكان كل فرق كالطود العظم. وهي معجزته الكبرى. والمراد بالحجر: أَي حجر، كما قال الحسن: ضربه فانفجر منه الماء، وهذا أَبلغ في الإِعجاز وأبين في القدرة. والمراد من انفجار تلك العيون من الحجر، خروج الماء الغزير- بقوة- من اثنى عشر مكانا، في الحجر الذي ضربه موسى ﵇ بعصاه. ونلك نعمة كبرى، من نعم الله عل بني إسرائيل.

стр. 110

وقد يقال: إن الله قادر على أن يمنحهم الماء بدون ضرب الحجر. بالعصا، فلماذا لم يفعل؟. والجواب: أن الله تعالى، أراد أن يبين لهم كرامة نبيهم موسى على الله تعالى، ويؤَكد لهم نبوته: بإجراءِ تلك المعجزة على يديه، بمجرد ضربه الحجر بعصاه، حتى يقوى إيمانهم بنبوته، التي يتشككون فيها من آن لآخر. وقد مرَّ قريبا أنهم قالوا له: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ كما أن فيها تثبيت إيمانهم باللهِ، لأنه إيمات يتزلزل هن آن لآخر. فقد مرَّ قريبًا: أنهم أشرِبوا في قلوبهم حبَّ عبادة العجل، مع عظيم آيات الله التي مرت بهم، والتي من شأنها أن تصرفهم عن الكفر به. ومن أقواها: شقه البحر لهم، وعبورهم إلى سيناء - في طرق يابسة- بين حوائط من ماء. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾: أي قد علم كل ناس من الأسباط، محل شربهم من تلك العيون. فقد خصص لكل سبط منهم عين، حتى لا يحدث خلاف بينهم على الماء، فهم أهل خلاف وشقاق. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ أي قلنا لهم: كلوا المن والسلوى، واشربوا من رزق الله الذي تفضل به، فجمع لكم بين النعمتين المتلازمتين، بحيث تحصلون عليهما في يسر وسهولة، وذلك من أجلّ النعم وأعظمها. وقوله: ﴿مِنْ رِّزْقِ اللَّهِ﴾: إشارة إلى أن الأكل والشرب نعمة متمحضة من جانب الله تعالى، لا دخل لعملهم في الحصول عليها. ثم عقب الأمر بالأكل، والشرب بالنهى عن الفساد، فقال: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فإن من شأن النعمة أن تستحثهم على الطاعة والاستجابة للمنعم سبحانه، في نهيه لهم عن الإفساد في الأرض، فقد هيأ لهم ما يكفهم عنه. والعثو: الإفساد. فقوله بعد ذلك: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة، لأن المعنى وأحد لكل من العثو والافساد، ولكن لو نظرنا إلى أصل معنى العثو وهو: مجاوزة الحد مطلقا، فسادا أو غيره، يكون التعبير بلفظ ﴿مُفْسِدِينَ﴾ لتعيين المراد من العثو.
следующие страницы →