← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

القصص بأحداث هائلة مع ملك جبار ومستبد، ولأنها كانت معروفة إِجمالًا للعرب؛ لأن اليهود كانوا يعيشون بينهم، ثم بين الله ما حدث من قوم فرعون بعد ما دعاهم موسى وهارون إِلى الحق المؤيد بالمعجزات، فقال سبحانه: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: أي فتعالوا عليهما وامتنعوا عن قبول دعوتهما، وكانوا معتادين الإجرام فلذا اجترءُوا على رفض دعوة الله والكفر بها، ثم فصل الله كفرهم بها نوعًا من التفصيل فقال: ٧٦ - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾: أَي فحين جاءَهم الحق من عندنا على لسان موسى وهارون ﵉ مؤيَّدًا بالمعجزات الباهرات، بادروا إلى ردها فورًا من غير تدبر، وقالوا إِن هذا الذي زعمتماه معجزات مؤيدة لرسالتكما، ما هو إِلا سحر واضح لا يحتاج إلى جهد في إِثبات كونه سحرًا، ثم أخبر الله برد موسى عليهم فقال: ٧٧ - ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾: أَي قال موسى منكرًا عليهم بعدما اتهموه بأَن معجزاته من قبيل السحر الواضح: أَتقولون للحق عند مجيئه إِليكم من غير تثبت ولا تفكير ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولم يذكر في رده عليهم جملة ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ اكتفاءً بعلمها من كلامهم السابق، ثم وبخهم على هذا الادعاءِ ودلل على فساده فقال: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾: أَي أَسحر هذا الذي جئتكم به، وكيف يكون سحرًا وأتحداكم به وأَنا أعلم أَنه لا يفلح الساحرون فلا يفوزون بمطلوب، ولا ينجون من مكروه ولا يثبتون أمام تحدى الساحرين المتمرسين المتفوقين، كالذين ينتشرون في أَطراف مصر وأرجائها، وكيف يفلح الساحرون وهم يفترون على الله، والله لا ينصر من يفترى عليه. ثم حكى الله مقالتهم الواهية لما عجزوا عن رد حجته عليهم فقال: ٧٨ - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾: أي قال قوم فرعون لموسى: هروبًا مما أفحمهم به، أجئتنا بدعوى الرسالة عن الله، لتصرفنا

стр. 1892

عما وجدنا عليه آباءنا من عبادة فرعون وسائر المعبودات التي ورثناها عنهم، لكي نعبد إلهك الذي طلبت أَن نعبده وحده، ولكى تكون لك ولأَخيك الكبرياءُ والعظمة في الأرض، بتولى الملك والرياسة علينا، فما أَضعف حجتهم، وما أقصر نظرهم، فلا ينبغي لعاقل أَن يحهتج بما كان عليه الآباءُ - فما أَكثر ما يكونون عليه من ضلال - ولا أَن يُتهم من يدعو إلى الله وحده بأَنه يدعو إِلى الرياسة والملك في الناس. ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي وقال فرعون وقومه لموسى وهارون ولسنا لكما بمصدقين فيما جئتما به من الدعوة إِلى توحيد الله وترك ما كان عليه آباؤنا. ولم يخصوا موسى بالخطاب مع أَنه هو الذي خاطبهم بشريعته ودعاهم إِليها، مبالغة في إقناطه من إيمانهم، ولما كان لفتُهم عما وجدوا عليه آباءَهم من خصائص صاحب الشريعة أَسندوه إِلى موسى ﵇ في قولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. أَما هارون فوزيره فيها، وتأْكيدًا لإصرارهم على الكفر والعناد كان التعبير بالجملة الإسمية والإتيان بالباءِ وتقديم ﴿لَكُمَا﴾ على ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ في قولهِ ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾. وقد رفض هولاءِ دعوة موسى لسببين: ١ - أَنه جاءَ ليصرفهم عما كان عليه آباؤهم وهم لا يحبون التحول عنه ومفارقته. ٢ - أَنهم زعموا أنه أَراد بدعوته أَن يكون له ولأخيه الكبرياءُ في الأرض وهم يحرصون على الانفراد به واستعباد الناس وظلمهم، ويرد السبب الأول بأنه حقا دعاهم إلى نبذ ما كان عليه آباؤهم ولكن ليخرجهم من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والعرفان، وهذا خير مما عليه آباؤهم، ولا يحتاج رد الثاني إلى فكر ونظر لأن الرسالة لم تكن طريقًا إِلى التسلط والكبرياء، فقد تحمل موسي وهارون في سبيلها متاعب شديدة، ورحلات شاقة وبذلا في تبليغها للناس جهودًا مضنية، من أَجل الله وإِسعادًا للبشر في الدنيا والآخرة، دون أَن يكون لهما مأْرب دنيوى.

стр. 1893

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ المفردات: ﴿السِّحْرُ﴾: يطلق على ما لطف ودق، ويطلق على ما يقع بخداع وتخيلات لا حقيقة لها، مثل ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، ويكون السحر أَيضًا بمباشرة أَقوال وأَفعال حتى يتم للساحر ما يريد من التأثير على الشخص المقصود، بحيث يغير مزاجه ويؤئر في حواسه ووجدانه، كأن يجد الحلو مرًّا، وينقبض صدره وتضعف قواه، ويكثر اضطرابه. ﴿سَيُبْطِلُهُ﴾: سيمحقه ولا يبق له أَثرًا. ﴿لَا يُصْلِحُ﴾: لا يثبت ولا يؤيِّد. ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾: ويثبت الله الحق ويقويه ويؤيده. ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: لأَوامره ووحيه. التفسير ٧٩ - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾: بعد أَن بين القرآن الكريم أن فرعون وقومه لجأُوا إلى التمسك بتقليد آبائهم - حينما لم يجدوا حجة يردون بها دعوة موسى - بعد ذلك جاءَت هذه الآية تبين أَن فرعون اتبع أُسلوبًا آخر في رد رسالة موسى، وهو إِيهام قومه أن ما جاءَ به موسى من قبيل السحر حتى لا يتأثروا بدعوته الواضحة، فيبقى له النفوذ والكبرياء والتسلط.

стр. 1894

والمعنى: وقال فرعون آمرا قومه: اجمعوا لى من جميع أنحاء مملكتى كل ساحر واسع العلم بفنون السحر، عظيم الخبرة به قوى التأثير بارع الحيلة كى يعارض بهم معجزة موسى ﵇. ٨٠ - ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾: أي فحشروا لفرعون كل ماهرٍ في صناعة السحر، فلما جاءُوا إليه واجتمعوا لديه قال لهم موسى ألقوا ما استقر رأيكم على إلقائه من أَنواع السحر، وقدموا ما عزمتم على فعله وأَظهروا كل ما في طاقتكم من سحر ليظهر بطلانه على رءُوس الأشهاد. ولم يطلب إِليهم موسى ﵇. أن يبدأوا بإظهار سحرهم عقب مجيئهم إِلى فرعون وإنما كان بعد أن خيروه بين أَن يبدأ هو أو يكونوا هم البادئين، كما حكاه القرآن في سورة الأعراف ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (١). ولوثوقهم بتغلبهم عليه خيروه، كما كان طلب موسى منهم أَن يبدأوا ليعطيهم الفرصة كاملة لإظهار ما في طاقتهم من السحر في هدوءٍ تام واطمئنان كامل، وحتى يجد الحق بعد الباطل نفوسًا تتقبله وعقولا تتدبره. ٨١ - ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾: أي فلما أَلقوا ما لديهم من العصى والحبال وأظهروا كل ما في طاقتهم من فنون السحر استرهبوا الناس وجاءوا بسحر عظيم. ولثقة موسى ﵇ بصدق رسالته، وإيمانه بنصر الله له، وتثبيت الله لقلبه، وتكذيبًا لما رموه من السحر قال لهم: الذي جئتم به وبذلتم في إِظهاره أَقصى جهدكم هو السحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى، وتأْكيدا لثقته بتحقيق ما تقدم قال فيما حكاه القرآن عنه ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾: أَي إن الله سيمحق هذا السحر فلا يبقى له من أثر بما يظهره على يدى من المعجزات، فإن الباطل لا يدوم مهما كثر وانتشر.

стр. 1895

ثم أكد القرآن الكريم ذهاب هذا السحر وزواله بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾: أي إن الله لا يجعل عمل جميع المفسدين صالحًا للبقاءِ ثابتًا، بل يزيله ويذهب به، فلا يبقى لباطل هولاءِ السحرة المفسدين أثرًا. ٨٢ - ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: أَي ويثبت الله الحق الذي يبعث به رسله رحمة للعالمين، ويؤيده ويقويه بأوامره وتأْييده، ولو كره المجرمون الكافرون إِحقاقه واستقراره، ففي إِحقاقه قطع أطماعهم وتقويض سلطانهم والقضاءُ على باطلهم، واستقرار الأمن وعمارة الأرض وذهاب الفساد. ومن سنن الله في خلقه أن البقاء لمبادئِ الخير والحق ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١). ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ المفردات: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾: جماعة من قومه، شبابًا أَو كهولا، فقد آمن به السحرة وهم كهول غالبًا كما آمن به غيرهم. ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾: أَن يعذبهم. ﴿لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾: لغالب فيها.

стр. 1896

التفسير ٨٣ - ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ (١) أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾: بعد أَن بين القرآن الكريم على لسان موسى أن ما جاءَ به سحرة فرعون هو السحر الذي لا حقيقة له، وأَن الله سيبطله، ويحق الحق بكلماته، جاءَت هذه الآية تخبر بأَنه مع ثبوت الحق بغلبة المعجزة وزهوق الباطل باندحار السحر، لم يؤمن بموسى ﵇ إِلا عدد قليل من قومه. والمعنى: فما آمن لموسى وصدق برسالته بعد إِحقاق الله الحق بقضاء عصا موسى كل سحر الساحرين، إِلا عدد قليل من قوم فرعون شرح الله صدورهم للإيمان، بعد ظهور الحق على الباطل، وكان إيمان هؤلاء مصحوبًا بخوف شديد وحذر بالغ من فرعون ورؤساء قومه أن يعذبهم على أَيدى هؤلاء الرؤساءِ ويوقع بهم صنوف الأذى بمعونتهم. وإِنما جاء في القرآن ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ دون أن يفتنوهم حتى يشمل فرعون وملأهم، لإفادة أَن الخوف من الملإ كان بسبب أَن كل ظالم في دولة فرعون كان يستمد ظلمه من طغيان فرعون وجبروته، ثم أَكد القرآن الكريم خوف المؤمنين من بطش فرعون بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾: أَي وإِن فرعون لغالب على الناس قاهر لهم في أَرض مصر بالسطان والملك عليهم وادعاء أَنه لا إِله لهم سواه كما حكاه الله عنه بقوله ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (٢) ثم زاد في تقرير هذا المعنى حين قال: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: أَي وإن فرعون لمن جملة الذين دأبوا على تجاوز الحد في الظلم والفساد فقد أَسرف في القتل وسفك الدماء، كما بالغ في الكبر والاستعلاءِ. ٨٤ - ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾: أي وقال موسى لأُولئك الذين أَظهروا إِيمانهم، يا قوم إن كنتم صدقتم بالله، فعليه وحده توكلوا إن كنتم مستسلمين له خاضعين لشرعه. ٨٥ - ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: بعد أَن بينت الآية السابقة أن موسى ﵇ دعا من آمن به من قومه إلى التوكل على الله والاعتماد عليه في نصرتهم وإصلاح شئونهم كدليل على صدق إيمانهم جاءَت هذه الآية الكريمة لبيان أنهم أسرعوا إلى تلبية ندائه.

стр. 1897

والمعنى وقال الذين آمنوا بموسى مستجيبين له في صدق إيمان، وإخلاص يقين، ومن غير إبطاءٍ ولا تردد - على الله وحده اعتمدنا في نصره لنا ودفع الأذى عنا، وإنقاذنا من ظلم الظالمين، وإِعانتنا في كل ما يهمنا من شئون الدنيا وأُمور الآخرة: وفي مبادرتهم إلى إجابة هذا النداءِ، دليل واضح على رسوخ إِيمانهم وقوة إسلامهم، ومصداق لإخلاصهم في التوكل على الله، وقد فزعوا إليه سبحانه بالدعاءِ قائلين: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أي ربنا لا تجعلنا موضع فتنة لهؤلاءِ القوم الظالمين فلا تسلطهم علينا تعذيبًا ووعيدا ومضايقة فيفتنونا عن ديننا. ٨٦ - ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أَي وأَنقذنا برحمتك وعطفك من هؤلاء القوم الكافرين بك - إِن هم أرادونا بسوءٍ - فنحن لا قدرة لنا على دفعهم لضعفنا وقوتهم، ومن أظلَّتهم حمايتك، فلا سلطان لجبار عليهم. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

стр. 1898

المفردات: ﴿تَبَوَّا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾: أي اجعلا لقومكما منازل يقيمون فيها - يقال: تبوأَ المكان وتبوأَ به نزل فيه وأقام به. ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾: أي أجعلوها أماكن للصلاة متجهين فيها إلى القبلة. ﴿اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾: الطمس في اللغة المحق والمحو، أي أهلكها واجعلها غير صالحة للانتفاع بها. ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أَي اختم عليها واجعلها قاسية لا تنشرح للإيمان لاختيارهم الكفر وإصرارهم عليه. التفسير ٨٧ - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ … ﴾ الآية: أَي وأمر الله تعالى موسى وأخاه هارون ﵉ بوحى أوحاه الله إليهما أن يجعلا لقومهما بمصر بيوتا خاصة بهم ينزلون بها ويسكنون فيها، وأَمرهما وقومهما أن يجعلوا بيوتهم هذه أماكن للصلاة، وأَن يقيموا الصلاة فيها إلى جهة القبلة، بعيدا عن أعين فرعون وقومه حتى يأْمنوا على أَنفسهم من البطش والإيذاء وعلى دينهم من الفتنة - وكان فرعون قد خرب معابد بنى إسرائيل ومنعهم من الصلاة. ولِمَا للصلاة من الأثر البالغ في تهذيب النفس وصفاءِ القلب، أمرهم الله جميعًا بها فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أَي وأدوا إلصلاة تامة الأَركان والشروط في خشوع وإخلاص لله تعالى لتنشرح صدوركم وتمتلئ نورا وإِيمانا، وتثبت أَقدامكم على طريق الحق والهدى إذ الصلاة عماد كل الديانات التي شرعها الله. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي وبشر المؤمنين يا موسى بالنصر والتأْييد في الدنيا إِجابة لدعائِهم، وفي الآخرة بجنات النعيم جزاء ما قدموا من صالح الأعمال. ومن محاسن النظم الكريم في هذه الآية أن الله أمر موسى وهارون وحدهما باتخاذ البيوت لقومهما لأَن ذلك من شأْن الرؤساء والقادة. وأمرهم جميعًا بإقامة إلصلاة وجعل بيوتهم معابد لوجوب الصلاة على جميع المكلفين وأمر موسى وحده بالبشارة لأنها من وظائف صاحب الرسالة المقدم في قومه، لتكون أوقع في نفوس المؤمنين وأعظم في إدخال السرور عليهم.

стр. 1899

٨٨ - ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .. ﴾ الآية. بعد أن أطمأَن موسى ﵇ إلى استقرار قومه في البيوت التي اتخذها هو وأخوه لسكناهم جاءَت هذه الآية تبين أنه اتجه إِلى الله بالدعاءِ على فرعون وملئه وبعد أن يئس من إيمانهم. والمعنى: وقال موسى ﵇ مناجيا رب العالمين يا ربنا إنك أعطيت فرعون والرؤساء من قومه زينة من لباس حسن جميل وحلى وجواهر، وأثاث فأخر وقصور عالية، وغير ذلك مما يتزين به، ومنحتهم أَنواعًا كثيرة من الأموال فكانت عاقبة هذه النعم أنهم بالغو في الكفر بك، وجعلوها وسيلة قهر وبطش وطغيان، وضلوا بها وأضلوا عن سواءِ السبيل واستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وأغلقوا قلوبهم دون قبول الخير، فاستوجبوا دعائى عليهم ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: أَي يا ربنا أهلك هذه الأموال التي استعبدوا الناس بها، وأَكثروا في الأرض الفساد بسببها، أهلكها ليزول سلطانهم ويذلوا، واربط على قلوبهم بحيث تكون قاسية جامدة لا تنشرح للإيمان، فإنها ليست له أهلا، لنبذهم شريعتك وتكذيبهم رسالتك بسوءِ اختيارهم، اربط على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم حيث لا ينفع نفسا إِيمانها لم تكن آمنت من قبل أَو كسبت في إيمانها خيرا، ليكون انتقامك منهم شديدًا وعبرة لغيرهم، وهو ما كان من فرعون فيما حكاه القرآن الكريم بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوإِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١). وقدم موسى ﵇ بين يدي دعائه على فرعون وقومه ذكر طغيانهم ليكون أرجى لاستجابة الله له، وتشهيرا بهؤلاء الذين لم يقدروا نعم الله حق قدرها. وكرر النداءَ (ربنا) مبالغة في الضراعة إِليه تعالى، حتى يستجيب له لمبالغتهم في العناد والطغيان، والتنكر لأَنعُم الله ومقابلتهم الإحسان بالكفران. ٨٩ - ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أَي قال الله تعالى - خطابا لموسى وهارون ﵉ قد أَجبتُ دعاءكما، وحققت رجاءكما

стр. 1900

في شأن فرعون وملئه فأهلكتهم وأموالهم لأنهم استمروا على عنادهم، فلم يؤمنوا إلا عند اليأْس من الحياة حين أدركهم الغرق، فلم يقبل الله إيمانهم. وقد ذكر الله تعالى أنه أَجاب دعاء موسى وأخيه، مع أَن موسى هو الذي دعا على الصغاة لأن هارون كان يقول عند دعاءِ موسى: آمين كما دلت عليه الآثار. ومعناه: استجب يا ربنا فكلاهما طلَبَ الإجابة - طلبها موسى بلفظ الدعاء وطلبها هارون بمضمونه فلا تعارض بين إشراكهما في الإجابة وانفراد موسى بالدعاء. وبعد أن طمأنهما الله - تعالى - على إجابة دعائهما أمرهما بالثبات على طريق الحق المستقيم ضمانا لنصرهما فقال - تعالى -: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي فاستمرا على طريق الحق طريق الطاعة والعبادة والدعوة إِلى التوحيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحجة على أَعداءِ الله، ولا تسيرا في طريق الجهلاءِ الذين لا يعلمون باستعجال العذاب قبل أوانه، فإنَّ ما طلبتماه سيتحقق في وقته المقدر له وفقا لقضاءِ الله المحكم وحكمته البالغة. ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوإِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾.

стр. 1901

المفردات: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْر﴾: أي وجعلناهم يجاوزونه ويعبرونه من الغرب إلى الشرق حتى وصلوا إلى شاطئه الشرقىّ. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾: أي تبعهم حتى اقترب منهم، تقول: تبعته حتى أتبعته، إذا كان قد سبقك فلحقته، ﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾؛ أي ظلما، وتجاوزا للحد فيه. ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾: أَي حتى إذا لحقه الغرق. التفسير ٩ - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ الآية. بعد أَن أَخبر الله - تعالى - موسى وهارون ﵉ باستجابة دعائهما على فرعون وقومه، أَمرهما أن يخرجا ببنى إِسرائيل من مصر، فخرجوا على حين غفلة من فرعون وقومه فلما علم فرعون بخروجهم، خرج بجنوده في طلبهم بغيا وعدوا، فلما أدركهم قالوا يا موسى كيف الخلاص؟ والبحر أمامنا والعدو وراءَنا، فأوحى الله إِليه أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالظود العظيم، فسلك موسى ببنى إسرائيل طريقا في البحر يبسا ووصل فرعون وجنوده إِلى الساحل وكان طريق بنى إِسرائيل في البحر لا يزال باقيا: فسار فيه فرعون بجنوده فلما اكتملوا جميعًا فيه وهمَّ أَولهم بالخروج، انطبق البحر عليهم وأغرقوا أجمعين. ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾: أي حتى إذا لحقه الغرق واقترب منه الموت، صحا من غروره، وندم على فجوره وأَعلن إيمانه فيما حكاه القرآن عنه بقوله: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: أَي قال فرعون آمنت بأَنه لا إله يعبد وحده إِلا الإله الذي آمنت به بنو إسرائيل وصدقت بوحدانيته، وأكد قوله السابق بقوله: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: أَي وأَنا واحد من جملة الذين أسلموا نفوسهم

стр. 1902

لله تعالى - وحده - وبهذا الاعتراف أبطل ما كان يقوله استعلاءً وتجبرا: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. فأنت تراه في اعترافاته هذه قد بالغ في إعلان إيمانه حيث كرره بثلاث عبارات: ١ - ﴿آمَنْتُ﴾. ٢ - ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. ٣ - ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وقد حدث منه كل ذلك طمعا في النجاة مما نزل به، وليت شيئا من ذلك كان منه حين ينفعه الإيمان - وذلك قبل اليأْس من الحياة، لأن تأْخير الإيمان إِلى وقت العقاب لا ينجى صاحبه، وقد دلت على ذلك الآية التالية: ٩١ - ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: أَي أَتؤمن الآن حين لا ينفع نفسا إيمانها، وقد أَمضيت عمرك في المعصية، وكنت من الملازمين للإفساد في الأرض، أفلا قدمت إِيمانك، وأَجبت داعى ربك، وأَنت في فسحة من الأجل حين كان ينفعك إيمانك؟ ولكنك ندمت وآمنت بعد فوات الأَوان، فلم ينفعك الإيمان، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (١). روى الإِمام أَحمد والترمذي وابن ماجه ﵃ أَن رسول الله ﷺ قال: "إِن الله يقبلُ توبةَ العبدِ ما لمْ يُغَرْغرْ" والغرغرة حشرجة الموت وقال تعالى -: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢). ٩٢ - ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾: بعد أن أَنكرت الآية السابقة على فرعون تأخير الإيمان بلا عذر إلى أَن حضره الهلاك، جاءَت هذه الآية لبيان خيبة أَمله وقطع رجائه وللسخرية منه.

стр. 1903

والمعنى: ففي هذا اليوم الذي نجى الله فيه موسى وهارون وبنى إسرائيل من الغرق، يخرجك من البحر، ويلقى ببدنك على شاطئه خاليا من الروح، لتكون قصتك آية وعلامة لمن وراءك من أهل عصرك ومن يأتى بعدهم ممن يبلغهم خبرك، وتصل إلى أسماعهم عاقبتك، فيعرفون من هذه الآية أن الكفر بالله وخيم العاقبة، وأنه لا يصح للبشر أن يشاركوه في الأُلوهية أَو يستأْثروا بها، قيل إِن فرعون الذي أُرسِل إليه موسى هو منفتاح أَو رمسيس الثاني، وكلاهما جثة موجودة إِلى اليوم في المتحف المصرى والله أعلم، ومع ما في قصة فرعون من العبر فلم يلتفت إلى الإفادة منها كثير من الناس، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾: أي وإِن كثيرًا من أهل مكة ومن غيرهم لغافلون، عن التفكير في آيات الله التي أَقامها أَو أَنزلها للفصل بين الحق والباطل لغافلون أَشد الغفلة، ساهون عن تدبر معانيها، والانتفاع بدلالاتها، ولو فعلوا لما ضلوا عن سواء السبيل. ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ المفردات: ﴿بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾: أَنزلناهم مكانًا صالحًا آمنًا وأسكناهم فيه. التفسير بعد أَن ذكر القرآن الكريم إِنعام الله على بنى إِسرائيل بإنجائهم وإِهلاك عدوهم جاءَت هذه الآية لبيان أحوالهم وما أَفاض الله عليهم من نعمه الوفيرة وأنهم لم يقوموا بشكرها. ٩٣ - ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ … ﴾ الآية. يؤكد الله - تعالى - أَنه أَنزل بنى إِسرائيل بعد أَن أنجاهم من طغيان فرعون وجنوده،

стр. 1904

وخلصهم من مطاردتهم - أنزلهم - مكانًا صالحًا مرضيا، وأرضًا يجدون فيها الأمن والطمأنينة، ومع تهيئة المكان الآمن رزقهم أرزاقًا طيبة، فأنزل عليهم المن والسلوى وأتم عليهم نعمته. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: أي ظل هؤلاءِ يرفلون في نعم الله عليهم فما اختلفوا في أمر دينهم وما عصوا رسولهم موسى ﵇ إلى أن قرأوا التوراة وعرفوا أحكامها فاختلفوا في فهمها، وانقسموا فرقًا في تأْويلها، كل فرقة تدعى أنها هي التي على الحق دون سواها، ويجوز أن يكون المراد ببنى إِسرائيل الذين اختلفوا، هم اليهود الذين كانوا في زمن محمد ﷺ وذلك أَنهم كانوا قبل مبعثه عالمين بقرب مبعثه مجمعين على نبوته، مما عرفوه عنه في كتبهم من البشارة به وبيان أحواله وصفاته، فلما بعث اختلفوا فمنهم من آمن به ومنهم من كفر بغيا وحسدا، كما قال - تعالى -: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (١). ثم حذرت الآية المكذبين وطمأنت المصدقين ببيان أَن مصير الكل إلى الله يحاسب كلا على ما قدمت يداه وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: أَي إِن ربك أيها الرسول سيحاسب كلا بما كسبت يداه، ويحكم بالعدل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فيثيب المحقين ويعاقب أهل الباطل الظالمين. ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾

стр. 1905

المفردات: ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: من الشاكِّين. التفسير ٩٤ - ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ … ﴾ الآية. بعد أن تحدثت هذه السورة عن قصص بعض المرسلين مع أُممهم، وآخرها قصة موسى مع فرعون وقومه، جاءَت هذه الآية تطالب من يشك في صدق هذه القصص التي ساقها الله للعبرة، وللدلالة على صدق محمد في نبوته، تطالبه بأن يسأل الذين يقرءُون الكتاب من علماءِ اليهود والنصارى، ليتأكد من وجودها في كتبهم، وليحمله ذلك على الإيمان بنبينا محمَّد ﷺ فالخطاب في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْك﴾ .. إِلخ موجه إلى من يتعرض للشك من الأُمة التي أُرسل إِليها النبي ﷺ ، وليس موجهًا للنبي ﵊ لما سنبينه فيما يلي: اعلم أَن القرآن كما أُنزل إِلى الرسول وحيًا وتبليغًا أنزل إِلى أُمته أَفرادًا وجماعات عملًا وتكليفًا، فمن الأَول قوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) وقوله في سورة النساءِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ .... ﴾ (٢) ومن الثاني قوله تعالى خطابًا للأُمة: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ (٤). والمعنى: فإن كنت أَيها المكلف من أُمة الدعوة المحمدية، في شك من صدق ما أَنزلناه من هذه القصص على رسولنا إِليك لتعرف به صحة نبوته ورسالته ﷺ فأسأل علماء اليهود والنصارى الذين يقرءُون كتبهم ويعرفون أَن هذه القصص قد وردت بها منقولة من جيل إلى جيل قبل وجودك، حتى تعلم من وجودها قديمًا في كتبهم أن محمدًا ﷺ صادق في نبوته، وَثِقَةٌ في رسالته، فإنه أُمى لا يقرأ ولا يكتب

стр. 1906

ولم يجالس من قرأها وعلم بها، فقد نشأَ بين قريش الوثنية، فهذا برهان واضح على أَن الله تعالى هو الذى أَعلمه بها وأَوحاها إِليه، وأنه صادق فيما أَبلغكم عن الله، وأَن الإيمان بنبوته فيه النجاة، وأَن الكفر بها يستتبع الهلاك. أفهام خاطئة في معنى الآية ويرى بعض المفسرين أَن الخطاب فيها للرسول ﷺ لغرض تهييجه وإثارته، ليزداد ثباتًا على دينه، من غير احتمال وقوع شك منه، وهذا الرأْى لا يصح قبوله بحال من الأحوال، فإن فرض الشك فيه لأى غرض من الأغراض وبأَى تأْويل مما قالوه، مخالف للنقل مرفوض من جهة العقل، وخطأٌ فاحش استغله أعداءُ الإِسلام، وقالوا إن محمدًا لم يكن متيقنًا أنه رسول من الله - تعالى - وساقوا هذه الآية وتفسير المفسرين لها على هذا النحو تأييدًا لفريتهم، فكيف يصح عقلا أَن يفرض الشك في الرسول لغرض إثارته وزيادة تثبيته - كما أَولوا به موضوع فرض الشك فيه - فهل كان الرسول ﷺ بحاجة إِلى مزيد تثبيته وإِثارته، لكي يزداد استمساكه بتبليغ دعوة ربه، كلا وألف مرة كلا، فقد سجل القرآن الكريم ما يناقض ذلك، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (١). وكيف يحتاج الرسول إِلى التثبيت وهو الذي كان يقول: "والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى، على أن أَترك هذا الدين، ما تركته حتى يظهره الله أَو أهلك دونه". وكيف يحتاج إلى التثبيت وإِلى سؤال أَهل الكتاب ليزداد طمأْنينة، وهو الذي تحمل من إيذاء قومه ثلاثة عشر عامًا، ما لا تحتمله الشمُّ الرواسى، وشاركه في ذلك من آمن معه من المؤمنين حتى مات بعضهم من شدة العذاب، ألم يقاطعهم المشركون لا يؤاكلونهم ولا يزاوجونهم ولا يبيعونهم الطعام، حتى اضطروهم إلى الإقامة في شعب أَبي طالب ثلاث سنين، ووصل بهم الجوع هناك إِلى أن يأكلوا أَوراق الشجر وهم صابرون، وكيف يستطيع أن يحمل عبءَ هذه الدعوة

стр. 1907

الضخمة من هو بحاجة إِلى التثبيت، وكيف يعمل لها بهمة وصدق عزيمة لا تعرف الكلل، حتى دخل الناس في دين الله أَفواجا، وذاع في عهده وانتشر حتى غطى الجزيرة العربية كلها، فوالله لولا أَنه ثابت الجنان عظيم الاطمئنان، واثق من دين الرحمن، لما استطاع أَن يفلت من حصار أَهل الشرك له بمكة، بل كان يسلم لهم القياد، ويجيبهم إِلى ما يبتغون فأَسمعهم حين يخاطبهم خطاب الواثق من نفسه بأَنه يبلغ عن الله - تعالى -: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ولقد علم الناس من سيرته الوثيقة، أَنهم عرضوا عليه الرياسة والمال بعد أَن يئسوا من استجابته بالإِيذاءِ فأَبى وقرأَ عليهم سورة فصلت، وقد جاءَ فيها: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (٢). فهل يكون هذا حال من هو محتاج إِلى التثبيت .. ؟ ولقد أَحسن البيضاوى إِذ حكى في آخر كلامه، رأْيًا لبعض المفسرين أَن الخطاب في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ .. ﴾ إِلخ لكل من يسمع، وقال في معناه على هذا الرأْى: أَي إِن كنت أَيها السامع في شك مما أَنزلنا على نبينا إليك ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾. ولو أَن الإِمام البيضاوى وغيره اقتصر على هذا الرأْى، ولم يذكر معه سواه - لا قَبْله ولا بَعْده - لكان قد أَسدى خيرًا للحق الذي يجانب غيره من تلك الآراءِ الفاسدة، المخالفة لنص القرآن ولواقع النبي ﷺ من الهمة ومضاءِ العزيمة، ومن ثباته على دينه رغم المغريات من الملك والمال، بعد أَن لم يصرفه عن دينه الإِيذاءُ والاستهزاءُ. ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: لقد جاءَك أَيها المكلف الحق من ربك فلا تكونن من أَصحاب الشكوك والأَوهام، بل كن من ذوى الإيمان الثابت بهذا الحق المبين. ٩٥ - ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: هذه الآية خير شاهد لما قلناه من أَن الخطاب ليس موجهًا إِلى الرسول ﷺ ،

стр. 1908

بل إِلى كل مكلف من أُمة الدعوة المحمدية، فإِن محمدًا ﷺ لا يتصور منه أَن يكون مكذبا لآيات الله وهو يدعو الناس إلى الإِيمان بربه. والمعنى: وكما نهيناك أيها المكلف عن الشك فيما أَنزلناه إليك على لسان محمد، ننهاك عن التكذيب بآيات الله، فلا تكونن من جملة المكذبين بدين الإِسلام، فتكون بذلك التكذيب في عداد الخاسرين في الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ التفسير في هاتين الآيتين بيان شدة إصرار أهل الكفر على الجحود والعصيان ولو جاءَتهم كل آية طلبوها أو لم يطلبوها، وأَن اقتراحهم ما هو إلا تعلة لرفضهم الإِسلام، لعدم تحقيقها وبيان ذلك فيما يلي: ٩٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي إن الذين حقت ووجبت عليهم كلمة ربك أي حكمه وقضاؤه بأَنهم لا يؤمنون، بل يموتون على الكفر ويخلدون في النار، بسبب ما علمه منهم من الإِصرار على تكذيب رسوله تكبرًا وعنادًا، وتقليدًا للآباءِ والأجداد، فآثروا الضلالة على الهدى، مع وضوح الحق، ودوام التذكير. ٩٧ - ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: أَي إن هولاءِ الذين حكم الله بعدم إيمانهم وخلودهم في النار بسبب اختيارهم العمى على الهدى لا يستجيبون لدعوة الحق ولو جاءَتهم كل آية كونية طلبوها أو لم يطلبوها، وكل آية نقلية من شأْنها أَن تجذب

стр. 1909

القلوب إلى قبول الهدى والرشاد، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١). ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: أَي هؤلاء يستمرون على كفرهم وعنادهم فلا يصدقون بالآيات الواضحة والبراهين القاطعة ولا يؤمنون إِلى أن يأْتيهم العذاب الأليم على كفرهم، فيؤمنوا حين لا ينفع نفسا إِيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا - كشأْن فرعون وأَمثاله ممن آمنوا عندما شاهدوا العذاب الذي أُنذِروه محيطا بهم من حيث لا يعلمون، وقد فات الأوان الذي ينفع فيه الإيمان. ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ المفردات: ﴿فَلَوْلَا﴾: لولا كلمة تفيد الحث على الفعل بمعنى هلاَّ. ﴿قَرْيَةٌ﴾: اسم للمبانى المتصلة التي يسكنها جمع من الناس، وقد جاءَ في القرآن الكريم أَن القرية والمدينة بمعنى واحد قال - تعالى -: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾. ثم قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾. وقيل القرية بلدة أَصغر من المدينة - والمراد من القرية في الآية أهلها. التفسير ٩٨ - ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ..... ﴾ الآية. بعد أَن بينت السورة قبل هذه الآية امتناع الإيمان ممن حكم الله عليهم بالخسران لاختيارهم طريق العصيان، مع تمكنهم من إنقاذ أنفسهم بالإيمان قبل فوات الأَوان، جاءَت

стр. 1910

هذه الآية الكريمة ترتيبًا على ما تقدم لتقرير هذا المعنى: إذ بينت أَن الله تعالى قد أهلك الذين أَخروا إيمانهم من الأمم السابقة، حتى إذا عاينوا الهلاك قالوا آمنا. والمعنى: فهلا كان أهل كل قرية بعث الله إِليهم رسولا، بادروا إِلى الإيمان بما جاءَهم به قبل أَن يحيط العذاب بهم فيقبله منهم وينجيهم من الهلاك: لكن لم يبادروا بالإيمان قبله فهلكوا. ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: أَي لكن قوم يونس ﵇ لما آمنوا عندما رأَوا أَمارات العذاب، وتابوا إِلى الله - تعالى - قبل حلوله بهم، أَزال الله عنهم عذاب الذل والهوان في الحياة الدنيا وكشفه عنهم بعد أن كاد يقع بهم، ومتعهم بما في الدنيا من زينة ونعيم ومتاع إلى انقضاءِ آجالهم، لمسارعتهم إِلى التصديق بما جاءَ به رسولهم عند رؤيتهم أَمارات العذاب. روى عن عبد الله بن مسعود وسعيد بن جبير وعبد الله بن عباس أن يونس ﵇ أرسل إِلى أَهل نينوى من أَرض الموصل - وكانوا أهل كفر وشرك - فكذبوه وأصروا على ذلك، فأوحى الله إِليه أنْ أَنذرهم أن العذاب يصبحهم بعد ثلاث ليال، فأخبرهم بذلك، فلما قرب موعد الإنذار غامت السماء غيمًا أَسود هائلا، ذا دخان شديد، فهبط حتى غشى مدينتهم، فاستولى عليهم الخوف والفزع، فطلبوا يونس فلم يجدوه، فأَيقنوا صدقه فلبسوا المسوح، وخرجوا إِلى الصحراءِ بأَنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والدواب، فَحَنَّ بعضها إِلى بعض - فَحَنَّت الأولاد إلى الأُمهات والأُمهات إلى الأَولاد وعلت الأَصوات والضجيج، وأَخلصوا النية وأَعلنوا إيمانهم، وتضرعوا إِلى الله فاستجاب دعاءهم فرحمهم، وكشف عنهم العذاب بعد ما أَظلهم، وليس هذا الذي نقلناه عن عبد الله بن مسعود وغيره حديثًا مرفوعًا بل هو أَثر مروى عنهم في تفسير الآية والله تعالى أعلم.

стр. 1911

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ التفسير ٩٩ - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا .... ﴾ الآية. كان ﷺ لفرط شفقته على أمته حريصا أَشد الحرص على إِيمان الناس جميعًا، وللوصول إلى تلك الغاية حمل نفسه أَعباء ثقيلة، ومتاعب جسيمة، فخفف الله عنه، ببيان أَنه ليس مكلفًا بإكراه الناس على الإِيمان، وحملهم جميعًا عليه، فليس عليه إلا البلاغ وقد فعل، وحسبه التبليغ الذي لا يرهقه، فإن الهداية من الله. والمعنى: ولو شاء ربك أَيها الرسول إيمان من في الأرض جميعًا من الجن والإِنس لآمنوا كلهم لا يشذ منهم أحد، لكن مشيئته - تعالى - الموافقة لحكمته البالغة اقتضت أن يكون الناس فريقين: فريقا شاءَ الله إيمانه فيؤمن لا محالة وهم الذين اختاروا الهدى فيوفقهم الله - تعالى - إِليه، وفريقًا شاء الله كفره لسوءِ نيته فيكفر لا محالة. ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: أَي أَفَأَنت مطلوب منك أَن تكره الناس علي دينك حتى يصيروا مؤمنين به؟ كلاّ. فاشفق على نفسك فما عليك إِلا البلاغ، ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (١) ولا تُحَمِّل نفسك المصاعب والمشاق، بالمبالغة في دعوة المعاندين المستكبرين ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٢).

стр. 1912

﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ المفردات: ﴿بِإِذْنِ اللَّه﴾: بإِرادة الله. ﴿الرِّجْسَ﴾: يطلق على القذر حسيًّا كان أَو معنويًّا، ومن المعنوى الذنب والكفر، وَكُلُّ يصح أن يراد هنا، وقد يطلق على العذاب والشك وغير ذلك. التفسير ١٠٠ - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أخبرنا الله تعالى في الآية السابقة أَنه لو شاءَ لهدى الناس جميعًا، وأن رسوله ﷺ لا يملك إكراه الناس على الإِيمان ولم يكلف به، ثم أَخبرنا في هذه الآية أَن إيمان أَي نفس متوقف على إرادة الله، فلا تستطيع نفس أَن تهتدى إِلا إذا أَراد الله هدايتها، فإِن الهدى هدى الله وحده، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ (١) ومن سنن الله في خليقته أَن يهدى من هو أَهل للإيمان به من أصحاب الفطر السليمة ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٢). ومن الذين أَحسنوا استعمال حواسهم وعقولهم في سبيل الوصول إلى الحق، أما الذين ألغوا حواسهم وأَهملوا عقولهم، واتبعوا أَهواءَهم واستقبلوا الرسالات السماوية بالعناد واللجاج، وآثروا الضلال على الهدى، فهم غير أهل للهداية والإيمان، فلا يأذن به ولا يعينهم عليه بسبب سوء اختيارهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ

стр. 1913

﴿بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (١). وقال : ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٢) وهذا الصنف هو الذي يشير إليه قوله تعالى في آخر الآية: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فالرجس هنا بمعنى الكفر ليقابل الإيمان في صدر الآية. والمعنى: أَنه تعالى يجعل الكفر قضاءً منه على الذين عطلوا عقولهم فلم ينتفعوا بآياته، ولم يهتدوا برسله، كما أَذن بالإيمان وحكم به وأَعان عليه الذين يعقلون ويهتدون بهداه، ويؤمنون برسله. ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ المفردات: ﴿انْظُرُوا﴾: تفكروا واعتبروا. ﴿النُّذُر﴾: جمع نذير وهو الذي ينبه الناس إِلى الخطر. التفسير ١٠١ - ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: بينت الآية السابقة أن الهدى بإذن الله لمن هو أهل له، ممن يستعملون عقولهم في فهم آياته، وأن الرجس - أَي الكفر - قضى الله به على من لا يعقلون ولا يتدبرون فيها، وجاءت هذه الآية آمرة الرسول ﷺ ، أن يحث الناس على التفكر في آياته حتى يتيسر لهم الإيمان بالحق ﵎. والمعنى: قل لهم يا محمد تأملوا وتفكروا في عجائب صنع الله في السموات وما تضمه من مجرات ونجوم وكواكب، وانظروا ما في الأرض وما يتعاقب فيها من ليل ونهار

стр. 1914

وفصول متوالية، وما يطرأْ عليها من زوابع عاتية وهواء عليل، وما تضمه من جبال وبحار، ومحيطات وقارات، ومن صحارى جدباء، وحدائق غناء، ومروج خضراء، وما يجرى على سطحها من جداول وأَنهار، وما يستقر في جوفها من مناجم وكنوز، وما يعتريها من زلازل وبراكين، وما تراه فوقها من إنسان وحيوان ونبات، انظروا في هذا كله وغيره من عجائب خلق الله، فإنه يهديكم إِلى معرفة الله، ويدعوكم إلى إِفراده بالعبادة والتقديس. ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: "ما": إما أن تكون نافية أو استفهامية، فعلى النفى يكون المعنى: أن آيات الله الكونية وآياته المنزلة على الرسل بالتبشير والإنذار، لا تغنى هؤلاءِ الكفار ولا تنفعهم في الاهتداءِ إِلى الإيمان، ما داموا مصرين على الكفر والضلال، وعلى أَن "ما" استفهامية يكون المعنى: كيف يمكن أَن تنفع الآيات والنذر هؤلاءِ الممعنين في الضلال المصرين على عدم الإيمان؟ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المفردات: ﴿يَنْتَظِرُونَ﴾: يترقبون ويتوقعون. ﴿خَلَوْا﴾: مضوا. التفسير ١٠٢ - ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: في هذه الآية الكريمة إنذار بعقاب الله لمن ينصرفون عن الله ويحجبون أَبصارهم وبصائرهم عن الهداية، وتذكير لهم بما أَصاب الأُمم السابقة التي أَصرت على الكفر، وما حل بها من عذاب شديد، قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ

стр. 1915

مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١). والمراد من الاستفهام في قوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ النفى، أَي لا ينتظر هولاءِ الكفار أَثرا لكفرهم إلا أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة من عذاب ونكال، والمراد أَن العقاب الشديد سيحل بهم لا محالة، فهم في حكم المنتظرين لهذا العقاب ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: قل لهم يا محمد فانتظروا وترقبوا آثار إصراركم على الكفر، فإنى مترقب معكم ما سيصيبكم من عذاب إِن ظللتم مصرين على الكفر والإنكار. ١٠٣ - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: بعد أن أفادت الآية السابقة أَن الهلاك يحل بالكفار المعاندين، جاءَت هذه الآية تفيد أن الله سبحانه سينجى رسله والذين آمنوا معهم مما أصاب كفار قومهم من عذاب وتنكيل؛ لأن عدالة الله تقتضى ألا يعذب قوما بذنوب آخرين، قال تعالى في قوم هود: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (٢). وقال سبحانه في قوم صالح: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧)﴾ (٣). ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أَي كما أنجى الله الأنبياء والمؤْمنين مما أَصاب أَقوامهم، كذلك اقتضت عدالته وصدق وعده، أن ينجى المؤْمنين برسالة محمد ﷺ مما يتعرض له الكفار المصرون على الكفر والضلال، قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ (٤).

стр. 1916

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ المفردات: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾: يستوفى آجالكم، بقبض أَرواحكم. ﴿وَجْهَكَ﴾: المراد من الوجه: الذات أَو القلب أو القصد. ﴿حَنِيفًا﴾: منصرفا عن الباطل مقبلا على الحق. التفسير بعد أَن بينت الآيات السابقة، ما ينتظر الكافرين من الهلاك، وما يتوقعه المؤمنون من الفوز والنجاة - أَمر الله رسوله في هذه الآيات أن يعلن الكافرين أَنه لن يعبد ما يعبدون، وأن الله أَمره بالإِخلاص في عبادته وحده، وفيما يلي بيانها: ١٠٤ - ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أَي قل يا محمَّد للمشركين باللهِ الشاكين في نبوتك يأَيها الناس، إِن كنتم في ريب وشك من دينى، حتى أدى بكم الشك فيه إِلى تكذيبى فيما جئتكم به، فاعلموا أننى مؤمن إِيمانا راسخا بما أنزله الله تعالى علىّ، ثابت كل الثبات على عقيدتى، فلا تتوقعوا منى أَن أجنح إلى مشاركتكم في عقيدتكم، وعبادة آلهتكم التي عبدتموها من دون الله بغير حق. ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾: أَي ولكننى أَعبد الله - تعالى - الذي يستوفى آجالكم، بقبض أَرواحكم فهو الجدير بالعبادة والتقديس، فاعرضوا عقيدتى هذه على عقولكم، وانظروا فيها بعين الإنصاف، لتعلموا

стр. 1917

صحتها وفساد ما أنتم عليه من عبادة آلهة لا شأْن لها في إحياءٍ ولا إماتة - وإنما خص التوفى بالذكر لتهديدهم. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أَي وأَمرنى الله تعالى أن أَكون من المتمسكين بالإيمان به، وعدم المبالاة بآلهتكم، فإنهم ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (١). ١٠٥ - ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: المراد من إقامة وجهه ﷺ للدين، استقامته في الاتجاه إِليه، وقد أكد ذلك بقوله: ﴿حَنِيفًا﴾: أي مائلا عن الأديان كلها إليه، أي وكما أَمرنى الله تعالى بالإيمان به - أمرنى سبحانه بالإخلاص في الاتجاه إِلى دينه بقلبى وجوارحى، وأَقوالى وأَفعالى، بحيث لا يصرفنى عنه صارف، وأَمرنى أَيضًا أن لا أشرك في عبادته أَحدا حتى لا أَكون كهؤلاءِ الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (٢) وقد عرفت من هذا العرض أن الآية السابقة دعت إلى الإيمان، وأن هذه الآية دعت إلى الإخلاص في الإيمان، والحرص على صفائه ونقائه وثباته، والحذر من أن يتطرق إليه أي شك أَو لبس والخطاب وإِن كان موجها إلى الرسول ﷺ ، فالمؤمنون داخلون في حكمه، فهم مطالبون بالإخلاص في دينهم، وقد جاءَ ذلك صراحة في قوله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣): أَي الذين صدقوا بإِخلاص، ولم يخلطوا إِيمانهم بشرك يظلمون به أَنفسهم، ويعتدون به على الحق، أولئك لهم الأَمن من المكاره، وهم مهتدون إلى الحق وإِلى عظيم الثواب، وقال -

стр. 1918

ﷺ محذرا من الشرك: "أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل" أَخرجه الإِمام أحمد والطبرانى. ١٠٦ - ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾: جاءَت هذه الآية، لزيادة تأْكيد ما جاءَ في الآيات السابقة، فقد نهى الله فيها رسوله ﷺ عن الاتجاه في دعائه وعبادته، إلا إِليه وحده لأنه سبحانه هو الذي يملك جلب المنافع ودفع المضار، أَما الآلهة المزعومة، فلا تملك أَنْ تنفع ذاتها أَو أن تدفع الضر عنها، فكيف تملك لغيرها نفعًا أَو ضرًّا؟! ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: الخطاب - هنا وفيما سبق - موجه للمسلمين عامة في جميع العصور، وإن بدا في لفظه إِلى شخص النبي ﷺ والمعنى: إن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإنك تكون - حينئذ - من الظالمين لأَنفسهم بالشرك. واستعمال أَداة الشرط (إن) تفيد استبعاد أن يدعو الرسول والمؤمنون غير الله - تعالى - بعد إيمانهم به . والآية تنهى نهيًا حاسمًا، عن الاتجاه بالدعاء إلى غير الله، كائنا ما كان كما جَاءَ في الحديث الشريف. الذي ذكرت فيه وصية الرسول ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباس ﵄: "وإذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئٍ، لم ينفعوك إِلا بشئٍ قد كتبه الله لك. وإن اجتمعوا على أَن يضروك بشئٍ لم يضروك إلا بشئٍ قد كتبه الله عليك. رفعت الأَقلام وجفت الصحف". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 1919

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ المفردات: ﴿يَمْسَسْكَ﴾: يصبك. التفسير نهت الآية السابقة، عن الاتجاه بالدعاءِ إلى ما لا ينفع ولا يضر. وقررت أَن هذا إشراك بالله - تعالى - وجاءت هذه الآية لتؤكد أن النفع والضر، من الله وحده. وفيما يلي بيانها: ١٠٧ - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾: أي: وإِن يصبك الله بما يضرك، من قحط أَو فقر أَو مرض. أَو خوف أَو إِيذاءٍ أو غيرها، فإِن أحدًا لن يستطيع أَن يزيل عنك ما أصابك إِلا الله وحده ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (١). والناس يتعرضون للضر، ابتلاءً من الله - تعالى - واختبارًا منه لعباده. ليظهر مدى إيمانهم وصبرهم، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) وقد يتعرض الناس للضر، عقابًا لهم على ما اجترحوا من آثام لكي يعودوا إلى الله بالتوبة والاستغفار، قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٣) وقال جل شأنه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٤). وقد يكون هذا التعرض تكفيرًا للذنوب أَو رفعة للمنزلة.

стр. 1920

قال رسول الله ﷺ : "مَا يُصِيبُ الْمُسِلمَ من نَصَبٍ وَلَا وَصَب، وَلا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ، ولا أَذى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَة يُشَاكها إلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاه" (١). وقد جرت سنة الله تعالى، أن لا يديم الضر على عباده، بل يكشفه عنهم، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٢). ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: والمعنى: أَنه - تعالى - إن يرد عبده بخير من فضله، فلن يستطيع أحد منع هذا الخير عنه، فإن إرادته - جل وعلا - نافذة، وفضله سبحانه لا يستطيع أَن يرده أحد من خلقه. وكما يكون الضرُّ ابتلاءً من الله لعباده لإظهار مدى إِيمانهم وصبرهم، يكون الخير كذلك لإظهار مدى شكرهم لله وإقبالهم عليه - تعالى ـ قال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٣) وقد يكون الخير تكريمًا من الله لعباده الصالحين، وتعجيلا بنصيب من الثواب في الدنيا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤). وكما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٥). ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: أَي والله عظيم المغفرة واسع الرحمة. يفسح لعباده مجال التوبة والاستغفار قبل أَن ينزل بهم العقاب، فإنه - سبحانه -: ﴿أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (٦). ومن فضل الله ورحمته أنه يتجاوز عن كثير من السيئات، كما قال : ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٧). ولا يؤاخذهم عاجلا بما كسبوا، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٨). وكما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُوالرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ (٩).

стр. 1921

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ المفردات: ﴿بِوَكِيلٍ﴾: الوكيل، من يُوكل إليه الأَمر. التفسير ١٠٨ - ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ..... ﴾ الآية. أثبتت الآيات السابقة، أن الذي يملك الهداية، والنفع والضرَّ والموت والحياة هو الله وحده، فهو الجدير بالعبادة والتقديس، وجاءَت هذه الآية لتبين أَن النبي ﷺ أَدى رسالته للناس على وجهها الحق، وأنه ليس مسئولا عنهم إن أعرضوا عنها. والمعنى: قل يا محمَّد لأُمتك: يا أَيها الناس قد جاءَكم من ربكم الدين الحق، الثابت بالمعجزات والبراهين العقلية والنقلية، وقد أصبح الحق واضحًا لا شك فيه، فلا عذر لأَحد في التكذيب به، أو العمل بما يخالفه. ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾: أي فمن اهتدى إلى هذا الدين الحق بالإيمان والمتابعة فإنما يهتدى لمنفعة نفسه دون سواها. ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: ومن ضل عن هديه وانصرف عنه، فما وبال ضلاله إِلا على نفسه دون غيرها، فلا منفعة لله ولا لرسوله من اهتدائكم، ولا ضرر على الله ولا على رسوله من ضلالكم، أَخرج مسلم في صحيحه، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : "يَا عِبَادِى إنَّكُم لَن تَبْلُغُوا ضرِّى فَتَضرُّونِى. وَلَن تَبْلغُوا نَفْعِى فَتَنفَعُونِى يا عبادى لوْ أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم، وإنْسَكُم وِجنَّكُم، كَانُوا عَلَى أَتقى قلب رَجُلٍ واحدٍ مِنْكُم،

стр. 1922

مَا زَاد ذَلك فِى مُلكِى شَيئًا .. يا عبادى لو أن أَوَّلكم وآخِرَكم وإنْسكُم وجِنَّكُم كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قلبِ رَجُلٍ واحِدٍ مِنْكُم، مَا نَقَص ذَلِك مِنْ مُلكِى شيئًا" (١). فالله - سبحانه - غنى عن الناس، والناس جميعًا مفتقرون إِلى رحمته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٢). ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: وقل لهم أَيها الرسول: إن الذي كُلِّفتُ به هو أداء، رسالة الله إليكم. وقد أَديتها كاملة ولم يوكل إِلىّ إرغامكم علي اتباعها؛ لأننى لست عليكم بمسيطر. كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (٣). ١٠٩ - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: بعد أَن أمر الله رسوله بتبليغ قومه أنه جاءَهم بالحق من ربهم، وأن عاقبة الاهتداءِ إِليه والضلال عنه لا تلحق سواهم، وأَنه ليس مكلفًا بقهرهم على الاهتداءِ، أمره في هذه الآية بالثبات على اتباع وحيه، والصبر حتى يأْتى النصر. والمعنى: دم على ما أنت عليه من اتباع وحى الله - تعالى - ولا تدخل اليأْس على نفسك بسبب إصرارهم على كفرهم، واصبر على ما تتعرض له من إِيذاءِ المشركين وعنتهم وإِمعانهم في الضلال، حتى يقضى الله تعالى فيهم قضاءَه، وينفذ فيهم مشيئته وحكمه، فإنه أَعدل الحاكمين. وقد نفذ الرسول ما أَمره الله به من ملازمة الاتباع، ومداومة الصبر، وصبر معه المؤمنون وتحملوا أَذى المشركين، حتى صدق الله وعده وأعز جنده، وهزم المشركين وحده، وجاءَ نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أَفواجًا، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1923

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة هود هذه السورة مكية: روى الترمذي والطبرانى - وغيرهما - أن أَبا بكر ﵁ قال للرسول ﷺ : "ما شيّبَكَ؟ قال: شَيبَتْنى هُودٌ وأَخَواتها". وفي رواية أخرى: "شيبتنى هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون" والمراد: ما فيها من ذكر ما أَصاب الطغاة من عذاب شديد، في الدنيا وما ينتظرهم من أهوال يوم القيامة التي تجعل الولدان شيبا. وأهم مقاصد السورة ما يلي: ١ - الحديث عن القرآن الكريم وأَحكامه من لدن حكيم خبير، ودعوة الناس للعمل بما فيه من عقائد وأَحكام شرعية، ليمتعهم متاعًا حسنا ويؤتى كل ذى فضل فضله، وبيان أن المرجع إليه - سبحانه - وأنه على كل شيءٍ قدير. ٢ - الحديث عن علم الله تعالى وإحاطته بمكنون الظمائر، وتكفله برزق كل دابة ومعرفته جميع أَحوالها وحركاتها وسكناتها. ٣ - الإشارة إلى آيات الله الكونية، في خلق السموات والأرض والعرش العظيم، وأنه اختبرنا بالتكاليف ليبلو عباده أيهم أحسن عملا. ٤ - الحديث عن إِعجاز القرآن الكريم، وعجز البشر عن محاكاته، وأن هذا كافٍ في الدلالة على أنه من عند الله، وأن الله أيَّد به رسوله، وأَن ما يدعونه من افترائه على الله زعم باطل. ٥ - بيان موقف الناس من الإِسلام، وذكر ثواب المطيعين وعقاب المسيئين - وأن مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع، وأَنهما لا يستويان مثلًا. ٦ - الحديث عن قصة نوح ﵇ وقوعه، والطوفان، ونجاة المؤمنين وهلاك المكذبين الكافرين ليعتبر كفار قريش ويرجعوا عن كفرهم وتكذيبهم. ٧ - بيان قصة هود ﵇ مع قومه عاد، ونجاة المؤمنين منهم وهلاك العاصين المتمردين، ليكون في نبئهم عبرة لأُولى الأَلباب.

стр. 1924

٨ - قصة صالح ﵇ مع قومه "ثمود" ونجاة المؤمنين منهم وهلاك المكذبين بالصيحة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، جزاءَ كفرهم وتكذيبهم لرسول الله إليهم. ٩ - قصة إبراهيم ﵇ وتبشير الملائكة له بإِسحق ومن ورائه يعقوب ﵉. ١٠ - قصة الملائكة وزيارتهم لوطا ﵇. وإهلاك الله لقومه بإِبادة قراهم، وإِمطارهم بحجارة من سجيل، جزاءَ شذوذهم الشهوانى، وكفرهم بآيات ربهم. ١١ - قصة شعيب ﵇ وتمرد قومه عليه وإهلاكهم بالصيحة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها، كما حدث لقوم صالح ﵇ ونجى الله شعيبا ومن آمن معه. ١٢ - قصة موسى وفرعون، وبيان أَن قوم فرعون اتبعوا أَمره، فأَهلكهم الله وأتبعهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة بسبب كفرهم. ١٣ - الإشارة إِلى سنة الله في عقاب الكفار في الدنيا، ونجاة المؤمنين بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وبيان أَن في ذالك آية لمن خاف عذاب الآخرة. ١٤ - بيان حال الكافرين الأَشقياء في الآخرة من الخلود في النار وزفيرهم وشهيقهم فيها، وبيان حال المؤمنين السعداء فيها، من الخلود في الجنة والنعيم المقيم فيها. ١٥ - بيان أنه - تعالى - قص على رسوله ﷺ قَصَصَ إخواته الأنبياء مع أُممهم، ليُثَبِّتَ بها فؤادَه، وموعظة وذكرى للمؤمنين. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾

стр. 1925

المفردات: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾: نظمت آياته نظمًا محكمًا لا خلل فيها ولا تناقض ولا اضطراب. ﴿فُصِّلَتْ﴾: ذكرت فيها الأُمور التي يحتاج إليها العباد في عقائدهم وسلوكهم ومعادهم ومعاشهم مفصلة مبينة. ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾: من عند إِله مبدع للأُمور على خير وجه. ﴿خَبِيرٍ﴾: عليم بما كان وما يكون، ظاهرًا أو خفيًّا. ﴿نَذِيرٌ﴾: محذر لعباد الله من سوءِ عاقبة الكفر والعصيان. ﴿بَشِيرٌ﴾: مخبر بما يسر الصالحين من ثواب الله. التفسير ١ - ﴿الر﴾: تحدثنا في أَول سورة البقرة عما بُدئ به بعض السور من مثل هذه الفواتح، وذكرنا آراءَ المفسرين فيها، وأرجح الآراء في تأْويلها هو أنها ترمز إِلى التحدى بأَن يأْتوا بمثل هذا القرآن المؤلف من كلمات وجمل ذات حروف مما ينظمون منها كلامهم، إِن كانوا صادقين في زعمهم أن الرسول تَقَوَّلَهُ على الله، فإذا عجزوا عن الإتيان بمثله أو بمثل سورة منه مع ما يمتازون به من الفصاحة والبلاغة وحسن البيان، فمحمد مثلهم وشأْنه شأْنهم فهذا دليل على أَن القرآن من عند الله وأَنه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١). وتكرارها في القرآن على هذا الرأْى تكرار للتحدى، وقيل: إِن المقصود بها هو تنبيه السامعين إِلى ما يأْتى بعدها. ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾: هذا كتاب كريم، أنزل الله آياته البينات في غاية الإِحكام، فهي فصيحة الكلمات، بليغة العبارات متناسقة الموضوعات، رائعة المعانى غزيرة الفوائد، لا يمكن أَن يتطرق إليها أي اضطراب أَو اختلال كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢).

стр. 1926

وكما هي متقنة في أُصولها، فهي متقنة في تفصيلاتها الفرعية في قوة، ودقة، ووضوح لأنها مُنَزَّلَة من الحكيم الذي يضع الأُمور في مواضعها، الخبير بما كان وما هو كائن والعطف بحرف (ثُمَّ) لإفادة علو مرتبة التفصيل، لوفائه بحاجات البشر. ٢ - ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾: جاءَت هذه الآية مبينة المقصود من إنزال القرآن محكما ومفصَّلا - وهو الدعوة إلى الإيمان باللهِ والتوجه إليه وحده بالعبادة، دون شريك، وهذا هو جوهر الرسالات السماوية. والمعنى: هذا كتاب أُحكمت آياتُه وفصلت من عند الحكيم الخبير، لكيلا تعبدوا غير الله - تعالى - فإِننى لكم منه منذر فلا تعصوه خوفا من عقابه، ومبشر فأَقبلوا على طاعته طمعا في ثوابه. ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ المفردات: ﴿تَوَلَّوْا﴾: أَصلها تتولوا أَي تعرضوا. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مصيركم. التفسير ٣ - ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: هذه الآية مكملة للآية السابقة في المعنى. والمعنى: هذا كتاب أُحكمت وفصِّلت آياته من عند الله - وحده - لكي تعبدوه دون سواه وتستغفروه وتتوبوا إليه من ذنوبكم ومعاصيكم، على أَن تكون توبة نصوحا، وهى المنبعثة

стр. 1927

عن الندم، مع العزم على تجنب المعاصي والآثام والإكثار من الطاعات، فإِنها تمحو السيئات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١). وقد بينت الآية أن من ثمرات الاستغفار والتوبة، أن الله يمنُّ على صاحبهما بالثواب العاجل في الدنيا، فيغمره بفضله وإِحسانه فيها، حى يوافيه أجله المحتوم المقدر عند الله كما قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٢). وأدنى المتاع الحسن في الدنيا، الأمن والدعة وراحة النفس والرضا بما قسم الله - تعالى - والصبر على المحن. ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾: أي ويمنح في الآخرة كل صاحب فضل في دينه جزاء فضله، بعد أن متَّعه في دنياه، متاعًا حسنا. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾: وإن تنصرفوا عمَّا دعوتكم إليه من طاعة الله والتوبة من المعاصي فإنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم الهول، رهيب الجزاءِ، ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (٣). ٤ - ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾: أي إِلى الله - وحده - مصيركم ومآلكم، بعد هذه الحياة. فعليهم أَن تتزودوا لهذا المصير بما يجزل الله لكم به الثواب ويقيكم العذاب - قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٤). ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: ختم الله الآية بهذه الجملة، ليعلم العباد أَن من كان قادرا على كل شيء فهو قادر على بعثهم، ومجازاتهم بما يستحقون من ثواب وعقاب، وأَن عليهم أَن يتقوه

стр. 1928

ويحذروا عقابه، ويدعوه مستغفرين تائبين طامعين في فضله وإحسانه، كما قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ المفردات: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾: يطوون قلوبهم على ما فيها من نوايا. ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾: ليستروا أَنفسهم عنه سبحانه. ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾: يوارون أنفسهم بثيابهم. التفسير ٥ - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾: تحدثت الآيات السابقة عن وجوب الإيمان باللهِ واستغفاره، والتوبة إِليه من الذنوب ليمتعهم في الدنيا متاعا حسنًا، ويؤتى في الآخرة كل ذى فضل ثواب فضله حين يرجعون إِليه، وجاءَت هذه الآية تبيّن إصرار المشركين على الكفر، وتنذرهم بأَن الله يعلم سرهم ونجواهم، وأَنه سيجزيهم بما كانوا يعملون. ورأَى بعض المفسرين: أَن هذه الآية نزلت في المنافقين؛ لأنهم كانوا يخفون الكفر ويظهرون الإِيمان، ولكن هذا الرأْى لا يناسب ما تقدم عليها وما تأخر عنها، من وعظ المشركين وإِنذارهم مَغبَّة ما هم عليه، في حين أَن السورة مكية، فلا ينبغي أَن يُقْحم أَمر

стр. 1929

المنافقين بين ما هو مرتبط بمسلك المشركين بمكة، قال العلامَةُ البيضاوى بعد حكايته القول بأنها نزلت في المنافقين وفيه نظر، إذ الآية مكية، والنفاق حدث في المدينة اهـ. ويؤيد ذلك ما روى عن ابن عباس في سبب نزولها، فقد روى عنه أَنها نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلًا حلو المنطق حسن السياق للحديث، يظهر لرسول الله ﷺ المحبة، ويضمر في قلبه ضدها. والمعنى: ألا إن الكافرين الذين لم يتأثروا بآيات القرآن، يطوون صدورهم على الكفر وعداوة الرسول ﷺ ولا ينتفعون بتلك الزواجر التي تقدمت في صدر السورة، يريدون أن يخفوا أَمرهم عن الله، أو يعتقدون أن أمرهم يخفى عليه، ثم رد الله عليهم وخطَّأَ مسلكهم فقال: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ليس المراد من استغشائهم ثيابهم المعنى الحقيقى، بل المراد: مبالغتهم في إِخفاء أَمرهم فهو من التعبيرات الكنائية، ويدل لذلك قوله تعالى في ختام الآية: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ والمعنى: ألا إنهم حين يبالغون في ستر حالهم وإِخفاءِ كفرهم وعداوتهم للرسول ﷺ ويستخفون تحت ظواهرهم من المودة والملاطفة، يعلم الله ما يخفونه من الكفر باللهِ والعداوة لرسوله، وجميع ما تنطوى عليه جوانحهم، ويعلم ما يعلنونه من جميع ظواهرهم، وصدق الله إذ يقول في سورة سبأ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية رئيس مجلس الإدارة محمد حمدى السعيد رقم الإيداع بدار الكتب ١٦٧٩/ ١٩٧٩ الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية ٦٩٣ س ١٩٧٩ - ٢٥٠٠٤

стр. 1930

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ المفردات: ﴿دَابَّةٍ﴾: هي اسم لكل حيوان يدب على الأرض زحفا أو على قوائم، مأخوذة من الدبيب وهو الانتقال البطئ، والمقصود منها هنا جنس الحيوان من ماشية وسباع وهوام وحشرات وغيرها ويدخل فيها الإِنسان، فإِنه يدب على الأرض، ومنه قول الشاعر: إِنما الشيخ من يدب دبيبا. ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾: موضع استقرارها وإقامتها. ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: ومكان استيداعها ووجودها إِلى حين تنقل بعده إلى غيره. ﴿كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: هو كناية عن علم الله تعالى، أو هو اللوح المحفوظ. التفسير ٦ - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا .... ﴾ الآية. بين الله في الآية السابقة أن الكافرين مهما حاولوا الاستخفاء من الله تعالى بما يظنون أَنه يخفيهم عنه، ومهما تستروا في كفرهم وعداوتهم للرسول فإِنهم لا يخفون على الله العليم بما يسرون وما يعلنون، وجاءَت هذه الآية لتقرر ما سبق، ببيان شمول رزقه تعالى وعلمه لكل دابة في الأرض. والمعنى: وما من حيوان في أي جزءٍ من أَجزاءِ الأرض، ذكرا كان أو أُنثى يمشى على رجلين أَو يمشى على أَربع، أو يمشى على غير هذه الصور، إلا تكفل الله برزقه اللائق به، وأوجبه على نفسه تفضلا وإحسانا. وكما تكفل برزقه أينما كان يعلم مستقره وموطنه الذي ولد ونشأ فيه، ومستودعه الذي يرحل إليه لطلب الرزق وغيره، كما يعلم مساكنه في أدوار حياته ويعلم ما يودع فيه بعد مماته، كل ذلك في كتاب بين واضح.
следующие страницы →