أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (١). والمراد هنا من الحق ما ثبت بطريق وحى سماوى، أو دليل عقلى مبنى على الآيات الكونية، وقد استدل العلماء بهذه الآية وبما ورد في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٢) على أَن العلم اليقينى واجب على كل مسلم في أصول العقائد.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: أَي إِنه تعالى واسع العلم فيعلم أَفعالهم، من اتباعهم الظن وتكذيبهم الحق.
وفي الآية إِنذار مؤكد لأُولئك الجاحدين بأنهم سينالون ما يستحقون من عقاب أَليم ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ (٣).
﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
المفردات:
﴿وَمَا كَانَ﴾: ما صح ولا استقام.
﴿يُفْتَرَى﴾: يختلق.
﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أَي ولكن أَنزله تصديقًا للكتب السماوية التي سبقته في أصول العقائد والأحكام قبل تحريفها.
﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾: تبيين ما كتب وأثبت في الكتب السماوية.
стр. 1857
التفسير
٣٧ - ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: بعد أن تناولت الآيات السابقة بالأَدلة القاطعة إِثبات وحدانية الله ، وقدرته وحكمته وتدبيره، جاءَت هذه الآية وما بعدها تبين استحالة أَن يكون القرآن مفترى من عند محمد ﷺ نفيًا لما زعم المشركون.
والمعنى: ليس يصح في شأْن القرآن وهو على ما هو من العلو أسلوبًا ونهجًا وغاية، أَن يكون مفترى من عند محمد وأَعانه عليه قوم آخرون كما افتراه عليه المشركون، فإِن هذا غير ممكن فهو ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١) فانظر إِليه في أسلوبه ومعانيه واتساق آياته، وفيما جمع من تشريعات. وعقائد وأَخلاق وآداب، وحكم وأَمثال وكشوف غيبية وحقائق علمية، جاءَت في أَقصى درجات الفصاحة والبلاغة والدّقة، وفي أَنماط سامية وآفاق عالية، فإِنك تقطع بأَنه لا يقدر على الإتيان بمثله أَحد من الإِنس والجن ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢) وتتأكد أَنه من عند الله وحده ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٣).
﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أَي ولكن أَنزله الله مصدقًا وموافقًا لما تقدم من الكتب السماوية، في أُصول العقائد والأَحكام قبل أَن يعتريها التحريف، مصححًا للعقائد التي عبثت بها أَهواءُ القسيسين والأَحبار والرهبان حيث ردها القرآن إِلى التوحيد الخالص.
﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي وأَنزله أيضًا تفصيلا لما أَجملته الكتب السماوية السابقة من عقائد وتشريع ومواعظ ومن شئون الاجتماع وسنن الله في خلقه وزادها تكميلا، فلا محل لأَى شك في أَنه كلام الله رب العالمين، الذي تعهد النوع الإِنسانى بالتربية والتعليم والهداية.
стр. 1858
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
التفسير
٣٨ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾:
بعد أن بين الله في الآية السابقة أن القرآن يستحيل أن يفترى على الله، وَبَيَّنَ أيضا أَنه أنزل من عند الله مصدقا ومفصلا للكتب السابقة، جاء بهذه الآية حكاية لزعم المعاندين الجاهلين أن محمدًا افتراه، وتعجيبا من قولهم وردا لفريتهم والمعنى: بل أيقولون افتراه محمد ﵊ واختلقه من قبل نفسه، قل لهم أَيها الرسول الكريم موبخا لهم ومبرهنًا على بطلان مقالتهم: هاتوا سورة مثل أيَّةِ سورة من سوره حتى يصح زعمكم أَن محمدًا افتراه على الله، فأَنتم أَرباب فصاحة وبلاغة، وأَنتم تعرفون أَنه أُمى كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُومِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١).
ولم يكن هذا أول ادعاءٍ لهم بالافتراءِ، فقد تكرر منهما إذ تحدثوا به أَول الأَمر فتحداهم القرآن أن يأْتوا بمثل القرآن كله فلم يستطيعوا، وبعد فترة شعروا بقوته تتزايد فعاودوا دعوى الافتراء معاندين، فعاود القرآن التحدى لا فى مثله بل في عشر سور منه فلم يتمكنوا، وتزايد عليهم العجز وظهروا مفحمين لا يجدون جوابًا، ولكنهم عاودوا بعد فترة زعمهم القديم، فعاد القرآن لتحديهم هذه المرة أَن يأْتوا بسورة مثله وهو ما جاءَ في هذه السورة حتى يلجئهم إِلى صمت العاجزين، وهكذا أَثبت القرآن عليهم وعلى أَمثالهم العجز العام عن محاكاته، فمن عسى أَن يزعم مثل هذا الزعم اليوم، فعليه أن يجيب على هذا التحدى وإِلا فليطبق فمه، وليمضغ أَكاذيبه، ومن عجب أن ترى من أعداء الإِسلام اليوم من يزعم أن محمدًا ﵊ هو صاحب القرآن وقائله: رغم هذا التحدى
стр. 1859
الدائم: وهكذا كان الإلحاد الجديد صورة منسوخة من الأَول القديم وماله عليه من دليل، وقد بقى القرآن العظيم شامخًا شموخ الجبال الرواسى وتحطمت على صخوره كل مفترياتهم. ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: في هذه الجملة من الآية الكريمة توسع القرآن في دائرة التحدى وطلب منهم أَن يستعينوا بمن يستطعون الاستعانة به بشرًا أَو آلهة، وأَمهلهم ما شاءُوا ولا يزال في تحديه للبشر، ولكنهم - آخرهم كأَولهم - أمام إعجاز بما هو متنوع متفرع، فمنه الإعجاز اللغوى ومنه العلمى والتشريعى والغيبى، وكل منها لم يعارض، ولو كان ممكنًا لأَتُوا بمثله ولكن ظهر عجزهم وبطل ما قالوه ولزمهم الإفحام.
وكلمة (إِن) في قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: تفيد التشكيك في صدقهم، ليشعروا بهوانهم وبُقصورهم عن شرف الصادقين، وقوله ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يشير إِلى أَنه لا يقدر عليه سوى الله تعالى.
وصدق الله إذ يقول: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١)
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾
التفسير
٣٩ - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾:
لما ظهر عجزهم عن الإتيان بسورة مثله وتبين أَن ما قالوه باطل لا وجه له من الصواب بين في هذه الآية ما حملهم على تكذيب القرآن المشتمل على الحق الذي لا غاية وراءَه.
стр. 1860
والمعنى: أَن هؤلاءِ الكفار لم يحكموا على القرآن بأَنه مفترى من دون الله بمقتضى برهان يؤدى إِلى ما ذهبوا إِليه، بل كذبوا بكتاب عظيم من غير إِحاطة بعلم ما فيه ولا تدبر لمعانيه، ولا وقوف على ما جاءَ به من الأَدلة الشاهدة بصدقه، من تشريع حكيم، وآداب وحكم عالية، وغير ذلك من أَسرار إِعجازه، ولم يأْتهم بَعْدُ تأويل ما فيه من الإِخبار بالغيوب حتى يتبين لهم أَنه صادق وليس بكاذب، أَو المعنى: ولم يبلغ أَذهانهم ما فيه من المعانى الدالة على عُلوِّ شأْنه. والمقصود: أَن القرآن آية كبرى على صدق الرسول صلى الله علية وسلم، ولكنهم سارعوا بالتكذيب قبل أَن يتدبروا نظمه ويتفحصوا معناه والتعبير بلفظ (لَمَّا) المفيدة لوقوع تأْويله مستقبلا، للإيذان بأَنهم لو تريثوا ولم يسارعوا بالتكذيب، لأدركوا تأْويله، وعرفوا فضائله ومعانيه السامية، ولتحققوا من صدقه.
﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾:
أَي مثل هذا التكذيب الناشئِ عن عدم التدبر كذب الذين من قبلهم رسلهم، فكلما جاءَهم رسول بما لا تهوى أَنفسهم كذبوه، وكان هذا سببًا في أَن حل بهم جزاءُ ما كانوا به يستهزئون، فكانوا سلفًا ومثلا للآخرين، يعتبر به كل عاقل، فانظر يا محمد أنت وأُمتك والناس جميعا مآل الظلم والظالمين، وصدق الله إِذ يقول: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١).
стр. 1861
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي
وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾
التفسير
٤٠ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾:
أَي ومن أُمة محمد ﷺ من سيؤمن بالقرآن وما جاءَ به ويتخلى عن عناده بعد الإِحاطة بعلمه وظهور حقيقته، ومنهم من يصر على الكفر والعناد فلا يصدق به في نفسه كما لا يصدق به ظاهرًا، لفرط عناده وغباوته واختلال تمييزه، ويجوز أَن يكون المعنى: ومن هؤلاءِ المشركين من قومك من يصدق به في نفسه، ولكنه يكفر به عنادًا، ومنهم من لا يصدق به في نفسه لفرط جهله فيكفر به اعتقادًا.
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾: أَي وربك يا محمد أَعلم بأُولئك المفسدين في الأَرض بعقائدهم الزائفة وأعمالهم الفاسدة، وسوف يجازيهم بما يستحقون: وهذه الجملة وعيد للمصرين على الكفر مع وضوح البرهان.
٤١ - ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ...... ﴾ الآية.
أَي وإِن كذبك هؤلاءِ الكفار - مع علمهم بأَنك الصادق الأَمين - فقل لهم يا محمد: لي جزاءُ عَمَلى، ولكم جزاءُ عملكم، فلا أَحد منا يتحمل مسئولية عمل الآخر، ثم أَمر الله نبيه أَن يؤكد هذا المعنى بأَن يقول لهم:
﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ﴾: فلا تتحملون مسئوليته ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: فلست مسئولا عنه، ولعل هذه السياسة تترك أَثرًا حسنًا في نفوسهم، يتصاعد شيئًا فشيئًا حتى يستدنى
стр. 1862
القلوب، ويأخذ بالأَلباب ويرد العقول الشاردة كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١).
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
المفردات:
﴿الصُّمَّ﴾: فاقدى حاسة السمع.
﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾: أَي لا يدركون ببصيرتهم.
التفسير
٤٢ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾:
لمَّا ذكر القرآن الكريم في الآية السابقة ما أَمر الله به رسوله من أن يقول للمكذبين: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ مُعلنا براءَته منهم، بين له هنا مثل الذين فقدوا الاستعداد للإِيمان فقال تعالى:
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾: أَي ومنهم ناس يستمعون إِليك عند قراءَتك للقرآن وتعليمك الشرائع للناس، ولكنهم لا يستمعون حقًّا، إِذًا لا يتدبرون القول، ولا يعقلون ما يراد منه، ولا يفقهون ما يرمى إِليه، وكان شأْنهم في سماعه كما قال تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ (٢). فلهذا أنزلهم الله منزلة الصم بقوله:
стр. 1863
﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾: أي أَنهم لم يستمعوه استماع تفهم وإِقبال، حيث أَغلقوا نوافذ العقل والعلم، فلهذا اعتبرهم الله صمًّا لا يسمعون، وأنزل على رسوله هذه الجملة معذرا له في عدم استفادتهم من تبليغه.
والمعنى: أَفأَنت تسمع من فقدوا حاسة السمع، ولو كانوا مع صممهم لا يعقلون، كهؤلاء الذين أَعرضوا عن الإيمان بما دعوتهم إليه، يعني أَن هؤلاء المشركين جمعوا إِلى صممهم عدم العقل ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (١). ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (٢).
٤٣ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾: أَي يتأمل في شأْنك ويعاين دلائل نبوتك ويشاهد عبادتك وسيرتك في حياتك العملية الكريمة، ومع هذا لا يزال مقيمًا على عناده مصرًّا على كفره وتكذيبه.
﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾: المراد بكونهم لا يبصرون، أَنهم لا بصيرة في قلوبهم، ولا تفكير لديهم، والمعنى: أَفأَنت تستطيع أن تهدى من فقد البصر فكيف إِذا انضم إلى فقد البصر فقدان البصيرة، والمقصود من الآيتين: أن هداية الدين كهداية الحس لا تكون إلا للمستعد لها، ولهذا كان لا بد في هداية الدين من هداية العقل، وهدايةُ العقل لا تحصل إلا بتوجيه النفس وصحة القصد التماسا لهداية الله، وليس عليك إلا البلاغ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) وفي هذا مواساة كريمة من الله لرسوله ﵊.
٤٤ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: لما بين فيما سبق امتناع اهتدائهم لأَنهم عطلوا أَسماعهم وأَبصارهم وعقولهم، بين في هذه الآية أَنه تعالى لم يظلمهم حيث وهب الناس الأَسماع والأَبصار والعقول وسائر الحواس، ليصرفوها فيما خلقت من أَجله، وشدَّ أَزرَ الحواس بالعقل، وأَزر العقل بالهدى عن طريق إِرسال الرسل والكتب، وسخر لهم ما في السموات وما في الأَرض ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٤).
стр. 1864
فلا عذر لأَحد بعد ذلك، ولكن من الناس من عطل مشاعره وقواه، وصرفها عن استعمالها فيما يهديه، فظلم نفسه ومجتمعه والإِنسانية كلها، فاستحق من الله الجزاءَ العادل.
والمعنى: إِن الله لا يظلم الناس شيئًا من الظلم حين يعاقبهم يوم القيامة على معاصيهم فقد منحهم سائر القوى التي تمكنهم من فعل الخير وتمنعهم عن الشر، فصرفوها في غير ما خلقت له، ولكنهم هم الذين ظلموا أَنفسهم حيث استمروا على السيئات الموجبة للتعذيب فكان عقاب الله لهم جزاءً وفاقًا، فهو عدل من الله تعالى لا ظلم فيه.
وفي الآية إشارة إلى أَن عاقبة ظلمهم مقصورة عليهم، وأن للعبد كسبًا وليس مسلوب الاختيار كما زعمت الجبرية، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (١).
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾
التفسير
٤٥ - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾:
هذه الآية للتذكير بمقدار ظلم الظالمين المشركين لأَنفسهم وخسارتهم في الآخرة بسبب تكذيبهم بها، وكفرهم بالحساب والجزاءِ فيها.
والمعنى: وَحَذِّرْهم أَيها الرسول يوم يحشرهم الله ويجمعهم بعد بعثهم من القبور في موقف الحساب والجزاءِ، وحينئذ يدركون قصر مدة مكثهم في الدنيا كأَنها مقدار ساعة قضوها وحين يخرجون من قبورهم يتعارفون بينهم، فلا ينسى أحد منهم من كان يعرفه من قبل، ثم تنقطع المعرفة عندما يشاهدون أَهوال القيامة ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٢).
стр. 1865
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: في هذه الجملة حكم من الله تعالى بخسران المكذبين وتعجيب من حالهم حيث لم يستعدوا ليوم الدين بالإِيمان وعمل الصالحات المزكية للنفوس، وآثروا عليها الدنيا القصيرة الأَمد، المليئة بالأَكدار، والتى يرونها يوم الحشر كأَنها ساعة من نهار، وقد بين الله تعالى ضلالهم فيما ذهبوا إليه فقال:
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: أَي وما كانوا مهتدين إلى الصواب فيما ذهبوا إِليه واختاروه لأَنفسهم، من إِيثارهم الفانى على الباقي. وهو الأَعمال الصالحة التي هي ثمرات الإِيمان الصحيح. والعاقل من يستعمل عقله ويأْخذ حذره، ويختار الأَصلح والأَنفع والأَبقى، والمقصود من لقاءِ الله: حسابه وجزاؤه في الآخرة قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾
التفسير
٤٦ - ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: أَي أن هؤلاءِ المشركين لن يفلتوا من عقابنا عاجلا أَو آجلا، فإِمَّا أَن ننزله بهم في الدنيا ونريك بعض ما توعدناهم به من قبل وفاتِك. وإِما أَن نتوفاك فإِلينا رجوعهم للحساب والعقاب على ما كسبوا من جرائم، فتراه ماثلا أَمام عينيك.
﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾: هذه الجملة فيها تأْكيد للوعيد السابق، والمراد منها أَن أَعمالهم محصاة عليهم وأَنها معلومة بدقائقها لله تعالى، فهو شهيد على ما يفعلون
стр. 1866
في دنياهم من الشرك والمعاصي، وأَنه لن يفلت أحد من عقابه. والتعبير بـ (ثُمَّ) للإِيذان بسمو شهادة الله عليهم، وعلوّ مرتبة علمه بهم، فإِنه لا تفوته صغيرة ولا كبيرة، وفي ذلك ما فيه من تأكيد الوعيد.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
التفسير
٤٧ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾: أَي ولكل أُمة من البشر رسول يبعثه الله إليهم ليهديهم إلى التوحيد، ويدعوهم إلى دين الحق بشريعة خاصة بهم، فيها صلاح معاشهم ومعادهم، وذلك لأَنه سبحانه يعلم قصور العقل البشرى عن إدراك ما فيه صلاح أُمورهم الدنيوية والأُخروية، مع وجود الصوارف النفسية والشهوانية التي جبل عليها الإنسان، وكثيرًا ما تغريهم بالضلال، فلذلك اقتضت حكمته تعالى أَن لا يعذب عباده، قبل أن يبعث إليهم رسولًا ليبصرهم بعواقب الأُمور، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) وقال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٢).
﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: أي فإذا جاءَ كل أُمة رسولهم مؤيدًا من الله بالمعجزات المثبتة لرسالته، وانقسموا بشأْنه بين مصدق ومكذب قضى الله تعالى بينهم بالحق وهم لا يظلمون بفوت ثواب أَو زيادة عقاب.
стр. 1867
٤٨ - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾:
أَي ويقول المشركون من أُمتك وغيرهم استبعادًا لوقوع ما توعدهم به الرسل واستهزاءً بهذا الوعيد، متى يتحقق ما أَنذرتمونا به إن كنتم صادقين في هذا الوعيد.
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
التفسير
٤٩ - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ..... ﴾ الآية.
لما استبعد الكفار وقوع ما توعدهم به القرآن من العذاب، وكانوا يستعجلونه استهزاءً وتكذيب أمر الله رسوله أن يقول: (لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا) أَدفعه عنها، أو نفعًا أَجلبه إليها، لكن ما شاء الله من ذلك وقع، فكيف أملك إِخباركم بالموعد الذي حدده الله لعقوبتكم، أَو استعجال وقوعه.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾: أَي لكل أُمة وقت مضروب لهلاكهم، إذا جاءَ هذا الوقت فلا يتأَخرون ساعة عنه، ولا يتقدمون، فلا يصح لهم أَن يستعجلوه مستهزئين مستنكرين. ولا يمكن أَن يجئ قبل أَوانه، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (١).
стр. 1868
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾
المفردات:
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: أَي أخبرونى. ﴿بَيَاتًا﴾: أَي ليلًا، وقت نومكم وغفلتكم.
﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾: أَي شيءٍ يستعجل المجرمون من العذاب.
﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾: أي أَبعد ما يقع العذاب حقيقة تؤمنون به، ودخول همزة الاستفهام على (ثُمَّ): لإِنكار تأْخيرهم الإِيمان إِلى وقت وقوع العذاب وتوبيخهم عليه.
التفسير
٥٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾: أمر الله - تعالى - رسوله أَن يبكِّت المشركين على كفرهم واستعجالهم العذاب بأَن يقول لهم ما معناه: أَخبرونى ما حالكم وما شأْنكم إن أَتاكم عذاب الله في ليلكم وأَنتم نائمون، أَو ي نهاركم وأنتم غافلون عنه باشتغالكم في معاشكم.
والمراد: أخبرونى عن حالكم إِذا باغتكم العذاب في أَي حال.
﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾: يعني أَي شيءٍ من أنواع العذاب يستعجله المشركون؟ وليس شيءٌ منه يقتضي الاستعجال، فمن له عقل سليم لا ليق به أن يستعجله، فإِنه موجب للفرار منه، لا لاستعجاله.
стр. 1869
٥١ - ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾:
أَي أتستعجلون العذاب متهكمين ساخرين، ثم إِذا دهمكم آمنتم به حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (١) فالله تعالى ينكر عليهم تأخير إِيمانهم إلى الوقت الذي لا يكون فيه إلا الحسرة والندامة قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢).
٥٢ - ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾:
أَي ثم قيل لهم في الآخرة إهانة وإِذلَالًا وتبكيتا، ذوقوا عذاب الخلد في النار، هل تجزون هذا الجزاءَ إِلا بسبب ما كسبتمونه في دنياكم من الكفر بالحق، وغشيان المعاصي على اختلاف أَنواعها، والإصرار عليها.
والمراد من قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: إِثبات عدل الله تعالى ونفى الظلم عنه، ببيان أَن إِصرارهم على الباطل هو الذي انتهى بهم إلى هذا المصير.
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي
الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
المفردات:
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾: أَي ويطلبون منك النبأَ وهو لخبر.
﴿إِي وَرَبِّي﴾: نعم وحق ربي.
стр. 1870
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أَي وما أَنتم بمفلتين من عذاب الله.
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾: قال أَبو عبيدة: معناه وأَظهروا الندامة، وقال غيره: وأخفوا الندامة - فهو من الأضداد.
﴿بِالْقِسْطِ﴾: القسط بكسر القاف بمعنى العدل أَما بفتحها فبمعنى الظلم وليس له موضع هنا.
التفسير
٥٣ - ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾: لا يزال الكلام متصلًا في نقاش الكافرين، والنبأُ: الخبر الهامّ والاستنباءُ: طلب النبإِ.
والمعنى: ويطلبون منك أَيها الرسول أن تخبرهم عن العذاب أَحق وصدق هو. وأَنهم ملاقوه لا يفوتهم، وهم بسؤالهم هذا لا يريدون الجواب بل يقولونه مستهزئين، معتقدين أَنه وعد باطل. ثم أَمر الله رسوله أَن يجيبهم فقال:
﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أي قل لهم أَيها الرسول - غير مكترث باستهزائهم - نعم وحق رَبِّى إِن العذاب الذي أُوعدتموه وأُنذرتم به لحق ثابت لا شك في وقوعه، فهو مقدور لله وما أنتم بمفلتين منه.
٥٤ - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ﴾: أَي ولو أَن لكل نفس ارتكبت الظلم بعصيان ربها، لو أَن لها جميع ما في الأَرض لقدمته فدية من هذا العذاب إِن كان الافتداء يجديها.
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: أَي وأَخفوا الندامة على كل ما فعلوا من الظلم، ولم يظهروها لا تصبُّرا ولا تجلدا، بل لأنهم بهتوا عند رؤيتهم فظاعة الحال وشدة الأَهوال التي لم تخطر لهم على بال، فلم يقدروا على النطق بشئ، أَو أَنهم كتموها في أَنفسهم لأنهم رأَوا أَن لا نفع في إِظهارها وقتئذ، وقيل: معناه وأَظهروا الندامة تأَلما وتضجرا.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: أي وحكم بينهم بالعدل التام الذي لا ظلم فيه بوجه من الوجوه ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١).
стр. 1871
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
التفسير
٥٥ - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .... ﴾ الآية.
افتتح الله تعالى هذه الآية بكلمة (ألَا) لينبِّه الغافلين إِلى ما جاءَ فيها من دلائل ربوبيته، والمعنى: ألا إِن للهِ وحده ما في السموات والأَرض من أَجزائهما وما استقر فيهما من الكائنات: له كل ذلك خلقا وملكا وتصرفا، فلا يشاركه فيه شريك، وليس لغيره فيه سلطان، ثم نبه الله عقب ذلك على أَن ما وعد به حق فقال:
﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: أَي كل ما وعد به الله على لسان رسله حق وواقع لا شك فيه، وفي جملة ذلك البعث والحساب، فهو القادر الذي لا يخلف الميعاد.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أَي ولكن أَكثر الناس لا يعلمون ذلك، لا عن طريق النظر والاستدلال، ولا عن طريق الكتب السماوية، فإِن معظمهم كفار بذلك عند نزول القرآن.
﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
التفسير
٥٦ - ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:
أي هو المتصرف وحده بالإحياءِ والإِماتة، وإليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاءِ، ومَن شَأْنه ذلك يجب أن يحذر عقابه العقلاءُ، وأَن يسارعوا إلى الإبمان بما أنزله على رسوله لهداية عباده.
стр. 1872
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
التفسير
٥٧ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: جاءَت هذه الآية خطابًا لمشركى مكة، لاستمالتهم نحو الحق، بعد تحذيرهم من عاقبة ما هم عليه من الضلال بما تقدم من الآيات التي تنعى عليهم سوءَ عاقبتهم، ومع أن الخطاب فيها لأَهل مكة، ولكن الحكم فيها عام لكل من على شاكلتهم من الناس كما يدل عليه لفظ: (يَأيهَا النَّاسُ) حيث عبر به بدلا من يا أهل مكة، والمراد من الموعظة التي جاءَت من ربهم القرآن الكريم، وقد وصف في الآية بأَربعة أَوصاوف، وهي أَنه موعظة وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين.
والمعنى: يا أَيُّهَا الناس الذين أَعرضتم عن الإِسلام، قد جاءَكم من مالككم ومربيكم الرءُوف بكم، جاءَكم منه كتاب يدعوكم إلى الإِسلام، اجتمعت فيه أربع صفات أَولها: أَنه موعظة وتذكير منه لكم، فقد عرفكم بالخصال الكريمة، وحثكم عليها، وبيَّن لكم حسن عاقبتها، وكشف لكم عن الخصال الذميمة ونهاكم عنها، وبيَّن لكم سوءَ عاقبتها.
وثانيتها: أَنه شفاءٌ لما في الصدور فقد بيَّن الحق وأَقام عليه الدلائل والبراهين المطمئنة للنفوس الحائرة، وبيَّن الباطل وأَقام البراهين على بطلانه ووجوب تركه، ولم يترك مجالا لأمراض الصدور عند العقلاء المنصفين، فهو لهذا كله شاف لما في الصدور من الأَمراض كالجهل والشك والشرك والنفاق وغيرها من العقائد الفاسدة، فكأَنه نفس الشفاءِ.
стр. 1873
وثالثها: أَنه هدى، فهو هادٍ إلى طريق الحق واليقين، بالإِرشاد إِلى أَدلته، فكأنه نفس الهدى.
رابعها: أَنه رحمة للمؤمنين، فقد نجوا به من ظلمات الكفر والضلال إِلى نور الإِيمان وانتقلوا به من استحقاق العذاب أَيام كفرهم، إِلى استحقاق النعيم المقيم بسبب إِيمانهم.
٥٨ - ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾:
هذه الآية مرتبطة بكل ما جاءَ في الآية التي قبلها.
والمعنى: قل يا محمد: أَيها الناس قد جاءَكم القرآن واعظًا لكم وشافيًا لصدوركم وهاديًا لقلوبكم، ورحمة للمؤمنين منكم، وهذا كله بفضل الله - تعالى - وبرحمته، فبذلك وحده فليفرح الناس جميعًا، فإِنه خير وأَبقى مما يجمعون من متاع الدينا، فهو زاد الآخرة الذي ليس له فناء، أَمَّا الدنيا ومتاعها فإلى زوال وإلى هباءٍ.
هذا: وقده قرئ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ بأُسلوب الخطاب وبهذه القراءَة وافقت الآية أُسلوب الخطاب الذي جرى في الآية قبلها (١).
стр. 1874
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُوفَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾
المفردات:
﴿رِزْقٍ﴾: الرزق في اللغة، ما ينتفع به، ومعلوم أنه ليس كله نازلا من السماءِ، وإِنما الذي أُنزل من السماء هو التشريع الذي أَحله أَو أسبابه التي حدث بها كالمطر والهواء وأشعة الشمس، وعلى هذا فالمراد من إنزال الرزق من السماء هو إنزال تشريعه أَو أسبابه، وفسر بعض العلماء إنزال الرزق بمعنى خلقه، وعليه فلا إشكال.
التفسير
٥٩ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا .... ﴾ الآية.
لما بين الله تعالى فضله على الناس ورحمته بهم بإنزال القرآن الهادى لهم، شرع يناقشهم فيما حرموه من رزق الله الذي أحله لهم، ويوبخهم على هذا التحريم المخالف لما شرعه لعباده، فقال جل ثناؤه:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ..... ﴾ الآية.
والمعنى: قل أيها الرسول للمشركين الذين يحرمون بعض ما أَحل الله للناس من الرزق أخبرونى: ما خلق الله لكم من رزق، أنزل حله في شريعة إبراهيم وإسماعيل، فجعلتم بعض هذا الرزق حرامًا، وحرمتم منه أَنفسكم، وبعضه حلالًا وتناولتموه، فقد قلتم:
стр. 1875
﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ (١) وحرمتم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى وقلتم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ إلى غير ذلك مما حرمتموه واحللتموه، مع أنه كله حلال.
﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾: قل لهؤلاء الذين يحرمون رزق الله الحلال، هل الله أذن لكم في هذا التحريم، أم لم يأذن لكم، بل تفترونه عليه، ثم توعدهم على هذا الافتراءِ فقال:
٦٠ - ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .... ﴾ الآية.
الافتراءُ هو الكذب، وجمعهما معا في قوله تعالى: ﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ لإظهار مزيد قبح ما افتعلوه.
والمعنى: وأى شيء ظن أُولئك المفترون فيما سيقع يوم القيامة أيحسبون أنهم لا يُسألون عن افترائهم، أَو لا يجازون عليه، أَم أَنهم يجازون جزاءً يسيرا، ولأجل ذلك يفعلون ما يفعلون كلا إِنهم سيلقون أَشد العذاب؛ لأن معصيتهم أشد المعاصي، ومن أَظلم ممن افترى على الله كذبا.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾:
إن الله لذو فضل عظيم على الناس جميعا، حيث أَنعم عليهم بالعقل المميز بين الحق والباطل والحسن والقبيح، ورحمهم بإِنزال الكتب وإرسال الرسل، ليبين لهم بذلك الأحكام التي لا تصل إِليها عقولهم، وأَرشدهم إلى ما يهمهم من أَمر المعاش والمعاد، وأَحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث ولكن أكثرهم لا يشكرون تلك النعم، فلا يصرفون قواهم ومشاعرهم إلى ما خلقت له ولا يتبعون دليل العقل فيما يستقل به، ولا يتبعون دليل الشرع فيما لا يدرك إلا به، مع أَنه قد بين لهم ما سيلقونه يوم القيامة إن أعرضوا عن الحق، ولكنهم لا يلتفتون إليه.
стр. 1876
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُومِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾
المفردات:
﴿فِي شَأْنٍ﴾: في أَمر تقصده. ﴿كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾: كنا رقباء مطلعين عليكم.
﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: تخوضون وتندفعون فيه، وأَصل الإفاضة الاندفاع بكثرة أَو بقوة.
﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾: ولا يغيب. ﴿مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾: المثقال، الوزن، والذرة: النملة والهباء (١).
﴿كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: المراد به اللوح المحفوظ أَو هو كناية عن علمه تعالى، ومعنى مبين بين واضح.
التفسير
٦١ - ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا ..... ﴾ الآية.
جاءَت هذه الآية إِثر بيان دعوة المشركين إلى الإيمان بالقرآن، والفرح بما جاء فيه من آيات الحق، ليبين أَن الله يعلم حال الرسول مع قومه في تبليغهم أَمر ربه، وحال قومه معه في شأْن ما دعاهم إِليه وأَنه سيجازى كلا حسب حاله.
والمعنى: وما تكون يا محمد في شأن من شئون الإِسلام، وما تتلو من شأْنك هذا من قرآن، ولا تعملون من عمل يا أيها الناس الذين بلغتكم دعوته، واستمعتم منه قرآن ربه، إلا كنا عليكم رقباء وحافظين، حين تخوضون في شأْن هذا القرآن وتندفعون في حقه بالباطل، وما يغيب عن علم ربك من شيء في وزن الهباء الدقيق، سواء أَكان
стр. 1877
ذلك الشئ الدقيق في الارض أو في السماءِ، ولا أصغر من ذلك الهباء ولا أكبر منه إلا في علمه تعالى لا يغيب عنه منه شيء فكيف تخفى عليه تعالى أعمالكم، وكيف يغيب عنه كفركم.
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
المفردات:
﴿أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾: أَولياءَ: جمع ولى، ومن معانيه لغة القريب، وقد أَطلق الأَولياء في عرف القرآن على المؤمنين الصادقين، لقربهم الروحى من الله تعالى.
﴿الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾: البشرى: مصدر أُريد به المبشر به، وبشرى الحياة الدنيا خيراتها العاجلة كالنصر والفتح والغنيمة وغير ذلك، وبشرى الحياة الآخرة ما أُعد لهم فيها مما لا عين رأَت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
التفسير
٦٢ - ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
قَبْلَ هذه الآية توعد الله المفترين عليه بما أشار إليه من عقوبتهم يوم القيامة بقوله: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: وعقَّب ذلك ببيان أنه تعالى مطلع على جهد نبيه في أُمته، وعالم بما أفاض فيه المشركون نحو دعوته، مشيرًا بذلك إلى أنهم سيجزون عليه وعلى كفرهم سوء الجزاء، وجاءت هذه الآية وما بعدها، لتطمئن المؤمنين على أنفسهم وتبشرهم بالخير الحميم في الدنيا والآخرة، وقد صدرت الآية بحرف التنبيه وهو (أَلَا) لاسترعاءِ انتباههم إِلى ما بعده من البشائر الإلهية العظيمة، كما أكد مضمونها بحرف (إِنَّ) وبالجملة الإسمية.
стр. 1878
والمعنى: أن أحباء الله المقربين إليه بالإيمان والعمل الصالح لا خوف عليهم في الدنيا من قضاءِ أَعدائهم عليهم، فقد مكن لهم في الأرض، وآتاهم فيها العزة كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة كما بشَّر به النبي ﷺ فلا مجال للخوف عليهم في دنياهم، ولئن أَصاب منهم أعداؤهم في بعض المواقع، فإن الدائرة بإذن الله ستكون لهم عليهم، فهم في ظل رعاية الله وحمايته، ما داموا على طاعته والإعداد لنصرة دينه ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢). وبالجملة فإنه لا يعتريهم في دنياهم ما يوجب الخوف عليهم ما داموا على ولاية الله والتقرب إليه بالتقوى والاستقامة، والحذر من الاعداءِ، والتأهب لدفع عدوانهم بما استطاعوا من قوة، وكما أنهم لا خوف عليهم في دنياهم فلا خوف عليهم في أُخراهم، فهم في الدنيا دائمو الخشية من الله، يؤدون ما كلفهم به من الطاعات، وينتهون عما نهى عنه من المنهيات، ويستصغرون ما أدوه نحوه من حقوق العبودية، ويجتهدون في تجريد أعمالهم من الرياء، ويرجون منه الفضل بالقبول، ومن كان هذا شأنهم فإنهم لا خوف عليهم أيضًا في أُخراهم. وكما أَنهم لا خوف عليهم في الدارين فإنهم لا يحزنون فيهما على فوت رغيبة من رغائبهم، فإنه تعالى منحهم نعمة الطاعة والرضا في دنياهم، فإن أقبلت عليهم النعمة والصحة والأَمن والرخاء حمدوا وشكروا، وإن فاتهم ذلك أو بعضه رضوا وصبروا، ومن عليهم في أُخراهم بجنة عرضها السموات والأرض ينعمون فيها بنعيم مقيم يفوق أعمالهم، ولا ترقى إِلى مثله آمالهم، فهو فوق ما كانوا يؤملون ويتصورون ثم عقب الله هذا الوعد الكريم لأَوليائه ببيان صفتهم التي تحقق ولايتهم فقال:
٦٣ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾:
أي أن أولياءَه تعالى هم الذين آمنوا بكل ما جاءَ من عنده، وواظبوا على تقواه - فلا يفعلون إلا ما رضي عنه الله ورسوله، ولا يتركون طاعة من طاعانه، فأَمرهم دائر بين واجب ومسنون، أَما المباحات فهم يمارسونها بقدر ما يعينهم على طاعة الله وكثيرًا ما أَغفلوها
стр. 1879
وإن أُحل لهم فعلها، وإن فعلوها فلا ينقص فعلها من ولايتهم ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ومن هذا النص الكريم، نعلم أن الولاية ليست بالادعاء ولا بالتزيى بزى الزاهدين مظهرًا، ولا بالعقل المسلوب، واللعاب السائل ولا بالإسراف في الزهد، ولكنها بالإيمان الصادق، والطبع الصافى والاختيار الكامل حتى يتقى ربه باختيار وكسب وإرادة، أما أُولئك الذي يدعون أنهم مستغرقون في الذات العلية، وأَن التكاليف سقطت عنهم، لأنهم جذبوا إِلى حضرة الله فسقطت عنهم التكاليف، فلذلك لا يشعرون بما يصنعون من حلال ومن حرام، فهم شياطين يتخذون من هذا الزعم وسيلة لغشيان المحرمات وفعل المنكرات، وكذلك ليس من أَولياءِ الله مسلوبو العقول ولا من يلبسون المرقعات، ويحملون العصى الطويلة، ويلبسون المسابح لإيهام السذج والمغفلين أنهم من أَهل القرب والوصول، فهؤلاءِ شياطين سفاحون هاربون من السجون أو دجالون يسلبون الأموال، فاحذروهم أيها المومنون فأولياءُ الله عقلاء، أَطهار الظاهر والباطن، عرفوا بالصدق في طاعة الله، والإقبال عليها في غفلة الغافلين ويقظة المتيقظين، في غير تصنع ولا نفاق سواء أظهرت على أيديهم، الكرامات أَم لم تظهر، فأَصحاب رسول الله أَولياء الله، مع أنهم لم تظهر على أَيديهم من الكرامات إلا القليل.
وبالجملة فأَولياءَ الله تعالى هم الذين تولى الله هدايتهم فأقبلوا على عبادته والدعوة إليه، وهم الذين يذكر الله تعالى برؤيتهم، فعن سعيد بن جبير أن رسول الله ﷺ سئل مَن أَولياء الله؟ فقال: "هُمُ الَّذِينَ يُذْكَرُ اللهُ بِرُؤيَتِهِمْ" أَي بمظهرهم الصالح، ومخبرهم النقى وإِخباتهم إلى الله، وسكينتهم وتواضعهم.
٦٤ - ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ..... ﴾ الآية.
لما وعد الله تعالى أولياءَه بأَنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ووصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. جاءت هذه الآية لتبشرهم بما يسرهم في الدارين.
والمعنى: أَن هؤلاء الأولياءَ الموصوفين بالإيمان والتقوى، لهم بشرى في الحياة الدنيا والآخرة، والمراد بالبشرى في الدنيا ما وعدوا به من الخيرات العاجلة التي ينالونها في دنياهم، كالنصر والفتح والنعم التي تدفقت عليهم من الفتوحات والغنائم، والاشتغال
стр. 1880
بالتجارة والزراعة، وغير ذلك من النعم الدنيوية التي أغدقها الله عليهم بإيمانهم وتقواهم وجهادهم في سبيل الله وسعيهم في جلب أرزاقهم ومن البشرى فيها أن يكونوا مرهوبين من أعدائهم، ومحبوبين من أوليائهم، ومنها الرؤيا الصالحة في النوم يراها المؤمن أوترى له، والبشرى عند الموت، حيث تأتيهم الملائكة بالرحمة، كما قال تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (١). وكما أن لهم البشرى في الحياة الدنيا فلهم البشرى في الآخرة بأن تتلقاهم الملائكة مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة، وبياض وجوههم، وإعطائهم صحائفهم بأيمانهم وما يقرؤونه فيها مما أعده الله لهم من نعيم الجنة، وانتهاء تلك البشارات أضرابها إلى غاية الغايات وهى الجنة وما فيها من نعيم مقيم.
﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أي لا تبديل لأقواله التي من جملتها بشاراته للمؤمنين المتقين: ذلك الذي بشروا به في الدارين هو الفوز العظيم الذي لا غاية وراءَه.
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾
المفردات:
﴿الْعِزَّةَ﴾: الغلبة والقهر.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: ما يتبعون إلا التوهم.
стр. 1881
﴿يَخْرُصُونَ﴾: يكذبون. وهو في الأصل بمعنى يقدرون بالاجتهاد الجزافى وكثيرًا ما يحدث فيه الخطأُ، فلذا يطلق على الكذب مجازًا وهو المراد هنا.
التفسير
٦٥ - ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾:
الخطاب هنا لرسول الله ﷺ لتسليته عما يعتريه في بعض الأوقات من حزن، بسبب ما يجده من قومه من التكذيب والمعارضة والتآمر عليه، بعد أن طمأَنه الله على أوليائه المؤمنين بأَنهم لا خوف عليهم من المكاره، ولا هم يحزنون على فوت بعض الرغائب.
والمعنى: ولا تحزن أيها الرسول بسبب ما قالوه فيك من التكذيب والتآمر على إِبطال أَمرك، ووصفك بالسحر والشعر وغير ذلك مما لا خير فيه.
﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
هذا تعليل لنهيه عن الحزن، أي لا تحزن لما قالوه في شأْنك، فإن الغلبة والقهر في الأرض والسماء لله، إذ لا يملك أحد من أَمرهما شيئًا لا هم ولا غيرهم، فهو يقهرهم ويعصمك منهم، ويهزمهم وينصرك عليهم، لأنه تعالى هو السميع لكل مسموع، العليم بكل معلوم، فلا يخفى عليه شيءٌ من مؤامراتهم، فهو بإحباطها كفيل، وقد تحقق ما أَشارت إليه الآية الكريمة، من إحباط مؤامراتهم، ونصر الرسول عليهم، وذلك من المبشرات التي عجلها الله لرسوله وللمؤمنين معه في الدنيا، والحمد لله رب العالمين.
٦٦ - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾:
في هذه الآية تأَكيد لما مر من البشارات، ومن أن العزة لله جميعًا، والمراد ممن في السموات والأرض، العقلاء وهم الملائكة والإنس والجن وتخصيصهم بالذكر للإيذان بأَن غيرهم أولى بملكية الله تعالى.
والمعنى: أن الله تعالى يملك من في السموات والأرض من الملائكة والجن والإنس مع شرفهم وعلو مكانتهم، فهم جميعا مملوكون له ومقهورون بسلطانه، وعبيد لمشيئته، وكذلك
стр. 1882
جميع كائناته، فهي أيضًا تحت قهره وسلطانه، فإنه إذا كان العقلاء مملوكين له، وخاضعين لإرادته فما سواهم مما خلق لأجلهم، مملوك له، وناشئ عن قدرته ومشيئته، وتابع لتدبيره وإرادته، ولم يصرح هنا بدخول غير العقلاء في دائرة ملكية الله؛ لأنه مفهوم بالأولى وغير محتاج إلى التصريح به، فضلا عن أنه مصرح به في كثير من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله .... ﴾ (١). ويجوز أن تكون (مَنْ) في قوله تعالى: (مَن في السَّمَوَاتِ وَمَن في الْأَرْضِ) عامة للعقلاء وغيرهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (٢).
وبعد أن بين ملكيته تعالى لأهل السموات والأرض، عقب ذلك ببيان خطإِ الكافرين في عبادة غيره فقال:
﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ﴾: أي وما يتبع الذين يعبدون غير الله شركاء له على الحقيقة، فإنها مملوكة له تعالى ولا شركة لها معه في شئٍ، فلا تستحق أن يشركوها به في العبادة.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: أي ما يتبع هؤلاء المشركون في عبادة غير الله تعالى إلا توهمهم الباطل أنه شريك له، دون أن يكون لهم على شركته له برهان عقلى أو نقلى، وما هم في جعلهم شركاء له إلا يكذبون.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ في ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾
المفردات:
﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾: لتطمئنوا وتستقروا فيه بعد حركتكم بالنهار.
стр. 1883
﴿مُبْصِرًا﴾: مضيئًا لتتحركوا فيه وتهتدوا في ضوئه إلى حوائجكم. ونقل القرطبى عن قطرب أَنه قال: أَظلم الليل أَي صار ذا ظلمة، وأضاء النهار وأَبصر، أي صار ذا ضياء وبصر - يقصد صاحب ضياءٍ وبصر من الناس فيه.
التفسير
٦٧ - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾:
بعد ما بينت الآية السابقة عقيدة المشركين في إِشراكهم بالله ما لا يملك شيئًا من السموات والأَرض التي يختص بملكها الله، وأوضحت أَنهم ليس لهم على أُلوهيتها دليل بل يتبعون الوهم ويكذبون، جاءَت هذه الآية لتؤكد خطأهم في الإشراك بالله وتقرر ما تقدم من اختصاص الله بملكيته للسموات والأرض ومن فيهما، وأَهليته لإفراده بالعبادة.
والمعنى: هو الذي أبدع لكم الليل وجعله مظلمًا لتسكنوا فيه وتستريحوا من متاعبكم نهارًا، وأَبدع لكم النهار وجعله مضيئًا لتتحركوا فيه لمصالحكم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾:
إِن في هذا التدبير الحكيم في شأْن الليل والنهار، لآيات عظيمة على وحدانية الله تعالى واستحقاقه وحده للعبادة، فوق ما مر من آياته جل وعلا، وهذه الآيات مسوقة لمن يسمعونها سماع تعقل وتدبر فينتفعون بها ولا يتشبثون بأوهام الشرك الواهنة، أَما أُولئك الذين يعرضون عن سماعها أَو يسمعونها ولا يتدبرون فيها فلا سبيل لهم إلى الانتفاع بها، والانتقال من الضلال إلى الهدى.
стр. 1884
﴿قَالُوا اتَّخَذَ الله وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ في الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
المفردات:
﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾: ليس عندكم من حجة عليه.
التفسير
٦٨ - ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾:
الظاهر أن الضمير في: ﴿قَالُوا﴾ يعود على المشركين الذين سبق الحديث عنهم من أول السورة إلى هنا، ويؤيده أن السورة مكية والنقاش في السورة مع المشركين، أما مع أهل الكتاب فإنه بدأ في المدينة حيث يوجد اليهود، ومن المفسرين من جعله شاملا لكل من اعتقد النبوة لله، فيدخل فيهم المشركون واليهود والنصارى، وغيرهم ممن على شاكلتهم والولد يشمل الذكر والأنثى، ويطلق على الواحد والجمع، وقد زعم المشركون أن الملائكة إناث، وأنهم بنات الله ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (١). وفي زعمهم هذا يقول الله منكرًا عليهم: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ (٢) وزعم اليهود أن عزيرًا ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله، ولغير هؤلاء مزاعم تشبههم، فنزلت الآية لإبطال مزاعمهم.
стр. 1885
والمعني: قال الكافررن: اتخذ الله ولدا وجعله له ابنًا، سبحانه وتنزيهًا له عن ذلك الزعم الباطل، هو الغنى على الإطلاق، فأَى حاجة له إِلى التبنى؟ ثم شرع يفند زعمهم بقوله:
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: أي له تعالى كل ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وتصرفًا، وفي جملة ذلك من زعموه له ولدًا، ومن كان كذلك فلا حاجة له إلى ولد، ثم بين أنهم لا حجة لهم فيما زعموا ووبخهم عليه فقال:
﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي ما عندكم من حجة بهذا الزعم، والعاقل لا يعتقد إلا ما قامت عليه الحجة، أَيليق بكم أَن تقولوا على الله الذي له ملك السموات والأرض ما لا تعلمون صدقه، ولا تقوم به حجة، ثم أَمر الله رسوله أن يهددهم على هذا الافتراءِ فقال:
٦٩ - ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾:
قل أيها الرسول للذين زعموا أَن الله اتخذ ولد، مبينًا لهم سوءَ عاقبتهم، ووخامة منقلبهم: إن الذين يختلفون على الله الكذب بمثل مزاعمكم المستحيلة لا يفلحون، فلا هم ينجون من مكروه ولا هم يفوزون بمطلوب، فالنار مثواهم، والجنة حرام عليهم، وإلى هذا المصير يشير قوله تعالى:
٧٠ - ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾:
أَي لهؤُلاءِ المفترين على الله تمتع قليل في الدنيا، فإنهم إليه راجعون مهما طال مكثهم فيها ثم يذيقهم العذاب الشديد بسبب كفرهم الذي أصروا عليه في دنياهم.
стр. 1886
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾
المفردات:
﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾: النبأْ، الخبر الذي له شأْن وخطر.
﴿كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾: شق وعظم عليكم ق ٤ يامى ووجودى بينكم.
﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾: إجماع الأَمر، العزم عليه، تقول أَجمعت الأَمر وأَجمعت عليه أي عزمته وأردته بهمة ومضاءٍ وعزيمة، والصيغة الأولى أفصح من الثانية وقال أَبو الهيثم: أجمع أَمره جعله مجموعًا بعد ما كان متفرقا.
﴿غُمَّةً﴾: أي مستورا، من غمة إِذا ستره.
﴿اقْضُوا إِلَيَّ﴾: أَي أدوا إليّ الأمر الذي تريدونه بي. ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾: ولا تمهلونى.
﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: أَعرضتم عن تذكيرى. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: من المنقادين لحكم الله لا أخالف أَمره. ﴿الْفُلْكِ﴾: السفينة.
стр. 1887
التفسير
٧١ - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾:
أي واتل أيها الرسول على المشركين من قومك ومن على شاكلتهم من سائر الكفار، اتل عليهم خبر نوح مع قومه الذين هم على شاكلة قومك في الكفر والعناد، فإنه خبر ذو شأْن وخطر عظيم فلعلهم بتلاوته عليهم، يتدبرون ما فيه من زوال ما تمتع به قوم نوح من النعم، وحلول عذاب الغرق بهم الموصول بعذاب الآخرة، لينزجروا عما هم فيه من الكفر، فإنه خبر صادق موافق لما ذكرته الكتب السماوية عنه، شاهد بصحة نبوتك، فإنهم يعلمون أنه لا سبيل لك إلى علمه إلا بطريق الوحى، والمراد من نبأ نوح مع قومه، بعض أخباره معهم لا كلها، فالموجود منها هنا موجز يسير لقصد العبرة.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ ......... ﴾ الآية.
أي اذكر لقومك نبأ نوح حين قال لقومه مهددًا ومتوعدًا لهم بعد ما عاناه منهم من الإعراض والإصرار على التكذيب، وبذل الجهد الطويل المديد في الوعظ والتذكير، اذكر لهم حين قال نوح لقومه بعد ذلك كله: يا قومى إن كان قد عظم وشق عليكم، قيامى ومكثى بين ظهرانيكم وتذكيرى لكم بآيات الله الذي كان سببا في كراهتكم لوجودى بينكم فعلى الله وحده توكلت، وعلى حمايته وحفظه لى من شركم اعتمدت. فاعزموا أمركم في شأْنى، ووحدوا كيدكم لى، واجعلوا معكم شركاء فيما تريدون بى، واحتشدوا فيه على أي وجه يمكنكم، ثم لا يكن أمركم الذي تدبرونه لى مستورًا مقصورًا عليكم، بل اكشفوه وجاهروا به ولا تخشونى، فإن السر إنما يصان، لمنع الخلاص من المكروه بالهرب ونحوه وذلك لا مجال لى فيه، فأنا واحد وأنتم أُمة، فكيف استطيع الخلاص من كيدكم كما تتوهمون، ثم أوصلوا إلى كيدكم واتجهوا به نحوى ولا تمهلونى، فلن يصل إلى من أذاكم قليل ولا كثير فقد اعتصمت بالله وتوكلت عليه: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١). ولا ترى أبلغ من ذلك في الثقة بنصر الله، والسخرية من أعدائه الغافلين عن عظمة الله وحمايته لأنبيائه وأوليائه.
стр. 1888
٧٢ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ .... ﴾ الآية:
والمعنى: فإن أعرضتم عن نصيحتى وتذكيرى لكم، بعد ما بينته من أننى لا أخاف من أذاكم ولا أذى آلهتكم المزعومة، وأننى في حرز حصين من حماية ربي، فلا سبيل لكم إلى إهلاكى فإن أعرضتم بعد ذلك كله فما سألتكم على وعظى وتذكيرى لكم من أَجر قل أو كثر، حتى يؤدى ذلك إلى توليكم، أو حتى يضرنى توليكم بالحرمان، فما سأَلتكم على التبليغ من أَجر فما أجرى إلا على الله، فلا وجه لإعراضكم عن الحق، وقد أُمرت من الله بأَن أكون من المسلمين أي المستسلمين الخاضعين لحكمه لا أُخالف أَمره ولا أرجو غيره، ولا أدعو إلى عبادة سواه، فدعوا إعراضكم وأسلموا لله وحده كما أسلمت. ولكن قومه لم يستجيبوا له، وأصروا كعادتهم على التكذيب فعاقبهم الله وذلك ما حكاه الله بقوله:
٧٣ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا .... ﴾ الآية.
أَى فأَصروا على التكذيب بعد ما أَلزمهم الحجة، وأَوضح لهم الطريق المأْمون، وقضى معهم دهرًا طويلا في النصح والإِرشاد، فنجاه الله تعالى من الغرق بالطوفان الذي عوقب به قومه، ونجى من كان معه في السفينة التي صنعها بأمر الله وإرشاده، وهم الذين آمنوا بربهم واستجابوا له وكانوا عددًا قليلًا وجعل الله هؤُلاءِ المؤمنين من قوم نوح خلائفِ لقومهم المكذبين، وأَغرق الذين كذبوا بآياته تعالى، جزاءً لهم على كفرهم وعنادهم، ثم أَمر الله بالتأمل في عاقبتهم الوخيمة فقال:
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾:
والخطاب هنا لكل ذى عقل سديد، والمعنى: فانظر أَيها العاقل وتأَمل لتعرف منه أَن بطش الله بالكافرين شديد لا قبل لأَحد به، وفيه تحذير لمن كذب رسول الله، وتسلية له ﷺ .
стр. 1889
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾
التفسير
٧٤ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾:
ثم أرسل الله من بعد نوح رسلا كراما كثيرين إلى أَقوامهم، لكل قوم رسولهم الخاص بهم، فجاءُوهم بالمعجزات الواضحة الدالة على صدقهم في التبليغ عنه سبحانه، فما حدث لقوم من أقوامهم أن يؤمنوا في آخر دعوته بما كذبوا به من قبل في أَول دعوته، فلم ينفعهم دوام "تذكيرهم"، ولا تواتر البينات الظاهرة والمعجزات الباهرة عليهم.
ويجوز أَن يكون معنى ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾: فما كانت كل أَمة منهم لتؤمن برسولها بسبب تعودهم تكذيب الحق قبل بعثة رسولهم الخاص بهم إليهم، فقد كانوا في فترات الرسل يسمعون من بقايا الأُمم قبلهم أَن مرسلين أُرسلوا بالتوحيد قبلهم، فلما عصوا أُهلكوا، فكانوا يكذبون ذلك، ثم كانت حالتهم بعد مجئِ الرسل إليهم، كحالتهم قبل ذلك كأَن لم يبعث إليهم أَحد.
﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾: والطبع في اللغة معناه الختم، وقد استعمل في الآية مجازًا عن التخلى والخذلان حتى صارت قلوبهم كأنها مغلقة ومختومة ومطبوع عليها.
والمعنى: مِثلَ ذلك الخذلان والتخلى عن معرفة هؤُلاء الكافرين فيستمرون على كفرهم يتخلى الله ويخذل جميع المعتدين المتجاوزين لحدود الله، فيبقون فيما هم فيه من عدوان، وذلك لانهماكهم في البغى والضلال، وإعراضهم عن الهدى والرشاد، ولو أنهم تدبروا آياته، وفتحوا قلوبهم للنظر السديد، لأعانهم الله وبصرهم فكانوا من المهتدين.
стр. 1890
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥)
فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ
أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ
فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾
المفردات:
﴿وَمَلَئِهِ﴾: الملأ أَشراف القوم.
﴿لِتَلْفِتَنَا﴾: لتصرفنا، واللفت والفتل بمعنى واحد.
التفسير
٧٥ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا .... ﴾ الآية.
أَي ثم بعثنا موسى وهارون من بعد أُولئك الرسل الذين تقدموهما إلى فرعون وأَشراف قومه بآياتنا وعلاماتنا الدالة على أَنهما مرسلان منا، والمراد بتلك الآيات ما مر في سورة الأعراف، من انقلاب العَصا حية وابتلاعها سحر الساحرين، وخروج يده من جيبه بيضاءَ من غير سوءٍ والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، إِلى آخر الآيات التسع التي مر بيانها في سورة الأعراف.
وتخصيص ملإ فرعون بالذكر مع أَن موسى وهارون أُرسلا إِلى باقى أُمة فرعون، لأن الحديث كان معهم أَولا، رغبة في إيمان منْ خلفهم بإيمانهم، ولم يكتف باندراج قصة موسى وهارون من قوم فرعون فيما أَجمل من أَخبار الرسل بعد نوح، لاختصاصها من بين سائر
стр. 1891
القصص بأحداث هائلة مع ملك جبار ومستبد، ولأنها كانت معروفة إِجمالًا للعرب؛ لأن اليهود كانوا يعيشون بينهم، ثم بين الله ما حدث من قوم فرعون بعد ما دعاهم موسى وهارون إِلى الحق المؤيد بالمعجزات، فقال سبحانه:
﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾:
أي فتعالوا عليهما وامتنعوا عن قبول دعوتهما، وكانوا معتادين الإجرام فلذا اجترءُوا على رفض دعوة الله والكفر بها، ثم فصل الله كفرهم بها نوعًا من التفصيل فقال:
٧٦ - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾:
أَي فحين جاءَهم الحق من عندنا على لسان موسى وهارون ﵉ مؤيَّدًا بالمعجزات الباهرات، بادروا إلى ردها فورًا من غير تدبر، وقالوا إِن هذا الذي زعمتماه معجزات مؤيدة لرسالتكما، ما هو إِلا سحر واضح لا يحتاج إلى جهد في إِثبات كونه سحرًا، ثم أخبر الله برد موسى عليهم فقال:
٧٧ - ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾:
أَي قال موسى منكرًا عليهم بعدما اتهموه بأَن معجزاته من قبيل السحر الواضح: أَتقولون للحق عند مجيئه إِليكم من غير تثبت ولا تفكير ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولم يذكر في رده عليهم جملة ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ اكتفاءً بعلمها من كلامهم السابق، ثم وبخهم على هذا الادعاءِ ودلل على فساده فقال:
﴿أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾:
أَي أَسحر هذا الذي جئتكم به، وكيف يكون سحرًا وأتحداكم به وأَنا أعلم أَنه لا يفلح الساحرون فلا يفوزون بمطلوب، ولا ينجون من مكروه ولا يثبتون أمام تحدى الساحرين المتمرسين المتفوقين، كالذين ينتشرون في أَطراف مصر وأرجائها، وكيف يفلح الساحرون وهم يفترون على الله، والله لا ينصر من يفترى عليه.
ثم حكى الله مقالتهم الواهية لما عجزوا عن رد حجته عليهم فقال:
٧٨ - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾:
أي قال قوم فرعون لموسى: هروبًا مما أفحمهم به، أجئتنا بدعوى الرسالة عن الله، لتصرفنا
стр. 1892
عما وجدنا عليه آباءنا من عبادة فرعون وسائر المعبودات التي ورثناها عنهم، لكي نعبد إلهك الذي طلبت أَن نعبده وحده، ولكى تكون لك ولأَخيك الكبرياءُ والعظمة في الأرض، بتولى الملك والرياسة علينا، فما أَضعف حجتهم، وما أقصر نظرهم، فلا ينبغي لعاقل أَن يحهتج بما كان عليه الآباءُ - فما أَكثر ما يكونون عليه من ضلال - ولا أَن يُتهم من يدعو إلى الله وحده بأَنه يدعو إِلى الرياسة والملك في الناس.
﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي وقال فرعون وقومه لموسى وهارون ولسنا لكما بمصدقين فيما جئتما به من الدعوة إِلى توحيد الله وترك ما كان عليه آباؤنا.
ولم يخصوا موسى بالخطاب مع أَنه هو الذي خاطبهم بشريعته ودعاهم إِليها، مبالغة في إقناطه من إيمانهم، ولما كان لفتُهم عما وجدوا عليه آباءَهم من خصائص صاحب الشريعة أَسندوه إِلى موسى ﵇ في قولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.
أَما هارون فوزيره فيها، وتأْكيدًا لإصرارهم على الكفر والعناد كان التعبير بالجملة الإسمية والإتيان بالباءِ وتقديم ﴿لَكُمَا﴾ على ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ في قولهِ ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾.
وقد رفض هولاءِ دعوة موسى لسببين:
١ - أَنه جاءَ ليصرفهم عما كان عليه آباؤهم وهم لا يحبون التحول عنه ومفارقته.
٢ - أَنهم زعموا أنه أَراد بدعوته أَن يكون له ولأخيه الكبرياءُ في الأرض وهم يحرصون على الانفراد به واستعباد الناس وظلمهم، ويرد السبب الأول بأنه حقا دعاهم إلى نبذ ما كان عليه آباؤهم ولكن ليخرجهم من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والعرفان، وهذا خير مما عليه آباؤهم، ولا يحتاج رد الثاني إلى فكر ونظر لأن الرسالة لم تكن طريقًا إِلى التسلط والكبرياء، فقد تحمل موسي وهارون في سبيلها متاعب شديدة، ورحلات شاقة وبذلا في تبليغها للناس جهودًا مضنية، من أَجل الله وإِسعادًا للبشر في الدنيا والآخرة، دون أَن يكون لهما مأْرب دنيوى.
стр. 1893
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾
المفردات:
﴿السِّحْرُ﴾: يطلق على ما لطف ودق، ويطلق على ما يقع بخداع وتخيلات لا حقيقة لها، مثل ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، ويكون السحر أَيضًا بمباشرة أَقوال وأَفعال حتى يتم للساحر ما يريد من التأثير على الشخص المقصود، بحيث يغير مزاجه ويؤئر في حواسه ووجدانه، كأن يجد الحلو مرًّا، وينقبض صدره وتضعف قواه، ويكثر اضطرابه.
﴿سَيُبْطِلُهُ﴾: سيمحقه ولا يبق له أَثرًا. ﴿لَا يُصْلِحُ﴾: لا يثبت ولا يؤيِّد.
﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾: ويثبت الله الحق ويقويه ويؤيده. ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: لأَوامره ووحيه.
التفسير
٧٩ - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾:
بعد أَن بين القرآن الكريم أن فرعون وقومه لجأُوا إلى التمسك بتقليد آبائهم - حينما لم يجدوا حجة يردون بها دعوة موسى - بعد ذلك جاءَت هذه الآية تبين أَن فرعون اتبع أُسلوبًا آخر في رد رسالة موسى، وهو إِيهام قومه أن ما جاءَ به موسى من قبيل السحر حتى لا يتأثروا بدعوته الواضحة، فيبقى له النفوذ والكبرياء والتسلط.
стр. 1894
والمعنى: وقال فرعون آمرا قومه: اجمعوا لى من جميع أنحاء مملكتى كل ساحر واسع العلم بفنون السحر، عظيم الخبرة به قوى التأثير بارع الحيلة كى يعارض بهم معجزة موسى ﵇.
٨٠ - ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾:
أي فحشروا لفرعون كل ماهرٍ في صناعة السحر، فلما جاءُوا إليه واجتمعوا لديه قال لهم موسى ألقوا ما استقر رأيكم على إلقائه من أَنواع السحر، وقدموا ما عزمتم على فعله وأَظهروا كل ما في طاقتكم من سحر ليظهر بطلانه على رءُوس الأشهاد.
ولم يطلب إِليهم موسى ﵇. أن يبدأوا بإظهار سحرهم عقب مجيئهم إِلى فرعون وإنما كان بعد أن خيروه بين أَن يبدأ هو أو يكونوا هم البادئين، كما حكاه القرآن في سورة الأعراف ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (١).
ولوثوقهم بتغلبهم عليه خيروه، كما كان طلب موسى منهم أَن يبدأوا ليعطيهم الفرصة كاملة لإظهار ما في طاقتهم من السحر في هدوءٍ تام واطمئنان كامل، وحتى يجد الحق بعد الباطل نفوسًا تتقبله وعقولا تتدبره.
٨١ - ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾:
أي فلما أَلقوا ما لديهم من العصى والحبال وأظهروا كل ما في طاقتهم من فنون السحر استرهبوا الناس وجاءوا بسحر عظيم. ولثقة موسى ﵇ بصدق رسالته، وإيمانه بنصر الله له، وتثبيت الله لقلبه، وتكذيبًا لما رموه من السحر قال لهم: الذي جئتم به وبذلتم في إِظهاره أَقصى جهدكم هو السحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى، وتأْكيدا لثقته بتحقيق ما تقدم قال فيما حكاه القرآن عنه ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾: أَي إن الله سيمحق هذا السحر فلا يبقى له من أثر بما يظهره على يدى من المعجزات، فإن الباطل لا يدوم مهما كثر وانتشر.
стр. 1895
ثم أكد القرآن الكريم ذهاب هذا السحر وزواله بقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾: أي إن الله لا يجعل عمل جميع المفسدين صالحًا للبقاءِ ثابتًا، بل يزيله ويذهب به، فلا يبقى لباطل هولاءِ السحرة المفسدين أثرًا.
٨٢ - ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾:
أَي ويثبت الله الحق الذي يبعث به رسله رحمة للعالمين، ويؤيده ويقويه بأوامره وتأْييده، ولو كره المجرمون الكافرون إِحقاقه واستقراره، ففي إِحقاقه قطع أطماعهم وتقويض سلطانهم والقضاءُ على باطلهم، واستقرار الأمن وعمارة الأرض وذهاب الفساد. ومن سنن الله في خلقه أن البقاء لمبادئِ الخير والحق ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١).
﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي
الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ
مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ
مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
المفردات:
﴿ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾: جماعة من قومه، شبابًا أَو كهولا، فقد آمن به السحرة وهم كهول غالبًا كما آمن به غيرهم.
﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾: أَن يعذبهم. ﴿لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾: لغالب فيها.