← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ المفردات: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾: أي اركبوا مستقرين فيها. ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾: أَي جريها في الماء، وإِرساؤها أي إِثباتها في مرساها، ويجوز أن يكون المراد منهما مكان أو زمان جريها وإرسائها. التفسير ٤١ - ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾: بعد أَن بيَّنت الآية السابقة أَن الله - تعالى - أمر نوحا ﵇ أَن يحمل في السفينة زوجين اثنين من كل الحيوانات المنتفَعِ بها، وأن يحمل فيها أَهلَه إلا من سبق عليه قول الله بالغرق بالطوفان، جاءَت هذه الآية لِتبيِّن أَنه نفَّذ ما أَمره به، وأَوصى أهله أَن يذكروا اسمه - تعالى - عند ركوبهم فيها على النحو الذي سنشرحه، والركوب كما قال العلامة أَبر السعود: هو العلو على شيءٍ له حركة، إِمَّا إرادية كالحيوان أَو قسرية كالسفينة والعجلة ونحوهما، فإذا استعمل في الأَول لم يذكر معه لفظ (في) كما في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ (١). وإذا استعمل في الثاني لوحظت الظرفية فذكر معه لفظ (في) كما هنا، وكما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾. (٢) وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾. هذه خلاصة ما أسهب به في هذا الموضوع، وقال البيضاوى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾: أي صِيرُوا فيها وجعل ذلك ركوبا، لأَنها في الماءِ كالمركوب في الأرض: اهـ. والمعنى: وقال نوح ﵇ لأهله والمؤْمنين الذين أمره الله بحملهم معه: اركبوا في السفينة قائلين بسم الله جريها فوق الماءِ المتلاطم الأَمواج، وبين

стр. 1962

الزوابع والعواصف وتحت سُحُبٍ مفتَّحة الأَبواب بماءٍ منهمر، وبسم الله إرساؤُها وإيقافها عن الجرى عند مرْساها الذي شاء الله أَن يوقفها ويثبتها عنده. ويجوز أن يكون نوح بعد أن أمرهم بركوبها، أخبرهم بأَن جريها وإِرساءَها بإِذن الله وحمايته حتَّى لا يخافوا من ركوبها في هذا الفزع الأَكبر، فكأَنه قال لهم: اركبوا في السفينة بإذن الله جريها وإيقافها لا بإِذنى فلا تخافوا من الغرق، ويرشح هذا المعنى ختم الآية بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي إن ربي لعظيم الغفران لذنوب المؤمنين، واسع الرحمة والرأْفة بهم، ومن كان كذلك فهو الكفيل بنجاتهم من كل خطر يُحيط بهم. ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾. المفردات: ﴿فِي مَعْزِلٍ﴾: أَي في مكان عزل نفسه فيه عن أَهله. ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾: يمنعنى، يحمينى منه. التفسير ٤٢ - ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾: هذا الكلام مرتبط بمقدر مفهوم من الآية السابقة، أي فركبوا في السفينة ﴿بِسْمِ اللهِ﴾ الخ، وفي تجرى بهم بعد ركوبهم، في موج مرتفع كالجبال، لشدة العواصف والرياح التي يثأَثر بها الموج ويشتد ارتفاعه.

стр. 1963

﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ … ﴾ الآية. في هذه الآية عدة أَسئلة: (أحدها): كيف ينادي نوح ابنه ليركب معه في السفينة مع أَنه نهى عن ذلك بقوله سبحانه: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾؛ ومن سبق عليه قول الله هم الذين قضى بإغراقهم لكفرهم؟ وقد أُجيب عن ذلك: بأَنه لم يقطع الأَهل في إِيمانه إِذ لم يكن لديه علم بأَنه مصرُّ على الكفر وأنه من المغرقين، إلا بعد أَن أَخبره الله بأَنه ليس من أهله المؤمنين وبأنه من المغرقين، ويدل لذلك قوله: ﴿ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾. فكأَنه يقول له اركب معنا نحن المؤمنين وكن مؤْمنا في جملتنا، ولا .. تكن باقيا على الكفر مع الكافرين حتى لا تغرق بسبب كفرك وعزلتك معهم، وقيل: إنه كان ينافق أباه فيظهر له الإِيمان ويبطن الكفر فلذلك دعاه ليركب مع المؤْمنين ظانًّا أنه مؤمن، والرأْى الأَول أَظهر. (وثانى هذه الأَسئلة): ما المراد بكونه ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾؟ والجواب: أَنه كان في مكان عزل فيه نفسه عن أَبيه وعن المؤْمنين وقتما كانوا على الشاطئ يستعدون لركوب السفينة، ولكنه كان بحيث يسمع النداءَ، فلذلك ناداه أَبوه بترك العزلة مع الكافرين، والانضمام إِليهم في الإيمان وركوب السفينة معهم. (والسؤال الثالث): ظاهر النص الكريم، أَن نوحا نادى ابنه وكانت السفينة تجرى بهم في موج كالجبال والمعقول أنه يناديه قبل أن تبحر بهم؟ والجواب: أن هذا حكاية لما حدث منه لولده قبل إبحار السفينة، وليس في النص ما يقتضي تأَخره إِلى ما بعد جريانها فكأَنه قيل: وهى تجرى بهم في موج كالجبال، وكان نوح قد نادى ولده ليترك مَعْزلَهُ، ويؤمن ويركب معهم، لينجو من الغرق في طوفان أَمواجه كالجبال، فأَبى وقال: سآوى إلى جبل يعصمنى من الماء الخ. والمعنى الإجمالى للآية: فركبوا في السفينة بإذن الله جريها وإِرساؤها، وهى تجرى بهم في موج كالجبال، وكان نوح قبل إِبحارها قد نادى ابنيه وكان في مَعزل عنه وعمَّن

стр. 1964

آمن معه، قائلا له بحكم الشفقة الدينية والأَبوية: يا بنى اركب معنا نحن المؤْمنين ودع ما أَنت عليه من الكفر، لتنجو من الغرق، ولا تكن منعزلا عنا مع الكافرين، فإنهم سيغرقون ويهلكون. ٤٣ - ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾: توهم هذا الولد المفتون أَنه يستطيع أَن ينجو من الغرق باللجوءِ إلى جبل مرتفع، كما يحدث في بعض المُلمَّات من اللجوءِ إلى أَسباب النجاة العادية، فلهذا رفض دعوة أَبيه وقال له: سأَلجأُ إِلى جبل مرتفع يحمينى من الماء ويمنعنى تسلُّقُه من الغرق بالطوفان، فردَّ عليه أَبوه قائلًا: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾: أَي ليس هذا الذي نزل بالناس ماءً عاديا يُتَّقى فيضانه بارتقاء الجبال، بل هو عذاب الله وعقابه للكافرين فلا يُنْجِى منه إلا الله الذي رحم عباده المؤْمنين بإركابهم سفينة النجاة فدع عنك هذه الغفلة، وآمن بربك واركب مع المؤمنين سفينة النجاة، لتنجو معهم، ولكنه لم يستمع إلى نصيحة أبيه. ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. أي قام الموج حائلا بين نوح وابنه فاجتذبه إِليه، وانقطعت صلة التفاوض بينهما، وكان هذا الولد من جملة الذين أَغرقهم الله بالطوفان من الكفار أَمثاله. ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ المفردات: ﴿وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾: ويا سماءُ أَمسكى عن المطر، والسماءُ هنا؛ السحاب.

стр. 1965

﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾: أَي نقص. ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾: واستقرت السفينة على جبلٍ يُسمَّى بهذا الاسم، واختلف في موقعه على ما سنبينه في الشرح. ﴿بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أَي هلاكا لهم، يقال: بَعُدَ بُعْدًا وَبَعْدًا، إذا بَعُدَ بحيث لا يرجى رجوعه، ثم استُعِير للهلاك. التفسير ٤٤ - ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾. بعد ما بيَّنت الآية السابقة شدة الطوفان وإِغراقه لأَهل الأَرض، وأَنه لم يعصم منه إلا من ﵀ وهم أهل السفينة التي صنعها لهم نوح، جاءَت هذه الآية لتبيِّن انتهاءَ الطوفان بأَمر الله، بعدما أَهلك الله به الظالمين. والمعنى: أَنه - تعالى - بعد إهلاكه الظالمين بالطوفان، أَمر الأَرض أَن تكف عن الفوران وأَن تبتلع ما على ظهرها من الماءِ الذي جاءَ به الطوفان، دون ما فيها من مياه البحار والمحيطات، وأَمر السماءَ أن تكفَّ عن المطر، وتقلع عن إرساله مدرارًا، وظاهر الآية: أن الأرض والسماء نوديا حقيقة، وأنه - تعالى - خلق لهما إدراكا جعلهما أَهلا لتقبُّل التكليف، وَلا يبعد ذلك على قدرة الله تعالى، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (١). ومن المفسِّرين من جعل ذلك تمثيلا لكمال قدرة الله عليهما، وتمام انقيادهما لما يشاؤه فيهما، قال الإِمام البيضاوى: نوديا بما ينادى به أُولو العلم، وأُمرا بما يؤمرون به تمثيلا لكمال قدرته، وانقيادهما لما يشاءُ تكوينه فيهما، بالآمر المطاع الذي يأْمر المنقاد لحكمه، المبادر إلى امتثال أَمره، مهابة من عظمته، وخشية من أليم عقابه، انتهى. ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾: ونقص الماء حتَّى غاب في الأَرض بعد ما صدر أمر الله للسماء بالإقلاع والأَرض بالابتلاع وتنفيذهما مشيئته فيهما، وأنجز الأَمر الذي جاءَ الطوفان من أجله، وهو هلاك أُولئك

стр. 1966

الظالمين من نوح، وتطهير الأرض منهم، لينشأَ جيل جديد من البشر على توحيد الله وطاعته، واستقرت السفينة بعد أن جف ظاهر الأَرض، على جبل اسمه الجودى. وقد اختلف الناس في بيان موقعه؛ فمنهم من قال: إنه بالموصل، ومنهم من قال: بالشام ومنهم من قال بآمل - بمدّ الهمز وضمّ الميم - ومنذ عدة سنين نشر بالصحف، أَنهم وجدوا أَلواحا طويلة على جبل أرارت تشبه أَلواح سفينة كبرى، وقيل: إنها بقايا سفينة نوح، والله - تعالى - أَعلم بالحقيقة. ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: إذا قلت: بعدا لفلان، فأَنت تدعو عليه، فهو خاص بدعاءِ السوءِ، وكثيرا ما يستعار للدعاءِ بالهلاك كما هنا. والمعنى: وقيل من جهة الله تعالى: هلاكا لقوم نوح لكونهم ظالمين أَشد الظلم. ويقول العلامة البيضاوى، في وصف بلاغة الآية وفصاحتها ما يلى: "والآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها، وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال، مع الإِيجاز الخالى عن الإِخلال، وفي إيراد الإِخبار على البناءِ للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل وأَنه متعين في نفسه، مستغنٍ عن ذكره، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره، للعلم بأَن مثل هذه الأَفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار". انتهى. وقال الألوسى: هذه الآية بلغت من مراتب الإِعجاز أَقاصيها، وجمعت من المحاسن ما يضيق عنه نطاق البيان، إلى آخر ما قال. هل شمل الطوفان جميع الأَرض إذا قرأَنا قصة الطوفان في سور القرآن التي تحدثت عنه، نجد فيها أن الله تعالى جعله عقوبة لقوم نوح لغلوهم في الكفر، وإصرارهم عليه أحقابا ودهورا، وقوم نوح كانوا في إقليم من أقاليم الأَرض يعلمه الله، ولم يكونوا منتشرين في أرجائها كلها، فهل يبعثنا هذا على القول بأَن الطوفان لم يعم الأرض جميعا، بل كان قاصرًا على المنطقة التي كان يوجد فيها قوم نوح لعقابهم، وهل يشهد لصحة هذا الاستنتاج أَن الله تعالى قال هنا في آخر القصة: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. كما يشهد له أن نوحا كان قريبا

стр. 1967

من جدّه لآدم ﵉ فالبشرية في عهده كانت محصورة في حيِّزٍ ضيق من الأَرض أم أَن الطوفان مع كونه عقوبة لقوم نوح، فإنه كان لجميع أَنحاء الأَرض لحِكَمٍ يخص بعلمها الحكيم الخبير، ولم نجد لهذا السؤال جوابا حاسما يحمل على اعتقاد عمومه أَو خصوصه يقينا، والذى يجب اعتقاده هو عموم الطوفان للكافرين لقوله تعالى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾. وقوله: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾. أَما عمومه لجميع بقاع الأَرض، فليس لدينا ما ينفيه على البت والقطع، لاحتمال النصوص لهذا العموم، ولأَنه قد وجدت بعض الأَصداف والأَسماك المتحجرة في أعالى الجبال، لأَن هذه الأَشياءَ لا تتكون إِلاَّ فى البحر، فلا بد أَن تكون هذه مخلفات طوفان عمَّ الأرض، وارتفع إلى أَعالى الجبال .. سؤال قد يقول قائل: ما ذنب الصغار الذين لم يبلغوا حد التكليف حتى يهلكهم الله بالطوفان؟ والجواب: أنه مجرد سبب لموتهم، وليس موتهم به عقوبة لهم، وأَى محذور في إِماتة مين لا ذنب له؟ وفي كل وقت يميت الله من هؤُلاء الصغار بأسباب وبغيرها عددا لا يحصى، فالخلق عباده، والملك له - وحده - يفعل فيه ما يشاءُ حسب حكمته العالية، فهو الحكيم الخبير. ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾ المفردات: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾: أَي بعض أَهلى الذين وعدتنى بنجاتهم.

стр. 1968

﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾: أَي لا يستحق الانتساب إليهم، لانقطاع الولاية بين المؤْمن والكافر. ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾: أي إِنه صاحب عمل فاسد، فلا ينسب إلى أَهلك الذين سبق الوعد بإنجائهم. ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: إِنى أُحذرك أن تكون من جملة الجاهلين بسؤالك نجاة ولدك الكافر. التفسير ٤٥ - ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي … ﴾ الآية. تقدم في الآيات السابقة بيان أَن نوحا دعا ولده هذا إلى أَن يركب معه السفينة، ولا يتخلف مع الكافرين حتى لا يهلك بهلاكهم، وأنه أجابه بأَنه سيأْوى إِلى جبلٍ يعصمه من الماءِ، وأن أَباه أَفهمه أنه لا عاصم من الغرق، إِلا الله الذي رحم المؤْمنين ركَّاب السفينة، وأَن الموج حال بينهما فانقطع الحديث، وكان هذا الولد من المغرقين. وظاهر هذه الآية أن نوحا أراد بقوله: - ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ الخ أن يطلب من الله تعالى نجاته من الغرق بالطوفان، فكيف يطلب ذلك بعد غرق ولده، لأَنه من الكافرين المغرقين. ويجاب عن ذلك، بأَن نوحا لم يكن رآه يغرق، وأَنه ربما ظن أنه نحا باللجوءِ إلى جبل، أَو أَنَّ كفره لم يكن مُؤكدًا لديه، ولذا قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾. ولم يكن يظن أَنه ممن سبق عليه القول بالغرق في قوله - سبحانه -: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾. وأُجيب بغير ذلك وحسبنا ما ذكرناه. والمعنى: ودعا نوح ربه قائلا: يا رب إن ابنى من أهلى، وقد وعدت أن تنجيهم فما حاله؟ أو فما له لم ينج؟ ويجوز أن يكون هذا النداءُ قبل غرقه - كما قال البيضاوى (١). ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾: أي وإِن كل وعد يصدر عنك يا رب هو الحق فلا يتطرق إِليه الخُلْف، وقد وعدت أن تنجى أَهلى، وأَنت أَعدل الحاكمين، فلعلك يا ربى نجيته، وقضيت بنجاته.

стр. 1969

٤٦ - ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾: قال الله لنوح في إِجابته على سؤاله: يا نوح إن ابنك هذا ليس من أهلك الذين وعدتك بإنجائهم من الطوفان، لأَن عمله لا صلاح فيه، فهو الفساد بعينه، فخرج بذلك عن كونه من أَهلك، لانقطاع الولاية بين المؤْمن والكافر، ولأَن أَساس نجاة أَهلك الإِيمان دون النسب. ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾: أي إذا كنت قد علمت شأْن ولدك الذي ظننت أَنه أَهل للنجاة، وتبيَّن لك أَنه أهل للهلاك لكفره، فلا تسأَلنى فيه ولا في غيره بعد ذلك مطلبا لا تعلم يقينا أَنه صواب وموافق للحكمة. ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: إِنِّى أُحذرك وأنهاك عن أَن تكون من جملة الجاهلين، بسبب سؤَالك إِيانا ما لا تعلم يقينا أنه صواب وموافق للحكمة لدينا. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾ المفردات: ﴿أَعُوذُ بِكَ﴾: أَلتجئُ إليك وأحتمى بك. ﴿بِسَلَامٍ﴾: بسلامة وأَمن. ﴿وَبَرَكَاتٍ﴾: ونعم ثابتة.

стр. 1970

التفسير ٤٧ - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾: تحكى هذه الآية توبة نوح عمَّا سأله في شأْن ولده، ولجوءه إِلى الله أَن يعصمه من أن يعود إلى مثل ما طلبه بشأْته. والمعنى: قال نوح بعد ما وعظه الله وذكَّره: يارب إِنى أَلتجئُ إليك لتعصمنى من أَن أطلب منك مستقبلا مطلبا لا أَعلم يقينا أَن حصوله مقتضى الحكمة أو أَنه صواب. وهذه الاستعاذة التي صدرت من نوح ﵇، هي توبته ممَّا حدث منه، وهى أَبلغ في التوبة من أن يقول: أتوبُ إِليك أن أسأَلك، لما فيها من الدلالة على أن ذلك أَمر لا قدرة للعبد عليه إِلا بالاستعانة بالله واللجوءِ إِلى حمايته وعصمته. ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: وإِن لم تغفر لى يا رب ما طلبته في شأْن ولدى حين قلتُ: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ فقد سأَلتُك بذلك نجاته، وظننتُ أنه داخل في وعدك الحق ولم أَكن عالما بحقيقة أَمره، وأَنسانى ذلك شكر إِنعامك بالنجاة علينا، وإهلاك أَعدائنا إِن لم تغفر ليّ ذلك، وترحمنى بقبول توبتى، أكن من الذين خسروا أَعمالهم وأَضاعوها لأَننى غفلت عن أَنَّ ترك ولدى لركوبه معنا في السفينة التي أَمرنى الله بإِعدادها لنجاة المؤمنين شاهد على أنه لا يأْتمر بأَمر ربه، وأَنه ليس معه بقلبه، وأنه لا يستحق أن يكون داخلا في الوعد بنجاة أَهلى، حتى أستنجز ربي ما وعدنى. واعلم أَن ما فعله نوح في شأْن ولده ناشئٌ عن اجتهاد منه، وبدافع الشفقة التي أودعها الله قلب كل والد، وهذا لا يعتبر مثله موضع لوم وتحذير من الله، ولا توبة من العبد، لكنه بالنسبة للأَنبياءِ ليس كذلك، فما يعتبر مخالفة يسيرة في حقنا يعتبر ذنبا في حقهم. ٤٨ - ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ … ﴾ الآية. أي قالت الملائكة بأَمر الله، أَو قال الله تعالى: يا نوح اهبط من السفينة بسلامة وأمن منَّا إِلى الأرض التي ابتلعت ماءَها وأَصبحت صالحة للنزول بها، وهذه السلامة مصحوبة ببركات وخيرات دنيوية وأخروية، عائدة عليك في نفسك ونسلك، وعائدة

стр. 1971

أَيضا على أمم سوف تنشأ ممن معك، وتتشعب منهم وعلى سنتهم من الإيمان إلى يوم القيامة، وهذه البشارة إعلام بقبول توبة نوح ونجاته من الخسران بفيضان الخيرات عليه في كل ما يأتى ويذر، وعلى أُمم مؤمنة تنشأْ ممن ركبوا السفينة معه من المؤمنين. ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: وأمم من ذريتهم ليسوا على سنتهم من الإيمان والعمل الصالح، سنمتعهم في الدنيا فيستنفدون فيها طيباتهم، ثم يصيبهم في الآخرة أَو فيهما معا عذاب شديد الإيلام فأَنت ترى أَن السلام الذي هبط به نوح ومن آمن معه، دخل فيه كل مؤمن ومؤمنة من ذرياتهم إلى يوم القيامة، وأَن المتاع العاجل والعذاب الآجل دخل فيه كل كافر وكافرة من ذرياتهم إِلى يوم القيامة. وعن ابن زيد: هبطوا والله عنهم راض، ثم أَخرج منهم نسلا، منهم مَن رحم ومنهم من عذب. ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ التفسير ٤٩ - ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ … ﴾ الآية. بعد أن بيَّن الله قصة نوح وقومه مفصَّلة بدقائقها، جاءت هذه الآية تشير إلى أنَّ إخبار القرآن عن هذا الغيب البعيد يعتبر من آيات نبوة محمد ﷺ . والمعنى: تلك القصة العجيبة التي فصل فيها ما حدث بين نوح وقومه، وما انتهى إِليه أَمرهم من الهلاك بالطوفان، هي من أَنباء الغيب نوحيها إِليك لتكون برهانا على نبوتك، وذلك لأنك: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾: فإذا كان قومُك يجهلونها وقد عشتَ بينهم ولم تخالط غيرهم، فإن الذي أخبرك بها. مطابقة لواقعها هو الله الذي أَرسلك، وجعلها وأمثالها آياتٍ تشهد برسالتك، وإن

стр. 1972

أَعرض قومك. ولم يصدقوك. ﴿فاصْبِرْ﴾: كما صبر نوج على معارضة قومه وإيذائهم له ولمن آمن معه. ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ﴾: بالظفر في الدنيا والفوز في الآخرة. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: الذين يصبرون ولا يجزعون ولا يفترون، مهما عارضهم الكافرون، فقلوبهم واثقة من نصر الله، وجوارحهم مشغولة بطاعة الله. ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾ المفردات: ﴿مُفْتَرُونَ﴾: كاذبون. ﴿فَطَرَنِي﴾: خلقنى ابتداءً من غير مثال سبق، والفطرة؛ الخلقة ابتداءً - كما قاله القرطبى. ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾: يرسل السِحاب، فكل ما علاك سماء. ﴿مِدْرَارًا﴾: كثيرة الدُّرُورِ والسيلان. التفسير ٥٠ - ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾: بعد أَن ذَكَّرَ الله قريشا بما أَصاب قوم نوح لمّا أَصروا على كفرهم، زادهم تذكيرا ببيان ما أَصاب غيرهم من الأُمم التي كفرت بالرسل، وقدم قصة عاد على ما بعدها لأَنها أقربها إلى قوم نوح، وعاد هذه هي عاد الأُولى، سميت باسم جدها الأَول وهم قوم يسكنون الأَحقاف بين الشحر وعُمَان وحضرموت، وكانوا قوما جبارين عظام

стр. 1973

الأَجسام؛ قال تعالى في شأْنهم: ﴿ … وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً … (١)﴾: وهم من ذرية سام بن نوح، وكانوا أَهل أَوثان وطغيان، فأَرسل الله إليهم رسولا من بينهم فطره على التوحيد، وأَنشأه الرسل الأَطهار وهو هود ﵇، ليدعوهم إلى التوحيد، وترك ما هم عليه من الشرك والجبروت. وقد عبرت الآية عن هود ﵇ بأَنه أَخو عاد، للإِيذان بأَنه منهم نسبًا، وأَنه نشأَ بينهم، فهم يعرفونه من منشئه إِلى أن دعاهم إلى الحق، ويعرفون من حسن سلوكه أَنه لا يخدعهم ولا يدعوهم إلا إلى ما تدعو إليه الأُخوة من الخير والحق، فإن الرائد لا يكذب أَهله. والمعنى: وأرسلنا إلى عاد رسولا من بينهم هو هود، ليأْمنوا جانبه ويطمئنوا إِليه لأنه نشأَ فيهم، وعرفوا صدقه وطيب نشأَته. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾: تحكى هذه الآية ما جرى بين هود وقومه على وجه الإجمال، فالمعقول والمنقول في سياسة الرسل لأُممهم أَنهم لا يجابهونهم في أَول لقائهم معهم بوصفهم بالافتراء، ففي سورة الأعراف يقول الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. (٢) فقد نصحهم بوقاية أنفسهم من عقاب الله؛ بعبادتة وحده، ولم يصفهم بالافتراء، فلذا يحمل وصفهم به هنا على أنه حدث بعد أَن طال جدالهم ومعارضتهم له. والمعنى: قال هود لقومه بعدما نصحهم وذكرهم مدة طويلة، وأَصروا على شركهم قال لهم: اعبدوا الله، ودَعوا ما أنتم عليه من الإشراك به، فليس لكم عن إله سواه، ما أنتم إلا كاذبون عليه في اتخاذ الأَوثان شركاءَ وجعلها مستحِقة للعبادة معه، وزعمكم أَنها لكم شفعاء.

стр. 1974

٥١ - ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾: خاطب هود قومه بأَن دعوته خالية عن المطامع الدنيوية، لبيان إِخلاصه في النصيحة ودفع الريبة عن دعوته، وكذلك فعل كل رسول مع قومه إبعادا للتهمة عنه، وطلبا لنجاح دعوته، فإِن الدعوات المشوبة بالمطامع لا نجاح لها. والمعنى: يا قومى وأَهلى، أنا لا أَطلب منكم أَجرًا، ولا أَبتغى بدعوتى جزاءً دنيويا من مال أَو جاه، فما أجرى في إِرشادكم وهدايتكم على أَحد إلا على الله تعالى، فلا وجه لمخالفتكم وإمعانكم في الإِعراض عما جئتكم به من الله، مع وضوح الآيات والتجرد عن المطامع الدنيوية، ثم دعاهم إلى استعمال عقولهم، وعاب عليهم إِغفالها فقال: ﴿أفَلَا تَعْقِلوُنَ﴾: أَي اتغفلون فلا تستعملون عقولكم، لتعرفوا الحق من الباطل والصواب من الخطأ. ٥٢ - ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: ويا قوم اطلبوا المغفرة من ربكم لما قدمتموه من الشرك والمعاصي بالإِيمان والطاعة، ثم توسلوا إليه بعد الإيمان بالتوبة والندم على ما فاتكم من طاعة الله، وبالعزم علي عدم العودة إلى طريق الشيطان الرجيم. ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾: أَي إن تستغفروا الله وتتوبوا اليه من شرككم وجبروتكم، يرسل السحاب عليكم كثير الدَّر غزير المطر، ويعطكم قوة مضافة إلى قوتكم، بتوفير الأَسباب المؤدية إِلى ذلك من الزرع والضرع والصناعة، والحصون والبروج وغير ذلك، وإنما رغبهم بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زرع وضرع ومصانع وحصون وقصور، وكانوا ذوى جبروت وقوة، كما قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ (١). فرُغِّبوا في الإيمان بتوفير ما يحبون لهم، وسوف يعلمهم الإيمان وشريعة الرحمن كيف ينتفعون وينفعون بتلك النعم، وكيف يوجهون قوتهم وجبروتهم فلا تكون إلا

стр. 1975

في الخير وإرهاب الشر، ثم نصحهم بعدم الإعراض عما دعاهم إليه فقال: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: أَي ولا تنصرفوا معرضين عن دعوة الحق، مصرين على إجرامكم وعصيانكم. ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾ المفردات: ﴿بِبَيِّنَةٍ﴾: بحجة. ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾: أي من أجل قولك، ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾: بمصدقين. ﴿لَا تُنْظِرُونِ﴾: لا تمهلون. التفسير ٥٣ - ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾: قال شعب عاد لنبيهم هود، وهم مصرون على رفض دعوته: يا هود أنت ما جئتنا بحجة تدل على صدق نبوتك، يقولون ذلك ليجعلوا منه سبيلا إِلى عدم الاستجابة إلى ما دعاهم إليه، والحق أنهم كاذبون، فقد جاءهم من المعجزات فوق ما يكفى لطمأْنينة من أَلقى السمع، وأَجال البصر، وفكر بعقل حر، فما من نبي إلا أيده الله من الآيات بما يكفى لإيمان أهل الحق. قال ﷺ : "مَا مِن نَبيٍّ منَ الْأنبِيَاءِ إلا أعْطِىَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثلُهُ آمَنَ عَلَيْه البَشَر، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذى أُوتِيتُ وَحْيًا أوحَاهُ اللهُ إلَىَّ، فَأرْجُوْ أنْ أكُونَ أكْثَرهُم تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". والمقصود من كون الذي أُوتيه الرسول وحيا، أنه اختص بالقرآن إلى جانب معجزاته الأُخرى التي يشاركه في مثلها الأَنبياءُ، فالقرآن هو أعظم معجزاته التي تحدى

стр. 1976

بها البشر، واعلم أَن كل نبي أُوتى معجزة لم يؤْتها غيره، وهى التي تحدى بها قومه وهذا لا ينافى حصول خوارق أُخرى على يديه. وبعد أن نفوا مجئ هود ﵇ ببينة قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي وما نحن بتاركى عبادة آلهتنا صادرين في تركها عن قولك وما نحن لك بمصدقين نبوتك حتى فرفض آلهتنا بسبب قولك لنا: دعوها واتركوها. ٥٥،٥٤ - ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ … ﴾ الآية. أَي ما نقول في شأْن ما أَنت عليه وجئتنا به إلا أَنك أَصابك بعض آلهتنا بشر ساءَك فأَفقدك عقلك، وجعلك تهذى وتتكلم بالخرافات عن آلهتنا، وتدعو إلى إله واحد وتخوفنا بعقابه في الآخرة، إلى غير ذلك مما تقول، ولقد سلك هؤلاء في عنادهم سبيل التدرج والتسلسل، فنفوا مجيئه ببينة ثم نفوا تركهم لآلهتهم لمجرد قوله لهم (اتركوها) دون أَن يقنعهم بحجه تقتضى تركهم لها، ثم نفوا تصديقهم له، لأَنه لا حجة لديه تثبت نبوته، ثم بعد هذا الهذيان كله قالوا فيه ما قالوه من السباب ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. ولقد حكى الله تعالى رده عليهم بعد هذا كله بقوله: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ﴾: أي أشهد الله على براءَتى مما تجعلونه من غير الله شريكا له سبحانه، واشهدوا أَنتم على براءَتى من ذلك، فليس لكم على ما تزعمون برهان، وما أُنزل به سلطان. ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾: أَي فدبروا لى المكايد والمحن أَنتم وشركاؤكم جميعًا، بعد ما نلتُ منها وَجَرَّدتُها من وصف الأُلوهية ومقتضياتها، وعاقبونى على امتهانى لها، ولا تمهلونى ولا تتراخوا في عقوبتى إن صح ما زعمتوه من أُلوهيتها.

стр. 1977

وخطاب النبي هود ﵇ لقومه بهذا الأُسلوب الذي بلغ الغاية في التحدى والتحقير لهم ولآلهتهم، والإساءَة لكبريائهم وجبروتهم وحميتهم وعصبيتهم، مع ما عرف عنهم من سفك الدماءِ، والعُنجهية والكبرياءِ، وعجزهم عن تحقيق شئٍ مما تحداهم به مع كونه وحيدًا لا يؤيده سوى قليل من المؤمنين لا حول لهم ولا قوة، هذا كله فيه برهان واضح على ثقته ﷺ بتأْييد ربه وعنايته به ونصره له، وعصمته من المكاره، كما أَنه برهان على أنه مرسل من الله، حيث أَعجزهم عن الإضرار به والقضاء على دينه، فكأَن المولى يقول لعاد صدق هود فيما يبلغه عنى، وقد عقَّب هذا التحدى الدال على ثقته بربه، ببيان مصدر ثقته فقال: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ التفسير ٥٦ - ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾: أي إنكم لن تضروني بكيدكم لى مهما اجتمعتم عليه، فإنى توكلت على الله مالكي ومالككم وخالقى وخالقكم، واعتمدت عليه في دفع ضركم عنى، وتآمركم على. ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. (١) ثم أكد ثقته بربه وعدم قدرتهم عليه بقوله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أي ما من دابة من حيوانات الأرض وأَناسيِّها إلا الله مالك لها قادر عليها، يصرفها كيف يشاء غير مستعصية عليه، إن ربي على سبيل من الحق والعدل مستقيم، فلا يضيع من اعتصم به ولا يفوته ظالم لنفسه أو لعباده.

стр. 1978

والدابة كل ما يدب على وجه الأرض، أَي يتحرك عليها فيدخل فيها الإأنسان والحيوان والناصية مقدم الرأس وتطلق على الشعر النابت عليها، والأخذ بالناصية كناية عن القدرة والتسلط، وفي البحر لأَبى حيان أَن هذا التعبير صار عرفا في القدرة على الحيوان، والتعبير بقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تمثيل لعدله واستقامة تدبيره لخلقه، وجزائه لهم بالثواب والعقاب، وأَنه كاف لمن اعتصم به، وفي الْكَشْف أَن في قوله تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية، ما يبهرك تأَمله من حسن التعليل، وأَن من توكل على الله لا يبالى بهول ما ناله، ثم التدرج إلى تعكيس التخويف بقوله: ﴿رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾. فكيف يصاب من لزم شدة العبودية وينجو من تولى عن ربه - إِلى آخر ما نقله الآلوسى عنه، فارجع إليه إِن شئت. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾ المفردات: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾: يجعلهم خلفاءَ لكم في دياركم ﴿حَفِيظٌ﴾: عليم. التفسير ٥٧ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا (١) فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾: أَي فإن تتولوا وتعرضوا عما دعوتكم إليه، فلا عذر لكم، فقد أَبلغتكم رسالة ربى إليكم، وبذلت لكم النصح، وقدمت الحجج والبراهين، وأديت حق ربي، فلا تفريط منّى، ولا حجة لكم.

стр. 1979

﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾: كلام مستأْنف مراد به وعيدهم وإِنذارهم، بأَنه تعالى سوف يهلكهم إِن استمروا على كفرهم، ويستخلف مكانهم قوما آخرين في ديارهم وأَموالهم. ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾: ولا تضرون ربي شيئا من الضرر، لا بإعراضكم وتوليكم عن دينه، ولا بإِهلاككم بذنوبكم، فإن هلاككم لا ينقص ملكه، ولا يخل بأَمره. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: إِن إِلهى وخالقى على كل شيءٍ رقيب، وبكل شيءٍ عليم، فلا يغيب عنه شئٌ من أعمالكم ولا ما انطوت عليه صدوركم، وسوف يجازيكم على خطاياكم في دنياكم وأُخراكم. ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾ المفردات: ﴿أَمْرُنَا﴾: عذابنا الذي أَمرْنا به، أَو المراد به الإذن بالعذاب والأَمر به. ﴿مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: من عذاب شديد لا يحتمل. ﴿جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: الجبار؛ العاتى المتسلط، والعنيد هو الذي يرد الحق ويرفضهُ وهو عارف به. ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين، واللعنة؛ الطرد من الرحمة. ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾: جحدوه وأنكروا وحدانيته. ﴿بُعْدًا﴾: هلاكا.

стр. 1980

التفسير ٥٨ - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾: أي: ولما نزل عذابنا بقوم هود الكافرين، وكان بحيث يمكن أَن يصيب المؤْمنين نجينا هودًا ومن آمن معه برحمة منا، حيث حفظناهم من العذاب الذي يمر بهم ولا يؤْذيهم، ويفتك بغيرهم ويكون رحمة لهم. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: هذه الجملة معطوفة على مثيلتها السابقة لبيان ما نجاهم الله منه. أَي وكانت تنجيتنا لهود والمؤمنين من عذاب شديد الغلظة عظيم الفتك بالكافرين، حيث ﴿ … أُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ (١). وكان مع هذا رحمة بالمؤْمنين، لا يضرهم ولا يصيبهم بمكروه. ٥٩ - ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: المعروف من ظواهر النصوص أن عادا الأُولى لم يرسل إليها سوى هود، لكن هذه الآية تقول إنهم عصوا رسله، ويؤول ذلك بجعل عصيانهم لهود عصيانا لجميع رسل الله السابقين واللاحقين، لأَن ما جاءَ به من التوحيد وأصول الشريعة لديه. جاءَ به جميع المرسلين فعصيان أَحدهم يعتبر عصيانا لجميع الرسل. والمعنى: وتلك الأُمة (عادٌ) - التي مضى الحديث عنها - جحدوا بآيات ربهم الكونية الشاهدة بنبوَّة هود، وبالشريعة التي تعبَّدهم الله بها، وعصوا جميع رسل الله الذين أرسلهم لهداية البشر، فقد كذبوا رسولهم مباشرة، وكذبوا جميع الرسل ضمنا بتكذيبهم له، واتبعوا أمر كل متمرد طاغ معاند للحق من رؤسائهم وكبرائهم، فقلبوا بذلك موازين الأُمور، حيث عصوا من دعاهم إِلى ما ينجيهم، وأطاعوا من دعاهم إِلى ما يُرْدِيهِمْ.

стр. 1981

٦٠ - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أَي: وأُلزموا في هذه الدنيا لعنة، فلازمتهم ملازمة التابع للمتبوع، حق أَوردتهم موارد الهلاك الغليظ، وأُلزموها يوم القيامة، حتى خلدتهم في النار. ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: كُفْرُ عَادٍ بربهم أَمر مفهوم من قصتهم التي مر بيانها، وإِنما أُعيد ذكره هنا بهذا الأُسلوب المنبه للسامع، للإيذان بأَن كفرهم هو سبب هلاكهم ولعنتهم حتى يخشى مصيرهم من كان على شاكلتهم. والمعنى: أَلا إِن عادا كذبوا بوحدانية ربهم وجحدوا أنعمه، ألا هلاكا لعاد قوم هود هؤلاءِ، بسبب إصرارهم على كفرهم وعتوهم وعنادهم، ويلاحظ في الآية الكريمة تكرار حرف التنبيه (أَلا) وأعادة لفظ (عَادٍ) للمبالغة في تفظيع حالتهم، والحث على الاعتبار بقصتهم. والتعبير بقوله: ﴿عَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ للإِيذان بأَنهم عاد الأُولى تمييزًا لهم عن عاد إرم - وتسمى عادًا الثانية وهم بقية من عاد الأُولى، وإرم مدينتهم وقصبتهم، وكانوا أهل ترف ومال ولكنهم لما كفروا وبغوا في الأرض صب عليهم الله العذاب، قال تعالى في شأْنهم في سورة الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾. إِلى قوله: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.

стр. 1982

﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾ المفردات: ﴿أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: ابتدأَ خلقكم من الأَرض وأَوجدكم منها بخلق أبيكم آدم من ترابها. ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾: جعلكم تعمرونها، إِذ مكنكم من العمل فيها واستثمارها والبناء عليها ﴿مَرْجُوًّا﴾: موضع رجائنا وأَملنا إِذ كان فاضلا خيِّرًا. ﴿مُرِيبٍ﴾: مُوقِع في الريبة وقلق النفس وعدم الاطمئنان. التفسير ٦١ - ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ … الآية. وأَرسلنا إلى قبيلة ثمود واحدًا منهم وأخا لهم في النسب يُسمَّى صَالِحًا - أَرسلناه مُبلِّغًا رسالة ربه فناداهم في رفق ولين - (قال يا قوم): يا أْهلى ويا عشيرتى؛ تلبينا لقلوبهم وجذبا لنفوسهم، كى يقبلوا في يسر وسهولة على امتثال ما أمرهم به في قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. أي آمنوا بالله وحده، وأفردوه بالعبادة، ليس لكم أي إلَه يستحق أَن يعبد سواه. ثم علَّل صالح دعوته إلى توحيد الله بإنعامه - تعالى - عليهم بأعظم النعم فيما حكاه القرآن بقرله: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾: أَي هو الله سبحانه - لا غيره أَوجدكم من الأَرض ابتداءً باعتبار خلقه آدم أبا البشر منها، ويجوز أَن

стр. 1983

يكون المراد - أنشأَكم من الأَرض - باعتبار أَن النطف التي خلقت منها ذرية آدم تتكون من الأَغذية التي نحصل عليها من زروع الأَرض وثمارها - أَوجدكم من الأرض - فأَنتم مدينون له بحياتكم ووجودكم. ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾: أَي وأَقدركم على عمارتها، ومكنكم من العمل فيها ومن استثمارها وبناءِ ما تسكنون فيه على ظهرها، بما وهبكم من عقل وقوة، وبما سخر لكم فيها من وسائل تنفذون بها ما ألهمكم معرفة كيفيته. ولمَّا كان إِحسانه - تعالى - عليهم بتلك النعم يستدعى الاستغفار والتوبة، رتب عليه الأمر بهما إذ قال: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: أي فاطلبوا ممن غمركم بإِحسانه العميم أَن يستر بإيمانكم وأعمالكم الصالحة ما اقترفتموه من الشرك والخطايا، ثم ارجعوا إليه بتخليص أَنفسكم من الذنوب نادمين على ما فرط منها، عازمين على عدم العودة إلى معصيته، مقبلين على طاعته راجين رحمته. ثم رغَّبهم في الاستغفار والتوبة بقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾: أي إِن ربي الذي أَدعوكم إِلى عبادته قريب بعفوه ممن يحسنون إلى أنفسهم بالاستغفار والتوبة منَ الشرك والخطايا، مجيب دعاءَ من رجع إِليه وأَناب. قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وكانت ثمود تقيم بالحجر بين الحجاز والشام. ٦٢ - ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾: قال قوم صالح يردُّون على دعوته إيَّاهم إِلى التوحيد: يا صالح قد كنت بيننا رجلا فاضلا خيرًا نؤَملك لمهمات أُمورنا، كنت كذلك بيننا قبل هذا الذي أَمرتنا به ودعوتنا إِليه من التوحيد وترك عبادة الأَوثان، ثم خاب رجاؤُنا فيك وانقطع أَملنا وساءَ ظننا بعد أن سمعنا منك ما قلته لنا، ثم خاطبوه باستفهام ينكرون به عليه ما دعاهم إليه إذ قالوا: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أَي أتطلب منا أَن نترك عبادة الأوثان التي أقام على عبادتها آباؤنا طول حياتهم، إن هذا لشئٌ نرفضه ولا نقبله،

стр. 1984

﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾: أَي أَتنهانا عن فعل ما ورثناه عن آبائنا وإننا لفى شك بالغ من صحة كل ما جئتنا به، مريب موقع في قلق شديد دائم لنفوسنا، ومثير لاضطراب مستمر في قلوبنا. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾ المفردات: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: أَخبرونى عما سأَسأَلكم عنه. ﴿بَيِّنَةٍ﴾: حجة واضحة وبرهان ظاهر. ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾: نبوةً ورسالة فهى من رحمة الله. ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾: فمن ينجينى ويمنعنى من عذابه. ﴿تَخْسِيرٍ﴾: تضييع وإِنقاص بإِبطال عملى وتعْريضى لغضب الله. ﴿آيَةً﴾: معجزة. ﴿فَذَرُوهَا﴾: فدعوها واتركوها. ﴿فَعَقَرُوهَا﴾: فنحروها. يقال: عقرت البعير إِذا نَحَرْتَهُ. ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ﴾: أَقيموا في بلدكم وانتفعوا بأَرزاقكم وبكل ما يسركم. ﴿وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾: وعبد صادق. التفسير ٦٣ - ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ … الآية. بعد أَن بينت الآية السابقة أَن قوم صالح أنكروا دعوته وارتابوا في صدقها، ورغبوا فى استدراجه

стр. 1985

إِلى موافقتهم، جاءَت هذه الآية تحكى ردَّه عليهم وتبيَّن أَنهم لا يستطعيون ولا يستطيع أحد سواهم إِنقاذه من عذاب الله إِن أَطاعهم فيما يرون. والمعنى: قال صالح ﵇ في ردِّه عليهم - ياقوم - أَخبرونى إِن كنت على طريقة واضحة وبصيرة نافذة من لدن ربي، وأَعطاني من عنده نبوة ورسالة - رحمة لى ولكم - أَجيبونى عمَّا أَسأَلكم عنه بقولى: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾: أي فمن يمنعنى من عذاب الله وينجينى من عقابه إن أَطعتكم وعصيته - سبحانه - فلم أُبلغكم رسالته، ولم أُحذركم من الشرك وعبادة الأصنام؟ لا أَحد مطلقا يستطيع منعى من عقابه - تعالى - إن فعلت ذلك. ثم رتب على عصيانه إن وقع، بعد إنعام الله عليه بالنبوة، إحباط عمله، كما حكاه الله بقوله: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾: أي فما أستفيد منكم إِن جاريتكم فيما تشتهون سوى أَن تجعلونى بهذا الاتباع خاسرا، بإِبطال عملى وتعريضي لغضب الله وعقابه، ولا شك أن صالحا ﵇ كان جازما بأَنه على بيِّنة من ربه، ولكنه عبر بإِن التي للشك في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾: مجاراة لقومه فيما يزعمون، ورعاية لحسن المحاورة لاستنزالهم عن المكابرة. هذا ويمكن أَن يقال إِن استعمال (إن) في الشك غالب، ولكنها قد تستعمل عند اليقين كما هنا، انظر إِلى لفظ (ما) فإِنه يستعمل في غير العاقل غالبا. ولكنه قد يستعمل في العليم الخبير كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. ٦٤ - ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾: أي وقال صالح يخبر قومه بمجئ معجزة عظيمة: يا قوم هذه ناقة عظيمة الشأْن، شرفها الله بنسبتها إليه، وأوجدها على خلاف ما عرفتم وأَلفتم في خلق جنسها، ومن خصائصها المميزة أَنها تشرب الماءَ وحدها في يوم، والقوم جميعا وما معهم من حيوانات يشربونه في آخر. قال تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. (١) أوجدها كذلك لكم خاصَّة لتكون معجزة عظيمة تستدلون بها على قدرته - تعالى - وعلى صدقى فيما أُبلغكم به عن ربي

стр. 1986

﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾: أَي فاتركوها تأْكل وترعى. وتشرب في أرض الله دون أَن تكلفوا بتحصيل شى من مؤُونتها. ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾: أَي ولا تصيبوها بأَدنى سوءٍ ولا بأَقل أَذى، فيأْخَذكم ويستأْصلكم لأجل ذلك عذاب عاجل: ٦٥ - ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾: أي فنحروها مخالفين ما أُمروا به، فقال لهم بوحى من الله: استمتعوا في بلدكم بكل ما يسركم في اطمئنان وَدَعةٍ مدّة ثلاثة أَيام، والمراد أَنهم بعد هذه الأَيام الثلاثة يهلكون، ولذلك قال عقبها: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾: أَي ذلك العقاب الهائل الذي أَنذرتكم وقوعه بعد عقر الناقة بثلاثة أَيام وعيد صادق يقع حتما ولا يتخلف لأَنه من عند الله. ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾ المفردات: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: فلما نزل عذابنا. ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾: ومن ذل وفضيحة هذا اليوم. ﴿الصَّيْحَةُ﴾: صوت قوى مفزع زلزل الأرض بهم. ﴿جَاثِمِينَ﴾: باركين على الركب هامدين موتى لا يتحركون. ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: كأَنهم لم يقيموا في ديارهم ولم يحيوا فيها.

стр. 1987

التفسير ٦٦ - ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾: أَي فلمَّا نزل عذابنا بثمود، بعد مضى المدّة التي أُنذروا العذاب بعدها، نجَّينا صالحا والذين آمنوا معه من الهلاك معهم، بسبب رحمة عظيمة من لدنا وسعتهم وحفظتهم، لإِيمان صالح ونبوته وإِيمان المصدقين برسالته العاملين بشريعته. ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾: أَي ونجيناهم من ذل وفضيحة يوم العذاب المهين الذي نزل بكفار ثمود. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾: خطاب لمحمد ﷺ تخلل الحديث عن قصة صالح تقوية لعزمه، أي إِن ربك الذي يرعاك يا محمد، هو وحده القادر على كل شيء الغالب في كل وقت فلا يعجزه شيء أراده، فلذا أَخذ قوم صالح أخذ عزيز مقتدرٍ، وفيه إنذار شديد للمشركين إن أصرُّوا على الكفر والجحود ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١). ٦٧ - ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: أَي وأَخذ الذين ظلموا بتكذيب رسالة صالح - أخذهم - العذاب بصيحةٍ قوية مفزعة زلزلت بهم الأَرض فصعقوا وانتهت حياتهم في مساكنهم باركين على ركبهم خامدين لا يتحركون. ٦٨ - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾: أَي فأَصبحوا وقد انتهى أَمرهم من ديارهم فلم يبق لهم فيها من أثر يذكرون به - إلا الصورة المفزعة لهلاكهم - كأَنهم لم يقيموا أَصلا في تلك الديار - فليعتبر بحال هؤُلاءِ كل من يجترئ على تكذيب رسل الله والكفر بهم، فما وقع لثمود كان بسبب كفرهم كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾: أَلاَّ إنَّ ثمود قوم صالح ﵇ قد أنكروا ربهم فاستحقُّوا ما وقع عليهم وأَن يقال فيهم هلاكا وطردا من رحمة الله وإِحسانه لثمود.

стр. 1988

﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ المفردات: ﴿بِالْبُشْرَى﴾: بالخبر السار. ﴿حَنِيذٍ﴾: سمين أَو مشوى بالدس في النار كما قال ابن عباس، وفسَّره مجاهد بالمطبوخ، وهو أَعم. والعجل ولد البقر. ﴿نَكِرَهُمْ﴾: جَهلَهُمْ ووجدهم على غير ما يعْهد. ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾: استشعر من جهتهم شيئا يخافه، أَو أَخفى وأَضمر خوفا منهم. التفسير ٦٩ - ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا﴾ الآية. في هذه الآية وما بعدها ذكر طرف من قصة إبراهيم، كالتمهيد للحديث عن قصة لوط ﵉. والمعنى: ولقد جاءَت رسلنا من الملائكة إلى إبراهيم يبشِّرونه بما يسرُّه، قائلين له في أول لقائهم له: ﴿سَلَامًا﴾ أَي نسلم عليك سلاما. وهزَّت إبراهيم سجية الجود والكرم فأَشرع بتقديم الطعام، وذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: أي فلم يتأَخر إبراهيم ﵇ في مجيئه بعجل سمين مشوى إلى أضيافه ليأْكلوا منه، بل جاءَ به على عجل كاملا - وإن كان يكفيهم بعضه - مبالغة في إكرامهم ..

стр. 1989

واختلف في هذا العجل: هل كان مهيَّئا قبل مجيئهم، أو أَنه هُيئ على عَجَلٍ بعد مجيئهم، واختار الأَول أَبو حيان، واختار الآلوسى الثاني لأَنه أَبلغ في الإِكرام. ٧٠ - ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾: أي فلما رأى إبراهيم ﵇ أَيدى الملائكة لا تمتد إلى لحم العجل الذي قدمه لقِراهم ولا تتناول منه شيئا ليأْكلوه، استنكر ذلك منهم وشعر بالخوف من جهتهم فإنَّ الغريب إذا قدم له الطعام لإِكرامه، يبادر إِليه ولا يمتنع عنه إلا إِذا كان يريد برب البيت سوءًا … قالوا حين رأوا أَمارات الخوف منهم بادية عليه: لا تخف ضررًا من جهتنا، إِننا أُرسلنا من الله إلى قوم لوط لإِهلاكهم جزاءَ إتيانهم فاحشةً ما سبقهم إلى فعلها أَحد من العالمين. ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ المفردات: ﴿فَضَحِكَتْ﴾: سرورا بما رأَت وسمعت من زوال الخوف عن زوجها وكلام الملائكة له ومجيئهم لإِهلاك المجرمين. ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾: أي فأَتبعنا سرورها سرورا أَتَم

стр. 1990

وأَعظم على ألسنه ملائكتنا. ﴿يَا وَيْلَتَى﴾: يا عجبًا. وأَصل الويل الهلاك وهو غير مراد هنا. والنساء يستعملنها كثيرا إِذا حدث ما يتعجبن منه. ﴿بَعْلِي﴾: زوجى، والبعل في الأَصل الذي يقوم على تدبير الأمور، فأَطلق على الزوج لأَنه يقوم علي شئون المرأَة. ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: أَتعجبين من قدرة الله وحكمته. ﴿وَبَرَكَاتُهُ﴾: وخيراته التامَّة المتكاثرة. ﴿حَمِيدٌ﴾: محمود لذاته وأَفعاله. ﴿مَجِيدٌ﴾: واسع الإِحسان كثير الإِنعام. التفسير ٧١ - ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾: أَي حدث ما حدث من المحاورة بين الملائكة وإبراهيم، وزوجته قائمة وحاضرة ترى وتسمع ما جرى بينهم، فضحكت فرحا وسرورا بزوال الخوف عن زوجها، واستبشارًا بقرب هلاك القوم المفسدين، وقد فهمت ذلك من قولهم لإِبراهيم: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾. ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾: أَي فأَتبعنا سرورها بما سبق سرورا عظما وذلك بإلقاء البشرى إليها على ألسنة الملائكة بأَنها ستلد "إسحق" وترى من بعد إسحق "يعقوب" ولدا له وحفيدا لها. وقد وجهت البشارة إِليها؛ لبيان أن الولد المبشر به يكون منها ومن إِبراهيم، فإن البشارة لو وجهت لإِبراهيم، لأَدركها الشك بأَنه يأْتى بإسحق من غيرها لعقمها. وكانت حريصةً على أَن يكون لها ولد، وقد تمنته بعد أن ولد إِسماعيل لهاجر. ٧٢ - ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ الآية. أي قالت سارة امرأَة إبراهيم حين بشرت بالولد يا عجبا، أيولد لى وأَنا عجوز عقيم قد تقدمت بى السنُّ وذهبت قوتي وضعف بدنى وغاب الطمث عنى، وهذا الذي تشاهدونه زوجى القائم على رعايتي قد صار شيخا كبير السن لم تجرِ العادةُ أَنَّ مثلنا ينجب الأَولاد.

стр. 1991

﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾: أَي إن هذا الذي بشرتم به من حصول الولد من شيخين مثلنا يثير في النفس التعجب، فقد جرت سنة الله في عباده أَن يكون إِنجاب الأَولاد في زمن الصحة والقوة ووجود الطمث غالبا - والطمث الحيض - ولم يكن تعجب زوجة إِبراهيم استبعادًا لحدوث ذلك بالنسبة لقدرة الله - تعالى - وإنما كان استعظامًا لحصول تلك النعمة في غير أَوانها المأْلوف. ٧٣ - ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: أَي قالت الملائكة منكرين عليها تعجبها ودهشتها من حصول ذلك، وكان عليها أَن تتريث حتى تتحقق البشارة، فإنه لا عجيب على قدرة الله ، وكأنهم قالوا لها: لا تعجبى مما قدره الله وأَراده على خلاف ما جرت به سنته الغالبة في خلقه، فإن خوارق العادات بالنسبة لآل بيت النبوة ومهبط المعجزات وتخصيصهم بمزيد من النعم والكرامات ليس ببدع ولا غريب كما يؤذن به قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾: أي رحمة الله التي وسعتكم بكل خيراتها، وبركاته التامة المتكاثرة تفيض عليكم يا أهل بيت النبوة، ومن تلك الرحمات وهذه البركات هبة الأَولاد في غير أَوانهم المعتاد. ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: أي إنه سبحانه يستحق الحمد لذاته، يصدر عنه ما يستوجب حمده من عباده، كثير الخير والإحسان، رفيع الشأْن، متصف بأَعظم صفات المجد.

стр. 1992

﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾ المفردات: ﴿الرَّوْعُ﴾: الخوف والفزع، ﴿لَحَلِيمٌ﴾: لمتصف يكثرة الحلم لا يعجل بالانتقام من المسئ. ﴿أَوَّاهٌ﴾: كثير التأَوُّه والتوجع رحمة بالناس. ﴿مُنِيبٌ﴾. كثير الرجوع إِلى الله بالدعاءِ والاستغفار والعبادة. ﴿غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾: غير مدفوع. التفسير ٧٤ - ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ … ﴾ الآية بعد أَن حكى القرآن الكريم بعضا من أَحوال إبراهيم ﵇ من وزوجته جاءت هذه الآية والآيتان بعدها تذكر بعضا آخر من أَحواله وشئونه ومجادلته عن قوم لوط. والمعنى: فلما زال عن إبراهيم ما لحقه من الخوف والفزع حينما امتنع ضيوفه من تناول طعامه، واطمأَنت نفسه بعد أَن عرف أَنهم ملائكة الله ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾: أَي وحل محل الخوف شعور بالسرور في حينما بشَّروه بعد سن اليأْس بغلام عليم، فلمَّا حدث ذلك أخذ إبراهيم ﵇ يجادل رسل الله في شأْن قوم لوط وإهلاكهم وقد حكى القرآن الكريم قصة مجادلة إبراهيم للملائكة بشأْنهم في قوله - تعالى -: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوأَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا … ﴾ (١) الآية، وقد اعتبر قول إِبراهيم: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ جدالا عنهم

стр. 1993

لأن المراد منه: كيف تهلكون أهل هذه القرية وفيهم من هو مؤمن بالله لا يستحق العذاب، وعلى رأَسهم نبي الله لوط ﵇ ولذا أَجابته الملائكة بقولهم: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾. وكأَن إبراهيم ﵇ فهم أَن وجود المؤمنين مع الظالمين في قرية واحدة يُبيح له الجدال عن أَهل القرية جميعا؛ حرصا على سلامة المؤمنين يضاف إلى دلك ما فطر عليه من الحلم والرحمة كما بينه القرآن في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾: أَي كان جدال إِبراهيم لما تقدم. ولأَنه عظيم الحلم يملك نفسه فلا يعاجل بالانتقام من المسئ، كثير التأَوه رقيق القلب عظيم الإشفاق يتأثر كثيرا ويتوجَّع لما يصيب غيره من مكاره وخطوب، متصف بالإنابة إِلى الله والرجوع إِليه يعمل ما يحبه ويرضاه. ولعل جداله عن قوم لوط مع علمه بكفرهم رجاءَ أن يؤمنوا بالله - تعالى - بالإضافة إلى ما سبق بيانه من خوفه على لوط ومن آمن معه. ٧٦ - ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾: أَي قالت الملائكة - بأمر من الله - يا إبراهيم ابتعد عن هذا الذي ترجوه لهؤلاء وتجادل فيه، ولا تلتمس بجدالك رحمة لهولاءِ القوم، ولا تخفيفا عنهم، إنه قد قرب وقت هلاكهم الذي قضاه - سبحانه - وقدره في أَزله القديم، وإن هؤلاء الظلمة من قوم لوط واقع بهم لا محالة عذاب غير مدفوع عنهم بجدال أو دعاءٍ، ولا تستطيع قوة في الأَرض صدّه أو ردّه عنهم.

стр. 1994

﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ المفردات: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾: أُصيب بالغم والحزن بسبب مجيئهم وساءَه ذلك، ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾: عجزت طاقته وضعف جهده عن احتمال ما يترتب على مجيئهم من شرور قومه، والمراد أَنه لم يجد لهذا المكروه مخرجا. يقال ضاق بالأَمر ذرعا إِذا لم يطقه ولم يقدر عليه. ﴿عَصِيبٌ﴾: شديد الإِيذاءِ. والعصْب: الشد بالعصابة. ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾: يسرعون إليه؛ كأَنما يدفع بعضهم بعضا مسارعة إلى الفاحشة. ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾: أَي ولا تفضحونى ولا تلحقوا بى الذل والهوان في شأْن ضيوفى النازلين عندى. التفسير ٧٧ - ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا … ﴾ الآية بعد أَن حكى القرآنُ الكريم بعضا من أَحوال إبراهيم وزوجته كالتمهيد لقصة لوط جاءت هذه الآية والآيات بعدها تحكي بشئ من التفصيل ما جرى بين لوط وقومه، من التوسل إليهم ليعدلوا عن الفاحشة إلى آخر ما ستذكره الآيات.

стр. 1995

والمعنى: ولما جاءَت رسل الله من الملائكة لوطا من عند إبراهيم حزن بسبب مجيئهم حزنا شديدا، لأَنَّهم جاءُوه في صور شباب من البشر حسان الوجوه، وخشى أَن يقصدهم قومه لارتكاب الفاحشة التي اشتهروا بها فيعجز عن مدافعتهم، وضاقت طاقته وضعف جهده عن احتمال نزولهم عنده، لعدم قدرته على تخليصهم من شر توقع حدوثه لهم من قومه. ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾: أي وقال لوط ﵇ تعبيرا عن شدة ما لحقه من الهلع والفزع: هذا اليوم الذي نزل فيه هؤلاءِ الضيوف يوم شديد الشر لا أستطيع احتمال ما يحدث فيه لضيوفى. ٧٨ - ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ … ﴾ الآية. أَي ولمَّا علم القوم بوجود هؤلاء الضيوف الحسان عند لوط، جاءُوا إليه يسرعون الخُطا في لهفةٍ طلبًا للفاحشة، وتلهفهم على فعل الفاحشة لم يكن غريبا، فقد اعتادوا فعل المنكرات من قبل ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: أَي ومن قبل مجئ الملائكة إِلى لوط كان قومه مستمرين على آرتكاب الآثام، دائمين على فعل الموبقات، فلا عجب إِذا طلبوا الفاحشة مع ضيفه علنا جهارا بغير مبالاة. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾: أي وحين أسرع قوم لوط إِلى طلب الفاحشة مع ضيوفه ناداهم قائلا: ﴿يَا قَوْمِ﴾ ليستميلهم ويرقق قلوبهم، واستمر في محاولة تليين قلوبهم وجذب عواطفهم عسى أَن يثوبوا إلى الرشاد، فعرض عليهم عرضا كريما بقوله: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾: أي فتزوجوا بهن، هن أَنظف وأَشرف لكم، وليس فيما دأبتم عليه من إِتيان الرجال شهوة من دون النساءِ شئٌ من الطهر، فالنظافة والطهارة في التزوج بالنساءِ، والدنس والخبث في إِتيان الذُّكران من العالمين، قال الآلوسى: وكانوا يطلبون التزوج ببناته من قبل ولا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءَتهم، لا لعدم مشروعية زواج المؤمنات من الكفار فإنه كان جائزا، وقد زوج النبي ﷺ ابنته زينب لأَبى العاص بن الربيع وكان مشركا قبل أَن ينزل تحريم ذلك إلى آخر ما قال، وقد ذكرنا هنا تلخيصه.

стр. 1996

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾: أَي فاحفظوا أنفسكم من عذاب الله بترك ذلك الدنس، ولا تلحقوا بى الخزى والذل والعار بسبب إِهانة ضيفى، فإن إهانتهم إهانة لى. ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾: أي ألا يوجد من بينكم رجل سديد الرأى رشيد العقل يأْمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر ويقنعكم بترك الفاحشة أَو يمنعكم من ارتكابها وإِذا كان لا يوجد بينكم هذا الرجل الرشيد فذلك منكر تستحقون عليه شديد اللوم وبالغ التقريع. ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ المفردات: ﴿مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ﴾: المراد به هنا؛ ما لنا فيهن من حاجة ولا شهوة فعندنا نساؤنا. ﴿آوِي﴾: ألجأُ. ﴿رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: جانب قوى أَتقوى به وأَستند إليه وأعتمد عليه، وكل ما يتقوى به من ملك وجند وقوم يسمى ركنا. التفسير ٧٩ - ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾: أَى قال قوم لوط معرضين عن قبول ما عرضه عليهم ونصحهم من التزوج ببناته: لقد عرفت يا لوط غرضنا وقصدنا، ليس لنا فى بناتك أَي حاجة نعتبرها هدفا لنا وغاية لمجيئنا، وإِنك يا لوط بدون شك وبلا ريب لتعرف قصدنا من المجئِ وغايتنا من الإِسراع، وتدرك يقينا رغبتنا فيمن عندك. ولما يئس لوط ﵇ من إِقناع قومه بترك ما هم عليه من الفساد. تمنى أَن تكون له قوة تردهم عن ضيوفه، وذلك ما حكاه الله بقوله:

стр. 1997

٨٠ - ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾. أي قال لوط ﵇ لو أن لي طاقة وقدرة تنهض بردعكم، أو أن لي جانبًا قويا استند إليه. واستنصر به عليكم لردعتكم عن غيكم، وحفظت كرامتى وصنت ضيفي من الاعتداء عليهم وإيذائهم. وقال لوط ذلك لأنه لم يكن في منعة من قومه، وقد أرسل إِلى أهل "سدوم" وهى قرية عند حمص. وقد استغرب رسول الله محمد ﷺ مقالة لوط، فقد جاءَ فيما رواه البخاري عن النبىِّ ﷺ قال: "رَحِمَ الله أخِى لُوطا كَانَ يَأوِى الَى ركنٍ شَدِيدٍ". يقصد ﷺ أَنه كان يلجأ إلى الله تعالى فإِنه - لا ركن أشدّ منه، ولكنّه لهول المفاجأة وشدة الكرب قال ما قال وهو يعلم أَنه لا ركن أَشد من الله تعالى. ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾ المفردات: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾: فَسِرْ بهم ليلا. ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: في جزء منه. ﴿مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾: أَي موعد عقابهم الصبح.

стр. 1998

التفسير ٨١ - ﴿قَالُوا يَا لُوطُ … ﴾ الآية. أَي لمَّا رأت الملائكة ما استولى على "لوط" من الكرب قالوا له مطمئنين: ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾: أي إنَّا رسل من عند ربِّك جئنا لإِهلاك قومك وتطهير الأرض من دنسهم. ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾: أي لن يصل إِليك هؤلاء الآثمون بضرر في نفسك ولا في ضيفك. ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: أي فاخرج بأَهلك في جزء من الليل. ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾: أي ولا تنظر أَنت ولا تترك أحدا من أَهلك ينظر إلى الوراءِ أثناء سيركم، لئلا يرى هول ما نزل بقومهم. فيحصل لهم كرب قد لا يطيقه، لكن امرأتك لا تخرج بها مع أهلك واتركها مع قومك، فإنها خانتك بِممَالأتهم عليك، ونفاقها في الإيمان بالله، وإفشائها أَسرارك إِلى قومها، فدعها معهم ليصيبها ما يصيبهم من عقاب أليم، ثم علل الأمر بالإِسراء بأهله والنهي عن الالتفات بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾: إي فأسرع السير بأهلك تحت جنح الظلام كى تبتعد عن مواقع العذاب الذي تحدد الصبح وقتا لنزوله. ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾: أي إِن موعد هلاكهم الصبح وهو وقت قريب جدا، وكان الصبح ميقاتا لهلاكهم لأنه وقت الدعة والراحة والهدوء، فيكون نزول العذاب بهم فيه أَشدَّ. ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ المفردات: ﴿أَمْرُنَا﴾: أي عذابنا أو الأمر به، وهو على الأول واحد الأمور، وعلى الثاني واحد الأوامر. ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾: أي قلبناها فصار أَعلاها إِلى أَسفل وأَسفلها إلى أَعلى. ﴿سِجِّيلٍ﴾: طين قد تحجر، (مَنضُودٍ): متتابع بعضه إِثر بعض. ﴿مُسَوَّمَةً﴾: معلمة بعلامات تميزها عن غيرها.

стр. 1999

التفسير ٨٢ - ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾: أي فلما جاء الوقت الذي أمرنا بموقع العذاب فيه - وهو الصبح - أو جاء العذاب الذي قدرنا نزوله بهم في الصبح، جعلنا ما كان عاليا من مباني القري والمدن سافلا. وأنزلنا على أهل تلك القرى مطرًا من حجارة من طين تحجر - هذه الحجارة أنزلناها على هذه القرى متتابعة بعضها إِثر بعض كتتابع المطر النازل من السماء. ٨٣ - ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ … ﴾ الآية. أي هذه الحجارة التي أمطروا بها من السماء كانت معلمة ومميَّزة عند ربك بما يدل على أَنها ليست من حجارة الأرض وأنه - سبحانه - أعدّها لعذاب هؤلاء. ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾: أَي وليست تلك الحجارة الموصوفة بما ذكر ببعيدة من غيرهم من كل ظالم يأثَم إثمهم ويظلم ظلمهم. فلا تكون بعيدة عن الكفار من قومك يا محمد فليسيروا إلى تلك القرى وليعتبروا بما وقع فيها لعلهم يؤمنون.

стр. 2000

﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾ المفردات: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾: أي وإلى أهل مدين. (بِخَير): بسعة في الرزق والثروة. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾: المقصود من إحاطة اليوم بهم إحاطة عذابه بحيث لا ينجو منه أحد. ﴿أَوْفُوا﴾: أتموا وأكملوا. ﴿وَلَا تَبْخَسُوا﴾: ولا تنقصوا. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: ولا تمعنوا في الإفساد في الأرض قاصدين إضرار الخلق. ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾: ما ادخر عنده من ثواب الصالحات. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾: وما أنا عليكم بمراقب لأعمالكم فذلك لله وحده أما أنا فناصح ومنذر. التفسير ٨٤ - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا … ﴾ الآية. وأرسلنا إلى أَهل مدين واحدًا منهم نسبًا هو شعيب ﵇ وكانوا أهل كفر جشعين يبخسون المكيال والميزان، ولا يوفون الحقوق ولا يحفظون الأمانات.
следующие страницы →