﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾: أَي فاحفظوا أنفسكم من عذاب الله بترك ذلك الدنس، ولا تلحقوا بى الخزى والذل والعار بسبب إِهانة ضيفى، فإن إهانتهم إهانة لى.
﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾: أي ألا يوجد من بينكم رجل سديد الرأى رشيد العقل يأْمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر ويقنعكم بترك الفاحشة أَو يمنعكم من ارتكابها وإِذا كان لا يوجد بينكم هذا الرجل الرشيد فذلك منكر تستحقون عليه شديد اللوم وبالغ التقريع.
﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾
المفردات:
﴿مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ﴾: المراد به هنا؛ ما لنا فيهن من حاجة ولا شهوة فعندنا نساؤنا.
﴿آوِي﴾: ألجأُ. ﴿رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: جانب قوى أَتقوى به وأَستند إليه وأعتمد عليه، وكل ما يتقوى به من ملك وجند وقوم يسمى ركنا.
التفسير
٧٩ - ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾:
أَى قال قوم لوط معرضين عن قبول ما عرضه عليهم ونصحهم من التزوج ببناته: لقد عرفت يا لوط غرضنا وقصدنا، ليس لنا فى بناتك أَي حاجة نعتبرها هدفا لنا وغاية لمجيئنا، وإِنك يا لوط بدون شك وبلا ريب لتعرف قصدنا من المجئِ وغايتنا من الإِسراع، وتدرك يقينا رغبتنا فيمن عندك.
ولما يئس لوط ﵇ من إِقناع قومه بترك ما هم عليه من الفساد. تمنى أَن تكون له قوة تردهم عن ضيوفه، وذلك ما حكاه الله بقوله:
стр. 1997
٨٠ - ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
أي قال لوط ﵇ لو أن لي طاقة وقدرة تنهض بردعكم، أو أن لي جانبًا قويا استند إليه. واستنصر به عليكم لردعتكم عن غيكم، وحفظت كرامتى وصنت ضيفي من الاعتداء عليهم وإيذائهم.
وقال لوط ذلك لأنه لم يكن في منعة من قومه، وقد أرسل إِلى أهل "سدوم" وهى قرية عند حمص.
وقد استغرب رسول الله محمد ﷺ مقالة لوط، فقد جاءَ فيما رواه البخاري عن النبىِّ ﷺ قال: "رَحِمَ الله أخِى لُوطا كَانَ يَأوِى الَى ركنٍ شَدِيدٍ".
يقصد ﷺ أَنه كان يلجأ إلى الله تعالى فإِنه - لا ركن أشدّ منه، ولكنّه لهول المفاجأة وشدة الكرب قال ما قال وهو يعلم أَنه لا ركن أَشد من الله تعالى.
﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾
المفردات:
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾: فَسِرْ بهم ليلا. ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: في جزء منه.
﴿مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾: أَي موعد عقابهم الصبح.
стр. 1998
التفسير
٨١ - ﴿قَالُوا يَا لُوطُ … ﴾ الآية.
أَي لمَّا رأت الملائكة ما استولى على "لوط" من الكرب قالوا له مطمئنين:
﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾: أي إنَّا رسل من عند ربِّك جئنا لإِهلاك قومك وتطهير الأرض من دنسهم. ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾: أي لن يصل إِليك هؤلاء الآثمون بضرر في نفسك ولا في ضيفك. ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: أي فاخرج بأَهلك في جزء من الليل.
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾: أي ولا تنظر أَنت ولا تترك أحدا من أَهلك ينظر إلى الوراءِ أثناء سيركم، لئلا يرى هول ما نزل بقومهم.
فيحصل لهم كرب قد لا يطيقه، لكن امرأتك لا تخرج بها مع أهلك واتركها مع قومك، فإنها خانتك بِممَالأتهم عليك، ونفاقها في الإيمان بالله، وإفشائها أَسرارك إِلى قومها، فدعها معهم ليصيبها ما يصيبهم من عقاب أليم، ثم علل الأمر بالإِسراء بأهله والنهي عن الالتفات بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾: إي فأسرع السير بأهلك تحت جنح الظلام كى تبتعد عن مواقع العذاب الذي تحدد الصبح وقتا لنزوله.
﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾: أي إِن موعد هلاكهم الصبح وهو وقت قريب جدا، وكان الصبح ميقاتا لهلاكهم لأنه وقت الدعة والراحة والهدوء، فيكون نزول العذاب بهم فيه أَشدَّ.
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾
المفردات:
﴿أَمْرُنَا﴾: أي عذابنا أو الأمر به، وهو على الأول واحد الأمور، وعلى الثاني واحد الأوامر.
﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾: أي قلبناها فصار أَعلاها إِلى أَسفل وأَسفلها إلى أَعلى.
﴿سِجِّيلٍ﴾: طين قد تحجر، (مَنضُودٍ): متتابع بعضه إِثر بعض.
﴿مُسَوَّمَةً﴾: معلمة بعلامات تميزها عن غيرها.
стр. 1999
التفسير
٨٢ - ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾:
أي فلما جاء الوقت الذي أمرنا بموقع العذاب فيه - وهو الصبح - أو جاء العذاب الذي قدرنا نزوله بهم في الصبح، جعلنا ما كان عاليا من مباني القري والمدن سافلا.
وأنزلنا على أهل تلك القرى مطرًا من حجارة من طين تحجر - هذه الحجارة أنزلناها على هذه القرى متتابعة بعضها إِثر بعض كتتابع المطر النازل من السماء.
٨٣ - ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ … ﴾ الآية.
أي هذه الحجارة التي أمطروا بها من السماء كانت معلمة ومميَّزة عند ربك بما يدل على أَنها ليست من حجارة الأرض وأنه - سبحانه - أعدّها لعذاب هؤلاء.
﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾: أَي وليست تلك الحجارة الموصوفة بما ذكر ببعيدة من غيرهم من كل ظالم يأثَم إثمهم ويظلم ظلمهم. فلا تكون بعيدة عن الكفار من قومك يا محمد فليسيروا إلى تلك القرى وليعتبروا بما وقع فيها لعلهم يؤمنون.
стр. 2000
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾
المفردات:
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾: أي وإلى أهل مدين. (بِخَير): بسعة في الرزق والثروة.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾: المقصود من إحاطة اليوم بهم إحاطة عذابه بحيث لا ينجو منه أحد.
﴿أَوْفُوا﴾: أتموا وأكملوا. ﴿وَلَا تَبْخَسُوا﴾: ولا تنقصوا.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: ولا تمعنوا في الإفساد في الأرض قاصدين إضرار الخلق.
﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾: ما ادخر عنده من ثواب الصالحات.
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾: وما أنا عليكم بمراقب لأعمالكم فذلك لله وحده أما أنا فناصح ومنذر.
التفسير
٨٤ - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا … ﴾ الآية.
وأرسلنا إلى أَهل مدين واحدًا منهم نسبًا هو شعيب ﵇ وكانوا أهل كفر جشعين يبخسون المكيال والميزان، ولا يوفون الحقوق ولا يحفظون الأمانات.
стр. 2001
﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾:
ناداهم متحببًا إليهم بقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾: أي يا عشيرتي أنا منكم وأنتم مني والرائد لا يكذب أهله.
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾:
بعد أن جذبهم إِليه بهذا النداء بدأهم بالدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة لأنه هو الإله وحده، فلا يستحق العبادة سواه، ولقد جرت سنة الأنبياء في دعوة أقوامهم أن يبدأوا بالدعوة إلى التوحيد لأنه أصل الإيمان، وبه صلاح الأمر كله، وهو الأساس الأول، ثم يتبعون ذلك الدعوة إلى ترك ما هم عليه من النقائص والعيوب الظاهرة، لذا عقب شعيب ﵇ دعوتهم إلى التوحيد بالنهي عن نقص المكيال والميزان لأنه أعظم عيب تفشى في قومه فقال:
﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾:
أي ولا تنقصوهما إذا بعتم للناس إذْ لا يليق بكم أن تخونوا في معاملاتكم بعضكم مع بعض وأن تستحلوا ما تأخذونه من الناس عن طريق النقص في المكيال والميزان، فالحق أحق أن يتبع.
﴿إنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾:
إنى أراكم في سعة من الرزق والمال والولد فيجب أن تقابل هذه النعم بإعطاء الحقوق لا بالإصرار على الشرّ والفساد وسلب حقوق العباد؛ فيسلبكم الله نِعَمَه.
﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾:
أي وإنى أشفق عليكم وأَخشى إن يحل بكم عذابُ يومٍ يهلككم جميعا في الدنيا ويحيط بكم في الآخرة ﴿وَإِنَّ جَهنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِين﴾ (١).
٨٥ - ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾:
كرر النداء بقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ حين أمرهم ثانيًا بإتمام الكيل والوزن بالعدل من غير زيادة ولا نقصان حرصا منه على مصلحتهم ونفعهم. فهم قومه وعشيرته.
ثم عقب أمرهم بإيفاء الكيل والميزان بقوله:
стр. 2002
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾:
يريد بذلك إما نهيهم عن أن ينقصوا الناس حقوقهم في جميع أمورهم بصفة عامة، حسية كانت أو معنوية، وإِما تأكيد أمره لهم بالإيفاء بالمكيال والميزان بالقسط خاصة بالنهي عن نقصهم الناس حقهم في الإيفاء بهما.
والمعنى على الأول: ولا تنقصوا الناس أمورهم في أموالهم وأعراضهم وعقارهم ومنقولهم، وزرعهم وضرعم، وبيعهم وشرائهم، وغير ذلك مما عز وهان.
والمعنى على الثاني: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في بيعهم وشرائهم، بعدم إتمامكم المكيال والميزان لهم.
ثم عقب نهيهم عن بخس الناس أشياءهم بقوله:
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾:
والعُثُوُّ في الأرض؛ الإفساد فيها،. وقد يحدث لغرض الإصلاح كحرب البغاة والمرتدين وقُطَّاع الطريق، وكقتل صاحب موسى للغلام وخرقه للسفينة، وهذا وإِن كان ظاهرهُ الإفساد فهو جائز للضرورة وقد يكون لغرض الإفساد والإصرار بالخلق وهذا هو المذموم والمنهى عنه.
والعثو المذموم يعلم جميع أنواع الإفساد والعدوان كقطع الطريق وتهديد الأمن وقطع الشجر وقتل الحيوان وغير ذلك، وقد كانوا يصدون الناس عن اتباع شعيب ﵇ والإيمان به وينشرون الفساد في الأرض قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ (١).
وقيل: معناه ولا تعثوا في الأرض مفسدين أَمر آخرتكم ومصالح دينكم.
ثم زهدهم في تلك الأفعال القبيحة وأرشدهم إلى ما هو خير وصلاح فقال:
٨٦ - ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾:
أي ما أبقاه الله لكم من خيرى الدنيا والآخرة بعد إيفاء الكيل والوزن والتنزه عن المحرمات خير لكم وأَنفع من الكسب الحرام وإن كثر، إن كنتم مصدقين بما شرعه الله لكم
стр. 2003
على لسان شُعيب - عليه السلاء - لأن الإيمان يستتبع خير الجزاء، فضلا عن أنه يطهر النفس من دناءة الطمع وسائر الخبائث ويحلِّيها بالقناعة وسائر الفضائل، ثم أثار فيهم الوازع النفسي بقوله:
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾: ولست عليكم بالحفيظ الذي يملك منعكم من الوقوع في المحرمات، أو معناه: لست أَحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها وإنما أنا ناصح لكم ومبلِّغ ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ (١). وقد بذلت الجهد وأَعذرت إذ أنذرت.
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾
المفردات:
﴿الْحَلِيمُ﴾: المتأفي الضابط لنفسه الذي لا يتعجل في الأمور مع القدرة والقوة.
﴿الرَّشِيدُ﴾: المتصف بحسن التدبير ودقة التقدير.
التفسير
٨٧ - ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾:
أي قال قوم شُعيب - ساخرين مستهزئين - ردًّا على دعوته إياهم إلى التوحيد والعدل في المعاملات أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا من الأوثان التي توارثنا عبادتها عن آبائنا، إننا ننكر عليك ذلك ولن نترك عبادتها، وإِنما خصُّوا الصَّلاة بالإنكار دون سائر أحكام النبوة التي دعاهم اليها لأنه كان كثير الصلاة معروفًا بذلك، ولأنهم يغمزونه في صلاته بأنها وسوسة خاصر، وليست وحيًا من السماء، وينكرون بهذا التهكم كل ما دعاهم إِليه من عبادة الله وحده وسائر الفضائل.
﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾:
هذا جواب منهم عن أمره ﵇ لهم بإيفاء الكيل والوزن مبنى أيضًا على السخرية بما يأمرهم به.
стр. 2004
والمعنى: أصلاتك يا شعيب تأمرك أن نترك عبادة أوثاننا أو أن ندع التصرف في أموالنا حسبما نريد من الزيادة والنقصان، والأخذ والعطاء على النحو الذي تعودناه مع الناس، أتريدنا إن نسير في تجارتنا وشئون أَموالنا على هواك الذي زعمت أنه شرع الله، وهذا الجواب منهم شأن المتكبرين عن اتباع الحق في كل أمة فإنهم لا يجدون جوابا سوى التمسك بما ورثوه عن الآباء والأجداد فهو الذي يعميهم - عن الحق فلا يبصرونه، ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (١)، ثم قالوا مبالغين في السخرية والاستهزاء:
﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾:
أي إنك لأنت الذي - توصف بيننا بالتأني والتريث في معالجة الأُمور، فأين هذه الأوصاف مما تدعوننا إليه، يريدون بذلك تجريده من صفتى الحلم والرشد، بدعوى أن ما دعاهم إليه لا يصدر عن حليم رشيد.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ المفردات:
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: أخبروني. ﴿بَيِّنَةٍ﴾: حجة واضحة.
﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾: ومنحنى من لدنه النبوة والحكمة وغمرني بنعمه الكثيرة.
﴿أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾: أَن أخالفكم إلى فعل ما نهيتكم عنه.
﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: وإلى الله أرجع.
стр. 2005
التفسير
٨٨ - ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾:
في هذه الآية رد شعيب ﵇ عليهم في رفقٍ ولينٍ بقوله: يا عشيرتي وأهلى أخبروني: إِن كنت على حجة واضحة وبينة - ظاهرة من لدن ربي وقد رزقنى منة رزقا حسنا هو النبوة والحكمة، وهما مناط الحياة الأبدية لى ولكم، وكذلك المال الوفير، أَفتجعلوننى في زمرة السفهاء والغواة، حينما دعوتكم إِلى توحيد الله وإيفاء الكيل والميزان.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾:
وما أقصد بدعوتي هذه أن أورطكم فيما دعوتكم اليه لكي أخالفكم إِلى فعل ما نهيتكم عنه بعد أن تستجيبوا لدعوتي فأنا أَسبق منكم إلى ما دعوتكم إليه.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾: ما أريد بوعظى وتذكيرى لكم إلا إصلاح حاكم في دنياكم وأَخراكم بقدر جهدى واستطاعتى.
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾: وما توفيقي في التمسك بالحق وحملكم عليه إلا بفضل الله ومعونته. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: عليه وحده اعتمدت في تبليغ الرسالة وأداءَ الأمانَة.
وإِليه تعالى - وحده أرجع في كل ما يهمنِى من أمور وشئون - فلا حول لى ولا قوة إِلا بالله فيما أفعل وأقول، وإنما الحول والطول لله وحده فهو الذي يرشدني ويسدّد خطاي، وهو الذي يجازينى على أعمالى فلا أخاف أحدًا سواه.
﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾
المفردات:
﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ … ﴾ الخ: أي لا تكسبنكم مشاقتى ومعاداتي عقوبة مثل عقوبة الأمم السابقه. (رَحِيم): واسع الرحمة. (وَدُود): كثير الودّ والمحبة والعطف.
стр. 2006
التفسير
٨٩ - ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾:
أي وقال شُعيب لقومه على طريقته في التلطف في خطابهم، حرصا منه على هدايتهم: يا قوم لا يكسبنكم شقاقى ومعاداتي أن يصيبكم بسبب ذلك مثل ما أصاب الأمم التي كذبت رسلها من قبل كقوم نوح، فقد أَهلكهم الله بالطوفان، وما أصاب عادا حين كذبوا هودا، فقد أَهلكم الله بريح صرصرٍ عاتية، وما أصاب ثمود حينما كذبوا صالحا فأهلكم الله بالصيحة والرجفة لإصرارهم على الكفر والفساد.
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾:
وإِن لم تعتبروا بهؤلاء المذكورين فما قوم لوط ببعيدين منكم، فقد عوقبوا بقلب ديارهم، وأمطر الله عليهم حجارةً من سجيل، وقد رأتم ديارهم وما أصابها، فاعتبروا بحالهم واحذروا أن يحل بكم من العذاب ما حل بهم وهذه سنة الله فيمن كذب رسله ولن تجدوا لسنة الله تبديلا.
ولما أنذرهم سوء عاقبة صنعهم أرشدهم إلى طريق النجاة طمعا في استجابتهم فقال:
٩٠ - ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾:
أَي واتعظوا بما وقع لهؤلاء واطلبوا مغفرة ربكم لما وقعتم فيه من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه بالإيمان والطاعة ولا تيئسوا من عفو الله ورحمته، لأن ربي وربكم واسع الرحمة كثير الود والمحبة والعطف فيرضى عمن يتوب ويرجع إليه، فسارعوا إِلى ما يستوجب رحمته ومحبته.
стр. 2007
﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)﴾
المفردات:
﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾: ما نفهم مرادك، والفقه: الفهم الدقيق المؤثر في النفس.
﴿رَهْطُكَ﴾: الرهط الجماعة من الرجال خاصة من ثلاثة إلى تسعة، ورهط الرجل قومه وقبيلته.
﴿بِعَزِيزٍ﴾: بصاحب قوة ومنعة.
﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: تركتموه وراء ظهوركم. والمراد أعرضتم عنه ونسيتموه.
﴿مُحِيطٌ﴾: أحاط علمه بكل شئٍ وأحصاه فلا يخفي عليه شيء من أعمالهم.
﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُم﴾: اعملوا على غاية تمكنكم واستطاعتكم.
﴿وَارْتَقِبُوا﴾: وانتظروا عاقبة ما أَقول.
التفسير
٩١ - ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾:
دعاء شعيب قومه متلطفا في دعوتهم إلى الإيمان والاستغفار والتوبة فأجابوه في جفاء واستعلاء قائلين: ما شعيب ما نفهم كثيرًا من قولك، ولا نعلم حقيقة ما تقصد إليه
стр. 2008
من دعوتنا إلى ترك عبادة الأوثان ومنعنا من التصرف في أموالنا، وتهديدك إيانا بعذاب يحيط بنا ويبيدنا، أجابوه بذلك مع وضوح حجته وقوه برهانه وظهور مراده، واشتمال كلامه على فنون الحكم والمواعظ، وأَنواع العلوم والمعارف، ولما عجزوا عن محاجته هددوه باستعمال القوة حين قالوا:
﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾:
أَي وإنا لنشاهد ضعفك بيننا، ونعلم أن لا قدرة لك على شيء، ولا تستطيع أن تمتنع عنا إن أَردنا أَن نفتك بك.
﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾:
ولولا احترامنا لعشيرتك وأَهلك الذين ثبتوا على ديننا، ولم يؤثروك علينا، ولولا رهطك هؤلاء لقتلناك رجما بالحجارة.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾:
أي ولست عندنا قويًّا منيعا تستطيع أن تدفع ما نريده بك أو تحول بيننا وبين قتلك وإهلاكك.
وما يمنعنا عنك إلا أننا نُقَدِّر رهطك وعشيرتك ونحترمهم ونعزهم، ونسي هؤلاء الغافلون قوته وعزته برب العالمين، فلهذا وبَّخهم شُعيب على غفلتهم هذه - كما حكاه الله عنه بقوله:
٩٢ - ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾:
قال لهم شُعيب ردا على هذا التهديد والاستهزاء: أَعشيرتى وأهلى يا قوم أَعزُّ وأكرم عليكم من الله ذى العزة والقدرة، وقد دعوتكم بأمره إلى ما يصلح شئونكم في الدنيا والآخرة فاعرضتم عنه.
﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾:
أَي ونبذتم أَمره وتركتموه وانصرفتم عنه كالشئ المهمل وراء الظهر فلا يلتفت إليه لعدم الاعتداد به.
﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾:
أَي إن ربي لا يخفى عليه شيءٌ من أموركم فعلمه محيط بجميع أعمالكم وأقوالكم،
стр. 2009
وسيجازيكم عليها يوم القيامة حيث لا تغنى قوتكم عنكم شيئا، وهذا تهديد بليغ ووعيد شديد بالعذاب الأليم إن أصروا على الكفر والعناد.
٩٣ - ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾:
وقال لهم مهددًا أيضا: يا قوم اعملوا ما شئتم بقدر استطاعتكم وتمكنكم، وابذلوا جهدكم في مضارتي، فإن ذلك لا يصدني عن الدعوة إلى الله.
ثم أكد ذلك بقوله: ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾: أي إِني سأعمل بقدر استطاعتى وجهدى في الطريق الذي أمرني الله بالسير فيه دون أَن أخشى تهديدكم ووعيدكم.
﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾:
أي سوف تعلمون علم اليقين من سيحيق به العذاب المذل المهين جزاءَ ضلاله ومن هو كاذب منا - أنا أم أنتم - وفيه تعريض بكذبهم في ادعائهم القدرة على رجمه ﵇ وفي نسبته إلى الضعف والهوان وأنهم لولا رهطه لرجموه.
﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾:
وانتظروا ما أتوعدكم به من العقاب على كفركم وعصيانكم إني معكم منتظر عاقبة أمركم، مراقب لها، وفي هذا أبلغ تهديد وأعظم وعيد لهم، وفيه إِظهار ثقة شعيب بنصر ربه وتأييده له.
﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾
المفردات:
﴿جَاثِمِينَ﴾: باركين على الركب من الجثوم، وهو للناس بمنزلة البروك للإبل.
﴿يَغْنَوْا فِيهَا﴾: كأن لم يقيموا فيها، يقال غنى بالمكان يغني أي أقام به وعاش في نعمة
стр. 2010
ورغدا، ﴿بُعْدًا﴾: هلاكا، يقال: بَعِد بكسر العين يبْعَد بفتحها من باب طرب يطرب: بمعنى هلك، وأما بَعُد بالضم فمعناه ضد قرب.
التفسير
٩٤ - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ … ﴾ الآية.
بعد أن هددهم شعيب وأوعدهم جاءت هذه الآية تحقيقا لوعيده لهم.
والمعنى: ولما جاءَ أمرنا بعذابهم نجينا رسولنا شعيبا والذين آمنوا به وصدقوه، واتبعوه بسبب رحمة منا عظيمة شاملة إذ وفقناهم للإيمان الصادق والطاعة الخالصة ففازوا بالنجاة من الهلاك.
﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾:
أي وأخذت الصيحةُ الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي من قوم شعيب.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾:
أي فأصبحوا من شدتها ميتين خامدين في أماكنهم، وهذه الصيحة هي التي عبر عنها في سورتي الأعراف والعنكبوت (بالرجفة) أَي الزلزلة ولعل الصيحة من روادف الرجفة، فإن الزلزلة تحدث تموجا في الهواء، يترتب عليه صفير وصباح، فلذا سميت بالصيحة، وقبل صاح بهم جبريل فهلكوا.
٩٥ - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾:
أي كأنهم لم يقيموا في هذه الديار، ولم ينعموا بها ولم يتقلبوا في خيراتها وبركاتها، فقد ذهب ما كانوا يعتزون به، ولم يبق لهم إِلا ما قدموه لأنفسهم مما استحقوا به العذاب والإبعاد من رحمة الله.
﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾:
أي ألا هلاكا لم كما هلك سابقوهم وهم ثمود قوم صالح، وإِنما شبه هلاكهم بهلاك ثمود لأن عذاب كليهما كان بالصيحة، قال ابن عباس: ما أَهلك الله أمتين بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، غير أَن قوم صالح أخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أَخذتهم الصيحة من فوقهم اهـ.
ويستفاد من قصة أهل مدين قوم شعيب ما يلي:
стр. 2011
- أن نقص الكيل والوزن من الكبائر وتخشى منه العقوبة العاجلة وأنه من أكل أَموال الناس بالباطل.
- وأن الصلاة مشروعة للأنبياء السابقين لقولهم لشعيب: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ الآية.
- وأَن من كمال الداعى المبادرة إِلى فعل الخير قبل أن يدعو غيره إِليه.
- وأن وظيفة الرسل الإصلاح بقدر الاستطاعة.
- وأن العبد يجب عليه أن يتكل على ربه بعد الأخذ بالأسباب ويسأله التوفيق وأن يرجع إليه في كل أموره على الدوام.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾
المفردات:
﴿آيَاتِنَا﴾: هي الآيات التسع التي أَعطاها الله لموسى ﵇ معجزة دالة على صدقه.
﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: حجة بالغة لها سلطان بيِّن على العقول السليمة.
﴿مَلَئِهِ﴾: أي رؤساء قومه وزعمائهم، وسموا ملأ لأنهم يملئون العيون بوجاهتهم.
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾: يتقدمهم ويقودهم إِلى النار. ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾: أي تسبب في دخولهم النار.
﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾: أي وبئس المكان الذي يردونه - النار.
﴿وبِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾: بئست اللعنة المعطاة لهم في الدارين عطاؤهم.
стр. 2012
التفسير
٩٦ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾:
بعد أَن بينت الآيات السابقة سوء عاقبة المكذبين من قوم شعيب جاءت هذه الآية وما بعدها لبيان ما آل إِليه أمر المكذبين لموسى من فرعون وملئه تأكيدا للغرض من سوق هذه القصص وهو العظة والاعتبار.
والمعنى: ولقد أرسلنا موسى بالآيات التسع وهى العصا واليد يخرجها من جيبه بيضاء من غير سوءٍ، والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص من الأنفس والثمرات وأيدناه بالحجج البينة التي أقامها على فرعون وقومه أثناة دعوته إياهم إلى الإيمان حين قال له فرعون: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾. وقول: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾. ونحو ذلك حيث بين لهم الحقائق الإلهية والشريعة التي بعث بها بيانًا لا سبيل إلى رده كقوله له: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. وقوله عن القرون الأُولى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾. (١) إِلى غير ذلك مما حاج به موسى فرعون وقومه.
٩٧ - ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾:
أي أَرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون ورؤساء قومه فانقادوا لأمر فرعون لهم بالكفر بما جاء به موسى من عند الله، وأعرضوا عن الآيات الواضحه والأدلة الباهرة.
﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾:
أي وما أمرهم به فرعون بصائب وسديد حتى يتبعوه ويتركوا الحق المبين ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (٢). وقد بين الله مصير فرعون وقومه في الآخرة فقالَ:
стр. 2013
٩٨ - ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾:
أي إن فرعون كما كان قدوة للكفار من قومه جميعًا في الضلال في دار الدنيا، كذلك بتقدمهم إِلى النار يوم القيامة وهم يتبعونه.
وأَصل الورد لغة: الماء الذي يرده الناس ليرتووا منه ويطفئوا به ظمأهم، وقد دلت الآية على فساد رأى فرعون وسوء حاله حيث قادهم إِلى النار وبئس الورد الذي يردونه لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار على ضد ذلك، ولو أنه قادهم إِلى الحق لنجَّى نفسه وقومه، ولكن صدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.
وأنما عبر بالماضى في قوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ بدل التعبير بالمضارع "يُورِدُهُم" المفيد لحصول ذلك في المستقبل للإيذان بتحقق هذا الوعيد. وحمل بعضهم الآية على ظاهرها وهو أنهم وردوا النار فعلا منذ موتهم استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (١).
٩٩ - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾:
أي واستحق آل فرعون بسبب كفرهم أن يلعنهم الناس في الدنيا والآخرة، وأن يطردهم الله من رحمته يوم القيامة - فاللعنة حالّة بهم في الدارين.
﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾:
أي بئس الجزاء الذي حل بهم من الهلاك في الدنيا وعذاب النار في الآخرة.
وسُمي هذا الجزاء الأليم رفدا من باب السخرية بهم - إذ الرفد في اللغة بمعنى العطاء.
стр. 2014
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾
المفردات:
﴿قَائِمٌ﴾: أي بأَن بعد أن هلك مكانه.
﴿حَصِيدٌ﴾: بمعنى محصود، والمحصود الذي اندثرت معالمه.
﴿تَتْبِيبٍ﴾: إهلاك وتخسير.
التفسير
١٠٠ - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾:
أي ذلك الذي مرَّ ذكره بعض أخبار أَهل القرى التي أَرسلنا إليها رسلنا فكذبوهم فأهلكناهم - ذلك المذكور - نقصه عليك ونبينه عبرة وعظة للكافرين، وتثبيتًا لك ولأمتك المؤمنين، من هذه القرى ما هو بأَن وقد خلا من أَهله ومنها ما انطمست معالمه كالزرع المحصود الذي لم تبق منه باقية.
١٠١ - ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾:
أَي وما أهلكنا هؤلاء بغير ذنب ارتكبوه لأن هذا ينافي عدلنا الذي قامت به السموات والأرض، ولكنهم ظلموا أنفسهم بشركهم بالله وإِفسادهم في الأَرض وصدهم عن ديننا الذي شرعناه على ألسنة رسلنا فاستحقوا الهلاك الذي حل بهم.
стр. 2015
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾:
أَي فما نفعتهم معبوداتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله ولا دفعت عنهم أي شئ من عذاب الله الذي أَنذرهم به الرسل.
﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾:
أي وما زادتهم معبوداتهم على ما هم عليه من سوء الحال إلا هلاكًا وخسرانا، حيث لم يشفعوا لهم كما زعموا، بل وضعوا في النار مثلهم.
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾
المفردات:
﴿أَخْذُ رَبِّكَ﴾: أي إِهلاك ربك إياهم. ﴿أَلِيمٌ﴾: شديد الإيلام.
التفسير
١٠٢ - ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾:
أي ومثل ذلك الأخذ بالعذابِ الذي مر بيانه - يهلك الله أَهل القرى في حال ظلمها، تطهيرًا للأرض من أهل الظلم.
﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾:
أي إن إِهلاك الله للظالمين وجيع شديد الإيلام لا مفر منه ولا مناص، وفي هذا تحذير لكل من ظلم غيره فحرمه حقه، وصده عن سبيل الله، وظلم نفسه بما اقترفه من آثام، فعليه أن يبادر بالتوبة قبل فوات الأوان.
стр. 2016
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ المفردات:
﴿لَآيَةً﴾: لعبرة وعظة. ﴿مَشْهُودٌ﴾: كثير شاهدوه من الملائكة والرسل ومن كل بر وفاجر.
﴿لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾: لانقضاء مدة قليلة قضاها الله حسب حكمته.
التفسير
١٠٣ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾:
أَي إن فيما قصه القرآن من إِهلاك الأمم السابقة بسبب كفرهم بالله تعالى، وإِصرارهم على تكذيب رسله - إِن في ذلك لعظة بالغة وعبرة عظيمة للذين يخافون عقاب الآخرة، فيحملهم هذا الخوف على سلامة النظر، وحسن الاعتبار، وسرعة الاستجابة إِلى دعوة الحق، وقيل المراد بهؤُلاء الخائفين: المؤْمنون، فهم المنتفعون بالعظات والعبر، والباحثون عن سبل السلامة من غضب الله وعقابه ليسلكوها.
﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾:
أي ذلك اليوم الذي يقع فيه عذاب هؤُلاء الكفار المعاندين - هو يوم مجموع له الناس جميعًا ليجزى الله كل امريء بما قدمت يداه، وهو يوم مشهود بما يقع فيه من أَهوال حيث يحضره أهل السموات والأرضين، من ملائكة وإِنس وجن.
стр. 2017
١٠٤ - ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾:
أي وما نؤَخر هذا اليوم الذي يجمع له الناس إلا لنهاية زمان محسوب بدقة تامة منا، فلا يتقدم عن هذه الغاية، ولا يتأخر عنها.، وقد استأثر الله تعالى بعلمه، وأَخفاه عن عباده، لحكم كثيرة يعلمها قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ (١).
وإنما عبر الله عن الأجل المحسوب بالأَجل المعدود، ليشير بذلك إلى قلته، فإِنه لا يعد في العادة إلا القليل، ولا شك أَن ما بقى من عمر الدنيا بالنسبة لما مضى منها قليل، ولذا كان نبينا محمد ﷺ خاتم الأَنبياءِ والمرسلين.
وقد بين الله شدة هذا اليوم وهوله بقوله:
١٠٥ - ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾:
أي حين يأتي هذا اليوم الذي أجل عقابهم إلى مجيئه، لا تتكلم أي نفس إلا بإِذن الله تعالى، فلا سلطان فيه لأحد من الملوك والرؤساء، فقد فنى سلطانهم وزال كبرياؤهم وملكهم، وانفرد الله وحده بالملك والعزة والسلطان، كما قال تعالى في سورة غافر: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. وفي سورة الحج: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾. وفي سورة الفرقان: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾.
ويتجلى سلطان الله تعالى وجلاله يومئذ على نحو ما بينه الله بقوله في سورة النبأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾. وبمقتضى هذه الآية وعدالة الله تعالى، يأذن الله للكفار والمذنبين في الدفاع عن أَنفسهم كما قال تعالى في سورة النحل: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾. فإِذا قامت حجة الله عليهم بعد جدالهم عن أَنفسهم، خرست ألسنتهم. ولم يؤذن لهم بالاعتذار حينئذ، فقد ظهرت حجة الله عليهم واتضح
стр. 2018
أنه لا عذر لهم، كما قال تعالى في سورة المرسلات: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾.
﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾:
أَي فينقسم الناس في هذا اليوم إِلى قسمين: قسم شقى بكفره ومعصيته، وقسم سعيد بإِيمانه وطاعته، ثم بين الله مصير الأَشقياء بقوله:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾
المفردات:
﴿شَقُوا﴾: كانوا أَشقياءَ في الدنيا بكفرهم ومعاصيهم. ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾: الزفير، إِخراج النَّفَس من الصدر بمشقة، والشهيق: إدخاله فيه بمشقة كذلك، والمراد بهما تلاحق أَنفاسهم في النار من شدة العذاب.
التفسير
١٠٦ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾:
أَي فأما الذين قضي عليهم بالشقاءِ بسبب كفرهم ومعاصيهم في الدنيا وإطفائهم نور الفطرة التي فطرهم الله عليها، فهؤلاء مستقرون في النار تتلاحق أَنفاسهم فيها زفيرًا وشهيقًا من حرج صدورهم وشدة كروبهم، وبأسهم من النجاة منها وهم فيها دائما كما قال تعالى في سورة النساءِ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. (١) ولهذا عقب الله تلك الآية بقوله سبحانه:
стр. 2019
١٠٧ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية.
المراد من السموات والأرض سماوات اليوم الذي يجمع له الناس وأَرضه، فإِن دوامها باق لا نهاية له، أما سماوات الدنيا وأرضها فهى زائلة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾. (١) فلا معنى للتوقيت بدوامها لعدم وجودها يوم عقابهم وهو يوم القيامة ومن المفسرين من فسرها بسماوات الدنيا وأَرضها، وقال إنه ليس الغرض من النص الكريم ربط خلودهم بدوام سموات الدنيا وأَرضها التي تزول والتى لا تكون موجودة يوم القيامة بل المراد التأبيد ونفى الانقطاع، مخاطبة لهم بالأسلوب الذي اعتادوه في هذا الصدد، كقول أحدهم لا أفعل كذا ما لاح كوكب، فإِنه لا يقصد أنه لا يفعله ليلا مدة ظهور الكواكب ولكن يفعله نهارًا، بل يقصد أنه لا يفعله أَبدا، ثم قال: أَما إحالة التأبيد على دوام سماوات الآخرة وأرضها، فهى إحالة لهم على شئ لا يعرفونه بل ينكرونه، لأَنهم لا يعترفون بالآخرة، كما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٢).
والظاهر من الآية هو الوجه الأول، فإِنهم كما ينكرون الآخرة ودوام سماواتها وأَرضها ينكرون وعدها ووعيدها، ولكن هذا الإِنكار لا يمنع أَن يتوعدهم الله بعذاب الآخرة، ويصف لهم أهوالها لعلم يرجعون.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾:
ظاهر هذا الاستثْناء أَنه تعالى يشاءُ خروج الأشقياء من النار، وأن خلودهم فيها ينقطع عند هذه المشيئة، وقد حمل هذا التوهم بعض المفسرين على أَن يقول: إن المراد بالذين شقوا، الذين ارتكبوا ما يشقيهم ولا يسعدهم سواءٌ أَكانوا كفارا أَم مؤْمنين عصاة، ويحمل الاستثناء عند صاحب هذا الرأى على عصاة المؤْمنين، وكأنه قيل: فأما الذين شقوا بكفرهم أو معاصيهم، ففي النار خالدين فيها أَبدا إلا من شاء ربك عدم خلودهم من عصاة المؤْمنين. (٣)
﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾:
فلا يمنعه أحد من العفو عنهم لإِيمانهم بعد ما عذبوا على ذنوبهم.
стр. 2020
ورأَى بعض آخر من المفسرين أن المراد بالذين شقوا هم الكفار، وأَن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ إلا الوقت الذي شاء الله فيه أن ينقلوا من عذاب النار إلى عذاب آخر كالزمهرير وغيره، فأمرهم دائر بين التعذيب بالنار والتعذيب بغيرها ولا أمل لهم في انقطاع العذاب عنهم بأى وجه، أو إلا الوقت الذي يتوقفون فيه في الموقف للحساب، وقيل الاستثناء ليس من خلودهم في النار، بل من قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.
والمعنى على هذا: فأَما الكافرون الذين شقوا بكفرهم ففي النار لهم فيها زفير وشهيق حال خلودهم الأبدى فيها، لا ينقطع زفيرهم وشهيقهم إلا ما يشاؤها الله، يكون تعبيرهم فيها عن كربهم بغير الزفير والشهيق.
ونقل القرطبي في الوجه الرابع في تفسيره لها عن ابن مسعود أنه قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ لا يموتون فيها ولا يخرجون منها ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ﴾ وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم، ثم يجدد خلقهم ليتجدد تعذيبهم. ولعله استمد هذا الرأي من قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (١).
تلك خلاصة الآراء المشهورة في تفسيرها، وفيها آراءٌ ومباحث أخرى. فليرجع إليها في المطولات من شاء المزيد.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾
المفردات:
﴿سُعِدُوا﴾: بضم السين قراءة الأعمش وحفص والكسائي، قال الثعلبى: أي رزقوا السعادة، يقال سُعِد وأُسْعِدَ بمعنى واحد، وقرأَ الباقون بفتح السين على أسلوب شقوا.
﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: أي غير مقطوع عنهم.
стр. 2021
التفسير
١٠٨ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾:
تتحدث هذه الآية الكريمة عن الفريق الثاني من أهل الموقف في يوم مجموع له الناس ومشهود، وهو فريق السعداء بعد أن تحدثت الآيتان السابقتان عن فريق الأشقياء من الكلام في معنى ما دامت السموات والأرض هنا، كالكلام في مثله في الفريق الأول.
أَما قوله ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ فإِنه يوهم أَن خلود السعداء في الجنة ينقطع ولا يدوم حينما يشاءُ الله قطعه، وهذا يتنافى مع التصريح بعدم قطعه في قوله سبحانه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: كما يتنافى مع آيات كثيرة ناطقة بأَبدية النعيم في الجنة لهم، وقد أُجيب عن ذلك بعدة أجوبة، منها أن اليوم المشهود يبدأ من البعث، وأَن السعداء لا يدخلون الجنة حين بعثهم، فإنهم كغيرهم يحشرون للموقف، ويحاسبون، ثم ينعم الله عليهم بدخول الجنة بعد أَن يقضى لهم بذلك عدالة منه وفضلا ورحمة، فالوقت الذي قضوه في اليوم المشهود قبل دخولهم الجنة، فهو المستثنى بقوله ﴿إلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ولا يضر هذا المعنى أن الاستثناءَ وقع من أول اليوم لا من آخره، كما تقول جلست في البُستان يوما إلا ثلاث ساعات من أَوله، فإِنه تعبير صادق وسليم من الناحية اللغوية.
ومنها أَن الاستثناء بالنسبة إِلى الوقت الذي ينقلون فيه من نعيم الجنة إِلى ما هو أعلى منه، من الفوز برضوان الله الذي هو أكبر من الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (١). ولهم أيضا ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه، قال الزمخشرى: والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٢).
стр. 2022
ومما قيل في تأويلها: إن الاستثناء بالنسبة إِلى عصاة المؤمنين، فإنهم يغيبون عن الجنة في الوقت الذي يعاقبون فيه على معاصيهم، ثم يؤمر بدخولهم الجنة، فلذا قيل في حقهم ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾: أَي إلا من شاء ربك من عصاة المؤْمنين، فإن دخولهم فيها ينقطع عند أول دخول الصالحين إِياها حتى يعاقبوا على معاصيهم، فإنهم سيدخلونها ويلحقون من دخلها قبلهم من الصالحين، وقد وصفوا بالسعادة باعتبار ما آل إليه أَمرهم وفيما يلى بيان معنى الآية على ما نرى.
وأَما الذين أنعمَ عليهم بالسعادة من الله بأن وفقوا للإِيمان والعمل الصالح لصفاء فطرتهم فهؤلاء في الجنة يستقرون، خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، لا يبرحونها أبدًا، إلا الوقت الذي يشاءُ الله فيه أَن ينعموا بثواب أعظم، حيث يتجلى عليهم برضوانه، الذي هو أكبر من الجنة، وأَعظم منها شأنا.
وهناك أيضا ينظرون اليه جل وعلا كما قال في سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. (١) وحيث ينعم الله عليهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولا يعلم كنهه سواه، يعطيهم الله هذه النعم دائما، عطاء غير مجذوذ عنهم ولا هم عنه ينصرفون.
﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾
المفردات:
﴿فِي مِرْيَةٍ﴾: في شك. ﴿نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾: جزاءهم كاملا.
стр. 2023
التفسير
١٠٩ - ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾:
بعد أن بين الله تعالى عقاب الأشقياء وثواب السعداء أنذر أهل مكة بأن عبادتهم قائمة على الضلال وأنهم سيلقون مصير الأشقياء الضالين إِذا أصروا على شركهم.
والمعنى لا يتطرق إليك - أيها الرسول - شك في ضلاد هؤلاء المشركين وإِن ادعوا أنهم يتقربون إِلى الله بعبادة هذه الأصنام حيث قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١).
وهو ادعاءٌ باطل لا يقوم على عقل رشيد أو رأى سديد، لأن الأصنام لا تملك التقريب والإبعاد من الله تعالى، فهي لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعًا فكيف تملكهما لغيرها.
﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾:
أي أنهم لا يؤدون عبادتهم تطبيقًا لكتاب منزل، أو إطاعة لنبي مرسل، أَو تأثرًا بعقل مفكر، وإِنما يؤدونها تقليدًا أعمى لآباءهم وأجدادهم الضالين دون رَوِيَّة أو تفكير ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ (٢).
﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾:
أي وإِننا لمجازوهم على عقيدتهم الباطلة وأَعمالهم الفاسدة جزاء كاملا غير منقوص، كما جازينا الأمم السابقة بسبب كفرهم وعتوهم ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. والجملة هنا مؤكدة بأكثر من مؤكد للإنذار والترهيب.
стр. 2024
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾
المفردات:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: لولا وعد سبق منه سبحانه بتأجيل العذاب حتى عن يعلمه. ﴿شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾: شك مزعج محير مقلق.
التفسير
١١٠ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ … ﴾ الآية.
بعد أَن ختم الله الآية السابقة بوعيد مشركى قريش بأنهم سينالهم نصيبهم من العقاب وافيًا، جاءَت هذه الآية مسلية للنبي ﷺ بأن خلاف قومه عليه لم ينفرد به، بل هذا هو الشأن في جميع أمم المرسلين، وضرب له مثلا بقوم موسى حيث اختلفوا عليه، وأَكد له أن عقابه سينزل بمن كفر به من قومه، كما نزل بمن كفروا برسله من قبله، وسيكون نزوله في الوقت الذي عينه سبحانه لهذا العقاب، فلا استعجالهم يقدمه ولا إنكارهم يؤخره، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. (١) وقال سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾ (٢).
والمعنى: ولقد أَنزلنا التوراة على موسى ﵇ فبلغها إِلى دومه ولكنهم اختلفوا فيها، فآمن بها بعضهم، وكفر بها آخرون، حتى آل أمرهم إلى عبادة العجل، فلا تبال
стр. 2025
يا محمد باختلاف قومك فيما آتيناك من القرآن، وقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ وزعمهم أنك افتريته، فالكفر كله ملة واحدة.
وإِذا كان الله تعالى لم يعجل عقوبتهم في الدنيا بالاستئصال، فلن يفلتوا من العقاب في الآخرة بأَشد العذاب، حيث سبقت كلمته بتأجيل عقابهم إليها لحكم يعلمها، وفي ذلك يقول الله تعالى:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾:
أي ولولا قضاء سبق من ربك يا محمد بتأجيل عقوبة قومك المختلفين عليك إلى يوم القيامة لقضى بينهم بتعجيل عقوبتهم على كفرهم، وإنجاء المؤمنين منه ليتميز المحقون من المبطلين.
وقيل إن الكلام في قوم موسى، والمعنى: لقضي بينهم بعقابهم عاجلًا على اختلافهم في أمر التوراة. ويبعد هذا الرأي أن الآية مسوقة لتسلية الرسول على اختلاف قومه عليه، بما حدث لموسى من اختلاف بني إسرائيل علية، ولبيان أَن عقوبة قريش على كفرهم به مؤجلة في علم الله الوعيد، ولولا ذلك لعجل بها لهم.
﴿وإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾:
أَي وإن قومك يا محمد لفي شك من القرآن موقع في حيرة لهم، ولو أنصفوا لبادروا إلى الإيمان به، فإن مبعث ريبهم هو استمساكهم بدين الآباءِ وتعصبهم له، وعدم إصغائهم إلى الناصح الأمين (١).
ويصح أن يكون المعنى: وإِنهم لفي شك من تعذيبهم على كفرهم مقلق لنفوسهم وقد أخطئوا في هذا الشك، كما يشير إِليه قوله تعالى:
١١١ - ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا (٢) لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾:
стр. 2026
أي وإن كلا من المختلفين فيه مؤمنين وكافرين، جميعا والله ليوفينهم ربك يا محمد جزاء أَعمالهم إن خيرًا فخير، وإِن شرًّا فشر.
﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾:
إنه تعالى بما يعمله المحسنون والمسيئون عليم أدق العلم وأَوسعه، فما تخفى عليه منهم خافية ومن كان كذلك، فإِنه سبحانه سيوفيهم جزاءَ أَعمالهم.
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾
المفردات:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾: نفِّذ ما أَمرناك به دون ميل عنه بزيادة أو نقص.
﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾: أي لا تتجاوزوا الحد الذي أمرتم به وذلك بالإفراط أو التفريط.
﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾: ولا تميلوا.
التفسير
١١٢ - ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾:
أَي إِذا علمت يا محمد أَن كلاًّ من المؤمنين والكافرين سيوفيهم ربك جزاء أعمالهم فدم على ما أنتم عليه من الاستقامة على شرع الله الذي شرعه لك عقيدة وعملا، وليستقم عليه من تاب عن الشرك والكفر ليكون معك ويشاركك في الإيمان، ولا تتجاوزوا الحد بإِفراط ممل أَو تفريط مخل.
﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾:
فيجازيكم على عملكم وفق ما علمه من أَدائكم له، فمن أَحسن فلنفسه، ومن قصر فعليها.
стр. 2027
وقد دلَّت الآية على وجوب اتباع المنصوص عليه، من غير انحراف عنه بمجرد الرأى، فإِنه طغيان وضلال.
وأَما العمل بمقتضى الاجتهاد المترتب على علل المنصوص، فذلك من باب الاستقامة أيضًا، لقوله تعالى: "فَاعْتَبِرُوا يَا أولِى الْأَبْصَارِ (١) " فإِنه أَمر بالقياس، ومثال ذلك قياس عصير القصب إِذا أسكر في الحرمة، على الخمر المنصوص على حرمتها - لعلة الإِسكار - المشتركة بينهما.
والغرض من توجيه الأمر بالاستقامة على أمر الله إلى نبينا محمد ﷺ في مقدمة من آمن وتاب - إلى الله وأَصبح في معيته، الغرض من ذلك أن يعلم الناس أَن عبادة الله وأوامره واجبة الاتباع حتى بالنسبة للأنبياء، وأنهم في مقدمة المكلفين بذلك، لأَنهم قدوة لأَقوامهم، فلا يباح لهم الخروج على أمره وعدم الاستقامة عليه بإِفراط، فإِن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أَبقى، ولا بتفريط فإِنهم مكلفون بكمال العمل، لأَنه حق له تعالى، وليكونوا أسوة لغيرهم، ولأَنه تعالى طيب فلا يقيل إلا طيبًا - كما جاءَ في الحديث الشريف.
ولقد كانت شدة الالتزام بكمال الامتثال من النبي ﷺ في هذه السورة وغيرها، داعية إِلي مشيبه ﷺ ، قال ﷺ : "شيبتنى هود والواقعة وأخواتهما" أخرجه الترمذي.
ومن هذا وأمثاله يعلم أنه لا طبقية في الإِسلام، فالكل عباد الله، وأنه لا فرق بين حاكم ومحكوم، ولا بين نبى وغيره في التزام شريعة الله ولهذا كان ﷺ يقول للزهراء ﵂: "اعْمَلِى فَإنِّى لَا أغنى عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا". وكان يقول أَيضًا: "وَالله لو سرَقَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُ يَدَها".
وقد أَوجب الله تعالى على عباده ما يسهِّل عليهم الاستقامة عليه من فعل الواجبات وترك المحرمات ولهذا قال ﷺ : "إن الدِّينَ يُسْر وَلَنْ يُشادّ الدّينَ أَحَدٌ إلا غَلَبَة، فَسَدّدُوا وقَارِبُوا، وأسْتَعينوا بالْغُدْوة والرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِن الدُّلْجَةِ". أخرجه البخاري عن أَبي هريرة في كتاب الحج - ومن تتبع التكاليف الشرعية وجدها سهلة ميسرة على
стр. 2028
القوى والضعيف والغنى والفقير، مع ما فيها من الترخيص لأصحاب الأعذار بالرخص الكثيرة، كإِسقاط الحجِ عن فاقد الاستطاعة، والصوم عن الحائض والنفساء والشيخ الفاني، وغير ذلك كثير.
ولما بلغ النبي ﷺ أن بعض الصحابة نذر أن يصوم ولا يفطر ويقوم الليل عابدًا ولا ينام، ولا يتزوج النساء، خطب في الصحابة ناهيًا عن ذلك وقال: "إنِّي لإخشَاكُم لله وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكنِّى أَصُومُ وأفْطِرْ وأصَلّى وأَرقُد وأتَزَرج النِّسَاء، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنتي فَلَيْسَ مِنِّي" أَخرجه الشيخان.
وكانت عبادته ﷺ وسطًا لا إِفراط فيها ولا تفريط، مراعاة للطاقة البشرية لأمته، أَخرج مسلم عن جابر بن سمرة قال: "كنْتُ أصَلِّى مع النَّبي ﷺ ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصدًا وَخُطْبَتُهُ قَصدا".
فعلى المسلمين أَن يستقيموا على أَمر الله، فإِن الدين يسر لا عسر، وليعلموا أَن الله مطلع على أعمالهم وعبادتهم ومجازيهم عليها حسب أَدائهم لها، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.
١١٣ - ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾:
بعد أَن أَمر الله رسوله والمؤمنين بالاستقامة على أمر الله دون إفراط أو تفريط جاءت هذه الآية ناهية عن الميل إلى الظالمين والتعاون معهم.
والمراد بالظالمين الكافرون، أو كل ظالم ولو كان مسلمًا، والمراد بالركون إليهم محبتهم والاعتماد عليهم، والأخذ بمشورتهم، وقد نهى الله في الآية عن ذلك الركون وتوعد عليه بمساس النار، فإذا كان هذا مآل من يميل إِليهم، فما ظنك بمن يشاركهم في عاداتهم، ويديم معاشرتهم، ويتزييّ بزيهم تقليدًا لهم، ويعاونهم على ظلمهم، لا شك أن عذابه يكون أَشد وأعظم، ولهذا تعتبر الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والوعيد عليه.
ومما جاء في السنة نهيا عن محبتهم ومعاونتهم قوله ﷺ : "مَنْ أَحبّ قومًا حَشَرَهُ اللهُ في زُمْرتهم" أخرجه الطبراني، وقوله: "مَنْ أعان ظالمًا ليَدْحَضَ بِبَاطِله حقًّا فقدْ بَرئَتْ منْه ذِمَّةُ اللهِ وذِمّةُ رَسُولِه" أخرجه الحاكم، وأَخرج البيهقي في شعب الإيمان عن النبي ﷺ قال: "مَنْ دَعَا لِظَالم بالبَقَاءَ فقدْ أحب أنْ يُعْصَى اللهُ في أرضه".
стр. 2029
فعلى كل مسلم أن يكون ولاؤه لله ولدينه ووطنه وإِخوانه المسلمين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾. (١) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ (٢).
وبالجملة فإن من أحب الظالمين أو أعانهم على ظلمهم عوقب بالنار بقدر حاله معهم، وكذلك من استعانوا بهم على قتال إخوانهم المسلمين أَو ظلمهم، أو بعثوا بطائفة منهم للقتال في صف من يريدون استعبادهم أَو ظلمهم.
قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٣).
وحكى الزمخشري في الكشاف أن الموفق الخليفة العباسي صلى خلف إِمامه فقرأَ الإِمام بهذه الآية فخر الموفق مغشيا عليه فلما أفاق قال هذا فيمن ركن إلى الظالم فكيف بالظالم؟.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾:
أي إذا ركنتم إلى الظالمين بأي وجه من الوجوه التي مر بيانها مسّتكم النار معهم ولن يستطيع أحد إنقاذكم أو إنقاذهم من عذاب الله كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ (٤).
ولا شك أن المسلمين يدركون من هذا التحذير، أَن عليهم أن يعتمدوا على الله وأن يكونوا كالبنيان المرصوص يشد، بعضه بعضا، وإن يحذروا موالاة الظالمين، وأَن يدركوا خبثهم وسوء طويتهم بالنسبة إليهم، فقد علموا ما قاسيناه من لؤم المستعمرين، وصداقتهم الزائفة، فقد استنزفوا دماءنا وأَموالنا، وأساءُوا إلى ديننا وأَخلاقنا، وعلى المسلمين أَيضًا أن يحولوا بين الظالم وظلمه، روى الإمام أحمد وأَصحاب السنن عن أَبي بكر - رضى
стр. 2030
الله عنه - أَنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرءُون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١) أَلا وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك الله أن يعمهم بعقابه، ألا وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِن الناس إذا رأوا المنكر بينهم فلم ينكروه يوشك أَن يعمهم الله بعقابه".
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾
المفردات:
﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: أوله وآخره، هما الغداة والعشي. ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: وساعات منه قريبة من النهار. ﴿وَزُلَفًا﴾: جمع زلفة - من أزلفه إذا قربه.
التفسير
١١٤ - ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾:
بعد أَن أَمر الله ورسوله والمؤمنين بالاستقامة، وأن يتركوا الركون إلى الظالمين، أَمرهم بما يعينهم على ذلك من اللجوء إِلى الله بأَداء الصلاة بضع مرات أَثناءَ الليل والنهار.
وقد وجه الأَمر في هذه الآية إِلى النبي ﷺ مع أن المراد به أمته معه - لأَنه إمام المؤمنين ورسولهم، فتكليفه تكليف لهم، إِلا ما نص على تخصيصه به كالتزوج بأَكثر من أَربع مجتمعات.
стр. 2031
والمعنى: وأدِّ الصلاة بأركانها وشروطها في طرفى النهار - الغداة والعشى - فأَما صلاة الغداة فهى الصبح، وأَما صلاة العشى، فهى الظهر والعصر، وأقم الصلاة أَيضا في ساعات من أول الليل، بأن تؤدى صلاتي المغرب والعشاء وبهذا التأويل تضمنت الآية الكريمة الصلوات الخمس التي كلف الله بها عباده المؤْمنين يوميا.
قال القرطبى: لم يختلف أحد من أَهل التأويل في أَن الصلاة في هذه الآية يواد بها الصلوات المفروضة وخصها بالذكر لأنها ثانية الإيمان وإليها يفزع في النوائب - وكان النبي ﷺ إِذا حزبه أمر فزعَ إلى الصلاة. اهـ.
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾:
هذا التعقيب تعليل للأمر السابق بأداءِ الصلاة، يشير إِلى أن الحسنات وعلى رأسها الصلاه تكفر السيئات وتذهب الآثام. فإِذا حدث من المؤمن انحراف عن الاستقامة، أو ميل إلى الطغيان، أو جنوح إلى الظالمين، وذكر المؤمن ربه وتاب وأَناب، وفزع إلى الصلاة، غفر الله له ما ارتكبه من آثام فإِن الصلاة كما تنهى عن الفحشاء والمنكر تطهر النفوس من الأدران والأَوشاب.
قال رسول الله ﷺ "أرأَيْتُمْ لَو أنَّ نَهْرًا بِبَابِ أحَدِكُمْ يغْتَسِل فِيه كل يَوْم خَمسًا، مَا تَقُولُ: يُبْقى ذَلِكَ مِنْ دَرَنه؟ قَالُوا لَا يُبْقى مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ فَذَلِكَ مَثلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ يَمْحُو اللهُ بِهَا الخَطَايَا".
أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلوات عن أَبي هريرة.
وجاءَ في سبب نزول هذه الآية "عن ابن مسعود أَن رجلا أصاب من امرأة قبلة حراما. فأتى النبي ﷺ . فسأله عن كفارتها فنزلت فقال الرجل أَلِىَ هذه يا رسول الله؟ قال لك ولمن عمل بها من أمتي" أَخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.
وفي معنى الآية يقول الرسول ﷺ : "اتَّق اللهَ حَيْثما كنتَ وأَتبع السيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحها وَخَالِقِ النَّاس بِخُلق حَسَن" رواه أحمد والترمذى والحاكم والبيهقي.
стр. 2032
وقد يمن الله على عبده إذا أحسن التوبة وأكثر الحسنات فيبدل سيئاته حسنات كما قال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (١).
١١٥ - ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾:
إن التزام الاستقامة والقصد، واجتناب الظالمين، وإقامة الصلاة في أَوقاتها تامة، الأركان والشروط، كل هذا يستدعي الصبر فلذا أمر الله به في هذه الآية كما أمر به في غيرها كقوله تعالى ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (٢).
وقد أوصى الله سبحانه بالاستعانة بالصبر والصلاة على أداء الطاعات واجتناب الموبقات حيث قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (٣).
فمن أطاع الله واتقاه وفاه الله أَجره كاملا لأَنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤).
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوبَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾
المفردات:
﴿لَوْلَا﴾: هلا. ﴿الْقُرُونِ﴾: جمع قرن، وقدَّره بعضهم بثمانين سنة، وبعضهم بسبعين سنة والجمهور على أنه مائة سنة، والمراد من القرون هنا أَهلها من الأمم السابقة.
стр. 2033
﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾: أصحاب روية وتفكير، وأطلق عليهم ذلك لأنهم لا يعجلون بإِبداء الرأى، بل يبقونه حتى يمحصوه، ويدركوا صوابه فيجهروا به.
﴿مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾: ما تنعموا به.
التفسير
١١٦ - ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوبَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾:
هذه الآية تشير إلى الأمم المهلكة التي ورد ذكرها في هذه السورة، لو كان فيهم كثير من العقلاء يقاومون الفساد ويضربون على أيدى الطغاة المستبدين ويحتكمون إِلى العقل المؤيد للرسالات السماوية، لو كان فيهم كثير من هؤلاء العقلاء الذين يكفونهم عن الفساد والإِفساد لما حقت عليهم كلمة العذاب، فإِن من سنن الله الكونية أن يأخذ الأمم بعذابه الشديد إذا عَمَّ فيهم الفساد وانتشر بينهم الضلال، وأصبح المعروف بينهم نادرًا، والمنكر شائعا ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١).
والمعنى: فهلا وجد من هؤلاء الأَقوام المهلكة الذين تقدم ذكرهم في هذه السورة هلَّا وجد منهم جماعة كثيرة أصحاب بقية من العقل والروية ينهونهم عن الفساد والإفساد في الأرض، لينجوا من الهلاك، لكن قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن ذلك فسلموا ونجوا منه.
﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾:
أَي إن القلة القليلة من العقلاء لم تستطع القضاء على الفساد، أما الكثرة الكاثرة الظالمة لنفسها فقد انغمست في الترف والنعيم وأَمعنت في الفساد والضلال. استجابة لما جبلت عليه من حب الجريمة والإِجرام فاستحقت الهلاك والدمار.
стр. 2034
١١٧ - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾:
وما صح ولا استقام عقلا أَن يهلك الله أهل هذه القرى بظلم وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم ويؤمنون بخالقهم، فإن إهلاكهم وهم مصلحون ينافي صفة الحكمة التي يتصف بها العليم الحكيم، وينافي السبيل الذي اختاره سبحانه لمعاملة عباده، وهو الذي جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٢) ".
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾
المفردات:
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: جماعة متحدة في الدين لا خلاف فيه بينها.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾: ووجب حكمه وقضاؤه الأزلى - ﴿الْجِنَّةِ﴾: الجن.
التفسير
١١٨ - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾:
ولو أَراد الله ربك أَن يكون الناس جماعة واحدة في دينها وتقواها واتزان عقولها، بحيث لا يقع من أحد منهم كفر ولا إفساد، لو أراد ربك ذلك لوقع، ولكنه لم
стр. 2035
يرده، بل خلقهم وأَودع فيهم العقل، وأَعطاهم الاختيار، ووضح لهم الطريق، وأَقام الحجة بإرسال الرسل حتى تكون عقيدتهم وعملهم بكسبهم واختيارهم، ولكنهم اختلفوا بسوء رأْيهم في هذا كله، وأضاعوا فطرتهم المستقيمة المفطورة على الحق إلا من عصم الله منهم فثبتهم عليه.
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾:
ولا يزال الناس مختلفين، بعضهم على الحق، وبعضهم على الباطل، بعضم يستعمل عقله، ويسترشد مما رسمه له الرسل فيهتدى، وبعصهم لا ينتفع بذلك، بل يتبع هواه فيضل ويغوى.
١١٩ - ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾:
أي لا يزال الناس مختلفين، بعضم على الحق وبعضم على الباطل، إلا من ﵏ ربك فهداهم ولطف بهم فإِنهم يتفقون على الدين الحق، ولا يختلفون فيه لأنهم يقبلون عليه سبحانه بقلوبهم وعقولهم فيحسن استقبالهم ويعينهم بفضله ورحمته.
﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: اللام في قوله ﴿وَلِذَلِكَ﴾ للعاقبة والإشارة راجعة إلى اختلاف الناس.
والمعنى: وخلقهم على الفطرة السليمة، لتكون عاقبتهم أَن يختلفوا، وما كان ينبغي لهم أن ينتهوا إلى ذلك، وقد منحهم الله العقل والتمييز، وأرسل إليهم الرسل ليهدوهم سواء السبيل، ويشهد لهذا التأويل قوله ﷺ : "كُل مَولودٍ يُولدُ عَلَى الفطرة فَأبوَاهُ يهودَانِهِ أوْ يُنَصرَانِهِ، أوْ يمجسَانِهِ" وقوله تعالىَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (١).
ومن العلماء من جعل الإشارة في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ إلى الرحمة في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.