(وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ):
وابيضت عينا يعقوب بسبب الحزن وما كان يسببة له من دوام البكاءِ، فهو مملوء من الحزن على أَولاده الغائبين، ومملوءٌ من الغيظ من أَولاد الحاضرين، وكان عماه هذا مؤقتا إِن صح القول به، وكان بعد أَن بلغ دعوة ربه، فلا يقال: إِنه من الأَمراض المانعة من التكليف بالرسالة. ومن العلماءِ من قال: إِن أَمره لم يصل إِلى حد العمى. فقد كان يرى إِلى حدٍّ ما.
فَإِنْ قِيل كَيف يكون نبيًّا ويبلغ به الحزن إِلى هذا الحد؟ قلنا أُجِيب عن ذلك بعدَّةِ أَجْوبة، خَيْرُهَا: أَنَّ الحزن ليس محظورًا، وإِنما المحظور الولولة وشق الثياب والكلام بما لا ينبغي. فقد روى الشيخان من حديثِ أَنس أَنه ﷺ بكى على ولده إِبراهيم وقال: "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ والقَلْبَ يَخْشَعُ وَلاَّ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِى ربَّنَا، وَإنَّا لِفِرَاقِكَ يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزونُونَ".
وقد بين الله شدة حزن يعقوب بقوله: (فَهُوَ كَظِيمُ): أي مملوءٌ من الحزن ممسك عليه لا يبثه.
ومِمَّا شَدَّد عليه الحزن حتى امتلأَ، ما روى عن ابن عباس أَنه كان يعلم أَن يوسف حَىُّ ولا يدرى أَين هو؟ انظر القرطبى والآلوسى.
(قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦))
المفرادت:
(تَاللهِ): أَي والله؛ فالتاءُ حرف يستعمل في القسم بالله خاصة.
(تَفْتَأُ): أَي ما زلت.
قال الكسائي: فَتَأُتُ وَفَتِئْثُ أَي ما زلتُ وقال الفراءُ: إِن الكلام هنا بتقدير
стр. 2137
(لا) أَي: (لَا تَفْتَأُ). وكثيرًا ما تضمر (لا) في جواب القسم كما فى قول امرئِ القيس:
فقلت يمين الله أَبرح قاعدًا … ولو قَطَّعوا رأْسِى لديكِ وأَوصالى
أَي بحق الله لا أَبرح، وهو رأْى الخليل وسيبويه، وعلَّلُوا جواز ذلك بأَنه لا يلتبس بالإِثبات إِذ لو كان على الإِثبات لوجب اقترانه باللام والنون كقولك: تَالله لأفعلنَّ كَذا.
(حَرَضًا): الحرض لُغَةً فساد الجسم أَو العقل من الحزن أَو العشق أَو الهَرَم كما قال أبو عبيد وغيره.
(بَثِّى): البث المصيبة التي لا قدرة لأحد على كتمانها فيبثها وينشرها.
التفسير
٨٥ - (قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ):
أَي قال أَولاد يعقوب لما سمعوه يردد الأَسف على يوسف بعد فجيعته في بنيامين دون أَن يذكر في أَسفه بنيامين - قالوا له: والله يا أَبانا لا تبرح تتذكر يوسف بعد مضى هذه السنين الكثيرة على فقده، وتبدى أَشد الحزن وأَغزر البكاء عليه، حتى تشرف على الهلاك أَو تكون من الهالكين حقيقة فخفف على نفسك ولا تتلفها بالهم والأَسى!
٨٦ - (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوبَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ):
قال يعقوب مجيبًا أَولاده عقب لومهم إِياه على حزنه الذي طال أَمده بعد فقده يوسف: - قال يعقوب لهم - ما أَشكو مصببتى التي لا أَستطيع إِخفاءَها، ولا أَشكو حزنى لأَحد إِلا إِلى الله فهو القادر على كشف التفسير، وأَتبع يعقوب كلامه هذا بما يفيد أَمله في رحمة الله فقال:
(وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ):
وأَعلم من شأْن الله ورحمته ما لا تعلمون، فقد كان يحيى بوجدانه النبوى الصادق وبما قام لديه من الأَمارات أَن يوسف حى لم يمت وأَنه وصل أَو سيصل إلى منزلة عظيمة بين الناس، وأَن شمل الأُسرة سوف يجتمع بزعامة يوسف.
стр. 2138
وأَول الشواهد على ذلك: رؤيا يوسف التي رآها في صباه؛ لقد رأَى أَحد عشر كوكبًا، ورأَى الشمس والقمر، رأَى هؤلاء جميعًا له ساجدين، فلما سمع يعقوب من يوسف هذه الرؤيا الصادقة أَدرك أنها ستتحقق، واوصاه أَن يكتمها عن إخوته حتى لا يكيدوا له.
وثانى هذه الشواهد: هذا القميص الذي جاءُوا به ملوثًا بالدم، زاعمين أن الذئب أكله وأَن الذي تلوث به القميص دمه، وكان القميص بغير تمزق، فأدرك أن قصة الذئب مخترعة مصنوعة إذ لو أكله لمزَّق قميصه. ولذا كذبهم فقال: "بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ".
وثالث هذه الأَمارات: ما أَخبره به أَولاده من سيرة عريز مصر نحوهم وعطفه عليهم، وضيافته لهم، فاحسَّ أَنهم يتحدثون عن أَمله المنشود ولذلك قال لهم:
(يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧))
المفردات:
(فَتَحَسَّسُوا): التحسس؛ طلب معرفة الشئِ بالحواس.
(ولَا تَيْئَسُوا مِنِ رَّوْحِ اللهِ): ولا تقنطوا من رحمته التي يحيى بها العباد.
التفسير
٨٧ - (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ٠ … ) الآية.
أَي يا بنىَّ ارجعوا إلى مصر حيث ينتظركم أخوكم الكبير فتعرَّفوا جميعًا من أَخبار يوسف وأَخيه، وابحثوا عنهما بكل قواكم جادّين دائبين، ولا تقنطوا من رحمة الله التي وسعت كل شئِ، إِنه لا يقنط من رحمة الله سبحانه إِلا القوم الكافرون، لجهلهم به وبصفاته، وأَما العالمون به فلا يقنطون بحال.
стр. 2139
واستدل بالآية جمع من العلماء على أَن الياس من رحمة الله كفر!
والجمهور على أن اليأْس من رحمته تعالى من الكبائر، اللهم إِلا إذا اقترن بما يدل على نسبته سبحانه إلى العجز عن تنفيس الكرب أو مغفرة الذنب، وأَيًّا ما كان الأمر فاليأس من رحمة الله من صفات الكفار، ومن أَسباب الكفر والعياذ باللهِ تعالى.
ووصية يعقوب ﵇ لبنيه في الآية الكريمة درس من دروس النبوّة في شحذ الهمم وتربية العزائم.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾
المفردات:
(وَجئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ): المراد من البضاعة هنا: الثمن والمزجاة المدفوعة التي يردها من يراها لرداءَتها من أزجيته إذا دفعته، والريح تزجي السحاب: تسوقه وتدفعه. وقال ثعلب: البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة اهـ. ومن معانيها القليلة كما ذكره صاحب القاموس، ولعل هذا المعنى هو المراد هنا.
стр. 2140
التفسير
٨٨ - (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ … ) الآية.
أَي فلما دخلوا على يوسف بعد ما رجعوا إِلى مصر امتثالاً لأمر أَبيهم! وإِنما لم يذكر هذا المطوىّ إيذانًا بمسارعتهم إلى الامتثال، وإِشعارًا بأَن هذا أَمر محقق لا يفتقر إلى الذكر والبيان. وهذه هي المرة الثالثة من ذهابهم إلى مصر.
(قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ)): خاطبوه بذلك تعظيمًا على حد خطابهم السابق، والمراد - كما قال الفخر الرازى وغيره - يأَيها الملك القادر المنيع.
(مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ): أَي الهزال من شدة الجوع - والمراد بالأَهل ما يشمل الزوجة وغيرها.
(وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ): قليلة القيمة. لا تصلح أَن تكون ثمنًا للطعام الذي نريده، قيل كانت بضاعتهم من متاع الأَعراب. صوفًا سمنًا. ونحوهما. وإنما قالوا ذلك ليكون باعثًا على الشفقة والرأْفة وتحريك عاطفة الرحمة. تمهيدًا لقولهم:
(فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ): أَي أَتممه لنا كعادتك.
(وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا): برد أَخينا إِلينا وهو الأَنسب بحالهم نظرًا إلى أَمر أَبيهم. وإنَّما سمَّوه تصدقًا - قصدًا إِلى استعطافه!
(إِنَّ اللهَ يَجْزِى الْمتَصَدِّقِينَ): بما هم أَهله. بل بما هو ﵎ أهله: بإختلاف ما ينفقونه. وإثابتهم بما هو خير منه في الآخرة والأولى.
٨٩ - (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ … ):
أَي قال يوسف ﵇ مُجِيبًا لإِخوته وقد هزَّه استعطافهم. وأَخذته الشفقة عليهم: هل علمتم قبح ما فعلتم بيوسف وأَخيه إِذ أَنتم جاهلون بقبحه فلذا أَقدمتم عليه. أَو جاهلون عاقبته!! - قال ذلك نصحًا لهم وتحريضًا على التوبة وشفقةً عليهم لما رأى عجزهم،
стр. 2141
ومسكنتهم، لا معاتبةً لهم وتثريبًا (١). . . إيثارًا لحق الله تعالى على حق نفسه فى ذلك المقام الذى يتنفس فيه المكروب ويتشفى فيه المغيظ المحنق. فلله تعالى هذا الخلق النبوى الكريم
٩٠ - (قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي. . .) الآية.
هذا استفهام تقريرى ولذا أكَّدوه بإِن واللام. قالوه استغرابًا وتعجبًا وفرحًا بنجاح تحسسهم الذى وصاهم أَبوهم به.
(قَالَ أَنَا يُوسُفُ): جوابًا عن مسأَلتهم وقد زاد عليه قوله:
(وَهَذَا أَخِي):- أى أخي من أَبوىَّ- مبالغة فى تعريفهم بنفسه. وتفخيمًا لشأن أخيه؛ وتحدُّثًا بنعمة الله عليهما قال:
(قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا): بالخلاص مما ابتلينا به والاجتماع بعد الفرقة، والعزة بعد الذلة والأنس بعد الوحشة، ثم علل ذلك بقوله:
(إنَّهُ مَن يَتَّقِ): الله فى جميع أحواله.
(وَيَصْبِرْ): على أداءَ طاعاته وتجنب معاصيه.
(فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ): أى فإن الله لا يضيع أجرهم، وعبر عنهم بالمحسنين، ليشير بذلك إِلى أن أهل التقوى والصبر هم أَهل الإِحسان، وهم الأحقاءُ بجزاءِ الله العظيم وإحسانه ورحمته فى الدنيا والآخرة. قال تعالى: " هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ" (٢). وقال تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (٣).
стр. 2142
(قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ ءآثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)
المفردات:
(تَاللهِ): أَي والله. وتقدم قريبًا أن التاءَ حرف للقسم باللهِ خاصة.
(آثَرَكَ): اختارك وفضَّلك.
(لَخَاطِئِينَ): لمذنبين متعمدين.
(لا تَثْرِيبَ عَلَيكُمْ): لا لوم عليكم ولا تأْنيب؛ يقال ثَرَبه يَثْربه وثَرَّبه إذا بكَّته بفعله وعدَّد عليه ذنوبه.
التفسير
٩١ - (قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَينَا وَإن كُنَّا لَخَاطِئِينَ):
أَي قال إِخوة يوسف تصديقًا له ﵇ واعترافًا بخطيئتهم: والله لقد اختارك الله وقدَّمك علينا بما ذكرت من النعوت الجليلة التي أَنعم الله بها عليك. وإِن الشأْن والأَمر الذي لا ريب فيه أَننا كنا مذنبين متعمدين إِذْ فعلنا ما فعلنا. وفرقنا بينك وبين أخيك!!
ولقد أَكدوا قولهم هذا بعدّة تأكيدات إِشعارًا بالتوبة والندم على ما كان منهم، وانتظارًا للصفح عنهم .. وهو ما حكاه الله بقوله:
٩٢ - (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ):
أَي لا لوم عليكم ولا تأْنيب في هذا اليوم الذكر هو مظنة للمؤاخذة والعاتبة فما ظنكم
стр. 2143
بالأَيام التي بعدِه؟! عما عنهم ﵇ عفوًا لا مؤاخذة معه وهذا هو الصفح الجميل؛ ثم دعا لهم بمغفرة الله تعالى فقال:
(يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ): لأَن كل رحمة من غيره سبحانه وإِن عظمت فهي مستمدة من رحمته.
وفي ختام دعائه بقوله: (وَهُوَ أرحَمُ الرَّاحِمِينَ) إِشارة إلى وثوقه بإِجابة دعائه لأَنه عفا عنهم، فالله ﵎ أَولى منه بالعفو عنهم والرحمة لهم! والذي أَشرنا إِليه من الوقف على "اليوم" وأَن الجملة بعده دعائية مستأْنفة هو اختيار الطبرىّ وابن إسحاق غيرهم. قال الآلوسى: وهو الذي يميل إِليه الذوق.
ويجوز الوقف على قوله: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ): والاستئناف بقوله: (الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ): والمعنى في هذا اليوم العظيم يغفر الله لكم ويرحمكم وهو أَرحم الراحمين. وقد استشهد الرسول ﷺ في عفوه عن قريش بما حدث من يوسف مع إِخوته. إِذ قال في خطبته يوم الفتح الأَعظم: "يا معشر قريش ما ترون أَني فاعل بكم؟! قالوا خيرًا أَخ كريم وابن أَخ كريم، قال فإِني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: "لا تَثْريبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، اذهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ".
٩٣ - (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ):
عَلِمَ يوسف ﵇ بطريق الوحي أَو بسؤال إخوته أَن أَباه فقد بصره أو كاد -فأَمر إِخوته أَن يذهبوا بقميصه الذي كان يلبسه حينئذ فيلقوه على وجه أَبيه فتتم البشارة بعود بصره كما كان أَو أَحسن مما كان، وفي قوله: (وَجْهِ أَبي) دون أَبيكم لطيفة يوسفية لا تخفى على ذى فطنة إِنها تشير فيما تشير إلى أَن الحنان الأَبوى الذي فقدوه في غيبة يوسف سيعود إليهم جميعًا بسببه في لَمِّ الشمل واكتمال الأَهل كما أَشرنا إلى ذلك آنفًا في تفسير قوله تعالى حكايةً عن أَبيهم ﵇: "وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَاَ لَا تَعْلَمُونَ".
وقوله: (يَأْتِ بَصِيرًا): جواب الأَمر أي يَصِرْ بصيرًا.
стр. 2144
(وَأْتونِي بأهْلِكُمْ أْجْمَعِينَ): المراد بأَهلم نساؤهم وذَرَارِيهم والعاملون معهم من خدمهم، دعاهم للإِقامة في جواره آمنين.
ولم يذكر الإِتيان بأَبيه لا لكونه داخلا في الأَهل، فإِنه يجل عن التبعية بل ليتفادى أَمر الإِخوة أَن يأْتوا بأَبيهم لأَن فيه نوع إجبار على مَن يؤتى به فهو ﵇ موكول إِلى اختياره ومحبته وشوقه، ولا شك أَن هذا من أَدب النُّبُوَّةِ والبُنُوَّةِ مَعًا!
(وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥))
المفردات:
(فَصَلَتِ الْعِيرُ): خرجت القافلة؛ يقال فصل من البلد يفصِل فصولا إِذا انفصل منه وجاوز حيطانه. (تُفَنِّدُونِ): تنسبوننى إلى الفَنَد وهو الخرفُ وفساد العقل من الْهَرَم والشيخوخة، وفي معناه ما قاله ابن عباس: لولا أَن تُسَفِّهون. (ضَلَالِكَ): ذهابك عن الصواب وبعدك عنه.
التفسير
٩٤ - (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ)
ولما خرجت قافلة بني يعقوب من عريش مصر أَو حدودها قاصدة مكان يعقوب ﵇، وكان قريبًا من بيت المقدس، (قَالَ أَبوُهُمْ): لمن كان بحَضْرَتِهِ من ذوى قرابته، (إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ): أَي إِنِّي لأَشُمُّ ريح يوسف.
стр. 2145
أَوجد الله سبحانه ما عَبِقَ بالقميص (١) من ريح يوسف في نفحة طيبة هبت على يعقوب فَعَرَف ريحه وبينهما مسافات بعيدة.
(لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ): أي لولا تفنيدكم إيَّايَ بنسبتى إِلى الخرف من الشيخوخة لصدقتمونى في أَنني أَجد ريح يوسف حقيقة غير متوهم ولا مخطئِ.
قال مالك ﵁: إنما أوصل ريحه من أوصل عرش بلقيس قبل أن يرتد إلى سليمان ﵇ طَرْفُه -انظر القرطبى، وستأَتى بقية الحديث عن ذلك في التفسير.
٩٥ - (قَالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ): أي قال الحاضرون عنده وقتئذ والله إِنك لا تزال تعيش في خطئك القديم بالإِفراط في محبة يوسف والإِكثار من ذكره وتوقع لقائه، وكانوا يظنون أَن يوسف قد مات.
(فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)
التفسير
٩٦ - (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا)
أَي فلما جاءَ البشير الذي حمل قميص يوسف من بني يعقوب، أَلقى القميص على وجهه امتثالًا لأمر يوسف، فعاد يعقوب بصيرًا تام البصر كما كان أو خيرًا بما كان، لمجرد إلقاءِ القميص على وجهه، قيل: إن هذا البشير هو الذي حمل القميص الملطخ بالدم الكذب
стр. 2146
بعد إلقاءِ يوسف في البئر، فقد روى عن ابن عباس أَنه قاله لإِخوته: قد علمتم أَنى ذهبت إِلى أَبي بقميص التِّرحة فدعونى أَذهب إِليه بقميص الفرحة، أَراد أَن يمحو السيئة بالحسنة.
فتركوه يتقدمهم استعجالا بنعمة البشارة، وهم على أَثره، وحكى السُّدِّىُّ أَنه يهوذا، وأَنه قال ليوسف: أَنا الذي حملت إِليه قميصك بدم كذب، وأَنا الذي أحمله إِليه الآن لأَسره وليعود إِليه بصره -والله أَعلم.
والظاهر أَن يوسف ﵇ علم بالوحى أَن إِلقاءَ القميص على وجه أَبيه يرد إِليه بصره بإذن الله تعالى.
وقيل: إِن يوسف لما علم أَن أباه عرا بصره ما عراه من كثرة البكاء عليه بعث إِليه قميصه ليجد ريحه، فيزول بكاؤُه ويفرح قلبه فرحًا شديدا فعند ذلك يزول الضعف ويقوى البصر، بل يقوى الروح والبدن كلاهما، ولا عجب، فللسرور والفرح بإِذن الله آثار حسية ومعنوية لا تنكر.
(قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ): هذا خطاب لبنيه القادمين وفي مقدمتهم البشير، يذكرهم -وقد عاد بنعمة الله بصيرا- بما قاله لهم حين ابيضت عيناه من الحزن، وهو أَنه يعلم من أَمر يوسف وحياته ما لا يعلمون، وكان هذا العلم إِلهاما من الله وطمأَنَةً منه على أَن يوسف لا يزال حيا، أَما بكاؤُه عليه فهو بكاءُ شفقة وحرمان من رؤيته يأْسا من حياته، ولهذا قال لبنيه: "اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ .... " الآية.
стр. 2147
﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾
التفسير
٩٧ - (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا):
طلبوا منه ﵇ أَن يستغفر لهم، ونادَوه بعنوان الأُبُوَّة تحريكا للعطف والشفقة، وعلَّلُوا ذلك بقولهم:
(إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ): مذنبين متعمدين، يرجون بذلك الاعتراف أَن يصفح عنهم وَيستَغْفِرَ لَهُمْ فإِن من اعترف لأبيه بذنبه نادما، كان أَدنى إِلى عفوه واستغفاره الله له.
قال القرطبى: وإِنما سأَلوه المغفرة لأَنهم أَدخلوا عليه من أَلم الحزن ما لم يسقط المأْثم عنهم إلا بإِحلاله. وهذا الحكم ثابت فيمن آذى مسلما في نفسه، أو ماله أو غير ذلك ظالما له؛ فإنه يجب عليه أن يتحلل له ويخبره بالمظلمة وقدرها، ثم قال: وفي صحيح البخاري وغيره عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له مظلمة لأَخيه من عِرْضِه أَو شئٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه اليوم، قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخِذَ منه بقدر مظلمته (١) وإن لم يكن له حسنات أُخِذ من سيئات صاحبه فَحُمِلَ عليه". -انظر القرطبى. والمراد بتحلّلِهِ منه اليوم أن يستبرئ منه ذمته في الدنيا.
٩٨ - (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي):
اعترفوا لأَبيهم بذنوبهم كما اعترفوا لأَخيهم بها ولكن أَخاهم بادر بالاستغفار لهم وهم لم يطلبوه منه؛ وأَما أَبوهم فوعدهم باستغفار ربه لهم في المستقبل، وختم وعده بهذه الجملة المؤَكدة بعدَّة تأْكيدات فقال:
стр. 2148
(إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ): وبذلك تم الجوابان الحكيمان؛ جواب الصديق وجواب أبيه ﵉ على اعترافات إخوة يوسف بالذنب، وقد عرف من جواب الصديق أَنه عفا عنهم فورًا وعرف من جواب أَبيه أَنه وعد بالاستغفار لهم، ولم يعجل بالعفو عنهم، وعن السر في ذلك الاختلاف أَجاب السيد محمد رشيد رضا في تفسيره الخاص بسورة يوسف بما خلاصته: أَنَّ حال يوسف مع إِخوته هي حال الحاكم القادر، بل الملك القاهر مع المسئِ إِليه الضعيف لديه، الذي كبرت إِساءَته فاستحيا من طلب غفرانها، فتبرع أَخوهم بغفرانها تأْمينا لهم من خوف الانتقام وكان قادرًا عليه، وتعجيلا لهم بسرور الحياة التي جعل الله أَزمتها في يديه، فكان المثل الأَعلى في حسن الأُسوة، وما ينبغي أَن يكون عليه الإخوة، وأَما حال أَبيهم معهم فإنها حال المربى المرشد للمذنب الذي لا يخشى منه انتقاما، وليس من حسن التربية أَن يُرِيَهُم أَن ذنبهم هيّنٌ لديه، فليس بينهم وبين غفرانه لهم إِلا كلمة يقولونها بأَلسنتهم، على أَن ذنبهم كان موجها إليه وإلى يوسف وأخيه، فمن العدل أَن يكون استغفاره لهم، بعد علمه بحالهم مع أَخويهم ولم يكن على علم بعفو يوسف عنهم.
ثم إِن ذنوبهم من الذنوب العِظام التي طال عليها الأَمد، والتي لا تغفر -بحسب شرع الله وسنته- إِلاَّ بتوبة نصوح تجدد حياتهم. اهـ ما قاله السيد رشيد ملخصا هذا، وقد رُوىَ عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أَن يعقوب ﵇ أخَّر الاستغفار لهم إلى السَّحَر لأَن الدعاءَ فيه مستجاب، وروى عنه أَيضا أَنه أَخَّرَه إلى ليلة الجمعة، وفي رواية عن طاووس سحر ليلة الجمعة، وجاءَ ذلك في حديث طويل رواه الترمذي وحسَّنَه عن ابن عباس برفعه إلى النبي ﷺ .
стр. 2149
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾
المفردات:
(آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ): ضمهما إليه.
التفسير
٩٩ - (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ … ) الآية.
هُنا كلام مطوى دل عليه السياق ومعناه، أَنَّ إِخوة يوسف بَلَّغوا أباهم وسائر أَهلهم أَن يأْتوا إليه جميعا ليقيموا معه استجابة لطلبه، وأَخبروهم بمكانة يوسف ومنزلته في مصر، وأَنه الحاكم المفوض فيها من قبل الملك. لذلك ارتحلوا من بلاد كنعان قاصدين إلى مصر حتى بلغوا مقَرَّ الملك.
(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ) استقبلهم استقبالا كريما بدأَه بأَن:
(آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) أَباه وأَمه، وكانت على قيد الحياة كما هو ظاهر القرآن الكريم -وقيل إِنها ماتت وهذه أُختها. وكان أَبوه قد تزوجها بعد وفاة أُمه. والخالة بمنزلة الأُم، كما أَن العم بمنزلة الأَب، ولكننا نرجح الظاهر من النص، لأَنه لم يثبت لدينا ما يخالفه، والمراد من إِيوائِهما إِليه أَنه جمعهما معه في قصره الخاص به، تكرمةً لهما ومبالغةً في البرِّ بهما، وقال لهما ولسائر أهله:
(ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) أَمنًا عامَّا شاملا، على أَنفسكم ومواشيكم من الجوع والخوف وسائر المكَاره. ولعل سنى القحط لم تكن انتهت بعدُ. ولا غرابة في هذه السماحة والكرم من يوسف ﵇، فهو كريم من سلالة رسل كرام (١).
стр. 2150
ومعنى قوله ﵇: "ادخُلُوا مصرَ" وهم قد دخلوها -معناه: أقيموا فيها كما روى عن ابن عباس ﵄ وكأن الأمر بدخولها عبارة عن الإذن باستيطانها.
وقيل إن يوسف ﵇ لما علم باقترابهم خرج يتلقاهم في موكب عظيم، وضرب مضربا على مقربة من حدود مصر للنزول فيه، وفي هذا المنزل آوى إليه أبويه. وقال لهما ولبقية الركب: "ادخُلوا مصر إن شاء الله آمنين". وتعليق دخولهم آمنين، بالمشيئة الإلهية للتيمن والتبرك، وللتبرؤ من حوله ﵇ ومشيئته وقوته، إلى حول الله ﵎ ومشيئته وقوته وفضله العظيم.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾
المفردات:
(العرشِ): سرير الملك. (البدو): البادية. وأصل البدو المبسوط من الأرض، سمي بذلك لأن ما فيه يبدو للناظر لعدم ما يواريه.
(نزغ): أفسد وأغرى. وأصله من نزغ الرائض الدابة؛ إذا همزها وحملها على الجري.
стр. 2151
التفسير
استقبل يوسف أَبويه وأَهله بعد غيبة طويلة حدثت فيها تلك الأَحداث التي مر بيانها في السورة الكريمة.
١٠٠ - (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ): وخَصَّ أَبويه بمزيد من التّجلة والإكرام، فأَجلسهما على له سريره الذي يجلس عليه لتدبير الملك إذ هو الملك صاحب السلطان في الحقيقة.
(وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا): أَي وخرَّ أَبَوا يوسف وإِخوته له خاضعين. وصورة الخضوع لم يأْتنا بها نص شرعى. فتحمل على ماكان معروفا يومئذٍ في تعظيم الملوك والله تعالى أَعلم.
أما القول بأَن سجودهم هذا كان لله، وإِليه سبحانه يعود الضمير في قوله:
(وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) فينافيه ما جاءَ في أَول السورة: "وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ".
قال القرطبى: وأَجمع المفسرون أَن ذلك السجود على أَي وجه كان فإِنما كان تحيّة لا عبادة. وعلى أَثر سجودهم هذا ذكَّر يوسف أَباه برؤياه في صباه.
(وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ): أَي أَن هذا السجود منكما ومن إِخوتى هو المآل الذي آلت إِليه رؤياى التي رأَيتها في صغرى إِذ "رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ".
(قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا): أَي أَمرًا واقعًا لا ريب فيه وقد رأَيتموه الآن رأْى العين. فإِخوتى مثال الكواكب الأَحد عشر وأَنت وأمي مثال الشمس والقمر.
ثم أَثنى على ربه شاكرًا لأَنعمه فقال:
(وَقَدْ أَحْسَنَ بِي): ربي إِحسانًا عظيمًا.
стр. 2152
(إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ): معزَّزًا مُكرَّمًا. إِلى عرش الملك والسيادة.
(وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) حيث كنتم تعيشون في شظف البادية وخشونة العيش، واضطراب الأَمن -إِلى الحضر- حيث تعيشون في رغد واستقرار آمنين.
قال الزمخشرى: كانوا أَهل عَمَدٍ (١) وأَصحاب مواش يتنقلون في الحياة والمناجع: اهـ
وفي الآية إِشارة إِلى تفضيل الحضارة على البداوة ولم يذكر ﵇ خروجه من الجب لئلا يُخجل إِخوته بعد أَن قال لهم: "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُم". ثم أَتم حديثه لأَبيه قائلًا:
(مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي): أي وقد أَحسن بي ربي وأَنعم على بهذه النعم من بعد ما أَفسد الشيطان بيني وبين إِخوتى، حيث أَتلف عاطفة الأَخوة وقطع مودة القربي، فأَنت ترى من حديث يوسف ﵇ أَنه جعل الإِغراءَ بالشر والقطيعة مشتركًا بين الشيطان وبين إِخوته فتقع تبعته عليه وعليهم، ليخفف بذلك شعورهم بالندم على ما اقترفوه في حقه، وهذا من كمال أَدبه وتواضعه وكرمه.
ثم أَشار إلى لطف الله وتدبيره له حتى بلَّغه هذه المنزلة فقال:
(إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ): أَي لطيف التدبير لما يشاؤه. حتى يجيءَ على وجه الحكمة والصواب، فإِذا أَراد أَمرًا هيأَ له أَسبابه وقدَّره ويسره، وإِن كان في غاية البعد عما يخطر بالبال.
وهل كان يخطر بالبال أَن الإِلقاء في الجب يفضى إِلى السجن وأَن السجن يفضى إلى العزة والملك؟!
(إِنهُ هُوَ الْعَلِيمُ): بمصالح عباده. (الحَكِيمُ): في أَقواله وأَفعاله وقضائه وقدره.
стр. 2153
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾
المفردات:
(تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) تفسيِر ما غمض منها، والمراد هنا تفسير الأَحلام.
(فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ): خالقهما على غير مثال سابق.
(وَلِيِّى): ناصرى ومعينى.
التفسير
غمر الله يوسف بنعمه الجزيلة حيث نَجَّاه من تآمر إِخوته عليه، وعصمه من السوءِ والفحشاءِ، ورد من كيد امرأَة العزيز وصواحبها، وبرأْه مما اتَّهَمَتْهُ به، وأَخرجه من السجن عزيزًا كريمًا، وبوأَه من الملك، وجمع بينه وبين والديه، وأَصلح بينه وبين إِخوته، فاتجه إِلى ربه بالحمد والثناءِ ضارعًا إِليه أَن يتم نعمته عليه في الأَخرة كما أَتمها عليه في الدنيا قائلا:
١٠١ - (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ):
يا إِلهى يا من ربيتنى وكفلتنى، وأَنعمت علَّى فوهبتنى نصيبًا وافرًا من الحكم والسلطان وعلمتنى ما لم أَكن أَعلم من تفسير بعض الأَمور الغيبية وشرح الأَحلام الغامضة.
(فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ):
أَي يا خالق السموات والأَرض على غير مثال سبق، فكانت على هذا النحو العجيب، ورفعت كل كوكب في السماء في فلكه المرسوم ومداره المعلوم "وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ". إِنك متولي أَمرى في الحياة الدنيا وفي دار البقاءِ، أَضرع إِليك خاشعًا -داعيًا أَياك:
(تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ):
أَي أَسأَلك أَن تتوفانى مؤمنًا بك مخلصًا لك وأَلحقنى يارب بالصالحين من عبادك.
стр. 2154
وفي طلب يوسف من الله سبحانه أَن يلحقه بالصالحين إِشارة إِلى أَن مرتبة الصلاح رفيعة القدر وأَن طلبها لا يقتصر على المؤْمن العادى بل تهفو إِليها نفوس الأنبياء.
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾
المفردات:
(أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ): أَحكموا تدبيرهم.
(يَمْكُرُونَ): يتآمرون وَيَحْتالُون.
التفسير
ما كان النبي ﷺ يعلم أَخبار يوسف ولا غيره من الأَنبياءِ السابقين إلا بوحي من الله تعالى، ولهذا عقب ما سبق من قصة يوسف بقوله جل من قائل:
١٠٢ - (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ):
أَي هذا القصص تناول أَحداثًا تاريخية تفصلك عنها آلافُ السنين، فهو من أَخبار الغيب، أَوحيناها إِليك ليعلم قومك ويعلم أَهل الكتاب أَنك صادق فيما ترويه عن الله وكلهم يعلمون أَنك أَمي لا تقرأُ الكتاب مطلقا كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (١)﴾
(وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ)
أَي وما كنت يا محمد حاضرا مع إِخوة يوسف حينما أَجمعوا أمرهم، واحكموا تدبيرهم على الكيد له ﵇ في خبث واحتيال، حيث تآمروا على إِلقائه في الجب، وادعاءِ أَن
стр. 2155
الذئب أَكله، وإِحضار قميصه لأَبيه ملوثا بدم كذب، فروايتك لتلك الأَحداث شاهدة بأَنك تلقيتها من العليم الخبير الذي أَنزل عليك القرآن مشتملا عليها وعلى غيرها من أَحداث القصة بتفصيل دقيق محكم.
وكما أَنه ﷺ لم يكن عند إِخوة يوسف وهم يمكرون به، فإِنه لم يشاهد سائر أَحداث القصة التي جاءَت بها السورة، ولم يكن عند ذويها وقت حدوثها. وإِنما اكتفى النص بما كان من إِخوة يوسف لأَنه مفتاح الأَحداث كلها، فهو رمز إِليها، أَلا ترى أَنه قد جاءَ عقب قوله سبحانه: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ). أَي ذلك الذي تقدم في السورة من أَحداثها.
ومع أَن المفسرين قد أَجمعوا على إِرجاع الضمير في (لَدَيْهِمْ) إِلى إِخوة يوسف لمكرهم به فإِنه يمكن إِرجاعه إِلى جميع من مكر به، سواءٌ كانوا إِخوته أَو امرأَة العزيز وصاحباتها أَو غيرهم.
(وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)
التفسير
١٠٣ - (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ):
كان ﷺ شديد الحرص على إِيمان قومه، وكان يرجو هدايتهم بعد سماعم قصة يوسف الموافقة لما في التوراة، فلما لم يؤْمنوا نزلت هذه الآية يواسى بها الله رسوله وَيُسَرِّى عنه ما يقاسيه من أَحزان لانصراف معظم أَهل مكة عن دعوة الحق التي جاءَهم بها، وإِمعانهم في المكابرة والضلال مع ظهور آياتها وبراهينها، فيُقَرِّرُ له سبحانه أَن هذه الظاهرة هي طبيعة معظم الناس لا أَهل مكة وحدهم، فكأَنه تعالى يقول لرسوله: وما أَكثر أَهل الأَرض بمؤْمن ولو حرصت على إِيمانهم، وبالغت في إِقامة الحجج والبراهين لهم، فإِن عقولهم تتحكم فيها أَهواؤُهم وتقليدهم لآبائِهم.
стр. 2156
فليس غريبا أَن ترى معظم قومك "يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ" (١). "فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ" (٢): "وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٣) ".
١٠٤ - (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ):
إِنك تدعوهم إلى ما فيه فلاحهم في الدنيا والآخرة وتهديهم إِلى الرشاد، وتخرجهم من الظلمات إلى النور ولا تطالبهم بأَجر يقدمونه إِليك نظير هدايتم وإِرشادهم، فإِنما أَجرك على الله وحده وما الكتاب الذي أَنزله الله عليك إِلا تذكرة لأَصحاب العقول الراجحة والبصائر المميزة من أَهل الأرض جميعًا لعلهم يعتبرون ويتعظون، وليس خاصا بأهل مكة "وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ" (٤).
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾
المفردات:
(وَكَأيِّن مِّنْ آيَةٍ): وَكم من علامة دالة على وجود الصانع ووحدته وقدرته وسائر صفاته.
стр. 2157
(مُعْرضُونَ): منصرفون. (غَاشِيَةٌ): كارثة كبرى تغمرهم.
(السَّاعَةُ): القيامة. (بَغْتَةً): فجأَة دون توقع أَو انتظار.
التفسير
١٠٥ - (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ):
جاءَت هذه الآية الكريمة لتبين أَن قريشا لم تكتف بالإِعراض عن القرآن الكريم، بل يعرضون أَيضا عن آيات الله الكونية الكثيرة التي بثها في آفاق السماوات وأَرجاء الأرض والتي تدل على وحدانية الله وسائر كمالاته، وتستلزم إِفراده تعالى بالعبادة، وكلما مروا عليها أَغمضوا عيونهم وكفوا بصائرهم، فلا هم آمنوا بالآيات القرآنية ولا تدبروا الآيات الكونية، وإِنما آثروا العمى على الهدى وفضلوا الضلال على الرشاد في عناد ولجاج.
"أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ" (١).
١٠٦ - (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ):
وما يؤْمن أَكثر هؤلاءِ بالله تعالى وأَنه هو الخالق، إِلاَّ وكان إِيمانهم به مشوبا بالشرك، فإِذا سأَلتهم عن خلق السموات والأَرض قالوا خلقهن الله وهم مع ذلك يشركون به في العبادة.
وفي الصحيحين أَن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهيم: "لبيك لا شريك لك، إِلا شريك هو لك، تملكه وما ملك".
١٠٧ - (أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ): أَي أَن هؤُلاءِ المعرضين عن آيات الله المنزلة وآياته الكونية، يعرضون أَنفسهم لغضب الله وعذابه الشديد في الدنيا والآخرة
стр. 2158
فهل أَمنوا أَن ينتقم الله منهم في الدنيا فيصيبهم بكارثة تغشاهم وتبيدهم. مثل الزلازل والبراكين والشهب والصواعق والأَعاصير والعواصف.
(أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ):
وهل أَمنوا أَن تنتهى حياتهم فجأَةً بأَن تباغتهم الساعة بأَهوالها وشدائدها دون شعور بمقدمها وقبل أَن يتوبوا وينيبوا إِلى الله، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى:
"بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ" (١).
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾
المفردات:
(سَبِيلِي): طريقى وطريقتى.
(عَلَى بَصِيرَةٍ): على يقين ناشئٍ من وحي الله وآياته وحججه.
التفسير
١٠٨ - (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي):
قل يا محمَّد لهؤلاءِ المعاندين المكابرين هذه هي طريقتى ومنهجى أَدعو إِلى عبادة الله وحده على يقين ثابت، ناشئٍ عن وحى الله تعالى، وقائم على الحجة البينة والبرهان الواضح أَدعو إِلى الله كذلك أَنا ومن اتبعنى من المؤمنين.
وقد استفيد من الآية الكريمة أَن القادرين على الدعوة إِلى الله تعالى من علماءِ المسلمين ينبغي أَن يتحملوا نصيبهم فيها، ويقوموا بها خير قيام، كما قام أَسلافهم من قبل.
стр. 2159
(وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ):
أَي وقل لهم يا محمد أُنزه الله وأَجله عن أَن يكون له شريك أَو نظير أَوْ وَلَدٌ أَو صاحبة ولست أَنا ولا أَصحابي من المشركين لا شركًا خفيًّا ولا شركًا ظاهرًا بل نعبد الله. "مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١) ".
وهذا هو المنهج القويم، والصراط المستقيم.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾
التفسير
١٠٩ - (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى):
لَسْتَ -يا محمَّد- بدعًا من الرسل فجميع من أَرسلناهم قبلك بشر لا ملائكة أوحينا إِليهم شرائعنا وأَمرناهم بإِبلاغها إِلى أَقوامهم وهم ليسوا غرباءَ عنهم بل هم منهم يتحدثون بألسنتهم كما قال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ" (٢).
فكل قوم يعرفون رسولهم وما اشتهر به بينهم من الصدق والأَمانة حتى لا تكون لهم حجة على تكذيبه والإِعراض عنه، وكان الرسل من أَهل القرى دون أَهل البوادى، لأن أَهل القرى فيهم عقل وحلم، وأَهل البوادى على العكس منهم.
стр. 2160
(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ):
أقَعَدَ قومك فلم يتنقلوا في أَرجاءِ الأَرض ليروا كيف كان مصير الأُمم السابقة بعد ما كذبوا رسلهم وأَصروا على تكذيبهم، كلا. فإِنهم ساروا في الأرض وعرفوا أَنه تعالى أَصابهم بالهلاك والتدمير والاستئصال، وهم يمرون عليهم في أَسفارهم كما قال تعالى:
(ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" (١) فلماذا لا يتعظون بما شاهدوا.
(وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ):
أَي ولثواب الدار الآخرة للمتقين خير وأَبقى من لذات الدنيا الفانية، وشتان بين دار الفتنة والابتلاءِ والزوال، ودار الخلد والبقاءِ والنعيم المقيم، كما قال سبحانه: "لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ" (٢)
فهلا استعملتم عقولكم فاعتبرتم بأَحداث الحياة وعلمتم أَن العاقبة للمتقين.
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾
المفردات:
(اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ): أَغرقوا في اليأْس والقنوط.
(وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا): أَي رجح عندهم أَن نفوسهم حدثتهم بالنصر وكانت كاذبة في حديثها. (بَأْسُنَا): عذابنا.
стр. 2161
التفسير
١١٠ - (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ):
هذه الآية مرتبطة بجمل مقدرة دل عليها السياق، والتقدير: لا تَغْتَرَّ قريش بما هي فيه من السلام وعدم العقاب على كفرهم حتى الآن، فإِن من قبلهم من الكفار قد أُمهلوا، حتى إِذا أَيس الأَنبياءُ المرسلون اليهم من إِيمانهم لتماديهم في الطغيان والتكذيب من غير وازع وتوهموا أَن نفوسهم كذبت عليهم حين توقعت النصر على من كفر بهم وعقابهم في الدنيا -حتى إِذا حدث كل ذلك- جاءَهم نصر الله فجأُة فأنزل الله بهم العذاب ونَجَّى الله منه من يشاءُ إِنجاءَه وهم المرسلون ومن آمنوا بهم، ولا يمنع أَحد عذاب الله عن القوم الذين أَجرموا بكفرهم إِذا قدره عليهم، فاعتبروا يا أَهل مكة بسنن الله فيمن كان قبلكم، واحذروا أَن يحل بكم ما حل بهم، فإِن الله ينصر رسله ولو بعد حين.
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾
المفردات:
(عِبْرَةٌ): عظة. (لِأُولِي الْأَلْبَابِ): لأَصحاب العقول.
(يُفْتَرَىْ): يخترع ويلفق.
(بَيْنَ يَدَيْهِ): ما تقدم عليه.
стр. 2162
التفسير
١١١ - (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ):
انتهت قصة يوسف ﵇ بهذه الآية الكريمة، التي أَبرزت الهدف منها ومن أَمثالها، وهو العظة والاعتبار والإِيقان بأَن العاقبة للمتقين، وأَن الهلاك والدمار للمجرمين وهى نهاية يدركها أَصحاب العقول الراجحة والبصائر المستنيرة الملهمة.
(مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى):
ما صح ولا استقام عقلا أَن يكون هذا القرآن الكريم حديثًا يفتريه بشر على الله فيما جاء به من قصص الأُمم الخالية التي بعث الله رسله إِليها، ولا فيما جاءَ به من تشريعات عقائد وأَخلاق فيها صلاح أُمور الدنيا والآخرة، ولا فيما اشتمل عليه من أَعلى درجات البلاغة والفصاحة فإِن ذلك كله فوق طاقة الإِنس والجن. "قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (١).
فكيف يستقيم قول المشركين فيما يحكيه الله عنهم بقوله: "وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا" (٢).
(وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ):
أَي ولكن أَنزل الله القرآن على رسوله الصادق الأَمين مصدقًا للكتب السماوية التي بين يديه أَي التي سبقته، ومؤيدًا لها فيما كلفت به البشر من عقائد وطاعة للخالق جل وعلا، وما أَمرتهم به من تنزيه له عن الشريك والصاحبة والولد، وعن كل ما لا يليق به من النعوت
стр. 2163
والصفات المنافية للربوبية، كما أَنزله وتفصيلا لكل شيءٍ يحتاج إِليه في شئون الدين والدنيا والآخرة، حيث ضمنه القواعد الكلية لها، وأَحال بيانها على نبيه ﷺ بقوله:
"وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" (١). وأَنزله هدى للناس من الضلال والحيرة، وإِرشادًا لهم إِلى سبيل السعادة، وأَنزله رحمة لقوم يؤمنون به ويسلكون سبيله ويهتدون بهديه.
стр. 2164
سورة الرعد
أَرجح الآراءِ أَنها كلها مدنية وهي ثلاث وأَربعون آية وسميت السورة بسورة الرعد إِشارة إِلى قوله تعالى فيها: "وَيُسَبِّحُ الرعْدُ بحَمْدِهِ" (١).
مقاصد السورة:
١ - استهلت السورة بالإِشارة إِلى آيات القرآن الكريم المنزلة بالحق على سيد الخلق للهداية والإِرشاد.
٢ - ثم أَشارت إِلى ما بثه الله في السماوات والأَرض من آياته الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته وعظمته، من سماءٍ مرفوعة وعرش عظيم وأَجرام فلكية مسخرة، وأَرض تجرى فيها الأَنهار وتزدان بالحدائق الغناءِ والمروجِ الفيحاءِ.
٣ - ثم تناولت أَحوال البشر وتنكر كثير منهم لآيات الله المنزلة وآياته الكونية، مع أَن الله مطلع على نياتهم وأَقوالهم وأفعالهم، وسيجزى كلا منهم بما يستحقه من جزاءِ.
٤ - ثم دعت البشر إِلى أَن يَفِيئوا إِلى الصواب، وأَن يبادروا بإِصلاح ما في نفوسهم من فساد وتغيير ما فيها من انحرافات، حتى يعينهم الله ويهديهم فإِنه سبحانه "لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ".
٥ - ثم عادت السورة لتذكِّر البشر بآيات الله الكونية -وأَنها كما تكون نِعمًا تكون نِقَمًا- مثل الرعد والصواعق، وكلها منقادة لإرادة الله خاضعة لمشيئته، وبينت أَن الذين يدعون من دونه -لا يستجيبون لهم بشيءٍ، ولا يملكون لهم ضرًا ولا نفعًا، وأَنه لا يستوى الأَعمى والبصير ولا الظلمات والنور.
٦ - ثم وعدت الذين يستجيبون لدعوة ربهم بالمثوبة الحسنى، وتوعدت من لا يسجيبون لهم سوءَ الحساب والخلود في جهنم وبئس المهاد.
стр. 2165
٧ - ثم تحدثت عن أَنه تعالى يبسط الرزق لمن يشاءُ ويضيِّقه على من يشاءُ، وأَن الحياة الدنيا بجانب الآخرةَ ونعيمها ما هى إلا متاع قليل.
٨ - ثم ذكرت عناد المشركين بطلبهم من الرسول آية من ربه -وبينت أَن هذا ضلال منهم وانحراف عن الآية الكبرى وهي القرآن، وأَنه تعالى يضل من يشاءُ من المنحرفين فلا يعينه، ويهدى إِليه من أَناب ويعينه، وأَن القرآن هو ذكر الله وأَنه تطمئن به القلوب.
٩ - ثم تحدثت عن عظمة القرآن وأَن الكفار لم يقدروه قدره حيث اقترحوا غيره، مع أنه جدير بأَن تسير به الجبال وتقطع به الأَرض ويكلم به الموتى.
١٠ - ثم نهبت الذين آمنوا إِلى أَنه تعالى لوشاءَ لهدى الناس جميعًا، وتوعدت الكافرين بقارعة تصيبهم أَو تَحل قريبا من دارهم حتى يأتى وعد الله.
١١ - ثم تحدثت عن الجنة التى وعدها الله المتقين، ووصفتها بالصفات الجليلة، وبيَّنت أَن الذين آتاهم الله الكتاب من المخلصين يفرحون بالقرآن الذي أَنزَله الله إِلى محمد ﷺ ، وأَن من أَحزابهم من ينكر بعضه وهو مخالف ضلالاتهم، أَوْ يغاير ما كان مشروعا لهم -مع أَن لكل أُمة رسولها وكتابها "لِكلِّ أَجَلٍ كتَابٌ" ونهيته عن اتباع أَهوائِهم كالصلاة إلى بيت المقدس بعد تحويل القبلة، وبينت أَن الرسل السابقين جعل الله لهم أَزواجا وذرية كما جعل لمحمد ﷺ ، فلا وجه لاعتراض أَهل الكتاب عليك يا محمد.
١٢ - ثم توعدت الكافرين، وذكرت أَن على الرسول البلاغ وعلى الله الحساب، وأَنه تعالى يحكم ولا معقب لحكمه، (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ). إلى غير ذلك من المقاصد الشريفة.
стр. 2166
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١))
المفردات:
(الْكِتَاب): الْقُرْآن. (الْحَقُّ): الثَّابت.
التفسير
١ - (المر): تقدم الكلام على أَمثالها في أَوئل السور: البقرة وآل عمران، والأعراف، ويونس. وهود، ويوسف، وأَرجح الآراءِ فيها أنها تشير إِلى أَن القرآن الكريم مركب من كَلِمَاتٍ ذات حروف كهذه الحروف التي ينظم منها العرب كلامهم، فإِن كانوا صادقين في زعمهم أَن محمدا تقوله وافتراه فليأْتوا بمثله فهم أَئِمة الفصاحة والبلاغة فإِذا عجزوا فمُحمد مثلهم لا يستطيع أَن يأْتى بمثله وإِذا كان كذلك وجب الإِيمان بأَنه تنزيل من حكيم حميد.
هذا إِلى جانب ما في بدءِ الكلام بها من الغرابة الداعية إِلى الانتباه واستماع ما يليها من فنون الهدى والرشاد، لعلهم يهتدون ويكفون عن الإِعراض عن سماع القرآن العظيم.
(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ):
هذه آيات الكتاب العظيم الغنى عن الوصف من بين سائر الكتب، الجدير باختصاصه باسم الكتاب.
(وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ):
أَي وهذا الكتاب الذي أَنزله الله إِليك يا محمَّد هو الحق الثابت المطابق للواقع فلا مجال للشك والارتياب من قومك في صدوره إِليك من ربك أَيها النبي.
стр. 2167
(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ):
أي ولكن أَكثر الناس الذين دعوتهم إِلى الإِيمان بهذا الكتاب الحق لا يؤمنون بأَنه أُنزل إِليك من ربك، لإِخلالهم بواجب النظر والتأَمل فيه، وانقيادهم لأَهوائهم وشهواتهم، وإِيثارهم الضلال على الهدى، والظلمات على النور فاصبر على أَذاهم " … وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ" (١)
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾
المفردات:
(الْعَمَدُ): بفتح العين والميم وضمهما هي الأَساطين التي تحمل السقف جمع عمود.
(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ): أَي يقضى فيه ويقدره بحكمته.
(يُفَصِّلُ الآيَاتِ): يأتى بها مفصلة مبينة للاستدلال بها على كمال قدرة الله وحكمته.
(تُوقِنُونَ): تصدقون تصديقًا جازمًا لا شك فيه.
التفسير
بعد أن ذكر الله أَن آيات القرآن أَنزلها على رسوله بالحق عقب ذلك بذكر آياته الكونية العقيمة التي تدل على وحدانيته وعظمته وقدرته وهيمنته على كل شيءٍ فقال تعالى:
٢ - (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا):
стр. 2168
إِن الإِنسان لينظر إلى السماء وما فيها من نجوم وكواكب فيأْخذه الإِعجاب بِسُمُوّها وعظمتها وجمالها واتساعها وإبداعها، القرآن يذكرنا بأَن الله وحده هو الذي رفع هذه السماوات في آفاقها السامية الفسيحة بغير ارتكاز على عمد مرئية، ولكن الله يمسكها في أَفلاكها، ويدفعها في مداراتها طبقًا لسنن كونية ثابتة أَبدعتها قدرته سبحانه.
فقال جل شأْنه: "إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ" (١) وقال تعالى: "وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ" (٢)
(ثُمَّ استَوَى عَلَى الْعَرْشِ):
المراد من الاستواءِ هنا الاستيلاءُ والسيطرة؛ ومنه قول الشاعر:
استوى بشر على العراق من … غير سيف ودم مهراق
العرش هنا كناية عن الملك والسلطان، المعنى أَنه تعالى هيمن وسيطر على ملك السماوات بعد أَن رفعها بغير عمد، فلم يدع فيها لأَحد غيره سيطرة عليها ولا تدبيرًا لشئٍ فيها، فكما كان له الأمر فيها حين تقديرها خلقًا وإِبداعًا فله الأَمر والسلطان فيها بعد ذلك حفظًا وتدبيرًا، لا يشاركه في ذلك كله شريك (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (٣)
ومن العلماءِ من فسر العرش بأَنه شئٌ عظيم لا يعلم كنهه غير الله، مع تنزيهه جل وعلا من الجلوس عليه، فإنه تعالى يستحيل عليه المكان وكل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك، فإِذا عرفت أَنه تعالى لا أَول لوجوده، وأَنه سبحانه كان ولا شئَ معه، وأَنه أَوجد العرش واستحدثه بعد أن لم يكن، عرفت أَنه ليس بحاجة إلى عرش يجلس عليه كما يفعل الملوك، فالعرش على تسليم أَنه جرم عظيم، خلقه الله لمصلحة ملكوته، وقد استند أَصحاب هذا الرأْى إِلى أَحاديث منها ما ذكره البيهقي وأَخرجه الآجرى وأَبو حاتم البستى عن النبي ﷺ : "مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الكُرْسِىّ إِلا كَحَلقَةٍ مُلْقَاةٍ فِى أَرْض فَلاة،
стр. 2169
وَفَضْل الْعَرْش عَلَى الكُرسِىٌ كَفَضْل الفَلاة عَلَى الْحَلقَة" وتركوا علم ذلك وإِدراكه إلى الله علام الغيوب.
(وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى):
أَي أَن الله سبحانه خلق الشمس وهي نجم كبير وخلق القمر وهو كوكب صغير وسخرهما لتنتفع البشر بنورهما وحرارة الشمس ذات المنافع الغزيرة، فانظر إِلى رحمة الله، حيث جعل الشمس إِذا غابت بالحجاب وغابت معها أنوارها، أَتبعها القمر حتى لا يحرم عباده من نور السماءِ ليلا ونهارًا، وجعل كلا منهما يجرى في فلكه المرسوم ومداره المعلوم إِلى أَمَد مقدر وزمن محدود يعلمه سبحانه.
وقال ابن عباس: الأَجل المسمى درجاتهما ومنازلهما التي ينتهيان إِليها ولا يتجاوزانها.
يريد بذلك أَن الشمس تقطع مدارها متنقلة في أَبراجها في سنة شمسية، والقمر يقطع مداره متنقلا في منازله في شهر قمرى، وفي ذلك يقول الله تعالى: "وَكُلُّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ" (١). وذهب معظم المفسرين إِلى أَن الأَجل المسمى هو يوم القيامة يوم أَن تكون السماوات مطويات بيمينه سبحانه.
(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ):
والمعنى أَن الله سبحانه يقدر الأمور بمقتضى حكمته ويجريها طبقًا لسنته الكونية في أَرضه وسمائه فهو سبحانه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى، وغير ذلك من شئونه تعالى في سماواته وأَرضه، تلك الشئون التي تحير العقول والأَلباب ولا تدخل تحت حصر، وصدق الله تعالى إِذ يقول: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (٢) وكما أَنه تعالى يدبر الأمر فِإنه يفصل الآيات ويبينها في كتبه المنزلة على رسله ويوجهنا إِلى التأَمل فيها، والاعتبار بدلالتها فإنها تَدُلُّكَ على عظيم قدرته، وجليل حكمته، ووافر رحمته ونعمته، وأَن الذي بدأ الخلق قادر على
стр. 2170
إِعادته، وأَن مصيرنا جميعًا إلى الله فنحن جميعًا كما منه وإِليه، فإِذا نتفعنا بما فضله الله لنا من الآيات، وعرفنا أَننا سنلقى الله طال الزمن أَم قصر، فإِننا نستعد لهذا اللقاءِ بالإِيمان الثابت والعمل الصالح والاستقامة على طريق الحق، لننال ثوابه وننجو من عقابه.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)
المفردات:
(مَدَّ الْأَرْضَ): بسطها. (رَوَاسِيَ): الجبال. (يُغْشِى): يغطى.
التفسير
٣ - (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا):
تابعت هذه الآية سرد آيات الله الكونية، فذكرت أَنه تعالى بسط الأَرض أَمام البصر، وسوى معظم سطحها ليسهل الانتقال عليه من مكان إِلى مكان، كما قال سبحانه:
"وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا" (١).
وليسهل على عباده زرعها والانتفاع بخيراتها، ولا يتنافى ذلك مع كروية الأَرض التي أَشارت إِليها الآية الكريمة: "يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ" (٢).
وسنعرض لها بالشرح في موضعها إِن شاءَ اللهُ، وكما سوى الله سطح الَأرض جعل منها جبالا راسخة لتثبيتها فلا تموج ولا تضطرب، حتى لا يهلك من على سطحها من الكائنات أَثناءَ
стр. 2171
اضطرابها وزلزالها، قال تعالى: "أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا، وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا" (١). ومن آيات الله الكونية التي أَشارت الآية إليها تكوين الأَنهار من الأَمطار التي تهطل على سفوح الجبال، فتشق طريقها فوق سطح الأَرض ممتدة مئات أَو آلاف الأَميال، ليرتوى منها عالم الإِنسان وعالم الحيوان وعالم النبات.
"وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْن":
أَي وجعل الله في الأَرض من كل أَنواع الثمرات فردين متزاوجين، أَحدهما ذكرُ والآخر أَنثى، والذكر قد يكون منفصلًا عن الأَنثى كالنخل، وقد يكونان في شجرة واحدة كشجرة الذرة، وهنا يتجلى الإِعجاز العلمى في القرآن الكريم، فما كان العرب يعلمون أَن في كل نبات أَعضاءً للتذكير وأُخرى للتأْنيث، يتم بينهما التلاقح فتثمر أَطيب الثمرات، ما كانوا يعلمون ذلك إِلا في نبات واحد هو النخل، ولكن القرآن أَنبأَنا منذ أَربعة عشر قرنًا بما اهتدى إِليه العلم الحديث في العصر الحاضر "سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ" (٢).
(يُغْشِى اللَّيْلَ النَّهَارَ):
أَي يجعل الليل يغطى ضوءَ النهار ويكسوه بظلامه ليستريح الناس من متاعبهم في النهار ويدركوا رحمة ربِّهم بهم وقدرته على هذا الكون العجيب، واكتفى بتغشية الليل النهار مع تحقق عكسه لأَنه معلوم، وتتابع الليل والنهار نعمة منَّ الله بها على خلقه ليتسنى لهم الكسب في ضوءِ النهار والراحة تحت أَسدال الظلام.
(إِنَّ فِى ذَلِكَ لآياتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَرُونَ): إِن في هذه الآيات الكونية العديدة في السماوات والأَرض لعلامات وبراهين دالة على وحدانية الله وقدرته وعظمته، يدركها من استعملوا عقولهم وتركوا تقليد أَهل الجهالة في جهالتهم، فمن شاءَ الهداية فأَمامه آيات الله المنزلة وآياته الكونية، وكلتاهما تدعو إِلى الإيمان العميق "فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يؤْمِنُونَ" (٣)
стр. 2172
(وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤))
المفردات:
(صِنْوَانٌ): جمع صنو، وهو المثل، ومنه الحديث الشريف: "عم الرجل صنو أَبيه". الصِّنْوُ أَيضًا نخلتان أَو أَكثر تتشعب من أَصل واحد، وكما تُطلق كملة الصنو على ما ذكر، يطلق عليه أَيضًا: (صنوان): روى عن البراءِ: الصنوان المجتمع، وغير الصنوان المتفرق، وقال النحاس: يقال للنخلة إِذا كانت فيها نخلة أُخرى أَو أَكثر صنوان اهـ. راجع القرطبى.
التفسير
٤ - (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ) الآية.
واصلت الآية الحديث عن آيات الله الكونية.
والمعنى: أَنه يوجد في الأَرض قطع متجاورة متماثلة في تربتها وانتفاعها بأَشعة الشمس وفيها بساتين كثيرة مزروعة في قطع الأَرض المتجاورة، وتشتمل على أَشجار الكروم التي تثمر أَنواع العنب والزبيب. وتشتمل أَيضا على الزرع الذي يثمر أَنواع الحبوب والبقول، وفيها النخل الذي يثمر البلح والرطب والتمر.
وبعض النخيل مفرد وبعض متعدد على أَصل واحد، وهو الذي عبر عنه في الآية بكلمة (صنوان)، ونلاحظ في الآية أَنها لم تستوعب حاصلات البساتين، بل ذكرت نموذجًا لما يتسلق ويقوم على عرائش، وهو الأَعناب، وآخر للشجر الذي يقوم على ساق، وهو النخيل الذي له جذوع صلبة وطويلة، أَما الزرع فإن شامل لكل أَنواع الحبوب والبقول.
стр. 2173
(يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ):
هذه الجملة مستأْنفة للتعجب من قدرة الله تعالى فيما يبدعه في عالم البساتين، حيث بينت أَن هذا النبات والشجر على اختلاف أَنواع كل منهما يسقى بماءٍ واحد في أَرض متجاورة ومتشابهة في التربة والجو، ولكن الثمرات متنوعة في الطعم والشكل واللون والرائحة، وربما كان ذلك في الشجرة الواحدة ولا شك أَن هذا ناشئٌ من أَن وراءَ الطبيعة ربا حكيمًا، هو الذي ينوع النواميس والطبائع ويبدع غير المأْلوف، ويخالف المأْلوف ليعرفه عباده بما يبدعه لهم من هذه المؤتلفات والمختلفات، ولو كانت الطبيعة هي الفاعلة لما وقع هذا الاختلاف، بل لما وجد من ذلك شئٌ فإِن الطبيعة لا عقل لها ولا إِرادة، ولهذا عقب الله تلك الجملة بقوله:
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ):
إِن في هذا التنوع والتَّعدُّد -مع وحدة الأَصل والبيئة- لعلامات وشواهد يدركها أَصحاب العقول الراجحة فيعلمون أَن من ورائها قدرة الخلاق العظيم الذي أَحسن كل شيءٍ خلقه، فيؤْمنون وينقادون إِليه ويعبدونه على الوجه اللائق بما له من عظمة وجلال.
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾
المفردات:
(وَإِنْ تَعْجَبْ): العجب والتعجب كلاهما يستعمل على وجهين:
أَحدهما فيما يستحسن ويحمد. والثانى فيما يكره وينكر.
(الْأَغْلَالُ): جمع غُل بضم الغين. وهو طوق من حديد أَو غيره يوضع في العنق أَو في اليد فتشد به إِلى العنق.
стр. 2174
التفسير
(وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا):
بينت الآيات السابقة دلائل قدرة الله في السماوات والأَرض وأَنها، آيات لأَصحاب العقول السليمة. الأَفهام المستقيمة على عظمة قدرة الله وحكمته، وأَن من هذا شأْنه فهو قادر على كل مقدور، وجاءَت هذه الآية للتعجب من إِنكارهم للبعث مع ما يشاهدون من المظاهر الكونية، ولإِنذارهم بالعذاب الدائم الذي لا غاية له جزاءِ تكذيبهم. والخطاب في الآية للرسول أَو لكل من يصلحُ للخطاب من العقلاءِ.
والمعنى: وإِن تعجب من تكذيب المشركين بأَمر المعاد مع ماشهدوه من دلائل قدرة الله فعجب لا يوجد أَشد منه قولهم في إِنكارهم للبعث
(أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)
هذا القول مشتمل على استفهامين من المشركين، يقصدون بهما أَقصى درجات الإِنكار، للعودة إِلى الحياة مرة أُخرى، حيث يخلقون خلقا جديدًا بعد أَن تحللت أَجسامهم، ونخرت عظامهم، وأَصبحوا ترابًا تذروه الرياح، ولو فكر هؤلاءِ المنكرون بعقولهم لعلموا أَن من قدر على إِنشاءِ تلك الكائنات وإِبداعها من تراب، فإِنه قادر على إِعادتها، بل الإِعادة في نظر القياس أَهون. وإِن كان كل شيءٍ أَمام قدرة الله سواءٌ. فهو الذي يقول للشيءِ كن فيكون.
وقد عقب الله هذه الجملة التي نعت عليهم تكذيبهم بقوله:
(أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ): أَي هؤُلاءِ المكذبون للبعث هم الذين كفروا بربهم ولم يؤْمنوا به. إِذ لو آمنوا به وبأَنه خالق السماوات والأَرض -كما يجيبون إِذا سئلوا- لعلموا أَنه قادر علي بعث الأَجساد بعد استحالتها إِلى تراب تفرقت ذراته. فهم ليسوا أَشد خلقًا من السماءِ التي بناها ورفع سمكها وسواها، وأَغطش ليلها وأَخرج ضحاها.
ولما كان هذا الكفر مع وضوح الأَدلة أَمرًا منكرًا فظيعًا يستحقون عليه أَشد العقاب أَنذرهم الله بقوله: (وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ): أَي أَن جزاءَهم يوم الحساب أَن يسحبوا إِلى النار بأَطواق في أَعناقهم تحقيرًا لهم وتسفيهًا.
стр. 2175
وقال بعض المفسرين هو تمثيل لحالهم الشنيعة في الضلال وتقليد الآباءَ بحال المقيدين بالأَغلال في أَعناقهم، فهم مثلهم في الحرمان من نعمة الحرية وكَبْتِ الإرادة، وضيق آفاقها، والحرمان من الخير، وسوء العاقبة.
ثم ختمت الآية بقوله تبارك تعالى:
(وَأولَئِكَ أصْحَابُ النارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ): أَي وأُولئك المكذبون بالبعث الكافرون بربِهم المكبلون بالأَغلال في أَعناقهم -أُولئِك الموصوفون بهذه الصفات- هم أَصحاب النار الملازمون لها -الماكثون فيها فلا ينفكون عنها ولا يخرجون منها أبدًا.
(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦))
المفردات:
(السَّيِّئَةِ): العقوبة. (الْحَسَنَة): العافية والسلامة.
(الْمَثُلَاتُ): جمع مثله -بفتح الميم وضم الثاء. وهي العقوبة؛ سميت بذلك لأنها تماثل الذنب، والمراد بالمثلات في الآية الكريمة عقوبات أَمثالهم المكذبين قبهم.
التفسير
٦ - (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ … ) الآية.
كان الرسول صلوات الله عليه ينذر المشركين بالعذاب في الدنيا والآخرة لإصرارهم علي الكفر، فكانوا يستعجلونه في وقوعه استهزاءً به وطعنًا في خبره فنزلت.