وقت الحاجة، يقال غِيثَتْ البلاد إِدا مطرت في وقت الحاجة، ولذا يسمى المطر في هذه الحالة غيثا ويصح أَن يكون من الغوث، يقال أَغاثنا الله أَي أمدنا برفع المكاره حين داهمتنا.
التفسير
٤٧ - ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾:
لما انتهى رسول الملك من إِخبار يوسف برؤيا الملك التي أزعجته، أول يوسف البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبات ذات زروع وثمار كثيرة، وأول البقرات العجاف والسنبلات اليابسات بسنين مجدبة تؤكل فيها حبوب جافة مخزونة في سنابل جافة، ووصف الطريقة التي يجتازون بها أزمة المجاعة في سبع سنين متتابعة، فقال لسائله بعد إحساسه وإدراكه أن السائل هو الملك: تزرعون الأرض سبع سنين دائبين جادين غير متوانين ولا كسلين، حتى تجود الأرض بأقصى خيراتها وأغزر ثمارها وحبها، فتلك السنوات السبع ذات الزروع والثمار الغزير هي تأويل البقرات السبع السمان والسنابل الخضر اليانعات، فما حصدتموه في كل سنة فاتركوه واختزنوه في سنابله ولا تجردوه لكي ينجو من أكل السوس، إِلا قليلا من حبها تعدونه للأكل كل عام فليس عليكم بأس من تجريده من سنابله.
فأنت تراه قد استدل على زراعة القمح سبع سنين دأبا بالسنبلات السبع الخضر فهي إشارة إِلى السنوات السبع الخصيبة، واستدل على تخزين القمح في سنابله سبع سنين بالسنبلات السبع اليابسات، واستدل على أن السنوات السبع الأخيرة ستكون جدباء وأنه يجب الاحتياط. لها بتخزين الطعام، استدل على ذلك بالبقرات السبع العجاف التي أَكلت البقرات السبع السمان كما سيأتى ببانه، ويبدو أن تخزين القمح في سنابله لمدة طويلة تصل إلى سبع سنين لم يكن معروفًا لدى قدماء المصريين، فقد كانوا يزرعون لكل عام ولا يحرمون من فيضان النيل سبع سنين متتابعة فلذا أرشدهم يوسف إِلى هذه الطريقة المثلى في التخزين لمدة طويلة، ولا عجب في أن يخبرهم بها
стр. 2102
يوسف ﵇ مع أنه لم يألف مثل ذلك، فقد علمه ربه علوما كثيرة، وحسبك دليلا على ذلك قوله لصاحبي السجن: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾.
وقد قال القرطبي تعليقًا على هذه الآية ما يلى:
هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال، فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأُمور فهو مصلحة، وكل ما يفوت شيئا منها فهو مفسدة ودفعه مصلحة، ولا خلاف في أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية، ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إِلى السعادة الأخروية ومراعاة ذلك فضل من الله ورحمة رحم بها عباده من غير وجوب عليه الخ.
ثم شرع يوسف يبين بقية التأويل فقال:
٤٨ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾:
أي ثم يأتي من بعد السنين الخضراء التي تجدون وتتعبون في الزرع فيها فتأكلون منه وتدخرون من حبه - يأتي من بعد ذلك - سبع سنين صعاب على الناس يأكلن ما قدمتم لهن من الحب المتروك في سنابله إِلا قليلا مما تدخرونه منها لبذور الزراعة، وإسناد الأكل إليهن مع أن الآكلين هم الناس، على سبيل المجاز كما في قولهم: نهاره صائم، وفي هذه الآية تأويل أكل البقرات السبع العجاف التي هي رمز للسنوات السبع الجدباء للبقرات السبع السمان التي هي رمز للسنوات السبع الخصبة.
٤٩ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾:
أي ثم يأتي من بعد ما ذكر من السنين الخصيبة والجدباء عام فيه يمطر الناس بالغيث الذي كانوا محرومين من تتابعه وغزارته سبع سنين، وفيه يعصرون ما يقبل العصر من الثمار والحب وغيرهما، كالعنب والزيتون والسمسم والقصب. وقيل معنى يعصرون يحلبون الضروع.
стр. 2103
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾
المفردات:
﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾: ما حالهن.
﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾: ما شأنكن، والخطب الأمر الذي يستحق أن يخاطب المرءُ فيه صاحبه.
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾: تنزيها لله وتعجبًا من نزاهة يوسف.
﴿حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾: وضح بعد خفاء، وأصله بمعنى تبينت حصة الحق من حصة الباطل.
﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾: أي لا ينفذه ولا يوصله إلى غايته.
التفسير
٥٠ - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾:
بعد أن سمع رسول الملك من يوسف تأويل الرؤيا عاد وأخبره بما سمعه من يوسف، ويبدو أنه حدثه بعلمه وفضله وخلقه وأنه قد حبس ظلما سنين كثيرة، فعرف فضله على خاصته وكهَّانه وأدرك أَن حقه في الحرية والكرامة ينبغي أن يرد إليه.
стр. 2104
وقال: ائتوني بيوسف، فلما جاءه الرسول يدعوه إلى لقاء الملك لم يشأ أن يجيبه إلى طلبه قبل أن تظهر براءته، بل قال له: ارجع إلى سيدك فاسأله ما حال النسوة الآتي قطعن أيديهن ودعونه إلى الفاحشة، يريد بذلك أن يحقق الملك في شأنهن معه ليعل نزاهته مما نسبته إليه من مراودته إياهن.
وإِنما لم يتعرض يوسف لامرأة العزيز مع أنها أصل البلاء، محافظة على حقها، وتفاديًا لمكرها، وأما النسوة فقد كان يطمع في شهادتهن بإقرارها بأنها راودته عن نفسه فاستعصم، لذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدى، ولم يصرح بمراودتهن له وقولهن أطع مولاتك، واكتفى بالإيماء إلى ذلك بقوله:
﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾: مجاملة لهن. واحترازًا من خصومتهن له دفاعًا عن أنفسهن، إذا سمعن أنه ينسبهن إلى الفساد.
٥١ - ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾:
قال الملك لما جاء الرسول بطلب يوسف أن يحقق مع النسوة: ما شأنكن حين راودتن يوسف وخادعْتُنَّه عن نفسه بترغيبه في إِطاعة مولاته هل وجدتن فيه من سوء وريبة.
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾.
أي قلن مجيبات للملك: ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ أي تنزيها لله. يردن بذلك تبرئة يوسف والاعتراف بنظافته وعفته، ولذا عقبن هذه العبارة بما أردته منها وهو قولهن:
﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾: مبالغة منهن في نزاهة يوسف عن جنس السوء. فضلا عن الفحشاء.
﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾: مقرة بالحق في مجلس التحقيق.
﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾: أي الآن في هذا المجلس تبين الحق ووضح بعد خفاء، أنا راودته عن نفْسِهِ.
﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾: في تنزيه نفسه عن مراودته لى عن نفسي، وهكذا يحق الله - تعالى - الحق على روؤس الأشهاد، إظهارًا لكرامة الصادقين من عباده، وبذلك تحقق ليوسف ما أراده من ظهور براءته ونزاهته قبل خروجه من السجن في هذا المجلس الحافل،
стр. 2105
حتى يطمئن الناس إلى طهره يقينًا، ولا سيما العزيز الذي رباه، ولذلك قال يوسف عقب ذلك.
٥٢ - ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾:
أي ذلك الذي تقدم من البقاء في السجن حتى يسأل الملك النسوة، وتظهر براءتي مما نسبته امرأَة العزيز إِليَّ، ليعلم العزيز قبل خروجي من السجن علمًا صادرًا عن اعتراف زوجته - ليعلم - أَنِّي لم أخنه بالغيب وراء الأبواب المغلقة والستور المرخاة، كما زعمت امرأَته، وليعلم أيضًا أَن الله تعالى لا يُنَفِّذ كيد الخائنين، ولا يوصله إلى السداد بل يبطله كما فعل بزوجته ولو كنت خائنا له فيها لفضحني ولم يهد كيدى كما فعل بها.
ويعلم مما تقدم من التأويل أَن هذه الآية حكاية لما قاله يوسف ﵇ تبريرًا لإصراره على إِظهار براءته قبل خروجه من السجن، حتى لا يحمل خروجه قبل ذلك على أَنه من باب العفو عنه مكافأة له على تأويل رؤياه، ولعله قال مضمون هذه الآية: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ الخ بعد أن عاد إليه رسول - الملك وأخبره بما جرى في مجلس التحقيق من ظهور براءته، وعلى هذا التأويل يكون قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾.
حكاية لكلام يوسف بعد ما ظهرت براءته بإقرار النسوة أمام الملك وجلسائه.
وقيل إن الآيتين حكاية لكلام امرأة العزيز، ومعنى هذه الآية على أَنها حكاية لكلامها:
ذلك الذي قلته عن يوسف وهو غائب عن هذا المجلس وحبيس في السجن من أنني راودته عن نفسه، ليعلم أنَّ لم أخنه ولم أكذب عليه في حال غيبته عن هذا التحقيق، بل قلت الحق الذي أنكرته عبر هذه السنين، وليعلم أَن الله لا يهدى كيد الخائنين.
وسيأتي بيان قوله تعالى ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ على الوجهين المذكورين.
واعلم أَن يوسف ﵇ بلغ من النزاهة وكرم النفس مبلغا عظيمًا وحسبك أَنه لم يتعجل الخروج قبل أَن تظهر براءته علنية على هذا النحو المشرف، مع أنه
стр. 2106
لبث في السجن سنين كثيرة قال ابن عطية تعليقا على ذلك: كان هذا الفعل من يوسف أناة وصبر، وطلبًا لبراءة الساحة، وذلك أنه خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة فيقول الناس: هذا هو الذي راود امرأة مولاه، وقد صفح عنه الملك، ويراه الناس أبدًا بتلك المنزلة، فأراد أن يبين براءته، ويحقق منزلته من العفة والخير، ويخرج بعد شرف البراءة ليحظى من الملك بالمرتبه السنية على طهر وكرامة، فلهذا قال للرسول: ارجع إلى ربك لينظر في أمرى: هل سجنت بحق أَو بظلم: اهـ ملخصا ولقد أَعظم النبي ﷺ مكانته من الصبر والنزاهة وعزة النفس والكرامة فقال:
"إنَّ الكَرِيمَ ابْن الكرِيمِ ابن الْكرِيمِ ابْن الْكريم (١) يُوسُفُ بنُ يَعْقَوبَ بنِ إِسْحق ابنِ ابْراهيمِ قال - وَلوْ لبِثْتُ فِى السِّجْنِ مَا لَبِثَ ثُم جاءَني الرّسولُ أجبتُ - ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾.
الحديث: أخرجه الترمذي في صحيحه - والحديث مروى في الصحاح بعبارات متقاربة.
والنبي ﷺ مع كونه يشير في الحديث إِلى مكانة يوسف من الصبر والنزاهة، لكنه يوميء إِلى أنه بالغ في ذلك، وأنه كان الأحوط أن يخرج حتى لا يعدل الملك عن إخراجه لأنه لم يجب طلبه بالحضور إليه، ولأن هذه المرأة إن كانت زوجته أو زوجة وزيره فإن سؤال النسوة عنها سينتهى إِلى فضيحتها، فربما عدل عن سؤالهن لذلك، وآثر إبقاءه في السجن، لاشتراطه للخروج شرطًا يؤدى تحقيقه إلى هذه الفضيحة، فيظل مسجونًا ظلما.
وقال ابن عطية: فإن قيل: كيف مدح النبي ﷺ يوسف بالصبر والأناة وترك المبادرة إلى الخروج، ثم يذهب بنفسه عن حالة مدح بها غيره، فالوجه في ذلك أن النبي ﷺ إنما أخذ لنفسه وجهًا آخر له جهة من الجودة
стр. 2107
يقول: لو كنت أنا لبادرت بالخروج، ثم حاولت بيان عذري وبراءتي بعد ذلك، لأن هذه القصص والنوازل معرضة لأن يقتدي بها الناس إلى يوم القيامة، فأراد الرسول ﷺ حمل الناس على الأحزم من الأمور حتى لا تضيع فرصة الخروج من السجن في مثل ذلك، وتنصرف نفس مخرجه عنه، وإذا كان يوسف قد أمن ذلك بعلمه من الله، فغيره من الناس لا يأمن ذلك فالحالة التي ذهب النبي ﷺ بنفسه إليها حالة حزم، وما فعله يوسف ﵇ صبر وجلد: انتهى ملخصًا.
стр. 2108
﴿* وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾
التفسير
٥٣ - (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ):
قلنا في آخر الجزء السابق يحتمل أن تكون هذه الآية والتي قبلها من قول يوسف ﵇ أو من قول امرأة العزيز، وقد شرحنا الآية السابقة على الوجهين. وفيما يلى شرح هذه الآية عليهما:
إذا كانت هذه الآية من قول يوسف يكون معناها: وما أبريءُ نفسى عن السوء والخطيئة بغير معونة من الله سبحانه ولا أُسْنِد إليها هذه الفضيلة بإعتبار طبعها من غير توفيق من الله تعالى، فإن النفس البشرية في حد ذاتها لداعية إلى السوء، مائلة إلى الشهوات، إلا ما رحم ربىَّ من النفوس بعصمتها من الوقوع في المهالك، وفي جملتها نفسى، إن ربي لعظيم الغفران لما يحدث من النفوس بموجب طبعها، عظيم الرحمة لها بعصمتها من الخطيئة التي تسوقها إليها بشريتها، وإنما يقول ذلك يوسف ﵇ هضمًا لنفسه الكريمة البريئة عن كل سوء، وإبعادًا لها عن الإعجاب بما وصليت إليه من كمال النزاهة.
وإذا كانت هذه الآية من كلام امرأة العزيز يكون معناها: وما أبريءُ مع ذلك من الخيانة، حيث قلت في حق يوسف ما قلت، وفعلت ما فعلت، إنَّ كل نفس لأَمارة بالسوءِ إلا نفسًا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف ﵇، إن ربي غفور لمن استغفر لذنبه، رحيم له بقبول استغفاره.
стр. 2109
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾.
المفردات:
(أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي): أَجعله خالصًا لي أي خالصًا بي.
(مَكِينٌ أَمِينٌ): ذو مكانة رفيعة مؤتمن على كل شيء.
(حَفِيظٌ عَلِيمٌ): قوى الحفظ كثير العلم.
التفسير
٥٤ - (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي):
ولما ثبت للملك براءة يوسف بما نسبته امرأة العزيز إليه، وتحقق أنه أَمين لا يخونه بالغيب، وأَدرك صبره وجلده وإيثاره السجن على ما تدعوه إليه امرأة العزيز وصواحباتها وعرف مبالغته في حماية نفسه من قالة السوءِ، بطلبه التحقيق مع أولئك النسوة قبل خروجه من السجن ليتلقاه الملك نظيفًا محكومًا ببراءَته، بدلا من أَن يقابله قبل ذلك متهمًا عما عنه الملك لأَنه أَوَّل رؤياه لا لأَنه برئٌ - ولمَّا ثبت للملك كل ذلك - قال الملك لرجاله: أَحضروا إليَّ يوسف أَتخذه خالصًا لنفسى في تدبير أمور مملكتى وليكون صاحب مكانة خاصة عندي.
وإذا نظرت إلى أسلوب الملك في طلب إحظار يوسف إليه فإنك تراه أَولًا بعد أن علم بتأويله رؤياه قال: (ائْتونِي بِهِ) ولم يزد على ذلك، فلما ظهر إباؤه ووضحت أمانته وعفته في قصة امرأة العزيز، عظمت منزلته عنده، فطلبه ليكون ذا مكانة ممتازة لديه
стр. 2110
خاصة به، بحيث لا يكون لأحد سلطان عليه سواه، وذلك بقوله:
﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾. وهكذا يرفع الله درجات أهل العلم والأمانة والعفة.
﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾:
أي فأتَوْا بيوسف فلما كلم يوسفُ الملكَ بما يناسب لقاءَ الملوك الذين يَرُدون الحق لأهله وينصفون المظلوم، قال له الملك إنك يا يوسف عندنا ابتداءً من هذا اليوم ذو مكانة رفيعة ومنزلة ممتازة، وإنك أمين على كل شيء لدينا، بعد ما عرفناه فيك من العلم والشرف والأمانة.
وبعد أن اختار الملك يوسف مستشارًا له فيما هو مقبل عليه من أمره كله، وأعلمه بأنه عنده ذو مكانة ممتازة ابتداءً من هذا اليوم الذى يحدثه فيه، وأنه أمين عنده أمانة مطلقة ليست لها حدود، وبعد أن علم يوسف ما تحتاج إليه أرض مصر وأهلها فى السنين السبع الخصيبة والسنين السبع العجاف من حسن التدبير والحزم والحفظ والعلم والأمانة وأَن ذلك كَله قد منَّ الله عليه به -بعد أن حدث كل ذلك- عرض يوسف على الملك أن يعهد إليه بإدارة البلاد وذلك ما حكاه الله بقوله:
٥٥ - ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾:
أي اجعلني واليا على مصادر خيرات أرض مصر، زراعة وحصادا، وإيرادا وصرفا، وبيعا وخزنا، وتدبيرا، فإني حفيظ لها من التبذير والتقتير والإفراط والتفريط، عليم بوجوه التصرف فيها والحفظ لها، وقد كان يوسف في كل ذلك أقدر من غيره.
وفى الآية دليل على جواز طلب الولاية، إذا كان طالبها قادرًا على نفع العباد وإقامة العدل بينهم وإِجراء أحكام الشريعة فيهم، والبعد عن التلوث بمظالم الحكام ومآثمهم.
وأَما ما ورد في الصحيح من النهي عن طلب الولاية فمحمول على ما إِذا كان طالبها لا يقدر على القيام بتبعاتها، والنجاة من مآثمها.
ومن ذلك ما أخرجه مسلم عن أبي بريدة قال: قال أبو موسى: أقبلتُ إلى النبي
ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يساري،
فكلاهما سأل العملَ والنبيُّ ﷺ يَسْتَاكُ فقال: "ما تقول يا أبا موسى -
стр. 2111
أَو يا عبد الله بن قيس؟ قال قلت والذي بعثك بالحق ما أَطلعانى على ما في أنفسهما، وما شعرت أَنهما يطلبان العمل - قال - وكأَنى أَنظر إلى سواكه تحت شمته وقد قَلَصتْ (١) فقال: لَنْ أَوْ لا نَسْتَعْمِل على عملنا من أَراده" وذكر الحديث. ومن ذلك أَيضًا ما رواه مسلم من عن عبد الرحمن بن سَمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا عبد الرحمن لا تسأَل الإِمارة، فإِنك إِن أعطيتها عن مسأَلة وكِلْتَ إِليها وإِن أعطِيتَهَا عن غير مسأَلة أعنت عليها). وقد استفيد من الآية أَيضًا إِباحة طلب الرجل القادر الفاضل أَن يعمل للرجل الكافر، بشرط أَن لا يكون عمله لديه وفق شهواته وفجوره، وإلا فلا يجوز.
ويستفاد منها أَيضًا أَنه لو علم إِنسان أَنه لا يقوم سواه بمصالح الناس في عدل وكفاية سواء كان ذلك في ولاية أَو قضاءٍ أَو نحوهما، وجب عليه أَن يطلب ذلك، ويخبر بصفاته التي تجعله صالحا للقيام بها، من العلم والحفظ والكفاية كما قال يوسف:
﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾:
فقد سأَلها بالحفظ والعلم لا بالنسب وغيره، فإِن كان هناك من يقوم بها ويصلح لها سواه، وعلم بذلك فالأَولى أَن لا يطلب لقوله ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: "لا تسأَل الإِمارة" الحديث.
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ في الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾
стр. 2112
المفردات:
(مَكَّنَّا لِيُوسُفَ في الْأَرْضِ): جعلنا له في أَرض مصر مكانة رفيعة أَقدرناه بها على ما يريد.
(يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءٌ): ينزل من بلادها ومن أمورها وقلوب أَهلها حيث يشاء.
(نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا): نجود بنعمتنا.
التفسير
٥٦ - (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ في الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ):
ومثل ذلك التمكين في قلب الملك، مكَّنَّا ليوسف في أَرض مصر، حيث ثبتنا فيها مكانته العظيمة، وأَقدرناه فيها على ما يريد في جميع نواحيها، فقد شملها سلطانه، فكأَنها منزله يتصرف فيها كما يتصرف الرجل في منزله ومكانه، وكان ذلك بعدل وحكمة. روى أَن الملك لما فوض أَمر مصر ليوسف تلطف بالناس، وكانت له بذلك مكانة رفيعة بينهم.
(نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ):
نصل بنعمتنا مَنْ نشاءُ ولا نفوت على المحسنين شيئًا من أَجرهم، بل نوفيه بكماله لهم، وكذلك فعلنا مع يوسف حين أَحسن، فقد كافأْناه بسلطانه العظيم على مصر وأهلها مع كامل المحبة والرضا.
٥٧ - ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾:
أَي وإن أجر المحسنين في الآخرة لأَعظم من أَجرهم في الدنيا، وقد عبر عنهم بالذين كانوا يتقون، للإِيذان بأن الإِحسان الذي يستحق صاحبه الثواب الأَخروى، هو الذي كان أَساسه الإيمان والتقوى.
стр. 2113
٥٨ - (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ):
كان للقحط الذي حل بمصر في السنين العجاف، أَثره في أَرض كنعان بالشام فبعث يعقوب ﵇ أَولاده لشراءِ قمح وطعام من مصر، بعد أَن ذاع أَمر يوسف في الآفاق، حيث عرافوا أَنه اختزن الأَقوات للمجاعة وأَنه يوزعها بعدل ورحمة، وكان - كما قيل يعطى الطعام بمقدار معين لكل فرد - كما كان يشرف على التوزيع بنفسه ضمانًا للعدالة والدقة. وجاءَ إِخوة يوسف امتثالًا لأَمر أَبيهم، فدخلوا عليه ليطلبوا منه الطعام، فعرفهم يوسف، ولكنهم لم يعرفوه، لأَنهم أَلقوه في الجبِّ ثمَّ باعوه صبيًا (١)، ولم يتوهَّموا أَنَّه بعد العبوديَّةِ يصير إلى هذا السُّلطانِ، بالإضافة إلى أَنه فارقهم منذ مدَّةٍ طويلة، قيل إنَّها كانت أَربعين سنةً، وقد تزيَّا بِزىّ أَهل مصر، وعليه مظاهر السُّلطان.
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١)﴾.
المفردات:
﴿جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾: أعدَّ لهم حاجتهم من الطعام الذي حضروا لجلبه من مصر في السنين العجاف، والجهاز في اللغة ما يحتاج إليه المسافر والعروس والميت وتجهيزه إحضاره. وقد أجمع القراء على فتح الجيم في الآية الكريمة، ويجوز فيها الكسر لغة وإن كان الفتح أشهر.
стр. 2114
(خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ): أَي خير المضيفين - مأْخوذ من النُّزُلِ وهو الطعام الذي يقدم للضيوف الَّذِين ينزلون. أَو خَيْرُ مَن ينْزِلون الناس في منازلهم مأَخوذ من المنزل (بِجَهَازِهِمْ) وهو الدار. (سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ): سنطلبه من أَبيه ليرسله معنا.
التفسير
٥٩ - ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾:
بينت الآية السابقة أن إخوة يوسف جاءُوه للحصول على الطعام زمن المجاعة، وأن يوسف عرفهم ولكنهم لم يعرفوه، لأنهم لم يخطر ببالهم أن من أَلقوه في الجب يؤول أمره إلى حكم مصر والسلطان على أَهلها وأَرزاقها.
وجاءَت هذه الآية لتبين أول الخطوات التي اتخذها يوسف لإحضار أسرته إِليه، وهي طلبه من إخوته هؤلاءِ أَن يحضروا أَخًا لهم من أبيهم.
ويظهر أَنه جرى من الحديث بينه وبينهم ما جعلهم يصرحون بأن لهم أخًا من أبيهم لم يحضروه معهم، حتى يكون مجرى الحديث هو الذي حمل يوسف ظاهرًا على أن يطلبه بالذات، حتى لا يثير انتباههم إِلى السبب الحقيقى في طلبه.
والمعنى: ولمَّا جَهَّز يوسف إخوته بالطعام الذي طلبوه من الحَبِّ الذي استبقاه في سنابله لزمن المجاعة، قال لهم ائتونى بأَخ لكم من أَبيكم ليتبين صدقكم في طلب حمل زائد على أحمالكم أَجله.
(أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ):
أَي أَلا تنظرون أَننى أعطى الكيل وافيًا تامًّا لكم ولكل الناس بالعدل، وأَنا أفْضَلُ المضيفين، ومن أَجل ذلك لا أحب أَن يكذب عَلَيَّ أَحد بأَخذ ما لا يستحقه، حتى لا يحرم رب أسرة آخر من حقه في الطعام، ولهذا طلبت أَن أَرى أَخاكم بنيامين الذي طلبتم له الطعام لكي أَتحقق من صدقكم.
стр. 2115
٦٠ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾:
أَى فإِن لم تأْتونى بأَخ لكم من أَبيكم، فلا طعام أَكيله لكم مستقبلا، ولا تقربون مني بنزولكم عندي في ضيافتى، يريد بذلك تهديدهم بالحرمان من الطعام وحسن الضيافة بعد هذه المرَّة، كلما احتاجوا إِليه في السنين العجاف ما لم يأتوه بأَخيهم من أَبيهم.
٦١ - ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾:
أَثَّر فيهم تهديد يوسف لهم بالحرمان من الطعام مستقبلا فقالوا له: سنحاول مع أَبيه يعقوب ونحتال في أَخذه منه ونجتهد في ذلك - يشيرون بذلك إِلى عِزَّةِ وصعوبة مناله.
ومع صعوبته وَعَدُوا يوسف بتحقيقه بقولهم له: (وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ). مرضاة له وتفويتًا لما اعتقدوا أَنه تسرب إِلى ذهنه من أَنهم كاذبون، فإِن قيل إِن طلب يوسف لبنيامين، سوف يدخل الحزن على أَبيه فما حكمة ذلك؟ وقد أجيب عن ذلك بعدة أَجوبة، منها: أَن ذلك كان بأَمر من الله ابتلاءً ليعقوب، ليعظم ثوابه ولكى تتضاعف مسرته برجوع ولديه، إِلى آخر ما قيل في ذلك.
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ في رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾
стр. 2116
المفردات:
(فِتْيَانِهِ): غلمانه الكيالين؛ جمع فتى.
(بِضَاعَتَهُمْ): ما جاءوا به من المتاع ليشتروا به الطعام.
(فَي رِحَالِهِمْ): في أَوعيتهم، قال ابن الأَنبارى: يقال للوعاءِ رحل وللبيت رحل. (انقَلَبوا إِلى أَهْلِهِمْ): رجعوا إليهم.
التفسير
٦٢ - ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ في رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾:
كان إخوة يوسف يريدون شراءَ القمح مُبادَلَةً ببضائع أخرى جاءُوا بها معهم من الشام (١)، وكان يوسف يريد أَن يعطيهم القمح دون مقابل تفضلا عليهم، وخوفًا من أَن لا يكون عند أَبيه ما يرجعون به مرة أخرى ليشتروا به طعامًا آخر غير الذي أخذوه في هذه المرة، ولكى يكون ذلك التفضل وسيلة لتحقيق مطلبه من حضور بنيامين معهم عند حضورهم للامتيار (٢) مرة أخرى ولهذا قال يوسف لغلمانه وعماله الموكول إِليهم بَيْعُ القمح وكيله وقَبْض الثمن - قال لهم -: اجعلوا بضاعتهم التي جاءوا بها ليجعلونها ثمنًا للطعام - اجعلوها - في أَوعيتهم سِرًّا ولا تشعروهم أَننى نزلت لهم عنها، وأَننى تفضلت عليهم بالقمح دون ثمن، لعلهم يعرفون هذه المكرمة ويقدرونها قدرها حين يرجعون إِلى أَهلهم ويفاجؤون بها في متاعهم، لعلهم يعودون إِلىَّ بأَخيهم الذي طلبته، فإِن التفضل عليهم بإِعطاءِ البدلين ولا سيما عند ندرة البضاعة من أَقوى الدواعى إلى الرجوع.
стр. 2117
٦٣ - ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾:
أَي فلما عادوا إِلى أَبيهم من مصر بمتاعهم، قالوا قبل أَن يشتغلوا بفتح المتاع: يا أَبانا مَنَعَ مِنَّا العزيز أن نكتال الطعام من عنده بعد هذه المرة حتى نأْتيه بأَخ لنا من أَبينا، ولما حكوا لأَبيهم القصة التي اقتضت أَن يطلب منهم العزيز هذا الطلب قالوا لأَبيهم: فأَرسل معنا أَخانا بنيامين إِلى مصر نكتل بسببه الطعام كما قال العزيز. وإنا له لحافظون من أَن يصيبه مكروه.
٦٤ - (قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ):
أَي لم يحدث منكم ما يقتضي الاطمئنان على وعودكم، فقد وعدتمونى من قبل بالمحافظة على أَخيه يوسف وجئتمونى بدونه وزعمتم أَن الذئب أكله: فهل آمنكم على بنيامين إلا بالصورة التي أَمنتكم بها على أَخيه. دون أَي يتغير حالكم، ويدعونى إلى الاطمئنان لوعودكم.
(فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ):
أَي فالله خير منكم ومن سواكم حافظًا، وهو أَرحم الراحمين، فلذا أَكِل أَمر حفظه إِلى فضله ورحمته سبحانه، ولا أَعتمد في ذلك عليكم فقد حربتكم فما وجدت فيكم وفاءً بوعد، ولا حفظًا لعهد.
стр. 2118
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾
المفردات:
(وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ): المقصود بمتاعهم؛ الأَوعية التي فيها طعامهم وبضاعتهم وهى المعبر عنها سابقًا برحالهم في قول يوسف: "اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ".
(مَا نَبْغِي): أَىُّ شيءٍ نبغيه ونطلبه أَكثر من كرم العزيز برده الثمن إِلينا وتوفيته الكيل لنا؟.
(وَنَمِيرُ أَهْلَنَا): أَي نجلب لهم المِيرَةَ وهى الطعام، من المَيْر وهو جلب الطعام (١).
(كَيْلَ بَعِيرٍ): أَي طعامًا مكيلا مقداره حمل بعير لأَخينا بنيامين.
(كَيْلٌ يَسِيرٌ): مكيل سهل على عزيز مصر لا يمنعنا إِياه لكرمه.
(مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ): أَي عهدًا منكم مع الله تعالى يدعونى إِلى الثقة بوفائكم له.
(إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ): أي إِلا أَن تُغْلَبُوا عليه.
(وَكِيلٌ): موكول إليه تنفيذ هذا الميثاق.
стр. 2119
التفسير
(وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ):
بيَّنت الآيتان الآيتان السابقتان أَن إِخوة يوسف لما رجعوا من مصر بالطعام إِلى أَبيهم، أَخبروه بأَن العزيز طلب منهم أَخًا لهم من أَبيهم جاءَ ذكره في حديثهم معه، وأَنه منع منهم الطعام في المستقبل إِن لم يأتوه به، وأَن أَباهم ذكر لهم أَنهم لم يحدث منهم ما يوجب الثقة بهم وائتمانهم على شقيق يوسف بعد أَن فجعوه في يوسف، وذكر لهم أَن الله هو الحافظ الرحيم، يكنى بهذه العبارة عن مخاوفه منهم على بنيامين، وأَنه يستعين بالله عليهم وجاءَت هذه الآية وما بعدها لتبين أَنهم أَقنعوه بكرم عزيز مصر حيث أَعطاهم الطعام، ورد إِليهم الثمن، وأَنهم سيزدادون به قيل بعير وأَن أَباهم وافقهم على إِرساله معهم، بعد أَن أَعطوه موثقا من الله برده إِليه.
والمعنى: ولما فتحوا أَوعية طعامهم وجدوا بضاعتهم التي دفعوها ثمنا للطعام بمصر قد ردت إِليهم، حيث وضعت دون علمهم في رحالهم ففوجئوا بها في أَوعية طعامهم، فماذا قالوا لأَبيهم؟
(قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا):
قال إِخوة يوسف لأَبيهم لكي يوافق على إِرسال بنيامين معهم أَي شيءٍ نطلبه ليكون شاهدا على أَن سفر بنيامين معنا سيكون سببا في خير يأْتينا في هذه المجاعة، أَي شيءٍ نطلبه وراءَ هذا أَكرمنا وَوَفَّى لنا الكيل، ورد علينا الثمن الذي هو بضاعتنا، فكيف لا نستجيب لطلبه ونجيئه بأَخ لنا من أَبينا؟
(وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ):
أَي هذه بضاعتنا التي كنا نريد دفعها ثمنا للطعام ردَّها إِلينا العزيز نستعين بها ونَمِير أَهلنا أَي نجلب الطعام إِليهم مرة أُخرى ونحفظ أَخانا في هذه المرة حتى لا يصيبه مكروه، لأَنَّا لَن نشغل عنه باللهو واللعب، ونزداد بحضور بنيامين معنا وزن بعير يكال لنا من أَجله، زائدا على أَوساق أَبَاعِرنَا وأَحمالها ذلك الكيل الزائد الذي نطلبه من أَجل بنيامين قيل يسير على عزيز مصر وسهل عليه، فلا يخيبنا في طلبه فأَى شيءٍ نبغى وراءَ هذه الأَغراض المشتملة على إِطعام أَهلنا
стр. 2120
مرة أُخرى وسلامة أَخينا، وسعة الرزق علينا، فلماذا لا تبعث به معنا حتى نحقق هذه المطالب.
٦٦ - (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ):
قال يعقوب لأَولاده وقد أَلانه كلامهم، وهيأَه لقبول مطلبهم لن أُرسل بنيامين معكم كما طلبتم حتى تعْطونى عهدا مع الله على رده وموثقا من جهته على ذلك. ليكون شهيدا عليكم ومنتقما منكم إِن لم تكونوا أَوفياء.
(لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ):
مرتبط بالقسم المفهوم بما قبله كأَنه قال لهم: لن أُرسله معكم حتى تَحْلفوا باللهِ لتأتننى ببنيامين حين ترجعون من رحلتكم ثانيا إِلى مصر، إِلا أَن تغلبوا بما لا قبل لكم به فيحول دون وفائكم بقسمكم.
وصورة الميثاق الذي طلبه أَبوهم منهم أَن يقولوا مثلا: والله لنأتينك ببنيامين ونحن عائدون من مصر بالطعام إِلا أَن نغلب على أَمرنا بما لا قبل لنا به.
﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾:
أَي فلما أَعطى الأَسباط أباهم يعقوب ﵇ يمينهم وعهدهم مع الله، قال يعقوب مؤَكدا التوثيق: (اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ): أَنا وأنتم من طلبى القسم وصدور العهد منكم، (وَكِيلٌ): مطلع رقيب، فإِن وفيتم أُجرتم وإِن خنتم انتقم الله منكم.
﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
التفسير
٦٧ - ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ الآية.
стр. 2121
كان بنو يعقوب فيهم جمال وكانوا أحد عشر متجانسين تجانس الكواكب، وقد تجملوا في هذه المرة أَكثر من المرة الأَولى بعد أَن أَدركوا كرامتهم على العزيز من إعطائهم الطعام في المرة السابقة دون مقابل ورده بضاعتهم عليهم، ولهذا كله خَافَ عليهم أَبوهم العين إِن دخلوا مصر من باب واحد وهم على هذا النمط الفريد. وبخاصة في زمن المجاعة حيث الناس في شدة، وكانت المدن في الزمان السابق يحيط بها أَسوار لحمايتها من الأعداءِ، وفي هذه الأَسوار أَبواب للدخول والخروج منها، فلهذا أوصاهم أَبوهم أن لا يدخلوا مصر من باب. واحد بل من أبواب متفرقة.
قال العلامة أَبو السعود: وإصابة العين بتقدير العزيز الحكيم ليست مما يُنْكر، وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: "إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ" وقوله: "إِن الْعَيْنَ لَتُدْخِل الرَّجُلَ الْقَبْرَ وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ " وقد كان ﷺ يُعَوّذ الحسنين ﵄ بقوله: (أَعُوذُ بِكَلِماتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّة وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامةٍ) وكان ﷺ يقول: "كان أَبوكما يُعَوِّذُ بهَا إِسماعيل وإِسحاق ﵈". رواه البخاري في صحيحه، وقد شهدت بذلك التجارب. أهـ.
والمعنى؛ وقال يعقوب لبنيه بعد أَن حلفوا له: لا تدخلوا مصر من باب واحد ولكن ادخلوها من أَبواب متفرقة بحيث لا يبدو لكم اجتماع حتى تسلموا من حسد الحاسدين ولست أُغنى عنكم بحذرى هذا من قضاءِ الله من شئٍ وإِنما هو نوع من التدبير، وأما ترتيب المنفعة عليه هو إِلى الله العزيز القدير، كما أَنه استعان باللهِ وهرب منه إِليه، وقال يعقوب أيضًا ما الحكم في أمر الخلائق جميعًا إِلا لله وحده، عليه دون سواه توكلت واعتمدت، وعليه فليتوكل المتوكلون، فإِنه مفزع كل خائف، ومجيب كل سائل، ومعاذ كل مستعيذ.
وفي الآية الكريمة هداية يعقوب لأَولاده، وإرشادهم إِلى التوكل على الله فيما هم بصدده غير معتمدين كل الاعتماد على ما وصاهم به من التدبير.
стр. 2122
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾
المفردات:
(مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْا): من الأَبواب المتفرقة التي أَمرهم بالدخول بها.
(لِمَا عَلَّمْنَاهُ): لتعليمنا إِيه بالوحى.
(فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ): فلا تأْسف ولا تحزن بسبب ما صنعوا.
التفسير
٦٨ - (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ … ) الآية.
أَي خرج إِخوة يوسف من الشام متجهين إِلى مصر حتى وصلوا إلى مداخلها، ولما دخلوا من أَبواب متفرقة حيث أَمرهم أَبوهم.
(مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا):
أَي ما كان دخولهم من حيث أَمرهم أَبوهم يدفع عنهم من أَمر الله شيئًا بما قضاه حسب إِرادته، لعلَّه يدفع إِصابة العين، وذلك باب ربط المسببات بأَسبابها العادية كما جرَّبه الناس، ولكن إِصابة العين لم تقع لهم لكونها غير مقدرة عليهم، ولو كانت مقدرة لم يدفعها دخولهم من أَبواب متفرقة.
стр. 2123
(وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ):
وإِن يعقوب لصاحب علم جليل لأَجل تعليمنا إِياه بالوحى، حيث لم يعتقد أَن الحذر يدفع القدر، وأَن التدبير له حظ من التأْثير بتغيير قضاء الله، ولهذا قال لهم: (وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) أَي وما أَدفع عنكم بهذا التدبير من قضاءِ الله، وإِنما يحذر الناس ويدبرون لعل تدبيرهم يرتبط بقضاءِ الله وقدره. فاتخاذ الأَسباب مشروع لهذا (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
أَي ولكن أَكثر الناس لا يعلمون أَسرار القدر، ويزعمون أَن الحذر يغنى من القدر.
٦٩ - (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ):
أَي ولما دخلوا على يوسف ومعهم بنيامين أَكرمهم لأنهم وفوا بوعدهم معه، وآوى إِليه إِخاه الشقيق بنيامين حيث ضمه إليه سكنا وطعامًا، بطريقة لا تدخل ريبة في نفوسهم، ولما خلا به.
﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
أَي قال يوسف لبنيامين مؤْنسا له وكاشفا له عن سره الخطير، إِنى يا بنيامين أَنا يوسف أَخوك، وسرد عليه قصته ثم قال فلا تحزن بسبب ما كانوا يعملونه بنا فيما مضى، فقد أَحسن الله إِلينا وجمعنا بخير، ولا تعلمنهم بما أَعلمتك به، حتى تمضى الأَمور إلى غايتها.
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ في رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾
المفردات:
(جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ): الجهازة في اللغة؛ ما يحتاج إِليه إلمسافر والعروس والميت، وتجهيزهم بجهازهم تنجيز ما يحتاجون إليه من الطعام وإِعداده في أَوعيتهم.
стр. 2124
(السِّقَايَة): المشربة الثى يُشْرَبُ بِها، وهي والصواع شئٌ واحد، قال الشاعر: نشرب الخمر بالصُّواع جهارًا.
(رَحْلِ أَخِيهِ): المراد به وعاءُ الطعام الخاص بأخيه بنيامين. (أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ): نادى مناد.
(أَيَّتُهَا الْعِيرُ): العير هي الأَبل التي عليها الأحمال، والمراد بندائها نداءُ أَصحابها، وقال أبو عبيد هي الإبل المَرْحُولَةُ المركوبة. (زعيم): كفيل وضمين.
التفسير
٧٠ - (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ في رَحْلِ أَخِيهِ):
تقدم بيان أَن يوسف ﵇ عقد العزم على استقدم آل يعقوب إِلى مصر بعد أَن وفد إِخوته عليه أَول مرة ليحصلوا على الطعام لذويهم، وكانوا قد حدثوه عن أَخ لهم من أَبيهم هو بنيامين، ولعلهم طلبوا له طعاما، فطلب منهم أَن يحضروه معهم في المرة المقبلة ليأُخذ طعامه بنفسه، ولهذا قالوا لأبيهم حين طلبوه منه بعد عودتهم من مصر: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾. أَي نزداد قيل بعير من أَجل بنيامين فلما حضروا به في المرة الثانية وأَراد يوسف أَن يستبقيه، لم يجد سببا لاستبقائه عنده إِلا أَن يأَمر بدس إِنائه الذي يشرب به في رحل بنيامين، وكان إِناءً ثمينًا يمكن الاتهام بسرقته لارتفاع قيمته فلهذا جعل ذلك الإِناءَ المعبر عنه بالسّقاية في الآية - جعله في رحل أخيه بنيامين أَي وعاءِ طعامه، وسيأْتى الكلام عن الحكمة في اختياره هذا السبب لاستبقائه لديه.
(ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ):
أَي ثم بعد أَن جعل السقاية في رحل بنيامين وركب إِخوة يوسف دوابهم، نادى منادٍ فيهم يا أَصحاب العير إِنكم لسارقون، ولم يعين لهم ما سرقوه في ندائه ليستدعى كامل انتباههم، ويَظْهَرُ - والله أَعلم - أَن هذا الذي حدث كان بموافقة من بنيامين ليبقى عند أَخيه يوسف حتى يأْتي والده وأُسرته.
стр. 2125
فإِن قيل كيف رضي بنيامين بذلك مع ما فيه من زيادة الحزن على أبيه، وكيف ينسب يوسف السرقة إِلى إِخوته وهم برآءُ منها.
والجواب عن الأول: أَن الحزن كان قد غلب على يعقوب بفقد يوسف فلا يؤَثر فيه كثيرا فَقْدُ بنيامين، ولهذا لمَّا لَمْ يَعُدْ بنيامين لم يذكر يعقوبُ سوى يوسف، إِذ قال: (يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ).
والجواب عن الثاني: أَنهم قد سرقوا يوسف من أَبيه والقوه في الجب، ولذا قيل إِنكم لسارقون ولم يعين لهم ما سرقوه.
٧١ - ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾:
أَي قال إِخوة يوسف وقد أَقبلوا على من ينادونهم ويتهمونهم بالسرقة ماذا ضاع منكم حتى اتهمتونا بسرقة؟
٧٢ - ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾:
أَي قال هؤُلاءِ المنادون نفقد سقاية الملك الثمينة التي يشرب بها، ويطلق صواعَ.
(وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ):
أَي وقال من آذنهم وأَعلمهم بأَنهم سارقون - تلطفا معهم ومنعا لإِحراجهم بتفتيش جهازهم، وإِثبات السرقة عليهم - قال لهم -: سيكون لمن جاءَ بصواع الملك من تلقاءِ نفسه قبل التفتيش حمل بعير من الطعام مكأَفاة له على إِظهاره، فربما وجد في رحالهم اتفاقا من غير قصد، فلذا يكافأُ من جاءَ به وعثر عليه، وأَكد المنادى تحقيق هذا الوعد بقوله وأَنا بتحقيقه زعيم أَي ضمين وكفيل.
стр. 2126
﴿قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ في الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا
جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٤) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ في دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾
التفسير
٧٣ - (قالُوا تالله لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ في الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ):
تالله بمعنى والله، وتختص التاء بالدخول على لفظ الجلالة على الأَرجح، ويُقسم بهذا القسم عند التعجب.
والمعنى: وحق الله لقد عرفتم من استقامتنا في المعاملة، وما نحن عليه من التدين والتَّصَوُّن، أَننا ما جئنا لكي نفسد في الأرض بسرقة أو غيرها، بل جئنا للحصول على الطعام، وما كنا من قبل سارقين، فما حدثت منا سرقة في حياتنا ولا وصفنا بها فكيف يستقيم وصفكم لنا بسرقة صواع الملك؟
٧٤ - ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾:
قال عمال الملك لإخوة يوسف فما جزاءُ سرقة صواع الملك في شريعتكم، إِن كنتم كاذبين في دعواكم أَن الصواع ليس في أوعيتكم:
стр. 2127
٧٥ - ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾:
أي قال إخوة يوسف جزاءُ الصواع المفقود في شريعتنا أَخذ من وجد في رحله، واسترقاقه فكذا يعاقب السارق عندنا وهذا جزاؤُه، ثم أَكدوا هذا الحكم مرة أُخرى بقولهم:
(كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ):
أَي مثل هذا الجزاءِ نجزى الظالمين بالسرقة في شريعتنا، يقولون ذلك ثقة ببراءَتهم منها، وهم غافلون عما دُبِّر لهم.
٧٦ - (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيه):
فبدأَ يوسف بتفتيش أَوعية إِخوته العشرة الذين هم من أَبيه، قبل تفتيش وعاء أَخيه الشقيق بنيامين، لنَفْىِ التهمة في أَول الأمر عن نفسه إِن بدأَ به، فإِنهم حينئذ يقولون إِنه جعلنا نطلبه من أَبيه ليفتعل هذه التهمة لأَمر يريده لم ينكشف لنا بعد، فلهذا أَبقاه بعدهم، ولينسيهم فرحتهم ببراءَتهم أَولا، ما حدث لأَخيهم من أَبيهم أَخيرا، بل وليدفعهم ذلك إِلى قالة السوءِ فيه وفي يوسف وهو قولهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وسيأْتى الكلام في بيانه.
﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾:
أي مثل ذلك الكيد المحكم حيث أَرشدنا الإخوة إلى الإِفتاءِ باسترقاق من وجد في رحله، مثل ذلك الكيد عندنا لأَجل يوسف أَي دبرنا له المقدمات لكي يحصل بها غرضه وتلك المقدمات هي دس الصواع في رحالهم وما تلاه حتى آل الأَمر إِلى تحقيق ما أَراده من بقاء بنيامين معه.
(مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ في دِينِ الْمَلِكِ):
هذا تعليل لما قبله، أَي كدنا ليوسف بهذه الطريقة، لأَنه ما كان يستطيع أَن يأْخذ أَخاه فيما يدين به الملك في أَمر السارق أَي في حكمه وقضائه الذي يَدِينُ به هو وشعبه فإِنه لم يكن جزاءُ السارق فيه الاسترقاق، بل عقوبة أُخرى كالضرب والتغريم، فلهذا جعله يحتكم إِلى شريعتهم حتى يستبقيه لديه.
стр. 2128
(إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ):
أَي ما كان يوسف ليأْخذ أَخاه في دين الملك في حال من الأحوال إِلا في حالة مشيئة الله هذا الكيد والتدبير، فإِن دين الملك حينئذ يقره ما دام السارق يدين به ويعتقده، لأَنه يحقق له من الجزاء أَكثر مما عنده في قوانينه، ولهذا وافقهم على فتواهم وأَبقاه عنده.
(نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ):
أَي نرفع درجاتٍ عالية من العلم والحكمة في التصرف من نشاءُ من عبادنا كما رفعنا يوسف، وما كان ليصل إِلى ما وصل إليه لولا تدبير الله وتهيئته أَسبابه، فإنه فوق كل ذو علم إلى علمه. صاحب علمٍ من الخلق عليم لا غاية لعلمه وهو الله تعالى ولولا إِرشاده وتعليمه لما وصل ذو علم إلى علمه.
(قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ في نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧))
المفردات:
(شَرٌّ مَكَانًا): أَسوأُ مكانة ومنزلة.
(وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ): والله عالم أَبلغ العلم بحقيقة ما تزعمون منْ صدور السرقة عن أَخيه.
التفسير
٧٧ - (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ):
تقدم الحديث عن وضع صواع الملك الثمين في رحل بنيامين سرًّا، وإن رجال يوسف اتهموا إِخوته بسرقة الصواع قائلين لهم: (أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) فلما نفوا
стр. 2129
عن أَنفسهم هذه التهمة سألوهم عن حكم سارقه في شريعتهم إِن ظهر كذبهم.
﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ فبحث يوسف في أَوعيتهم قبل وعاءِ شقيقه بنيامين، ثم استخرجه من وعائه. وبهذه الحيلة استطاع إِبقاء أَخيه معه وهم لا يشعرون أَن هذه القصة مصنوعة لتحقق هذا الغرض، وجاءَت هذه الآية وما بعدها لبيان الأحداث التي تلت ذلك، والمعنى: قال إِخوة يوسف غير الأَشقاءِ إِن يسرق بنيامين فقد سرق أَخ شقيق له من قبله، يقولون ذلك تبرئة لأَنفسهم من وصمة السرقة، مُدَّعين أَن خلق السرقة في بنيامين قد سبقه إِليه أخ شقيق أَكبر منه - يعنون يوسف ﵇ وأَنهم برآءُ من هذا الخلق لأَن الأَم مختلفة ومَا دَرَوْا أَن - يوسف الذي اتهموه زُورًا يسمع كلامهم ويعرف أَنهم كاذبون.
واختلف فيما نسبوه إِلى يوسف، ومن أَظهر ما قيل فيه ما أَخرجه ابن مَرْدَوَيْه عن ابن عباس عن النبي ﷺ أَنه قال في الآية: "سرق يوسف ﵇ صنما لجده أَبي أُمه من ذهب وفضة، فكسره وأَلقاه على الطريق، فعيره إِخوته بذلك" ويرى الحسن أَنهم كذبوا على يوسف فيما نسبوه إليه، ولعله لا تنافى بين هذا وما روى عن ابن عباس إن صح فإِن من أَخذ الصنم لكي يحطمه لا يعتبر سارقا شرعا، فيكون وصفهم له بالسرقة كذبا؛ لأنه مخالف للشرائع، ويكونون بذلك كاذبين على يوسف.
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ في نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾:
أَي فأَخفى يوسف في نفسه هذه الفرية التي افتروها عليه، ولم يظهرها لهم أَنها فرية، كتمانا لأَمره حتى يفاجئوا في نهاية القصة بما آل إِليه أَمره في الملك فيندموا على ما فرط منهم في حقه. ولكن قال في نفسه عنهم: أَنتم أَسوأُ مني منزلة في السرقة، وأقوى في الأَتصافِ بهذا الوصف حيث سرقتمونى من أَبي وأَلقيتمونى في الجب ولولا رحمة ربي لكنت من الهالكين، أَما أَنا فلم أَسرق ولكننى حطمت الصنم وأَلقيته على الطريق.
стр. 2130
وقال بعض المفسرين: إن الذى أسره يوسف فى نفسه ولم يبده لإخوته هو قوله: ﴿أَنتُمْ شَرَّ مَكَانًا وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾: فهذه الجملة تفسير للضمير في قوله: (فَأَسَرهَا). هـ قال الزجاج.
ثم أتمَّ يوسف كلامه الذي أسره في نفسه فقال
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾:
أى والله أعلم بحقيقة ما تقولون وصفا لى ولأخى من أنه سرق وأنني سرقت قبله، فكلانا برئ من السرقة كما يعلم الله تعالى.
﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾
المفردات:
(معاذ الله): المعاذ والعياذ والعوذ بمعنى الالتجاء. وقد يقصد منها التبروُ كما هنا.
فمعاذ الله هنا بمعنى نبرأ إلى الله
(مَتَاعَنَا): المتع ماينتفع به إلى حين، والمقصود منه هنا صواع الملك
التفسير
٧٨ - (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبا شَيْخًا كَبِيرًا .. ) الآية.
أى قال إخوة يوسف حينما رأوا أن يوسف سيستبقى بنيامين عنده طبقاً لفتواهم، قالوا له مستعطفين: يا أيها العزيز إن لبنيامين أباً شيخًا طاعنا فى السن لا يستطيع فراقه، وهو سلواه عن شقيقه المفقود، فخذ أحدنا بدلا منه، فلسنا عنده بمنزلته من المحبة.
стр. 2131
إِنا نراك من المحسنين إِلينا، فأَتْممْ إِحسانك علينا، أَو نراك ممَّن عادتهم الإِحسان، فلا تغير عادتك معنا، فنحن أَحق الناس بذلك، نظرا لحال أَبيه والتزامنا أَن نرده إِليه!
وهم حين عرضوا عليه أَن يسْرِقَّ أَحدهم مكانه لا يرون أَن ذلك مشروع عندهم، فإنَّه لا يؤاخذ بالذنب سوى صاحبه، ولكنهم يقولون ذلك مبالغة في استنزاله عن أَخذ بنيامين.
٧٩ - ﴿قَالَ مَعَاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾:
قال يوسف: نعوذ بالله ونبرأَ إِليه من أَن نأْخذ إِلا من وجدنا صواعنا عنده بموجب فتواكم طبقا لشرعكم، فلا نحب الإِخلال بها، إِنا إِذا أَخذنا غيره ولو يرضاه لظالمون في مذهبكم وشريعتكم ونحن لا نحب ذلك.
والتعبير بضمير المعظم نفسه (إِذًا لَظَالِمُونَ) بدلا من ضمير المفرد - إِنَّى إِذًا لَظَالِم - جرى على سنن الملوك.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾
стр. 2132
المفردات:
(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ): يئسوا منه أَشد اليأُس. (خَلَصُوا نَجِيًّا) انفردوا عن يوسف غيره متناجين أَي متسارِّين، والنِّجِىُّ من تتحدث معه سِرًّا واحدًا أَو أَكثر، والنجوى السر. (الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا): هي مصر والمراد بها أَهلها. (وَالْعِيرَ): وأَصحاب العير الذين كانوا معنا.
التفسير
٨٠ - (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا):
أَي فلما يئسوا من يوسف أَن يجيبهم إِلى ما طلبوه منه من ترك بنيامين وأَخذ أَحدهم مكانه، حيث قال لهم على سبيل الحسم: (مَعَاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ) فإن ذلك يدل على غاية الكراهة لما طلبتوه حتى تعوَّذ باللهِ من حصوله - فلما يئسوا منه أشد اليأس لذلك انفردوا عنه وعن أَعين الناس متحدثين سرًّا في طريقة الخلاص من هذه المشكلة، كيف يبلغونها لأبيهم؟ وماذا يكون وقعها عليه؟ وهو لم ينس يوسف بعد، ولم تبرد نار فؤَاده.
(قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ):
قال كبيرهم في السنن أَو في المنزلة حين رآهم مجمعين على أَن يعودوا جميعًا دون بنيامين، أَلم تعلموا أَن أَباكم قد أَخذ عليكم عهدا وثيقًا من الله، حيث حلفتم به سبحانه لنرجعن ببنيامين إِليه، فكيف تعودون إِليه وليس معكم، أَو لم تعلموا مِنْ قبل - أَي من قبل بنيامين - فريطكم وتقصيرَكُم في شأْن يوسف وأَنكم لم تحفظوا في حقه عهدكم مع أَبيكم، إِذ قلتم له مرة: "وإنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ". وأُخرى: "وإنَّا لَهُ لَحَافظُون". فكيف نعود إِليه بعد كل هذا؟
стр. 2133
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾:
فبعد كل هذا لن أُفارق أَرض مصر حتى يأَذن لي أَبي بالعودة إِليه، أَو يحكم الله لي بالخروج منها على وجه لا يؤدى إِلى نقض الميثاق، أَو بخلاص أَخى بسبب من الأسباب (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ): لأنه لا يحكم إِلا بالحق العدل.
ثم وصل الكبير كلامه بقوله:
٨١ - ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾:
أَي عودوا إِلى والدكم يعقوب فحدثوه بما وقع، قولوا له يا أَبانا إن ابنك بنيامين سرق صواع الملك ووضعه في رحله، فأَخذه وزير العزيز طبقا لشريعتنا وكان قد استفتانا قبل أَن نعلم الأَمور ويَبِينَ لنا الحال، وما شهدنا عليه بالسرقة إِلا بما علمناه من وجود الصواع في رحله، وما كنا لما غاب من أَمره عالمين، فلذا أعطيناك المواثيق فاعذرنا، فإن الذنب ليس ذنبنا.
ثمَّ أَشار عليهم بما ظن أنه يحمل أباهم على التصديق فقال:
٨٢ - (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا):
أَي وأَرسل إلى أَهل مصر المتصلين بالملك حيث كُنَّا معهم فيها واسألهم عن ذلك، واسأَل القافلة التي كُنَّا فيها، فإِن القصة شائعة فيهم ومعروفة لديهم، ثم ختم الكبير كلامه لإِخوته بجملة يوكدون لأَبيهم بها أَنهم صادقون فقال: (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ): فلا نخاف سؤالهم - قيل إِن أَصحاب العير كانوا من الكنعانيين، وكانوا جيران يعقوب ﵇.
стр. 2134
(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤))
المفردات:
(سَوَّلَتْ): زينت وسهَّلت. (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ): هو الذي لا يكون معه ضجر ولا شكوى لأَحد. (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ): الألف في "أَسَفَى" بدل من ياءِ المتكلم للتخفيف والأَصل يا أَسفِى بكسر الفاءِ، والأَسف أَشد الحزن على ما فات. (فَهُوَ كَظِيمٌ): فهو مملوءُ القلب غيظا، لكنه لا يظهر، وقيل مملوءُ القلب حزنا ممسك له لا يبديه. من كَظَم السِّقَاءَ إذا شدَّه بَعْد ملئه، فَهوَ فَعِيل بمعنى مفعول. (وَابْيَضتْ عَيْنَاهُ): أَصابتها غشاوة بيضاءُ.
التفسير
٨٣ - (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ):
طوى القرآن من القصة ما ليس بحاجة إِلى التصريح، وبيان ذلك أَن هذا القول من يعقوب رَدَّ به على أَولاده بعد عودتهم إِلى أَرض الشام وإِخباره بالقصة على نحو ما أَوصاهم به كبيرهم.
والمعنى: عاد إخوة يوسف من مصر برحالهم، وأَخبروا أَباهم بالقصة على نحو ما وصَّاهم به كبيرهم - قال يعقوب متهما لهم: ليس الأَمر كما زعمتم، بل زينت لكم أَنفسكم أَمرا في شأْنه لتتخلصوا منه ففعلتم ما زينته لكم أَنفسكم، فصبر جميل على ما فعلتم أَحق بي.
واعلم أَنهم لم يخبروا أَباهم في شأْن بنيامين إِلا بما ظهر لهم، وأَنهم لم تسول لهم نفوسهم في شأْنه أَمرًا - كما قال أَبوهم يعقوب ﵇ فكيف قال لهم ماقال؟!
стр. 2135
أَجاب ابن المنيَّر عن هذا السؤَال بقولِه: إِنهم كانوا عند أَبيهم متهمين لما أَسلفوه في حق يوسف، وقامت عنده قوينة تؤَكد التهمة وتقويها وهي أَخذ الملك له في السرقة، ولم يكن ذلك في دين ملك مصر، ولا في دين غيره، وإِنما كان ذلك في شرع يعقوب الذي يدين به أَولاده، فظن أَنهم هم الذين أَفْتَوْه بذلك عمدا بعد ظهور السرقة التي ذكروها، ليتخلف بنيامين دونهم. اهـ. هذا تلخيص ما حكاه الآلوسى عن ابن المنير فى جواب هذا السؤال.
(عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ):
لم يفقد يعقوب الأَمل في رحمة الله، لم يقطع الرجاءَ في عودة يوسف وبنيامين إليه فلذا قال عقب اتهامه لأَولاده في شأْن بنيامين: عسى الله أَن يأْتينى بأَولادى جميعًا يوسف وبنيامين، وابنى الكبير الذي تخلف في مصر حتى آذن له بالعودة أَو يحكم الله له. وأَكَّد رجاءه في الله بقوله: (إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ): إِنه هو الواسع العلم الذي يبتلى بحكمة ويرفع البلاءَ بحكمة وهو أَرحم الراحمين، هذا وقد قيل إِن مبعث الرجاءِ عنده تلك الرؤيا التي رآها يوسف في صغره "إِنى رَأيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَمْسَ وَالقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ". فكان ينتظر تحقيقها، ويحسن ظنه باللهِ تعالى، وبخاصة بعد أَن اشتد به الكرب، وقد جرت سنته تعالى أَن يجعل بعد الشدَّة المستحكمة فرجًا وبعد العسر يسرًا.
٨٤ - (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ):
وأَعرض عن أَولاده كراهة لما سمعه منهم، وقال: يا أشد الحزن والأَسف على يوسف تَعال إِلى، فقد تجدد ما يدعونى إِلى استدعائك، قالوا: وإِنَّما تأَسَّف على يوسف مع أَن الحادث الجديد هو مصيبة بنيامين وابنه الكبير الذي تخلف لأَجله، لأَن مصيبة يوسف كانت أَساس حزنه، وحبه كان آخذًا بمجامع قلبه، ولأَنه كان واثقا بحياة ولديه بمصر، طامعا في عودتهما إِليه، أَما يوسف لم تكن عنده بارقة أَمل إِلا فى رحمة الله تعالى.
стр. 2136
(وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ):
وابيضت عينا يعقوب بسبب الحزن وما كان يسببة له من دوام البكاءِ، فهو مملوء من الحزن على أَولاده الغائبين، ومملوءٌ من الغيظ من أَولاد الحاضرين، وكان عماه هذا مؤقتا إِن صح القول به، وكان بعد أَن بلغ دعوة ربه، فلا يقال: إِنه من الأَمراض المانعة من التكليف بالرسالة. ومن العلماءِ من قال: إِن أَمره لم يصل إِلى حد العمى. فقد كان يرى إِلى حدٍّ ما.
فَإِنْ قِيل كَيف يكون نبيًّا ويبلغ به الحزن إِلى هذا الحد؟ قلنا أُجِيب عن ذلك بعدَّةِ أَجْوبة، خَيْرُهَا: أَنَّ الحزن ليس محظورًا، وإِنما المحظور الولولة وشق الثياب والكلام بما لا ينبغي. فقد روى الشيخان من حديثِ أَنس أَنه ﷺ بكى على ولده إِبراهيم وقال: "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ والقَلْبَ يَخْشَعُ وَلاَّ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِى ربَّنَا، وَإنَّا لِفِرَاقِكَ يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزونُونَ".
وقد بين الله شدة حزن يعقوب بقوله: (فَهُوَ كَظِيمُ): أي مملوءٌ من الحزن ممسك عليه لا يبثه.
ومِمَّا شَدَّد عليه الحزن حتى امتلأَ، ما روى عن ابن عباس أَنه كان يعلم أَن يوسف حَىُّ ولا يدرى أَين هو؟ انظر القرطبى والآلوسى.
(قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦))
المفرادت:
(تَاللهِ): أَي والله؛ فالتاءُ حرف يستعمل في القسم بالله خاصة.
(تَفْتَأُ): أَي ما زلت.
قال الكسائي: فَتَأُتُ وَفَتِئْثُ أَي ما زلتُ وقال الفراءُ: إِن الكلام هنا بتقدير
стр. 2137
(لا) أَي: (لَا تَفْتَأُ). وكثيرًا ما تضمر (لا) في جواب القسم كما فى قول امرئِ القيس:
فقلت يمين الله أَبرح قاعدًا … ولو قَطَّعوا رأْسِى لديكِ وأَوصالى
أَي بحق الله لا أَبرح، وهو رأْى الخليل وسيبويه، وعلَّلُوا جواز ذلك بأَنه لا يلتبس بالإِثبات إِذ لو كان على الإِثبات لوجب اقترانه باللام والنون كقولك: تَالله لأفعلنَّ كَذا.
(حَرَضًا): الحرض لُغَةً فساد الجسم أَو العقل من الحزن أَو العشق أَو الهَرَم كما قال أبو عبيد وغيره.
(بَثِّى): البث المصيبة التي لا قدرة لأحد على كتمانها فيبثها وينشرها.
التفسير
٨٥ - (قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ):
أَي قال أَولاد يعقوب لما سمعوه يردد الأَسف على يوسف بعد فجيعته في بنيامين دون أَن يذكر في أَسفه بنيامين - قالوا له: والله يا أَبانا لا تبرح تتذكر يوسف بعد مضى هذه السنين الكثيرة على فقده، وتبدى أَشد الحزن وأَغزر البكاء عليه، حتى تشرف على الهلاك أَو تكون من الهالكين حقيقة فخفف على نفسك ولا تتلفها بالهم والأَسى!
٨٦ - (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوبَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ):
قال يعقوب مجيبًا أَولاده عقب لومهم إِياه على حزنه الذي طال أَمده بعد فقده يوسف: - قال يعقوب لهم - ما أَشكو مصببتى التي لا أَستطيع إِخفاءَها، ولا أَشكو حزنى لأَحد إِلا إِلى الله فهو القادر على كشف التفسير، وأَتبع يعقوب كلامه هذا بما يفيد أَمله في رحمة الله فقال:
(وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ):
وأَعلم من شأْن الله ورحمته ما لا تعلمون، فقد كان يحيى بوجدانه النبوى الصادق وبما قام لديه من الأَمارات أَن يوسف حى لم يمت وأَنه وصل أَو سيصل إلى منزلة عظيمة بين الناس، وأَن شمل الأُسرة سوف يجتمع بزعامة يوسف.
стр. 2138
وأَول الشواهد على ذلك: رؤيا يوسف التي رآها في صباه؛ لقد رأَى أَحد عشر كوكبًا، ورأَى الشمس والقمر، رأَى هؤلاء جميعًا له ساجدين، فلما سمع يعقوب من يوسف هذه الرؤيا الصادقة أَدرك أنها ستتحقق، واوصاه أَن يكتمها عن إخوته حتى لا يكيدوا له.
وثانى هذه الشواهد: هذا القميص الذي جاءُوا به ملوثًا بالدم، زاعمين أن الذئب أكله وأَن الذي تلوث به القميص دمه، وكان القميص بغير تمزق، فأدرك أن قصة الذئب مخترعة مصنوعة إذ لو أكله لمزَّق قميصه. ولذا كذبهم فقال: "بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ".
وثالث هذه الأَمارات: ما أَخبره به أَولاده من سيرة عريز مصر نحوهم وعطفه عليهم، وضيافته لهم، فاحسَّ أَنهم يتحدثون عن أَمله المنشود ولذلك قال لهم:
(يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧))
المفردات:
(فَتَحَسَّسُوا): التحسس؛ طلب معرفة الشئِ بالحواس.
(ولَا تَيْئَسُوا مِنِ رَّوْحِ اللهِ): ولا تقنطوا من رحمته التي يحيى بها العباد.
التفسير
٨٧ - (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ٠ … ) الآية.
أَي يا بنىَّ ارجعوا إلى مصر حيث ينتظركم أخوكم الكبير فتعرَّفوا جميعًا من أَخبار يوسف وأَخيه، وابحثوا عنهما بكل قواكم جادّين دائبين، ولا تقنطوا من رحمة الله التي وسعت كل شئِ، إِنه لا يقنط من رحمة الله سبحانه إِلا القوم الكافرون، لجهلهم به وبصفاته، وأَما العالمون به فلا يقنطون بحال.
стр. 2139
واستدل بالآية جمع من العلماء على أَن الياس من رحمة الله كفر!
والجمهور على أن اليأْس من رحمته تعالى من الكبائر، اللهم إِلا إذا اقترن بما يدل على نسبته سبحانه إلى العجز عن تنفيس الكرب أو مغفرة الذنب، وأَيًّا ما كان الأمر فاليأس من رحمة الله من صفات الكفار، ومن أَسباب الكفر والعياذ باللهِ تعالى.
ووصية يعقوب ﵇ لبنيه في الآية الكريمة درس من دروس النبوّة في شحذ الهمم وتربية العزائم.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾
المفردات:
(وَجئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ): المراد من البضاعة هنا: الثمن والمزجاة المدفوعة التي يردها من يراها لرداءَتها من أزجيته إذا دفعته، والريح تزجي السحاب: تسوقه وتدفعه. وقال ثعلب: البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة اهـ. ومن معانيها القليلة كما ذكره صاحب القاموس، ولعل هذا المعنى هو المراد هنا.
стр. 2140
التفسير
٨٨ - (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ … ) الآية.
أَي فلما دخلوا على يوسف بعد ما رجعوا إِلى مصر امتثالاً لأمر أَبيهم! وإِنما لم يذكر هذا المطوىّ إيذانًا بمسارعتهم إلى الامتثال، وإِشعارًا بأَن هذا أَمر محقق لا يفتقر إلى الذكر والبيان. وهذه هي المرة الثالثة من ذهابهم إلى مصر.
(قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ)): خاطبوه بذلك تعظيمًا على حد خطابهم السابق، والمراد - كما قال الفخر الرازى وغيره - يأَيها الملك القادر المنيع.
(مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ): أَي الهزال من شدة الجوع - والمراد بالأَهل ما يشمل الزوجة وغيرها.
(وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ): قليلة القيمة. لا تصلح أَن تكون ثمنًا للطعام الذي نريده، قيل كانت بضاعتهم من متاع الأَعراب. صوفًا سمنًا. ونحوهما. وإنما قالوا ذلك ليكون باعثًا على الشفقة والرأْفة وتحريك عاطفة الرحمة. تمهيدًا لقولهم:
(فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ): أَي أَتممه لنا كعادتك.
(وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا): برد أَخينا إِلينا وهو الأَنسب بحالهم نظرًا إلى أَمر أَبيهم. وإنَّما سمَّوه تصدقًا - قصدًا إِلى استعطافه!
(إِنَّ اللهَ يَجْزِى الْمتَصَدِّقِينَ): بما هم أَهله. بل بما هو ﵎ أهله: بإختلاف ما ينفقونه. وإثابتهم بما هو خير منه في الآخرة والأولى.
٨٩ - (قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ … ):
أَي قال يوسف ﵇ مُجِيبًا لإِخوته وقد هزَّه استعطافهم. وأَخذته الشفقة عليهم: هل علمتم قبح ما فعلتم بيوسف وأَخيه إِذ أَنتم جاهلون بقبحه فلذا أَقدمتم عليه. أَو جاهلون عاقبته!! - قال ذلك نصحًا لهم وتحريضًا على التوبة وشفقةً عليهم لما رأى عجزهم،