← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

الأَنبياء أَحوالهم جميعها: ما فعلوه وما فُعل بهم من الأمور التي هي في الغرابة كالأَمثال المضروبة: لتكون لكم فيها عظة وعبرة. بقياس أَعمالكم على أَعمالهم، ومآلكم على مآلهم. فترتدعوا عما أَنتم فيه من الشرك والضلال طلبا للنجاة. أَوبينا لكم أَنكم مثلهُم في الكفر واستحقاق العذاب، وتكون الأَمثال على هذا جمع مِثْل بمعنى الشبيه والنظير. ٤٦ - (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ): أَي فعلنا بهم ما فعلنا والحال أَنهم مكروا مكرهم البالغ الذي استنفدوا فيه طاقتهم، وبذلوا في تدبيره كل مجهود لهم، سعيا في إِبطال الحق وتقرير الباطل، وقد جاوزوا بمكرهم كل حد. وفي هذا إِشارة إِلى تمام استحقاقهم ما فعل بهم. (وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ): أَي وعنده عِلْمُ مكرهم الذي يهلكهم به أَو عنده جزاءُ مكرهم الذي فعلوه، وتسمية عقابهم مكرا لكونه في مقابلة مكرهم وجودا وذكرا ويسمى هذا مشاكلة في اصطلاح علماء البلاغة، أَو لكونه في صورة المكر لوقوعه من حيث لا يشعرون. (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ): أَي وإِن كان مكرهم في غاية القوة ومنتهى الشدة، بحيث يكون معدا لإِزالة الجبال عن مقارها، وهي التي جعلها الله للأَرض أَوتادا تحفظ توازنها وتضمن سلامتها. والمراد أَنه الله مجازيهم على مكرهم ومبطل أَثره. وإِن كانت تزول منه الجبال. وذلك إِشارة إِلى مؤَاخذتهم على أَي حال، وعدم التفاوت بين كون مكرهم ضعيفًا أَو قويا. وعن الحسن وجماعة: أَن "إِن" نافية. واللام لتأْكيدها كما في قوله تعالى: "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ". والمعنى على هذا: وَمَكَرُوا مَكْرَهُمْ وعند الله جزاء مكرهم والحال أَنه ما كان له أَثر وخطر عند الله حتى يزول منه ما هو كالجبال في الرسوخ من آيات الله وشرائعة ومعجزاته على أَيدى الرسل السابقين ﵈ (١).

стр. 2277

﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ المفردات: (بَرَزُوا): خَرجوا من قبورهم. (مُقَرَّنِينَ): المقَرَّنون؛ المجموعون بعضهم مع بعض في قَرَن، وهو الحبل الذي يربط به. (الأَصْفَادِ): القيود والأَغلال وهو جمع صفْد أَو صَفَدٌ قيد يوضع في الرِّجل. والغُلّ: قيد تضم به اليد إِلى العنق وقد يقصر على العنق (١)، (سَرَاِبيلُهُمْ): جمع سربال، وهو القميص. (قَطِرَانٍ): القطران، سائل أَسود تطلى به الإِبل الجربى. (وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ): تعلوها وتحيط بها. التفسير ٤٧ - (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ .... ): إِن كان الخطاب للرسول فمعناه دُم على ما أَنت عليه من الثقة بصدق وعد الله، وإن كان لكل مكلف فهو للتحذير والإِرشاد، أَي فلا تظن أَنه سبحانه مخلف وعده لرسله بتعذيب الظالمين في مثل قوله: "وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا … " إلى آخر الآيات. واقتران النهي هنا بالفاءِ يشير إلى ترتبه على ما سبق، وكأَنه قيل خطابا للرسول:

стр. 2278

وإِذا كان الله قد أمرك أَن تنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ويكون من أَمر الظالمين فيه ما تقدم بيانه، فدم على ما أَنت عليه من كمال الثقة بالله. واليقين بإنجاز وعده الذى وعده رسله. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾: أي أنه جل شأنه غالب لا يغالَبُ، قادر يفعل ما يريد، فينتقم لأوليائه من أَعدائه. والجملة تذييل وتعليل للنهي السابق وهو قوله سبحانه: ﴿فَلَا تَحْسَبَنّ﴾. والتعرض لوصف العزة والانتقام يؤَكد عدم إخلاف وعده رسله بتعذيب الظالمين جزاءَ ما اقترفوا من إِفك وطغيان، وفى جملتهم قريش. ٤٨ - ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ..... ﴾: أَي أَن الله ينتقم من الظالمين بتعذيبهم يوم تبدل الأرض غير الأرض. واعلم أن التبديل قد يكون في الذات وقد يكون فى الصفات، والآية ليست نصًّا في أحد الوجهين، والله أَعلم كيف يتم هذا التبديل. ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: أى وخرج الخلائق من قبورهم، أو الظالمون المدلول عليهم بما سبق، أَو المراد ظهورهم بأعمالهم التى عملوها سرا وزعموا أنها لا تظهر، وعبر عن البروز بصيغة الماضى لتحقق الوقوع. لأَنه لا مناص لهم من لقاء الله الواحد الغالب على أَمره، الفعال لما يريد، لمحاسبتهم على أعمالهم، ومجازاتهم عليها، وفي وصفه سبحانه بالوحدانية والقهر إشعار بأنهم عنده على خطر عظيم، وإيذان بتحقق العذاب الموعود. ٤٩ - ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ … ﴾: أَي تبصرُ الكافرين يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات. ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾: أَي مجموعًا بعضُهم مع بعض في قَرَن، وهو الوثاق الذى يربط به ويضم كل امريء لمشاركه. ٥٠ - ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ .... ﴾: أَى قُمُصهم من قطران، وهو سائل حار أَسود اللون منتن الرائحة، يساعد على سرعة اشتعال النار، تطلى به الإبل الجربى فيحرق الجرب كما تطلى به جلود أَهل النار حتى يكون عليهم كالسرابيل، ليذوقوا أشد العذاب وأَقساه، بنار سريعة الاشتعال. شديدة الإِيلام تجعل أَجسامهم سوداءَ داكنة، تفوح منها الروائح التي تزكم الأُنوف، وتقبض النفوس. ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾: أى تعلوها وتحيط بها كما تحيط بأجسادهم المسربلة بالقطران. وتخصيص الوجوه بالذكر مع أن غشيان النار حكم عام لسائر الأعضاء،

стр. 2279

لتنبههم إِلى أَن أَعز الأَعضاء الظاهرة وأَشرفها تحيط بها النار، لكونها مجمع المشاعر والحواس التي خلقت لإِدراك الحق، وقد أَجرموا بالإِعراض عنه، ولم يستعملوها في تدبره والوصول إليه. ولعل تركها من الطلاءِ بالقطران ليتعارفوا عند انحسار اللهب أَحيانا، ويتضاعف عذابهم بالخزى على رءوس الأَشهاد. ٥١ - (لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ … ): أَي يفعل الله بهم ما ذكرا. ليجزى كل نفس مجرمة. جزاءً مواففًا لما اقترفت من كفر وعصيان، ويجوز أَن يراد من النفس ما يعم المطيعة والعاصية فيكون المعنى: وبرزوا لله الواحد القهار، ليجزى كل نفس مطيعة أَو عاصية ما كسبت من خير أَو شر. (إِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسَابِ): فهو سبحانه لا يشغله شأْن عن شأْن، ولا يحتاج إِلى تأَمل وتدبر في إِصدار حكمه. بل يتمه في أَعجل وأَسرع زمن. ٥٢ - (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ ..... ): هذا إِشارة إِلى ما ذكر من قوله تعالى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا" إِلى قوله: "إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ". أَي ذلك كفاية في العظة والاعتبار والتذكير، فما ظَنُّك بما انطوت عليه السورة وما اشتمل عليه القرآن المجيد من فنون العظات والقوارع وهذا البلاغ إِمَّا للكفار خاصة على اعتبار اختصاص الإِندار بهم في قوله تعالى: "وَأَنْذِر النَّاس". وإما للناس عامة على اعتبار شمول الإِنذار لجميع الناس. (وَلِيُنْذَرُوا بِهِ): معطوف على مقدر أَي هذا كفاية للناس لينصحوا ولينذروا به ويجوز أَن يكون البلاغ بمعنى الإِبلاغ، كما في قوله تعالى: (مَا عَلى الرَّسُول إِلاَّ البَلَاغُ). والمعنى: هذا إِبلاغ للناس ليفهموه وليذروا به. (وَلِيَعْلَمُوا): بالتفكر والتأَمل فيما فيه من البراهين الساطعة، والدلائل الواضحة التي أَنبأَت عن إِهلاك الأُمم السابقة، وإِسكان آخرين مساكنهم إِلى غير ذلك مما حكته الآيات التي تقدمت. هذا كله ليعلموا: (أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ): تنزه عن الشريك والمثيل، وتقديم الإِنذار لأَنه الداعى إِلى التأَمل المؤدى إِلى الغاية منه، وهو العلم بوحدانية الله جل وعلا. (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ): أَي هذا بلاع للناس لما تقدم وليتذكروا شئون الله مع عباده وما يعملون في حياتهم فيرتدعوا عما يهلكهم، وذلك باجتناب ما اتصف به الكفار، والتذرع بما يقربهم إِلى الله، من التمسك بالعقائد الحقة والأَعمال الطيبة، وفي تخصيص التذكر بأُولى الأَلباب إِعلاءٌ لشأنهم، وحض الناس على أَن يكونوا منهم لينتفعوا مثلهم بمواعظه -والله تعالى أعلم.

стр. 2280

سورة الحجر مكية وآياتها تسع وتسعون أَما أَنها مكية فقد أَخرجه ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير ﵃، كما روى عن قتادة ومجاهد، واستثنى الحسن قوله تعالى: "وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) ". وقوله سبحانه: "كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ٩٠ - ٩١". ذكره صاحب مجمع البيان. وأَما أَنها تسع وتسعون آية فبالإِجماع كما نقله الدَّانى والطبرسى. وتناسب سورة إِبراهيم التي قَبلها في أَنها مثلها في كونها مكية مفتتحة بأَسماء بعض حروف المعجم، وقد جاء في كلتيهما النهي عن الكفر والوعيد بالعقاب عليه، والحث على الإِيمان والوعد بالثواب عليه، وتسلية الرسول ﷺ عما أَصابه من قومه، إِلى غير ذلك من المناسبات التي جمعت بينهما. مقاصدها وقد اشتملت هذه السورة على مقاصد عظيمة، أَهمها ما يلي: ١ - أَنها ابتدأَت بالإِشارة بآيات القرآن المبين، وبينت أَن من كفروا سوف يتمنون أَن لو كانوا مسلمين، وأَمرت النبي أَن يتركهم يتمتعون ويلهيهم الأَمل فسوف يعلمون العاقبة السيئة لانصرفهم عن الحق، وذلك في وقت معلوم لله، لا يتأَخرون عنه ولا يتقدمون. ٢ - أَنهم لما سفهوا على الرسول بوصفهم إياه بالجنون، لأَنه لم يأْتهم بالملائكة تؤيده وتبلغهم عن الله نَبَّهَتْهم هذه السورة إِلى أَن الملائكة لا تنزل إِلا بحكمة، وليس منها أَن تكون رسولا عن الله إِليهم، فإِنهم يهلكون بمشاهدتهم لها على صورها الحقيقية ولا يُنْظَرُون، أَو يهلكون عقابا على كفرهم بعد مجيء الآية التي اقترحوها، كما جرت عادته تعالى في الأُمم قبلهم، وأَرشدتهم إِلى أَنه تعالى هو الذي نزَّل على محمد معجزة الذكر وهو القرآن، وأَنه حافظ له من كل ما يقدح فيه ليظل معجزة الإِسلام ما بقى الزمان.

стр. 2281

٣ - تسلية الرسول عن استهزاءِ قومه، بأَن ذلك عادة أَهل الباطل مع المرسلين ذلك في قوله سبحانه: "وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) ". ٤ - التنبيه إِلى الآيات الكونية الدالة على وحدانيته تعالى وعظيم قدرته، مثل بروج السماء، والشهب التي تتساقط منها، والأَرض وإرسائها بالجبال، وتيسير أَسباب المعايش فيها، وإرسال الرياح لواقح، وإِنزال الماء لسقيانا، وما نحن له بخازنين، بل هو عطاءٌ من رب العالمين، وأَنه تعالى هو المحيى والمميت وأَنه سوف يحشر الناس أَجمعين للحساب والجزاءِ. ٥ - التنبيه إِلى أَن مبدأَ خلق الإِنسان كان من صلصال من حمإِ مسنون، والجان كان من نار السموم، وأَنه تعالى أَمر الملائكة بالسجود لآدم بعد تمام خلقه، فسجدوا إِلا إبليس فطرده الله من الجنة، لتكبره وعصيانه، وأَنه انتقم لنفسه ظلمًا من آدم، بإغرائه بالأَكل من الشجرة، فأَهبطه الله وزوجه إِلى الأَرض التي خلقه منها ليكون فيها خليفة، وأَن إِبليس توعد بنى آدم بإِغوائهم أَجمعين إِلا عباد الله المخلصين، فإِنه ليس له عليهم سلطان، وأَن جهنم موعد العصاة أَجمعين، وأَن المتقين في جنات وعيون إِخوانًا على سرر متقابلين. ٦ - ذكر قصة إِبراهيم وأَضيافه من الملائكة، وقد جاءَ فيها أَنهم بشروه -في شيخوخته- بغلام عليم، فعجب من بشارتهم وقد تخطى سن الأَمل إِلى شيخوخة اليأْس، فطمأَنوه قائلين: "بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ٥٥ - ٥٦": وأَخبروه أَن الله أَرسلهم إِلى قوم لوط لعقابهم على كفرهم وجريمتهم التي اشتهروا بها في العالمين. ٧ - ذكر قصة لوط وقومه، وقد جاءَ فيها أَمر الملائكة إِياه بالإِسراء بأَهله في جزء متأَخر من الليل، ونهيهم لهم عن الالتفات إِلى ما وراءهم، وأَن عليهم أَن يمضوا حيث يؤمرون وأَعْلموه أَن قومه الآثمين هالكون جميعًا في الصباح، وقد حدث هذا؛ فإِنه تعالى جعل في الصباح عالى بلادهم سافلها، وأَمطر عليهم حجارة من سجيل، جزاء كفرهم وجرائمهم

стр. 2282

٨ - إِجمال قصة أَصحاب الأَيكة والانتقام منهم، وتفصيل قصة أَصحاب الحجر المكذبين وذكر سوء نهايتهم. ٩ - بيان أَنه تعالى لم يخلق السماءَ والأَرض وما بينهما عبثًا، وأَن الساعة آتية، وأَن على النبي ﷺ أَن يصفح عن قومه ويُسرِّى عن نفسه، حتى يؤْمر في شأْنهم بما يمكِّنةُ منهم. ١٠ - بيان أَنه تعالى آتى نبيه ﷺ سبعًا من المثانى والقرآن العظيم، وأَنه بما اشتمل عليه من الهدى بغنيه عن التطلع إِلى الدنيا، فإِن الآخرة خير له من الأُولى. ١١ - نهيه ﷺ عن الحزن على المشركين إِن لم يؤمنوا، وأَمره بلين الجانب والتواضع لمن معه من المؤمنين، وأَمره أَن ينذر المشركين ويخوفهم مما آل إِليه أَمر المقتسمين الذين اقتسموا طرق مكة ومسالكها ليصدوا السابلة عن اتباع النبي ﷺ ، وينفروهم منه، فقد أَماتهم الله شر ميتة، وسيأْتى بيان آراه المفسرين في هؤُلاءِ المقتسمين. ١٢ - أَمره ﷺ بأَن يصدع بأَمر ربه ويبلغ دينه، ولا يكترث بإِعراض المشركين، وأَن يجنح للصلاة حين يضيق صدره مما يقولونه عنه وعن دعوة الحق، وأَن يظل على ما هو عليه من عبادة ربه حتى يأْتيه اليقين.

стр. 2283

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ المفردات: (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) (١): أَي قرآن مظهر شريعة الله والحق من الباطل، أَو بَيِّن واضح لا يخفى الحق فيه ولا تلتبس معانيه. (رُّبَمَا) (٢): رب حرف يستعمل للتقليل تارة وللتكثير أُخرى، سواءٌ اتصلت به ما أَو لم تتصل، وسواءٌ أَكان مخففًا أَم مشددًا، ويختص بالدخول على الأَسماءِ إِن كان مجرَّدا من لفظ ما فإِن اتصلت به سوغت دخوله على الأَفعال كما هنا، (لَوْ): حرف يفيد التمنى. (وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ): أَي يشغلهم عن طاعة الله. التفسير ١ - (الر): تقدم الكلام على مثله في أَول سورة البقرة وآل عمران ويوسف والرعد وإِبراهيم وغيره، فارجع إِليه إِن شئت. (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ): أَي تلك السورة العظيمة بعض آيات من هذا الكتاب الجامع لكمالات الكتب السماوية، الجدير بأَن يختص من بين باقى الكتب باسم الكتاب، وتلك السورة أَيضا بعض آيات

стр. 2284

قرآن عظيم الشأن، مبين شريعة الله التى ختم بها الشرائع السماوية، ومُظْهرها للناس فى أبهى صورها وأَوضحها، وكما يُبينُ شريعة الله فهو واضح فى عباراته ومعانيه، لا يلتبس على قاريء يعرف العربية، ولا تخفى عليه عجائبه ومزاياه. وبعد أن أشار الله إلى عظمة آيات الله البينات التى منها هذه السورة، تشويقًا وتوجيهًا إلى حسن تلقيها، شرع يبين ما اشتملت عليه فقال سبحانه: ٢ - ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾: أفادت هذه الآية الكريمة، أن الكفار سوف يحصل منهم بكثرة، أن يتمنوا فى الآخرة لو كانوا مسلمين في دنياهم لكى ينجوا من استمرار العذاب الذى يقاسونه في الآخرة؛ كما نجا عصاة المؤْمنين بعد أن عذبوا فيها على قدر معاصيهم، أخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس وأنس ﵃ "أنهما تذاكرا هذه الآية فقالا: هذا حَيْثُ يجمع الله تعالى بين أهل الخطايا من المسلمين والمشركين فى النار، فيقول المشركون: مَا أغْنَى عَنْكُمْ مَا كنتم تَعْبُدُونَ، فيغضب الله تعالى لهم، فيخرجهم بفضل رحمته، وأَخرج الطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ نَاسًا مِنْ أمتِي يُعَذَّبُونَ بذُنُوبِهمْ، فَيَكُونُون فِي النار مَا شَاءَ اللهُ تَعالى أَنْ يَكُوُنوا ثم يُعيِّرُهمْ أهل الشرك فيقولون: ما نَرىَ مَا كُنْتمْ فِيهِ مِنْ تَصْدِيقكُمْ نَفَعَكُم، فَلَا يَبْقَى مُوَحِّدٌ إلاَّ أَخْرَجَهُ اللهُ تَعَالَى مِنَ النار، ثُمَّ قَرَأ رَسولُ الله ﷺ الآية" وذكر ابن الأنبارى أن هذه الودادة من الكفار عند كل حالة يعذب فيها الكفار، ويَسْلَمُ فيها المسلمون، ومن العلماء من قال إن هذه الودادة منهم فى الدنيا، فالضحاك يقول: إن ذلك يحدث منهم عند الموت وانكشاف وخامة الكفر لهم حينئذ، وابن مسعود يقول: إن الآية في كفار قريش وَدُّوا ذلك يوم بدر حين رأَوا الغلبة للمسلمين. وحرف (ربما) لم يوجد فى القرآن إلا فى هذه الآية، وباؤُه مفتوحة مخففة فى قراءَة نافع وعاصم، ومشددةٌ فى قراءة باقي القراء.

стр. 2285

٣ - (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ): بين الله في الآية السابقة، أَن الكفار حين يقاسون أَشد العذاب يوم القيامة يتمنون أَن لو كانوا مسلمين في الدنيا ليتخلصوا من عذابهم الذي كتب عليهم الخلود فيه بسبب كفرهم، وجاءَت هذه الآية تأمر النبي ﷺ أَن يتركهم فيما هم فيه من متاع الحياة الدنيا الفانية، وإِعراضهم عن العمل للآخرة، فسوف يعلمون عاقبة كفرهم وعدم مبالاتهم مما دعوتهم إِليه من الحق المبين. والمعنى: اتركهم أَيها الرسول في غيهم، ولا تبال بإِصرارهم على الكفر، فلا سبيل إلى انتفاعم بنصحك بعد ما بذلت فيه خالص جهدك، اتركهم يأْكلوا ما يشاءُون بدون وعي كما تأْكل البهائم، ويتمتعوا بدنياهم بغير حدود كما شاءَ لهم هواهم، ويشغلهم عن الآخرة أمَلُهم في طول الأَعمار، ونيْلِهم الأَوطار، واستقامة الأَحوال، في الدنيا ويوم المآل، فسوف يعلمون وخامة عاقبهم في أُولاهم وأُخراهم وأَشد مرض تصاب به القلوب طول الأَمل، ومتى تمكن من القلب فَسد مزاجُه، وعزَّ دواؤُه، وصعب علاجه، ويئس من برئه حكماؤُه. وانتهى أَمر صاحبه إِلى الشقاء، قال رسول الله ﷺ : "أربعة من الشقاء. جمودُ العين، وقساوةُ القلبِ، وطول الأَمل، والحرصُ على الدنيا". وقال ﷺ : "نجا أَول هذه الأُمة باليقين والزهد، ويهلك آخرها بالبخل والأمل". وقال الحسن: ما أَطال عبدٌ الأَمل إِلا أَساءَ العمل.

стр. 2286

﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ المفردات: (مِنْ قَرْيَةٍ): أَي من أَهل قرية. (كِتَابٌ مَعْلُومٌ): أَجل مكتوب معلوم لله. (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا): ما تموت أُمة قبل الأَجل المقدور لها. (وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ): وما يتأَخرون عنه. (الذِّكْرُ): القرآن. (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ): أَي هلاَّ تأْتينا بهم ليشهدوا بصدقك يا محمد. (إذَن): أَي حينئذ. التفسير ٤ - (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ): بعد ما أَنذر الله قريشا في الآية السابقة بسوءِ العقاب بقوله: "ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ". عقبها بهذه الآية وما بعدها لبيان أَن هلاك الأُمم الكافرة بمشيئة الله وحده وفق أَجل معلوم له لا تتجاوزه، فلا يقدمه استعجال، ولا يؤخره استغاثة ودعاءٌ. والمعنى: وما جرت عادتنا أَن نهلك قرية عصى أَهلها وتمردوا على رسلنا، إِلا ولهذه القرية الهلكة أَجل مكتوب في اللوح المحفوظ، معلوم لنا وللملائكة الذين ينفذون فيها

стр. 2287

أَمرنا فلا يقدمه استعجال كما فعل قومك حين أنذرتهم، ولا يؤخره استغاثة وتوبة بعد ظهور مقدماته، ولهذا عقب الله تلك الآية بقوله سبحانه: ٥ - ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾: أى ما نتقدم أمة من الأُمم التى كتب عليها الهلاك -ما تتقدم- على الوقت الذى كتبه الله لهلاكها، وجعله أَجلا وغاية لوجودها، وما تتأخر عنه لأي سبب من الأَسباب، بل تهلك فى الوقت التي كتبه الله تماما ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾. ٦ - ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾: هذا شروع فى بيان كفر أهل مكة بمن أُنزل عليه الكتاب بعد ما أُشير إليه فى صدر السورة من كفرهم بالكتاب نفسه ووعيدهم على ذلك. والمعنى: وقال مشركو مكة لمحمد ﷺ على سبيل الاستهزاءِ والسخرية -لا على سبيل الاعتراف- قالوا له: يأيها الذى نزل عليه الذكر من السماء كما تزعم، إنك لمجنون بسبب هذه الدعوى، فإنها أكبر من قدره في تقديرهم الخاطيء، حيث إِنهم زعموا أن النبوة تتبع الرياسة الدنيوية، إذ قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. والقريتان هما مكة والطائف، والرجل المقصود فى مكة هو الوليد بن المغيرة المخزومي، والمقصود فى الطائف حَبيبُ بن عَمْرو بن عُمَير الثقفى كما روى عن ابن عباس. وقيل: عتبة ابن ربيعة وكنانة بن عبد ياليل فى الطائف -كما روى عن مجاهد، وقيل غير ذلك-. والذكر فى اللغة له عدة معان منها: الشرف، وقد أُطلق هنا على القرآن كما أطلق عليه فى نحو قوله تعالى فى سورة الزخرف: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. وقوله سبحانه فى سورة الحجر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ لعلو شرفه، وقد عبر المشركون عنه بلفظ الذكر مجاراة للنص القرآني على سبيل الاستخفاف. ٧ - ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾: لوما ولولا وهَلَّا: حروف ثلاثة يستعمل كل منها للحثِّ على الفعل والحضِّ عليه.

стр. 2288

ومعنى الآية: هَلَّا تأْتينا يا محمد بالملائكة يشهدون بصحة نبوتك، ويساعدونك في الإِنذار كما حكاه الله عنهم بقوله: "لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا". أَو يعاقبوننا على تكذيبك إِن كنت من الصادقين في دعواك النبوة، فإِن ذلك يكون تأْييدًا لك من ربك، ويجوز أَن يكون المعنى: إِن كنت من جملة الرسل الصادقين الذين عذبت أُممهم المكذبة لهم، وقد رد الله عليهم بقوله: ٨ - (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ): أَي ما ننزل الملائكة إِلا مرتبطا بالوجه الذي اقتضته الحكمة، وليس فيها ما اقترحوه فإِن الملائكة إِن نزلوا للشهادة بصدقه ﷺ ، أَو لمساعدته في التبليغ، فإِما أَن يكونوا على صورتهم الحقيقية أَو على صورة بشر، فإِن كانوا على صورتهم فلا يستطيع البشر لقاءَهم بل يهلكون، لأَن أَعصابهم لا تتحمل القوة الملكية الهائلة التي أَودعها الله فيهم، وفي ذلك يقول الله في سورة الأَنعام " .... وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) " وإِن كانوا على صورة بشر التبس أَمرهم عليهم وظنوهم بشرا حقيقيين، وهذا ما عناه الله بقوله في السورة المذكورة: "وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) ". أَما إِن نزل الملائكة لاستئصالهم على كفرهم كما طلبوه على وجه الاستعجال بقولهم: "مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" وقولهم: "للَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (١)." وقولهم: "وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (٢) " -أَما إِن نزل الملائكة لذلك- فليس من الحكمة أَيضًا، فقد وعد سبحانه أَن لَّا يعِذبهم والرسول فيهم بقوله: "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" (٣). وكانت ثمرة هذا الكرم الإِلَهى أَن دخلوا في دين الله أفواجا قبل أَن يلقى النبي ﷺ ربه، وبعد أَن بيَّن الله في صدر الآية أَنه لا ينزل الملائكة إِلا بالحكمة وليس منها ما طلبوه، ختم الآية ببيان الضرر الذي يحل بهم إِن حقق لهم مطلبهم بإِنزال الملائكة على أَي وجه، فقال:

стр. 2289

﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾: أي وما كان المشركون ممهلين حين يُنزِل الله الملائكة استجابة لطلبهم، بل يهلكون لأي سبب مما تقدم بيانه، أَو لأنه تعالى جرت عادته فى الأُمم السابقة أنه إذا أتاهم بالآيات التي يقترحونها ولم يؤمنوا استأصلهِم بالعذاب، وقد علم الله من أهل مكة أنه لو أنزل ملائكة لم يؤمنوا بسبب نزولهم، وحينئذ فليس من الحكمة إنزال الملائكة ليكفروا بهم فيهلكوا، فى حين أنه كتب لهم الإيمان حيث دخلوا فى دين الله أَفواجا بعد فتح مكة. ثم رد الله إنكارهم للقرآن العظيم فقال: ٩ - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾: أى إنا نحن -رب السموات والأرض- نزلنا القرآن الذي أنكروا أنه وحي من عندى، نزلناه عليك، وإنا نحن بِعِظَمِ شأننا لحافظون هذا القرآن من التغيير والتبديل والضياع، ليبقى آية ديننا ودستور شريعتنا ما بقى الزمان، فلن يعتريه تحريف ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان. ولقد أورث الله قلب كل مؤمن غيرة عليه، فلا نرى أحدًا يتسامح فى لحنة لاحنٍ فيه، ولو كان شيخا عظيما، بل يسارع إلى رَدِّه إلى الصواب، ولا يخاف فى الله لومة لائم، ولم يتعهد الله بحفظ كتاب سواه، أَما كتبه السابقة فقد استحفظها الربَّانيِّين والأحبار، على سبيل الامتحان والاختبار، فأساءُوا الحفظ والرعاية، وغيَّروا فيها وبدَّلوا، وما لم يبدلوه منها أساءُوا تأويله، وتعمَّدوا تحويله، وقد زال أصل التوراة ولم يعد له وجود، وضاع أصل الإنجيل وانتهى أَمره، ولهذا لا تجد نسخ التوراة أو الإنجيل متماثلة، فترى بعضها أطول من بعض، مع الاختلاف فى العبارات والمعاني. أما القرآن الكريم فإنه نسخة واحدة فى جميع الأمصار والأعصار، في عهد رسول الله، وحين جمعه أبو بكر فى نسخة واحدة، ثم نسخه عثمانُ فى أربع نسخ وزعها على الأمصار، لم يتغير فيه حرف ولا كلمة، لأنه تعالى تولى حفظه بنفسه منذ أنزله على رسوله بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ولم يستحفظ عليه أحدًا سواه، فطبع كل مسلم على الغيرة عليه والمبالغة في صيانته بدافع وجداني، تنفيذا لوعد الله الكريم، ليظل دستور

стр. 2290

رسالة الإِسلام الخاتمة للرسالات، ولهذا قال ﷺ في الحديث الصحيح: "ولن يزال أَمر هذه الأُمة مستقيما حتى تقوم الساعة". ولا شك أَن حفظه من التغيير والتبديل إِلى يومنا هذا آية على أَنه من عند الله جلَّ وعلا. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾ المفردات: (شِيَعِ): جمع شيعة وهى الفرقة والجماعة على طريقة ومذهب، مأخوذ من شاع المتعدى تقول: شاعهُ بمعنى تبعه، وتطلق الشيعة على الأَعوان والأنصار. (نَسْلُكُهُ): ندخله، ومنه سلكت الخيط في الإِبرة. (الْمُجْرِمِينَ): المذنبين، يقال أَجرم فلان وجرم أَي أَذنب كاجترم، فهو مجرم، وجريم أَي مذنب، والجريمة الذنب، وجرم، عليهم وإليهم جريمة جنى عليهم جناية -انظر القاموس. (خَلَتْ): مضت. (سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ): طريقتهم. التفسير ١٠ - (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ): بعد أَن بينت الآيات السابقة موقف أَهل مكة من دعوة الإِسلام وداعيها، جاءَت هذه الآيات لتسليته ﷺ عن تكذيب قومه له بما حصل للرسل قبله من تكذيب أَقوامهم لرسلهم.

стр. 2291

والمعنى: ولقد أَرسلنا من قبلك يا محمد رسلا في أُمم الأَولين، الذين يشايع بعضهم بعضا في كفره، ثم بيَّن الله سبحانه كيف تعاملت هذه الأُمم مع هؤلاءِ الرسل فقال: ١١ - (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ): أَي وما يأْتى كل أُمة من رسول خاص بها إِلا كانو به يسخرون كما فعلت قريش معك يا محمد، فلا تبتئس أَيها الرسول بما فعله جُهَّال قومك معك، فإِن هذه عادة متأَصلة في الجاهلين مع سائر المرسلين. ١٢ - (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ): أَي كما أَدخل الله كتب المرسلين في قلوب اُممهم غير مقبولة لديهم، مدخل الذكر أَي القرآن -في قلوب المجرمين الآثمين من قومك فيكون فيها مقبول ومسخورًا منه، لفساد عقولهم وظلمة قلوبهم، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ولو شاءَ الله لهداهم أَجمعين. ١٣ - (لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ): أَي كذلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين من قومك حال كونهم لا يؤمنون به، وقد مضت سنة الله في الأَولين من أُمم الأَنبياءِ قبلك على هذا النمط، فقد كانت كتب الله تدخل قلوبهم مصحوبة بالاستهزاءِ وعدم الإِيمان. ويصح أَن تكون جملة: "وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ" مستأْنفة لغرض الوعيد والتهديد أَي وقد مضت طريقة الله في المكذبين الأَولين من الإِهلاك والاستئصال بسبب كفرهم وتكذيبهم لرسلهم، وأَهل مكة إِن استمروا على تكذيبهم، فسوف يحل بهم مثل ما حل ممن سبقهم جريا على سنة الله في المكذبين.

стр. 2292

وأَعاد بعضهم الضمير في نسلكه على الاستهزاءِ وما نشأَ عنه من الضلال والكفر، ومعنى الآيتين على هذا ما يلى: أَي كما سلكنا الضلال والكفر والاستهزاءَ في قلوب الكافرين برسلهم قبلك، نسلكه في -قلوب المجرمين من أُمتك يا محمد. لا يؤمنون بسبب ذلك، وقد مضت سنة الأَولين في الكفر والاستهزاءِ وهى مماثلة لهم، وأَنت بها عليم فلا تحزن، أَو مضت سنتهم في الإِهلاك فليحذر قومك مثل مصيرهم. ثم بين الله تعالى أَن اقتراح قريش نزول الملائكة ليس بغرض الاهتداءِ بل هو للعناد والمكابرة فقال: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ المفردات: (يَعْرجُونَ): يصعدون، والمعارج. المصاعد. (سُكرَتْ أَبْصَارُنَا): أي حُيِّرتَ، من السُّكْر ضد الصحو -كما قال عمرو بن العلاء- أَرادوا أَنها فسدت، واعتراها خلل كما يعترى عقل السكران فيختل إِدراكه، وهذا المعنى قريب من تفسيرها بِخُدِعتْ وقيل: تسكير الأَبصار إِغلاقها أَو تغطيتها. التفسير ١٤ - (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ): أي ولو فتحنا على كفار مكة بابًا من السماءِ، ومكناهم من الصعود فيه، فصاروا يعرجون ويصعدون فيه بآلة أَو بغيرها، وهم يرون ما في السماءِ من الملائكة والعجائب في وضوح واستبانة.

стр. 2293

١٥ - (لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ): أَي لو فتحنا عليهم بابًا من السماءِ على النحو الذي تقدم بيانه، لقالوا لفرط عنادهم ومكابرتهم: إِنما خُدِعَتْ أَبصارنا فلم نشاهد شيئا على الحقيقة، بل نحن قوم مسحورون سحرنا محمد حتى تخيلنا هذه المرائى، كما يتخيل المسحر شيئًا لا حقيقة له ولا تراه العيون على حقيقته. ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ المفردات: (بُرُوجًا): جمع برج وهى في الأَصل بمعنى القصور أَو الحصون، ثم أَطلقت على منازل الكواكب والنجوم لأَنها تشبهها في كونها منازل لها، كما أَن القصور منازل لساكنيها. (شَيْطَانٍ رَجِيمٍ): أَي مطرود من الرحمة، أَو مَرمِى بالرجام وهى الحجارة، فإِنهم يُقذَفُونَ بشظايا النجوم. (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ): أَي اختلس بعض ما يسمع من كلام الملائكة (فَأَتْبَعَهُ (١)): إَى تبعه. (شِهَابٌ): شعلة ساطعة تمرق في الجو بسرعة خاطفة. (مُبِينٌ): أَي واضح من أَبان اللازم بمعنى اتضح أَو مبين غيره وموضحه، من أبان الشيءَ أَوضحه. التفسير ١٦ - (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ): بعد أَن بين الله حال الكافرين بالإِسلام والنبوة ومآلهم، شرع يقيم لهم الأَدلة على

стр. 2294

وحدانية الله وقدرته وكماله، لعلهم يتركون الشرك الذي حملهم على تكذيب النبوة المؤسسة على التوحد. والمعنى: ولقد خلقنا في جهة السماءِ منازل تتنقل فيها الكواكب والنجوم على نظام فائق لا يختلف ولا يضطرب، وجعلناه بحيث تترتب عليه مصالح البشر في معاشهم، وزينا السماءَ لمن ينظر إِليها ويتأَمل في زينتها وجمالها وإِحكامها وتماسكها في الفضاء بقدرة مبدعها، ووظائفها التي أَنشأَها الله من أجلها، لينتقل الناظر من رؤيتها إِلى التفكير في عظمة مبدعا ووجوب اتصافه بالوحدانية، وتنزهه عن الشريك والنظير. ١٧ - (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ): أَي وحفظنا السماءَ من كل شيطان مطرود من رحمة الله، فلا سبيل له ولا لذريته إِليها بعد أَن أَهبطه الله عقابًا على امتناعه عن السجود لآدم بعد ما أَمره الله به، وقد استثنى الله بعضهم بقوله: ١٨ - (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ): أَي أَنه تعالى حفظ السماءَ من الشياطين إِلا من اتجه نحوها واختلس بعض الكلام المسموع الذي يجرى بين أَهل الملإ الأَعلى من الملائكة، فإنه لا يمكنُ من الاستمرار في استماعه واستراقه، بل يتبعه شهاب بيِّنٌ واضح فيقتله أَو يخبله، وفي ذلك يقول الله في سورة الصافات: "إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ" (١) والشهاب من الشهبة، وهي بياض مختلط بسواد وليست بالبياض الصافى، والشهب أجزاءُ حجرية انفصلت عن الكواكب وجعلت تدور في الفضاءِ، فإِذا وصلت إِلى جاذبية الأَرض جذبتها إِليها بسرعة خارقة فتشتعل وتتوهج باحتكاكها الشديد بالغلاف الجوى المشتمل على الأُوكسجين الذي يساعد على الاحتراق، وهو من الظواهر الكونية القديمة، وقد كان الكهان ينتفعون بما ينقله الشياطين إِليهم من أَخبار الأَرض التي تجرى في الملاءِ الأَعلى، فيكتسبون قداسة في نظر أَتباعهم إِذا حدثوهم عن الغيوب المنتظرة التي عرفوها من الشياطين المسترقين للسمع، فوقعت كما أَخبروهم بها فلما بعث نببنا محمد ﷺ ، اشتدت حراسة السماءِ

стр. 2295

بالملائكة والشهب، لإبطال عهد الكهان بمنع الغيوب عن أَن تصل إِليهم، وإِقامة صرح الحق الذي بعث به خاتم المرسلين، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة الجن حكايته عن بعض مؤمنيهم: "وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) " قيل للزْهْرِى: أَكان يُرمى في الجاهلية؟ قال نعم، قيل: أفرأَيت قوله تعالى: "وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا". قال الزْهْرِى: غُلِّظ وشُدِّدَ أَمرها حين بعث النبي ﷺ . ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ المفردات: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا): أَي بسطناها ووسعناها. (وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ): أَي وخلقنا فيها جبالًا ثوابت؛ فرواسى جمع راسٍ بمعنى ثابت وفعله رسا بمعنى ثبت، ومثله أَرسى إِذا كان لازمًا، وقد يتعدى، تقول: أَرست السفينة أَي ثبتت ووقفت، وأَرسيتها أَي أَوقفتها وثبَّتُّهَا. (مَوْزُونٍ): مقدر بحكم. (مَعَايِشَ): أَي أَسبابًا تعيشون بها. (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ): قيل المراد بهم الأَولاد، وقيل الدواب والأَنعام، والأَولى التعميم ليشمل الأَولاد والحيونات التي ينتفع بها. (خَزَائِنُهُ): أَي أَسباب تحصيله والاستيلاء عليه، (إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ): بمقدار يعلمه الله وتقتضيه حكمته.

стр. 2296

التفسير ١٩ - ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ): لا يزال الكلام متصلًا في آيات الله ونعمه، فقد بين الله في هذه الجملة أَنه تعالى مد الأَرض، أَي بسطها ووسعها بحيث تكون صالحة لكي يعيش عليها الإِنسان والحيوان، ولإِنبات ما يعيشون به. وظاهر النص يفيد أَن الأَرض خلقت أَولًا غير ممدودة، ثم طرأَ عليها المد، حسبما تقتضيه الحكمة في التدرج التكوينى، ويشهد لذلك قوله تعالى في سورة (النازعات): "وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا". ولم يقتصر إِنعامه على مجرد مدها، بل جعلها كالفراش الممهود، كما قال سبحانه: "وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (١) ". وكما أَنه تعالى خلق الأَرض وبسطها ومَهدها، خلق فيها جبالا شوامخ ثوابت، لكي تحفظها من الاضطراب بأَهلها، حتى يستريح أَهلها عليها، ولا يتعرضوا للهزات المدمرة الكثيرة، وكان ذلك منه حكمة في التكوين، ورحمة بالعباد وآية على عظمته وجلاله ووحدانيته وكبريائه، وبسط الأَرض لا ينافى أَنها كروية الشكل، فإِنها لعظمتها ترى كالسطح المستوى في حين أَنها كرة تدور حول نفسها تحت شمسها التي ترتبط بها، والتعبير عن خلق جبالها عليها بإلقائها فيها، لإِبراز كمال سهولته على الله، كأَنها شيءٌ يسير موجود يلقى بسهولة في الموضع الذي أُريد له، فسبحان من يقول للشئِ كن فيكون. (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ): أَي أَنه تعالى أَنبت في الأَرض التي بسطها وفرشها لنا -أَنبت فيها- من كل نبات مقدر عنده بِحِكْمة، ومعلوم له أَنه لمصلحة عباده قوتًا أَو دواءً، أَو وقاية من داءٍ، ومعلوم له أَنه لمصلحة ما سخَّره لهم من الحيوانات المختلفة. واستعمال الوزن بمعنى التقدير والعلم معروف في لغة العرب، قال الشاعر: قد كنت قبل لقائكم ذا مِرَّة … عِنْدِى لكُلِّ مخاصِمٍ ميزانُه

стр. 2297

أَي عندى لكل خصم تقدير له وعلم به، وهو معنى مجازى للوزن الذي هو في الأَصل تقدير الشيءِ بالميزان الحسى المعروف، فاستعمل هنا في لازم معناه، وهو مطلق التقدير والعلم. وفسر الحسن وابن زيد الإِنبات بالإِنشاءِ، والوزن بمعناه الحقيقى مع إِعادة الضمير على الجبال والمعنى على هذا الرأْى: وأَنشأْنا في الجبال الرواسى من كل شئٍ يوزن حقيقة، كالذهب والفضة والنحاس والرصاص إِلخ، والمعنى الأَول أَظهر. ٢٠ - (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ): بين الله سبحانه في الآية السابقة أَن أَنبت لنا في الأَرض أَقواتنا وما نتقى به العلل والأمراض من مختلف النباتات: وبين في هذه الآية أَنه يسر لنا فيها أَسباب المعايش المختلفة، ولم يجعلها قاصرة على الزراعة، كما أَنعم علينا بالأَولاد، الأَنعام وتكفل بأَرزاقهم والمعنى: وجعلنا لكم في الأَرض التي بسطناها أَسبابًا للمعيشة كالصناعة والهندسة والزراعة والطب وغير ذلك من الحرف المختلفة، وجعلنا لكم أيضا أَولادًا تقرُّ بهم أَعينكم، وأَنعامًا تحملون عليها أَثقالكم، وتستكملون بها أَرزاقكم، ولم نكلفكم شيئًا من أَرزاق هؤلاءِ وأُولئكم، بل تكفلنا بأَرزاقهم كما تكفلنا بأَرزاقكم، ثم بين أَن كل شيءٍ خاضع لتصرفه وحكمته فقال سبحانه: ٢١ - (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ): ليس المقصودُ من الخزائن حقيقتها فإِنه تعالى لا تختزن مقدراته في خزائن، كما يختزن الملوك نفائس الأَموال فيها، بل الآية فيها أَسلوب بلاغى رفيع. ففيها استعارة مكنية تخييلية، أَو استعارة تمثيلية. المعنى: وما من شيءٍ من المقدورات التي ينتفع بها الخلائق إِلا وهو مقدورٌ لنا خفِىُّ عن أَبصار عبادنا، لا تصل إليه عقولهم وعلومهم قبل أَن نبرزه لهم، ونمُنَّ به عليهم، فهو يشبه النفائس الخبيئة في خزائن الملوك، فلا تعلمها رعاياهم، ولا قدوة لهم على

стр. 2298

شيء منها، حتى يبرروا بعضها لهم، وينعموا بشئِ منها عليهم ثم يختم الله الآية بما يفيد أَن الإِنعام مضبوط بضوابط الحكمة، وذلك بقوله تعالى: (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ): أَي وما ننزل الأَمْر بالشيءِ الذي ننعم به على عبادنا إِلا مضبوطًا بقدر معلوم يتفق مع الحكمة في نوعه وزمنه وقدره وأَهله استحقاقًا أَو ابتلاءً أَو إِملاءً، ويجوز أَن يكون تنزيل الشيءِ المنعم به مجازًا عن إِبرازه وإِيجاده، والله أَعلم -وعبر عنه بالتنزيل لأَنه ناشئ عن أَسباب سماوية، فكأَنه منزل من أَعلى إِلى أَدنى. ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾ المفردات: (الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ): أَي حوامل بالماءِ، جمع لاقح بمعنى حامل، فهو من قولهم: ناقة لاقح ونوق لواقح إِذا حملت الأَجنة في بطونها، أَو مُلقِّحات للشجر كما قال أَبو عبيدة وسَيَأتى بسط الكلام على ذلك في تفسير هذه الآية (مِنَ السَّمَاءِ): من السحاب. (فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ): أَي فجعلناه لكم مَسْقى تسقون به مزارعكم، قال الأزهرى: العرب تقول لما كان من بطون الأَنعام أَو من السماءِ أَو من نهر جار أَسقيته، أَي جعلت له منه مسْقًى، فإِذا كان للشَّفَةِ قالوا سقى ولم يقولوا أَسقى، وقال أبو على: يقال: سقيته حتى

стр. 2299

رَوِىَ وأَسقيته نهرًا، أَي جعلته شِرْبًا له أَي مَوْردًا لشُربه. (وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِيينَ): أَي وليس لكم شأْن في إيجاده وحفظه لينزل عليكم وقت الحاجة، أو وليس لكم شأْن في حفظه في مجاريه وآباره ليكون تحت طلبكم، فكل ذلك من صنع الله الرحمن الرحيم: (الوَارِثُونَ): الباقون بعد فناء الخلق. (الْمُسْتَقْدِمِينَ): من تقدمكم من الأُمم فمات قبلكم (الْمُسْتأْخِرينَ): من هو حى لم يمت بعد. (هُوَ يَحْشُرُهُمْ): يجمعهم يوم القيامة لفصل القضاء. التفسير ٢٢ - (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ): بين الله تعالى في الآية السابقة أَن كل شيءٍ من أَرزاق الخلق ومنافعهم تحت سيطرته تعالى ووفق مشيئته، وأَنه في يسره عليه واختفائه عن خلقه، كأَنما هو مخزون في خزائن، بحيث يسهل إِخراجه وإبرازه ومفاجأَة عباده به في أَي وقت يشاؤه، ليدخل به الفرح عليهم، وأَنه حين يبرزه يكون إِبرازه بقدر معلوم يتفق مع الحكمة ومصالح العباد -وجاءَ بهذه الآية والتى تليها، ليبين بعض الأَسباب التي أَبدعها سبحانه لتوصيل الرزق والخير لعباده بيسر وسهولة. وَقَبْل الكلام على معنى الآية نقول: إِنه تعالى يسلط حرارة الشمس على المحيطات والبحار المالحة والأنهار العذبة والمستنقعات وكل رطوبة فوق سطح الأَرض، فتخرج حرارة الشمس من تلك المياه بخارًا عذبًا لا أَثر للملوحة فيه، ويسلط الله الرياح على هذا البخار لترفعه إِلى حيث يكون سحابًا فيبسطه الله في الفضاءِ كيف يشاءُ، ويرزق به من عباده ما يشاءُ، وبعْد هذا التمهيد نقول في معنى الآية ما يلي: المعنى: وأَرسلنا الرياح حوامل ببخار الماءِ وذرات التراب وأَسباب الخير والنفع حتى إِذا وصلت إِلى مستوى معين تحول ما حملته من البخار إلى سحاب كثيف فتصبح الرياح ثقيلة الحمل،

стр. 2300

كما قال تعالى في سورة الأَعراف: "حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ" (١) أَي حملت سحابًا ثقالا. وقيل "لَوَاقِحَ" بمعنى مُلقِّحات للشجر، حكى المهدوى عن أَبي عبيدة: لواقح بمعنى ملاقح جمع مُلْقِحة أَو مُلْقِح بحذف الزوائد. فإِن كان يقصد أَنها تلقح إِناث الأَشجار بطلع ذكورها، فذلك واقع بالفعل، ولكن حمل الآية على هذا المعنى يبعده قوله تعالى عقبه: "فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ" فإِن ذلك يؤْذن بأَنها حوامل بالماء، أَو ملقحات للشجر بالماءَ الذي ينزله الله من السماءِ، ولذا عبر بالفاءِ التي تفيد أَن إِنزال الماء من السحاب مترتب على كون الرياح لواقح بالماءِ والله تعالى أَعلم. (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ): أَي فأَنزلنا من السحاب الكثيف الذي أَقلته الرياح -أَنزلنا- منه مطرًا، فأَعددناه وهيأَناه لسقياكم وزروعكم ومواشيكم، حيث حفظناه في بحيرات وأَجريناه في أَنهار وجداول واختزنا بعضه في جوف الأَرض، لكي تنتفعوا به وقت الحاجة بحفر الآبار وتفجير العيون. (وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ): أَي أَن هذا المطر الذي ننزله من السحاب لم تختزنوه أَنتم، ولا علم لكم به من قبل أَن يأْتيكم، أَو لستم له بحافظين فوق سطح الأَرض أَو في جوفها، لتنتفعوا وقت حاجتكم بل الله تعالى هو الذي سخر لكم أَسبابه، وحفظه لكم في مجاريه وخزائنه، وهو قادر على إِمساكه منكم، والذهاب به إِذا أَتاكم، كما قال تعالى: "وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ". وبعد أَن بين أَنه تعالى مصدر أَرزاقهم، عقبه ببيان أَنه هو الذي يحييهم ويميتهم ويرثهم فقال:

стр. 2301

٢٣ - (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ): أَي وإِنا لنحن الذين ننشئكم من العدم، ونجعلكم أَحياءَ ترزقون، ونحن الذين نميتكم وننزع الروح من أَجسادكم، ونحن الوارثون لكم ولأَموالكم ولكل شيءِ في هذا الوجود وكل ما أَعطيناه للخلق فهو عارية مستردة، والملك لله الواحد القهار. ٢٤ - (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ): أَي ولقد علمنا من سبقوكم من بني جنسكم، فإِنا نحن الذين أحييناهم وأَمتناهم، وعلمنا أَيضًا المتأَخرين ممن هم أَحياءُ أَو سيوجدون بعدكم، فإِن الخالق الرازق الوارث لا يغيب عن علمه شيءُ، وكيف يغيب أَحد من خلقه عن علمه وهو الذي سيحشرهم ليجازيهم كما ينطق به قوله سُبحانه: ٢٥ - (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ): أَي وإِن ربك أَيها الرسول هو وحده الذي يحشرهم ويجمعهم للحساب والجزاء على حسب أَعمالهم، لأَنه تعالى حكيم يضع الشيءَ فى موضعه، فلا يسوى محسنًا بمسيء، واسع العلم فلا يغيب عنه عمل عامل -وبعد أَن بين الله تعالى أَن مصير العباد إِليه وجزائهم عليه، شرع يبيبن قصة آدم مع إِبلبس، ليعرف البشر عداوته لهم فيحذروه، فقال سبحانه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)) المفردات: (صَلْصَالٍ): هو الطين اليابس الذي إذا نقر يكون له صوت، فإِذا طبخ بالنار فهو الفخار، وبهذا قال معظم المفسرين، وقال مجاهد: الصلصال هو الطين المنتن واختاره الكسائي وهو مأْخوذ من قول العرب: صَلَّ اللَّحْمٌ وأَصَلَّ إِذا أنْتَنَ.

стр. 2302

(مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ): أَي من طين أَسود مُنْتِن، وفسره بعضهم بُمصَوَّر، ومنه سُنَّة الوجْهِ أَي صُورته، قال حمزةُ يمدح النبي ﷺ : أَغر كَأَن البدر سُنَّةُ وجهه … جلا الغيْمَ عنه ضوْؤهُ فتَبَدَّدَا وفسره بعضهم بمصبوب، من سنَّ الماءَ صبَّه. (وَالْجَانَّ): قيل هو أَبو الجن -وروى عن ابن عباس، وقيل هو اسم لجنس الجن- كما قاله ابن بحر، وقيل هو إِبليس وروى عن الحسن وقتادة - (نَارِ السَّمُومِ): المراد بها النار التي لا دخان لها- كما جاءَ في إِحدى الروايتين عن ابن عباس. التفسير ٢٦ - (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ): المراد من الإِنسان هنا أَصله وهو آدم ﵇، أَو الجنس كله تبعًا لأَصله والمعنى ولقد أَوجد الله آدم ﵇ من طين جاف مُتحوِّلٍ من طين أَسود منتن وقد كان أَساسه الأَول ترابًا (١)، فلما خلط بالماءِ صار طينًا (٢)، فلما اسود وأَنتن صار حمإٍ مسنونًا، فصور الله منه تمثال إِنسان أَجوف، فيبس حتى إِذا نقر صلصل أَي ظهر لنقره صوت بسبب جفافه، ثم غيره الله طورا بعد طور حتى نفخ فيه الروح بعد أَن تمت صلاحيته لنفخها فيه فتبارك الله أَحسن الخالقين. ٢٧ - (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ): قد علمت في بيان معانى المفردات اللغوية، أَن بعض العلماء فسر الجان بأَنه جنس الجن، وعلى هذا الرأْى تكون هذه الآية الكريمة مسوقة لبيان أَن الله تعالي خلق الجن كما خلق الإِنس وأَنهم خلقوا قبل آدم، وأَنهم خلقوا من نار، بخلاف آدم فقد خلق من طين

стр. 2303

كما علمت أن بعضهم فسر الجان بإِبليس، ليناسب ما سيأْتى في قصة آدم من أَنه امتنع عن السجود له لأَنه خلق من نار، وخلق آدم من حمإٍ مسنون، وكل من الرأْيين أَهل للاعتبار والقبول. (السَّمُوم): الريح الشديدة الحرارة سميت بذلك لأَنها تنفذ في المسام، وقيل هي نار لا دخان لها -رواه الضحاك عن ابن عباس، وعليه فإِضافة النار إِلى السموم من إِضافة العام إِلى الخاص. والمعنى: وجنس الجن أَو إِبليس خلقه الله منِ قبل آدم، وكان خلقه من نار شديدة الحرارة لا شئ فيها من الدخان. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ المفردات: (مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ): تقدم بيانها. (سَوَّيْتُهُ): جعلته سويًا معتدلا. (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي): ونشرت فيه من الروح المنسوب إِلَىَّ نسبةَ تشريف وَمِلْكٍ وإِيجاد، فأَرواح العباد منسوبة إِلى الله نسبة ملك وإِيجاد، وليست جزءًا من روحه تعالى، فهو منزه عن التجزئة والتبعيض. (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ): فَخِرُّوا لآدم خاضعين.

стр. 2304

التفسير ٢٨ - (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ): أَجمل الله قصة خلق الإِنسان في قوله سابقًا: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ). وقصة خلق الشيطان في قوله: "وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ". تمهيدًا للحديث المفصل الذي تحكى فيه هذه الآية وما بعدها من الآيات ما جرى بين الله وبين ملائكته في شأْن خلق آدم وأَمرهم بالسجود له، وخضوعهم لأَمره سبحانه، وعصيان إِبليس تكبرًا وغرورًا، ووسوسته لآدم حتى أَخرجه من الجنة، ووعيده بإِغواء ذريته إِلا عباد الله المخلصين إِلى آخر ما سيأتي بيانه في الآيات الواردة في هذا الشأْن. والغرض من سوق هذه القصة تحذير عباد الله من وسوسة الشيطان الذي أَغوى أَباهم آدم، وهو لإِغوائهم وإِضلالهم بالمرصاد، حتى يحذروه ولا يغتروا بوسوسته، فالخطاب في الآية وإِن كان للنبي ﷺ ، فالمقصود منه بيان القصة لأُمته عن طريقه، لأَنه إِمامهم ﷺ والمعنى: واذكر أَيها الرسول لأُمتك وقت أَن قال ربك للملائكة -إِنى خالق في الأَرض إِنسانًا من صلصال من حمإٍ مسنون ليكون فيها خليفة عني في عمارتها وتنفيذ شريعتى فيها، أَو خليفة عمن سبقه في سكناها بعد ما هلكوا، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى في سورة البقرة: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (١) "، وسمى الإِنسان بشرا لظهور بشرته، وهى ظاهر الجلد، حيث لا يوجد عليها صوف ولا وبر ونحوهما بخلاف سائر الحيوانات. وبعد أَنْ ذكرنا في تفسير الآية السابقة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ أَن المراد من الصلصال الطين الجاف الذي يصلصل ويصوت إِذا نُقر،

стр. 2305

وأَن المراد من الحمإِ المسنون الطين الأَسود المنتن، بعد أَن ذكرنا هذا نقول: من العلماءِ من فسر الصلصال بالطين المنتن وهو رأَى مجاهد واختاره الكسائي، وهو مأَخوذ من قولهم صلَّ اللحم أَي أَنتن، ومنهم من فسَّر المسنون بالمُصوَّر، ومنه سُنَّة الوجه أَي صورته، ومنهم منْ فسَّره بمصبوب -كما تقدم بيانه، وعلى هذه الآراءِ اللغوية، يكون تفسير الآية ما يلي: واذكر أَيها الرسول حين قال ربك للملائكة إِنى خالق إِنسانا من طين منتن مصبوب على صورة بشر. فسبحان مَنْ ينقل الشيءِ بقدرته من النقيض إِلى النقيض. ٢٩ - (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ): التسوية جعل الشيءِ سوِيَّا معتدلا، وتسوية بشر من صلصال من حمإِ مسنون جعل الصلصال المذكور في صورة بشر سوى صالح لنفخ الروح فيه، بأَن ينقله الله من طور إِلى طور إِلى أَن يصبح لحمًا وعظمًا وأَعصابًا وشرايين وأَورِدةً تسرى فيهًا روح الحياة -والنفخ في الشيءِ هو دفع الريح فيه بالفم أَو غيره، ونفخ الروح في تمثال آدم المتطور ليس من هذا القبيل، بل هو تمثيل لِنشرِ الروح في جميع أَجزائه، فلم يكن في بث الروح فيه نفخ ولا نافخ على الحقيقة، وقد اختلف العلماءُ في تعريف الروح، فمنهم من قال أَنه جسم شفاف يحل بالجسد ويسرى فيه سريان الماءِ في العود الأَخضر، ومنهم من قال أَنه عرض يحل بالقلب أَو الدماغ حلول العِلْمِ في العالمِ، ومنهم من قال إِنه جوهر مجرد ليس داخل البدن ولا خارجه، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه. والأَسلم عدم الخوض في تعريفه، فقد قال الله لرسوله ﷺ "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (١) " وخيْرُ ما يقال فيه إِنه سر من أَسرار الله تحيا به الأَبدان حينما يتصل بها، وتموت حينما ينفصل عنها.

стр. 2306

والروح مخلوق من مخلوقات الله تعالى، وقد أَضافه الله إِلى نفسه تشريفًا وتكريمًا، كقوله في الأَرض والسماء أَرضى وسمائى مثلا، وفي البيت الحرام بيتى أَو بيت الله. وفي ناقة صالح ناقة الله، وفي الشهر الحرام شهر الله. وهذه الآية ترد على النصارى الذين استدلوا من القرآن على أَن المسيح ابن الله، بنحو قوله تعالى: "وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا" (١) فقد زعموا أَن هذا النص وأَمثاله يدل على أَن المسيح جزءٌ من روح الله وبعض منه، فيكون بهذه البعضية ابن الله، لأَن الولد بعض أَبيه ووجه الرد عليهم بهذه الآية أَنه لو كان فهم الآية على نحو ما زعموا لاقتضى ذلك الفهم السقيم أَن يكون آدم ابنًا لله، لأَنه قد وَرَدَ فيه مثل ما ورد في عيسى وذلك قوله هنا: "وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي". وأَنتم لا تقولون بذلك فلا وجه للتفرقة بينهما في دلالة النص، فإِذا لم يدل النص في آدم على بنوته لله، بل على أَنه مخلوق شريف من مخلوقات الله، فكذلك النص الوارد في عيسى، فرُوحُه مضافة إِلى الله إِضافة المخلوق للخالق تشريفًا وتكريمًا، وصدق الله تعالى إِذ يقول: "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (٢) ومعنى الآية إِجمالا: فإذا جعلت هذا البشر من الصلصال سويا معتدلًا متطورًا بحيث يصلح للحياة نفخت من الروح المنسوبة إِلىَّ خلْقًا وشرفًا -إِذا فعلت ذلك بهذا البشر -فخروا له ساجدين، تحية وتكريما. وقيل أُمروا بالسجود لله عبادة وتعظيمًا عند تسويته آدم ونفخ الروح فيه، والمعنى الأَول أَنسب. ٣٠ - (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ): أَي فسجد الملائكة لآدم بعد تمام خلقه ونفخ الروح فيه، تحقيقًا لما شرطه الله وأَوجبه

стр. 2307

عليهم قبل خلقه؛ من السجود له بعد تمام خلقه، ولم يتخلف عن السجود إِلا إِبليس كما حكاه الله بقوله: ٣١ - (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ): أَي فسجد الملائكة جميعًا إِلا إِبليس، فإِنه امتنع عن أَن يكون معهم في سجودهم، وقد اعتبره الله آثمًا بامتناعه عن السجود معهم، وعاقبه بإِخراجه من الجنة ولعنِه كما سيأْتى بيانه. فإِن قيل: إِن الأَمر بالسجود موجه إِلى الملائكة، وإِبليس ليس منهم بل هو من الجن، لقوله تعالى في سورة الكهف: "إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ". ولأنه لو كان من الملائكة لسجد، لأَنهم كما قال الله فيهم: "لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (١) " وإِذا لم يكن من الملائكة فكيف اعتبر آثمًا مع أَن الأَمر بالسجود لا يتناوله، لأَنه خاص بالملائكة؟ وأَجيب عن ذلك بعدة أجوبة نختار منها اثنين. أَحدهما: أَنه وإِن لم يكن من الملائكة نوعا فهو منهم إِقامة، حيث كان يقيم بينهم، فيسرى عليه ما يسرى عليهم من التكاليف، كالرجل يعيش في غير قبيلته، فتسرى عليه أَحكام القبيلة التي يعيش فيها. ثانيهما: أَنه كان مأْمورًا بأَمر خاص به، ولم يصرح به في التكاليف ابتداءً، اكتفاءً بالإِشارة إِليه في التوبيخ صراحة على عصيانه، وذلك بقوله تعالى في سورة الأَعراف: "قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ" (٢).

стр. 2308

(قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)) المفردات: (مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ): أَىُّ سبب لك في عدم سجودك مع الملائكة. (حَمَإٍ مَسْنُونٍ): طين أسود منتن. (رَجِيمٌ): مطرود من كل خير، وأَصل الرجم الضربُ بالرَّجام وهي الحجارة، ثم كُنى به عن الطرد. (اللَّعْنَةَ): أَي الإِبعاد على سبيل السخط. التفسير ٣٢ - (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ): أَي قال اللهٌ لإِبليس توبيخًا له بعد امتناعه عن السجود لم: أَي سبب لك في أَن لا تكون مع الملائكة الساجدين له استجابة لأَمرى، وتعظيما لقدرتى. ٣٣ - (قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ): أَي قال إِبليس لربه بعد أَن وبخه على تركه السجود لآدم: لا يستقيم منى وقد خلقتنى من نار، أَن أَسجد لبشر خلقته من طين جاف أَصله من طين أَسود منتن، ويعنى بذلك أَن مادته التي خلق منها وهي النار، أَشرف من المادة التي خلق منها آدم وهى الطين الأَسود المنتن، فهو بذلك أعظم منه أَصلا -كما زعم-، فكيف يسجد من أَصله أعظم، لمن أصله دونه، وقد أَخطأَ اللعين في هذا القياس، فإِنه لا فضل للنار على التراب، فالتراب أَساس لكل حى، والنار تهلك كل حى، كما أَن الفضل ليس باعتبار المادة وحدها، فلابد من أَن

стр. 2309

يضاف إِليها الصورة والفاعل والغاية، والتحلى بالفضائل والتَّخلى عن الرذائل، وآدم قمَّةٌ في هذا كله، فقد خلقه الله في أَحسن تقويم، وخلقه من غير واسطة وبلا وسائل، كما يشير إِليه قوله تعالى: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ". كما أَن الغاية من خلق آدم وذريته الخلافة عن الله في الأَرض وأَنه كان في أَعلى مكارم الأَخلاق، فأَين مِنْ هذا كله خلقُه من نار. ٣٤ - (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ): أَي قال الله لإبليس، بعد أَن أَعلن استعلاءِه وتكبره على آدم -قال الله لإِبليس- اخرج من زمرة الملائكة أَو من منزلة الكرامة التي كنت فيها أَو الجنة -اخرج منها- فإِنك مرجوم وطرود من كل خير وكرامة. وقيل: المراد من كونه رجيما أَنه وجميع الشياطين سوف يُرجمُون بالشهب، فيكون في هذا المعنى إِشارة لطيفة إِلى أَن الَّلعين لما افتخر بالنار توعده الله بالتعذيب بها في الدنيا: كعابد النار يهواها وتحرقه. ٣٥ - (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ): أَي وإِن عليك الإِبعاد من رحمة الله إِلى يوم الجزاء، فلا يوفقك في الدنيا للتوبة من شقوتك ولا يمدك فيها بقبس من هداية، ولا يعفو عنك في الآخرة، بل يجعل مقرك النار وبئس القرار. وقيل إن المراد باللعنة هنا لعنة الخلائق له، بأَن يكون موضع سخطهم وطلبهم من الله إِلى يوم الجزاء أَن لا يرحمه، والمقصود منه يوم النفخة الأُولى التي يموت عندها الخلائق، فإِنه من يوم الدين، لأَنه مقدمة له، والتفسير الأَول أَوْلى.

стр. 2310

﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ المفردات: (فَأَنْظِرْنِي): فأَخِّرْنِى، الإِنظار التأْخير. (إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ): المراد من اليوم الحين مطلقًا، أَي إِلى حين الزمن المعلوم لله دون سواه. التفسير ٣٦ - (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ): بعد أَن سمع إِبليس حكم الله أَنه عليه بالطرد من رحمته ودار كرامته، وبشديد عقوبته، سأَل ربه سبحانه أَن يؤخر موته إِلى يوم يبعث فيه آدم وذريته للجزاء، وقد أَراد الخبيث بذلك أَمرين: أَحدهما: أَن يتسع له المدى لإِغوائهم، حتى يشتركوا معه في سوء مصيره، وليأَخذ ثأْره كاملا منهم، فإِنهم سبب شقائه، فإن عدم سجوده لأَبيهم كان السبب الأَول في نكبته، ولو كان عنده إِنصاف لأَدرك أَن غروره وكبرياءَه هما محورُ شقائه. والغرض الثاني: من طلبه الإِمهال إِلى يوم البعث أَن ينجو من الموت -إِذ لا موت بعد البعث، وإِلى هذا الغرض ذهب ابن عباس والسدى وقد حكى القرآن ما أَجاب به الله على سؤال إِبليس بقوله: ٣٧، ٣٨ - (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ): أَي فإِنك من المؤخرين إِلى حين الزمن المعلوم لله وحده، وتنتهى عنده حياة الخلائق وهو وقت النفخة الأُولى كمَا قال سبحانه: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ

стр. 2311

وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ" (١)، فتموت حينئذ كما يموتون، مصداقا لقوله تعالى: "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ". (٢) ولن أُؤخرك إِلى يوم البعث كما طلبت لِتفِرَّ من الموت كما أَردت. وهنا سؤلان؛ أَحدهما: كيف كلَّمهُ الله؟ وثانيهما: كيف أَجابه الله إِلى ما سأَل مع أَن فيه شقاءَ خلقه؟ والجواب عن الأَول: أَنه تعالى كلَّمهُ على لسان ملك يبلغه، أَو كلمه وهو يسمع تغليظا عليه، وتشديدًا في الوعيد. وليس على وجه التكريم والتقريب. والجواب عن الثاني: أَنه تعالى منحهم ما من شأْنه حمايتهم من شره، وهو نور العقل، ودوافع الخير، وآيات الهدى، ودعاة المثل العليا من النبيين والمرسلين والصديقين، فهذه العوامل تمثل في الروح أَسباب المناعة الخُلُقِية، كما تمثل الكُرَاتُ البيضاء في الدم أَسباب المناعة من الأَمراض الجسدية، وصدق الله تعالى إِذ يقول في سورة العنكبوت: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾. ولقد أَدرك الشيطان قيمة الحماية التي منحها الله عباده، فاعترف بها إِثر وعيده وذلك ما يحكيه الله بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ المفردات: (بِمَا أَغْوَيْتَنِي): بسبب إِغوائك إِياى، والمراد من إِغواء الله إِياه قضاؤه عليه بالْغواية بسبب تكبره وعدم خضوعه لأَمره تعالى. (الْمُخْلَصِينَ): الذين أَخلصتهم لطاعتك.

стр. 2312

التفسير ٣٩ - (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ): بعد أَن سمع إِبليس الحكم من الله بإِنظاره وإِمهاله؛ قال يارب بسبب حكمك عليَّ بالغواية من أَجل آدم، لأُحسِّننَّ لذريته في الأَرض المعاصي وأَسباب الضلال حتى يضلوا ويكونوا أَجمعين شركائى فيه، فلا أَبقى فيه وحدى، وكما قدرتُ على إِغواءِ أَبيهم في الجنة حتى عصى، فإِننى سأَقدرُ على إِغواء بنيه في الأَرض حتى يعصوا، ولما أَدرك اللعين أَنه تعالى قد يمنح عباده الصالحين الحماية منه، احتاط فاستثناهم من وعيده وذلك ما يحكيه الله بقوله: ٤٠ - (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ): أَي لأُضلَّن ذرية آدم أَجمعين، إِلا عبادك الذين أَخلصتهم لطاعتك، وحصنت نفوسم من الخضوع لعوامل الشر والضلال، والتأَثر بمغريات المعاصي، فهؤلاءِ لا سبيل لى إِليهم ولا سلطان لى عليهم. ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ المفردات: (صِرَاطٌ عَلَيَّ): طريق أَلتزم به. (سُلْطَانٌ): تسلط واستيلاءٌ (الْغَاوِين): الضالين عن الهدى. (جُزْءٌ مَقْسُومٌ): فريق مفْرورٌ في علمنا مميز.

стр. 2313

التفسير ٤١ - (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ): لما استثنى إِبليس المخلصين من التأَثر بإغوائه، لما أدركه فيهم من الحصانة الدينية والطهارة النفسية التي وهبها الله لهم، قال الله مؤكدا حمايته وحفظه لهم: هذا الذي قلته أَنت مِنْ أَنَّ المخلصين لا سبيل لك عليهم، طريق ومنهج مستقيم (علَّى) أَن أَلتزم به نحوهم، فلا أُسلطك عليهم، بل أَحميهم من وسوستك وإِضلالك إِياهم -وقد أَلزم الله تعالى نفسه بذلك تفضلا منه على عباده المخلصين، حماية لهم من إِغوائه- وقال مجاهد والكسائى في تفسير الآية: هذا على الوعيد والتهديد؛ كقولك لمن تُهدِّدُهُ: طريقك علىَّ، ومصيرك إِلىَّ، وكقوله تعالى: "إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ". فكأَن معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إِلىَّ فأُجازى كلاَّ بعمله -يعني طريق العبودية-. ٤٢ - (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ): في هذه الآية تأَكيد ثان لحماية الله للمخلصين من سلطان الشيطان عليهم، كما أَن فيها الإِخْبار بخذلانه للمُصِرين على الغواية. والمعنى: إِن عبادى الذين خلقتُهم لكي يعبدونى ليس لك يا إِبليس تسلط عليهم ينتهى بهم إِلى الضلال المخرج من رحمة الله، إِلا من اتبعك من الضالين بسوءِ اختياره، فإِنه يخضع لسلطانك، ويتأَثر بإِضلالك، ويشترك معك في سوءِ مصيرك. فإِن قيل إِن آدم وحواء من عباد الله المخلصين "فَأَزلَّهُمَا الشَّيطَانُ" وإِن بعض أَصحاب النبي ﷺ "اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ ببَعْضِ مَا كَسَبُوا" وبذلك يكون له سلطان حتى على المخلصين. فالجواب: أَن المقصود -والله أَعلم- أَنه ليس له سلطان على إِيمانهم وقلوبهم بحيث يلقيهم في ذنب يمنعهم عفو الله ويضيقه عليهم، فإِيمانهم متين وقلوبهم طاهرة، فإِن هم أَذنبوا تابوا -والتوبة تمحو الحَربْة- ثم توعد الله المصرِّين على الغواية فقال:

стр. 2314

٤٤ - (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ): أَي وإِن النار لموعد إِبليس والغاوين أَجمعين، لا يتخلف عنها منهم أَحد، ثم بين الله أَنها طبقات، لكل طبقة فئة منهم فقال: ٤٤ - (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ): فالمراد من أَبواب النار طبقاتها ودركاتها، فكما أَن الجنة درجات فالنار دركات، وقد جعل الله لكل طبقة من السبع فريقا معلوما، وقسيما معينا، فيدخل كل فريق في الطبقة التي تناسب معاصيه وعقائده، وقيل الأَبواب على معناها المعروف، وإِنما تعددت لكثرة من يدخل النار والله تعالى أَعلم. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ المفردات: (وَعُيُونٍ): المراد بها أَنهار الجنة، وقيل غيرها. (بِسَلَامٍ): بسلامة من الآفات. (مِن غِلٍّ): من حقد وعداوة. (نصَبٌ): تعب وإِعياءٌ. التفسير ٤٥ - (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ): بعد أَن أَنذر الله من اتبع الشيطان من الغاوين بسوءِ المصير بقوله: "وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ". جاءت هذه الآية وما بعدها لتبشير

стр. 2315

من اتقى ربه وعصى إِبليس بحسن المصير، وبضدها تتميز الأَشياءُ -والمراد بالمتقين الذين يدخلون الجنة من اتقوا الكفر والفواحش، ولهم ذنوب يكفرها نحو الصلاة (١)، وقال الآلوسى: نقل الإِمام عن جمهور الصحابة والتابعين- وذكر أَنه رأْى ابن عباس -أَن المراد بهم من اتقوا الشرك والكفر- ثم قال -وهذا هو الصحيح، ثم أَقام الدليل كل ذلك حتى قال: فثبت أَن الحكم المذكور يتناول جميع القائلين: لا إِله إِلا الله محمد رسول الله ﷺ ولو كانوا من أَهل المعصية … الخ. ونحن نقول: ينبغى أَن يقيد دخولهم الجنة إِن كانوا من أَهل المعاصي، بأَنهم تابُوا عنها وقبل الله توبتهم، أَو كانوا ممن غلبت حسناتهم على سيئاتهم، فإِن لم يكونوا من هؤلاءِ أَو أُولئك فإِنهم يدخلونها بعد عقابهم في النار على سيئاتهم، تطبيقا لأَدلة الوعيد على المعاصي الواردة في كتاب الله وسنة رسوله إِلا أَن يعفو الله فإِن الأَمر كله لله. ومنْ يمت ولم يتب من ذنبه … فأَمره مفوض لربه والمراد بالعيون الموجودة بالجنة أَنهارها المذكورة في قوله تعالى: "مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ (٢) .... " الآية، ويحتمل أَن تكون عيونا ومنابع أُخرى لا يعلمها إلا الله. والمعنى: إِن الذين يتقون الكفر والفواحش يعيشون في الآخرة في جنات عظيمة الشأْن دانية الثمار، ومن حولهم عيون وينابيع تجرى مياهها بين الجنات، فتضفى عليها الجمال والحسن، ليكمل بها متاعهم. ٤٦ - (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ): أَي يقال لهؤلاءِ المتقين عند دخولهم الجنة، ادخلوها سالمين فيها من الآفات في أَجسادكم آمنين من أَن يطرأَ عليكم ما يخيفكم -ويجوز أَن يراد من دخولهم بسلام أَنهم يدخلون مسلَّمًا عليهم مرحَّبًا بهم، ويراد من أَمنهم ما يعم الأَمن من الآفات الجسدية والروحية.
следующие страницы →