وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ" (١)، فتموت حينئذ كما يموتون، مصداقا لقوله تعالى: "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ". (٢) ولن أُؤخرك إِلى يوم البعث كما طلبت لِتفِرَّ من الموت كما أَردت. وهنا سؤلان؛ أَحدهما: كيف كلَّمهُ الله؟ وثانيهما: كيف أَجابه الله إِلى ما سأَل مع أَن فيه شقاءَ خلقه؟
والجواب عن الأَول: أَنه تعالى كلَّمهُ على لسان ملك يبلغه، أَو كلمه وهو يسمع تغليظا عليه، وتشديدًا في الوعيد. وليس على وجه التكريم والتقريب.
والجواب عن الثاني: أَنه تعالى منحهم ما من شأْنه حمايتهم من شره، وهو نور العقل، ودوافع الخير، وآيات الهدى، ودعاة المثل العليا من النبيين والمرسلين والصديقين، فهذه العوامل تمثل في الروح أَسباب المناعة الخُلُقِية، كما تمثل الكُرَاتُ البيضاء في الدم أَسباب المناعة من الأَمراض الجسدية، وصدق الله تعالى إِذ يقول في سورة العنكبوت: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾.
ولقد أَدرك الشيطان قيمة الحماية التي منحها الله عباده، فاعترف بها إِثر وعيده وذلك ما يحكيه الله بقوله:
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾
المفردات:
(بِمَا أَغْوَيْتَنِي): بسبب إِغوائك إِياى، والمراد من إِغواء الله إِياه قضاؤه عليه بالْغواية بسبب تكبره وعدم خضوعه لأَمره تعالى. (الْمُخْلَصِينَ): الذين أَخلصتهم لطاعتك.
стр. 2312
التفسير
٣٩ - (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ):
بعد أَن سمع إِبليس الحكم من الله بإِنظاره وإِمهاله؛ قال يارب بسبب حكمك عليَّ بالغواية من أَجل آدم، لأُحسِّننَّ لذريته في الأَرض المعاصي وأَسباب الضلال حتى يضلوا ويكونوا أَجمعين شركائى فيه، فلا أَبقى فيه وحدى، وكما قدرتُ على إِغواءِ أَبيهم في الجنة حتى عصى، فإِننى سأَقدرُ على إِغواء بنيه في الأَرض حتى يعصوا، ولما أَدرك اللعين أَنه تعالى قد يمنح عباده الصالحين الحماية منه، احتاط فاستثناهم من وعيده وذلك ما يحكيه الله بقوله:
٤٠ - (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ):
أَي لأُضلَّن ذرية آدم أَجمعين، إِلا عبادك الذين أَخلصتهم لطاعتك، وحصنت نفوسم من الخضوع لعوامل الشر والضلال، والتأَثر بمغريات المعاصي، فهؤلاءِ لا سبيل لى إِليهم ولا سلطان لى عليهم.
﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾
المفردات:
(صِرَاطٌ عَلَيَّ): طريق أَلتزم به. (سُلْطَانٌ): تسلط واستيلاءٌ
(الْغَاوِين): الضالين عن الهدى. (جُزْءٌ مَقْسُومٌ): فريق مفْرورٌ في علمنا مميز.
стр. 2313
التفسير
٤١ - (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ):
لما استثنى إِبليس المخلصين من التأَثر بإغوائه، لما أدركه فيهم من الحصانة الدينية والطهارة النفسية التي وهبها الله لهم، قال الله مؤكدا حمايته وحفظه لهم: هذا الذي قلته أَنت مِنْ أَنَّ المخلصين لا سبيل لك عليهم، طريق ومنهج مستقيم (علَّى) أَن أَلتزم به نحوهم، فلا أُسلطك عليهم، بل أَحميهم من وسوستك وإِضلالك إِياهم -وقد أَلزم الله تعالى نفسه بذلك تفضلا منه على عباده المخلصين، حماية لهم من إِغوائه- وقال مجاهد والكسائى في تفسير الآية: هذا على الوعيد والتهديد؛ كقولك لمن تُهدِّدُهُ: طريقك علىَّ، ومصيرك إِلىَّ، وكقوله تعالى: "إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ". فكأَن معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إِلىَّ فأُجازى كلاَّ بعمله -يعني طريق العبودية-.
٤٢ - (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ):
في هذه الآية تأَكيد ثان لحماية الله للمخلصين من سلطان الشيطان عليهم، كما أَن فيها الإِخْبار بخذلانه للمُصِرين على الغواية.
والمعنى: إِن عبادى الذين خلقتُهم لكي يعبدونى ليس لك يا إِبليس تسلط عليهم ينتهى بهم إِلى الضلال المخرج من رحمة الله، إِلا من اتبعك من الضالين بسوءِ اختياره، فإِنه يخضع لسلطانك، ويتأَثر بإِضلالك، ويشترك معك في سوءِ مصيرك.
فإِن قيل إِن آدم وحواء من عباد الله المخلصين "فَأَزلَّهُمَا الشَّيطَانُ" وإِن بعض أَصحاب النبي ﷺ "اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ ببَعْضِ مَا كَسَبُوا" وبذلك يكون له سلطان حتى على المخلصين. فالجواب: أَن المقصود -والله أَعلم- أَنه ليس له سلطان على إِيمانهم وقلوبهم بحيث يلقيهم في ذنب يمنعهم عفو الله ويضيقه عليهم، فإِيمانهم متين وقلوبهم طاهرة، فإِن هم أَذنبوا تابوا -والتوبة تمحو الحَربْة- ثم توعد الله المصرِّين على الغواية فقال:
стр. 2314
٤٤ - (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ):
أَي وإِن النار لموعد إِبليس والغاوين أَجمعين، لا يتخلف عنها منهم أَحد، ثم بين الله أَنها طبقات، لكل طبقة فئة منهم فقال:
٤٤ - (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ):
فالمراد من أَبواب النار طبقاتها ودركاتها، فكما أَن الجنة درجات فالنار دركات، وقد جعل الله لكل طبقة من السبع فريقا معلوما، وقسيما معينا، فيدخل كل فريق في الطبقة التي تناسب معاصيه وعقائده، وقيل الأَبواب على معناها المعروف، وإِنما تعددت لكثرة من يدخل النار والله تعالى أَعلم.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾
المفردات:
(وَعُيُونٍ): المراد بها أَنهار الجنة، وقيل غيرها. (بِسَلَامٍ): بسلامة من الآفات.
(مِن غِلٍّ): من حقد وعداوة. (نصَبٌ): تعب وإِعياءٌ.
التفسير
٤٥ - (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ):
بعد أَن أَنذر الله من اتبع الشيطان من الغاوين بسوءِ المصير بقوله: "وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ". جاءت هذه الآية وما بعدها لتبشير
стр. 2315
من اتقى ربه وعصى إِبليس بحسن المصير، وبضدها تتميز الأَشياءُ -والمراد بالمتقين الذين يدخلون الجنة من اتقوا الكفر والفواحش، ولهم ذنوب يكفرها نحو الصلاة (١)، وقال الآلوسى: نقل الإِمام عن جمهور الصحابة والتابعين- وذكر أَنه رأْى ابن عباس -أَن المراد بهم من اتقوا الشرك والكفر- ثم قال -وهذا هو الصحيح، ثم أَقام الدليل كل ذلك حتى قال: فثبت أَن الحكم المذكور يتناول جميع القائلين: لا إِله إِلا الله محمد رسول الله ﷺ ولو كانوا من أَهل المعصية … الخ.
ونحن نقول: ينبغى أَن يقيد دخولهم الجنة إِن كانوا من أَهل المعاصي، بأَنهم تابُوا عنها وقبل الله توبتهم، أَو كانوا ممن غلبت حسناتهم على سيئاتهم، فإِن لم يكونوا من هؤلاءِ أَو أُولئك فإِنهم يدخلونها بعد عقابهم في النار على سيئاتهم، تطبيقا لأَدلة الوعيد على المعاصي الواردة في كتاب الله وسنة رسوله إِلا أَن يعفو الله فإِن الأَمر كله لله.
ومنْ يمت ولم يتب من ذنبه … فأَمره مفوض لربه
والمراد بالعيون الموجودة بالجنة أَنهارها المذكورة في قوله تعالى: "مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ (٢) .... " الآية، ويحتمل أَن تكون عيونا ومنابع أُخرى لا يعلمها إلا الله.
والمعنى: إِن الذين يتقون الكفر والفواحش يعيشون في الآخرة في جنات عظيمة الشأْن دانية الثمار، ومن حولهم عيون وينابيع تجرى مياهها بين الجنات، فتضفى عليها الجمال والحسن، ليكمل بها متاعهم.
٤٦ - (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ):
أَي يقال لهؤلاءِ المتقين عند دخولهم الجنة، ادخلوها سالمين فيها من الآفات في أَجسادكم آمنين من أَن يطرأَ عليكم ما يخيفكم -ويجوز أَن يراد من دخولهم بسلام أَنهم يدخلون مسلَّمًا عليهم مرحَّبًا بهم، ويراد من أَمنهم ما يعم الأَمن من الآفات الجسدية والروحية.
стр. 2316
٤٧ - (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ):
أَي وأَخرجنا ما في صدورهم من حقد وعداوة كانت بينهم في الدنيا، فدخلوا الجنة إِخوانا متحابين، على أَسرة متقابلين، ينظر بعضهم إِلى وجوه بعض في صفاءِ ومودة ولا يتدابرون، أَخرج ابن جربر وغيره عن أَبي أُمامة قال: يدخل أَهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناءِ والضغائن، حتى إِذا تدانوا وتقابلوا على السرر نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل: ويحتمل أَن يكون نزع الغل من صدورهم كناية عن نزع أَسبابه وأَنهم يعيشون في الجنة متحابين لأَنهم مغمورون بنعم الله وأَسباب الصفاءِ والمودة، فلا يجدون فيها ما يوجب البغضاءَ كما كانوا يجدون في الدنيا.
٤٨ - (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ):
أَي لا يصيبهم في الجنات أَي تعب، فإن أَرزاقهم ميسَّرة من غير كدٍّ ولا سعى (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) (١). ويقوم بخدمتهم غلمان لهم كأَنهم لؤْلؤٌ مكنون، قال تعالى في سورة الإنسان: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ (٢) .. الآيات -وكما أنهم لا يمسهم في الجنة تعب، فهم ليسوا منها بمخرجين بل هم خالدون فيها أَبدًا، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وليجتهد المجتهدون -والله تعالى أَعلم.
стр. 2317
﴿*نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾
المفردات:
(نَبِّئْ): أَي خبِّر وبلغ، من النبإِ، وهو الخبر مطلقًا وقيل هو الخبر الخطير ذو الشأْن، وهو الأَنسب هنا؛ قال الراغب: النبأُ: خبر ذو فائدة عظيمة، يحصل به علم أَو غلبة ظن .. ثم قال: ونبَّأْته أَبلغ من أَنبأْته. (ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ): الضيف من مال إِليك نازلا بك، والأَفصح أَلا يُثنَّى ولا يجمع، ويأْتى بيان المواد بضيف إِبراهيم في التفسير (وَجِلُونَ): أَي خائفون، وفعله وجل يوجلْ كفزِع يفزع. وفي الراغب؛ الوجل: استشعار الخوف.
التفسير
٤٩ - ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ):
بعد أَن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة ما توعد به الغاوين من عذابه، وما وعد به المتقين من ثوابه، أَكد سبحانه في هذه الآية وعده ووعيده، بما اتصف به من عظيم مغفرته وواسع رحمته وشديد عقابه، تقريرًا لما ذكر، وتمكينا له في النفوس: فأَمر رسوله محمدًا ﷺ بأَن يبلغ أُمته جميعًا -المتقين منهم وغير المتقين- أَن الله ﵎ هو العظيم الغفران، الواسع الرحمة.
стр. 2318
كما أمره أن يبلّغهم أن عذاب الله هو العذاب الأليم، أي البالغ الغاية فى الشدة والإيلام لا يشبهه عَذَاب غيره ولا يدانيه، فقال جلَّ وعلا:
٥٠ - ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾:
وفى معنى الآيتين قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١). وفى هذا المعنى يقول النبي ﷺ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: "إن الله تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة؛ فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، وأرسل فى خلقه كلهم رحمة واحدة: فلو يعلم الكافر بكل الذى عند الله من الرحمة، لم ييئس من الجنة؛ ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب، لم يأمن من النار" (٢). وقد نبهت الآيتان على مقامي الرجاء والخوف، ولابد للعبد من الجمع بينهما؛ وينبغي أن يكونا سواء ما دام العبد صحيحا معافى؛ فإن المبالغة فى الرجاء تفضي به إلى تسويف الصالحات أو إهمالها؛ والمبالغة فى الخوف تفضي به إِلى القنوط واليأس! وخير الأمور أوساطها.
وقيل يُغلِّب الخوف على الرجاء فى حال صحته، فأما إذا مرض فلْيغلِّب الرجاء على الخوف حتى إذا دنت أمارات الموت فليكن رجاؤُه في ربه وإحسان الظن به مَحضًا خالصًا، ولا سيما حال احتضاره؛ فإنه حينئذ قادم على رب كريم ذي فضل عظيم سبقت رحمتُه غضبَه وعذابه، وقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصارى ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " وروى مسلم عن جابر أيضًا. قال سمعت النبي ﷺ يقول: "يُبعث كل عبد على ما مات عليه". وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما قضى الله الخلق كتب فى كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتى سبقت غضبي" (٣).
стр. 2319
ولعل في تقديمه سبحانه الوعد على الوعيد -مع زيادة في تأْكيد الوعد- تنبيهًا على هذا الفضل.
ولما أَجمل الله سبحانه وعده ووعيده في الآيتين السابقتين، فصّل بعض ما أَجمل في الآيات التالية فذكر طائفة من أَنباءِ رحمته وعذابه مما وقع في هذه الدار، عبرة وتذكرة لما يكون في الدار الآخرة، ساقها سبحانه ممثلة في قصة خليله إِبراهيم وبشارته، ونبيه لوط ونجاته، وأَصحاب الأَيكة وأَصحاب الحجر، وما حل بهم جميعًا من عذاب لا تزال آثاره باقية مرئية. وبدأَ بقصة أَبي الأَنبياءِ صلوات الله وسلامه عليهم، فقال آمرًا نبِيه ﷺ :
٥١ - (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ): أَي أَخبر أُمتك أَيها النبي عن ضيف إِبراهيم خليله؛ ليعتبروا بما جرى له ولابن أَخيه لوط ﵉ من البشرى في تضاعيف الخوف -على ما يأْتى بيانه- والمراد بضيف إِبراهيم: رسل من الملائكة أَرسلهم الله تعالى في صور بشر إِلى قوم لوط ليهلكوهم، ومروا في طريقهم بإِبراهيم ليبشروه بغلام عليم، وبهلاك القوم المجرمين -وهم- على ما روى عن ابن عباس ﵄ -جبريل وملكان معه، وقيل أَكثر من ملكين، على خلاف بين المفسرين، مع اتفاقهم على أَن جبريل ﵇ أَولهم. وكانوا في صور شبان حسان الوجوه.
وقد تقدمت قصتهم في سورة هود في قوله تعالى: "وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ" الآيات (١). وتأْتى في سورة الذاريات في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢) ". الآيات.
стр. 2320
والقصة في هاتين السورتين أَكثر تفصيلا مما وقع في هذه السورة. والقرآن الكريم يكمل بعضه بعضًا، ويفسر بعضه بعضًا، ويتعين رَجْع بعضه إِلى بعض في القصة الواحدة. قال جل ثناؤُه:
٥٢ - (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ):
أَي اذكر أَيها الرسول حين دخل هؤُلاءِ الأَضياف على إِبراهيم وحيَّوه فقالوا سلامًا، أَي قالوا هذا اللفظ تحية له. أَي نسلِّم عليك سلامًا فقال ردًّا لتحيتهم عليكم سلام، إلا أَن الرد لم يذكر في هذه السورة اكتفاءً بذكره في سورتى هود والذاريات، كما لم يذكر مجيئه بالعجل السمين الحنيذ، أَي المشوى، اكتفاءً بذكره في السورتين كذلك.
وكان ﵇ كريما غاية الكرم، وكان يقال له -فيما يؤْثر- أَبو الضَّيفان، ولا عجب فقد جاد بنفسه لربه الأَكرم .... والجود بالنفس أَقصى غاية الجود.
قال إِبراهيم ﵇ لضيوفه لما امتنعوا عن الأَكل، وقد قدم إِليهم العجل: (إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ): أَي خائفون فزعون، لما جرت به العادة عندهم أَنه إِذا نزل بهم ضيف فلم يأْكل من طعامهم ظنوا أَنه لم يجيء بخير! لهذا نَكِرهم قبل أَن يُعلموه أَنهم رسل الله، وأَوجس منهم خيفة ثم صرح بخيفته فقال: "إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ". وفي سورة هود: "فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ" (١)
٥٣ - (قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ):
طمأَنت الملائكة إِبراهيم ﵇: إِذ قالوا له لا توجل أَي لا تخف ولا تفزع، ولكى يزبلوا خوفه بشروه بغلام عليم ليعلم سر مجيئهم إِليه، والمراد من كونه غلاما عليمًا أَنه يكبر ويكون عظيم القدر كثير العلم، وهو إسحق ﵇ من امرأَته -واشتهر أَن اسمها سارَة- وقد بشروها أَيضًا بيعقوب من ورائه كما جاء في قوله تعالى: (فَبَشَّرْنَاهَا
стр. 2321
بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) (١) وفي هذه البشارة إِشارة إِلى إِبقاء الخليل وأَهله في سلامة وعافية زمانا طويلًا.
وأَما الغلام الحليم في قوله تعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) فالمراد به ابنه البكر إِسماعيل من جاريته هاجر وهو الذبيح. وتأتى قصة ذبحه في سورة الصافات (٢).
﴿قَلَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾
المفردات:
(مَسَّنِيَ الْكِبَرُ): أَي أَدركنى وأَصابنى كبر السنّ. (بِالحَقِّ): أَي بالأَمر الثابت المحقق.
(الْقَانِطِينَ): أَي اليائسين، من القنوط وهو اليأْس، والمراد اليأس من الولد.
(الضَّالُّونَ): أَي المخطئون طريق الصواب والحق.
التفسير
٥٤ - (قَلَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ):
أَي قال إِبراهيم ﵇ للملائكة متعجبا من تبشيرهم إِياه بالولد مع كبر سنه وشيخوخته -وقد جرت العادة بعدم الولادة فيها- كيف تبشروننى بالغلام وأَنا على هذه الشيخوخة؟! ثم أكد عجبه فقال بصيغة الاستفهام التعجبى:
стр. 2322
(فَبِمَ تُبَشِّرُونَ): أي فبأي أُعجوبة تبشرونني؟! إن البشارة بما لم تجربه العادة! أمر يدعو إلى العجب.
٥٥ - ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥)﴾:
أي قالت الملائكة مجيبين إبراهيم ﵇: بشرناك بالأمر المحقق الثابت الذي لا ريب فيه ولا لبس، فلا تكن من البائسين من خرق العادة لك؛ فإن الله تعالى قادر على أن يخلق بشرا من غير أبوين: فكيف لا يخلقه من شيخ فان وعجوز عاقر؟ وكان تعجبه ﵇ مما بشر به لمخالفته للعادة لا لأن الله تعالى لا يقدر على مثله فإنه يعلم من قدرة الله تعالى ما هو أعظم من ذلك؛ ولهذا قالت الملائكة له: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾: ولم يقولوا له: فلا تكن من الممترين أو الشاكين. ولهذا أيضًا:
٥٦ - ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾:
والاستفهام هنا إنكارى معناه النفي، أى لا ييئس من رحمة ربه إلا الخاطئون المنصرفون عن طريق الحق والصواب والمعرفة، فلا يعرفون سعة رحمته تعالى ولا كمال علمه وقدرته.
ومراده ﵇ نفي القنوط عن نفسه، وبراءته منه على أبلغ وجه وأكمله، أى ليس بي قنوط من رحمة ربي جل وعلا، وإنما الذى قلته، لبيان منافاة حالي وكبر سني لإنجاب الذرية عادة، وفي تعرضه ﵇ لوصف الربوبية والرحمة ما لا يخفى من الجزالة.
ثم لم تكن هذه المحادثة بين الملائكة وإبراهيم خاصة؛ فقد اشتركت فيها امرأته أيضًا إذ قالت للملائكة ما حكى الله عنها في سورة هود: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ (١). ولم تُذكر محادثتهم مع امرأته هنا اكْتِفاءً بذكرها فى سورة هود، كما لم تذكر مع إبراهيم هناك اكتفاء بذكرها هنا. والكتاب العزيز -كما أسلفنا- يكمِّل بعضه بعضا، ويفسِّر بعضه بعضا، ويصدِّق بعضه بعضا، دون تناقض أو اختلاف.
وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢).
стр. 2323
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤)﴾
المفردات:
(فَمَا خَطْبُكُمْ): أَي فما شأْنكم وأَمركم الخطير؟ قال الراغب: والخطب، الأَمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب.
(قَدَّرْنَا): قضينا أَو حكمنا، من التقدير بمعنى الحكم. (الْغَابِرِينَ): الباقين، يقال: غبر يغبُر غبورا: أَي بقى. (يَمْتَرُونَ): يَشُكُّون، من المرية بمعنى الشك، يقال: امترى في الأَمر وتمارى فيه، أَي شك.
التفسير
٥٧ - (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ):
لما طمأَنت الملائكة إِبراهيم بأَنهم رسل الله وبشروه بالغلام العليم، ذهب عنه الروع واستأْنس بهم، لكنه ﵇ تفرس فيهم أَنهم أَرسلوا لأَمر آخر خطير غير البشارة، إِذ كان حديثهم موجزا يشعر بأَن في هذا الإِيجاز كلاما مطويا، ثم أَنهم ذوو عدد والبشارة يكفى فيها واحد، ولهذا خاطبهم بعنوان الرسالة وصدر خطابه بالفاءِ بعد أَن كان خطابه
стр. 2324
السابق مجردًا من ذلك، كأَنه قال: يبدو لى أَن لكم شأْنا آخر خطيرًا فما هو؟ وقد كانت إجابتهم مصدقةٌ لفراسته:
٥٨ - (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ):
يعنون قوم لوط ﵇، فقد أَفحشوا غاية الفحش بإِتيانهم الرجال شهوة من دون النساءِ مع شركهم، ولهذا وصفوا بالإِجرام لأَنه دأْبهم، وجئَ بهم بطريق التنكير ذمًّا لهم واستهانةً بهم.
أَي قالت الملائكة لإِبراهيم ﵇ جوابا عن سؤاله: إنا أَرسلنا الله ﵎ إِلى قوم مجرمين.
وتتمة الجواب في سورة الذاريات: "لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ" (١).
إِلا أَنه أَوجز هنا اكتفاءً بما ذكر هناك، كما تقدم مثل هذا وكما يأْتى مرارًا، وهذا من دلائل حكمة الكتاب العزيز، حيث لا يطنب في مقام الإِيجاز.
أَي قال المرسلون لإِبراهيم ﵇، إِن الله تعالى أَرسلهم لإِهلاك المجرمين من قوم لوط بعذاب الاستئصال، وتنجية غير المجرمين منهم فهم مستثنون من القوم المهلكين. ولذلك قالوا:
٥٩ - (إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ): والمراد من آل لوط من آمن به من قومه ولو كانوا من غير قرابته أَو أَصهاره، وقد استثنوهم من أَجل إِيمانهم، ولما كانت امرأَته كافرة ضالة، استثنوها من آل لوط فقالوا:
٦٠ - (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ):
أَي حكمنا وقضينا قضاءً لا مرد له: بأَنها من الباقين في العذاب مع الكَفرة المهلكين، من أَجل كفرهم وجرمهم وكفرها معهم. وإِنما أَسند الملائكة التقدير والقضاء إِلى أنفسهم
стр. 2325
مع أَن الله تعالى هو الذي قدر وقضى لأَنهم هم المباشرون لإِنفاذ ما أَمر الله بإِنفاذه، كما تقول خاصة الملك نحن أَمرنا وفعلنا وإِن كان الآمر هو الملك.
وقوله سبحانه:
٦١ - (فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١)):
شروع في بيان إِهلاك المجرمين، وتنجية آل لوط، مع تفصيل لما أُجمل في الاستثناءِ السابق؛ وذلك أَن الملائكة لما بشروا إِبراهيم بالغلام، وعرفوه بما أَرسلوا به، ساروا إِلى لوط وقومه فلما دخلوا على لوط وهم في صور شبان حسان الوجوه:
٦٢ - (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ):
أَي لا أَعرفكم، فمنْ أَنتم؟ ولأَى أَمر جئتم؟ وإِنما قال ذلك لأَنهم ليسوا من أَهل الحضر، ولا تبدو عليهم آثار السفر. ويحكى الله سبحانه إِجابتهم للوط لكي يطمئنوه، ويعرفوه بما جاءَوا من أَجله؛ فيقول جل شأْنه:
٦٣ - (قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ):
أَي ما جئناك بما يسوؤك، بل جئناك بما فيه سرورك ونصرك على أَعداءِ الله وأَعدائك، وهو إِيقاع العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله، فيمترون أَي يشكون فيه ويكذبونك. وهذا كما حكى الله عنهم في شيءٍ من التفصيل الذي تقدم في سورة هود: "قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ" (١). ثم أكدوا بشارئهم بجملة من المؤكَّدات فقالوا:
٦٤ - (وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ):
أَي وجئناك بالأَمر المحقق المتيقن الذي لا مجال للامتراءِ والشك فيه وهو عذابهم، وإِنا لصادقون فيما أَخبرناك به، أَو في كل كلام نقوله؛ لأَنه من عند الله فيكون كالدليل على صدقهم فيما أَخبروا به.
стр. 2326
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١)﴾
المفردات:
(فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ): أَي سر واذهب بأَهلك ليلًا، من أَسرى، وقرئ "فاسر" بهمزة الوصل من سرى، وهما بمعنى واحد. وقيل: أَسرى في السير أَول الليل، وسرى في السير آخره. (بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ): أَي جزءٍ منه، أَو من آخره. (أَدْبَارَهُمْ): آثارهم.
(وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ): أَي أَوحيناه إليه. وأَصل القضاء الحكم. ولكنه ضمن معنى الإِيحاءِ فتعدى تعديته بإِلى. (دَابِرَ هَؤُلَاءِ): آخرهم. (مُصْبِحِينَ): داخلين في الصباح. وتأْتى صيغة "أفعل" للدخول في الشيءِ نحو أَشرق، أَنجد، وأَتهم (١). (وَلَا تُخْزُونِ): ولَا تُهِينونى، من الخزى، وهو الذل والهوان، أَو لا تخجلونى، من الخزاية، وهى الحياءُ والخجل.
التفسير
٦٥ - (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ):
لما بشرت الملائكة لوطا ﵇ بما أَرسلهم الله به، من إِهلاك المجرمين، وإِنجائه وإِنجاءِ أَهله إِلا امرأَته -أَمروه بما أَمر الله به وهو أَن يسرى بأَهله في جزءٍ من الليل أَو في آخره.
стр. 2327
والفاءُ لترتيب الأَمر بالإِسراءِ على الإِخبار برسالتهم. وهذا شروع في ترتيب مبادئ النجاة كى تم على ما قضى الله ودبَّر.
والمعنى: اذهب بأَهلك جزء من الليل أو في آخره، وكن في أَثرهم، لتطلع على أحوالهم، وتبعث الطمأْنينة فيهم.
(وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ):
أَي ولا يلتفت منك ولا منهم أَحد، لئلا يرى ما وراءَه من هول العذاب فلا يطيقه.
وقيل نهوا عن الالتفات، ليوطِّنوا أَنفسهم كل المهاجرة أَو المراد به النهي عن الإبطاءِ في السير فإِن الملتفت قلما يخلو من أَدنى وقفة.
ولم يذكر استثناءَ المرأَة من الإِسراء بأَهله وعدم الالتفات، اكتفاءً بما ذكر في آيات أُخر.
(وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ):
أَى واذهبوا إِلى المكان الذي أَمركم الله بالذهاب إِليه، وهو الشام -على ما روى عن ابن عباس والسُّدِّى- وقيل الأَرْدُنّ؛ وقيل مصر. وقيل موضع نجاة غير معيّن. والعلم عند الله تعالى. وأَيَّا كان الأَمر فالجملة تأْكيد للنهى عن الالتفات مع الإِسراع كالسير قُدُمًا امتثالا لأَمره تعالى. وربما كان معهم من يوجههم إِلى المكان الذي أُمروا أَن يذهبوا إِليه. أو عرفه الله إِياه والطريق الموصل إِليه، والله تعالى أَعلم.
٦٦ - (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ):
أي وأَوحينا إِلى لوط قضاءَ ذلك الأَمر الذي حكمنا به على قومه حكمًا لا مردَّ له، وهو عذاب الاستئصال الذي فسره سبحانه بقوله:
"أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ"، وفي إِبهام الأَمر أَولا وتفسيره ثانيا بما ذكر أَكبر دلالة كل فظاعته وشدة شناعته. والمعنى أَنهم يُسْتأْصلون عن آخرهم وهم داخلون في وقت الصباح فلا يبقى منهم أَحد. وقوله تعالى:
стр. 2328
٦٧ - (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ):
شروع في بيان ما صدر من القوم عند وقوفهم على مكان الأَضياف. والمراد بالمدينة مدينة قوم لوط -وتسمى سدوم- وبأَهلها أُولئك القوم المجرمون.
والمعنى: وجاء أَهل المدينة منزل لوط ﵇ مستبشرين فرحين، وذلك أَن الرسل لما نزلوا على لوط ظهر أَمرهم في المدينة وقيل إِن امرأَته أَخبرتهم بذلك فجاءُوا إِلى داره طمعا في أُولئك الأَضياف الغرباءِ الحسان، فلما خشى منهم على أَضيافه ولم يكن يعلم أَنهم رسل الله:
٦٨ - (قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ):
أَي إِن هؤُلاءِ أَضيافى فحق عليّ أَن أَبذل الوسع في إِكرامهم، وحق عليكم أَن تعينونى في رعايتهم وحمايتهم، فإِن لم تفعلوا فلا أَقل من أَن تتركوهم ولا تتعرضوا لهم بسوءِ، حتى لا يفهموا أَنه ليس لى عندكم قدر ولا حرمة وتلك فضيحة لى، ومعرة علىَّ، أَو فلا تفضحونى بفضيحة ضيفى؛ فإِن من أُسيءَ إِلى ضيفه فقد أُسيء إِليه!
ثم أَكد طلب الكف عن الإِساءة إِليهم إِذا لم يكونوا أَهلا للإحسان فقال ما حكاه الله سبحانه عنه بقوله:
٦٩ - (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ):
أَي واتقوا الله في تعرضكم لما يسوءُنى، فلا ترتكبوا فاحشتكم في ضيفى فتوقعونى في الذل والخزى أَمام الأَضياف، فإِن ذلك أَجلب للعار والفضيحة عَلىّ!
غير أَن الخبث والانحراف عن الفضيلة كان متأَصلا فيهم، وكلمة العذاب حقت عليهم ومن أَجل ذلك:
٧٠ - (قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ):
أَي ألم نتقدم إِليك بعدم ضيافة الشبان وحمايتهم ولم ننهك عن العالمين، فلماذا خالفتنا وآويت هؤُلاءِ الشبان، وجعلتنا نحضر إِليك ونطلبهم منك، يعنون أَننا قد نهيناك فعلا عن ذلك. فكأَنهم -أَخزاهم الله- قالوا ما ذكرته من العار والفضيحة إِنما جاء من
стр. 2329
قبلك لا من قبلنا، إِذ لولا تعرضك لما نتصدى له لما اعتراك ما يسوءُك؛ وكانوا يتعرضون لكل أَحد من الغرباء بالسوءِ، فكان ﵇ ينهاهم عن ذلك بقدر وسعه وكانوا ينهونه جاهدين أَن يضيف أَحدًا أَو يُجيره.
ولما رآهم ﵇ مصرين على مُنكرِهم لا يقلعون عنه، وأَن نصحه ذهب هباءً:
٧١ - (قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ):
يعني ببناته نساءَ قومه، فإِن نبى كل أُمة بمنزلة أَبيهم؛ أَو يعني بناته حقيقة، أَي فتزوجوهن وقد كانوا يطلبونهن فلا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءَتهم، لا لعدم مشروعية الزواج بين المسلمات والكفار؛ فإِنه كان جائزًا كما هو مبين في المطولات.
وقوله: (إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ): أَي إِن كنتم راغبين في قضاءِ الشهوة فاقضوها بالطريق المشروع الذي أَحله الله وهو الزواج؛ فإنه أَطهر لكم وأَكرم. دون الطريق الخبيث المحرم، أَو إن كنتم فاعلين ما أَشرت به عليكم من التزوج، فهؤُلاء بناتى فتزوجوا منهن.
وكان مجئُ هؤلاءِ المجرمين إِلى منزل لوط ﵇ وما دار بينه وبينهم، من نصحه لهم ومجادلتهم له -كان مجيئهم هذا قبل أَن تُعلمه الملائكة بأَنهم رسل ربه، ويأَمروه بأَن يسرِىَ بأَهله، على ما تقدم بيانه في سورة هود في قوله تعالى: "وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا" (١) إِلى قوله عز سلطانه: "قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ".
وإِنما أُخِّر ذكر مجيئهم هنا وما تبعه من المجادلة، وقُدم عليه ذكر ما كان بينه وبين الرسل من المقاولة -على خلاف الترتيب الواقعى- للمسارعة إِلى ذكر بشارة لوط ﵇ بإِهلاك قومه وتنجية آله عقب ذكر بشارة إِبراهيم ﵇ بهما. ولم يراع في النظم الكريم الترتيب الواقعى، ثقةً بمراعاته في مواقع أُخر. والواو للعطف، ولكنها لا تقتضى الترتيب، ولا سيما إِذا دل الدليل على خلافه.
стр. 2330
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾
المفردات:
(لَعَمْرُكَ): أَي لحياتك، وهى صيغة قسم معناها أَقسم بحياتك. والعَمر بالفتح هو العُمر بالضم، ولكنه بالفتح اختص بالقسم للخفة وكثرة دورانه كل الأَلسنه.
(سَكْرَتِهِمْ): أَي غفلتهم الشديدة التي أَشبهت السُّكر فجعلتهم كالسكارى .... أَو ضلالتهم كذلك.
(يَعْمَهُونَ): يترددون ويتحيرون، من العَمَه، وهو في البصيرة كالعمى في البصر نعوذ بالله تعالى منه!
(الصَّيْحَةُ): الصوت الشديد المزعج. والمراد به العذاب الذي أَهلكهم الله به. كما نقله ابن المنذر عن ابن جريج، وكل شيءٍ أَهلك به قوم صيحة وصاعقة!
(مُشْرِقِينَ): داخلين في وقت شروق الشمس. (سِجِّيلٍ): طين متحجر.
(لِلْمُتَوَسِّمِينَ): للمتفرسين الذين يتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيءِ بِسمَتِهِ وعلامته.
стр. 2331
(أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ): أَصحاب الْغَيْضَة وهى جماعة الشجر الكثيف الملتف. والمراد بها البقعة الكثيرة الأَشجار المثمرة.
(لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ): لفى طريق بيّن واضح يؤتمُّ به.
التفسير
٧٢ - (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ):
قيل: هذا قسم من الله ﵎ بحياة نبيه لوط ﵇: إِن قومه لفى غفلة غامرة، وضلالة منكرة، جعلتهم كالسكارى يتحيرون ويترددون، فكيف يستمعون للنصح، أَو يستجيبون لداعى الهدى وهم في غوايتهم يتخبطون؟! والمقصود من القسم تأْكيد جهالتهم بعاقبة إِعراضهم وغفلتهم، وقيل هو قسم من الملائكة بأَمر الله تعالى على تقدير القول، أَي قالت الملائكة للوط ﵇: "لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ" غافلون عما يصبِّحهم من عذاب قريب لا ريب فيه، كما قال تعالى: "إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ" (١). وقال قوم إِنه قسم بحياة النبي ﷺ ، وبه قال ابن جرير وابن كثير وجمهور من المفسرين، وعلى رأْسهم ابن عباس، حيث قال: ما خلق الله وما ذرأَ وما برأَ نفسًا أَكرم عليه من محمد ﷺ ، وما سمعت الله أَقسم بحياة أَحد غيره (٢). وعلى هذا تكون الضمائر في قوله:" إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ" عائدة على قريش، غير أَن القسم بجياة لوط ﵇ أَنسب بسياق القصة ولا ضرورة تدعو إِلى أَن يكون القسم هنا بحياة محمد ﷺ . فالله جل شأْنه يقسم بما شاءَ على ما شاء، لحكم وأَسرار، والحكمة هنا تكريم لوط وبيان حسن منزلته عند ربه وإِن لم يستجب له قومه، فقد بذل في هدايتهم غاية الجهد، ولكنا نهينا أَن نحلف بغير الله تعالى أَو باسم من أَسمائه أَو صفة من صفاته، كما قدمنا في تفسير قوله سبحانه:
стр. 2332
"لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ (١) " الآية. قال صاحب الفتح: قال العماءُ: السر في النهي عن الحلف بغير الله، أَن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إِنما هي لله وحده …
ولما أَفادت الآيات السابقة أَن قوم لوط بلغوا من الإِجرام حدًّا لا ينفع معه نصح ولا إِنذار ذكر سبحانه عاقبه إِجرامهم فقال:
٧٣ - (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ): الفاءُ في قوله تعالى: "فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ" للإِشارة إِلى أَن عذابهم بالصيحة جاء عقب إِخبار لوط بأَن قومه في سكرتهم يعمهون.
والمعنى: فبعد ما أُخْبِرَ لوط بغفلة قومه عما أَعده الله لهم من العقاب على فاحتشهم، أَخذتهم صاعقة العذاب الهون وهم مشرقون -أَي داخلون في وقت شروق الشمس، ويجمع بين قوله تعالى: "وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ" وبين قوله هنا "مُشْرِقِينَ" بأَن ابتداءَ عذابهم كان عند الصبح، وانتهاءَه كان عند الإشراق.
ثم بين سبحانه صفة العذاب المدمر الذي أُحيطوا به قال:
٧٤ - (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ):
أَي فجعلنا عالِىَ مدينتهم، أَو عالى قراهم سافلها، بأَن دمرناها عليهم وقلبناها فوقهم، وأَرسلنا عليهم طينًا متحجرًا كالمطر المتتابع: أَنزلناه قبل القلب أَو في أَثنائه ليصيب الشذاذ المتفرقين، فلا ينجر منهم جميعًا أَحد. وفي سورة الذاريات: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ" (٢). ولا ريب أَنها حجارة صنعت من طين لا يعلم كنهه إِلا علام الغيوب والطين إِذا تحجَّر سُمِّى سِجِّيلا!
стр. 2333
ثم دعا سُبحانه إِلى النظر والاعتبار بما أَصاب هؤلاءِ المجرمين فقال:
٧٥ - (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ):
أَى إِن فى ذَلكَ العذاب الذى أَحاط بقوم لوط فدمَّرهم لعلامات بينةً على أَخذ الله للمجرمين. يعرفها أَهل الفطانة الذين يدركون الأُمور بسِماتِها وعلاماتها. فيستدلون بها على حقائق الأَشياء، ويعتبرون بما يحدث فى الكون من عظات وعبر!
وفى الآية تنويه بالفِراسة والمتفرسين. وفي تفسير ابن كثير عن أَبي سعيد مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا فِراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله" رواه الترمذى وابن جرير. وأَصدق الناس فِراسة أَصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإِحسان. قال ابن القيم: وكان الصديق ﵁ أَعظم الأُمة فِراسةً، وبعده عمر ابن الخطاب ﵁ (١)
ثم بين سبحانه بيانا مؤكدًا أَن مدينة قوم لوط لا تزال توحى بالعبرة والعظة فقال:
٧٦ - (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ):
أَى إِن هذه المدينة، أَو القرى -يعني آثارها- لفى طريق باق ثابت يسلكه الناس يومئذ فيرونها رأْى العين ليعتبر بها أُولو الأَبصار والبصائر، وفى سورة الصافات: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾. (٢) والخطاب لأهل مكة.
ثم حث المؤمنين على النظر مؤكدًا فقال:
٧٧ - (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ):
أَى إِن فيما ذكر من قصة قوم لوط وما حل بهم لعلامةً عظيمة للمؤمنين بالله ورسوله فإِنهم الذين يعرفون أَن ما حاق بهم من العذاب وَجَعْلِ ديارهم خاويةً بلاقع، إِنما حل بهم لسوءِ صنيعهم، وأَما غيرهم فهم غارقون فى غوايتهم فلا يفكرون فى الآيات ولا يعرفون سبيل
стр. 2334
الهدى. وإفراد لفظ (الآية) هنا وجمعها فيما سبق لأن المشار إليه هنا مجمل وهو كونها بسبيل مقيم، والمشار إليه قبل ذلك مُفَصَّل حيث ذكرت قصة إهلاكهم وتدمير قراهم بسبب فاحشتهم، ثم ساق سبحانه نبأ أصحاب الأيكة مجملا فقال:
٧٨ - ﴿وَإِنْ (١) كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨)﴾:
أى وإن الشأن والخبر كان أصحاب الأيكة لظالمين لأنفسهم، وأصحاب الأيكة قوم أُرسل إليهم شعيب، والأيكة الشجرة الملتفة المتكاثفة، وكانت عامة شجرهم المقل الذي عبر عنه بالأيكة. فنسبوا إليها. وكانت قريبة من مدين قرية شعيب. ولما ظلموا أنفسهم بالشرك ومختلف المظالم أرسل الله إليهم شعيبًا كما أرسله إلى قومه أهل مدين. ولذا قال سبحانه فى كل من السور الثلاث، الأعراف، وهود، والعنكبوت. ﴿وإلىَ مَدْيَن أخَاهُمْ شُعيبًا﴾ (٢)، الآيات. وقال في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾. إلى قوله عز من قائل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٣). وجملة القول أَن شعيبًا ﵇، أُرسل إلى أُمتين عذبتا بعذابين. كما قال ابن جرير وغيره وهو ظاهر الكتاب العزيز.
ويبدو أنهم فاقوا أهل مدين في الشرك والطغيان والاستهزاء والبهتان. ولذا كان عذابهم بيوم الظلّة أشد من عذاب أهل مدين بالصيحة والرجفة وهي الزلزلة كما يعرب عنه قوله سبحانه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٤)، حيث أكد سبحانه أنه كان عذب يوم عظيم. روى غير واحد عن قتادة قال: ذُكر لنا أنه جل شأنه سلط عليهم
стр. 2335
الحر سبعة أَيام لا يظلهم منه ظل ولا يمنعهم منه شيءٌ. ثم بعث سبحانه عليهم سحابه فجعلوا يلتمسون الروح (١) منها فبعث عليهم منها نارًا فأكلتهم فهو عذاب يوم الظلة. وقوله سبحانه:
٧٩ - (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ):
مرتب على ظلمهم الذي تجاوز كل ظلم، وإِبهام نوع الانتقام هنا ثم تفسيره في سورة الشعراءِ بعذاب يوم الظلة دليل على شدة هوله وعظمه. وقد قلنا مرارًا إن الكتاب العزيز يفسر بعضه بعضا، وضمير التثنية في قوله تعالى: "وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ"، قيل أَنه يعود إِلى الأَيكة ومدين. لأَنه لما كان رسولهما واحدًا هو شعيب ﵇ كان ذكر أَحدهما منبهًا على الآخر، والظاهر أَنه يعود إِلى مسكنى قوم لوط وأَصحب الأَيكة - قال الآلوسى: وإِلى ذلك ذهب الجمهور. أ. هـ. ويؤيده أَنهما تقدما في الذكر. وقد أُضْمِر سابقًا قرية قوم لوط بضمير المفرد في قوله: "وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ". وأَضمر لها وللأَيكة هنا بضمير المثنى حيث قال تعالى: "وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ". ولعل هذ التكرير العبرة والعظة بما يصيب القوم المجرمين. والإِمام المبين هو الطريق البين الواضح الذي يأْتم به ويهتدى الغادى والرئح.
стр. 2336
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾
المفردات:
(الْحِجْرِ): واد بين المدينة المنورة والشام. (أَصْحَابُ الْحِجْرِ): هم ثمود وقوم صالح ﵇، ويسمون عاد الثانية. وأَصل الحجر كل ما أُحيط بالحجارة ومنه حجرُ الكعبة.
(الصَّيْحَةُ): الصوت الشديد المزعج. والمراد منها الرجفة التي أُهلكوا بها كما سيأْتى بيانه.
التفسير
٨٠ - (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ):
هذا شروع في قصة أَصحاب الحجر، قوم صالح ﵇، وهى من القصص التي لا تزال آثارها ناطقة بالعبرة والعظة لمن يمر بها. والحجر هوالوادى الذي كانوا يسكنونه. ولا يزال معروفا بين المدينة والشام، وقد كان يمر به راكب الحجاز إلى الشام، ذاهبين وعائدين. وقصتهم هنا مجملة وفي مواطن أُخرى ذكرت مفصلة. وإِليك موجزا في بيان قصتهم التي أَجملتها هذه الآيات:
أَرسل الله إِليهم صالحا فكذبوه فكانوا بتكذبيه مكذبين للرسل أَجمعين؛ لاتفاق كلمتهم على التوحيد والأُصول التي لا تختلف باختلاف الأُمم والأَعصار. ولذلك حكى الله سبحانه تكذبيهم بقوله: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ).
стр. 2337
٨١ - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾:
أي وأعلمناهم بحججنا البالغة الدالة على صدق صالح ﵇ فيما دعاهم إليه من عبادة الله وحده، والإيمان برسالته. وكانت الناقة إحدى آيات الله البينات: في شربها ودرِّها على خلاف غيرها من النياق؛ ولذلك أضافها صالح إلى الله تعالى حين قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). فكانوا عن هذه الآيات كلها معرضين، بل مكذبين معاندين.
٨٢ - ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾:
أى ومكنَّاهم فى الأرض وجعلناهم أُولي قوة ومنَعَة، وحضارة ومهارة، وحذْقٍ بفنون البناء والعمارة، حتى كانوا يتخذون من جبالها بيوتًا حصينة، حيث كانوا يقطعون حجارتها وينحتونها تسوية لها، ثم يبنون بها قصورهم ليعيشوا فيها آمنين عليها من الهدم، وعلى أنفسهم من العدوان والسوء؛ لقوة بنائها وبديع إحكامها؛ أو آمنين من العذاب لحسبانهم أن الحصون التي بنوها تحميهم منه -وكانوا يتخذون من سولها قصورًا عظيمة فى جنات وعيون … وقد ذكَّرهم بذلك نبيهم صالح ﵇ فيما حكى الله عنه فى سورة الأعراف إذ قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٢) وفي سورة الشعراء إذ قال. ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ (٣). لكنهم طغوا وبغوا وجحدوا بآيات الله ورسالاته: ﴿وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٤).
٨٣ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾
وفي سورة هود: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (٥).
стр. 2338
وفي سورة الأَعراف: "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ" (١).
والرجفة هي الزلزلة، والصيحة من توابعها، فإِن الزلزلة تحدث تموجًا في الهواء شديدًا يفضى إِليها. وكانت صيحة هلاكهم في صباح اليوم الرابع بعد تمتعهم ثلاث أَيام كما أَوعدهم الله على لسان نبيهم صالح ﵇ في سورة هود: "فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ" (٢).
والفاء في قوله تعالى:
٨٤ - (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ):
لترتيب عدم الإِغناء والنفع، على ما أَصابهم حين نقول بهم قضاء الله الذي لا مرد له.
والمعنى: فما دفع عنهم وما منعهم من عذابه تعالى ما كانوا يكسبونه من تحت البيوت الوثيقة وجمع الأَموال الوفيرة، مع كثرة العدَد والعُدد، بل خروا في ديارهم هلكى خامدين كأن لم يكونوا بالأَمس.
هذا، وقد روى الشيخان وغيرُهما عن ابن عمر ﵄ أَن النبي ﷺ قال لأَصحابه: لا تدخلوا على هؤلاء القوم إِلا أَن تكونوا باكين، فإِن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أَن يصيبكم مثلُ ما أَصابهم. ورويا معنه أَيضًا أَن النبي ﷺ لما نزل الحجر أَرض ثمود في غزوة تبوك، أَمرهم ألا يشربوا من مائها ولا يستقُوا منها، فقالوا: قد عَجَنَّا منها واستقينا! فأَمرهم أَن يطرحوا العجين ويهريقُوا ذلك الماء. وفي رواية: فأَمرهم رسول الله ﷺ ، أَن يُهريقوا ما استقوا من بئرها وأَن يَعلفوا الإِبل العجين، وأَمرهم أَن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. قال العلماءُ: وقد علم النبي ﷺ موضع هذه البئر من طريق الوحى.
стр. 2339
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾
المفردات:
(بِالْحَقِّ): أَي بالأَمر الثابت الذي يحق لنا أَن نخلق السماوات والأَرض عليه طبقا لمقتضى الحكمة والمصلحة.
(السَّاعَةَ): أَي القيامة، وسميت بالساعة، لأَنها تفجؤهم في ساعة لا يعلمونها.
(فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ): أَي فأَعرض عنهم الإِعراض الجميل، أَوفاعف عنهم العفوالجميل الذي لا لوم فيه ولا تثريب. (الْمَثَانِي): جمع مثْنَى من ثنى الشيءَ يَثْنِيه إِذا أعاده؛ أَوجمع مُثنية من الثناءِ، بحذف الزوائد، لما فيها من الثناءِ على الله تعالى.
(لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ): لا تطمح بنظرك طموح راغب. وسيأْتى بيان ذلك.
(أَزْوَاجًا): أَي أَصنافا، جمع زوج أَي صنف.
(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ): أَلِن جانبك وتواضع، والجناحان من الإِنسان جانباه.
التفسير
٨٥ - (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ .... ) الآية ..
لما قص الله ﵎ من أَنباء المكذبين لرسلهم ما فيه عبرة وتذكرة - نبه بذكر هذه الآية الكريمة على حكمته البالغة في إِهلاكهم؛ حيث بين أَنه ما خلق السماوات والأَرض
стр. 2340
وما بينهما ذلك الخلق البديع المحكم، إِلا بالحق وهوأَن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئا، فلما جحدوا آياته، وأَشركوا به، وكذبوا رسله، وعثوا في الأَرض فسادا - قضت عدالته وحكمته بأَن يهلكهم ويهلك أَمثالهم، دفعًا لفسادهم، وتطهيرًا للأَرض من شرورهم، وإِرشادًا لمن بقى إِلى الصلاح والإِصلاح. حذرًا من أَن يصيبهم مثل ما أَصابهم.
هذا جزاؤُهم في الدنيا، وقد أَشارت إِليه الجمله الأُلى من الآية الكريمة، وأَما جزاؤهم في الآخرة فموعدهم فيه الساعة؛ وإليه تشير الجملة الثانية من الآية، وهى قوله:
(وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ): لا ريب فيها؛ فينتقم الله لرسله، جزاءَ ما كُذِّبوا وأُوذوا.
هذا، وفي تلك القصص وما ختمت به تسلية كريمة للنبي ﷺ ، فإِنه صلوات الله وسلامه عليه، إِذا سمع من ربه أَن الأُمم السابقة كانوا يعاملون أَنبياءَهم هذه المعاملة القاسية، هان عليه تحمل سفاهة قومه وأَذاهم، وسهل عليه أَن يعفوَ عنهم عفوًا كريما لا لوم فيه ولا تثريب، وهذا هوالصفح الجميل الذي أَمره الله به إِذ قال:
(فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ): كما روى عن على وابن عباس ﵃ في تفسير الصفح الجميل، وفي أَمره ﷺ بالصفح الجميل إِشارة كريمة إِلى تركهم لله تعالى، وأَن يتذرع بالصبر الجميل، حتى يأْتي وعد الله وما قضاه في شأْنهم في الدنيا والآخرة، وأَن يصفح عنهم فلا يحمل نفسه ما لا يطيق من الضيق بكفرهم، ولا تذهب نفسه عليهم حسرات.
ثم كرر سبحانه هذا المعنى وزاده توكيدًا فقال:
٨٦ - (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ):
أَي إِن الله الذي رباك بنعمه، وتولاك بفضله وكرمه هوالخلاق لك ولهم، العليم بأَحوالك وأَحوالهم، وبما جرى بينك وبينهم، فخليق بك أَن تكل الأُمور إِليه، فهوالحكم العدل الذي يجازيك على حسناتك ويجازيهم على سيئاتهم، وقد علمت أَن الصفح الجميل
стр. 2341
أَولى بك إِلى أَن يحكم الله بينك وبينهم وهوخير الحاكمين. ثم امتن سبحانه على نبيه ﷺ بالمنة العظمى، وهى إِنزال القرآن عليه فقال:
٨٧ - (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ):
أَي ولقد أَنعمنا عليك إِذ أَنزلنا إِليك فاتحة الكتاب، وهى سبع آيات تُثنَّى وتكرر في الصلوات الخمس وغيرها ويُثنى بها على الله ؛ وهى القرآن العظيم.
وتخصيص الفاتحة بالذكر واعتبارها القرآن الكريم؛ لمزيد فضلها ورفيع مكانتها، ولاشتمالها على مقاصد القرآن كله.
وقد روى البخاري (١) عن أَبي سعيد بن المعلَّى أَن النبي ﷺ قال له وهما في المسجد: لأُعَلِّمنَّك سورة هي أَعظم السور في القرآن … الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثانى والقرآن العظيم الذي أُوتيته.
وروى البخاري أَيضًا عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أُم القرآن هي السبع المثانى والقرآن العظيم".
فكل من هذين الحديثين الصحيحين نص صريح في أَن فاتحة الكتاب هي السبع المثانى وأَنها القرآن العظيم. والقرآن كما يطلق على الكتاب العزيز كله يطلق عل بعضه.
وذكر المفسرون جملة أَقوال أُخرى في المراد بالسبع المثانى، أَصحها وأَقواها ما رُوى عن جمع من الصحابة والتابعين، وفي مقدمتهم ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جُبير ﵃، إِذ قالوا، إِنها السبع الطُّول (٢) أَطول سور القرآن الكريم كله: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأَنعام والأَعراف، والسابعة الأَنفال وبراءَة، فهما عندم سورة واحدة ولذا لم يفصل بينهما بالبسملة.
стр. 2342
وذكر ابن كثير أَن النص الصحيح على أَن فاتحة الكتاب هي السبع المثانى، لا يمنع عن وصف السبع الطول بما اتصفت به الفاتحة. بل لا يمنع من وصف القرآن كله، بأَنه مثانٍ، وقد قال تعالى: "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ" (١).
ولما كان متاع الدنيا وإِن عظم، شيئًا ضئيلا حقيرا بالقياس إِلى ما أَنعم الله به على نبيه من نعمة القرآن الكريم - نهاه أَن يطمح ببصره طموح راغب في هذا المتاع فقال:
٨٨ - (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ … ) الآية.
أَي لا ترغب في متاع الدنيا وزخرفها مما متعنا به أَصنافا من الكفرة المشركين وأَهل الكتاب؛ واستعن بما آتَاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٢).
وكان ﷺ يود أَن يؤْمن كل من بعثه الله إِليهم، ويشق عليه - لمزيد شففته - بقاءُ الكفرة على كفرهم فقال الله له رحمة به:
(وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) كقوله: "فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ" (٣) أَي لا تحزن ولا تتحسر إِذا لم يؤْمنوا فما عليك إِلا البلاغ وقد بلغت، فلا تبال بهم بعد ذلك.
(وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ): أَي تواضع لمن اتبعك من المؤمنين وارفق بهم واصبر نفسك معهم. فإِنهم أَولى بك من أُولئك الجاحدين، وإِنك بالمؤمنين رؤوف رحيم.
стр. 2343
﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾ المفردات:
(النَّذِيرُ الْمُبِينُ): المنذر الموضح لما ينذر الناس به ويهديهم إِليه.
(عِضِينَ): أَي أَعضاء وأجزاء متفرقة كل فرقة عِضة، يقال عضَّى الشَّئَ تعضية إِذا فرقه وجزَّأَه.
(فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ): أَي فاجهر بما تؤمر به وأَظهره، يقال صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا أَو افرُق بين الحق والباطل، من الصدع بمعنى الشق.
(إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ): أَي تولينا إِهلاك المستهزئين يقال: كَفَيْتَ فلانًا المؤنة إِذا توليتها ولم تحوجه إِليها.
التفسير
٨٩ - (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ):
امْتنَّ الله تعالى على نبيه محمد ﷺ في الآيتين السابقتين بأَنه آتاه سبعا من المثانى والقرآن العظيم وأَوصاه بوصايا ثلاث:
стр. 2344
"أولاها": أَن لا تطمح نفسه إِلى مثل مَا أَوتيه أَصناف من الكفار من المال والجاه فإِن القرآن أَعظم من هذا كله، فهوعز الدنيا والآخرة "والوصية الثانية" أَن لا يحزن عليهم بسبب انصرافهم عن الهدى الذي جاءهم به "والوصية الثالثة" أَن يتواضع للمؤمنين ويخفض جناحه لهم ليشتد حبهم له، واستمساكهم بدعوته والتفافهم حوله، فهم خير له من هؤلاء المترفين المستكبرين، وقد مرَّ الكلام على هاتين الآيتين وجاءَت هذه الآية مشتملة على وصية رابعة، وهي أَن يقول لجميع الناس إِنه هوالنذير الموضح لما أَنزله الله عليه من أَجلهم، من السبع المثانى والقرآن العظيم، وفي جملة ما يوضحه لهم ما أَنذرهم فيه من العقاب على مخالفتهم أَوامر ربهم، حيث يبين دواعيه وبراهينه، وإِنما اقتصر على الإِنذار مع أَن الله أَرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا؛ لأَن المؤْمنين كانوا يومئذ قلة والكافرين كثرة، ولأَن المقام مقام تحذير وتخويف، وفي الصحيحين عن أَبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إِنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به كمثل رجل أَتى قومه فقال يا قوم، إِنى رأَيت الجيش بعينى وإِنى أَنا النذير العُريان، فالنجاء النجاء، فأَطاعه طائفة من قومه فأدْلَجُوا وانطلقوا عَلَى مَهَلِهِم فنجوا، وكذَّبه طائفة منهم فأَصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأَهلكهم واجتاحهم فذلك مثلُ من أَطاعنى واتَّبع ما جئت به، ومثلُ من عصانى وكذب ما جئت به من الحق".
٩٠ - ٩٣ - (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)).
стр. 2345
البيان
اختلف العلماءُ في تفسير المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين على سبعة أَقوال نختار منها قولين: (أَحدهما) ما قاله مقاتل والفراءُ، من أَنهم ستة عشر رجلًا، أَرسلهم الوليد ابن المغيرة أَيام موسم الحج فاقتسموا طرق مكة ومداخلها وفجاجها، يقولون لمن سلكوها: لا تغتروا بهذا الخارج فينا يدّعى النبوة فإِنه مجنون، وربما قالوا: ساحر، وربما قالوا شاعر، وربما قالوا كاهن، وسُمُّوا مقتسمين لأَنهم اقتسموا مداخل مكة فأَماتهم الله شر ميتة، وكانوا نصَّبوا المغيرة بن شعبة حكمًا على باب المسجد الحرام، فإِذا سأَلوه عن النبي ﷺ ، وافق كل فرية هؤلاء المقتسمين، وصدقهم فيما يفترونه - هكذا حكى القرطبى رأْى مقاتل والفراء.
(والقول الثاني) لِقَتَادَة وخلاصته أَنهم قوم من كفار مكة، اقتسموا كتاب الله فزعموا بعضه شعرًا، وبعضه سحرًا، وبعضه كهانة، وبعضه أَساطير الأَولين فهؤلاءِ هم المقتسمون جعلوا القرآن عضين، أَي جعلوه أَجزاءً مختلفة وفرقًا متباينة، لكل جزءٍ منه اسم من الأَسماءِ التي مر بيانها.
وإِنما اخترنا هذين القولين لأَن السورة مكية، وما جاء فيهما حدث من مشركى مكة.
أَما ما قيل من أَن المقتسمين هم أَهل الكتاب، اقتسموا القرآن فيما بينهم، فآمنوا ببعضه وهو ما وافق التوراة والإِنجيل. وكفروا ببعضه وهو ما خالفهما، أَو اقتسموه استهزاءً. فقال بعضهم لبعض: هذه السورة لى وهذه السورة لك، أَو اقتسموا كتبهم ففرقوها وبدَّدُوها - أَما هذه الأقوال الثلاثة فغير مقبولة لأَن السورة مكية. ولم يحدث من النبي ﷺ في مكة احتكاك بأَهل الكتاب. ولا تبليغ القرآن لهم حتى يقولوا فيه ذلك، كما أنه لم يسبق لأَهل الكتاب في السورة كلها ذكر مطلقًا حتى يتوهم رد المقتسمين إِليهم وتفسيرهم بهم.
وأَما ما قيل من أَن المراد بهم قوم صالح تقاسموا على قتله فسموا مقتسمين كما قال سبحانه في سورة النمل حكاية عنهم: "قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ
стр. 2346
لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ -أَما هذا القول- فهو بعيد أيضًا لأنهم وإن ذكروا فى هذه السورة بعنوان أصحاب الحجر فى الآية رقم ٨٠ لكنهم لم يجعلوا القرآن عضين فإنهم لا علم لهم به لتقدمهم على نزوله فضلا عن أن المقام لا يسمح بإرادتهم. وكيف تتصل هذه الآية وما بعدها بقصتهم وبينهما تسع آيات، وفي أفصح الكلام، إن هذا لجد بعيد.
ما ترتبط به هذه الآيات ومعناها
قد مرَّ بك أيها القاريء الكريم أننا اخترنا الرأيين الأولين فى تفسير معنى المقتسمين لاتفاقهما على أنهم من أهل مكة. وهذا يناسب كون السورة مكية وترتبط تلك الآيات الأربع بقوله تعالى قبلها مباشرة: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ والمعنى على هذا:
وقل أيها الرسول للناس: إني أنا المنذر لمن خالف ربه وكفر به وعصاه، المبين لهم ما أُنذروه كالإنذار الذي ننزله بشأن المقتسمين من أهل مكة الذين جعلوا القرآن أجزاء وفرقوه أوصافًا. فتارة يسمونه سحرًا وأخرى يزعمونه شعرًا وحينا يدَّعون أنه كهانة. وأخرى يفترون أنه أساطير الأولين. وهذا الإنذار الذي ننزله بشأنهم ونبينه لهم هو قولنا لك تسلية. ولهم وعيدًا وتهديدًا: فوحق ربك الذي أحاطك بحمايته ورباك بنعمته وشرفك برسالته لنسألنهم أجمعين عما كانوا في دنياهم يعملون من كفر وتكذيب وإعراض وافتراء ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (١) فيحاسبهم أدَق حساب ويعاقبهم أشد عقاب. فليس الأمر كما يزعمون إذ يقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٢). وعبر بالماضى بقوله: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾، مع أنه تعالى لم ينزل فى الماضي بشأنهم قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وإنَّما أنزله وقتما أمر النبي بقوله له: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ الآيات. -وعبر بالماضي في قوله: ﴿أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ - لأن المحقق إنزاله في المستقبل في حكم الذي نزل فعلا. ولأن نزوله سابق في علم الله وقضائه.
стр. 2347
ويجوز أن يراد مما أنزله الله على المقتسمين ما سبق نزوله من الإنذار للمعرضين عن القرآن المتقوِّلين عليه كقوله تعالى فى حق الوليد بن المغيرة: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾، وقوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، وقوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (١). وذلك عقاب له على قوله في القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾. وكقوله فى سورة فصلت: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (٢). وعلى هذا يكون قوله سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وعيدًا آخر غير ما سبق نزوله بشأنهم.
ويجوز أن يكون الضمير في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ عائدا على الناس جميعًا، وليس خاصًّا بهؤلاء المقتسمين، أي وحق ربك يا محمد لنسألن الناس جميعًا - مؤمنهم وكافرهم عما كانوا يعملون فى دنياهم ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (٣).
وليس سؤاله سبحانه سؤال استفهام واستعلام وإِنما هو سؤال تقريع وتوبيخ أَو تقرير، فعن ابن عباس ﵄ قال: لا يسألهم الله تعالى: هل عملتم كذا وكذا لأنه أعلم بذلك منهم وإنما يقول: لم عملتم كذا وكذا؟ وروى الترمذي بإسناد حسن صحيح عن أبي برْزة رضىي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "لَا تَزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القيَامَةِ حَتَّى يُسَألَ عَنْ أرْبَع: عَنْ عُمُرِه فِيم أفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ منْ أيْنَ اكتَسَبَهُ وَفِيْمَ أنفَقَهُ، وَعَن جِسْمِهِ فِيمَ أبلَاهُ"؟
ولا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى فى سورة الرحمن: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ (٤).
وكذا فى سورة المرسلات: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٥).
стр. 2348
لأَن يوم القيامة طويل وفيه مواقف فيسأَلون في بعض المواقف ولا يسأَلون في بعضها. وفي التعرض لوصف الربوبية مضافًا إِلى ضميره ﵊، من تسليته واللطف به، ما لا يحتاج إِلى بيان.
وكان رسول الله ﷺ يدعو إِلى الله تعالى سرًّا حتى نزلت هذه الآية:
٩٤ - (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ):
أَي اجهر بما يأْمرك الله به، وأَعلِنْ رسالته التي أَرسلك الله بها إِلى الناس كافَّةً، ولا تبال بالمشركين وأَذاهم فالله حافظك وناصرك وعاصمك، كما قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ" (١).
ولما كان المستهزئون بالدعوة هم أَكبر المعوِّقين لها والصادِّين عن سبيل الله - وعده الله سبحانه أَن يهلكهم ويكفيه شرهم فقال:
٩٥ - (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ):
الذين يستهزئون بك وبالقرآن!
والمستهزئون نفر من رؤساء كفار قريش، اختُلف في عدَّتهم وفي أَسمائهم، والمشهور أَنهم خمسة، وكانوا يبالغون في إِيذاءِ رسول الله ﷺ ، والاستهزاءِ به. وبالقرآن، وهم: الوليد بن المغيرة المخزوى وهو رأَسهم، والعاصي بن وائل السهمى، والأَسود بن الطَّيب، والأَسود بن عبد يغوث، والحارث بن قيس، وقيل غير ذلك.
غير أَن المعلوم في شأْنهم أَنهم كانوا طائفة ذات قوة وشوكة، لأَن أَمثالهم هم الذين يجترئون على مثل هذه السفاهة مع رسول الله ﷺ في علو منصبه وعظيم قدره في عشيرته. وقد وصف الله المستهزئين، وأَكد وعده لرسوله بأَنه سيكفيه شرهم فقال سبحانه:
стр. 2349
٩٦ - (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ):
أَي أَنهم لم يقتصروا على الاستهزاءِ بك يا محمد بل اجترءُوا على عظيمة العظائم وكبيرة الكبائر: أَلا وهى الإِشراك بالله ، ولهذا كله "فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" ما يحل بهم في الدنيا من الإِهلاك والإِبادة، وفي الآخرة من العذاب العظيم.
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾
المفردات:
(يَضِيقُ صَدْرُكَ): أَي ينقبض ويُحرج.
(مِنَ السَّاجِدِينَ): أَي من المصلين، وإِطلاق الساجدين عليهم؛ لأَن السجود في الصلاة أَظهر ما فيها من أَمارات الخضوع والاستسلام والذلة لله تعالى.
(الْيقِينُ): المراد به هنا الموت؛ وعبر عنه باليقين لتحققه.
التفسير
بعد أَن جهر النبي ﷺ بالدعوة امتثالًا لأَمر ربه، اشتد إِيذاءُ قريش له ولمن آمن به، حتى ضاق صدره وعظم همه، بما كانوا يقولون من كلمات الشرك والسخرية فأَنزل الله عليه:
٩٧ - (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) الآيات.
أَي وإِنا لنعلم ما يصيبك من انقباض صدرك، وعظِمِ همك وألمك، بسبب ما يقول المشركون فيك وفي اقرآن من كلمات الشرك والاستهزاءِ به.
٩٨ - (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ):
أَي فافزع إِلى ربك فيما يصيبك من ضيق الصدر وانقباضه، ونزِّهه عما يقول المشركون،
стр. 2350
حامدًا له سبحانه على أَن هداك إِلى الحق وشرح صدرك به. وكن من المصلين الخاشعين، يكشف همك وغمك، ويذهب الضيق الذي تجده في صدرك.
ولأَن السجود في الصلاة أَظهر ما فيها من الخضوع، وأَفضل أَجزائها من الخشوع - عبر الله به عنها، وأَمره به بصيغة تدل على الدوام والاهتمام بالصلاة وبالسجود معًا. وكان النبي ﷺ إِذا حَزَبه أَمر فزع إِلى الصلاة (١). وقد روى عن مسلم في صحيحه عن أَبي هريرة ﵁ أَن رسول الله ﷺ قال: "أَقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأَكثروا الدعاء".
وفي ختام السورة الكريمة بقوله تباركت أَسماؤه:
٩٩ - (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ):
أَمر إلهى كريم للنبي ﷺ بدوام العبادة لربه والدعوة إِليه حتى يأْتيه اليقين، أَي الأَمر الموقن به وهو الموت.
أَي دم على بما أَنت عليه من الصلاة والعبادة لربك ما دمت حيا.
والآية دليل على وجوب العبادة - وعمادها الصلاة - على كل مكلف ما دام عقله ثابتًا. ولو كان مريضا كما ثبت في صحيح البخاري وغيره عن عمران بن حُصينٍ ﵄ أَن رسول الله ﷺ قال: "صلِّ قائما، فإِن لم تستطع فقاعدا، فإِن لم تستطع فعلى جنبك".
والآية الكريمة دليل كذلك على تخطئة من ذهب من الملاحدة إِلى أَن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أَحدهم إِلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم! وهذا كفر وضلال وجهل، فإِن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كانوا هم وأَصحابهم أَعلم الناس بالله، وأَعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أَكثر الناس عبادةً ومواظبةً على فعل الخيرات، إِلى الممات. وإِنما المراد باليقين هنا الموت كما قدمناه. ولله الحمد والمنة، وهو المسئول أَن يتوفانا على أَكمل الأَحوال وأَحسنها فإِنه جواد كريم.