← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

سورة الكهف تمهيد: سورة الكهف - ويقال لها سورة أَصحاب الكهف - مكية. وهي الثامنة عشرة في ترتيب المصحف وآياتها عشر ومائة. وقد افتتح الله تعالى كتابه بالحمد في سورة الفاتحة ثم افتتح بالحمد كذلك أربع سور مكيات، اشتملت كل سورة منهن على أصول الإسلام الثلاثة: التوحيد، والرسالة؛ والبعث، وهي أهم مقاصد القرآن المجيد. الأولى: الأنعام، وهي آخر سورة في الربع الأول من هذا الكتاب العزيز، والثانية سورة الكهف وهي مشتركة بين آخر الربع الثاني، وأول الربع الثالث، والثالثة والرابعة سبأُ وفاطر، وهما آخر الربع الثالث. ومما يذكر في مناسبتها لسورة الإسراء: افتتاح تلك بالتسبيح، وافتتاح هذه بالتحميد. والتسبيح والتحميد أخوان مُتلَازمان في ميزان الأعمال، وفي كثير من الأحوال. ومن هذا التآخي سبحان الله والحمد لله؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ (١). ومن المناسبات التشابه بين اختتام تلك وافتتاح هذه؛ فإن في كل منهما حمدًا، وهناك مناسبات أخرى يدركها القارئ. ابتدأ الله ﵎ هذه السورة الكريمة بالثناء على ذاته المقدسة؛ لإنزاله كتابه العزيز على عبده ورسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، كتابا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، يهدي به إِلى صراط مستقيم، نذيرا للكافرين وبشيرا للمؤْمنين، ولما حمَّل الرسول ﷺ نفسه من الحزن على إعراض قومه - ما لا يُطيق - قال له ربه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٦) يعاتبه على إجهاد نفسه فرق طاقتها رحمةً به، فما عليه إلا البلاغ، وقد بلغ ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٢٩). ثم قص الله تعالى على نبيه ﷺ قصصا من إنباء الغيب، في كل قصة منها عبرة وتذكرة، وتقريرٌ لمقصد من مقاصد القرآن الكريم في الدعوة إِلى الهدى والحق:

стр. 2592

(١) وأولى هذه القصص: قصة أصحاب الكهف الذين سميت باسمهم، واختصت بذكرهم فلم تذكر في سورة سواها. وفيها يتجلى الإيمان وآثاره إذا خالطت بشاشته القلوب، ولم تخش إلاَّ علَّام الغيوب. وإذًا فلا ترضى بغير الله بديلا، وقد ذكر الله ﵎ قصة أصحاب الكهف برهانا عمليا حقا على أَن البعث حق في يوم لا ريب فيه ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ (٢١). (٢) وثانية القصص: قصة الرجلين صاحبي الجنتين: أَحدهما غنى كافر يعتز بماله وبنيه، ويتكبر على أَخيه؛ ويكفر بربه الذي خلقه من تراب ثم سواه رجلًا، ويظن أَن جنته لن تبيد أبدا. وصاحبه فقير صابر، راض بقضاء الله يرى أَن رضا الله كنز لا يفنى، وعز لا يبلى، فكانت العاقبة له، والندم والخسران لصاحبه، الذي اغتر واستكبر ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ (٤٤). (٣) والثالثة: قصة أبي البشر آدم ﵇ مع عدو الله وعدو آدم، وفيها التحذير منه ومن ذريته وأنصاره وشيعته. ومنها أن إِبليس كان من الجن، ولكنه انضم إلى الملائكة فصار كأنه منهم في عبادته لله وطاعته له، فلما أَمره الله تعالى بالسجود لآدم مع ملائكته، غلب عليه غروره وكبرياؤُه، فأبى واستكبر، فحذر الله عباده منه ومن فتنته، وبيّن أنه عدو لأبيهم من قبل، فمن المحال إن يكون صديقًا لأحد من ولده ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٥٠) ولا يخفى أن التنبيه على أن إبليس كان من الجن، خاص بهذه السورة، لم يذكر في غيرها من السور التي ذكرت قصة سجوده لآدم ﵇، وسيأتي تحقيق المراد من قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾. (٤) والرابعة: قصة موسى كليم الله مع العبد الصالح، وهي مما اختصت به هذه السورة أيضًا، فلم تذكر في سورة سواها. وفيها: أَن عالِمَ الغيب والشهادة سبحانه، يُظهر مَن شاء من الصالحين من عباده - على لَمَحات من غيبه المكنون، ويأذن لهم أن يبوحوا بها في حدود إِلهية لا يتجاوزونها، ولحكم ربانية قد أحاط بها؛ لئلا يَدعِي مُدع أن الله أعلمهُ شيئًا من غيبه، إِلا إِذا جاء بسلطان بيِّن من لدن عالم الغيب والشهادة، وحسبنا بر

стр. 2593

ذلك أَن العبد الصالح لم يعرِفْ موسى ﵇ إلا بعد أَن عرفه موسى بنفسه حين التقيا بمجمع البحرين وقال له العبد الصالح: أَنت موسى نبى بني إسرائيل؟ قال: نعم، كما في حديث الصحيحين - ولو كان يعلم من الغيب غير اللمحات التي أطلعه الله عليها لعرف موسى قبل أَن يسأله مستفهمًا. وفي قصة موسى والعبد الصالح: فضل الرحلة في طلب العلم، واحتمال مشاق الأسفار في طلبه؛ وفيها تواضع المتعلم للمعلم، ولو كان المتعلم أَفضل من معلمه؛ وفيها صبر العالم ورفقه بمن يعلِّمه، وتنبيهه إِذا غَفَل، وتحذيره أَن يعود إلى مثل ما غفل عنه؛ وفيها أَن علم الله تعالى لا نهاية له، وأَن العالم إِذا سئل: من أَعلم الناس؟ لا يقول: أَنا، بل يرد العلم إلى الله تعالى، ولو كان نبيا ورسولًا من أولى العزم … وسيأتي بيان مأخذ ذلك في هذه القصة. (٥) والقصة الخامسة: قصة ذي القرنين، وقد مكن الله له في الأرض وآتاه من كل شيءٍ سببا فساح في الأرض، واستعان بهذه الأسباب على بسط سلطانه بالعدل والإِحسان، حتى بلغ مغرب الشمس ثم مشرقها - في رأْى العين - ودعا إِلى الله في كل رحلة يرحلها. وكان غياثا للمظلومين وعونا لهم، وكان مثلًا صالحا في كل أَقواله وأَعماله وهدايته إلى الخير، حتى فتح الله به مغاليق الأمور، وأَصلح كثيرا من الفساد في الأرض. ثم كان من آيات الله على يديه أن أقام سد يأجوج ومأجوج بين جبلين مرتفعين ارتفاعا عظيما، وهنالك وجد ﴿قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ (٩٣) استغاثوا به من فساد يأجوج ومأجوج وإغاراتهم التي لا تنقطع: فبنى لهم هذا السد الحصين المنيع، دون أَن يأخذ منهم أَجرا، قائلا: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ (٩٥). وهذا مثال من المُثُل العليا في التعاون على البر والتقوى، ابتغاءَ وجه ربه الأعلى. ولما أَتم الله على يدي ذى القرنين بناء هذا السد الحصين المنيع، الذي عجزت يأجوجُ ومأجوجُ أَن يعلُوه، لعظم ارتفاعه وملاسته، أَو ينقبوه، لعظم تخانته وصلابته - لما أتم الله ذلك على يديه - حمد الله وشكره قائلًا.: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٩٨)

стр. 2594

وقد اشتملت هذه السورة أَيضًا على مقاصد أخرى لا تنفرد بها، بل يشاركها فيها غيرها من السور. ومن هذه المقاصد: التحذير من فتنة الحياة الدنيا وزينتها ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾. ثم ختمت السورة الكريمة بالحث على إعداد العدة للقاء الله ﵎ بالعمل الصالح - ونعم اللقاءُ لقاؤُه - ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُولِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ المفردات: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾: العوج - بكسر العين وفتحها -: الميل والانحراف عن القصد حسيا كان أَو معنويا. وقيل يختص مكسور العين بالمعاني، ومفتوحها بالأعيان: فتقول: في رأيه أَوْ قولِه عِوج، وفي عصاه عوَج. والمراد نفى العيب والخلل عن القرآن الكريم لفظا ومعنى. ﴿قَيِّمًا﴾: أي مستقيما، أو كفيلا، أَو مُهَيْمِنا. ﴿لِيُنْذِرَ﴾: الإنذار؛ التحذير مع التخويف. ضد التبشير.

стр. 2595

﴿بَأْسًا﴾: أَي عذابا. وأَصل البأس: الشدة في الحرب. ﴿أَجْرًا حَسَنًا﴾: أَي جزاء كريما، والمراد الجنة ونعيمها الدائم. التفسير ١ - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ … ﴾ الآية. أي الثناءُ الجميل مستحق لله الذي أنزل على عبده محمد ﷺ كتابه المعروف بالكمال من بين الكتب السماوية، ولَو لَم يُضَف إِلى مُنزله جل وعلا. وفي حمده تعالى ذاتَه المقدسةَ على إنزال هذا الكتاب العزيز - تنويه بشأن ذلك الكتاب وعلوّ مكانه. وفي التعبير عن الرسول ﵊ بالعبد، مضافا إلى ضمير الجلالة - تشريف له ﷺ أَي تشريف، وإشعار بأن شأن الرسول أن يكون عبدًا لله الذي أَرسله، لا كما زعمت النصارى في شأن عيسى ﵇. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾: أَي ولم يجعل الله سبحانه في كتابه شيئًا من العوج: بنوع اختلال في نظمه، أو تناقض أو اضطراب في معناه، أَو انحراف عن دعوته إلى الهدى والحق، بل جعله تعالى قَيِّمًا أَي معتدلا مستقيما كما قال: ٢ - ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ … ﴾ الآية. وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة - وربما كان في أَحدهما غنى عن الآخر - فائدة الجمع بينهما التأكيدُ، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولكنه لا يخلو من أدنى عوج عند الفحص والبحث. أو جعله ﵎ مهيْمِنا على سائر الكتب السماوية، مبينا للحق فيها قبل تحريفها، أو جعله - جلت آلاؤه - كفيلا بمصالح العباد الدينية والدنيوية وببيانها لهم، كشأن القيم على الأمور الكفيل بها، لاشتماله على ما ينتظم به المعاش والمعاد بالقسطاس المستقيم، لا إفراط فيما اشتمل عليه من التكاليف حتى يشق على العباد، ولا تفريط فيه حتى يحتاج إلى كتاب آخر يكمله؛ فكان ذلك وصفا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال.

стр. 2596

وصدق منزله إذ يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) ولا عَجَب إذن أَن يكون هذا الكتاب المبينُ خاتمَ الكتب، كما أَن من أَنزله الله عليه هو خاتم النبيين، صلوات الله وسلامه عليهم أَجمعين؛ ولا شك أن سلامته من العوج برهان على أنه من عند الله، وشاهد على نبوة من أنزل عليه، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢). أَنزل الله تعالى كتابه لينذر الكافرين به ويحذرهم عذابا شديدًا صادرًا من عنده، عاجلا أَو آجلا جزاء كفرهم بكتابه وتكذيبهم له. ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾: أي ويبشر المؤمنين بهذا القرآن، الذين صدقوا إيمانهم وأَيدوه بالأعمال الصالحة المبينة في تضاعيفه، يبشرهم - بأن لهم أجرًا حسنًا، والمراد به الجنة وما فيها من النعيم المقيم والثواب العظيم، ويؤيد كونَ المراد بالأجر الحسن الجنة. قوله عز من قائل: ٣ - ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾: أي مقيمينَ في أجرهم وهو الجنة خالدين فيها أبدًا، لا يتحولون عنها ولا يزولون منها؛ إذ لا انتهاء لمكثهم وخلودهم، فضلا من الله ونعمةً ﴿وَاللَّهُ ذُوالْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٣). وتقديم الإنذار على التبشير، للعناية بزجر الكفار عما هم عليه من كفر وضلال مع مراعاة تقديم التخلية على التحلية، وذلك نوع من بديع الكلام، بعد صدق المعنى وجزالته. ومصاحبة الأعمال الصالحة للإيمان الحق شرط لنيل الأجر الحسن، فإن الإيمان من غير العمل الصالح الذي شرعه الله تعالى ورضيه، كالشجر الذي لا ظل له ولا ثمر كما أن العمل الصالح الذي لا يُبنى على الإيمان الحق، وفق ما جاء به الكتاب المبين، وبعث به خاتم النبيين - لا وزن له عند الله تعالى.

стр. 2597

﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ المفردات: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾: أَي عظمت مقالةً في الشناعة والقبح مقالتهم هذه: والكلمة واحدة الكلم، وكثيرا ما يراد بها الجملة من الكلام أو الجمل منه، كما في قولهم: أَلقى فلان كلمة وربما كانت خطابا طويلًا. ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾: أي فلعلك قاتلها أو مهلكها. وحرف الترجي ﴿لَعَلَّ﴾ هنا، يراد به النهي عن الحزن على عدم إيمان قومه رحمة به. ﴿أَسَفًا﴾: أَي حزنا شديدًا وغما. التفسير ٤ - ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: أي: ويحذر الله سبحانه من بين الكافرين الذين استحقوا عذابه الشديد السابق - هؤُلاء الفرق الثلاث، الذين نسبوا لله ولدا، وهم: (١) كفار العرب المشركون الذين قالوا الملائكة بنات الله! (٢) واليهود الذين زعموا أن عزيرا ابن الله! (٣) والنصارى الذين قالوا المسيح ابن الله! وإنما خص الله ﵎ هؤُلاء الفرق بهذا الإنذار مع دخولهم في عموم الإنذار السابق؛ لشدة إمعانهم في الكفر، وقبح اجترائهم على الله . والمنذر والمبشر

стр. 2598

في الآيات الثلاث هو الله ﵎؛ أو الكتاب الكريم، أو الرسول ﷺ ، وقد نزّه الله ﵎ ساحته، وحمى حماه، عن مفتريات هذه الفرق الضالة المضلة، فقال عز من قائل، مكذبا لهم تكذيبا قاطعًا: ٥ - ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ … ﴾ الآية. أي ليس لهؤلاء الكفرَة الفجرَة، باتخاذه ولدا، شيء من علم ألبَتَّة؛ وليس لأبائِهم وأَسلِافهم الذين قلدوهم أثارة علم كذلك، بهذا الاتخاذ المزعوم! أَوليس لهم علم بما قالوه: أَصواب هو أَم خطأ، بل إنما قالوه رميا عن جهالة من غير فكر ولا روية، كما في قوله تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١). أوليس لهم علم، بفظاعة ما قالوا وقبح موقعه من الشناعة، كما في قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ (٢). وهذا هو الأنسب بقوله جل من قائل: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾: أي عظمت مقالتهم هذه مقالة في الكفر والافتراء، لما فيها من نسبته ﵎ إِلى ما لا يليق بجلال كبريائه. وقوله جل من قائل: ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: صفة لكلمة، تفيد استعظام اجترائهم على التفوه بها، فإن كثيرًا مما يوسوس به الشيطان، وتحدث به النفس، لا يمكن أَن يُتفوَّه به، بل إنه يُطرح ويصرف عنه الفكر، فكيف بهذا المنكر الذي لا مستند له إلا مجرد افتراء الكذب؟! ولهذا قال وقوله الحق: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾: أَي ما يقولون إِلا قولًا هو الكذب بعينه، فلا يدخل تحت إمكان الصدق بتَّة.

стр. 2599

٦ - ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾: سبب النزول: قال الآلوسي: اخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ أن أَبا جهل بْنَ هشام والنضر بن الحارث وأُميةَ بن خلف … في نفر من قريش - اجتمعوا وكان رسول الله ﷺ ، قد كبُرَ عليه ما يرى من خلاف قومه إِياه، وإِنكارهم ما جاء به من النصيحة، فأحزنه ذلك حزنا شديدًا! فأنزل الله ﵎: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾. الآية. وقال ابن جرير الطبرى ﵀ في تفسير هذه الآية: وهذه معاتبة من الله عزَّ ذكره على وَجْده ﷺ بمباعدة قومه إياه فيما دعاهم إليه من الإيمان باللهِ والبراءة من الآلهة والأنداد، وكان بهم رحيما اهـ. شُبهت حاله ﷺ ، في شدة حزنه على إعراض قومه وتوليهم عن الإيمان بالقرآن - شبهت حاله هذه - بحال من يُتوقع منه إهلاك نفسه على عدم تحقق أمر أهمه، فقيل له رحمة به وإِشفاقا عليه: لا تهلك نفسك حسرة عليهم، بل هون عليك، وبلغ رسالة ربك، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها. ومثل هذه الآية في تسلية الله له رحمة به، قولُه سبحانه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (١). وأمثال هذه التسلية مَبْثُوثَة في القرآن الكريم، من رب به رحيم. والمعنى الإجمالى للآية: فلعلك أيها الرسول مهلك نفسك أسفا، عقب انصرافهم عنك، إن لم يومنوا بهذا القرآن الذي هو حديث الله وكلماته، ووحيه إلى عباده - ليهتدوا به.

стр. 2600

﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ المفردات: ﴿زِينَةً لَهَا﴾: أي بهجة لها وجمالًا. ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾: أي لنعاملهم معاملة المختبر بتكليفهم بشرائعنا. ﴿لَجَاعِلُونَ﴾: لمُصَيِّرون. ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾: ترابا، لا نبات فيه، يقال: جُرِزت الأرض: إذا ذهب نباتها. بقحط أو جراد. التفسير ٧ - ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا … ﴾ الآية. لما تضمنت الآية السابقة نهى الله رسوله ﷺ ، عن إجهاد نفسه فوق طاقتها - رحمة به - جاءَت هذه الآية والتي تليها تسلية له صلوات الله وسلامه عليه وتسكينا لأسفه الشديد وحزنه، لما جاء فيها من أنهم مجزيُّون على أعمالهم. والمعنى: إنا أنشأنا جميع ما على الأرض: حيوانا كان أَو نباتا أَو معدنا - أنشأناه زينة لها ولأهلها، ينتفعون به ويتمتعون إلى حين. ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: أي لنعاملهم معاملة المختبر، ثم نجزىَ كلًّا منهم علي حسب عمله وإخلاصه لله فيه، فكل العباد نبتليهم بالتكاليف ونحاسبهم عليها. فمن خالف ربه وعصاه عوقب علي عصيانه ومخالفته؛ ومن أحسن أثيب على إحسانه ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (١).

стр. 2601

وحسْنُ العمل في هذه الدنيا صرفُها إلى ما ينبغي، واتخاذُها وسيلة إلى معرفة خالقها، والتمتعُ بالحلال الطيب منها، وشكر الله - جلت آلاؤُه - على نعمه فيها، مع الحذر كل الحذر من فتنتها والاغترار بها. واتخاذها وسيلة إلى الشهوات والمفاسد، شأن أرباب الهوى، ولا ريب أن مراتب الحسن والقبح متفاوتة. ويجمع كل ما قدمناه - بل يزيد عليه - ما حكاه الله تعالى في قصة قارون إذ قال له قومه وقد خرج عليهم في زينته: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١). ٨ - ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾: أَي وإِننا لمصيرون - حتمًا - ما على الأرض من المخلوقات قاطبة - عند تناهي عمر الدنيا - ترابًا لا نبات فيه ولا بهجة، من بعد ما كان يتعجب من بهجته النُّظار، وترنو إليه الأبصار؛ وفي هذه الآية الكريمة تكميل لسبب نهيه ﷺ عن إجهاد نفسه الرحيمة فوق طاقتها؛ كأن الله تعالى يقول له: لا تحزن أَيها الرسول بما عانيت من تكذيب قومك لما أنزلنا عليك، فإنا قد جعلنا ما على الأرض من فنون الأشياء زينة لها، اختبارًا لأهلها؛ وسينتهي العُمران فيها إلى خراب، والحياة فيها إلى موت، ثم نجزي كل نفس بما أسلفت، وسننتقم لك منهم.

стр. 2602

﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾ المفردات: ﴿أَمْ﴾: معناها هنا: بل، التي للانتقال من حديث إِلى حديث، مع همزة الاستفهام المتضمنة معنى النهي. ﴿حَسِبْتَ﴾: أي ظننت؛ أَو علمت، من الحسبان بمعنى الظن أو العلم، وقد استعمل في كل من المعنيين. ﴿الْكَهْفِ﴾: النقب المتسع في الجبل، فإن لم يكن متسعًا فهو الغار. ﴿وَالرَّقِيمِ﴾: هو اللوح الذي رقمت فيه أسماءُ أصحاب الكهف، أو قصتهم؛ قيل كان من حجارة، وقيل كان من رصاص. ﴿الْفِتْيَةُ﴾: جمع فَتِى بوزن صبىّ؛ وهو الشاب الحَدَث القوي. من الفَتَاء، وهو الشباب وزنًا وَمَعْنًى، أو من الفتوة، وفيها معنى الشهامة والنجدة. ﴿وَهَيِّئْ﴾: أي يسِّر وسهِّل. ﴿رَشَدًا﴾: أَي إصابة لطريق السداد والرشاد واهتداء إليه، وهو خلاف الغَيِّ. ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾: المفعول ملاحظ، تقديره حجابا، أي ألقيناه على آذانهم. والمراد أنمناهم إِنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات.

стр. 2603

التفسير ٩ - ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾: لما بين الله تعالى في الآيات السابقة أنه جعل ما على الأرض زينة لها، ليختبر عباده في هذه الدنيا الفانية، التي ستنتهى إلى تراب لا نبات فيه، ثم يجزي كُلا منهم على حسب عمله وإخلاصه - قصّ عليهم قصة أهل الكهف والرقيم (١) برهانًا عمليا واضحًا، ينطق بأن يوم البعث والجزاء آتٍ لا ريب فيه، وقد أجمل الله قصتهم في الآيات الثلاث التي حكيناها من قبل، والخطاب لكل من يصلح للخطاب من البشر المكلفين. والمعنى: لا تظن - أَيها المكلف - أن قصة أصحاب الكهف والرقيم - وإن كانت من خوارق العادات - لا تظن أنها عجيبة دون غيرها من آياتنا، أو لا تظن أنها أعجب آياتنا وأعظمها! فإن من آياتنا ما هو أعجب منها وأعظم؛ كخلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب، وإخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي، وجعل ما على الأرض زينة لها؛ لحكمة الابتلاء في الدنيا والجزاء في الآخرة؛ كل هذه الآيات العظيمة وما إليها من آياتنا الدالة على قدرتنا - أعجب وأعظم من قصة أصحاب الكهف والرقيم. ١٠ - ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً … ﴾ الآية. أي اذكر حين التجأ هؤُلاء الفتية المؤمنون بالله إلى الكهف، فرارا بإيمانهم من الشرك وأهله، فقالوا ضارعين إلى ربهم مستغيثين به: يا ربنا هب لنا من عندك رحمة عظيمة، من خزائن رحمتك الواسعة، فيها الأمن والطمأنينة والمغفرة والسكينة.

стр. 2604

﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾: أَي ويسِّر لنا من أمرنا هذا الذي نحن عليه من مهاجرة الكفار، - يَسِّر لنا - هدايةً إِليك وتثبيتا على الإِيمان بك والإِخلاص لك، حتى نكون من عبادك المهتدين الراشدين. وقال ابن كثير: أي وقدِّر لنا من أمرنا هذا رشدًا، أي اجعل عاقبتنا رشدًا، وما قضيت لنا من قضاءٍ فاجعل عاقبته رشدًا؛ وفي المسند من حديث بُسْر بن أَرطاةَ عن رسول الله ﷺ أنه كان يدعو: اللهم أَحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزى الدنيا وعذاب الآخرة. ١١ - ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾: أَي فاستجبنا دعاءَهم عقب ندائِهم، وأَنمناهم في الكهف آمنين مطمئنين، نومةً ثقيلة طويلة تشبه الموت، بلغت سنين كثيرة تُعَد عَدّا. وسيأتي التصريح بعدد هذه السنين في قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ … ﴾ الآية مع حكمة التأخير، التفصيل بعد الإِجمال. وتخصيص الضرب على الآذان بالذكر، مع مشاركة سائر الحواس والمشاعر لها في الحجب عن الشعور والإِدراك عند النوم - لأَن الآذان هي الوسيلة إِلى التيقظ غالبا، ولا سيما عند انفراد النائم واعتزاله عن الخلق. ولما كانت نومة أَهل الكهف في عمقها وطولها كأنها الموت، عبر عن إِيقاظهم منها بالبعث فقال سبحانه: ١٢ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾: أَي ثم أَيقظناهم من تلك النومة الشبيهة بالموت؛ لنظهر ما علمناه بشأن لبثهم، بإِيضاح الأحداث التي مرت بهم، حتى يتبين للناس أَىُّ الفريقين أدق إِحصاءً لمدة لبثهم: ألبثوا يومًا أو بعض يوم، أَم لبثوا أَحقابًا ودهورًا؟! واعلم أن الله ﵎ يعلم أَزلا علمًا تفصيليًّا بكل ما يقع في الكون، طبقًا للأجل المسمى عنده، ووفقا لما قدره سبحانه وعلمه، فإذا حدَث ما قدّره، علِمَه واقعًا، بعد علمه أزلًا بأنه سيقع.

стр. 2605

والمراد بالحزبين بعض الفتية: وهم المترددون القائلون: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ - والحزب الآخر أَهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم، وكان عندهم تاريخ غيبتهم، قال ابن عطية: إن هذا قول جمهور المفسرين: اهـ وسيأتي الحديث مستفيضًا عما قيل في بيان مكان الكهف، وزمان رقودهم، وزمان بعثهم. ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾ المفردات: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ﴾: النبأ؛ الخبر الخطير ذو الشأن. ﴿بِالْحَقِّ﴾: أَي بالصدق الذي لا يحوم حوله شك. ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: المراد قَوَّيْنَا قلوبهم وثبتناها على الحق والصبر على الإيمان وآثاره. ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾: أَي لقد قلنا إِذا قولًا ذا شطط، أي ذا بُعدٍ عن الحق والصواب. والشطط: مجاوزة الحد في كل شيء.

стр. 2606

﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض فيه معنى اللوم على عدم الفعل. ﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾: أي ببرهان ظاهر قوي. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾: استفهام انكارى فيه معنى النفي. ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ﴾: يبسط لكم ويوسع عليكم. ﴿مِرْفَقًا﴾: المرفق - كمِنبَر ومجِلس -: ما يُرتَفَق وينتفع به. التفسير ١٣ - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ … ﴾ الآية. هذا شروع في تفصيل ما أُجمل آنفا في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ … ﴾. أي نحن نخبرك الخبر اليقين الصادق عن هؤُلاء الفتية وهو ما يلي: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾: أَي إِنهم جماعة من الشباب النقي الفطرة الصادق العزيمة، هُدوا بفطرتهم إلى ربهم فاطر السماوات والأرض، فأَيقنوا إن الذي أَبدعهما على غير مثال سبق، هو الحقيق بأن يعبد بحق، وأَن يكون وحده ربًّا لهذا الكون وإِلَهًا، هكذا اهتَدوا إلى الله بآياته، وهكذا آمنوا بربهم على هدى وبصيرة، فزادهم ربهم بالعمل الصالح والعقل الرشيد يقينا إلى يقينهم، وإِيمانا مع إيمانهم، ثم أَعلن ثناءه عليهم، فقال في محكم كتابه: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾: ونحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (١). والشباب - كما قال الحافظ ابن كثير -: أقبل للحق، وأَهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكْثَر المستجيبين لله تعالى ولرسوله ﷺ شبابا. ولعل في قول الحق ﵎: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ إِشارة إلى أَن في عهده ﷺ من كان يقص نبأهم لكن بغير الحق، وفي هذا دليل على

стр. 2607

أن قصة أهل الكهف كانت من علوم العرب وإِن لم يكونوا عالميها على وجهها. وقد ذكر المفسرون والمؤرخون كثيرا من أَخبارهم، نقلا عن محمد بن إسحق وغيره من أَصحاب السير (١)، وحسبنا ما قص علينا العليم الحكيم من نبئهم ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٢). ثم بين سبحانه لطفه بهم، وجميل صنعه لهم، حينما عزموا على التوجه إِليه بعبادته وحده فقال: ١٤ - ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا … ﴾ الآية. أي قوَّينا قلوبهم وثبتناهم على الحق حين قاموا في قومهم فقالوا كلمة الحق، لا يخافون إِلا الله، ولا يرجون أحدا سواه: قالوا ربنا وخالقنا هو رب السماوات والأرض وخالقها وحده، فهو الحقيق بألا نعبد إلا إِياه، وألا نتخذ إلها ولا رب سواه، هذا اعتقادنا الذي نحيا ونموت عليه، لن نتحول عنه أَبدا، وقولهم: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾: تأكيد لقولهم الحق الذي قالوه؛ واعتقادهم الحق الذي اعتقدوه. أي والله لو قلنا غير هذا القول، وعبدنا مع ربنا الذي خلقنا إلها غيره - لكان قولنا هذا حينئذ بعيدا عن الحق والصواب غاية البعد، وكنا بعبادة غير ربنا وخالقنا مفرطين غاية الإفراط في الضلال والظلم! وفي هذا القول الذي قاله الفتية دلالة على أنهم دُعُوا إلى عبادة الأصنام وحُمِلوا عليها وأُنذروا على تركها، وكان ذلك بين يدي الملك الجبار العابد للأوثان. وسيأتي بيان أمره معهم. أخرج ابن النذر وابن أَبي حاتم أنهم خرجوا من المدينة فاجتمعوا وراءها على غير ميعاد فقال رجل منهم هو أَشجعهم: إِنى لأجد في نفسي شيئًا ما أَظن أَحدًا يجده، قالوا ما تجد؟ قال أَجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض، فقالوا جميعًا نحن كذلك، فقاموا جميعًا فقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

стр. 2608

وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ … ﴾ الآية. وصبَّرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم لهم ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة؛ فإنه قد ذكر غيرُ واحد من المفسرين من السلف والخلف: أنهم كانوا من أَبناء سادة الروم، وأنهم خرجوا يوما في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه، وكان لهم ملك جبار عنيد يأمر الناس بعبادة الأصنام والذبح لها، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤُلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إِلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم - عَرفوا أَن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها، لا ينبغي إِلا لله الذي خلق السماوات والأرض، فجعل كل منهم يتخلص من قومه وينتحى ناحية، حتى جمعهم الذي جمع قلوبهم على الإِيمان به، كما جاءَ في الحديث الذي رواه البخاري عن عائشة ﵂ قالت: "قال رسول الله ﷺ : الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف". ثم توافقوا كلهم على عبادة الله وحده .. فلما انتهى أَمرهم إِلى ملكهم استحضرهم بين يديه، فسألهم عن أمرهم وما هم عليه فأجابوا بالحق ودَعَوه إلى الله ، وقد أجمل الله ذلك بقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ … ﴾ الآية. ويقال إنهم لما دَعوا الملك إلى الإيمان باللهِ أبي عليهم وتهددهم وتوعدهم، ثُمَّ أجَّلَ النظر في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم. قال الحافظ ابن كثير: وكان هذا من لطف الله بهم فإنهم في تلك النَّظِرَة توَصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة! انتهى ما قاله ابن كثير ملخصًا. ثم قال بعض الفتية لبعض، إِنكارا على أهل بلدهم، وتمهيدا لاعتزالهم: ١٥ - ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ … ﴾ الآية. أَي أشرك أهل بلدنا هؤُلاء بعبادة غير الله، من الأصنام التي اتخذوها آلهة فعيدوها معه هلا يأتون على عبادتهم لهذه الأصنام ببرهان ظاهر وحجة واضحة!!

стр. 2609

وهذا تبكيت صارخ؛ لأن الإتيان بالبرهان على عبادة الأصنام محال. وفي هذا دليل على أن مجرد التقليد في العقائد مردود. ومما لا شك فيه أنك لو سألت أحدا من عوامّ المؤْمنين عن دليل وجود الله الذي يعبده؛ فإنه لا يتردد في أَن يشير إلى سمواته وأَرضه، ويشير إلى نفسه، فهو يعلم أنها أَمارات شاهدات على الحي القيوم. ثم بينوا أَن قومهم أَظلم الظالمين فقالوا: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أَي لا أحد أشد ظلما ممن اختلق على ربه كذبا بنسبة الشريك إِليه؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا. ١٦ - ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾: كان قوم الفتية يعبدون مع الله آلهة شتى، فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله تعالى، فقال بعضهم لبعض: وإِذ فارقتم القوم بقلوبكم وبدينكم، ففارقوهم أَيضا بأبدانكم، فالجئوا إِلى الكهف لعبادة ربكم مخلصين له الدين، يبسط عليكم رحمة من عنده يستركم بها في الدارين، ويسهل لكم من أَمركم ما تنتفعون به في حياتكم، قالوا ذلك ثقةً بفضل الله تعالى، وقوةً في رجائه، لتوكلهم عليه سبحانه ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١). ثم أتبعوا مقالتهم الحكيمة، تنفيذ عزيمتهم الصادقة، فأووا إِلى كهفهم، في حراسة ربهم وكفالته، لم يرهم أَحد من قومهم، وقد جدوا في طلبهم! قال الحافظ ابن كثير: وعمَّى الله خبرهم، كما فعل بنبيه محمد ﷺ وصاحبه الصديق ﵁، حين لجأ إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطلب فلم يهتدوا إِليه، مع أَنهم يمرون عليه! وعندها قال النبي ﷺ

стр. 2610

لما رأى جَزع الصديق في قوله يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إِلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟! وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). قال ابن كثير: فقصة هذا الغار (أي غار ثور) أَشرف وأجَل، وأَعظم وأَعجب، من قصة أَصحاب الكهف!! ذلك، وقد دلت الآية الكريمة على مشروعية الهجرة. ولا شك أَنه إذا اشتدت الفتن في دار الكفرة، ولم يستطع من بها من المسلمين أَن يأمنوا على أنفسهم ودينهم - فعليهم أن يهاجروا حيث يأمنون على دينهم وأنفسهم. وقد هاجر أصحاب النبي ﷺ ، بأَمره فرارا بدينهم من الفتن! ثم هاجر ﷺ هو وصاحبه! واحتملوا في هجرتهم أَهوالًا ثقالا، كان عاقبتَها نصرُ الله والفتح. ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾

стр. 2611

المفردات: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾: تتنحى وتميل عنه. ﴿تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾: تتركهم ناحيته، من قرض بمعنى ترك. ﴿فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾: في مُتَّسَع من الكهف. ﴿أَيْقَاظًا﴾: جمع يَقِظ بمعنى منتبه غير نائم. ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾: راقدون - أي نائمون. ﴿بِالْوَصِيدِ﴾: بالفِناء أمام الكهف، ويطلق الوصيد أَيضًا على العَتبَة، فلعله كان يجلس بباب الكهف ومدخله عند موضع العتبة لحراستهم. ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾: لو رأيتهم وشاهدتهم. ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ﴾: لأعرضت بوجهك عنهم. التفسير ١٧ - ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾: أَفادت الآية التي قبلها أن بعضهم أشار عليهم بعد اعتزالهم قومهم المشركين، أن يأووا إِلى الكهف رجاءَ أَن يبسط الله لهم من رحمته بعد فرارهم بدينهم، وأَن يسهل لهم من أمرهم ما يرتفقون به، وقد جاءَت هذه الآية لتُبيِّن حالهم بعد أن أوَوْا إِلى الكهف استجابة لمشورة أحدهم، وقد حدث بعد لجوئهم إِلى الكهف أَنهم ناموا، ولم يذر بخلدهم ماذا يكون من أَمرهم بعد نومهم من عجائب الأمور، فضرب الله على آذانهم حِجابًا كثيفًا يمنع سماعهم لما يجري حولهم، بأَن جعل نومهم عميقًا يشبه رقود الموتى ولم يصرح بذلك هنا اكتفاء بإِجمال حالهم من قبل في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ (١). والخطاب في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ إِمَّا لرسول الله ﷺ ، وإما لكل أَحد، إِيذانًا بغاية ظهوره والمعنى: وترى أَيها الباحث عن حالهم في كهفهم - ترى - الشمس إذا طلعت تتزاور وتتنحى (٢) عن كهفهم جهة يمين الداخل إِليه، وتراها عند غروبها تعدل عنه ولا تدخله جهة الشمال،

стр. 2612

مع أَنهم في متسع من الكهف، بحيث يمكن معه أَن يصلهم شعاع الشمس، ولكن الله تعالى حماهم من حرِّها فأبعد شعاعها عنهم حتى لا تؤذيهم بحرارتها طول النهار وكرامةً لهم، في حين أَنه سبحانه جعل الهواء يدخل إِليهم، لتبقى حياتهم إِلى حين بعثهم من رقادهم. ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: أي ذلك الذي حدث من تحول أَشعة الشمس عنهم، وعدم وصول ضوئها الحارِّ إليهم طَوَالَ النهار - كل يوم مدة رقودهم - مع اتساع مدخل الكهف وصلاحيته لتوصيل أشعة الشمس إليهم - ذلك كله - من آيات الله العظيمة الدالة على كمال قدرته وحكمته في تدبيره، حيث أبطل حكم العادة، ليعم الناس أن الحكم لله لا للأسباب العادية، كما أَنها من آيات الله على كرامة أَهل الكهف ومنزلتهم لديه، وأنه تعالى يحمى أولياءه، ويكرم أصفياءه. ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾: أَي أن مَنْ يرشده الله سبحانه إرشادا يوصلُه إلى الحق، فهو الواصل إليه لا محالة، لأن نفسه مستسلمة إِلى إرشاد الله، ومستجيبة لآياته ودلاتله، ومن كان كذلك فله الجزاءُ الكريم في الدنيا والآخرة، أما من يصرفه الله ويبعده عن الهدى لأنه اتَّجَه بسوء اختياره إِلى الضلال وأوغل فيه، فلن تجد له معينا يرشده ويهديه إلى الحق، ويأخذ بيده إلى سواء السبيل. وقَد أَفادت هذه الجملة من الآية الثناء على أهل الكهف والشهادة لهم بإِصابة الهدى والرشاد، وأَن ذلك كان بتوفيق الله وهدايته لهم، لسلامة فطرتهم، وصفاء قلوبهم وعقولهم وانصرافهم عن تقليد آبائهم، إلى اتباع آيات الهدى والرشاد، وأما غيرهم من عبدة الأوثان، فقد اتبعوا هَوَاهم، وأعرضوا عن هُداهم، فتخلى الله عنهم، لأن سنة الله أن من يقبل على الله يهده الله، ومن ينصرف عن هداه، فهو متورط في الضلال، وليس له سبيل إِلى الهدى، ولا معين له على الوصول إليه، بعد أن تخلى الله عن إنقاذه، لإصراره على الضلالة.

стр. 2613

١٨ - ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾: وتظنهم أيها الناظر إليهم أَيقاظا وهم نيام - تظنهم كذلك - لانفتاح عيونهم، وقال ابن عطية: تحسبهم أيفاظا لشدة الحفظ الذي كان من الله عليهم وقلة تغيرهم؛ لأن الغالب على النيام استرخاءُ الأعضاءِ وهيْئَاتٌ معينة، فإِن لم توجد حَسِبَهُم الرائِي أيقاظًا وإن كانت عيونهم مقفلة، والرأي الأَول هو الظاهر. ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾: ونقلبهم - وهم رَقُودٌ - جهة أيمانهم وجهة شمائلهم حِفْظًا لأجسادهم من البلى والضرر، على نحو ما جرت به العادة في النائمين، أَو لكي يدرك من يراهم وقد طال نومهم أَنهم أحياءٌ، فلا يسد الكهف عليهم ويدفنهم فيه، أَو لغير ذلك من حكم يعلمها خالقهم. ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾: أَي أن كلب أَصحاب الكهف مادٌّ ذراعيه وهو جالس على مُؤخّرته (١) بفِناء الكهف أو بمدخله كأنما هو يحرسهم وهم نيام. واختلف العلماءُ في أمره - هل نام كما ناموا، أم أنه لم يستغرق في نومه كما استغرقوا، ومثل هذا الخلاف لا يمكن حسمه إِلا بدليل ولا دليل، وقد أضيف الكلب إليهم فقيل كلبهم، واختلف العلماءُ في صاحبة، فمنهم من قال إنه كلب مَرُّوا به فتبعهم، وأَصر على أَن يكون معهم، ومنهم من قال إنه كلب راع مرُّوا به فتبع دينهم وذهب معهم وبصحبته كلبه، ومنهم من قال إِنه كلب صيد لأحدهم وهذا الخلاف ليس له أساس، فالكلب كلبهم كما جاء به النص الكريم، واللهِ أَعلم كيف وصل إليهم. ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾: أي لو عاينتهم وشاهدتهم لأعرضت بوجهك عنهم، ولملئت منهم خوفًا بسبب ما أَلقى الله عليهم من الهيبة والجلال وقيل: إن سبب الرعب فيمن يراهم ما كانوا عليه من طول الشعور والأظفار وصفرة الوجوه وتغير الثياب، وهذا القول غير مقبول، فإنهم لو كانوا كذلك لأنكروا أحوالهم بعد أَن تيقظوا، ولم يقولوا لبثنا يوما أَو بعض يوم، وَلَمَّا بعثوا أَحدهم إلى المدينة ليشترى لهم منها طعاما، وأَوصوه بأن يتلطف ولا يشعر أحدا بهم؛ لأن منظرهم يوحى إِليهم بأنهم من

стр. 2614

أهل القرون الماضية، فلا مجال لأن يقولوا لصاحبهم في شأن الطعام ما قالوا، ولأنه لما ذهب إلى المدينة لم ينكر حال نفسه وإنما أَنكر معالم المدينة وأَهلها، فالحق أَن الله تعالى لم يغير حالهم بعد مئات السنين، ليكون ذلك آية بينة لمن يراهم بعد يقظتهم كما سنشرحه إن شاءَ الله تعالى. أَين الكهف ومن أَيِّ البلاد أصحابه يقول بعض المفسرين إنه في بلاد الروم، وإن أَصحابه منها، ويضيفون إلى ذلك أَنهم باقون على الحالة التي توجب فِرَارَ مَنْ يطَّلع عليهم ورُعْبَهُ منهم، ويستدلون لذلك بما أَخرجه ابن أَبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس قال: "غزوْنَا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف الذين ذكرَهم اللهُ تعالى في القرآن، فقال معاوية: لَوْ كُشِف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال ابن عباس: ليس ذلك لك، قد منع الله تعالى ذلك مَنْ هَوُ خيرٌ منك فقال: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ فقال معاوية: لا أَنتهي حتى أَعْلَمَ عِلْمَهُمْ، فبعث رجالًا وقال اذهبوا فادخلوا الكهف وانظروا، فذهبوا فلما دخلوه بعث الله تعالى عليهم ريحًا - فأَخرجتهم" وأصحابُ هذا الرأْى يقولون إن الخطاب في قوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ للرسول خاصة. وقد روى عن ابن عباس عكس ما تقدم، فقد أَخرج عبد الرازق وابن إلى حاتم عن عكرمة أَن ابن عباس غزا مع حبيب بن مسلمة، فمروا بالكهف فإذا فيه عظام، فقال رجل: هذه عظام أهل الكهف، فقال ابن عباس: لقد ذهبت عظامهم منذ أَكثر من ثلاثمائة سنة، فهذا الأثر ينفى ما دَلّ عليه الخبر السابق، من بقاءِ أجسادهم سليمة. ونحن نرى أَن الخطاب في قوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لكل من يصلح أن يُخَاطَبَ، وإن المراد من الآية الكريمة حكايته حالهم وقت رقودهم وقبل بعثهم، وأما أمرهم بعد موتهم واتخاذ مسجد عليهم، فهو من الغيبيات التي لم يكشف النقاب عنها على وجه تطمئن إليه القلوب.

стр. 2615

ومن المفسريين من نقل أنهم بالشام، قال أَبو حيان: إِن في الشام كَهْفَ موتى، ويزعم مُجَاوروه أَنهم أَصحاب الكهف، وعليهم مسجد وبناءٌ يسمى الرقيم، ومعهم كلب رمة: اهـ ولعل أَبا حيان يشير بكونهم في الشام إلى أنهم في الأردن، فإن الأردن من الشام، فقد كان إقليم الشام يعم سوريا والأردن وفلسطين ولبنان، وقد صرح بوجودهم في الأردن الهروي، إذ قال: إن البلقاء بلد به الكهف والرقيم، عند مدينة يقال لهاَ عَمَّان، بها آثار قديمة، ووافقه ياقوت، وقال القدسي: الرقيم قرية على فرسخ من عمان على تخوم البادية، فيها مغارة لها بابان صغير وكبير وقد روى عن ابن عباس أن الرقيم واد بين غَضبان وأيْلَة دون فلسطين، وفيه أَصحاب الكهف: اهـ وغَضْبَانُ بالضاد المعجمة واد بالشام، وهذه الرواية تخالف ما روى عنه سابقًا من أَنهم وكهفهم في بلاد الروم، ولعلها أقرب منها إِلى الصواب. وقد دفَعت هذه الرواية وغيرها مصلحة الآثار بالمملكة الأردنية إلى التنقيب في هذه المنطقة حتى كشفوا كهفا وآثارًا، وظنوا أن هذا هو الكهف الذي جاءَ ذكره في سورة الكهف؛ بل لقد أَكد الأستاذ رفيق الدجاني المساعد الفني لمدير الآثار العربية بالأردن أَنه هو بعينه، والله أعلم بصحة هذا أو مخالفته للحقيقة، فقد علمت ما تقدم نقله من وجودهم ببلاد الروم، ونقل الآلوسي أن بالأندلس في جهة غرناطة كهف موتى ومعهم كلب رمة، وأَكثرهم قد ذهب لحمه، وبعضهم متماسك، وهم بقرب قرية تسمى لوشة، ويزعم ناس أنهم أَصحاب الكهف. قال ابن عطية: دخلت عليهمُ فرأَيتهم سنة أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة، وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء رومى يسمى الرقيم، كأنه قَصْر مخلق قد بقى بعض جدرانه، وهم في فلاة من الأرض خربة، وبأَعلى حصن غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة يقال لها مدينة دقيوس وجدنا في آثارها غرائب: اهـ. فمن تضارب الروايات في مكان كهفهم، فإننا لا نستطييع الجزم به، كما لا نستطيع الجزم بالأمة التي نشأوا منها، وكل ما نستطيع القطع به هو قصتهم وواقعيتها، وأنهم من آيات الله تعالى، فلندع العلم بما وراء ذلك إِلى علام الغيوب.

стр. 2616

﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ المفردات: ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾: أَيقظناهم. ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾: ليسأل بعضهم بعضا. ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾: كم زمنا أَقمتم نائمين. ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾: الورِق بكسر الراء الفضة المضروبة كالدراهم، وقيل يطلق على الفِضَّة وإِن لم تكن مضروبة. ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾: أَطيب طعاما أو أطهره. ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾: وليستعمل اللطف في المعاملة حتى لا تقع خصومة تكشف أَمرهم. ﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: إن يطلعوا عليكم ويعرفوكم. ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾: يقتلوكم رجما بالحجارة، أَو يقذفوكم بألفاظ السباب. التفسير ١٩ - ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾: بينت الآيتان السابقتان حالهم في الكهف الذي أوَوْا إليه، بعد أن فارقوا أهلهم المشركين، وأن الله تولى حفظ أَجسادهم فيه حتى لا يفنيهم تعاقب السنين عليهم، فجعل الشمس لا تصيبهم طوال نهارهم مع أنهم في فجوة من الكهف بحيث تتمكن الشمس من إصابتهم، وجعل يقلب أَجسادهم ذات اليمين وذات الشمال، وجعل أَجسادهم تعيش

стр. 2617

مئات السنين بلا طعام ولا شراب، وجعل منظرهم يبعث الرعب والفرار منهم، ليكون ذلك أَدعى إلى سلامتهم، وأَدفع للشر عنهم، وأَبعد للوحوش المفترسة عن إيذائهم، وكل ذلك من آيات الله. وجاءت هذه الآية الكريمة لشرح حالهم بعد يقظتهم من هذا الرقاد الطويل الذي لم يغير شيئًا من ثيابهم ولا من شعورهم وأَجسادهم، فقد بينت أَنهم استيقظوا فتساءَلوا كم من الزمن لبثتم؟، فأجاب المسئول منهم سائِلَهُ بأنهم لبثوا نائمين يوما أَو بعض يوم، ولو طالت لحاهم أَو أظافرهم أَو بليت ثيابهم أو ضرب بياض الشيب شعرهم لما كان جواب المسئول لبثنا يوما أو بعض يوم، ولما بعثوا بعضهم ليشترى لهم طعاهًا بدراهمهم التي مضى على ضَرْبها مئات السنين، وقد حدثت هذه الآية على هذا النحو العجيب، ليُعْرفَ أمرهم، ويتبين للناس من حالهم أن الله يبعث من في القبور، كما سنعرض له في موضعه إن شاءَ الله تعالى. والمعنى: أَنمناهم علي هذا النحو العجيب الدال على قدرتنا، ثم أَيقظناهم من نومهم على هيئة لا تغير فيها لشيءٍ من أحوالهم، لكي يسأل بعضهم بعضا: كم من الوقت لبثنا نائمين بعد أَن أَوينا إلى هذا الكهف مرهقين من رحلة الهرب من أهلينا المشركين، قال بعضهم جوابا للسائل: لبثنا يوم أَو بعض يوم، فاستراحت بذلك أجسادنا المكدودة. والمشهور أَن نومهم كان غدوة وانتباههم كان آخر النهار، وحرف (أَو) في قول المجيب على السائل ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ يحتمل أَن يكون للشك في مدة لبثهم أهى يوم أو بعض يوم، لأنهم في جوف الغار ولوثةُ النوم لم تفارقهم بعد، وقال أَبو حيان إنها للتفصيل على معنى: قال بعضهم: لبثنا يوما، وقال آخرون: لبثنا بعض يوم، وقول كليْهما مبنى على غلبة الظن. ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾: قال بعض آخر التبس عليه الأمر: ربكم أَعلم بالوقت الذي مكثتم فيه نائمين، فلا سبيل إِلى التحقق من أَنه

стр. 2618

يوم أَو بعض يوم، فدعوا الحديث عنه، فابعثوا أَحدكم بدراهمكم هذه التي أحملها، ليذهب بها إلى المدينة التي خرجنا منها مهاجرين إِلى الله، فلينظر أي البائعين بالمدينة أَطيب طعاما، وأبعده عن الإثم، فقد كان أَهلها يذبحون للطواغيت، فليأتكم برزق من أطيب الطعام، وليتلطف في معاملته مع بائع الطعام حتى لا تقع خصومة بينه وبينه ويَنكشف بها أمركم، ولا يفعلن ما يؤدى إِلى شعور أحد من أهل المدينة بكم، لننجو من العواقب الوخيمة التي تترتب على معرفتهم بمخبئكم عن طريقه. وفي إِقرارهم في النص الشريف على حملهم للدراهم معهم دليل أَن التأهب لأسباب المعاش لمن خرج من منزله، يحمل النفقة ونحوها لا ينافي التوكل على الله، فإن الحياة بنيت على اتخاذ الأسباب ثم يأتي التوكل على الله بعد ذلك ليساعد من استعان به على نجاح أسبابه، قال تعالى في سورة الملك: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾. وقال ﷺ لمن أَناخ ناقته ولم يعقلها، قائلا إني متوكل على الله - قال له الرسول - "اعْقِلْهَا وَتَوَكَّل". ٢٠ - ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾: إن قوْمكُم الذين هجرتموهم وتركتم دينهم إن يطلعوا عليكم ويظفروا بكم يرجموكم بالحجارة فيقتلوكم لمخالفتكم إياهم فيما هم عليه من الدين، واعتزالكم إِياهم وما يعبدون، وشق عصا الطاعة ومخالفة الجماعة في أقدس أمُورها يوجب القتل عندها إِلا إن تعودوا إِلى ملتهم وتستجيبوا إِلى فتنتهم مكرهين، ولن تفلحوا أبدا إن دخلتموها ولو مكرهين، فإنهم سيستدرجونكم مع الشيطان إلى استحسانها والاستمرار عليها، وسيحيطونكم بمختلف الفتن والمغريات حتى يطفئوا نور الإيمان في قلوبكم. ثم إن هؤُلاء الفتية بعثوا أحدهم بدراهمهم ليأتيهم برزق طيب من المدينة بعد أن سمع من إخوانه نصيحتهم، واشتهر أَن اسمه يمليخا، ولما ذهب إِلى المدينة حدث ما أَشار إليه بقوله:

стр. 2619

﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ المفردات: ﴿أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾: أجل العثور السقوط لِجِهة الوجه، كما قال الراغب، ثم تجوز به عن الحصول أو الاطلاع على أَمر مصادفةً، وأَعثرنا عليهم معناها في الآية أطلعنا عليهم أَهل مدينتهم. ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: لا يصح أن يرتاب فيها أحد. ﴿السَّاعَةَ﴾: القيامة، وسميت بذلك لأنها تفجأ الناس في ساعة يجهلونها، ويختص الله بعلمها. ﴿يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾: يتخاصمون في نومهم ثانيا بعثهم، فمِنْهم مُقِر بدلالته على البعث الأخروى، ومنهم نافٍ له، أو يتخاصمون في نومهم ثانيا بعد يقظتهم أَهو موت أم هو رقود كما كانوا. التفسير ٢١ - ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾: تحكى هذه الآية ما آل إليه أَمرهم بعد يقظتهم من رقدة لم يعرف لها التاريخ مثيلا، حيث مكثوا نياما "ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا" ثم كان من قصتهم ما سنذكره إِجمالا ثم نفصله، والمعنى: وكما أَنَمْنَاهُم هذه النومة الطويلة العجيبة، وأيقظناهم بعدها بحالة عادية ظنوا معها أَنهم لبثوا نائمين يومًا أَو بعض يوم - كما فعلنا ذلك - أطلعنا الناس عليهم بعد تلك الأجيال العديدة التي ظلوا فيها نائمين، ليعلموا بما عرفوه من أحوالهم العجيبة، أن وعد الله تعالى

стр. 2620

بأن يبعث الناس بعد الموت للحساب والجزاء حقٌّ، وأَن الساعة التي يقوم فيها الناس لرب العالمين لا ينبغى أَن يرتابوا فيها. ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾: في هذا الكلام تتمة الحديث عن قصتهم بعد الإعثار عليهم، والمعنى الإجمالى للآية ما يلي: وكذلك أعثرنا الناس على أَصحاب الكهف بعد بعثهم وقيامهم من رقودهم، حيث كشفت الدراهم التي كانت مع مبعوثهم أَنها ضُربت منذ مئات السنين في عهد ملك وثني جبار كان أصحاب الكهف قد هربوا منه ومن قومهم الوثنيين فى عهده، وظهر للفتى المبعوث أَنهم في عهد ملك آخر، وجيل يختلف كل الاختلاف عن الجيل الذى عاشوا فيه، وكان ذلك كله ليعلم الناس أَن وعد الله بالحياة الآخرة حق، وأن الساعة التي يقوم الناس فيها لرب العالمين آتية لا ريب فيها، فلما عاد الفتى إِلى أصحابه فى الكهف، وفي صحبته بعض من وقفوا على أمره من زعماء هذا العصر وأهله -لما عاد الفتى إلى أَصحابه- توفاهم الله تعالى، اذكُر لأُمتك أيها الرسول، حين يتنازع قومهم فى بعثهم، أيشبه بعث الآخرة أو يخالفه، أو يتنازعون فى أَنهم ماتوا أَو ناموا كما حدث أول مرة، ثم فرغوا من التنازع فى ذلك، واهتموا بإجلال قدرهم وتعظيم أَمرهم، بعد أَن تبين لهم موتهم، فقال بعضهم لبعض: ابنوا على باب كهفهم بنيانا، لئلا يتطرق الناس إليهم، قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن على بابهم مسجدا تكريما لهم، وَحَثًّا للناس على عبادة ربهم، وبهذا البيان أجملنا تفسير هذه الآية التى طَوَتْ تحت عباراتها القصيرة أحداثا عظيمة نفصل بعضها فيا يلى: تفصيل بعض أحداث القصة بعد أن ضَرب الله على آذان الفتية فى الكهف فلم يسمعوا ولم يدروا بما حولهم أكثر من ثلاثة قرون، -بعد ذلك- لم يبق أحد من أُمتهم التي اعتزلوها، فحِينَمَا بعثوا من رقودهم الطويل، كان يوجد غيرهم يحكمهم ملك مؤمن، فاختلف أهل مملكته في أَمر البعث، أيكون أو لا يكون؟، وإذا حدث البعث أيكون للأرواح وحدها أم يكون لها وللأجساد،؟ فشق ذلك على الملك، فلبس المُسُوح وجلس على الرماد، ودعا الله أن يبعث لأُمته آية

стр. 2621

تبين لهم الحق فيما هم فيه مختلفون، فبعث أصحاب الكهف من رقودهم الطويل، فبعثوا أحدهم ليشتري لهم طعامًا، فدخل السوق فجعل ينكر الوجوه التي يراها، وقد اختلفت عليه معالم المدينة كثيرًا، ورأى مظاهر الإيمان بادية على أهل المدينة، ثم أقبل متلطفا على رجل ليشترى منه طعامًا، فلما نظر الدراهم أنكرها، لأنها مضروبة من عهد بعيد، حيث كان يوجد ملك وثنيٌّ -قيل إنه يدعى دقيانوس- فاتهمه بكنز عثر عليه، وطلب منه أن يدله عليه حتى لا يرفع أَمره إلى الملك، فقال الفتى هي من ضربه، أليس ملككم فلانا؟ فقال الرجل: لا. بل هو فلان -وكان اسمه كما قيل (بندوسيس) فاجتمع الناس وذهبوا به إِلى الملك -وهو خائف- فسأله عن شأنه، فقص عليه القصة، وكان الملك قد سمع أن فِتْيةً خرجوا ولم يعودوا على عهد دقيانوس، فدعا مشيخة أهل بلده، وكان عند رجل منهم أسماؤهم وأنسابهم، فلما سألهم الملك عن هؤلاء الفتية، تقدم هذا الرجل، وذكر له ما عنده من أمرهم، فقال الفتى صدق، ثم قال الملك: أيها الناس. هذه آية بعثها الله لكم، لتؤمنوا بالبعث وأنه على نحو ما رأيتم، ثم خرج هو وطائفة من أهل المدينة ومعهم الفتى، فلما رأى الملك الفتية اعتنقهم وفرح بهم، ورآهم جلوسا مشرقة وجوههم، لم تَبْلَ ثِيابُهم، فأخبروه مما قوا من دقيانوس، فبينما هم بين يديه إذ قالوا له: نستودعك الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله، ودعوا له بخير، ثم رجعوا إلى مضاجعهم فتوفاهم الله تعالى ثم كان من أَمرهم ما قص الله تعالى. تلك إحدى الروايات التي تحدثت عن قصتهم، اكتفينا بها فى فهم ما أجمله القرآن من أمرهم، انظر الآلوسي فى بيان هذه القصة. حكم اتخاذ المساجد فوق القبور استدل بعض الفقهاء بالآية على جواز اتخاذ المساجد فوق قبور الصلحاء والصلاة فيها، وهو استدلال باطل، فإننا لو سلمنا أن هؤلاء بنوا عليهم مسجدًا للصلاة وفق شرعهم، فإن شرع من قبلنا إنما يكون شرعا لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يَردُّه، وقد جاء فى شرعنا ما يحرمه ويرده، فقد قال ﷺ : "لَعَنَ اللهُ زَائِرَاتِ القُبُورِ وَالمُتَّخِذينَ عَلْيَهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ" أخرجه أَحمد وأبو داود والترمذي وغيره عن ابن عباس، وقال ﷺ .

стр. 2622

"لَعَنَ اللهُ تَعَالَى الْيَهُودَ وَالنصَارَى. اتخَذُوا قبُورَ أنْبِيَائِهِم مَسَاجِد" أَخرجه الشيخان والنسائي عن عائشة، ومُسلِم عن أبي هريرة، إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة الناهية عن اتخاذ المساجد فوق القبور. ويرى بعض علماء الحنابلة وهدم المساجد التي تبنى على القبور، والقباب التي تبنى عليها، على أَن الآية ليست نصا في أنهم بنوها وفق شرعهم، فليس فيها سوى حكايته قول طائفة من الناس وعزمهم على فعل ذلك، وليست خارجة مخرج المدح والحض على التأسي بهم، فحيث لم يثبت أن فيهم معصوما لا يدل فعلهم فضلا عن عزمهم على مشروعية ما كانوا بصدده، ولك أن تقول أَيضًا: إن اتخاذهم المسجد عليهم، يراد منه اتخاذهم إِياه عند قبرهم في كهفهم، وقريبًا منه، وقد جاء التصريح بالعندية في رواية السدي للقصة، ومثل هذا الاتخاذ ليس محظورًا، ويمكن أن يقال إن (على) في قولهم ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ يمكن أن تكون بمعنى لام التعليل، أَي لنتخذن لأجلهم مسجدًا، كما تقول لشخص أحَسن في صُنْعِه: لأعطينك عليه جائزة، أَي لأعطينك لأجله هذه الجائزة، ومن كل ذلك نفهم أَنه لا يوجد في الآية ما يستدل به على جواز بناء المساجد فوق الأضرحة. ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢) وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾

стр. 2623

المفردات: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾: رميا بالخبر الغائب الخفى عنهم. ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ﴾: فلا تجادل فيهم، والمماراة المحاجة والجدال، قال الراغب: هي المحاجة فيما فيه مرية - أي تَرَدد - مأخوذ من مَرَيْتُ الناقة إِذا سمحت ضرعها للحَلْب. (إلاَّ مِرَاء ظَاهِرًا): إلَّا محاجة وجِدَالا بما هو ظاهر، وذلك بالاقتصار على ما نزل به الوحي من غير تجهيل لمن يحاورك فعهم، فقد يكون مصيبا والقرآن لم يستوعب قصتهم، بل جاءَ ببعضها. ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: ولا تستفت في شأن أَهل الكهف أحدًا من الخائضين ولا ترجع إِليهم في قصتهم، ففيما أخبرناك به كفاية وغُنْية عن سؤالهم، فضلا عن أن ما يعرفون عنهم مشوب بالخطأِ. ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾: أي لأقرب وأظهر من نبأِ أصحاب الكهف من براهين نبوتك. التفسير ٢٢ - ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾: أَجمل الله فيما تقدم قصة أهل الكهف، وآخرها العثور عليهم وموتهم عقب التعرف عليهم، واعتزام من غلب على الأمر في أمَّتِهِم في ذلك الوقت أَن يبنى عليهم مسجدًا، وجاءت هذه الآية، لتبين أن بعض معاصرى النبي ﷺ من أهل الكتاب سيخوضون في قصتهم، وأنه تعالى نهاه عن أن يخوض معهم في أمرهم، وأن لا يزيد على ما أنزله الله إليه في شأنهم، وأن لا يستفتيهم في بيان أَمرهم أكثر بما نزل به الوحي، فليس بحاجة إلى ذلك، وليسوا هم على مستوى الفتوى في أَمر لا يعلمه إلا الله وقليل من عباده. والمعنى: سيقول الخائضون في شأنهم من أهل الكتاب: أهْلُ الكهف ثلاثةُ أَشخاص من الرجال رابعهم كلبهم، ويقول آخرون منهم: هم خمسة سادسهم كلبهم، سيقول هؤلاء وأولئك ما قالوه في عددهم، رميا بالخبر الغائب من غير سند لما قالوه، ويقول جماعة

стр. 2624

ثالثة منهم: أهلُ الكهف سبعة وثامنهم كلبهم، يقولون ذلك عن ثقة وطمأنينة نفس (١)، ولذلك لم يتبع الله عبارتهم بما أتبع به عبارة من سبقهم، من أَنهم يرجمون بالغيب، بل أشار إِلى علمهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: فهم من القليل الذين يعلمون عدتهم. قال ابن عباس: "حين وقعت الواو انقطعت العدة" أي لم يبق بعدها عدة لأحد يلتفت إليها، وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والبت. وقد نص عطاءٌ على أن هذا القليل من أهل الكتاب، وقيل من البشر، فقد صح عن ابن عباس أنه قال: "أَنا من أولئك القليل". وقيل إن المختلفين في عددهم هم نصارى نجران، تناظروا مع رسول الله ﷺ ، فقال الملكانية: هم ثلاثة رابعهم كلبهم، وقال اليعقوبية: هم خمسة سادسهم كلبهم، وقال النسطورية: هم سبعة وثامنهم كلبهم، وهذا القول في حكاية المختلفين مرْوِيٌّ عن ابن عباس ﵄ أما أسماؤهم، فقد خاض بعضهم في ذكرها، وعزوها إلى ابن عباس تارة، وإلى الأمامِ عَليّ تارة أخرى وكل منهما يخالف الآخر. ونحن نرى أن لا دليل على ما ذكر في الروايتين في أسمائهم، فإنها لم تصل إِلى - ابن عباس أو علي أَو غيرهما عن طريق معصوم، ولعل هذه الأسماء كانت تذكر على ألسنة أهل الكتاب، فتسربت إِلى المجتمع الإسلامي عنهم، فالكف عن التقيد بها أولى. ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: الخطاب للنبي ﷺ ولكل من يريد أَن يتحدث في أمرهم من أَهل العلم مع سواه ممن يخوض في شأنهم. والمعنى: إذا كنت قد عرفت أن من يخوض في عددهم، منهم المخطئُ ومنهم المصيب، فلا تجادلهم في شأن هؤلاء الفِتْية إلا جدالًا ظاهرًا لا عمق فيه، بأن تقتصر في أمرهم على ما نزل به الروح الأمين، من غير تجهيل للجاهل منهم ولا تفضيح لحاله، فإن ذلك يخل بمكارم

стр. 2625

الأخلاق التي جاء الإسلام ليتمها، ولا تستفت فيما لم يتعرض الوحي لبيانه من أحوال أهل الكهف -لا تستفت- أحدا من الخائضين فى شأنهم من أهل الكتاب، فلست بحاجة بعد ما أُوحي إليك إلى المزيد من التعريف بأحوالهم، فإن فيه العبرة للمعتبر، وليس مَنْ يُسْتَفْتَى في شأنهم من أهل الكتاب أهلا للفتوى لجهالتهم أو ضحالة ما عندهم من أَمرهم. ٢٣، ٢٤ - ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ … الخ﴾: لا يزال الكلام متصلًّا بشأن أَهل الكهف، فإن هذه الآية نزلت حين سألت قريش النبي ﷺ عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين، فقال ﷺ غَدًا أُخْبركم، فأبطأ عليه الوحي ثم نزل الوحى بعد الموعد، وقد نبَّه الله فيه نبيه ﷺ بهذه الآية أن لا يقول في أي شأن من الشئون سواءٌ كان فى أمر الشريعة أو سواها -أن لا يقول- إني فاعل ذلك غدًا إلا مرتبطًا بقوله إن شاء الله فإن أَمكنه أن يفعله غدًا فعله، وإِلا فقد وقع التخلف وفقًا لمشيئة الله الذي لا يقع فى ملكه إلا ما شاءه سبحانه، ونحن مكلفون بهذا التوجيه الإلهي لرسوله ﷺ ، فإنه أُسوتنا وإمامنا. والمعنى: ولا تقولن لأجل شيء تعزم على فعله: إني فاعل ذلك غدًا أو فيما يستقبل من الزمان إلا مُقْتَرِنًا بمشيئة الله، وذلك بقولك إِن شاء الله، لتخرج من العهدة بالتخلف عن الفعل فى الموعد المضروب، لعدم تحقق مشيئة الله به فيه، فإن حصل نسيان للمشيئة وقت الوعد بالفعل فليذكرها الإنسان عندما يتذكر، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾: أي واذكر مشيئة ربك إِذا تذكرت أنك نسيتها، تداركًا لما فاتك من ذكرها، سواءٌ قصر الفصل أم طال، وهذا ما جنح إليه ابن عباس، فقد أَخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس ﵄، أنه كان يرى الاستثناءَ ولو بعد سنة ويقرأُ الآية، والمراد من الاستثناء التعليق بالمشيئة، وهذا هو مذهب أَهل البيت ونقل في رواية أنه رأي للإمام أَحمد. وأَخرج ابن المنذر عن ابن جبير في رجل حلف ونسى الاستثناء -أي التعليق على المشيئة- فأفتى بأن له الاستثناء إلى شهر، ومذهب عطاء أن له الاستثناء بعد اليمين إلى مقدار حلب ناقة، أَما طاووس فإنه يرى ذلك ما دام في المجلس وجمهور الفقهاء يشترطون

стр. 2626

لصحة الاستثناء في اليمين بالتعليق على مشيئة الله أن يكون متصلًا بالمحلوف عليه، قالوا: ولو صح جواز الفصل وعدم تأثيره في الأحكام، لما تقرر طلاق ولا عِتاقٌ ولا صح إقرار، ولم يعلم صدق ولا كذب. وكان أبو حنيفة لا يوافق على رأى ابن عباس، ويرى أَن التعليق بالمشيئة يجب اتصاله بما ارتبط به، فعلم بذلك أبو جعفر المنصور، فبعث إلى أَبي حنيفة ليلومه على مخالقته لرأى ابن عباس، فقال أبو حنيفة: هذا يرجع إِليك أَنت، إنك تأخذ البيعة على الناس بالأيمان، أَفَتَرْضَى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا قائلين: إن شاء الله، فيخرجوا عليك؟ فاستحسن كلامه. والحق في هذه المسألة أن الآية ظاهرة في أمر تفويض العبد في أُموره التي عزم عليها إلى مشيئة الله، فِإن نسيها ثم ذكرها فليقلها مهما كان الفاصل من الزمان، أما الأحكام في نحو الطلاق والعتاق والبيع والشراء ونحوها، فالآية لا صلة لها بها، ومن ثمَّ فما قاله ابن عباس راجع إلى التفويض لا إلى الأحكام، وعلى هذا فإن التعليق بالمشيئة في الأحكام إنما يَرْفَعُها إذا اتصل بها، فإِن انفصل عنها فلا يرفعها، فمثلا، له قال لزوجته: أَنت طالق، وعقبه بقوله: إن شاء الله لم تطلق، فإن تأخر التعليق بالمشيئة على الطلاق وانفصل عنه، وقع الطلاق - ولا نظن ابن عباس يخفي عليه شيءٌ من ذلك - والله أعلم. ومعنى هذه الجملة بعد أَن اتضح المقام، واذكر ربك بالتعليق على مشيئته إنْ تَذكرتَها بعد أن نسيتها فيما عَزَمْتَ عليه من المقاصد، وقيل أَرجو أَن يوفقنى الله لشيء أقرب رشدا وَخَيْرًا من هذا الذي نسيت التعليق على مشيئة الله تعالى بشأنه. وعلى ارتباط هذا الجزء من الآية بسبب النزول يكون المعنى: وقيل أيها الرسول عسى أن يوفقني ربي لشيء أقرب من نبإ أصحاب الكهف إرشادًا للناس ودلالة على نبوتي. وإِلى هذا المعنى ذهب الزجاج، وقد حقق الله لرسوله هذا فقد آتاه الله من الآيات ما هو أعظم من ذلك وأَبين، كقصص الأنبياء في الأعصار والدهور البعيدة، والحوادث التي سوف تنزل في المستقبل إلى يوم الساعة، إلى غير ذلك بما يبدو نبأ أَهل الكهف بالنسبة إِليه أمْرًا هينًا ضئيلًا - مع عظمة وَرفْعَةِ ش

стр. 2627

﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦) وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾ المفردات: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: له سبحانه ما غاب فيهما خلقا وملكا وتصرفا وعلما. ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾: ما أعظم سمعه وبصره. ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾: ليس لهم من غيره تعالى من يتولى أمررهم. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: لا قدرة لأحد على تبديل كلماته سبحانه. ﴿مُلْتَحَدًا﴾: ملجأ تَلْجأ إِليه عند الملمات. التفسير ٢٥ - ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾: هذه الآية مبينة لما أجمل من مدة لبثهم في قوله تعالى -: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ وأخر هذا البيان عنها ليتخلل بينهما إجمال قصتهم، حتى تنتهي إلى أنهم تنازعوا واختلفوا في مدة لبثهم، واختلفوا في عددهم، فيأتي هذا البيان بعد الشوق إليه، ليعظم عجيب الناس من قدرة الله، ويشتد إيمانهم بقدرته على البعث، والمعنى: ولبث أصحاب الكهف مَضْروبًا على آذانهم فيه ثلاثمائة سنة وتسع سنين ازدادوا بها فوقها، ولم يقل ثلاثمائة وتسع سنين مع أَنه أَخصر (من ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا) لكي يشير بالثلاثمائة إلى مدة لبثهم بالسنين الشمسية التي عليها أَهل الكتاب، وبزيادة

стр. 2628

التسع عليها إلى ما عليه العرب من الحساب القمرى الذي يفرق تسع سنين زائدة عليها تقريبا، لأن السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يوما تقريبا، والقمرية ثلاثمائة وأَربعة وخمسون يوما تقريبا، وهذا الرأي منسوب إلى الإمام علي. وقيل: يجوز أَن أهل الكتاب اختلفوا في مدة لبثهم كما اختلفوا في عدتهم، فجاء قوله ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الخ رافعا للخلاف مبينًا للحق، ويكون ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ تقريرا للعدد، ودفعا للاحتمال، فكأنه قيل: وازدادوا تسعا فوق الثلثمائة، نظير الاستثناء في قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ وقيل إِنهم انتبهوا قليلًا بعد الثلاثمائة، ثم رُدُّوا إِلى النوم فبقوا نائمين تسع سنين زائدة على الثلاثمائة والرأي الأول في تفسير الآية أحرى بالقبول. ٢٦ - ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا … ﴾ الآية. أي قل يا محمد للناس: الله أَعلم بما لبثوا، فلذا حكى لكم أنهم لبثوا ثلاثمائة وازدادوا عليها تسع سنين، وفْقًا لما علمه الله من أَمرهم. ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ (١): أي للهِ تعالى علم جميع ما غاب في السموات والأرض وخفى من أحوالها وأحوال من فيهما، فضلا عن علمه بما ظهر فيهما، ما أَعظم بصره بالأشياء وسمعه لها وعلمه بها، فهو إذ ينبئك بمدة لبثهم، فما ينبئك إِلا بالحق ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾: الضمير في "لهم" يرجع إلى أهل الكهف. والمعنى: قل للناس أيضًا ليس لأهل الكهف من غيره من ولى تولى أَمر إنامتهم تلك المدة، وحفظهم فيها حتى يجعلهم أمارة على البعث، ولا يشرك في قضائه بشأنهم أحدا. ويصح أَن يرجع الضمير لأهل السماوات والأرض المدلول عليهم بذكرهما أي ما لأهل السماوات والأَرض من غير الله ولى يتولى أمورهم، وفي جملتهم أهل الكهف. ٢٧ - ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾:

стр. 2629

﴿وَاتْلُ﴾: يجوز أن يكون أمرا من التلاوة بمعنى القراءة، أو من التُّلُوّ بمعنى الاتباع. والمعنى على الأول: وَدَاوِمْ أيها الرَسول على تلاوة ما أوحى إليك من القرآن بشأن أصحاب الكهف وغيرهم - أوْ دُم على قراءته - لأصحابك وغيرهم، ليهتدى به الراشدون، فقد اشتمل على بيان الغيب الذي لا سبيل لك إلى معرفته، وتضمن من الآيات والمعجزات ما لا سبيل للبشر إِلى الإتيان بمثله، واتضح من أسلوبه الإلهي نداء الحق الذي تستجيب له القلوب والأرواح، لا يستطيع أَحد أن يبدل كلمات الله تعالى التي أنزلها عليك وتولى حفظها بنفسه، ولم يستحفظها سواه، ولن تجد من دونه ملجأ تلوذ به عند الملمات، فاعتمد عليه في تبليغ رسالة ربك ومعونته إياك بالنصر والتأييد. ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ المفردات: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾: الغداة أَول النهار والعشي آخره، وقد تطلق العشي على الوقت من غروب الشمس إلى العَتمةِ، والعتمة وقت صلاة العشاء، وتمتد لغة إلى ثلث الليل كما قال الخليل، والمراد من عبادتهم ربهم بالغداة والعشي أنهم يعبدونه دائمًا.

стр. 2630

(يُرِيدُونَ وَجْهَهُ): أَي يقصدون بعبادتهم ذات الله مخلصين دون رياء. (ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ): أي لا تجاوزهم عيناك إِلى غيرهم ولا تقتحمهم، يقال: عدا الأمر وعدا عنه، إِذا جاوزه وتركه. (فُرطاً): ضُيَاعًا. (سُرَادِقُهَا): السرادق معروف كالفسطاط: هو ما يحيط بالشيء، وهو هنا مستعمل فى لهب جهنم على سبيل المجاز بالاستعارة المصرحة. (كَالمُهْلِ): المهل ماءٌ غليظ كدردي الزيت -أي عكره-. (مُرْتَفَقًا): متَّكأً، والارتفاق في الأصل الاتكاءُ على مرفق اليد، يقال بات فلان مرتفقا، أَي متكئًا على مرفق يده. التفسير ٣٨ - ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾: فى الآية السابقة أمر الله رسوله ﷺ أن يعلن قرآن ربه ويتلوه على الناس مؤمنهم وكافرهم، وجاءت هذه الآية آمرة له أن يهتم بفقراء المؤمنين ويحرص عليهم، ويدع حرصه على إيمان وجهاء الكافرين، ولا يسمع ما اقترحوه في حق هؤُلَاء الفقراء، فإنهم غير جادين فيما زعموه من الرغبة في الإيمان. وسبب نزول هذه الآية: أن زعماءَ كفار قريش كأُمية بن خلف وغيره من صناديدهم: قالوا لرسول الله ﷺ : لو أَبعدت هؤُلاء الفقراء عن نفسك لجالسناك، فإن ريح جبابهم تؤْذينا فنزلت هذه الآية، وكانوا يقصدون إبعاد أهل الصفة من الفقراء المنقطعين للعبادة، والتلقي عن الرسول ﷺ ، كعمار وصهيب وابن مسعود وبلال، والآية على هذا مكية، وهو الذي رجحه أبو حيان، ويؤَيده ما أخرجه ابن مردويه من طريق جبير عن الضحاك عن ابن عباس، كما تؤَيده الآيات التي بعده وهو المناسب للسورة فهي مكية. وهذا يخالف ما أخرجه ابن مردويه وأَبو نعيم فى الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان عن سلمان قال: جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله ﷺ ، عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، فقالوا: (يا رسول الله: لو جلست في صدر المجلس، وتغيبت عن هؤُلاء وأرواح جبابهم -يعنون سلمان وأَبا ذر وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف، جالسناك -أو حدثناك- وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ يتهددهم بالنار) وعلى هذا تكون تلك الآيات مدنية في وسط السورة المكية، والظاهر الأول لما قدمناه
следующие страницы →