المفردات:
﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: لميلها عن وسط السماء. يقال "دلكت الشمس" أي مالت وانتقلت من وسط السماء إِلى ما يليه غَرْبًا. ﴿غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: شدة ظلمته، يقال غسق الليل غسقا ويحرك وغسقانا وأَغسق اشتدت ظلمته، ويطلق الغسق على ظلمة أول الليل. ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: قراءته والمراد بها صلاته. ﴿فَتَهَجَّدْ﴾: الهجود النوم، والتهجد التيقظ منه للصلاة.
﴿نَافِلَةً﴾: زائدة على الفريضة. ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾: إِدخال صدق، فهو مصدر ميمى من الرباعي، وكذلك ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾: أَي إِخراج صدق. ﴿سُلْطَانًا﴾: حجة لها سلطة على العقل بقولها.
التفسير
٧٨ - ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾:
لما ذكر سبحانه في الآيات السابقة محاولة المشركين صرفه ﷺ عن الدعوة وإِزعاجه بالفتن والأذى، أَتبعها هذه الآيات بأَمره فيها بإقامة الصلاة لما فيها من التثبيت والصبر والقوة الروحية على مجابهة فتن المشركين.
والمعنى: أقم الصلاة أَيها الرسول وسائر المؤمين عند ميل الشمس عن وسط السماء إلى أَن تشتد ظلمة الليل بعد غروبها، وهذا الوقت يشتمل على أربع صلوات هي الظهر.
والعصر والمغرب والعشاءُ.
والأَمر بإقامتها بين دلوك الشمس وغسق الليل يراد به إقامة كل صلاة منها في وقتها الذي عين لها بينهما، ببيان جبريل ﵇. كما أن كيفية كل صلاة منها بينها النبي ﷺ عن ربه، بتعليم جبريل ﵇، وإِنما فرضت في الأوقات المعينة لها لأن شأن الإِنسان فيها أن يكون متيقظًا وقد أفرد الله تعالى صلاة الفجر بأَمر خاص تضمنه قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ اهتماما بها لأنها تكون بعد نوم يفصلها عن الصلوات الأربع، وعبر عن صلاة الفجْر بالقرآن لأَنها يطلب فيها تطويل القراءَة أَكثر من غيرها، ولهذا تشهدها الملائكة كما سيأتي، وبذلك تكون الآية الكريمة قد أَشارت إِلى الصلوات الخمس.
стр. 2557
وقيل المراد بالصلاة في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ صلاة المغرب، ويكون معنى دلوك الشمس غروبها وغسق الليل ظلمته، باختفاء الشفق فيكون آخر وقت صلاتها أَداء.
﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار حينما يتعاقبون، والمراد بهم الكتبة، وقد روى الترمذي عن أَبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: "تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار حديث صحيح، وأَخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يَتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر" وقيل تشهده كثرة من المصلين عادة أو من حقه ذلك، أَو تشهده وتحضر فيه شواهد القدرة من تبدل الضياء بالظلمة، واليقظة بالنوم وهو أَخو الموت، وإظهار لفظ القرآن في مقام الإِضمار لمزيد الاهتمام به.
٧٩ - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ (١) … ﴾ الآية.
التهجد التيقظ بعد النوم، والمقصود بالتهجد هنا الصلاة ليلا بعد النوم، والضمير في قوله: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ يعود على القرآن، أَي فتهجد بالقرآن وصل مُتَلبسًا بقراءته بعد الفاتحة، وذلك بعد قيامك من النوم ليلًا، ويستدل بذلك على تطويل القراءة في التهجد ويجوز عود الضمير على الليل. والباءُ بمعنى في. أي: وبعض الليل وفتهجد فيه.
﴿نَافِلَةً لَكَ﴾: فريضة زائدة على المفروض على الأمة. خاصة بك فالخطاب فيه للنبي ﷺ ، وقيل كانت في الابتداءِ واجبة عليه وعلى الأمة ثم نسخ الوجوب وصار الأَمر فيها للندب، فهو إِذا تطوع بما ليس بواجب عليه، كان ذلك زيادة له في الدرجات. أَما غيره من الأمة فتطوعه لجبر نقص ولتدارك خلل يقع في الفرض أَو لتكفير ذنب يلم به أَو لزيادة ثواب. قال معناه مجاهد وغيره.
﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾: أَي وبعض الليل فتهجد فيه لتكون على رجاء أن يبلغك ربك إِلى كمالك الذي أنت أهل له في الدار الآخرة. فيقيمك في مقام محمود عند نفسك وعند الناسِ أجمعين. وذلك هو مقام الشفاعة العظمى في فصل
стр. 2558
القضاء، حيث لا أحد إلا وهو تحت لوائه ﷺ ، قال ابن عباس ﵄: "مقامًا يحمد فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق، تَسْأَل فتعطى، وتشفع فتشفع، ليس أَحد إِلا تحت لوائك". وقيل المقام المحمود هو إِعطاؤُه ﵇ مرتبة من العلم لم تعط لغيره من الخلق أَصلا، وعلى الجمله فالمقام المحمود ينتظم كل مقام بتضمن كرامة له ﷺ ويشير إِلى ذلك التنكير في قوله: ﴿مَقَامًا﴾ حيث يفيد التعميم والتفخيم.
٨٠ - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (١):
لما وعد الله رسوله المقام المحمود، أَمره أَن يتجه إليه بدعائه لينجز له وعده أَي قل مناديًا ربك: أَدخلنى فيما أَمرت به من الطاعات إِدخالا مرضيا، وأَخرجني عما نهيت عنه إخراجا نظيفا من المعاصي، وهيئ لي كل أسباب العزم والقوة لجهاد أعداء دينك، حتى أَنتصر عليهم بسلطانك وتأْييدك، حتى أَكون أهلا لما وعدتني من المقام المحمود، وقيل علمه جل شأنه أَن يدعوه بأَن يخرجه من دار المشركين دار الإِيذاء والغدر، وأَن يُدخله موطنا للطمأنينة والأمن فدعا ربه كما أَمره فأَخرجه من مكة وأَدخله المدينة، وروى هذا المعنى الترمذي عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ بمكة ثم أمر بالهجرة فنزلت. وقال الضحاك: هو خروجه من مكة مهاجرًا، ودخوله مكة يوم الفتح آمِنًا - وتقديم الإِدخال في الآية على الإِخراج مع أَن إخراجه من مكة أَسبق من إدخاله فيها بعد ذلك، لأن إِدخاله فيها هو الهدف المقصود، وقيل المعنى: أَدخلني في الأمر الذي أَكرمتني به من النبوة مدخل صدق وأَخرجنى منه مخرج صدق إذا أَمتنى، قاله مجاهد.
﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾:
أَي حجة ثابتة وبرهانا بينا يكون به النصر على من يخالفني، وكون السلطان مرادًا به ما ذكر، موافق لرأْى الشعبى وعكرمة. وذهب الحسن إِلى أَن المراد به إظهار دينه على الدين كله، بالتسلط على الكافرين بالسيف، وعلى المنافقين بإقامة الحد، وبعصمته من كل أذى يوجه إِليه وإِلى دين الله. وقد استجاب الله لدعاء رسوله، فأَظهر دينه على الأَديان كلها وعصمه من أَذى الناس وكيدهم، يشير إِلى ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى
стр. 2559
﴿وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١). وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢). وقد أشعر وصف "سلطانا" بقوله "نصيرا" وهي من صيغ المبالغة - أَشعر بأنه ﷺ يدعو بنصر حاسم.
٨١ - ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾:
أي وقيل جاءَ الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم برده، وهو الإِسلام المؤيَّد بمعجزة القرآن الكريم، الداعي إِلى الإيمان الصادق والعلم النافع، وذهب الباطل واضمحل فهلك الكفر والشرك، وما زينه الشيطان من شرور وآثام.
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾: وعد من الله جل شأنه بنصر الحق على الباطل أَي أن الباطل شأنه عند الله أن يكون مضمحلا ولا بقاء له مهما طال به الأمد، وامتد به الزمن، وتعدد المستمسكون به، وفي بيان ذلك يقول سبحانه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (٣) ويروى البخاري والترمذي عن ابن مسعود قال: دخل النبي ﷺ مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلثمائة وستون نصبا - فجعل النبي ﷺ يطعنها بمخصرة في يده، وربما قال: بعود، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ جاء الحق وما يبدئُ الباطل وما يعيد، هذا لفظ رواية الترمذي، قال القشيرى: فما بقى منها صنم إلا خر لوجهه، ثم أَمر بها فكسرت.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾
المفردات:
﴿خَسَارًا﴾: الخسار، الهلاك والضلال.
стр. 2560
التفسير
٨٢ - ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ … ﴾:
أي شفاءٌ لما في الصدور من شك ونفاق، وزيغ وشرك، وذلك بتخليصها من مرض الجهل، وداء العناد، وشهوة الإعراض حتى تستبين الأمور الدالة على الله تعالى، فالقرآن في تقويم النفوس، وتنقية القلوب كالدواء الشافى للمرضى، وهو جميعه كذلك. ويرى بعض العلماء أَنه يستشفي به من الأمراض الظاهرة، استنادا إلى حديث صحيح في ذلك، قال القرطبي: روى الأئمة واللفظ للدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال: (بعثنا رسول الله ﷺ في سرية ثلاثين راكبًا، قال فنزلنا على قوم من العرب، فسألناهم أن يضيِّفونا فأبوا - قال: فلدغ سيد الحي، فأتونا فقالوا: فيكم أحد يرقى من العقرب؟ إن الملك يموت. قال.: قلت أنا - نعم، ولكن لا أَفعل حتى تعطونا، فقالوا: فإنا نعطيكم ثلاثين شاة. قال: فقرأت عليه "الحمد لله رب العالمين" سبع مرات فبرأ، فبعث إلينا بالنُّزل (١)، وبعث إلينا بالشاء (٢)، إلى آخر الحديث.
﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: هو رحمة لهم، ففيه بواعث الإيمان والحكمة، والرغبة في كل فضيلة ومكرمة، فتعمهم بالعمل به الرحمة التي تشمل تفريج الكروب. وتكفير الذنوب ومضاعفة الأجور.
﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾: أي ضلالا وهلاكا لتكذيبهم المتتابع، وكفرهم المتكرر بكل آية يوحى بها، وإسناد الزيادة المذكورة إلى القرآن، باعتبار كونه سببها حيث تمادوا في كفرهم به وتكذيبهم له كلما أُنزل، وفي ذلك يقول الله تعالى في سورة فصلت: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ (٣).
стр. 2561
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾
المفردات:
نأى الشيء بعد، ونأيته ونأيت عنه: بعدت.
﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾: تكبر وتباعد. ﴿يَئُوسًا﴾: شديد اليأس. ﴿عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾: على طريقته ومذهبه.
التفسير.
٨٣ - ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾:
يخبر الله بهذه الآية عن نقص الإنسان من حيث طبيعته في حالتي الرخاء والشدة، فإذا أنعم عليه بمال وصحة، وفتح ونصر، ونال كل مآربه أو بعضها، أعرض عن طاعة خالقه، وبعد عن عبادته، وإذا مسه شر، أو نزلت به كارثة، بالغ في اليأس من رحمة الله - وتمادى في الجزع، فالآية نزلت تذكر منهجًا عامًّا سلكه جنس الإنسان عند ممارسته لشئون الحياة، وقيل نزلت في الوليد بن المغيرة.
والمعنى: وإذا أنعم الله على الإنسان بالصحة وبسط له كل أَسباب النعمة والقوة لم يذكر فضل الله عليه كأنه ومستغن عنه، وبدل أن يقوم بشكره، ويذل لسلطانه، تكبر وتباعد، وطوى عن الطاعة عنقه وأعطاها عرض وجهه وبعد بجانبه وولاها ظهره، وتلك الآية تبرز مبالغته في الإعراض والبعد عن ربه غرورًا واستكبارًا، مصورة بصورة الأمور المحسوسة تقبيحا له وتقريعًا على ما اقترف من إثم عظيم.
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾: أَي إذا نزل به شر من مرض أَو فقر أَو كارثة من الكوارث التي تلم به، كان شديد اليأس والقنوط، من فرج الله الذي وعده عباده المؤمنين، وذلك لأنه لم يقبل عليه في الرخاء، حتى يرجوه في الشدة، ولو أَنه صبر لظفر، فقد جاء في حديث ابن عباس: "وَاعْلَمْ أنَّ النَّصرَ مَعَ الصَّبْر، وَأن الفَرجَ معَ الكرْبِ، وأَن مع العسر يسرًا".
стр. 2562
٨٤ - ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾:
تهديد للمشركين ووعيد لهم، وطمأنة للمؤمنين وحفز لهم، أي أن كل واحد منكم سواء أكان مؤْمنا أَم كافرا، مقبلا أم معرضًا، راجيًا أم قانطا. يعمل على طريقته ومذهبه وأخلاقه التي ألفها في الهدى والضلال. وسيُجْزَى كل عمله لا تخفى منه خافية.
﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾: أَي فربكم الذي خلقكم أعلم بمن هو أبين منهاجا، وأرشد طريقا وهو المؤْمن المهتدى فيثيبه ويجزل عطاءه، كما هو أعلم بمن يمشي مكبا على وجهه شديد العناد في سلوكه، فلا يمنحه توفيقه، ولا يزيده إلا خسارًا ونكالًا.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾
المفردات:
﴿الرُّوحُ﴾: يطلق على ما به حياة الأنفس يُذَكَّر ويؤنث، ويطلق أيضًا على القرآن وعلى الوحي وجبريل، - كما يطلق على غير ذلك، وسيأتي بيان المراد منه في الآية.
﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾: من شأنه الذي اخْتَصَّ به .
التفسير
٨٥ - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾:
نزلت هذه الآية الكريمة حينما سألت قريش الرسول عن الروح بإيعاز من اليهود فقد أخرج أحمد والنسائي والترمذي وابن حبان وجماعة من ابن عباس قال: قالت قريش لليهود اعطونا شيئًا نسأل هذا الرجل، فقالوا سلوه عن الروح فنزلت. وقيل بعثت النضر ابن الحارث، وعقبة بن أَبي معيط إلى أحبار يهود المدينة فقالوا: سلوه عن أَصحاب الكهف وعن ذى القرنين وعن الروح، فإن أجاب عنها أو سكت، فليس بنبي، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي. فجاءُوا وسألوه فبين لهم ﷺ القصّتين وأبهم أمر الروح، وهو مبهم في التوراة؛ لأنه مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع
стр. 2563
عليه ملكًا ولا نبيًّا مرسلا فكان ذلك سببًا لنزولها، وكان السؤال عن حقيقة الروح ومسلكه في بدن الإنسان، وامتزاجه بالجسم واتصال الحياة به وهذا شيءٌ لا يعلمه إلا الله، وذلك ليعرف الإِنسان على القطع عجزه عن فهم حقيقة نفسه ومصدر حياته مع علمه بوجودها. وفى هذا دلالة ناطقة على أنه وقد عجز عن إِدراك حقيقة نفسه فهو عن إدراك كنه خالقه أَعجز، لأنه اللطيف الذى لا يعلم ذاته سواه.
وقيل في معنى الروح أَقوال منها: أنها صورة كالبدن تسري فيه سريان الماء فى العود الأخضر، وقيل غير ذلك، والصحيح أنها شيءٌ لا يعلمه إلا الله لقوله تعالى آمرا نبيه بإجابتهم: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾:
وكان المقام للإضمار فيقال قل هو من أَمر ربي، ولكن الإظهار لكمال العناية بالمسئول عنه. أَي قل إن الروح من الأسرار الخفية التي تعجز عن إدراكها عقول البشر وتكل عن معرفتها أفهامهم، فهي من الأمور التي استأثر الله بعلمها، والإضافة إِلى ضميره ﷺ فى (ربي) للتشريف والتعظيم.
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾: اختلف فيمن خوطب بهذا، فقيل: السائلون فقط، وقيل: اليهود بجملتهم، وقيل: العالم كله وهو الصحيح فقد أَخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار قال نزلت هذه الآية بمكة فلما هاجر ﷺ إلى المدينة أتاه أحبار يهود فقالوا يا محمد ألم يبلغنا عنك أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أفعنيتنا أم قومك؟ قال كُلًّا عنيتُ - قالوا فإنك تتلو أنا أُوتينا التوراة وفيها بيان كل شيء. فقال رسول الله ﷺ هي في علم الله قليل، وقد آتاكم ما إِن عملتم به استقمتم، وأَنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
ولا شك أَن القِلة والكثرة من الأُمور الإضافية، فالشيءُ يكون قليلا بالنسبة إِلى ما فوقه وكثيرا بالنسبة إلى ما تحته، فما في التوراة قليل بالنسبة إلى ما في علم الله حيث إن علمه
стр. 2564
سبحانه يتعلق بكل شيء في ملكوته من الخلق والتكوين والحياة والموت والسماوات والأرض، والثواب والعقاب.
﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)﴾
المفردات:
﴿لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: أي لَنُزيِلنَّه، يقال ذهب به أزاله كأذهبه.
التفسير
٨٦ - ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾:
أي ولو أردنا أن نذهب بالقرآن الذي أوحيناه إِليك وثبتناك عليه حينما حاولوا فتنتك لو أردنا ذلك لذهبنا، ثم لا تجد لك بالقرآن وكيلا يلتزم باسترداده منا، كما يلزم الوكيل باسترداد ما ذهب منه ووُكِّل فيه، ولكن الله تفضل بإبقائه في صدرك وصدور المؤمنين ومصاحفهم رحمة بعباده، وفي ذلك يقول الله:
٨٧ - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾:
أي ولَكِن رحمة من ربك تركه غير مذهوب به، فيكون ذلك امتنانًا بإبقائه بعد الامتنان بإنزاله، وترغيبا في المحافظة على أداء حقوقه؛ لأنه أَجل النعم وأعظمها ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾: إذ اصطفاك على سائر الخلق واختصك بالمقام المحمود.
وجعلك خاتم الأنبياء والمرسلين، وأَنزل عليك كتابًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتكفل ببقائه وحفظه، وينصرك على أَعدائك بما أمدك به من رعاية وتوفيق.
стр. 2565
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾
المفردات:
﴿ظَهِيرًا﴾: معينا ونصيرا. ﴿صَرَّفْنَا﴾: رددنا وكررنا.
﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: أَي ما قبل أكثرهم إلا الجحود والإعراض.
التفسير
٨٨ - ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾:
نزلت هذه الآية حين قال الكفار: ولو شئنا لقلنا مثل هذا أي قل للذين لا يعرفون قدر القرآن العظيم. وشأنه الجليل فزعموا أنه من كلام البشر وأن في مقدورهم الإتيان بكلام مماثل له، قل لهم لو اتفقت كلمة الإنس منهم والجن، وتضافرت همههم وأقبلوا بكل عقولهم وأَفكارهم على تحقيق رغبتهم في الإتيان بمثله في سمو الأسلوب، ودقة التنسيق، وكمال المعنى وقوة التشريع، والإخبار بالغيبيات وغير ذلك، لو اجتمعت على ذلك لعجزوا عن الإتيان بمثله، لا بِعِيٍّ فيهم فهم أهل لسن وبلاغة، وإنما الإعجاز فيه في لفظه ومعناه وتشريعه وتأثيره النفسي جعله فوق مستوى الجن والإنس.
﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾:
أَي لا يأتون بمثله على أَي حال مفروضة، بمعنى أنهم سيبوءُون بالإخفاق على الانفراد، أَو على الاجتماع متعاونين، وفي ذلك حسم وقطع لأطماعهم الضالة التي أملت عليهم، وزينت لهم الإتيان بمثله، وتأكيد لعجزهم عنه على أَي حال من الأحوال.
стр. 2566
٨٩ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾:
أي كررنا ورددنا للناس في هذا التنزيل من كل معنى بديع غاية الحسن يستجلب النفوس ويستميلها كما تستميلها الأَمثال السائرة، أو ذكرنا في القرآن طرقا متنوعة توجب زيادة وضوح في البيان ندعهما بالحجج الواضحة والبراهين القاطعة التي تبعث في النفوس الثقة والاطمئنان، أَو وجهنا للناس القول فيه من كل مَثَلٍ رائع في الحكمة الإلهية والترغيب والترهيب والأوامر والنواهي وقصص الأولين والجنة والنار وشئون القيامة وغير ذلك من العبر.
﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: والمراد بأكثر الناس الناس من كان في عهده ﷺ من المشركين وأهل الكتاب واستظهر في البحر أَنهم أهل مكة بدليل أَن الضمائر الآتية لهم، أَي ما رضي أكثرهم إلا الكفر والجحود للحق، وأَنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبة الإِباء.
وأوثر إِظهار لفظ الناس مع أَن المقام للإضمار لزيادة التأكيد والتوضيح.
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾
стр. 2567
المفردات:
﴿تَفْجُرَ﴾: تشق وتفتح. ﴿يَنْبُوعًا﴾: الينبوع العين الكثيرة الماء. ﴿فَتُفَجِّرَ﴾: بالتشديد للتكثير. ﴿كِسَفًا﴾: أي قطعا جميع كسفة كقطعة. ﴿قَبِيلًا﴾: مقابلة ومعاينة، أو كفيلا بما تدعيه. شاهدا بصحته. ﴿مِنْ زُخْرُفٍ﴾: الزخرف الذهب والزينة.
﴿تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾: تصعد في معارجها.
التفسير
٩٠ - ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾:
بعد أن تبينت حجج القرآن لقريش وظهر عجزهم عن محاكاته، وهم أهل اللغة والفصاحة، اجتمع رؤساؤهم وذوو الشرف فيهم، دعوا النبي ﷺ إلى الاجتماع بهم فقالوا له: إِن كنت تريد مالا جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد الشرف فنحن نسودك علينا، وإِن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان الذي يأتيك رَئِيًّا (أَي تابعا من الجن) بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أَو نُعْذَر فيك، فلم يجبهم إلى ما طلبوه، وانصرف إلى أَهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع فيه من إيمانهم، ولما رأَى من مباعدتهم إياه، كان ذلك سببا في نزول الآيات التي تحكى تعنتهم بما اقترحوه من الأمور الستة التي طلبوها منه، متعللين بما لا يمكن وقوعه عادة وما يستبعد عقلا.
وما قصدوا بما اقترحوا إلا العناد واللجاج، إلا فقد كانت تكفيهم معجزة القرآن التي تخر لها صُمّ الجبال.
والمعني: أَنهم قالوا لن نصدق بما جئت به حتى تشق لك بأرض مكة عينا لا ينقطع ماؤُها الكثير عن الجريان والاندفاع.
٩١ - ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾:
أي بستان تستُر أشجارُه العالية وأغصانه المتشابكة ما تحتها من فضاءٍ، وإِنما خصوا النخيل والعنب لأنهما النوعان المعروفان بأرض مكة.
стр. 2568
﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾: فتجرى الأنهار وسط تلك الجنة جريانا قويا دائما للانتفاع بها في ري تلك الجنة وغيرها.
٩٢ - ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾.
أَو تسقط السماءَ علينا قطعا متناثرة كما أَوعدتنا في قولك ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ (١) فعجّل لنا ذلك وأسقطها.
﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾: أو أَن تأتي بالله مقابلا وبالملائكة كذلك بحيث نعاينهم ونراهم، وعلى أن القبيل بمعنى الكفيل يكون المعنى: أَو تأتي باللهِ كفيلا وبالملائكة كفلاء. بما تدعيه، يشهدون بصحة ما قلته ويضمنونك فيما يترتب عليه.
٩٣ - ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾:
من ذهب لأننا لا ننقاد لك ولا نؤْمن بك مع فقرك الذي نراه.
﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾: أي تصعد في معارجها. ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾: أَي لن يقع إِيمان منا بك من أجل رقيك في السماء فحسب، أو لن نصدق أنك رقيتها حتى تصحب معك كتابا منزلا من الله بلغتنا وفيه تصديقك منه سبحانه، ويكون موجها إلى كل رجل منا، كما حكاه الله بقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ (٢).
وبلغ من عنادهم الحاقد وتعنتهم البالغ إن طلبوا منه شهودًا من الملائكة على صحة ما ينزل عليهم من السماء، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال عبد الله بن أبي أمية لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه "أَنا أَنظر إِليك حتى تأتيها وتأتي معك بصك منشور معه أربعة ملائكة يشهدون أَنك كما تقول.
﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾: أَي قل لهم يا محمد متعجبا من فرط حماقتهم، وتنزها لله ، سبحان ربي أن يتقدم أحد بين يدي جلاله في أمر من أمور سلطانه وملكوته، مما لا يليق من مثل هذه الاقتراحات التي تضمنت أَعظم الجرأَة على الله رب
стр. 2569
العالمين، فلا يحق لأحد أن يطلبها لأنه الفعال لما يشاء، فإن شاء أَجابكم إلى ما سألتم، وإِنْ شاء لم يجبكم إِليه، أَو قل لهم: تنزيها لله ربي أن أطلب منه تحقيق ما طلبتموه فما أنا أَيها القوم إِلا رسول أَتبع ما يوحى إِلى، وأبلغكم رسالات ربي، ولم تكن الرسل من قبلي يأتون أممهم بما يريدونه من الآيات، وكانوا يقتصرون على ما آتاهم الله من آياته الدالةِ على صحةِ نبوّتهم، فسبيلى سبيلهم.
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾
المفردات:
﴿النَّاسَ﴾: أَي الذين حكيت أباطيلهم. ﴿مُطْمَئِنِّينَ﴾: مقيمين فيها كالبشر.
﴿خَبِيرًا﴾: يقال خبرت الشيء أخبره من باب نصر، خُبرًا بضم الخاء وسكون الباء.
علمته فأنابه خبير، والمراد منه وصفه تعالى بأنه محيط ببواطن الأمور ودقائقها.
﴿بَصِيرًا﴾: أَي عليما: يقال بصرت بالشيء بضم الصاد والكسر لغة بصرًا بفتحتين علمت، فأنا بصير به، والمراد به أَنه تعالى عليم بالأمور علم إِحاطة وشمول.
التفسير
٩٤ - ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾:
стр. 2570
أَي ما منع أكثر الناس الذين حكيت أباطيلهم في الآيات السابقة، أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوتك وقت مجئ الوحي إِلا قولهم على سبيل الإنكار: أَيحق أن يكون رسول الله من جنس البشر؟ وقصدهم نفى رسالة محمد ﷺ لأنه بشر، والرسالة في اعتقادهم إِنما تكون للملك لا للبشر، وقد أمر الله رسوله أَن يجيبهم بقوله:
٩٥ - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾:
أَي قل لهم أيها النبي منبها إلى رحمة الله بعباده، وفضله عليهم: لو وجد في الأرض ملائكة يسكنونها ويمشون فيها كما تمشي البشر ولا يعرجون في السماء ليعلموا ما يجب عليهم علمه، لبعث إِليهم ملكا منهم وعلى شاكلتهم، ليتفقهوا عنه ويعلموا منه ما لا تستقل قدرتهم بعلمه، حيث يتسنى لهم مخاطبته ومكالمته؛ لأن الجنس إلى الجنس أَميل، وبه آنس، أَما سكان الأرض من البشر، فهم بمعزل عن إمكان التلقى عن الملائكة، فبعث الملَك إليهم مناف للحكمة المقتضية لوجوب التجانس بين الرسول ومن يرسل إليهم، أما إرسال الملَك بوحى إلى الرسل من البشر كمحمد وعيسى وموسى ﵈. فلأن الله أعطاهم من القوى الروحية العليا ما يجعلهم أهلا لتلقي الوحى عن الملك حيث جعل لهم جهتين؛ جهة ملكية بها من الملك يستفيضون، وجهة بشرية: بها على البشر يفيضون، وجعل كل البشر كذلك مخل بالحكمة.
وكان الملك يظهر للرسول على وجه يسهل معه التلقي عنه، كما ظهر جبريل ﵇ للرسول في صورة دحية الكلبي، وقد صح أن أعرابيا جاء وعليه أَثر السفر إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وغيرهما، فأجابه ﵊ بما أَجابه ثم انصرف ولم يعرفه أحد من الصحابة رضي الله
стр. 2571
عنهم. فقال ﷺ هذا جبريل جاء يعلمكم أمر دينكم، والحديث في البخاري والنسائي وغيرهما.
٩٦ - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾:
يروى أَن كفار قريش حين سمعوا قوله سبحانه: ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ قالوا: فمن يشهد لك أَنك رسول الله؟ فنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ … ﴾ الآية.
والمعنى قل كفى باللهِ شهيدا على أني رسول أديت واجب الرسالة إليكم على أكمل وجه، وعلى أنكم بالغتم في التكذيب والعناد، فهو شاهد لي وعليكم، عالم بما كان مني ومنكم.
﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾: هذا تعليل لكفاية شهادة الله مع الإِيذان بطمأَنة الرسول، وتهديد الكفار، أَي أنه سبحانه محيط بأَحوال وأعمال عباده جميعا: الرسل والمرسل إِليهم، عليم بظواهرهم وبواطنهم لا تخفى عليه منهم خافية، يهدى من أقبل عليه، ويتخلى عمن تولى عنه، ولهذا قال سبحانه:
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)﴾
المفردات:
﴿عُمْيًا﴾: جمع أَعمى وهو الذي لا يبصر.
﴿بُكْمًا﴾: جمع أبكم وهو الذي لا ينطق.
стр. 2572
﴿وَصُمًّا﴾: جمع أَصم وهو الذي لا يسمع.
﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾: كلما سكن لهيبها وصار عليها غشاءٌ وطبقة من رماد.
﴿رُفَاتًا﴾: هو في الأصل كما قال الراغب ما تفرق من التبن ويطلق على الحطام، والمراد هنا بَالِينَ متناثرين.
التفسير
٩٧ - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾:
هذا كلام مبتدأ يفصل به سبحانه ما أشار إليه قوله ﴿إنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ أَي ومن يوفقه الله للهداية بحسن استعداده وقبوله للحق، فهو المهتدى إلى الحق، وإِلى كل ما يؤدى إِلى الثواب وحسن الجزاء، أو المهتدى إِلى كل مطلوب يستقيم به دينه، ويتحقق به هداه، ومن يضلِلْه: أَي يتخلى عنه فلا يوفقه للهداية لسوء اختياره، وقبح استعداده، وفساد طبعه، كهؤلاء المعاندين، فلن تجد لهم أَنصارا من دون الله يهدونهم إلى طريق النجاة من عذاب استحقوه بإمعانهم في الضلال والعناد، أو يهدونهم إلى الحق والسعادة في الدارين. وأوثر لفظ الإفراد في قوله ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ ولفظ الجمع في قوله ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ رعاية للفظ ﴿مَنْ﴾ في الأول ولمعناها في الثاني. تلويحا بوحدة طريق الحق وقلة أَتباعه، وتعدد سبل الضلال، وكثرة الضالين.
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾: أي أنهم بعد الحساب يوم الحشر يساقون إِلى جهنم على وجودهم، مدفوعين إليها دفعا سريعا لا يلوون على شيءٍ أَخذا من قول العرب، قدم القوم على وجوههم إِذا أَسرعوا أو أنهم يسحبون إليها على وجوههم كما يفعل في الدنيا مع من يبالغ في امتهانه وتعذيبه أو أنهم يمشون على وجوههم ليدخلوها، ويشهد لذلك ما أَخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس قال: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: "الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أَن يمشيهم على وجوههم" وحين يحشرون يكونون عميا لا يبصرون شيئًا تقر به أَعينهم، وبكمًا لا ينطقون
стр. 2573
ما يقبل منهم، وصُمًّا لا يسمعون ما تطمئن به أسماعهم. قال ابن عباس والحسن: عمْي عما يسبرهم بكمٌ عن التكلم بحجة، صمٌّ عما ينفعهم. وعلى هذا فحواسهم باقية على ما هي عليه ويكون ذلك على المجاز، وقيل إِنهم يحشرون عميا بكما صما على سبيل الحقيقة تحقيرا لهم وامتهانا، ثم تعاد إليهم تلك الحواس عندما يحشرون إلى النار ليبصروا لظاها ولهيبها القوى وأَهوالها البالغة. كما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ (١). وليتكلموا بما يزيدهم أَلمًا وحسرة قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ (٢). وليسمعوا ما يذيب نفوسهم فزعا وهلعا وقلوبهم خوفا ورهبة قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (٣). وقيل يحصل لهم العمى والبكم والصمم بعد دخول النار لشدة سوادها، وقسوة أَهوالها.
﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾: أي أن جهنم مستقرهم ومقامهم، يصلون العذاب فيها الدائم، وحتى يبقى شديدا أليما فإنه كلما خبت زادها الله سعيرًا ونارًا تلظَّى.
٩٨ - ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾:
أَى ذلك العذاب الشديد جزاءُ كفرهم في الدنيا بآياتنا القرآنية والكونية الدَّالة على البعث، دلالة بيِّنة لا لبس فيها ولا إبهام، أَو الدالة على صحة ما أَرسلناك به مطلقا، فيشمل ما ذكر من الدلالة على البعث الذى أنكروه أَشد الإِنكار، واستبعدوا وقوعه حيث قالوا: أَبعد أَن أَصبحنا ترابا أَو أجزاءً متفتتة تفرقت وتناثرت، أَبعد ذلك نبعث خلقا جديدا أَي بعثا جديدًا، تتلاقى فيه منا الأجزاءُ وتستقيم القامات. أَو المعنى أَنبعث مخلوقين على سبيل الإيجاد والتكوين مرة أُخرى؟ وقد رد الله على إِنكارهم الإعادة بعد الفناء بما يأتي من الآيات، فقال تعالى:
стр. 2574
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾
المفردات:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: الرؤْية هنا علمية، والهمزة لنفي عدم علمهم وتحقيق أَنهم يعلمون، والوار عاطفة على فعل مقدر، والتقدير: أغَفلوا ولم يعلموا؟ وحاصل معنى الجملة أنهم قد علموا …
﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾: المراد؛ خزائن رزق ربي ونعمه التي يفيضها على الموجودات كافَّة.
﴿قَتُورًا﴾: أي مُبالغًا في التقتير والبخل، يقال: قتر يقْتِرُ واقتر وقتَّر: إذا ضيّق النفقة وقللها.
التفسير
٩٩ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ … ﴾ الآية.
دأب المشركون على إنكار البعث مع وضوح أَدلته التي لا يُمارِى فيها إلا عنيد مكابر، ينكر الشمس وهي ساطعة؛ فنبههم الله ﵎ في هذه الآية، على قدرته العظيمة التي غفلوا عنها ولم يتفكروا في آثارها!
стр. 2575
والمعنى؛ قد علموا أن من قدر على خلق السماوات والأرض من عدم، وعلى غير مثال سبق فهو قادر على أن يبعثهم ويعيد خلقهم، كما بدأَهم أول مرة، بل الإعادة أهون عليه كما قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١).
﴿وجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾:
أي وجعل سبحانه لبعثهم وإعادتهم، ميقاتًا محدودًا عنده لا يعلمه إِلا هو، وهو ميقات محتَّم مَجِيئُه، لا ينبغي لأحد الشكُّ فيه، فضلا عن إنكاره، وهو يوم القيامة، لكن المشركين الذين ظلموا أنفسهم، وكفروا بآيات ربهم، وجحدوا قدرته وحكمته - لكن هؤُلاه المشركين الظالمين، أصروا على إِنكار البعث مع قيام الحجة عليهم، جحودا وعنادًا، كما قال سبحانه:
﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾:
أي: فلم يرض هؤُلاء الكفرة الظالمون، إلا مُضيًّا في كفرهم وجحودهم، بعد أَن دمغتهم الحجة فأزهقت باطلهم.
ولما بينت هذه الآية أن المشركين أفرطوا في العناد والكفر، جاءت الآية التي تليها، لتبين أن هَؤُلاءَ المشركين، أَفرطوا في الشح والبخل كذلك، فقال عز من قائل:
١٠٠ - ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ … ﴾ الآية.
أَي قل يا محمد لهؤُلاء المشركين: لو أنكم تملكون التصرف في خزائن رزق الله لأمسكتم عن الإنفاقِ منها ولَبَخِلْتُمْ بها فلم تُعطوا أَحدًا شيئًا مخافة نفادها، مع أَنها لا تنفَد ولا تفرغ أبدًا؛ ولكن الإمساك والبخل مركوزان في طباع الإنسان إلا من وفقه الله وعصمه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ (٢).
стр. 2576
ولما كان البخل والشح في طبيعة الإنسان وجِبِلَّتِهِ، قال سبحانه:
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾: أَي شديد البخل والحرص.
وقد بلغت هذه الآية الكريمة من وصف الإنسان بالشح الغاية القصوى حيث أفادت أَنه لو استولى على خزائن رحمة ربه التي لا تحدّ ولا تنفَد، وانفرد بملكها دون مزاحم له - لأمسكها لشدة حرصه وبخله على عباد الله.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾
المفردات:
﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: أَي أدلةً واضحات، والمراد بها: المعجزات التسع الآتية.
﴿مَسْحُورًا﴾: أي مختل العقل من أَثر ما سُحِرتَ.
﴿بَصَائِرَ﴾: جمع بصيرة، وهي الحجة التي تُبَصِّر بالحق وتهدى إِليه.
﴿مَثْبُورًا﴾: مُهْلَكًا، من ثيَر الله الكافر إذا اهلكه؛ أَو مصروفا عن الخير، مطبوعًا على الشر، من قولهم: ما ثَبرَكَ عن هذا؟ أي ما صرفك عنه ومنعك؟.
стр. 2577
﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾: أي فأراد أَن يزعجهم ليخرجهم من الأَرض.
﴿لَفِيفًا﴾: أي جميعا. وأَصل اللفيف: الجماعة من قبائل شتَّى.
التفسير
١٠١ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ … ﴾ الآية.
لما حكى الله ﵎ في الآيات السابقة ما حكى، من تعنت المشركين وعنادهم لرسول الله ﷺ سلَّاه سبحانه في هذه الآية وما بعدها، بما جرى لكليمه موسى ﵇ مع فرعون، وما صنع سبحانه بفرعون وقومه.
والمعنى: ولقد أيَّدْنَا موسى بتسع آيات من المعجزات الساطعة، والحجج القاطعة، على نبوته وصدقه فيما أَخبر به عن ربه، أرسلناه بهذه الآيات التسع إلى فرعون وقومه وهي - في أرجح الأقوال وأولاها بالقبول -:
(١) عصاه التي كان يلقيها فإذا هي حَيةٌ تسعى.
(٢) ويده التي يدخلها في جيبه، ليخرجها بيضاءَ من غير سوء. والجَيْبُ: هو الفتحة التي في أعلى الثوب، تحت الذقن.
(٣) والسنون، والمراد بها: سنوات القحط والجدب، بسبب انقطاع الأَمطار وانخفاض ماء النيل، يقال مسَتْهُمْ سَنَةٌ، وأسْنَتُوا: إذا قحطوا وأَجدبوا.
(٤) ونقص الثمرات، بسبب كثرة العاهات والآفات.
(٥) والطوفان، بسبب المطر الغزير الذي غشَّى منازلهم ومزارعهم.
(٦) والجراد الذي قضى على الزروع والثمار.
(٧) والقُمَّل، وهو نوع من القُرادِ، كان يخالط طعامهم وملابسهم وأَجسامهم وقيل هو القمل المعروف.
(٨) والضفادع التي ملأت بيوتهم وطعامهم.
(٩) والدم الذي حل محل الماء؛ أَو هو الرُّعاف الذي أصابهم.
стр. 2578
وقد تقدمت هذه الآيات كلها في سورة الأعراف مفصلة (١) فارجع إلى تفسيرها هناك.
قال الحافظ ابن كثير وغيره من أَئمة التفسير: هذه الآيات التسع هي المرادة هُنَا، وهي التي شاهدها فرعون وقومه من أَهل مصر، فكانت حجة عليهم، فخالفوها وعاندوها كفرًا وجحودا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢).
وهي غير الآيات التي أرسل بها ﵇ إلى بني إسرائيل؛ من تظليلهم بالغمام، وإِنزال المنّ والسلوى عليهم، إِلى غير ذلك مما أرسل به بعد مفارقتهم بلاد مصر، مما لم يشاهده فرعون وقومه.
والخطاب في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾: لمن يريد أَن يتحقق من صدق ما جاء به القرآن عن الآيات التي أَيد الله بها موسى حين أَرسله إِلى فرعون وقومه، أَي فاسأل بني إِسرائيل إِذ جاءَهم بها، فهم يعرفون مطابقتها لما جاءَ عنها في القرآن فإنه مصدق لما بين يديه من التوراة.
وقيل في معنى الآية: سلهم يا محمد إِذ جاءَهم موسى بهذه الآيات، سؤال تقرير ليعرف اليهود صحةَ ما يقوله محمد اهـ. والظاهر الأول.
ويجوز أَن يكون خطابًا لموسى ﵇ على تقدير القول، أي: آتينا موسى هذه الآيات التسع فقلنا له: اسأل بني إسرآئيل، أَي اطلبهم يا موسى من فرعون، كقوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٣).
وهناك أَوجه أخرى ذكرها الآلوسي في تفسيره. ثم هنا كلام مطويّ يشعر السياق به، ويدل المقام عليه. أَي فذهب موسى إلى فرعون وبلغه رسالة ربه، مؤيدا بالمعجزات الدالة على صدقه.
стр. 2579
﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ﴾: في سخرية وكبرياء ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾: أي سُحِرت فاختل عقلك، ولذا اختل كلامك وادعيت ما ادعيت، وهذا كقوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (١).
وقيل: ﴿مَسْحُورًا﴾ هنا معناه: ساحرا .. ويؤيده قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ (٢).
١٠٢ - ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ … ﴾ الآية.
هذا رد كليم الله على عدوه وعدو الله، بعد أَن بلغ الجهد هو وأَخوه في دعوته، واستنفدوا كل قول ليِّن في سبيل تذكيره، خوفا من أن يفرط عليهم أو يطغى، وصبرا ﵉ صبر أُولي العزم من الرسل، فلم يزدد عدو الله إلا جحودا وعنادًا، مع أن هذه المعجزات لا يقدر عليها إِلا رب السماوات والأرض، رب موسى وهارون.
هنالك قال موسى ﵇ لفرعون - وقد يئس من إيمانه: لقد علمت يا فرعون أن هذه المعجزات من عند الله تعالى، أوجدها حججا ساطعةً علي صدقي فيما دعوتك إليه من الإيمان بمالك الملك ربي وربك …
﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾: المراد من الظن هنا العلم، وقد عبر به موسى عنه تلطفًا مع فرعون، أي وإني لأعلم أنك يا فرعون هالك، أَو مصروف عن الخير إلى الشر بسوء فعلك وطغيانك.
وقرئ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُ﴾ بضم التاء .. فعلى هذه القراءة يكون موسى قد ردّ بها عن نفسه دعوى أَنه ساحرٌ أو مسحورٌ كما زعم فرعون عدو الله، أَي قال موسى لفرعون لقد علمت أنا حَقّ العلم أَن الذي أنزل هذه الآيات هو خالق السماوات والأرض ومدبرهما، وأننى لست بساحر ولا مسحور كما زعمت: وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالآيات التسع: الأصول العامة التي أنزلها الله في الكتب الإلهية للعقائد والشرائع السماوية كلها، وجعلها مشتركة بين
стр. 2580
جميع الرسالات والنبوات، وإليها يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. ويؤيد هذا ما رواه جمهرة من أئمة الحديث، عن صفوان بن عسَّال ﵁ أن يهوديَّيْن قال أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى هذا النبي نسأله، فأتياه ﷺ ، فسألاه عن قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. فقال ﵊: لا تشركوا بالله شيئًا؛ ولا تزنوا؛ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق؛ ولا تسرقوا؛ ولا تسحروا؛ ولا تأكلوا الربا؛ ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله؛ ولا تقذفوا محصنة؛ ولا تفِرُّوا من الزحف - وعليكم يا يهود خاصة ألا تعتدوا في السبت - فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أَنك نبي، قال: فما يمنعكما أن تسلما؟ قالا: إِن داود دعا الله أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن أسلمنا أَن تقتلنا اليهود (١).
١٠٣ - ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾:
أي استبد بعدو الله مكرُه، فأراد أن يزعج موسى وقومه ليخرجهم من أرض مصر التي هم بها؛ أو من الأرضى جميعا، ليستأصلهم فلا يُبقى منهم أحدا، فعكسنا عليه مكره، فأغرقناه ومن معه، فلم نبق منهم أحدا. ونجيناه ببدنه ليكون لمن خلفه آية (٢). وبهذا أخرجناه من أرضه أفظع إخراج ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (٣).
١٠٤ - ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ … ﴾ الآية.
وقلنا من بعد إغراق فرعون - علي لسان موسى - لبنى إسرائيل، الذين أراد فرعرن استفزازهم - قلنا لهم: اسكنوا الأرض التي أراد فرعون أَن يخرجكم منها.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: فإذا جاء وعد الدار الآخرة بعد قيام الساعة:
﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾:
جئنا بكم أَنتم وهم مختلطين، لنحكم بينكم، ونميز سعداءكم من أشقيائكم.
стр. 2581
قال الحافظ ابن كثير: وفي هذا بشارة محمد ﷺ بفتح مكة، مع أَن السورة مكية نزلت قبل الهجرة، وكذلك وقع، فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول منها كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ (١). ولهذا أَورث الله رسوله مكة فدخلها عنوة - على أَشهر القولين، وقهر أَهلها ثم أطلقهم حلمًا وكرما، كما أَورث الله القوم الذين كانوا يُستضعفون من بني إِسرائيل في مشارق الأرض ومغاربها، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم كما قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢).
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾
المفردات:
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾: الحق؛ الأمر الثابت الذي لا يتبدل ولا يزول، ضد الباطل.
﴿فَرَقْنَاهُ﴾: أَنزلناه مفرقا منجما، أو أَنزلناه مبينا موضحا.
﴿عَلَى مُكْثٍ﴾: أَي على تُؤَدة وتأنٍّ. ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾: يقعون على أذقانهم.
﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾: أي إِن الشأن في وعد ربنا أنه كائن لا محالة.
стр. 2582
التفسير
١٠٥ - ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ … ﴾ الآية.
قال الآلوسي: هذا عود إلى شرح حال القرآن الكريم، فهو مرتبط بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾.
وهكذا العرب، تأخذ في شيء وتستطرد منه إِلى آخر، ثم إلى آخر .. ثم تعود إلى ما ذكرته أَولًا، والحديث شجون.
والمعنى: وبالحق أَنزلنا هذا القرآن المجيد من اللوح المحفوظ، وبالحق نزل على عبدنا ورسولنا محمد، فهو مؤيد بالحق محفوظ بحفظنا له وحراستنا إِياه، حاله إِنزاله على رسولنا محمد، وما بعدها إلى أَنْ تقوم الساعة، لا تعتريه زيادة عليه ولا نقص منه؛ وصدق منزله إذ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١). ويقول: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢).
وقيل: المراد بالحق؛ الحكمة الإلهية المقتضية لإنزاله ونزوله. والمعنيان متلازمان. وأَيًّا كان المعنى المراد، فلا ريب أَن هذا الكتاب الحكيم مشتمل على دلائل التوحيد، وصفات الجلال والإكرام؛ وعلى تعظيم الملائكة، وإقرار النبوات، وإثبات المعاد؛ وعلى أصول الإِسلام والشرائع الثابتة التي لا تتبدل ولا تُنسخ بحال من الأحوال، ولا في زمن من الأزمان.
فلهذا استحق أَن يصفه الباري سبحانه، بأنه أَنزله بالحق محروسًا بعنايته حتى وصل إِلى رسول الله ﷺ . وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٣).
стр. 2583
ولما بين سبحانه حال القرآن الكريم في إنزاله ونزوله، بيّن حال من أنْزلَ القرآن عليه فقال مخاطبًا إياه ﷺ :
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾:
أَي: وما أرسلناك - يا محمد - إِلى الناس كافة إلا مبشِّرا للمطيعين منهم بالثواب، ومنذرًا للعاصين منهم بالعقاب، فما عليك إلا البلاغ بالتبشير والإنذار، وليس عليك إِكراه أَحد منهم في الدين، فقد تبين الرشد من الغي.
١٠٦ - ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ … ﴾ الآية.
أي وأنزلنا عليك - يا محمد - قرآنًا، عظيمًا أَوحيناه إِليك وأيدناك به - أَنزلناه منجمًا مفرقًا، على حسب الأحداث والمناسبات؛ لتبلِّغه الناسَ على تؤدة وتأنٍّ، ليكون أيسر للحفظ، وأعون على الفهم، وأبين لوجوه الإعجاز به، في هدايته وبشارته ونذارته، ولذا أكد هذا المعنى فقال:
﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾: أَي نزلناه بحسب الحوادث والمصالح، حيث لم ينزل جملة واحدة، للحِكَم التي مر بيانها. وقد نزل القرآن الكريم مفرقا حسب الحوادث المقتضية لنزوله في مدة الرسالة المحمدية، وهي ثلاثة وعشرون عاما تقريبا.
وهذا التنزيل المفرق خاص بالقرآن الكريم، دون سائر الكتب السابقة، لأنه أنزل على خاتم النبيِّين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أَجمعين، فكان لهذا آخر كتاب أُنزل من عند الله ليبقى حتى تقوم الساعة، وقد تكفل الله بحفظه، وجعل من أسباب حفظه نزوله مفرَّقًا حسب الوقائع، حتى يكون أَيسر لحفظه؛ وأَعون على فهمه، وأَدعى إلى الحرص على نصوصه، أَما غيره من الكتب السماوية فقد نزل كل منها جملة واحدة، ولم يتكفل الله تعالى بحفظها كما تكفل بحفظ الكتاب العزيز، لأنها كانت موقوتة بأزمنتها، ومن هنا وقع فيها التغيير والتبديل بعد أَن وضح الحق، وأسفر الصبح لذى عينيين.
ولما أصر أَهل مكة على الكفر بالقرآن الكريم، قال الله ﵎ تسلية لنبيّه ﷺ ، ووعيدًا للكافرين وتهديدا لهم:
стр. 2584
١٠٧ - ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا … ﴾ الآية.
أي قل أَيها الرسول لهؤُلاء الكافرين بهذا القرآن العظيم: سِيَّانِ إيمانكم بهذا القرآن وعدم إيمانكم به، فإن إيمانكم به لا يزيده كمالًا، وعدم إيمانكم به لا يورثه نقصًا، فهو حق في نفسه، أنزله الله تعالى ونوه بذكره في سالف الأزمان، في كتبه المنزلة على رسله - ولذا قال:
﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾:
المقصود بالذين أوتُوا العِلْم مِن قبل القرآن الكريم، مؤمنو أَهل الكتاب من علمائهم، كعبد الله بن سلام وأَضرابه.
والمعنى: إن العلماء الذين قرءُوا الكتب السماوية من قبل نزول القرآن وخروج النبي ﷺ ، وعرفوا حقيقة الوحى وأَمارات النبوة، وتمكنوا من التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل، ورأَوْا فيها نعتك ونعت ما أنزل إليك، هؤلاء العلماءُ إذا يُتْلَى القرآن عليهم يقعون على وجوههم ساجدين لله تعالى، تعظيما لأمره، وشكرًا لله سبحانه على إِنجاز ما وعد به في تلك الكتب من بعثتك، ومن الحق الذي جئت به.
والتعبير عن سجودهم على وجوههم بخُرورِهِمْ للأذقان، للإِيذان بكمال تذللهم وخضوعهم وشكرهم لله على إنزال هذا الكتاب العظيم.
وقيل المراد المبالغة في التحامل على الجبهة والأنف حتى كأنهم يلصقون الأذقان بالأرض.
قال الآلوسي: وهو وجه حسن جدًا.
١٠٨ - ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾:
أَي: ويقولون وهم يتضرعون إِلى الله تعالى في سجودهم ودعائهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ أَي تنزه ربنا تنزيها عن خلف وعده، وعن كل ما لا يليق به بما يفتريه الكفرة، إن الشأن في وعد ربنا أَنه كائن لا محالة.
ولا يخفى ما في عنوان الربوبية، وإضافتهم أنْفسَهم إليه - مكررًا - من اعتزازهم بالعبودية لله تعالى.
стр. 2585
وفي الآية دليل على استحباب التسبيح في السجود كما دلت السنة علي ذلك، ففي صحيح مسلم وغيره عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يكثر أَن يقول في سجوده وركوعه: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي".
١٠٩ - ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾:
ويقعون على وجوههم ساجدين لله وهم يبكون، ويزيدهم القرآن تواضعا لله وخضوعا، كما يزيدهم عليها ويقينا باللهِ تعالى.
وإِنما كرر الخرور للأَذقان لاختلاف السبب، فإن الأول لتعظيم أمر الله تعالى وشكره على إِنجاز وعده؛ والثاني لشدة تأثرهم باستماع القرآن ومواعظه. ودلت الآية على مدح البكاء عند تلاوة القرآن وسماعه. من خشية الله تعالى، ولو كان التالى للقرآن مصلّيًا. وعن أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : لا يَلجُ النارَ رجل بكى من خشية الله، حتى يعود اللبن في الضَّرع، ولا يجتمع غبارِ في سبيل الله ودخان جهنم" رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن عبد الله ابن الشِّخِّير ﵁ قال: "أَتيت رسول الله ﷺ وهو يصلى ولجوفة أَزيز كأزيز المِرجَل من البكاءَ (١) ".
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾
стр. 2586
المفردات:
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾: أي سَمُّوا الإِله باسم الله أَو باسم الرحمن، فهو مسمًّى بهما معًا، أَو نادوه بأي الاسمين شئتم، فالدعاءُ يطلق على التسمية وعلى النداء.
﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: المراد ولا تجهر بالقراءة في صلاتك.
﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾: أي ولا تُسِرَّ بها. والمخافتة ضد المجاهرة، يقال: خفت الرجل بصوته: إِذا لم يرفعه، وخافت بقراءته: إِذا لم يرفع صوته بها. وقيل الصلاة هنا: الدعاء.
﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: أَي واقصد أو اسلك بين الجهر بقراءتك والإسرار بها طريقا وسَطًا.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾: أَي وليس له سبحانه ناصر يحميه من الذل؛ لأنه عزيز بنفسه.
﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾: أَي وعظمه تعظيما يليق به.
التفسير
١١٠ - ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى … ﴾ الآية.
أَخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: "صلى رسول الله ﷺ بمكة ذات يوم، فدعا الله تعالى فقال في دعائه: يا الله يا رحمن، فقال المشركون: انظروا إِلى هذا الصابئ: ينهانا أَن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين: فنزلت".
وقيل: إن اليهود قالت: ما لنا لا نسمع في القرآن اسمًا هو في التوراة كثير؟ يعنون الرحمن: فنزلت.
والمعنى: قل يا محمد لهؤُلاء المشركين أَو اليهود: إِن هذين الاسمين الكريمين: الله والرحمن، اسمان لمسمًّى واحد هو الإله المعبود بالحق ﷻ ، فسمُّوه أَو نادوه أَو اذكروه بكل منهما أو بأيِّهما.
стр. 2587
وليس الدعاءُ مقصورا على هذين الاسمين، فقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) وقال صلوات الله وسلامه عليه فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا - مائةً إلا واحدا - من أحصاها دخل الجنة، إنه وتْر يحب الوتر".
ولم تذكر الأسماءُ التسعة والتسعون في رواية الشيخين، ولكنها ذكرت في رواية الترمذي وابن حِبّان والحاكم وغيرهم. وهذا نصُّها في جامع الترمذي (٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ .: "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحدة (٣) من أحصاها دخل الجنة: هو الله الذي لا إِله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤْمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلى الكبير الحفيظ المُقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوى المتين الولى الحميد المُحْصِي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤَخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالى المتعالى البر التواب المنتقم العفو الرؤُوف مالك الملك ذو الجلال والإكرّام المُقْسِط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور".
وليس المقصود من الحديث حصر أسمائه الحسنى ﵎ في هذه التسعة والتسعين، بدليل حديث ابن مسعود الذي أخرجه أحمد وصححه ابن حِبان: "أَسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أَنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك … " الحديث (٤). وإنما المقصود بشارة من حفظ هذه الأسماء، ودعا الله بها بأنه من أهل الجنة، والحكمة في الاقتصار على هذه العدَّة: أنها
стр. 2588
الأسماء الجوامع، الدالة على ما عداها، مما لا يحصيه إلا الله - تباركت أسماؤه وجلت آلاؤُه، وأنها جمعت من معاني الجلال والكمال ما لم يجمعه غيرها.
والحكمة في تخصيص هذين الاسمين بالذكر، أن لفظ الجلالة عَلم على الذات الأقدس، واسم الرحمن أنسب بالدعاء. فقد كتب على نفسه الرحمة.
هذا، وقد اتفق الثقات من العلماء على أن أسماء الله تعالى توقيفِيَّة، فلا تجوز تسميته إِلا بما سمى به نفسه: مما جاء في كتابه ، وصح عن رسول الله ﷺ .
﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾:
روى الشيخان وغيرها عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ مخْتَف بمكة، فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسُبوا القرآن ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾: عن أصحابك فلا تسمعهم حتى يأخذوا عنك.
﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: بقول بين الجهر والمخافتة. اهـ.
والمراد بالصلاة القراءة التي هي أَحد أركانها. والظاهر أَن المراد بالقراءة ما يعم البسملة وغيرها. ويروى أَن أَبا بكر ﵁ كان إذا صلى بالليل خفض صوته جدا ويقول: أناجى ربي وقد علم حاجتى؛ وكان عمر ﵁ إذا صلى من الليل رفع صوته جدًا ويقول: أَطرد الشيطان وأوقظ الوسنان. فلما أَنزل الله هذه الآية قال النبي ﷺ لأبي بكر: ارفع من صوتك شيئًا، وقال لعمر أخفض من صوتك شيئًا فالقراءة بين المخافتة والجهر هي الوسط، وخير الأمور أَوسطها، ومن الأحكام العامة لدى الخاصة والعامة: الجهرُ في ركعتى الفجر والجمعة والعيدين، وفي الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء. ولا ريب أَن الجهر في هذه الصلوات من الشعائر المتواترة في الشريعة الإِسلامية.
стр. 2589
وقيل: الصلاة هنا بمعنى الدعاء: لما أَخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة ﵂ قالت: "إنما نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ في الدعاءَ".
ومعروف أَن الصلاة في أَصل اللغة هي الدعاءُ.
ولما أَثبث سبحانه الأسماء الحسنى لذاته الكريمة نزه ذاته عن النقائص، فقال:
١١١ - ﴿وقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا … ﴾ الآية.
وهي رد لمزاعم اليهود والنصارى وبنى مُليح من كفار العرب، إِذ قالوا عزير ابن الله! والمسيح ابن الله والملائكة بنات الله؛ سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.
ونفيُ اتخاذ الولد ظاهر في نفى التبني، ويعلم منه نفى ولد الصلب عنه سبحانه من باب أَولى. وقد نفى ذلك صريحا في قوله سبحانه: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ (١) وقوله ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾؟ (٢).
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: فكيف يتخذ المشركون معه آلهة يعبدونها، مع اعتقادهم أنه هو الذي خلق هذا الملك العظيم وحده، ودبره بحكمته، دون سواه، كما حكى الله عنهم، يقول سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٣).
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾: أَي ليس له سبحانه ناصر يحميه من الذل؛ لأنه سبحانه عزيز بنفسه؛ فليس بحاجة إِلى أن يوالى أَحدا أو يخالفه، من أجل مَذلَّةٍ به، ليدفعها عنه.
وفي حمده تعالى على هذا التنزيه إِيذان بأن المستحق للحمد العظيم، مَن هذه صفاته دون غيره، ولذا عطف على الأمر بحمده الأمر بتكبيره فقال:
﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾: أَي وعظمه تعظيما بليغا مؤَكدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه.
والتكبير، أبلغ كلمة للعرب في معنى التعظيم والإجلال.
стр. 2590
وفي الآية تنبيه على أن العبد - وإن بالغ في التنزيه والتمجيد، واجتهد في الطاعة والتحميد - ينبغي أَن يعترف بالقصور في حقه، والتقصير في حمده وشكره، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أَثنى على نفسه.
هذا وَرَوى عَمْرُو بنُ شعيب عن أَبيه عن جده قال: "كان النبي ﷺ إذا أَفصح الغلام من بني عبد المطلب، علمه هذه الآية: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى آخرها" وسماها ﵊ آية العز - كما أَخرج أَحمد والطبراني عن مُعاذ بن جبل ﵁.
стр. 2591
سورة الكهف
تمهيد:
سورة الكهف - ويقال لها سورة أَصحاب الكهف - مكية. وهي الثامنة عشرة في ترتيب المصحف وآياتها عشر ومائة. وقد افتتح الله تعالى كتابه بالحمد في سورة الفاتحة ثم افتتح بالحمد كذلك أربع سور مكيات، اشتملت كل سورة منهن على أصول الإسلام الثلاثة: التوحيد، والرسالة؛ والبعث، وهي أهم مقاصد القرآن المجيد.
الأولى: الأنعام، وهي آخر سورة في الربع الأول من هذا الكتاب العزيز، والثانية سورة الكهف وهي مشتركة بين آخر الربع الثاني، وأول الربع الثالث، والثالثة والرابعة سبأُ وفاطر، وهما آخر الربع الثالث. ومما يذكر في مناسبتها لسورة الإسراء: افتتاح تلك بالتسبيح، وافتتاح هذه بالتحميد. والتسبيح والتحميد أخوان مُتلَازمان في ميزان الأعمال، وفي كثير من الأحوال. ومن هذا التآخي سبحان الله والحمد لله؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ (١). ومن المناسبات التشابه بين اختتام تلك وافتتاح هذه؛ فإن في كل منهما حمدًا، وهناك مناسبات أخرى يدركها القارئ.
ابتدأ الله ﵎ هذه السورة الكريمة بالثناء على ذاته المقدسة؛ لإنزاله كتابه العزيز على عبده ورسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، كتابا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، يهدي به إِلى صراط مستقيم، نذيرا للكافرين وبشيرا للمؤْمنين، ولما حمَّل الرسول ﷺ نفسه من الحزن على إعراض قومه - ما لا يُطيق - قال له ربه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (٦) يعاتبه على إجهاد نفسه فرق طاقتها رحمةً به، فما عليه إلا البلاغ، وقد بلغ ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٢٩). ثم قص الله تعالى على نبيه ﷺ قصصا من إنباء الغيب، في كل قصة منها عبرة وتذكرة، وتقريرٌ لمقصد من مقاصد القرآن الكريم في الدعوة إِلى الهدى والحق:
стр. 2592
(١) وأولى هذه القصص: قصة أصحاب الكهف الذين سميت باسمهم، واختصت بذكرهم فلم تذكر في سورة سواها. وفيها يتجلى الإيمان وآثاره إذا خالطت بشاشته القلوب، ولم تخش إلاَّ علَّام الغيوب. وإذًا فلا ترضى بغير الله بديلا، وقد ذكر الله ﵎ قصة أصحاب الكهف برهانا عمليا حقا على أَن البعث حق في يوم لا ريب فيه ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ (٢١).
(٢) وثانية القصص: قصة الرجلين صاحبي الجنتين: أَحدهما غنى كافر يعتز بماله وبنيه، ويتكبر على أَخيه؛ ويكفر بربه الذي خلقه من تراب ثم سواه رجلًا، ويظن أَن جنته لن تبيد أبدا. وصاحبه فقير صابر، راض بقضاء الله يرى أَن رضا الله كنز لا يفنى، وعز لا يبلى، فكانت العاقبة له، والندم والخسران لصاحبه، الذي اغتر واستكبر ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ (٤٤).
(٣) والثالثة: قصة أبي البشر آدم ﵇ مع عدو الله وعدو آدم، وفيها التحذير منه ومن ذريته وأنصاره وشيعته. ومنها أن إِبليس كان من الجن، ولكنه انضم إلى الملائكة فصار كأنه منهم في عبادته لله وطاعته له، فلما أَمره الله تعالى بالسجود لآدم مع ملائكته، غلب عليه غروره وكبرياؤُه، فأبى واستكبر، فحذر الله عباده منه ومن فتنته، وبيّن أنه عدو لأبيهم من قبل، فمن المحال إن يكون صديقًا لأحد من ولده ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٥٠) ولا يخفى أن التنبيه على أن إبليس كان من الجن، خاص بهذه السورة، لم يذكر في غيرها من السور التي ذكرت قصة سجوده لآدم ﵇، وسيأتي تحقيق المراد من قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.
(٤) والرابعة: قصة موسى كليم الله مع العبد الصالح، وهي مما اختصت به هذه السورة أيضًا، فلم تذكر في سورة سواها. وفيها: أَن عالِمَ الغيب والشهادة سبحانه، يُظهر مَن شاء من الصالحين من عباده - على لَمَحات من غيبه المكنون، ويأذن لهم أن يبوحوا بها في حدود إِلهية لا يتجاوزونها، ولحكم ربانية قد أحاط بها؛ لئلا يَدعِي مُدع أن الله أعلمهُ شيئًا من غيبه، إِلا إِذا جاء بسلطان بيِّن من لدن عالم الغيب والشهادة، وحسبنا بر
стр. 2593
ذلك أَن العبد الصالح لم يعرِفْ موسى ﵇ إلا بعد أَن عرفه موسى بنفسه حين التقيا بمجمع البحرين وقال له العبد الصالح: أَنت موسى نبى بني إسرائيل؟ قال: نعم، كما في حديث الصحيحين - ولو كان يعلم من الغيب غير اللمحات التي أطلعه الله عليها لعرف موسى قبل أَن يسأله مستفهمًا.
وفي قصة موسى والعبد الصالح: فضل الرحلة في طلب العلم، واحتمال مشاق الأسفار في طلبه؛ وفيها تواضع المتعلم للمعلم، ولو كان المتعلم أَفضل من معلمه؛ وفيها صبر العالم ورفقه بمن يعلِّمه، وتنبيهه إِذا غَفَل، وتحذيره أَن يعود إلى مثل ما غفل عنه؛ وفيها أَن علم الله تعالى لا نهاية له، وأَن العالم إِذا سئل: من أَعلم الناس؟ لا يقول: أَنا، بل يرد العلم إلى الله تعالى، ولو كان نبيا ورسولًا من أولى العزم … وسيأتي بيان مأخذ ذلك في هذه القصة.
(٥) والقصة الخامسة: قصة ذي القرنين، وقد مكن الله له في الأرض وآتاه من كل شيءٍ سببا فساح في الأرض، واستعان بهذه الأسباب على بسط سلطانه بالعدل والإِحسان، حتى بلغ مغرب الشمس ثم مشرقها - في رأْى العين - ودعا إِلى الله في كل رحلة يرحلها. وكان غياثا للمظلومين وعونا لهم، وكان مثلًا صالحا في كل أَقواله وأَعماله وهدايته إلى الخير، حتى فتح الله به مغاليق الأمور، وأَصلح كثيرا من الفساد في الأرض. ثم كان من آيات الله على يديه أن أقام سد يأجوج ومأجوج بين جبلين مرتفعين ارتفاعا عظيما، وهنالك وجد ﴿قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ (٩٣) استغاثوا به من فساد يأجوج ومأجوج وإغاراتهم التي لا تنقطع: فبنى لهم هذا السد الحصين المنيع، دون أَن يأخذ منهم أَجرا، قائلا: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ (٩٥). وهذا مثال من المُثُل العليا في التعاون على البر والتقوى، ابتغاءَ وجه ربه الأعلى. ولما أَتم الله على يدي ذى القرنين بناء هذا السد الحصين المنيع، الذي عجزت يأجوجُ ومأجوجُ أَن يعلُوه، لعظم ارتفاعه وملاسته، أَو ينقبوه، لعظم تخانته وصلابته - لما أتم الله ذلك على يديه - حمد الله وشكره قائلًا.: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ (٩٨)
стр. 2594
وقد اشتملت هذه السورة أَيضًا على مقاصد أخرى لا تنفرد بها، بل يشاركها فيها غيرها من السور. ومن هذه المقاصد: التحذير من فتنة الحياة الدنيا وزينتها ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾.
ثم ختمت السورة الكريمة بالحث على إعداد العدة للقاء الله ﵎ بالعمل الصالح - ونعم اللقاءُ لقاؤُه - ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُولِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾
المفردات:
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾: العوج - بكسر العين وفتحها -: الميل والانحراف عن القصد حسيا كان أَو معنويا. وقيل يختص مكسور العين بالمعاني، ومفتوحها بالأعيان: فتقول: في رأيه أَوْ قولِه عِوج، وفي عصاه عوَج. والمراد نفى العيب والخلل عن القرآن الكريم لفظا ومعنى.
﴿قَيِّمًا﴾: أي مستقيما، أو كفيلا، أَو مُهَيْمِنا.
﴿لِيُنْذِرَ﴾: الإنذار؛ التحذير مع التخويف. ضد التبشير.
стр. 2595
﴿بَأْسًا﴾: أَي عذابا. وأَصل البأس: الشدة في الحرب.
﴿أَجْرًا حَسَنًا﴾: أَي جزاء كريما، والمراد الجنة ونعيمها الدائم.
التفسير
١ - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ … ﴾ الآية.
أي الثناءُ الجميل مستحق لله الذي أنزل على عبده محمد ﷺ كتابه المعروف بالكمال من بين الكتب السماوية، ولَو لَم يُضَف إِلى مُنزله جل وعلا.
وفي حمده تعالى ذاتَه المقدسةَ على إنزال هذا الكتاب العزيز - تنويه بشأن ذلك الكتاب وعلوّ مكانه. وفي التعبير عن الرسول ﵊ بالعبد، مضافا إلى ضمير الجلالة - تشريف له ﷺ أَي تشريف، وإشعار بأن شأن الرسول أن يكون عبدًا لله الذي أَرسله، لا كما زعمت النصارى في شأن عيسى ﵇.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾:
أَي ولم يجعل الله سبحانه في كتابه شيئًا من العوج: بنوع اختلال في نظمه، أو تناقض أو اضطراب في معناه، أَو انحراف عن دعوته إلى الهدى والحق، بل جعله تعالى قَيِّمًا أَي معتدلا مستقيما كما قال:
٢ - ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ … ﴾ الآية.
وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة - وربما كان في أَحدهما غنى عن الآخر - فائدة الجمع بينهما التأكيدُ، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولكنه لا يخلو من أدنى عوج عند الفحص والبحث. أو جعله ﵎ مهيْمِنا على سائر الكتب السماوية، مبينا للحق فيها قبل تحريفها، أو جعله - جلت آلاؤه - كفيلا بمصالح العباد الدينية والدنيوية وببيانها لهم، كشأن القيم على الأمور الكفيل بها، لاشتماله على ما ينتظم به المعاش والمعاد بالقسطاس المستقيم، لا إفراط فيما اشتمل عليه من التكاليف حتى يشق على العباد، ولا تفريط فيه حتى يحتاج إلى كتاب آخر يكمله؛ فكان ذلك وصفا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال.