وذهب جمع من العلماء إلى أنه ليس بحيٍّ اليوم، سئل البخاري عنه وعن إلياس ﵉ -هل هما حيان- فقال: كيف يكون هذا وقد قال النبي ﷺ : "لا يبقى على رأس المائة ممَّن هو اليوم على ظهر الأرض أحد" وفي صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذ حية" كما استدلوا بأدلة نقلية وعقلية أُخرى، فارجع إليها في الموسوعات، والإمساك عن الخوض في الخلاف بين الرأيين أولى، مع الجزم بقصته مع موسى ﵇ -كما جاءت في هذه السورة.
(٤) اخْتُلِف في الخضر، فقيل هو نبي وليس برسول، وهو قول الجمهور، وقيل هو رسولٌ، وقيل هو وليٌّ، وبه قال القشيري، ويستدل القائلون بنبوته بقوله تعالى في شأنه: "آتيناه رحمة من عندنا" والرحمة تطلق على الوحي والنبوة في عدة مواضع من القرآن، ولأن الله حكى عن قوله لموسى: "ما فعلته عن أمري" أي أن ما حدث منه كان بوحي من الله، ولأن النبي لا يتعلم إلا من نبي ولا يصح أن يكون المتعلم فوق المعلم … إلخ.
(٥) وفي القصة توجيهات رشيدة:
(أ) أن لله حكمًا عالية فيما يقضيه من أمور، وهذه الحكم قد ندركها وقد تغيب عن عقولنا، ولكننا ينبغي أن نؤمن بها كل الإيمان.
(ب) أن الهجرة في طلب العلم مطلوبة، روى مسلم بسنده عن النبي ﷺ : "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل اللهُ له به طريقًا في الجنّة".
стр. 2662
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾
المفردات:
(فتاه): الفتى هو الشاب، وأضيف إلى موسى لأنه كان يخدمه ويتعلم منه.
(مجمع البحرين): موضع التقائهما ولعل المقصود بهما التقاء خليج العقبة بخليج السويس أو التقاءُ أحد فروع النيل القديمة بالبحر الأبيض. (حقُبًا): الحقب الدهر، ومقداره ثمانون سنة، كما قيل. (حوتهما): الحوت؛ العظيم من السمك.
(سَرَبًا): السرب فى اللغة النفق، وسيأتي تفسير المراد منه في الآية.
(غَدَاءنَا): طعامنا في الغُدْوة أي الصباح وما يُسَمَّى الآن بالفطور.
стр. 2663
(نَصَبًا): تعبًا ومشقة وجهدًا.
(عَجَبًا): غريبًا عن العادة مخالفا لها يدعو إِلى عجب الناس منه.
(فَارْتَدَّا عَلَىَ آثَارِهِمَا قَصَصًا): فرجعا يقصان أثر سيرهما السابق.
(آتَيْنَاه رَحْمةً): أَي نعمة كبرى فيها رحمة منا وسيأتي في الشرح بيانها.
التفسير
٦٠ - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾:
أبرزت الآيات السابقة لَجَاج الكفار وعنادهم وإِصرارهم على الباطل ومُحَاولتَهم طَمْسَ الحقائق الواضحة التى ساقها الله لهدايتهم، وفى هذه الآية والآيات التالية يضرب القرآن مَثَلًا ساميًا لنبي من أَنبيائه، أَوحى الله إِليه وكلمه تكليمًا ورزقه علمًا ومعرفة، ومع هذا سعى جاهدًا ليتعلم ما لم يعلم، وتحمَّل في سبيل المعرفة ما تَحَمَّل من مشاق، وهو موسى ﵇.
والمعنى: واذكر لهم يا محمد قصة موسى ﵇ إذْ صَحب فتاه طالبًا لقاءَ العبد الصالح (الخضر) ﵇ ليتعلم منه بعض ما لم يكن يعلم. وفتاه هو يوشع بن نون تابعه وتلميذه وخليفته من بعده كما ورد فى صحيح البخاري ومعهما مِكْتل (١) فيه حوت أعَدَّاه للطعام وأخبر موسى فتاه أنه لا يزال مُجِدًّا في السير حتى يصل إلى مكان العبد الصالح في مجمع البحرين، ولعل المراد بمجمع البحرين التقاءُ خليج العقبة بخليج السويس أو أحد فروع النيل السبعة القديمة بالبحر الأبيض في دلتا النيل، وعلى أي حال فتحديد المكان لا يتعلق به كبير غرض.
وانطلق موسى مع فتاه وقد عقد العزم أَن يواصل السير وإِن طال الزمن حتى يبلغه.
٦١ - ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾:
أي فلما وصلا إلى موضعٍ يَجْمَعُ بين البحرين نسيا حوتهما فاضطرب فى المكتل وقفز إلى الماء يشق طريقه فيه كأنما صنع الحوت لنفسه في الماء نفقًا، فقد صح من حديث الشيخين وغيرهما. "أن الله أَمسك عن الحوت جرْيَةَ الماءِ، فصار عليه مثل الطاق، قال الآلوسي: والمراد به: البناءُ المقوَّسُ كالقنطرة.
стр. 2664
٦٢ - ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾:
فلما جاوزا المكان وأمعنا في السير حتى الصباح شَعَر موسى ﵇ بالجوع والتعب فقال لغلامه آتنا طعام الغدوة (وهي الصباح) ليَشْبَعا من جوع، ويستردَّا عافيتهما وينعما بالراحة بعد التعب.
٦٣ - ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾:
قالَ له الغلام: إني نسيت الحوت عند الصخْرة وإن الحوت قفز إلى الماء.
﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾: واتخذ في الماء طريقا عجيبًا كالنفق، ونسبة الإنساء إلى الشيطان لأنه ربما شغله بوساوس عن الأهل والوطن، جعلته يذهل عن هذه الحالة العجيبة بتقدير العزيز العليم، وإلا فتلك الحالة لا تنسى.
٦٤ - ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾: قال إن فقدان الحوت إنما يكون عند التقاء البحرين وهو المكان الذي نريده حيث نلقي العبد الصالح.
﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾: ذكر البخاري في باب التفسير: "رَجعا يقصان".
أي يَتَتبَّعَان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة.
٦٥ - ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾:
أي فوجدا عند الصخرة التي نسي يوشع ما حدث من الحوت لديها - وجدا - عبدا صالحا من عباد الله آتاه رحمة كثيرة من عنده، وعلَّمه علمًا لا يكتنه كنهه من لدنه .
واختلف في الرحمة التي آتاه الله إياها، فقيل هي الوحي والنبوة، وقيل الرزق الحلال، وقيل العزلة عن الناس وعدم الاحتياج إليهم، وأَما العم اللَّدنيُّ فهو علم الغيوب والأسرار الخفية، كما سيأتي بعضه في قصته.
٦٦ - ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾:
стр. 2665
تحكي هذه الآية أن موسى حين وجد العبد الصالح سأله الصحبة والمتابعة بشرط أن يعلمه مما علمه الله علما ذا رشد.
٦٧ - ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾: قال الخضر إنك إذا أردت الصبر لما استطعت، لأن ما يجريه الله على يدي من الأمور يجعلك تسارع إلى الاعتراض عليه، لخفاء حكمته عليك، روى الإمام البخاري والترمذي في حديث طويل بسند كل منهما يحكي فيه الرسول ﷺ قصة لقائهما مع العبد الصالح، وقد جاء فيه أنهما، (انتهيا إلى الصخرة)، فإذا رجل مسجًّى - أي مغطى - بثوب، فسلم عليه، فقال الخضر: وأني بأرضك السلام؟ قال أنا موسى، قال موسى بني إسرائيل؟ قال نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا، قال يا موسى إنك لن تستطيع معي صبرا، يا موسى: إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه … ) الحديث.
٦٨ - ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾: أي وكيف تصبر على مصاحبتي وأنت ترى من أمور المخالفة لشريعتك، ما لم تحط بأسراره علما، يقول الخضر ذلك لأنه كان يفعل أمورا خفية المراد منكرة الظواهر، مما يجعل موسى ﵇ لا يتمالك إلا أن ينكر وقوعها عند مشاهدتها.
﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾
المفردات:
﴿صَابِرًا﴾: ضابطا لنفسي حين أرى ما يقتضي الإنكار.
﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾: فلا أخالف ما تأمرني به.
﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾: حتى أفسره لك دون سؤال منك.
стр. 2666
التفسير
٦٩ - ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾:
وعد موسى ﵇ الخضر بأنه سيجده صابرا على ما يراه مما أخفي عليه سببه، وقرن ذلك بمشيئة الله، لأن أفعال العباد مرتبطة بمشيئته تعالى، كما وعده أن يلتزم طاعته فلا يخالفه في أمره من الأمور، وهذا ما ينبغي للمتعلم مع معلمه.
٧٠ - ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾:
بعد أن وعد موسى صاحبه الخضر بأنه سيصير على ما يراه من الأمور المخفية الأسباب، التي يجريها أمامه وأنه لا يعصي له أمرا - لما حدث ذلك من موسى - أذن له الخضر بصحبته وأرشده إلى ما يقتضي دوامها بقوله: فإن اتبعتني وصحبتني في رحلتي هذه فلا تسألني عن شيء رأيته بعينك وأنكرته بقلبك، واصبر حتى أحدث لك في شأنه ذكرا وبيانا يفسر ما عمي عليك من سببه.
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾
المفردات:
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: أي لقد أحدث منكرا فظيعا.
﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾: لا تُحَمِّلني من اتباعي لك ما لا أطيق مما يشق عليَّ حمله.
стр. 2667
التفسير.
٧١ - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾:
جاء في حديث البخاري عن النبي ﷺ أنهما "انطلقا يمشيان على الساحل فَمَرتْ بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نوْل" (١) إلى أن قال: "فَلَم يُفْجأ مُوسى إلاَّ وَقَدْ قَلَعَ لَوحَا بِالقَدوم، فَقالَ لَهُ مُوسى: مَا صَنَعت؟ قوم حَملُونَا بِغَيرِ نَوْلٍ، عَمَدت إلَى سَفِينتهم فَخَرَقتَهَا لِتُغرِقَ أهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئا إمْرا" ويحكي الله اعتراض موسى عليه، بأُسلوب موجز مستنكرًا ما فعل، إذ يقول:
﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾:
وهنا نرى موسى ﵇ ينسى ما عاهد عليه الخضر ويوجه إليه لوما شديدا ويقرر أن فعله هذا قد يفضي إلى إغراق السفينة بمن فيها، وأنه قابل إحسان أصحابها بالإساءة. ويحكم عليه حكما قاسيًا حسب ما بدا له - بأنه ارتكب ذنبًا عظيمًا قبل أن يستمع إلى سبب هذا الفعل.
٧٢ - ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾:
ذكره الخضر بالعهد الذي ارتبط به معه فقال له: لقد قلت لك ما توقعتُ حدوثَهُ منك وهو أنك لن تستطيع الصبر على صُحبتي حينما ترى ما أفعله، بما يخالف ظاهر شريعتك.
٧٣ - ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾:
اعتذر موسى ﵇ للخضر بأنه نسى ما تعهد له به. والنسيان مَظِنَّة العفو، وطلب إليه ألا يحمّله فوق طاقته، فإنه نبي والنبي لا يسكت عن أمر يراه خطيئة، روى البخاري عن النبي ﷺ قال: "كانت الأولى من موسى نسيانا" وورد في هذا الحديث: "وجاء عصفور فوقع على حَرْفِ السفينة فنقر من البحر نقْرَة (٢) فقال له الخضر: "ما علمي وعلْمُك في علم الله إلا مثلُ ما نقصَ هذا العصفور من هذا البحر" وقبل الخضِرُ عذر موسى وسارا في طريقهما.
стр. 2668
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾
المفردات:
﴿غُلَامًا﴾: الغلام الصبي الذي لم يبلغ. ﴿زَكِيَّةً﴾: طَاهرة، وفي قراءة "زَاكِيَة".
أي نامية أو طاهرة. ﴿نُكْرًا﴾.): منكرا لا يقره العقل.
التفسير
٧٤ - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾:
روى البخاري بسنده عن النبي ﷺ قال: " … ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخَضِرَ غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه فقتله .. ".
﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾: لم يطِقْ مُوسىَ صبرًا على ما رأى من قتله الغلام فقال في استفهام إنكارى: أقتلت نفسا طاهرة بريئة دون أن ترتكب تلك النفس جريمة تستحق عليها القتل؟ ثم أصدر عليه حكما حاسمًا بأنه ارتكب أمرًا خطيرا منكرًا.
٧٥ - ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾:
نبَّهه الخضر ﵇ إلى خروجه عما عاهده عليه للمرة الثانية، وأكد ذلك بزيادة الجار والمجرور (لك) أي إن هذا هو ما قلته لك لا لغيرك، ولكنك لم تلتزم بما تعهدت لي به في قولك: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.
روى البخاري عن النبي ﷺ قوله: "وهذه أشد من الأولى .. ".
стр. 2669
٧٦ - ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾:
أدرك موسى خطأه فلم يجادل فيه، ووعد بتحمل تبعة اعتراضه عليه مرة أخرى فقال للخضر ﵇: إذا اعترضت عليك في أمر آخر فإن لك أن تفارقني ولا لوم عليك في ذلك، بل لك العذر كل العذر في ألا تصاحبني، وقبل الخضر ﵇ اعتذاره ومضيا في طريقهما.
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾
المفردات:
(جِدَارًا): الجدار؛ الحائط.
(يَنْقَضَّ): ينهار.
(أُنَبِّئُكَ): أخبرك.
(تَأْوِيلُ): تفسير.
التفسير
٧٧ - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾:
أي فسارا في طريقهما حتى حلَّا بإحدى القرى -يذكر بعض المفسرين أنها إنطاكية- وطلب من أهلها إعطاءَهما طعامًا يأكلانه، فرفض أهلُها إطعامهما شُحًّا وبُخْلًا.
стр. 2670
﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾: فرأَيا في القرية جدارا يكاد يقع فهدمه الخضر ثم أعاد بناءه، فعجب موسى علية السلام من تصرف الخضر، وما بذله من جهد في هدم الجدار ثم إِقامته، لقوم بخلاء يضنون عليهم بالطعام (١).
روى البخاري عن النبي ﷺ قال: "فقال موسى: قوم أَتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا … "؟
﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾:
أي لو أردت لطلبت من هؤُلَاء القوم أَجرًا جزاء عملك.
ونلاحظ هنا أَن موسى ﵇ لم يعترض على الخضر ولم يصدر عليه حكمًا بالخطإ كما فعل في المرتين السابقتين، فقد استفاد من الدرسين الماضيين واكتفى هنا بقوله: لو أردت أن تنال أجرًا على عملك لنلته، وعلق الأمر هنا على مشيئة الخضر وإرادته، وهنا أدرك الخضر ﵇ أن موسى قد استفاد بما مر بهما من أحداث، وأثمرت التجربة ثمرتها المرجوة، فأنهى الخضر لقاءه مع موسى ﵉ مبينًا له حكمة ما صنع مما لم يستطع موسى الصبر عليه.
٧٨ - ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾:
أَي قال الخضر لموسى ﵉، بعد أن اعترض عليه لهدمه الجدار ثم بنائهِ لقوم بُخَلاء: حان لي فراقك وفقا لتعهدك، ولكنى قبل الفراق سأنبئك بتفسير ما قمت به من أعمال استدعت اعتراضك عليها، لتدرك بواعث وأهداف هذه التصرفات ولكنك تعجلت في الحكم عليها دون أن تدرك أسبابها وتقف على بواعثها.
جاء في حديث البخاري عن هذه القصة بعد قول الخضر لموسى ﵇: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ … ﴾ الآية. أن النبي ﷺ قال: "وَدِدْنَا أن موسى كان صبر فقص الله علينا من خبرهما".
стр. 2671
تنبيه وشكر للقراء الكرام
تم تفسير نصف القرآن عند الآية الثامنة والسبعين من سورة الكهف، ويبدأ تفسير النصف الثاني بمشيئة الله من قوله تعالى حكايته عن الخضر: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ … ﴾ الآية ٧٩.
وقد جاء هذا التفسير - بتوفيق الله تعالى - بعيدا عن التعقيد خاليًا من الإسرائيليات والفنيَّات الصعبة، والأحاديث الموضوعة، مع تحري الدقة في التعبير عن المعنى الأساسي للنصوص الكريمة بقدر الإمكان، ولا نبريء نفوسنا من الخطإ أو التقصير - فالكمال لله وحده.
وحسبنا أننا بذلنا الوسع، ومهَّدنا السبيل إلى فهم كتاب الله تعالى على الوجه الأمثل.
وتتألف لجنة التنسيق حاليًا من السادة الآتية أسماؤهم - حسب ترتيب الحروف الهجائية -.
أصحاب الفضيلة:
(١) الشيخ السيد مصطفي شريف.
(٢) الشيخ طه الساكت.
(٣) الشيخ عبد المهيمن الفقي.
(٤) السيد الأستاذ علي عبد العظيم.
(٥) صاحب الفضيلة الشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير.
ويقوم الشيخ مصطفى محمد الحديدي الطير بمراجعة أعمال اللجنة بعد الفراغ من تنسيق كل حزب وتحقيقها، تحريا للدقة والصواب، وإبراء لذمة اللجنة، وهو يباشر هذا العمل الدقيق منذ تفسير فاتحة الكتاب حتى الآن، ولهذا نرى التفسير متقارب الأسلوب بقدر الطاقة.
ولقد أَسعدنا قراؤُنا الكرام في العالم الإسلامي؛ بإقبالهم المنقطع النظير على اقتنائه - فما إن يظهر منه حزب في المكتبات، حتى تنفد عشرات الأُلوف من نسخه، ولهذا نتقدم إليهم بالشكر الجزيل علي هذا الإقبال، ونسأل الله ﵎ أن يمنحنا مزيدًا من التوفيق في تفسير النصف الثاني من كتابه، وأن يجزي القراء عنا خير الجزاء، وأن يوفقنا جميعا لطاعته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
رئيس اللجنة
مصطفى محمد الحديدي الطير
стр. 2672
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾
المفردات:
﴿الِمَسَاكِينَ﴾: جمع مسكين؛ وهو الضعيف العاجز، أي كانت لضعفاء لا يقدرون على مدافعة الظَّلَمَةِ، ويشمل المسكين بهذا المعنى من كان ضعفه راجعا إلى نفسه أو إِلى بدنه.
وهو مخالف للمراد منه في باب الزكاة. وسيأتى بعض التفصيل لذلك في التفسير.
﴿وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾: وراء هنا بمعنى أمام. فهو من المواراة والتغطية، وهى كما تكون فيما خلفك تكون أَيضا فيما أمامك. ولا خلاف عند أهل اللغة في استعماله في المعنيين.
﴿فَخَشِينَا﴾: الخشية الخوف الشديد. ﴿يُرْهِقَهُمَا﴾ يُغْشى والديه ويغطِّيهِمَا.
﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾: مجاوزة لحدود الله وكفرًا به: ﴿زَكَاةً﴾: طهارة من الذنوب وفساد الأخلاق.
﴿رُحْمًا﴾: رحمة.
قال: رؤبة بن العجاج:
يا مُنزل الرُّحم على إدريسَا … ومنزل اللعن على إبليسَا
стр. 2673
﴿كَنْزٌ لَهُمَا﴾: مال مدفون لهما. ﴿أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾: أَن يصلا إلى كمال قوتهما العقلية والجسدية، وفي الصحاح: الأشُدُّ القوة. وبلوغ الأشُدّ يكون ما بين ثمانى عشرة سنة إلى ثلاثين. وهو مفرد جاء على بناء الجمع، مثل: (آنُك) ولا نظير لهما، وقيل هو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل غير ذلك.
﴿تَسْطِعْ﴾: مضارع اسطاع بمعنى استطاع، وهو أصله فخفف بحذف التاء.
التفسير
٧٩ - ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾:
أفادت الآيات السابقة أن سيدنا موسى ﵇ قد نَفد صبره من رؤْية تلك الأحداث التي حدثت من الخضر ﵇ ولم يجد لها مبررا ظاهرا يقتضيها، وأن الخضر اضْطُرَّ لإيذانه بمفارقته لنفاد صبره، وعدم تحمله ما يراه حتى تنتهى رحلتهما إلى غاية أبعد مما وصلت إليه، لكي يخبره في نهايتها عن كثير من أسرار الغد التي يخفيها الله تعالى عن عباده، ويختص بإعلامها بعض أصفيائه.
وجاءت هذه الآية وما بعدها لبيان ما انطوى وراء الأَحداث التي أجراها الخضر ﵇، والمراد من المساكين هنا الذين لا يقدرون على دفع الظلم عن أنفسهم، لضعفهم في النفس أو في البدن وإن كانوا أغنياء، قيل كانت لعشرة، خسمة منهم زَمْنَى، وخمسة يعملون في البحر.
وهذا المعنى للمساكين غير ما قاله الفقهاءُ بشأنهم في الصدقات والكفارات، فإن منهم من فسر المسكين بأنه هو الذي لا يقدر على ما يقع موقعا من كفايته وكفاية من تلزمه نفقتهم، كمن لا يكسب أصلا أو يكسب دون النصف من كفايته، والفقير عند هؤلاء أحسن حالا من المسكين فهو الذي يقدر على ما يقع موقعا من كفايته وكفاية من تلزمه نفقتهم، كمن يكسب سبعة ولا يكفيه أقل من عشرة. ومنهم من فسره بالعكس، فالمسكين عنده أحْسنُ حالا من الفقير، وسواءٌ أكان الفقير بمعنى الضعيف أم بمعنى المحتاج، فهو مأخوذ من السكون، فكلاهما ساكنٌ ذِلَّةً أو ضعفا، أو فقرا.
стр. 2674
والمعنى: أما السفينة التي خَرَقْتُهَا قبل أن تصل إلى الميناء، فقد كانت لضعفاء من الناس يعملون في البحر أي يكسبون رزقهم بها عن طريقه، ولا يقدرون على مدافعة الظَّلَمَةِ عن أَنفسهم لضعفهم، فأردت بخرقها أن أُحدث فيها عيبا يمنع الظالم من مصادرتها وأَخْذها، لوجود هذا العيب فيها، ولم أُرِدْ أنْ أُغرق أَهلها كما توقعت يا موسى (١). وقد حكى الله عن الخضر ﵇ السبب في خرقه إِياها بقوله:
﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾:
والوراءُ: اسم لما يتوارى عن العين، سواءٌ كان خلفك أَو أمامك، فهو من أسماء الأضداد والمراد به هنا المعنى الثاني، وبه قرأ ابن عباس: "وَكَانَ أمَامَهُم مَّلِكٌ".
والمعنى: وكان أمامهم أعوانُ ملكٍ ظالم يأخذون له كل سفينة صالحة من أصحابها غصبا
وقهرا، وذلك إمَّا على سبيل المصادرة والاستيلاء التام، وإِما على سبيل التسخير والاستغلال
دون أجر، ثم يردونها لذويها، واستعمال الوراء بمعنى الأمام شائع في اللغة، ومنه قول الشاعر
العربى:
أَليس ورائِي أن أدب على العصا … فيأْمن أعدائى ويَسْأمنِى أهلى
ولم تتعرض الآية الكريمة لما حدث للسفينة بعد نجاتها من الملك الظالم بسبب خرقها، أعادَ الخرقُ إلى الالتئام بقدرة الله تعالى كرامة للخضر؟ أم أنه رَتَقَ هذا الخرق بنفسه؟ أم أن في أصحابها من أَصلحها؟ أَم أصلحها سواهم بأجر من الخضر لأنه هو الذي خرقها؟ كل ذلك تركت الآية الحديث عنه لفطنة القارئ، فإنه يعتقد أن ذلك المصلح لا يمكن أن يترك ما أفسده دون إصلاح بأى طريق، ولكنها أبرزت الحكمة في خرقه إِياها، ليعلم موسى أن خرقها ليس لغرض الإِغراق أو الإِفساد، بل لما أَبداه من إِنْجَائِهَا من الظلَمَةِ.
стр. 2675
٨٠ - ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾:
أي وأَما الغلام الذي قَتَلتُهُ أنا واعْتَرَضْتَ يا موسى على قتله دون ذنب ظاهر لك فهو غلام شرير بطبيعته، وكان أبواه مُؤْمِنيْنِ صالِحَينِ، فتوقعتُ أن يغمرهما بمجاوزته الحدود الإلهية، وكفره بالله تعالى، فلهذا قتلته.
وفسر بغض العلماء إرهاقه لهما بالطغيان والكفر، بأن يحملهما حبه - لو بقى حيا - على متابعته، وهذا التفسير مأْثور عن ابن جبير.
ولكن الخوف من وقوع ذلك في المستقبل لا يبرر قتله للغلام، فقد لا يقع، فلهذا فسر بعض شراح البخاري الخشية هنا بالعلم، أي فعلمنا من الله تعالى أنه لو بلغ لدعا أبويه إلى الكفر فيجيبانه، ويدخلان معه في دينه لفرط حبهما له، أو علمنا أنه لو بلغ لأرهقهما طغيانًا عليهما وكفرا بنعمتهما، بسبب عقوقه وسوء صنيعه، فيلحقهما من ذلك شر وبلاءٌ.
ومن العلماء مَنْ قال: إن الغلام كان شابا بالغا وكان شريرا كافرا، ولا يمنع بلوغه من إطلاق لفظ الغلام عليه، فإنه يستعمل لغة فيمن ظهر شَارِبُهُ، وفي الكهل، وفي الشخص من حين يولد إِلى أن يصير شابا - كما جاء في القاموس - ويستدل أصحاب هذا الرأى بما جاء في بعض الآثار من أنه كان يفسد ويقطع الطريق، ويقسم لأبويه أنه ما فعل، فيقسمان بقسمه ويحميانه ممن يطلبه، ولحل هذا الرأي يؤَيده ظاهر الآية التالية:
٨١ - ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾:
أي فأردنا بقتله أَن يرزقهما الله بدله خيرا منه، طُهْرًا في الدين والأخلاق، وأقرب رحمة منه بهما، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنهما أُبدلا جَارِيَةً وَلَدَتْ نَبِيًّا، وقال الثعلبى: إنها أدركت يونس ﵇ فتزوجها نبى من الأنبياء، فولدت نبيا هدى الله على يديه أُمة من الأمم. والله أعلم.
٨٢ - ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾:
أي وأما الجدار الذي أَقمتُه بدون أجر، وكان وشيك الانقضاض، فكان لغلامين مات أَبوهما فأصبحا بعده يتيمين في القرية التي طلبنا الطعام من أهلها، فبخلوا به علينا،
стр. 2676
تحت هذا الجدار كَنز لهما، استحقاه عمن قبلهما، كأبيهما أو جَدٍّ لهما أو غير ذلك، وكان أبوهما صالحًا، فرأيت من المروءة أن أُقِيمَ الجدار على الكنز حذرًا عن انهيار المائل وظهور المكنوز تحته، فيستولى عليه من لا يستحقه من الناس، ولم يمنعنى من البر باليتيمين بخل أهل هذه القرية علينا، فإن للإحسان باليتامى أَجرًا عظيمًا.
وكان هذا الكنز من ذهب وفضة، كما أخرجه البخاري في تاريخه، والترمذى والحاكم وصححه من حديث أبي الدرداء، ولم تتعرض الآية الكريمة لبيان من هو الذي أخفى الكنز تحت الجدار، فإن كان أباهما أو جَدَّهُمَا فهو حق لهما في شرعنا وشرع من قبلنا بلا خلاف، وإن لم يعرف كَانِزُهُ فيحمل استحقاقهم له على أنه كان حلالًا في شرعهم، واحتجَّ لهذا بما أَخرجه الطبرانى عن أَبي الدرداء. في هذه الآية قال: "أحلت لهم الكنوز وَحُرِّمَتْ عَليْهِمُ الغنَائمُ. وَأحِلَّتْ لَنَا الْغَنَائِمُ وَحُرِّمَتْ عَلَينَا الْكُنُوزُ".
وقيل: إنَّ الكنز لم يكن ذهبًا ولا فضة بل كان صُحُفَ عِلْمٍ، فقد أَخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أَنه قال: ما كان ذهبا ولا فضة، ولكن كان صحف علم. وروى ذلك عن ابن جبير أيضا، وقيل: إِنه لوح من ذهب، فقد أَخرج ابن مردويه من حديث علي - كرم الله وجهه - مرفوعا والبزار عن أَبي ذر كذلك، والخرائطى عن ابن عباس موقوفا، أَنه كان لوحًا من ذهب مكتوبا فيه "عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إِليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله" والله أعلم بصحة ذلك.
ثم بين الخضر ﵇ أنه كان يتلقى الأمر فيما يفعله من الله تعالى فقال:
﴿فَأَرَادَ (١) رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾:
стр. 2677
أي فأراد مولاك ومربيك يا موسى أَن يبلغ اليتيمان كمال قوتهما في الرأى والبدن، ويستخرجا كنزهما من تحت الجدار، فأمرنى بإقامته، ولولا أننى أقمته لانقض وبرز الكنز من تحته قبل اقتدارهما على حفظه والانتفاع به، وليس الذي فعلته من الأمور التي شاهدتَها يا موسى ناشئًا عن اجتهادى ورأيي، بل بوحي من ربك وربى، ذلك الذي شرحته لك من أسرار تلك الأحداث هو مآل وعاقبة الأمور التي لم تستطع الصبر عليها، حتى أبينها لك في حينها.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوعَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢)﴾
المفردات:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾: السائلون قريش بتلقين اليهود، أو اليهود أنفسهم.
﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾: صفة ملك صالح عَمَّ ملكهُ معظم أنحاء الارض، وسيأتى بيان السبب في وصفه بذى القرنين.
стр. 2678
﴿مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾: التمكين فيها بمعنى الإقدار عليها، يقال: مَكَّنَهُ أي جعله قادرًا، ومكن له أي جعل له قدرة. (سَبَبًا): أَي وسيلة وطريقة.
﴿فَأَتْبَعَ﴾: أي فاتَّبع فَهُمَا بمعنى واحد هنا. ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾: أَي في عين ذات حمأة، وهى الطين الاسود - وذلك في رأى الحين - وسيأتى شرح ذلك باستفاضة.
التفسير
٨٣ - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوعَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾:
ذكر الله قبل هذه القصة ما حدث بين موسى والخضر، وعقبها بذكر قصة ذى القرنين ليكونا آية على نبوته ﷺ ، فإن القصتين لا يعلمها سوى أهل الكتاب، في حين أَنه ﷺ لا سبيل له إِلى علمهما إلاَّ بقراءة كتبهم، أو بتعلمها منهم، ولا سبيل له إِلى قراءتها، لأنه أمَّى، ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُومِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾. كما أنه لا سبيل له إلى تعلمها منهم، لأنهم لا يوجدون بمكة، ولم يكل له اتصال بهم، ولهذا كانوا يسألونه عن تلك الغيبيات، إما بتحريض قريش على سؤاله، وإِما بسؤالهم إياه بأنفسهم، وأكثر الآثار تدل على أن السؤال حصل منهم قبل نزول هذه الآيات، والتعبير بالمضارع ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ استحضار للصورة الماضية لغرابة سؤالهم إياه على سبيل الامتحان، مع ما يشاهدونه عليه من الصدق والأمانة، وما أيده الله به من الآيات البينات.
وذو القرنين ملِك صالح مكن الله له في المشارق والمغارب، كما سيتضح من تفاصيل قصته إِن شاء الله.
وقد اختلف في شخصه، فقيل هو الإسكندر المقدونى - وهو رأى معظم المفسرين، قال النيسابورى: أصَحُّ الأقوال فيه أنه هو الإسكندر بن فيلقوس الرومى الذي ملك الدنيا بأسرها، إذ لو كان غيره لانتشر خبره ولم يخف مكانه.
وقال الفخر الرازى: لما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين ملك الدنيا أو ما يقرب منها وثبت في التاريخ أن من هذا شأنه لم يكن سوى الإسكندر، وجب القطع بأن ذا القرنين
стр. 2679
هو الإسكندر، ثم قال وفيه إشكال، فإنه كان تلميذًا لأرسططاليس الفيلسوف، وكان على مذهبه، فتعظيم الله له يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق، وهذا مما لا سبيل إليه، وأجاب الرازى عن هذا الاعتراض بما خلاصته أنه ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلا، فلعله أخذ منه ما حسن، وترك منه ما لم يحسن.
ويقول الآلوسى في تأييد هذا الفهم: إن الحكماء تشاوروا في أَن يسجدوا له إجلالا وتعظيمًا، فقال لهم: لا يجوز السجود لغير الله - كما نقله الشهرستاني - ويلاحظ أن الإسكندر كان موجودًا قبل مبعث عيسى ﵇ بثلثمائة سنة كما نقله الآلوسى عن بعض المؤَرخين.
وهناك من قال: إِنه رجل يمانى ملك الأرض كلها. فقد ذكر أبو الريحان المنجم في كتابه (الآثار الباقية عن القرون الخالية): أن ذا القرنين هو أبو كرب ابن عمير بن امرئ القيس ابن أفريقش (١) وهو الذي افتخر به تُبّع اليمانى في قوله:
قد كان ذو القرنين جدى مسلمًا (٢) … ملكًا علا في الأرض غير مقيد
بلغ المغارب والمشارق يبتغى … أسباب ملك من حكيم مرشد
فرأَى مآب (٣) الشمس عند غروبها … في عين ذى خُلَبٍ (٤) وثأْطة (٥) حَرْمَدِ
ثم قال أبو الريحان: ويشبه أَن يكون هذا القول أقرب، لأن الملقبين بكلمة (ذى) كانوا من اليمن، كذى المنار وذى نواس وذى يزن، واختار هذا القول (كاتب حلبى) وذكر أنه كان في عصر إبراهيم ﵇، وأنه اجتمع معه بمكة وتعانقا.
وهناك من يرى أن ذا القرنين هو غورش الفارسى، ويسميه اليهود (كورش) ويسميه اليونانيون (سانرس) وإطلاق ذى القرنين عليه عند أصحاب هذا الرأى ناشئٌ من رؤيا رآها النبي دانيال في منامه، خلاصتها أن كبشًا كان واقفًا على شاطئ
стр. 2680
النهر له قرنان، وهو ينطح بهما شرقًا وغربًا وجنوبًا، ولا قِبَلَ لحيوان بالوقوف أَمامه، وذكر سفر دانيال المذكور أَن المَلكَ ظهر له وشرح رؤْياه قائلا: إن الكبش ذا القرنين يمثل اتحاد مملكتى (ميديا - وفارى) (١) وأن يحكمها ملك قوى لا تقدر دولة على مواجهته، وقد ظهر بعد هذه النبوءة بسنوات الملك (غورش) ملك الفرس المذكور، فوحد (ميديا وفارى) وأَنشأ منهما سلطنةً عظيمة، وهاجم بابل واستولى عليها، وجاء عنه في سفر (أشعياء) ما خلاصته أن الله أخذ بيده اليمنى ليتم مرضاته وليجعل الأمم في حوزته، وينزع القوة من سواعد الملوك، ويفتح له الأبواب تلو الأبواب، ويمنحه الخزائن المدفونة (٢).
وتسميته ذا القرنين على أنه الإسكندر المقدونى أو أبو كرب اليمنى، لأنه بلغ ناصيتى مشرق الشمس ومغربها، مأخوذ منْ قَرْنِ الشمس بمعنى ناحيتها وقيل: كانت له ضفيرتان من شعر فنسب إليهما - ذكره الثعلبى وغيره - والضفائر قرون الرأس عند العرب، والوجه الأول في علة التسمية أولى بالقبول، فإن وَصْفَ ذى القرنين ذكر على أنه علامة مميزة لهذا الفاتح العظيم، وكونه ذا ضفيرتين من الشعر لا يصلح أن يكون علامة مميزة، لأن إرسال الشعر وتضفيره من العادات القديمة للرجال والنساء جميعًا.
وبعد أن حكينا أظهر الأقوال في شخصيته نقول: إن شخصيته ليست من العقائد، وإِنما ذكرت قصته للوعظ والإرشاد فليكن هو الإسكندر المقدونى أو رجلا حميريًّا من اليمن، أو ملكًا فارسيًا فالقرآن لم يأتنا ليعلمنا تاريخ اليونان أو تاريخ أي الحميريين أو الفارسيين فإن القرآن أعظم من ذلك كله، ولكنهم لما سألوه ﷺ عن ذى القرنين، أجابهم بما يجمع بين إجمال المطلوب لهم، والدلالة على صدق نبوته ﷺ والعبرة، حيث أَخبرهم بما لا يعلمه سوى أَهل الكتاب، وبين أن الملك الصالح العالم يؤيده الله تعالى ويُمَكِّنُ له في أَرضه.
стр. 2681
والمعنى الإجمالى: ويسألك السائلون من قريش بتحريض اليهود، أو اليهود أنفسهم يسألونك عن صاحب القرنين الذي جَاب الأرضَ كلها، قل أيها الرسول مجيبا لهم: سأقرأ عليكم من قصته نبأً مذكورًا، أَقرؤُه على سبيل التلاوة من وحى الله تعالى الذي أوحاه إليَّ جلّ وعلا.
٨٤، ٨٥ - ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾:
أَجمل الله قصته في الآية الكريمة الأولى، تمهيدًا لتفصيلها في الآيات المقبلة، ومعنى الآية: إنما جعلنا لهُ مُكنَةً وقدرة على التصرف في الأرض، وأعطيناه من أجل كل شيء أَراده فيها سبَبًا ووسيلة توصله إِليها، فلا يعوقه عن مراده عائق، ومن هذه الأسباب سعة العلم وحسن التدبير، والحكمة في التصرف، وتدريب الجنود، واختيار القواد، والعتاد الحربى، فأراد التوجه إلى ناحية مغرب الشمس
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾: اتبع واتَّبع بمعنى واحد أي اتبع طريقًا وأسلوبًا من شأنه إنجاح غزوه للأقطار الغربية.
وقد أشارت الآية الكريمة ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ إِلى أن معالى الأمور لا تنال إلا باستعمال الأسباب الموصلة إِليها، وأن المجد لا يناله القاعدون الخاملون.
٨٦ - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ (١):
أي اتبع الطريق والسبب الموصل إلى مقصده، حتى إذا بلغ في فتوحاته منتهى الأرض من جهة مغرب الشمس، ووقف عند حافة المحيط، وجد الشمس - كما أدركها بصره - تغرب في عين ذات حمأة، والحمأة الطين الأسود.
وقرئ ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ وبها قرأ معاوية وعبد الله بن عمرو بن العاص، ولا منافاة بين القراءتين، فإِنه لما بلغ حافة اليابسة، وقف ينظر إِلى الشمس عند غروبها، فرآها في نظره كأنما تغرب في عين متقدة نارية، بسبب قرص الشمس الشديد الحمرة، الذي يبدو كأنه وقدة من النار جعلت مكان اختفائها في نظره، كأنما هو عين حامية - وكما يتصورها الناظر تغرب في عين حامية، يتصورها تغرب في عين ذات طين أسود، فإنها لما غابت تحت الماء، أصبح مكان اختفائها فيه مظلمًا باهتًا بعد أَن كان متقدًا.
стр. 2682
ولما كان كلا الأمرين ضربًا من الخيال، ناشئًا عن خداع النظر، فلهذا قال تعالى:
﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أو ﴿فِي عَيْنٍ حَامِيةٍ﴾ على القراءتين، أي هذا الذي رآه أمر ناشيء في وجدانه وخياله، وليس من الحقائق الواقعة، فما أجمل تعبير القرآن بقوله "وجدها" وما أحراه بالإجلال والاعتبار.
وكما يراها الناظر عند غروبها تغرب في عين ماء حمئة أو حامية إذا كان على شاطئ المحيط فإنه يراها تشرق خارجة من اليابسة، وتغرب داخلة فيها إِذا كان واقفًا على متسع فسيح من أرضها، والحقيقة أن الشمس لا تغرب في الماء ولا في اليابسة عند الغروب، ولا تشرق منهما عند الشروق فالشمس أَكبر من الأرض أضعافًا مضاعفة، ولا تختفى عن مدارها، والأرض تدور تحت أشعتها فتعُمُّ الشمسُ نصفهَا بضوئها، لأنها على شكل كرة، فيكون النهار في القسم الذي استضاء بنورها والليل في القسم الآخر.
وكلما دارت الأرض اختفت أشعة الشمس عن بعضها: فحل فيه الليل محل النهار، وظهرت أَشعتها في بعض آخرَ تَكشَّفَ للشمس، فَحَلَّ فيه النهارُ مَحَل الليل.
والذى يحجب ضوة الشمس عن بعض الأرض هو البروز الكروى للأرض، فهو الذي يمنع أشعة الشمس عما انخفض منها بسبب حركتها الدائرية، ولو كانت مبسوطة وغير دائرة لما غابت الشمس عنها، ولكان وقتها نهارًا دائمًا، وأما ما ورد في القرآن من أن الأرض مبسوطة فمحمول على ما هو في رأى العين، كما في قوله تعالىَ في سورة نوح:
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾.
﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾:
أي ووجد ذو القرنين في طرف الأرض من ناحية المغرب، وجد قوما عند العين التي تخيلها وتخيل أَن الشمس تغرب فيها، وكان هؤُلاء القوم مشركين، كما هو شأْن الناس عند غياب المرسلين عنهم، قال الله له على سبيل التخيير: ياذَا القَرنَيْنِ، إما أن تُعَذِّبَ هؤُلاء القوم بالقتل إِن أبوا الإِيمان وأصروا على الشرك، وإما أن تتخذ فيهم أَمرًا ذا حسن، بالمصابرة والمطاولة لعلهم يؤْمنون ويَرْشدون، وكان تخيير الله لذى القرنين على النحو السابق إِما على لسان نبى كان موجودًا في هذا الزمان، وإما على سبيل الإِل
стр. 2683
٨٧ - ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾:
أي قال هذا الرجل الحكيم بعد أَن خيره الله في شأن الكفار من أهل المغرب على النحو الذي بيناه في شرح الآية السابقة - قال -: هؤلاء الناس سوف يكونون بعد دعوتهم إلى الحق قسمين: ظالمين ببقائهم على الكفر وإصرارهم عليه، ومؤمنين تائبين من كفرهم، فأما من ظلم نفسه ببقائه على الكفر والعصيان، فسوف نعذبه بالقتل، ثم يعيده الله بالبعث فيرده إِلى حسابه وجزائه فيعذبه على كفره وعصيانه عذابا منكرا فظيعا.
ثم بين مآل المؤمنين التائبين كما حكاه الله عنه بقوله:
٨٨ - ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾:
أي وأما من آمن بالله وعمل صالحا موافقًا لما شرعه الله على لسان نبى ذلك العصر، فله المثوبة الحسنى في الدارين، جزاء له على إيمانه وصالح عمله، وسنقول له مما نأمر به موافقًا لشرع الله - سنقول له - قولا ذا يسر وسهولة في مختلف التكاليف، فإن الله لا يكلف نفسًا إلاَّ وسعها.
٨٩ - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾:
ثم اتَّبَعَ طريقًا موَصِّلا إِلى المشرق، ليرجع فيه بعد غزوه المغرب.
٩٠ - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾:
حتى إذا بلغ ذو القرنين الإِقليم الذي تطلع الشمس عليه أولا في ناحية المشرق على حافة المحيط، وجدها تطلع على قوم بدائيين فطريين لم يرتقوا صناعيًّا، حتى يصنعوا لأنفسهم ثيابًا تسترهم وتحميهم من أشعة الشمس، أَو مساكن تُؤوِيهم من حرارتها، وقد يكون ذلك في المنطقة التي يمكث فيها النهار أَيامًا متتالية في فصل، ثم يمكث الليل أَيامًا متتاليةً كذلك في فصل آخر، وأنه وصل إليها وقتما كان الزمن نهارًا دون ليل، والشمس طالعة فوقهم دائمًا، وليس لهم وقتئذ ليل يسترهم منها، وأن ذلك هو معنى قوله سبحانه: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ وقد أَجمل الله كمال استعداد ذى القرنين لهذه الرحلة، وَعظَّم أمره وفَخَّمه بقو
стр. 2684
٩١ - ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾:
أي كان الأمر في الواقع مثل هذا الذي حكيناه عن ذى القرنين في اليسر والسهولة، وقد أحطنا علمًا بما عنده من الوسائل التي حقق بها ما يريد من بلوغ أطراف الأرض مغربًا ومشرقًا.
٩٢ - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾:
ثم اقتفى طريقًا ثالثًا يصل منه إِلى حيث يوجد يأجوج ومأجوج وجيرانهم الذين يتعرضون لفسادهم.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾
стр. 2685
المفردات:
﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾: بين الجبلين، والسد الجبل والحاجز، والمراد هنا الأول كما تقدم.
﴿مِنْ دُونِهِمَا﴾: أي قريبًا منهما، والأصل في استعمال لفظ. ﴿دُونَ﴾ أن يكون بمعنى تحت وبمعنى فوق، وبمعنى أمام وبمعنى خلف، أَي أنه يستعمل في الشيء ومقابله، كما يستعمل بمعنى غير، انظر القاموس. ﴿لَا يَكَادُونَ﴾: لا يقربون ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾: اسمان لقبيلتين وقد منع صرفهما. (أي تنوينهما) للعلَمية والعجمة. ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾: ما هنا بمعنى الذي و (مَكَّني) أصله مكننى بنونين، فأُدغمت الأولى في الثانية أي ما جعلنى الله فيه مَكينًا وعليه قادرًا خيرٌ من خَرْجِكُم، ﴿رَدْمًا﴾: أي حاجزًا حصينًا وسدًا منيعًا بعضه فوق بعض من قولهم سحاب مُرَدَّم، أي متكاثف بعضه فوق بعض. ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾: قطع الحديد، جمع زبرة وهى القطعة. ﴿الصَّدَفَيْنِ﴾: جانبى الجبلين، ومفرده الصدف وهو الجبل، ونقل في الكشف أنه لا يقال للمنفرد صدف حتى يصادفه الآخر، فهو من الأسماء المتضايفة، كالزوج وأمثاله. ﴿قِطْرًا﴾: القطر هو النحاس المذاب وهو قول الأكثرين، وقيل الرصاص أو الحديد المذاب. ﴿أَنْ يَظْهَرُوه﴾: أن يعلوه ويرتقوا فوقه. ﴿نَقْبًا﴾: النقب الثقب والخرق.
﴿دَكَّاءَ﴾: أَي أَرضًا مستوية. ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾: أي جعلناهم يضطربون ويختلطون.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾: الصور آلَةٌ تشبه القرن ينفخ فيها، وتسمى البوق أيضًا، وسيأتى في التفسير بيان آراء العلماء في ذلك بمشيئة الله.
التفسير
٩٣ - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾:
لما أَتم ذو القرنين رحلته إلى المشرق، وأخضع أهله لحكمه، اتخذ طريقا ثالثا ليخضع لسلطانه قوما آخرين لم يدينوا له بعد، حتى إذا وصل في سيره إِلى منطقة تقع بين جبلين معينين، وجد قريبًا منهما قوما لا يقربون من أَن يفهموا ما يقال لهم منه أو من أَتباعه لقلة فطنتهم، فإنهم لو كانوا أذكياء لفهموا بعض ما يقال لهم بالقرائن.
стр. 2686
ولعلهم كانوا يتفاهمون معهم بالإشارة ليعلموا ما يراد منهم أَو ما يجابون به على أَسئلتهم وسنتحدث عن مكان السدَّين وعن يأجوج ومأجوج حديثا مستفيضا بعد الفراغ من شرح الآيات الكريمة التي أجملت الحديث عنهما.
٩٤ - ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾:
أي قال القوم الذين هم دون السّدين، يشكون حالهم لذى القرنين، لما عَلموه من قوة سلطانه وعظيم همته، بما سمعوه من أخبار رحلته - قالوا لذى القرنين - يا صاحب القرنين الذي دان له المشرق والمغرب، إن قبيلتى يأجوج ومأجوج المقيمتين خلف السّدين، مفسدون في الأرض التي نحن فيها، كما أنهم مفسدون في غيرها، ونحن لا نقدر على دفعهم عن بلادنا، فهل نجعل لك عطاءً ومالا على أن تجعل بيننا وبين هولاء المفسدين حاجزا بين هذين الجبلين يمنعهم من العودة إلى أَرضنا والعَيْثِ فيها فسادًا، وقرأ حمزة والكسائى وغيرهما "فَهَلْ نجْعَلُ لَكَ خَرَاجًا". بألف بعد الراء وكلاهما بمعنى واحد كالنول والنوال، وقال ابن الأعرابى: الخرج على الرؤوس والخراج على الأرض، ولهذا يقال: أدِّ خَرْجَ رَأسِكَ وَأدِّ خَرَاجَ أرضِكَ، وقيل: الْخَرْجُ ما تبرعت به والخراج ما لزمك.
٩٥ - ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾:
قال ذو القرنين ردا على ما عرضوه من العطاء في مقابل إقامته السد بينهم وبين يأجوج - قال لهم - ما مكننى فيه ربي وجعلنى فيه مكينا من الملك والمال والعلم وسائر الأسباب خير مِمَّا تريدون بذله لى، فلا حاجة بي إِلى أموالكم، فأعينونى على بناء السد الذي تريدونه بما أَقوى به على تحقيقه. من العمال وآلات البناء والوقود وقطع الحديد والنحاس، وغير ذلك مما يحتاج إليه في إِقامته حتى يساوى الجبلين، ويكون شديد القوة بحيث لا يقدرون على صعوده ولا على اختراقه، فإن فعلتم أجعل بينكم وبينهم ردمًا أي حاجزا حصينا وحجابا متينا.
стр. 2687
واعلم أن الردم في اللغة أقوى من مطلق السد، مأخوذ من قولهم سحاب مُرَدَّمٌ، أي متكاثف بعضه فوق بعض، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ أنه قال عن الردم: (هو كأشدّ الحجاب) وعلى هذا يكون قد وعدهم بتحقيق مرادهم فوق ما يتخيلون وهذا هو ما يليق بملك عظيم مثله، ثم فصل لهم بعض مطلوبه من القوة التي يعينونه بها فقال:
٩٦ - ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا﴾:
أي أعطونى قطع الحديد، فأتوه بها، فجعل يضع بعضها على بعض بطريقة تقتضى التماسك والارتفاع بالبناء، حتى إذا ساوى ذو القرنين ما بين جانبى الجبلين بما بناه من السد قال لعماله: انفخوا بالكيران في الوقود الموضوع بين قطع الحديد بعد إشعال النار فيه، ليصبح الحديد مثل النار، فيلتصق بعضه ببعض، ففعل العمال ما أمرهم به.
﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾:
هذه العبارة مترتبة على كلام مقدر مفهوم من المقام، فكأنه قيل: ففعل العمال ما أمرهم به ذو القرنين من النفخ في الوقود المشتعل بين قطع الحديد، حتى إِذا جعل السد يشبه النار في شكله وفي حرارته قال لعماله الذين يقومون بإذابة القطر وهو النحاس أو الرصاص أو الحديد - قال لهم - أحضروا القطر الذي صهرتموه وأذبتموه لأُفرغه على السد، فأحضروه له فأفرغه عليه فسدّت به الثغرات التي كانت بين قطع الحديد بعد أن تم احتراق الوقود الذي بينهما، والتصق بعضها ببعض أشد التصاق.
٩٧ - ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾:
أي فجاء يأجوج ومأجوج وقصدوا أن يعلوه أَو ينقبوه، فما استطاعوا أن يعلوا ظهره ويرتقوا فوقه لشدة ارتفاعه وملاسته، وما استطاعوا له خرقا لصلابته وغلظه، قيل: كان ارتفاعه مائتي متر، وكان غلظه خمسين ذراعا، والله أَعلم بصحة ذلك.
وفي هذه الآية تساؤلات نذكرها ونجيب عليها فيما يلى، ونسأل الله التوفيق:
س ١: لماذا قال ذو القرنين لأهل ما بين السدّين: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ مع أنه امتنع عن أخذ المال منهم، وقال: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْر
стр. 2688
والجواب: أن امتناعه عن أخذ المال لا يمنع من طلب عمال البناء والأدوات وقطع الحديد ليتقوى بذلك على تحقيق مرادهم على أن يدفع الأجر للعمال وثمن الحديد من ماله، على أن السد لما كان لمصلحتهم، فإن تبرعهم بالقوى العاملة، لا يعتبر عطاءً أو أجرًا على بنائه كما أن زبر الحديد قد تكون من منجم قريب من السد، فإحضارهم إياها، لا ينافى رفضه أجرًا منهم.
س ٢: كيف يطلب من عماله أن ينفخوا على السور بعد أن بناه بقطع الحديد، مع أن هذا النفخ لا يصهر الحديد دون أن يكون بين قطعه وقود مشتعل.؟ ..
والجواب: أن هذا النوع هو من الاختصار القرآنى المتروك فهمه لفطنة القارئ، وهو من الصور البلاغية للقرآن الكريم، ولا شك أنه أمرهم بوضع الوقود وإشعاله قبل أمرهم بالنفخ فيه، وأن الأمر بالنفخ قرينةٌ على ذلك.
س ٣: لماذا أسند ذو القرنين العمل في السد لنفسه بقوله: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ كما حكى الله عنه أنه ساوى بين الصدفين وجعله نارا، مع أن كل ذلك تم بمباشرة مهندسيه وعماله .. ؟
والجواب: أنه لما كان ذلك يتم بأمره وإرشاد أسنده إلى نفسه على سبيل المجاز.
س ٤: كيف يستطيع العمال أن ينفخوا في السور قريبًا منه دون أن يحترقوا بناره، وكيف يفرغون عليه النحاس المذاب مع حرارته الشديدة وناره المتقدة، وارتفاعه العظيم وثخانته البالغة خمسين ذراعا على ما قيل؟
والجواب: أنه لابد أَن يكون ذو القرنين قد وصل إلى حل لهذه المشكلات، بحيث يمكنه تحقيق بنائه على النحو الذي تحدث به القرآن العظيم عنه، دون إضرار بأحد العاملين فيه، وكما أن العلم في عصرنا حل مشكلات كثيرة، فالعلم والحضارة والحكمة عند هؤلاء القدماء بلغت الذروة، فلابد أنهم استعملوا آلات وطرقا علمية لم يصل بعد أحد إلى معرفتها ولا تكاد العقول تصدقها، ما لم تعرف ما كان عليه هؤلاء العظماء، من العلم والحكمة والإبداع، وما معجزة بناء الأهرام عنا ببعيدة عن العيون والأبصار، وكم لله في خلقه من آيات وعظات.
стр. 2689
٩٨ - ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾:
بعد أن فرغ ذو القرنين من بناء السد وإحكامه بحيث يمنع يأجوج ومأجوج من الخروج من ورائه ليفسدوا في الأرض، قال مشيرا إلى السد: هذا أَثر رحمة عظيمة من ربي بعباده، حيث أقدرنى على بنائه وإحكامه وحمى به الناس من غزوات أولئك المفسدين المخربين، وما أنا إلا منفذ لمشيئة ربي ورحمته بعباده، ولولا ذلك لما استطعت بناءه، فإذا جاء موعد ربي بخروج يأجوج ومأجوج من محبسهم جعل هذا السد أَرضا دكاء أي مستوية، وكان وعد ربي بخروجهم حقا ثابتا لا خلف فيه، وكذا كل مواعيده جل وعلا، وقد يقول قائل: من أين علم ذو القرنين أَن هذا السّد سيُدَكُّ وينهار، وأن الله وعد بذلك، وأنهم بعد دكه سيخرجون مع أَنه ليس بنبى؟
والجواب: أَنه ربما علم ذلك من نبي كان في وقته، أو يكون ذلك عن اجتهاد، أو قراءة في كتاب نبي سبقه، وفي ذلك يقول الآلوسى: وفي كتاب حزقيال ﵇ الإخبار بمجيئهم في آخر الزمان، من آخر الجربياء في أمم كثيرة لا يحصيهم إلاَّ الله تعالى، وإفسادهم في الأرض، وقصدهم بيت المقدس، وهلاكهم عن آخرهم في بريَّته بأنواع من العذاب، قال الآلوسى: وحزقيال ﵇ قبل الإسكندر، فإذا كان هو ذا القرنين، فيمكن أن يكون وقف عليه، فأفاده علمًا بما ذكر. والله تعالى أعلم: انتهى كلام الآلوسى.
وبعد أن انتهى الحديث عن فتوحات ذى القرنين وإصلاحاته آن الأوان لذكر نبذة عن يأجوج ومأجوج، وعن مكانهم ومكان السد، وهل هو باق حتى الآن، أم أن الله دكه دكًّا، وخرجت يأجوج ومأجوج من ورائه ليفسدوا في الأرض، وإليك البيان فيما يلى:
ياجوج وماجوج
هما قبيلتان من البشر، وقد أحيطت قصتهم ببعض الخرافات، لا نرى موضعًا لذكرها في تفسيرنا هذا، ويقول الناسبون: إنهم من ذرية يافث بن نوح ﵇ ولعل منشأ قولهم هذا ما جاء في صدر الإصحاح العاشر من سفر التكوين من أن نوحًا ﵇ ولد له ثلاثة أَولاد، سام وحام ويافث، وأَنه ولد ليافث جوقر ومأجوج وماداى … الخ.
стр. 2690
وفي هذا المعنى ورد حديث مرفوع جاء فيه (ولد لنوح سام وحام ويافث، فولد لسام العرب وفارس والروم وولد لحام القبط والبربر والسودان، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة) وضعفه علماءُ الحديث، والله أعلم، وهما اسمان أَعجميان، أَو عربيان مأْخوذان من أجَّ الظليم إِذا أسرع، أو من أجيج النار، وهو ضوءُها وشررها، وهذا المأخذ يشير إِلى شرهم وفسادهم، وأنهم مثل النار ولا جيرة لهم، كما أن المأخذ الأول يشير إلى سرعتهم في شن الغارات على جيرانهم، والعودة بغنائمهم إِلى حيث يعيشون وراء الجبلين اللذين أقيم السد بينهما، وهذان الجبلان كما يقول بعض الباحثين: (بين سمرقند والهند) وعلى هذا يكون المراد من يأْجوج ومأجوج المغول والتتار.
وتمتد بلادهم من التبت والصين إلى المحيط المتجمد الشمالى، وتنتهى غربًا إلى ما يلى بلاد التركستان، وحددت في هضبات آسيا الوسطى شمال الصين، ما بين الدرجة السابعة والعشرين والدرجة الخمسين من خطوط العرض الشمالية، وبذلك تبلغ بلادهم في العرض ثلاثًا وعشرين درجة (١).
وهذه الأُمم عرفت في التاريخ بإغارتها على الأُمم المجاورة من آن لآخر، كما عرف عنهم تجاوز إِفسادهم إِلى أطراف الأرض، فقد انحدروا من مرتفعات آسيا الوسطى إِلى أوروبا وخربوها كما خربوا آسيا الغربية التي بعث فيها الأنبياءُ، وكانوا يحذرون منهم أقوامهم، وسنتحدث عن جرائمهم في عهد الإسلام بمشيئة الله.
اسم السد ومكانه
واسم السدِّ الذي بناه ذو القرنين بين الجبلين المذكورين (سد باب الحديد) وراء جيحون في عمالة بلخ، بقرب مدينة ترمذ.
وَقد دك هذا السد كما وعد الله تعالى، وإِليه يشير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.
стр. 2691
وقد اجتاز هذا السد تيمورلنك بجيشه، ومر به (شاه روح) وكان في خدمته الألمانى (سبلدبرجر) الذي جاء ذكر السد في كتابه، وذلك في أوائل القرن الخامس عشر، كما جاء ذكر هذا السد في رحلة الأسبانى (كلافيجو) سنة ١٤٠٣ م، وكان رسولا من ملك قشتالة (١).
آراء أخرى في مواطنهم
ويرى بعض المؤرخين أنهم يسكنون قريبا من خط عرض (٩٠) تسعين من جهة الشمال، وأنه هو المراد بآخر الجربياء في كتاب النبي حزقيال، وأن جبليهم هما جبلا (أرمينية وأذربيجان) وأن سَدَّ ذى القرنين هو سد (باب الأبواب) المشهور، وهذا يستلزم أن يكون يأجوج ومأجوج من الخزر والترك، وأن الذي بنى السد هو ملك الفرس غورش الذي تقدم ذكره، لأنه هو الذي بنى سد (باب الأبواب) - وهذا يخالف ما عليه أكثر المؤرخين من أن الذي بقى سد يأجوج ومأجوج هو الإسكندر المقدونى، وقد بناه في آسيا الوسطى شمال الصين، واسمه "باب الحديد".
أَما سد (باب الأبواب) فقد بناه ملك الفرس بناحية أرمينية، لأغراض تتعلق بأمن وسلامة أهل هذه المنطقة ممن كانوا يغيرون عليها من الهنغوليين، فهم الذين حملوا شعب الخزر على الهجرة إلى شرق أوروبا، بسبب كثرة غاراتهم عليهم، وهناك اندمجوا فيهم، والهنغوليون غير يأجوج ومأجوج، الذين كانوا يسكنون بآسيا الوسطى شمال الصين وعلى أي حال فالسدَّ الذي تحدث عنه القرآن وبناه ذو القرنين حقيقة واقعة سواءٌ كان (سد باب الحديد) شمال الصين أم كان (سد باب الأبواب) بناحية أرمينية، وكلاهما مصدق لما جاء به القرآن الكريم، سواءٌ بناه الإسكندر شمال الصين، أم بناه الملك الفارسى بناحية أرمينية، وإطلاق صفة ذى القرنين على هذا أو ذاك، تقدم بيانه في تفسير قوله تعالى:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوعَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
стр. 2692
جرائمهم في عهد الإسلام
قلنا إن سد يأجوج ومأجوج تخرب مصداقا لوعده تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ الآية، وقد خرجوا من محبسهم في غزوات تخريبية، ومنها ما حدث في أوائل القرْن السابع الهجرى بقيادة ملكهم (جنكيزخان) حيث أغاروا على بلاد المسلمين فأطاحوا بمملكة (قطب الدين السلجوقى) ملك التركستان والفرس، وأخضعوا بلاد الهند، وهلك الطاغية (جنكيزخان) بعد رجوعه من الهند، وأَغار ابن أخيه (هولاكو) بجنوده على مقر الخلافة ببغداد في عهد الخليفة (المستعصم بالله) وذبحوا الخليفة، وعلقوا جثته بذيل حصان وأباحوا المدينة تسعة أيام سالت فيها الدماء أَنهارا، وطرحوا كتب العلم في نهر دجلة، ثم أذن الله بالنصر عليهم في عهد الملك (سيف الدين قطز) بعد أَن وصلوا في غزواتهم المدمرة إلى الشام، حيث جرد لهم جيشا عظيما من مصر والشام، وحاربهم في معركة فاصلة بعين جالوت، وهزمهم شر هزيمة، وأَجلاهم ولم تقم لهم بعدها قائمة.
وفي شأْنهم هذا روى البخاري بسندر عن زينب بنت جحش ﵂ (أن رسول الله ﷺ دخل عليها يومًا فزعًا يقول: لا إله إلا الله. ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من سد يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلق بإصْبَعَيهِ الإبهام والتى تليها قالت زينب بنت جحش: أنهلك وفينا الصالحون؟ ففال نعم إِذا كثر الخبث).
وتعبيره ﷺ عن الفتحة بالسد وتصويره إياها بتحليقه بإصْبَعَيْه الإبهام والتى تليها، كناية عن بداية صغيرة لشرهم، ثم اتسع هذا الشر في أوائل القرن السابع الهجرى كما ذكرنا - والله تعالى أعلم.
التفسير
٩٩ - ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾:
بعد أن حكى القرآن الكريم عن ذى القرنين أَن هذا السد رحمة من ربه، ذكر في هذه الآية ما فعله الله تعالى بيأجوج ومأجوج بعد إقامة السد، وظاهر النظم الكريم أن الضمير في قوله تعالى: ﴿بَعْضَهُمْ﴾ عائد إلى يأجوج ومأجوج، وعليه اقتصر الفخر الرازى، واختاره صاحب البحر. والتَّرْكُ هنا بمعنى الجَعْل، وهو من الأضداد.
стр. 2693
والمعنى على هذا: وبعد تمام السد جعلنا يأجوج ومأجوج يموجُ بعضهم في بعض، أي يضطربون اضطراب موج البحر لما مُنِعُوا من الخروج والفساد في الأرض بسبب السد، ولا يزالون مائجين مضطربين، حتى ينجز الله وعده الحق، فَيَنْدَكُّ السد ويسوى بالأرض، وحينئذ يخرجون مزدحمين في البلاد ويهلكون الحرث والنسل.
وقيل: إن الضمير عائد إلى الخلائق من الإِنس والجن. وعلى هذا الرأى يكون معنى الآية ما يلى:
وجعلنا بعض الخلائق يضطربون اضطراب أمواج البحر، يختلط إنسهم بجنهم من شدة الفزع والهول عند قيام الساعة، روى هذا عن ابن عباس ﵄ قال الآلوسى: ولعل ذلك لعظائم تقع قبل النفخة الأولى.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾: الصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ بأمر الله تعالى، كما ثبت في السنة وهو بوق عظيم جدا، جاء في الآثار من وصفه ما يدهش العقول، ولكنا نؤمن به، ونكل حقيقته إلى من أَحاط بكل شئٍ علمًا، وقد صَحَّ عن أبي سعيد الخدرى ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "كَيْفَ أَنْعَمُ وَقَدْ الْتَقَمَ صَاحِبُ القرْنِ الْقَرنَ وَحنَى جَبينَهُ وأصغى سمْعَهُ يَنْتَظرُ أنْ يُؤْمَرَ فيَنْفُخ" (١) وهو ينفخ فيه نفختين: الأولى نفخة الصعق والأخرى نفخة البعث والقيام من القبور، وهما المذكورتان في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٢).
والمراد هنا النفخة الأُخرى بدليل ما بعدها، والضمير في قوله تعالى: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ للخلائق كلها ومنهم يأجوج ومأْجوج - أي عقب النفخة الأُخرى في الصور، والقيام من القبور، نجمع الخلائق كلها حميعًا عظيمًا هائلا: أولهم وآخرهم، إنسهم وجنهم، مؤمنهم وكافرهم بعدما تفرقت أَوصالهم، وتمزقت أَجسادهم - نجمعهم في صعيد
стр. 2694
واحد للحساب والجزاء، كما قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (١)، وقال سبحانه ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (٢).
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾
المفردات:
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ﴾: أَظهرناها. ﴿أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ﴾: أَعينهم عليها غشاءٌ يمنعها من البصر.
﴿عَنْ ذِكْرِي﴾: عن الآيات التي تذكرهم بي.
التفسير
١٠٠ - ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾:
هذا إخبار منه ﵎، عما يفعله بالكفار يوم يجمع الخلائق للحساب والجزاء.
والمعنى: وأبرزنا جهنم وأظهرناها للكافرين إِظهارًا جليًا حيث يرونها، ويسمعون لها تغيُّظًا وزفيرًا، ويبصرون ما أعد لهم فيها من العذاب والنكاك قبل دخولهما، ليكون ذلك أَبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم، وليعلموا أَنهم مواقعوها لا يجدون عنها مصرفًا.
١٠١ - ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي ..... ﴾ الآية.
وهذا بيان منه سبحانه لبعض أوصاف الكافرين الذين استحقوا بسببها هذا العذاب والنكال، أي هؤُلاء الكافرون بي كانت أعينهم - وهم في الدنيا - في غشاوة محيطة بها، فتغافلوا وتعاموا عن النظر في آياتى المُنْبَثَّةِ في الأنفس والآفاق، المؤدية إلى توحيدى وتمجيدى وذكرى وطاعتى، ويجوز أَن يراد ذكره تعالى الذي أَنزله علي رسله ودعا إليه عباده .. وقوله
стр. 2695
تعالى: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾. نفى لسمعهم آياته على أتم وجه وأبلغه، والمراد أنهم مع تغافلهم وتعاميهم عن التدبر في آياته تعالى، كفاقدى السمع أصالة، فهو تصوير لإعراضهم عن سماع ما يرشدهم إِلى ما ينفعهم. بعد تعاميهم عن آياته المؤَدية إلي ذكره وما ينبغي لجلال وجهه - والتعبير عن إِعراضهم عن الذكر بأنهم كانوا لا يستطيعون سمعًا، يؤْذن بأن ذلك كان دأبهم الذي اعتادوه واستمروا عليه وقد أَفادت الآية أنهم سدوا على أَنفسهم منافذ العلم من السمع والبصر.
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾
المفردات:
﴿أَفَحَسِبَ﴾: الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، والحسبان بمعنى الظن. والفاءُ عاطفة على مقدر مناسب سيأتى في التفسير. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: أي معبودين أو أنصارًا.
﴿أَعْتَدْنَا﴾: أَي أَعددنا وهيأْنا. ﴿نُزُلًا﴾: أي شيئًا يقدم لهم، كالذى يقدم للنزيل أَو الضيف. وقيل النزل: موضع النزول، ولذلك فسره ابن عباس ﵄ بالمثْوَى.
﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾: أي ضاع عملهم وبطل عند الله .
стр. 2696
التفسير
١٠٢ - ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ … ﴾ الآية.
لما بين الله الآية السابقة ضلال الكافرين وتغافلهم عن التدبر في آياته الهادية إلى ذكره وطاعته - أنكر عليهم في هذه الآية اتخاذهم بعض عباده آلهة يعبدونهم من دونه، أو أنصارًا ينصروكم ويخلصونهم من عذابه.
والمعنى: أجهل هؤُلاء الذين كفروا بي فظنوا أن اتخاذهم بعض عبادى آلهة أو أنصارًا ينجيهم من عذابي! كلا، إنهم بظنهم هذا لفى ضلال مبين، ولو كان أَولياؤُهم من الملائكة أو العباد المقرببن، ثم أكد سبحانه هذا الإنكار على الكافرين به فقال:
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾: أي إِنا هيأْنا لهؤُلاه جهنم جزاء على عبادتهم لغيرنا واتخاذهم أولياء. وفي هذا ما فيه من التهكم بهم والتخطئة في حسبانهم ذلك، مع الإيماء إلي أَن لهم من وراه جهنم ألوانًا أخرى من العذاب (١)، وليست جهنم إلا مقدمة له. وأما إِذا كان النُّزل بمعني المنزل أو المثوى، فالمراد بيان انعكاس مقصودهم من النجاة إلى الهلاك.
١٠٣ - ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾:
قيل إن المراد بهؤُلاء الأخسرين: أهل الكتابين: اليهود والنصارى، ولكن ظاهر الآية الكريمة أنها عامة في كل من عبد الله علي غير شريعته التي شرعها لعباده، يحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول، ولكنه مخطئ وعمله مردود عليه.
أي قل أيها الرسول للمشركين خاصة، وللكافرين عامة: هل أُخْبركم بأشد الناس خسرانا لأعمالهم وحرمانًا من ثوابها؟! ثم فسرهم بقوله:
١٠٤ - ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾:
أيْ أن الاخسرين أعمالًا من سائر الملل والنحل هم الذين أتعبوا أنفسهم في أعمال يبغون بها ثوابًا وفضلًا، فنالوا بها هلاكًا وخسرا، كالذى اشترى سلعة يرجو بها ربحًا عظيمًا، فخاب
стр. 2697
رجاؤه وخسر بها خسرانًا مبينًا. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (٢). ثم بين سبحانه ما ترتب على كفر أولئك الأخسرين أعمالا من الجزاء السيء على ما صنعوا فقال:
١٠٥ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا .. ﴾ الآية.
أي أُولئك الضالون الخاسرون، وهم يحسبون أَنهم يحسنون، هم الذين جحدوا آيات ربهم ودلائله الداعية إِلى توحيده وتمجيده، وضموا إِلى جحودهم آيات ربهم إنكارهم البعث في اليوم الآخر وما يتبعه من الجزاء على الأعمال، فمن ثَمّ حبطت أَعمالهم وبطلت وإذًا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾: بل نزدرى بهم ونحتقرهم، ولا نجعل لهم مقدارًا، لأنه لا مقدار لأحد إلا بالعمل الصالح، وأولئك مجردون من صالح الأعمال، وقد روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "أنَّهُ لَيَأْتِىَ الرَّجُل الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القيَامَةِ لَا يَزِن عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَة، وَقَال: اقْرَءُوا إنْ شئْتُمْ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ أو المعنى لا نضع لأجل وزن أعمالهم ميزانًا لأنها قد حبطت وصارت هباءً منثورًا. وقوله تعالى:
١٠٦ - ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾:
بيان لمآل كفرهم وسائر معاصيهم، إثْرَ بيان أعمالهم المُحْبَطَةِ بذلك الكفر، أي ذلك جزاؤُهم الذي جزيناهم به بسبب كفرهم بي، واتخاذهم رسلى وآياتى التي أيَّدتُهُمْ بها - هزؤًا وسخرية! فلم يكتفوا بمجرد الكفر بالآيات والرسل، بل ارتكبوا عظيمة أُخرى مثلها، وهى الاستهزاءُ بالمعجزات الباهرة التي أيدت بها رسلى ﵈ وبالصحف المنزلة عليهم.
стр. 2698
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾
المفردات:
﴿الْفِرْدَوْسِ﴾: أعلى درجات الجنة وأَوسطها وأفضلها. وأصله في اللغة: البستان الجامع لكل ما في البساتين. ﴿حِوَلًا﴾: أَي تحولا وانتقالا.
التفسير
١٠٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾:
بعد أن ذكر الله سبحانه ما أعده من العذاب للذين كفروا بآيات ربهم واستهزءُوا برسله - ذكر جزاء الذين آمنوا به وبلقائه وعملوا الصالحات، قال الآلوسي تبعًا لأبي السعود: هذا بيان - بطريق الوعد - لمآل الذين اتصفوا بأضداد ما اتصف به الكفرة، إثر بيان مآل الكفرة بطريق الوعيد، أَي: إن الذين آمنوا بآيات ربهم ولقائه سبحانه، وعملوا الأعمال الصالحات، كانت لهم فيما سبق من حُكْمِهِ تعالى ووعده جنات الفردوس أعلى الجنات منزلة وأرفعها درجة، أخرج البخاري ومسلم وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا سَألتُمُ الله تعَالى فاسْألُوهُ الفِردَوسَ: فإنَّهُ وَسَطُ الجَنَّةِ وَأعلَى الجَنَّةِ وَفوْقهُ عَرْشُ الرحمَن، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ). وفي التعبير بقوله "كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِردَوْسِ نُزُلًا". إِيماءٌ إِلى أَن أثر الرحمة، يصل إِليهم بمقتضى الرأفة الأزلية، بخلاف ما مر من جَعْل جهنم للكافرين نُزُلًا، فإنه بموجب ما حدث من سوء اختيارهم.
انظر تفسير أبي السعود.
стр. 2699
١٠٨ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾:
أي مقيمين ساكنين فيها لا يظعنون عنها أبدًا. قال ابن كثير: وفي قوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ تنببه علي رغبتهم فيها وحبِّهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائمًا أنه كد يسأمه أو يمَلُّهُ فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدى، لا يختارون عن مقامهم ذلك تحولا ولا ظعنًا ولا رحلة ولا بدلا. أهـ.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُولِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾.
المفردات:
﴿مَدَدًا﴾: المداد في الأصل: اسم لكل ما يُمَدُّ به الشيءُ، واختص في العرف بما تُمَد به الدواة من الحبر. ﴿يَرْجُو﴾: يأمل أو يخاف.
﴿لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾: أي لكلماته الإبداعية والتشريعية والخبرية، في اللوح المحفوظ وفي القرآن الكريم، وفي شئون الكون حاضره ومستقبله ودنياه وأخراه.
التفسير
١٠٩ - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ … الآية.
стр. 2700
سبب النزول:
روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ أن حُيَيَّ بن أخطب قال: في كتابكم: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ثم تقرءُون: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ومراده الاعتراض بوقوع التناقض في القرآن الكريم، بناء على أن الحكمة هي العلم فكيف يكون العلم في القرآن شيئًا قليلًا في آية، وخيرًا كثيرًا في آية أخرى، وقد غفل هؤُلاء اليهود، عن أن الشيء الواحد قد يكون قليلًا في حالة، وكثيرًا في حالة أخرى فالآية جواب عن اعتراضهم بالإشارة إلى أَن القلة والكثرة من الأمور الإضافية، فيجوز أن يكون الشيءُ كثيرًا في نفسه، وهو قليل بالنسبة إلى شيءٍ آخر، ولا شك أن التوراة ليست كل كلام الله تعالى، بل هي بعض قليل منه، ويكفى في كتابتها مداد قليل، أما كلامه تعالى الشامل للتوراة وغيرها من شئون الكون فكثير لا يكفي في كتابته مداد البحر.
ومعنى الآية: قل لهم أيها الرسول: أو كان ماءُ البحر مدادًا للقلم الذي تكتب به كلمات ربي في التشريع والتكوين وغيرهما، لنَفِدَ هذا المداد وفَنِىَ قبل أن تنفد كلمات ربي وتفنى، ولو جئنا بمثل هذا الماء العظيم مددًا وعونًا، لأن جميع ما في الوجود علي التعاقب والاجتماع - مُتَنَاهٍ، وعلم الله وكلماته لا تتناهى، والمتناهي لا يفي ألبتة بغير المتناهى.
والمراد أن كلمات الله تعالى لا يعتريها فناءٌ ولا نقص، وعلمه لا غاية له ولا نهاية، فما علم العباد جميعًا بجانب علمه ﵎ إلاَّ كقطرة من ماء البحور كلها. وفي معنى الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بنحو ما بدأها به من البشارة والنذارة فقال:
١١٠ - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ .... ﴾ الآية.
أي قل أيها الرسول للمشركين وللناس جميعًا: إنما أنا بشر مثلكم من بني آدم، لا أدعى الإحاطة بكلماته جل وعلا، ولا أعلم إلَّا ما علمنى ربي، وقد أوحى إلى أنما إلهكم الذي يجب أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا هو إله واحد لا شريك له.
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾: أي فمن كان يأمل تكريم ربه إياه بالثواب وحسن الجزاء عند لقائه، فليعمل عملًا صالحًا موافقًا