← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

التفسير ١٠٢ - ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ … ﴾ الآية. لما بين الله الآية السابقة ضلال الكافرين وتغافلهم عن التدبر في آياته الهادية إلى ذكره وطاعته - أنكر عليهم في هذه الآية اتخاذهم بعض عباده آلهة يعبدونهم من دونه، أو أنصارًا ينصروكم ويخلصونهم من عذابه. والمعنى: أجهل هؤُلاء الذين كفروا بي فظنوا أن اتخاذهم بعض عبادى آلهة أو أنصارًا ينجيهم من عذابي! كلا، إنهم بظنهم هذا لفى ضلال مبين، ولو كان أَولياؤُهم من الملائكة أو العباد المقرببن، ثم أكد سبحانه هذا الإنكار على الكافرين به فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾: أي إِنا هيأْنا لهؤُلاه جهنم جزاء على عبادتهم لغيرنا واتخاذهم أولياء. وفي هذا ما فيه من التهكم بهم والتخطئة في حسبانهم ذلك، مع الإيماء إلي أَن لهم من وراه جهنم ألوانًا أخرى من العذاب (١)، وليست جهنم إلا مقدمة له. وأما إِذا كان النُّزل بمعني المنزل أو المثوى، فالمراد بيان انعكاس مقصودهم من النجاة إلى الهلاك. ١٠٣ - ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾: قيل إن المراد بهؤُلاء الأخسرين: أهل الكتابين: اليهود والنصارى، ولكن ظاهر الآية الكريمة أنها عامة في كل من عبد الله علي غير شريعته التي شرعها لعباده، يحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول، ولكنه مخطئ وعمله مردود عليه. أي قل أيها الرسول للمشركين خاصة، وللكافرين عامة: هل أُخْبركم بأشد الناس خسرانا لأعمالهم وحرمانًا من ثوابها؟! ثم فسرهم بقوله: ١٠٤ - ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾: أيْ أن الاخسرين أعمالًا من سائر الملل والنحل هم الذين أتعبوا أنفسهم في أعمال يبغون بها ثوابًا وفضلًا، فنالوا بها هلاكًا وخسرا، كالذى اشترى سلعة يرجو بها ربحًا عظيمًا، فخاب

стр. 2697

رجاؤه وخسر بها خسرانًا مبينًا. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (٢). ثم بين سبحانه ما ترتب على كفر أولئك الأخسرين أعمالا من الجزاء السيء على ما صنعوا فقال: ١٠٥ - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا .. ﴾ الآية. أي أُولئك الضالون الخاسرون، وهم يحسبون أَنهم يحسنون، هم الذين جحدوا آيات ربهم ودلائله الداعية إِلى توحيده وتمجيده، وضموا إِلى جحودهم آيات ربهم إنكارهم البعث في اليوم الآخر وما يتبعه من الجزاء على الأعمال، فمن ثَمّ حبطت أَعمالهم وبطلت وإذًا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾: بل نزدرى بهم ونحتقرهم، ولا نجعل لهم مقدارًا، لأنه لا مقدار لأحد إلا بالعمل الصالح، وأولئك مجردون من صالح الأعمال، وقد روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "أنَّهُ لَيَأْتِىَ الرَّجُل الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القيَامَةِ لَا يَزِن عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَة، وَقَال: اقْرَءُوا إنْ شئْتُمْ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ أو المعنى لا نضع لأجل وزن أعمالهم ميزانًا لأنها قد حبطت وصارت هباءً منثورًا. وقوله تعالى: ١٠٦ - ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾: بيان لمآل كفرهم وسائر معاصيهم، إثْرَ بيان أعمالهم المُحْبَطَةِ بذلك الكفر، أي ذلك جزاؤُهم الذي جزيناهم به بسبب كفرهم بي، واتخاذهم رسلى وآياتى التي أيَّدتُهُمْ بها - هزؤًا وسخرية! فلم يكتفوا بمجرد الكفر بالآيات والرسل، بل ارتكبوا عظيمة أُخرى مثلها، وهى الاستهزاءُ بالمعجزات الباهرة التي أيدت بها رسلى ﵈ وبالصحف المنزلة عليهم.

стр. 2698

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ المفردات: ﴿الْفِرْدَوْسِ﴾: أعلى درجات الجنة وأَوسطها وأفضلها. وأصله في اللغة: البستان الجامع لكل ما في البساتين. ﴿حِوَلًا﴾: أَي تحولا وانتقالا. التفسير ١٠٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾: بعد أن ذكر الله سبحانه ما أعده من العذاب للذين كفروا بآيات ربهم واستهزءُوا برسله - ذكر جزاء الذين آمنوا به وبلقائه وعملوا الصالحات، قال الآلوسي تبعًا لأبي السعود: هذا بيان - بطريق الوعد - لمآل الذين اتصفوا بأضداد ما اتصف به الكفرة، إثر بيان مآل الكفرة بطريق الوعيد، أَي: إن الذين آمنوا بآيات ربهم ولقائه سبحانه، وعملوا الأعمال الصالحات، كانت لهم فيما سبق من حُكْمِهِ تعالى ووعده جنات الفردوس أعلى الجنات منزلة وأرفعها درجة، أخرج البخاري ومسلم وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا سَألتُمُ الله تعَالى فاسْألُوهُ الفِردَوسَ: فإنَّهُ وَسَطُ الجَنَّةِ وَأعلَى الجَنَّةِ وَفوْقهُ عَرْشُ الرحمَن، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ). وفي التعبير بقوله "كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِردَوْسِ نُزُلًا". إِيماءٌ إِلى أَن أثر الرحمة، يصل إِليهم بمقتضى الرأفة الأزلية، بخلاف ما مر من جَعْل جهنم للكافرين نُزُلًا، فإنه بموجب ما حدث من سوء اختيارهم. انظر تفسير أبي السعود.

стр. 2699

١٠٨ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾: أي مقيمين ساكنين فيها لا يظعنون عنها أبدًا. قال ابن كثير: وفي قوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ تنببه علي رغبتهم فيها وحبِّهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائمًا أنه كد يسأمه أو يمَلُّهُ فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدى، لا يختارون عن مقامهم ذلك تحولا ولا ظعنًا ولا رحلة ولا بدلا. أهـ. ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُولِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾. المفردات: ﴿مَدَدًا﴾: المداد في الأصل: اسم لكل ما يُمَدُّ به الشيءُ، واختص في العرف بما تُمَد به الدواة من الحبر. ﴿يَرْجُو﴾: يأمل أو يخاف. ﴿لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾: أي لكلماته الإبداعية والتشريعية والخبرية، في اللوح المحفوظ وفي القرآن الكريم، وفي شئون الكون حاضره ومستقبله ودنياه وأخراه. التفسير ١٠٩ - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ … الآية.

стр. 2700

سبب النزول: روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ أن حُيَيَّ بن أخطب قال: في كتابكم: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ ثم تقرءُون: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ومراده الاعتراض بوقوع التناقض في القرآن الكريم، بناء على أن الحكمة هي العلم فكيف يكون العلم في القرآن شيئًا قليلًا في آية، وخيرًا كثيرًا في آية أخرى، وقد غفل هؤُلاء اليهود، عن أن الشيء الواحد قد يكون قليلًا في حالة، وكثيرًا في حالة أخرى فالآية جواب عن اعتراضهم بالإشارة إلى أَن القلة والكثرة من الأمور الإضافية، فيجوز أن يكون الشيءُ كثيرًا في نفسه، وهو قليل بالنسبة إلى شيءٍ آخر، ولا شك أن التوراة ليست كل كلام الله تعالى، بل هي بعض قليل منه، ويكفى في كتابتها مداد قليل، أما كلامه تعالى الشامل للتوراة وغيرها من شئون الكون فكثير لا يكفي في كتابته مداد البحر. ومعنى الآية: قل لهم أيها الرسول: أو كان ماءُ البحر مدادًا للقلم الذي تكتب به كلمات ربي في التشريع والتكوين وغيرهما، لنَفِدَ هذا المداد وفَنِىَ قبل أن تنفد كلمات ربي وتفنى، ولو جئنا بمثل هذا الماء العظيم مددًا وعونًا، لأن جميع ما في الوجود علي التعاقب والاجتماع - مُتَنَاهٍ، وعلم الله وكلماته لا تتناهى، والمتناهي لا يفي ألبتة بغير المتناهى. والمراد أن كلمات الله تعالى لا يعتريها فناءٌ ولا نقص، وعلمه لا غاية له ولا نهاية، فما علم العباد جميعًا بجانب علمه ﵎ إلاَّ كقطرة من ماء البحور كلها. وفي معنى الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). ثم ختم سبحانه السورة الكريمة بنحو ما بدأها به من البشارة والنذارة فقال: ١١٠ - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ .... ﴾ الآية. أي قل أيها الرسول للمشركين وللناس جميعًا: إنما أنا بشر مثلكم من بني آدم، لا أدعى الإحاطة بكلماته جل وعلا، ولا أعلم إلَّا ما علمنى ربي، وقد أوحى إلى أنما إلهكم الذي يجب أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا هو إله واحد لا شريك له. ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾: أي فمن كان يأمل تكريم ربه إياه بالثواب وحسن الجزاء عند لقائه، فليعمل عملًا صالحًا موافقًا

стр. 2701

لشريعة الله، ولا يُرِدْ بعبادة ربه إِلَّا وجه ربه وحده لا شريك له، وهذان هما الركنان اللذان لا بد منهما لكل عمل متقبل، أَن يكون خالصًا لله سبحانه، وأن يكون صوابًا وفق شريعة رسوله ﷺ أو المعنى: فمن كان يخاف سوءَ لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا خالصًا لوجه ربه ولا يخلط به غيره. روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالي: (أَنَا أغْنَى الشُّرَكَاء عَنِ الشِّرْك. مَنْ عَملَ عَمَلًا أشْرَك فيه مَعى غَيْرِى. تَرَكْتُهُ وَشركَة) (١)، روى الشيخان عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَمَّعَ، سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِى يُرَائِى اللهُ به" (٢). وروى مسلم عن أبي هريرة أيضًا (٣) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوم الْقِيَامَةِ عليْهِ، رجل استُشهد فَأُتِىَ به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استُشهِدْتُ، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جرئ، فقد قِيلَ، ثم أمَرَ بِه فسُحِبَ على وجهه حتى ألقى في النار، ورجل تعلم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلَّمت وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ فقد قيل، ثم أَمَرَ بِهِ فسُحِبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وَسَّعَ الله عليه وأَعطاه من أصناف المال كلِّه، فأُتِيَ به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أَن ينفق فيها إلا أَنفقت فيها لله، قال: كذبت ولكنك فعدت ليقال: هُوَ جوادٌ فقد قيل، ثم أَمَرَ بِهِ فسُحِبَ علي وجهه ثم أُلقى في النار". والله المستعان على الإِخلاص في النيات والأقوال والأعمال ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 2702

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سورة مريم تمهيد: هذه السورة التاسعَة عَشرَةَ في ترتيب المصحف. ووجه مناسبتها لسورة الكهف اشتمالها على نحو ما اشتملت عليه من الأَعاجيب، كقصة ولادة يحيي وقصة ولادة عيسى ﵉. ولذلك ذكرت بعدها، وهي مكية إلا آية السجدة (٥٨). وآية الورود على النار (٧١) وعدد آياتها ثمان وتسعون وقد حوت طائفة كريمة من قصص الرسل وأَنباءِ الغيب. افتتحها الله تعالى بقصة زكريا ﵇ إذ دعا ربه أَن يَهَبَ له وليًّا يرثه في الدعوة إِليه والحفاظ على شريعته. فاستجاب له ربه وبشره بغلام سماه يحيي ولم يجعل له من قبل سميًّا وآتاه الحكم صبيا. ولما تعجب زكريا من خلق الولد من أُم عاقر وأَب بلغ من الكبر عتيًّا - أَوحى إليه ربه أَن هذا الخَلْقَ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ ثم ذكر تعالى قصة مريم ﵍ … وهي أَعجَب من قصة زكريا!! وفيها أَن جبريل ﵇ تمثل لها بشرًا سويًّا. ففزعت واستعاذت بالرحمن منه. فطمأنها بأَنه رسول ربها ليهب لها غلامًا زكيًّا. فلما تعجبت من أَن يكون لها غلام ولم يمسسها بشر ولم تَكُ بَغِيًّا - ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾. وكذلك كان عيسى ﵇ آية من آيات ربه الكبرى: في حمله وولادته. وقوله في المهد: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ … ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

стр. 2703

ثم ذكر تعالى قصة إِبراهيم ﵇ وهو يدعو أباه إِلى الصراط السوىّ، بأرق ما تكون الدعوة من الرفق والحنان، فيقول: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾. فيقابل أبوه هذا الرفق والحنان، بأَشق ما يكون من العنف والقسوة والجحود والعصيان، فيقول: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾. وهنالك لم يجد إبراهيم ﵇ بُدًّا من أن يعتزل أَباه وقومه وما يعبدون من دون الله. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. ثم ذكر تعالى كليمه موسى ﵇ ومناجاته إياه في الطورِ، وهبة الله له أَخاه هارُونَ نبيًّا. ثم أثنى سبحانه على إسماعيل ﵇ بصدق الوعد، وَأَمْرِهِ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾. وعلى إدريس ﵇ بأنه: "رَفَعْهُ مَكَانًا عَلِيًّا". ثم أثنى ﵎ على المصطفَيْن الأخيار من عباده فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾. وذم الذين خَلَفُوهم مِنْ بعدهم، فلم يهتدوا بهديهم، بل أَضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فَسَوفَ يَلْقَوْنَ جزاءهم ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾. ومما ذكره الله تعالى في هذه السورة الكريمة، أَنه يحشر الكافرين يوم القيامة مع قرنائهم من الشياطيين .. وأَن جميع الخلق يَرِدُون جهنم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ وبعد ذلك يستنكر سبحانه أَشد الاستنكار، ما زعمه الزاعمون من اتخاذه ولدًا، إذ يقول: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ ثم يَعِد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأَنه سيجعل بينهم محبة وَوُدًّا ثم يختم سبحانه السورة الكريمة ببيان

стр. 2704

تيسيره القرآن للنبي ﷺ وقومه، بإنزاله بلسانه ولسانهم، حيث أنزله ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. ليسهل عليه تبليغهم كتاب ربهم، ويبشر به المتقين بحسن المثوبة، وينذر به المجادلين المعاندين بشديد العقوبة. إذ يقول: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. وأخيرا يضرب الله المثل بأمثالهم الذين أهلكهم في القرون الماضية فلم يُبقِ منهم أَحدا، فيقول - وقوله الحق -: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ ذلك. ومما يلاحظ في هذه السورة الكريمة أَنه كثر فيها ذكر الرحمة والرحمن، لما تجلى فيها من رحمة الله على عباده وهم في أشد الحاجة إليها!!

стр. 2705

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ المفردات: ﴿نَادَى رَبَّهُ﴾: أي دعا ربه . ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾: ضعف عظمى ورق لكبر سنى. ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾: وتغلغل الشيب في رأسى وَفَشَا فيه. ﴿الْمَوَالِيَ﴾: المَوْلَى: هو القريب الذي يلي أَمر الرجل من عصبته، كالأخ والعم وابن العم. ﴿عَاقِرًا﴾: عقيمًا لا تلد. ﴿وَلِيًّا﴾: ابنًا من صلبى يلي الأمر بعدي. ﴿رَضِيًّا﴾: مرضيًّا عندك قولًا وفعلًا. التفسير ١ - ﴿كهيعص﴾: افتتح الله ﵎ تسعًا وعشرين سورة بأسماء بعض الحروف الهجائية، وسورة مريم واحدة منها. وقد قال كثير من المفسرين: إن معانى هذه الحروف من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه، وهو أَعلم بمراده منها. وقال بعضهم: هي أسماءٌ للسور التي افتتحت بها، وقال بعضهم: هي رمز للتحدى، بالإشارة إلى أَن القرآن الكريم، مكون من جنس ما يَنْظِمُ العرب منه كلامهم، فإذا عجزوا جميعًا عن الإتيان بسورة من مثله - وهم أَئمة

стр. 2706

الفصاحة والبلاغة - وجب التسليم بأنه من عند الله ، وبأن محمدًا ﷺ لا يستطيع أَن يأْتي بسورة منه (١). ٢ - ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾: أي هذا الذي نقصه عليك - أَيها الرسول - هو ذكر رحمة ربك لعبده ورسوله زكريا، وهذا إجمال يأتي تفصيله قريبًا. وزكريا ﵇ نبى ورسول من أنبياء بني إِسرائيل، من ولد سليمان بن داود ﵉. روى الحافظ ابن كثير وغيره أنه كان نجارًا يأكل من عمل يده في النجارة، وهكذا كان الأنبياءُ يأكلون من عملهم. وقوله تعالى: ٣ - ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾: - مرتبط بقوله سبحانه -: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾: أَي أَن رحمة ربك أحاطت بعبده زكريا، حين دعا ربه دعاءً مستورًا عن الناس، ولم يسمعه أَحد منهم وإنما أَخفى دعاءه عليه الله السلام، وأَسر به وهو يتضرع إلى ربه؛ لأن الإِسرار بالدعاء أدل على الإِخلاص، وأَبعد عن الرياء، وأَقرب إِلى الخلاص من لائِمةِ الناس على طلب الولد وقت الكبر والشيخوخة. قال ابن كثير عن بعض السلف: قام من الليل ﵇ وَقد نام أَصحابه، فجعل يهتف بربه، يقول خفية: يا رب، يا رب، يا رب، فقال الله له: لبيك لبيك. ٤ - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي .... ﴾ الآية. هذا تفصيل وتفسير لكيفية ندائه ربه ﵇. أي: إني ضعف عظمى ورق لكبر سنى. والمراد: ضعُفتُ وخارت قواى. وإِنما أُسند الضعف إلى العظم؛ لأن العظام عماد البدن ودِعَامُ الجسد، فإِذا أَصابها الضعف والرخاوة تداعى ما وراءها وتساقطت قوته! ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾: أَي فشا الشيب وتغلغل في رأْسى، وسرى فيه كما تسرى النار في الحطب. ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾: أي ولم أَكن بدعائِى إِياك خائبًا في

стр. 2707

في وقت من أوقات هذا العمر الطويل، بل كلما دعوتُكَ استجبتَ لي، توسل ﵇ إلى ربه في استجابة دعائه بما سلف من الاستجابة له عند كل دعوة دعاها - إثر تمهيد ما يستدعى الرحمة به من غير سنه وضعف قوته، فإنه تعالى بعد ما عود عبده الإجابة دهرًا طويلًا لا يكاد يخيبه ابدًا، ولا سيما عند اضطراره وشدة افتقاره، وفي هذا التوسل من الإِشارة إلى عظم كرم الله ما فيه .. ويذكر المفسرون هنا ما يروى أن حاتمًا الطائى - أَو معن ابن زائدة - أتاه سائل فسأله وقال: أنا الذي أَحسنتَ إليه وقت كذا، فقال: مَرْحَبًا بمن توسل بنا إلينا، وقضى حاجته .. وأين كَرَمُ الكرماءِ أَجمعين، من كَرَم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم. ٥ - ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا … ﴾ الآية. هذا عطف على قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي … ﴾ فندرج فيما يستدعى رحمة ربه واستجابة دعائه، أي وإنى خشيت أقاربى الذين يلون الأمر من بعد موتى، ألا يحسنوا الخلافة، فيسيئوا إِلى الناس، ولا يقوموا مقامي في الدعوة إليك والحفاظ على شريعتك وإِنما خافهم لأنهم كانوا من شرار بنى إِسرائيل، وكانت امرأته عاقرًا لا تحمل ولا تلد، من شبابها إِلى شيبها، وهذا مما يزيد أقاربه تلهفا على خلافته وإِن لم يحسنوها. قدم ﵇ في ندائه لربه وضراعته إِليه، ضعف قوته وكبر سنه وشيخوخته، وخوفه من مواليه مع عقم امرأته - قدم هذا بين يدي سؤاله ربه هبة طيبة من ذريته (١) وذلك قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾: أَي أَعطنى من فيض فضلك الواسع وقدرتك الباهرة، ابنا من صلبى يلي الأَمر من بعدي يقوم مقامي ويحسن خلافتي، وإنى وإن كنت متقدمًا في السن، وكانت امرأَتى عاقرًا - ولا تزال - فإنك قادر على تحقيق مطلبى من غير الأسباب العادية، وأنك إذا أردت، قلت للشئ: كن، فيكون. ثم وصف ﵇ وليه الذي استوهبه من ربه فقال:

стр. 2708

٦ - ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ … ﴾ الآية. أي يكون وارثًا لِي في العلم والنبوة، ليسوس بني إسرائيل بمقتضى الشريعة والعدل، فقد تعدى حدود الله كثير منهم، وطغوا وبغوا وضلوا عن سواء السبيل، وقوله: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ توكيد لهذا الميراث النبوى الذي طلبه لوليه، فإِن زكريا من ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم صلوات الله وسلامه، وكانت النبوة في بيت يعقوب وآله - وآل الرجل هم خاصته الذين يئول إليه أَمرهم للقرابة أَو الصحبة أَو الموافقة في الدين فمراد زكريا ﵇ بهذا التوكيد أَن يكون ابنه نبيًّا كما كانت آباؤه أنبياء، ولم يرد ﵇ وراثته في المال؛ لأن الأَنبياءَ لم يُوَرِّثُوا آلهم دينارًا ولا درهمًا، فقد كانوا أزهد الناس في الدنيا، وإنما وَرَّثُوا العلم والنبوة. على أن زكريا ﵇ كان نجارًا يأْكل من كسب يده - كما قدمنا عن الحافظ ابن كثير وغيره. قال الحافظ ابن كثير: وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ" وفي رواية عند الترمذي بإِسناد صحيح: "نَحْنُ مَعْشَرَ الأنْبِيَاءَ لَا نُورثُ" (١) وعلى هذا فتعين حمل قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ على ميراث النبوة. انتهى ما قال الحافظ ابن كثير ملخصًا. ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾: أي واجعله يا رب مرضيًا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.

стр. 2709

﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ المفردات: ﴿سَمِيًّا﴾: أي شريكًا في اسمه أو شبيهًا له. ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾: كيف يكون لي غلام؟ أَو من أَين؟. ﴿عَاقِرًا﴾: عقيمًا لا تلد. ﴿عِتِيًّا﴾: العتي - بكسر العين وضمها وفتحها - غاية الكبر والشيخوخة، يقال: عتا الشيخ أي كبر وولَّى. ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ كيف يكون لي غلام أَو من أين؟ ﴿سَوِيًّا﴾: سوى الخلق، سليم الجوارح ما به شائبة نقص تعيبه. ﴿الْمِحْرَابِ﴾: المسجد أو المصلى. ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾: الإِيحاءُ هنا بعض الإِشارة وهي محتملة لأَن تكون بيده أَو برأسه أَو بالكتابة أو نحو ذلك. ﴿سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: نزهوا ربكم دائما، أَو صلُّوا له طرفى النهار.

стр. 2710

االتفسير ٧ - ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى … ﴾ الآية. هنا كلام مطوى يشير إِليه السياق على عادة القرآن الكريم. والمعنى: استجاب الله تعالى دعاء عبده زكريا وقال له على لسان الملائكة: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ .... ﴾ كما قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى .... ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾: أَي لم نجعل له شريكا في هذا الاسم، فلم يُسمَّ أحد قبله يحيي، وفي هذا مزيد تشريف وتفخيم له ﵇ .. وعن مجاهد أن "سميا". معناهُ شبيها، أخذه من قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (٢). أي شبيها أَي لم نجعل له شبيها، حيث إنه لم يعص ولم يهُمَّ بمعصية، فقد أَخرج أَحمد وغيره عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ أحدٍ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِلاَّ وَقدْ أخْطأ أوْ هَمَّ بِخَطِيئَةٍ إِلاَّ يَحْيَى بْنَ زَكَريّا ﵉، لَمَ يَهُمَّ بَخطيئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا". قال الآلوسى: والأخبار في ذلك متضافرة. أهـ. ويؤيد ذلك قوله تعالى في شأنه: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣). ٨ - ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾: أي قال زكريا ﵇: يا رب كيف يكون لي غلام وكانت امرأتى - ولا تزال - عاقرا لا تحمل ولا تلد، وقد بلغت سن اليأْس من الولد؟ "وهذا تعجب بحسب العادة"، لا استبعاد منه لقدرة الله - وحاشاه - فقد روى عن ابن عباس ﵄ أن سنه كانت إِذ ذاك مائة وعشرين سنة، وكانت سن امرأته ثمانيًا وتسعين، ولا يولد لمثلهما عادة، ولكن لله تعالى خرق العادة، وما المعجزات التي أَيد الله بها رسله إلا خرق لها …

стр. 2711

٩ - ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ .... ﴾ الآية. أَي قال الله تعالى على لسان الملَك مجيبا زكريا عما تعجب منه: الأمر كما بُشِّرْتَ به، وإيجاد الولد منك ومن زوجك هذه لا مِنْ غيرها سهل يسير على. ثم ذكر له ما هو أعجب منه فقال: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾: أي وقد خلقتك من قبل خلق يحيى الذي بشرتك به، ولم تكن شيئًا مذكورا حيث خلقتك من تراب في ضمن خلق أبيك آدم، أو وأنت نطفة لم تكن شيئًا مذكورًا بجانب ما أنت عليه الآن، فمن قدر على خلقك مما يشبه العدم، فهو قادر على تحقيق ما بشرك به. ١٠ - ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً .... ﴾ الآية. أي قال زكريا ﵇: يا رب اجعل لي علامة ودليلا على حمل امرأتى، أو على وجود ما وعدتنى به، لتستقر نفسى ويطمئن قلبى، كما قال إِبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (١). ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾: أي قال الله تعالى: علامتك على تحقيق ما وعدتك أن يحبس لسانك عن كلام الناس وأنت سوى الخلق سليم الجوارح، ليس بك شائبة خرس ولا بكم. فكان ﵇ يقرأ ويسبح، ولا يستطيع أن يكلم الناس إِلا إِشارة ورمزا. والمراد ثلاث ليال بأيامها، وفقًا لآية آل عمران: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٢). ١١ - ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: روى أن قومه كانوا من وراء المسجد ينتظرون أن يفتح لهم الباب فيدخلوه ويصلوا، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم متغيرا لونه، فأنكروه وقالوا: ما لك؟ فأشار إِليهم بيده إشارة خفيفة سريعة: أن نَزِّهُوا ربكم دائمًا أو صَلُّوا له طرفى النهار.

стр. 2712

﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ المفردات: ﴿الْكِتَابَ﴾: المراد به التوراة. ﴿الْحُكْمَ﴾: الحكمة، أو الفهم والفقه في الدين .. وقيل النبوة. ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾: أي رحمة عظيمة في قلب يحيى من عندنا وشفعة منه على الناس ومحبة لهم صادرة منا. ﴿وَزَكَاةً﴾: أي طهارة بريئة من الذنوب والآثام. أو بركة عظيمة. ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾: وكان في أعلى درجات التقوى لله . ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا﴾ ولم يكن متكبرا متعاليًا على الناس. ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾: السلام هنا: الأمان من الله تعالى في الأيام الثلاثة، أو التحية منه سبحانه. التفسير ١٢ - ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ … ﴾ الآية. هنا كلام مطوى حذف مسارعة إِلى الإنباء بإنجاز الوعد الكريم. أي: ولد الغلام المبشَّر به. وبلغ سنًّا يؤمر مثله فيها، فقلنا له على لسان المَلَك: يا يحيى خذ التوراة بجد وعزم فاستطهرها واعمل بما فيها. ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾: أي وأَعطيناه الحكمة والفقه في الدين والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه، وهو صغير حَدَثٌ. قال الآلوسى: أَخرج أبو نعيم وغيره ضمن ابن عباس عن النبي ﷺ أَنه قال في ذلك: أُعطى

стр. 2713

الفهم والعبادة وهو ابن سبع سنين، وفي رواية أُخرى عن ابن عباس أَيضًا عن النبي ﷺ : قال الغلمانُ ليحيى بن زكريا ﵉: اذهب بنا نلعب، فقال أللَّعِبِ خلقنا؟ اذهبوا نصلى، فهو قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. قال الآلوسى، والظاهر أن الحكم على هذا بمعنى الحكمة، وقيل هي: بمعنى العقل .. وقيل النبوة، وعليه كثير، قالوا أُوتيها وهو ابن سبع سنين .... ولم ينبأْ أكثر الأَنبياء ﵈ قبل الأَربعين. انتهى كلام الآلوسى مختصرا. ١٣ - ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾: أي وآتيناه رحمة عظيمة في قلبه، وشفقة على الناس ومحبة لهم، وآتيناه كذلك بركة عظيمة من عندنا، فجعلناه مباركا نفَّاعًا، معلمًا للخير وداعيا إِليه، وكان عظيم التقوى لله ، وتقدم أنه ما هم بمعصية، فضلا عن اكتسابها. ١٤ - ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾: أَي وكان يحيى ﵇ كثير الِبر والإحسان بوالديه، إِذ هما أقرب الناس إليه، وحقهما في الطاعة يلي حق الله ، ولم يكن متكبرا على عباد الله متعاليًا عليهم بل كان لين الجانب متواضعًا كريما مطيعًا لربه قدوة في المكارم، وهذه الصفات التي وصف الله بها يحيى ﵇، هي صفات المؤمنين الكاملين، الذين بلَّغهم الله ﵎ أَعلى درجات الصلاح والتقوى. فسبحانه وتعالى أَعطى وأثنى. وبعد أن أَثنى الله على يحيى بهذه الصفات الكريمة، اتبعها السلامَ عليه فقال عز من قائل: ١٥ - ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾: أَي: وأَمانٌ منا على يحيى يوم ولدَ - من أَن يناله الشيطان بما ينال به بنى آدم؛ ويوم يموت - من وحشة فراق الدنيا وهول القبر؛ ويوم يبعث حيا - من أَهوال يوم القيامة.

стр. 2714

وفي قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ إشارة إِلى أَن البعث جسمانى وروحاني معا. لا روحانى فقط كما يزعم بعض الفلاسفة. أو للتنبيه على أَنه ﵇ من الشهداء (١). وقيل إن المراد بالسلام هنا التحية المتعارفة. قال ابن عطية: إن هذا هو الأظهر، والتشريف بها لكونها من الله تعالى في المواطن التي يكون فيها الجد في غاية الضعف والحاجة والفقر إلى الله . ذلك. ومما يعد من اللطائف النبوية ما رواه الطبرى وابن كثير عن الحسن قال: إن يحيى وعيسى ﵉ الْتَقَيَا - وهما ابنا الخالة - فقال يحيى لعيسى: استغفر لي أَنت خير مني. فقال له عيسى: بل أَنت خير مني. سلمت على نفسى وسلم الله عليك … ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾ المفردات: ﴿انْتَبَذَتْ﴾: اعتزلت وانفردت. ﴿رُوحَنَا﴾: جبريل ﵇، سماه تعالى روحًا، لأَن الدين يحيا بالوحى الذي ينزل به. ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾: فتصور لها إنسانًا مُسْتَوِىَ الخلق كامل البنية. ﴿أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾: أتحصن بالرحمن منك وألتجئُ إليه.

стр. 2715

﴿زَكِيًّا﴾: طاهرا من الذنوب والآثام، من الزكاة بمعنى الطهارة، أَو ناميا على الخير والبركة، من الزكاة بمعنى النمو. التفسير ١٦ - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾: لما ذكر الله ﵎ قصة زكزيا ﵇، وأنه تعالى وهب له في حال كبره وعقم زوجته غلامًا زكيا مباركا - عطف على قصته قصة مريم وولدها عيسى ﵉، لِمَا بين القصتين من مناسبة عظيمة ومشابهة قوية - وقد قرن تعالى بين القصتين في هذه السورة، وفي سورة آل عمران وفي سورة الأَنبياء عليهم الصلاة والسلام. والمخاطب هو سيد المخاطبين ﷺ . والمراد بالكتاب القرآن الكريم، كما هو الظاهر. وقال العلامة أبو السعود: المراد بالكتاب السورة الكريمة، لا القرآن كُلُّه، إِذ هي التي صدرت بقصة زكريا المستتبعة لذكر قصتها وقصص الأنبياء المذكورين فيها. اهـ. والمآل واحد، فإن ذكرها في هذه السورة يعتبر ذكْرًا لها في القرآن. والمعنى: واذكر أيها الرسول - في القرآن قصة مريم حين اعتزلت أهلها وانفردت عنهم، وأَتت مكانا شرقىَّ بيت المقدس (١)، لكي تتفرغ فيه لعبادة ربها، وكانت مستترة من أهلها ومن الناس بساتر يحجبها، أو اتخذت مكانا شرقى دارها بعيدا عن أهلها لئلا يشغلها أحد منهم عن عبادة ربها وذلك قوله تعالى: ١٧ - ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا … ﴾ الآية. أي فاتخذت بينها وبينهم ساترا يحجبها عنهم، روى أَنه كان موضعها في المسجد، فبينما هي في خلوتها أَتاها جبريل ﵇ في صورة إنسان تام الخِلْقَة، كامل البِنية جميل الصورة، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾: وإِنما جاءها ﵇ في صورة إِنسان كامل. لتستأْنس بكلامه، وتتلقى منه ما يلقى إِليها من كلمات ربها إِذ لو بدا لها

стр. 2716

على حقيقته الملكية لنفرت منه ولم تستطع مفاوضته، ومن عادة الملَك إِذا تصور بصورة إنسان أن يكون جميل الصورة، كما كان جبريل ﵇ يأتي إِلى النبي ﷺ في سورة دحية ﵁، وكان من أجمل الناس. وقد يكون من الحكمة في مجيئه على الصورة الجميلة ابتلاؤها وسبر عفتها، ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه ..... ١٨ - ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾: أي لما تبدى لها جبريل ﵇ في صورة إنسان، وهي في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب - لَمّا حدث ذلك - خافته، وظنت أنه يريد بها سوءًا، فاستعاذت بالله - وهو أرحم الراحمين - أَن يحفظها برحمته منه. ولعل هذا هو السر في استعاذتها باسمه الرحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى. وقولها ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي إن كنت تتقى الله تعالى وتخشى الاستعاذة به، فلا تمسَّنى بسوءٍ - فإني عائذة به ولاجئة إِليه. ١٩ - ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾: أي قال جبريل ﵇ مجيبًا إِياها، ومزيلا خوفها: إنمَا أَنا رسول ربك الذي استعذتِ به مني، فقد بعثنى إِليك لأكون سببا في هبته لك غلاما طاهرًا مباركا بالنفخ في حبيب درعك (١). ومن اللطائف ما ذكره الآلوسى عن ابن عباس ﵄، أَنها لما قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تبسم جيريل ﵇ وقال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾.

стр. 2717

﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾ المفردات: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾: المراد؛ ولم أتزوج. ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾: أَي ولم أكن زانية تبغى الرجل أو يبغيها الرجال للفاحشة. ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾: أَي وكان حمل مريم أمرًا سبق به القضاءُ أزلا فلابد منه. التفسير ٢٠ - ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾: أَي قالت مريم لجبريل ﵉ وهي دهشة متعجبة: كيف يكون لي غلام ولست متزوجة ولا زانية، ولا يكون الغلام إلا من إحداهما؟ .. ٢١ - ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ … ﴾ الآية. أي قال جبريل لمريم مجيبا إياها ومزيلا دهشتها وتعجبها: الأمر كما قال ربك: إِن خلق هذا الغلام منك بلا نكاح ولا سفاح سهل يسير علي. وقوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾: معطوف على مقدر مناسب مفهوم من السياق، والاختصار من الصور البلاغية في القرآن، وتقدير الكلام: لنبين للناس كمال قدرتنا، ولنجعل خلق هذا الغلام من غير أب علامة عظيمة على قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوَّع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر وأنثى، وخلق أمهم حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى إِلا عيسى، خلقه من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم

стр. 2718

سلطانه، فلا إِله غيره، ولا رب سواه، وقوله سبحانه. ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾: أي ولنجعل هذا الغلام رحمة منا عظيمة، لمن يؤمنون به ويهتدون بهديه، ويسترشدون بإرشاده، وفي ضمنه .. إيمانهم برسول من بعده اسمه أحمد ﷺ . وقوله جل شأنه: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾: أي وكان خلق هذا الغلام بلا أب أَمرًا قضيناه وقدرناه أزلا، فهو مقضى كائن لا محالة، كقوله جل سلطانه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (١). ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾. المفردات: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾: أي فاعتزلت به مكانا بعيدًا عن أهلها. ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾: فألجأَها أَلم الولادة وشدة أوجاعها. ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾: الجذع هو الساق ليس عليها سعف ولا أَغصان. ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾: النِّسْىُ؛ الشيءُ التافه الذي شأنه أن ينسى لحقارته كالحبل والخِرَقِ البالية، والْمَنْسِىُّ المتروك المهمل لتفاهته، وهو تأكيد لما قبله.

стр. 2719

﴿السَرِيُّ﴾: الجدول الذي يسرى فيه الماءُ، أو السيد العظيم الخصال. ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾: أي صالحا للاجتناء والقطع بعد أَن صار طريا، وقال أَبو عمرو بن العلاء. ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ لم يجف ولم ييبس ولم يبعد عن يدي مجتنيه. التفسير ٢٢ - ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾: أي فاطمأنت مريم ﵍ إلى قول جبريل، فدنا منها فنفخ فيها، فحملته بالغلام الذي بشرها به عقب النفخ فيها، فلما قرب وضعها قصدت مكانا بعيدًا عن أَهلها، فرارًا من تعييرهم لها، وقد روى أَنه قرية على بضعة أميال من بيت المقدس يقال لها بيت لحم. حكى ذلك ابن وهب. ٢٣ - ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ .... ﴾ الآية. أي فألجأها الطلق وشدة الولادة وأَوجاعها، بسبب تحرك الجنين نحو الخروج - ألجأَها ذلك - إِلى جذع النخلة وهو ساقها، لتستند إِليه وتتعلق به ليكون عونا لها على قوة الاحتمال، والتستر به عن أَعين الناس، وكان جذعا لنخلة يابسة على أكمة في الصحراء لا سعف له ولا غصن عليه. فعن ابن عباس ﵄ أنها ﵍ لما اشتد عليها الطلق نظرت إِلى أكمة، فصعدت مسرعة فإذا عليها جذع نخلة نخرة ليس عليها سعف. اهـ ولو كانت ذات سعف أخضر وفيها حياة لقال: فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى النَّخْلَةِ. ولعل الله أرشدها إِليه ليريها آية من آياته، كإثماره بدون سعف ومن غير لقاح وفي وقت لم يعهد فيه وجود ذلك الثمر، تسكينا لروعها، وتطمينًا لنفسها بمثل هذه الخوارق، ولكنها عندما أحست أَنها ستتهم في الإِتيان بهذا المولود بعد أن كانت عندهم عابدة ناسكة، وأنها سوف تصبح فيما يظنون عاصية فاجرة، تمنت الموت كما حكى الله عنها ذلك بقوله: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾: يا ليتنى من قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتى المولود بغير بَعْلٍ، فهي مدفوعة إِلى هذا القول مما شعرت به من أَلم النفس استحياءً من الناس، وخوفا من لائمتهم وحذرا من وقوعهم في المعصية بما يتكلمون في عفتها، فقد توقعت فتنة شديدة بين أَهلها وذويها، وقذفا عنيفا يمس شرف أَصلها، وطهارة أَبيها وأُ

стр. 2720

فأَثار ذلك أَحزانها وجعلها بعد تمنى الموت تتمني أَن تُنسى فلا تذكر أَبدا حيث قالت: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾: أَي وكنت شيئًا تافها، يطرح فلا يتألم لفقده لتفاهته وعدم الاهتمام به، والمنسى الذي لا يخطر ببال أَحد من الناس، فذكره بعد. ﴿نَسْيًا﴾ لتأكيد إهمال هذا الشيء، وكأنها تريد كما قال أبو زيد: لم أَكن شيئًا قط، أو كما قال قتادة: شيئًا لا يعرف ولا يذكر ولا يدرى من أَنا .. ٢٤ - ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا … ﴾ الآية. المنادى إما جبريل، وإما عيسى ﵉، فعلى الأول يكون المعنى: فناداها جبريل من مكان أَسفل منها في بقعة تنخفض عن البقعة التي كانت عليها، حين فاجأَها المخاض، وقد ذهب إلى أن النداءَ كان من جبريل عبد الله بن عباس ﵄. وأما على أن المنادي عيسى فقد أنطقه الله حين الولادة، وروى ذلك عن مجاهد ووهب وابن جبير ونقله الطبرسى عن الحسن. وقرئَ ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ بفتح الميم وكسرها، وعلى كلتا القراءتين يحتمل أَن يكون المنادي جبريل أو عيسى ﵉ كما تقدم. ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾: هذا تفسير للنداء السابق، أَي أَن المنادِي هتف بها عن قرب منها، ينهاها عن الحزن خوفًا من مقالة الناس بشأن ولادتها من غير زوج قائلا في ندائه: لا تحزنى قد جعل ربك تحتك غلامًا شريفًا سيكون له شأن عظيم. ثم أَتبع سبحانه الحديث عن شرف وليدها حديثًا آخر عن طعامها في نِفَاسِها تذكيرًا بآلائه، ورضاه عنها، وتخفيفًا لكربها … ٢٥ - ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ .... ﴾ الآية. أَمرها بهز جذع النخلة لترى آية أخرى من آيات الله في إحياء مواتِ الجذع، أي حرِّكيه تحريكًا متواليًا بطريق الجذب إلى جهتك. ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾: تكفل الله بإطعامها بما لا يتعبها ولا يشقيها، بل بما هو في متناول يدها، حيث أَمرها بهز جذع النخلة إِلى جهتها هزًا متعاقبًا، تُسَاقط أَي تُسْقِط

стр. 2721

عليها النخلة تمرًا نضِيجا قد طَرِىَ وأصبح صالحًا للاجتناء؛ والرُّطب - كما قيل - من أطيب الأطعمة للنُّفَساء. فقد ثبت طبيًا أَنه يحتوى علي المواد الغذائية الرئيسية بصورة مركزة سهلة الهضم، محققة الفائدة، ولو علم الله طعامًا يفضله لأطعمه مريم ﵍، وعلى الرطب وغيره من أنواع التمر يعتمد كثير من القبائل العربية وغيرها إلى أيامنا هذه، وتجد في تلك الأنواع كل ما تحتاجه مقومات الحياة. ٢٦ - ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا .... ﴾ الآية. امتَنّ سبحانه على مريم ﵍ بما تضمنته الآيتان السابقتان من إخراج الرطب لها في غير وقته خرقًا للعادة، لتسليتها عن حزنها، ولتنزيه ساحتها عما تختلج به صدور المتقيدين بالأحكام العادية، وقد جاءَت هذه الآية تفريعًا على ما ذكر، لتأْمرها بالأَكل من الرطب والشرب مِن الماء حولها، وبأَن تطيب نفسًا إيذانًا بحسن العاقبة. والمعنى: فكلى من الرطب الجنى، واشربي من الماءِ النقى - وقيل من عصير الرطب - وطيبى نفسا بعيسى وأذْهبِي عنك ما أحزنك، بشأن مولده دون أب. وما يترتب عليه من سوء القالة، فسوف نبرئك مما يشينك، ونجعل لولدك شأْنًا عظيمًا. هذا: ومما قيل في معنى ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ اجعلى عينك تسكن للراحة والنوم، قال أبو عمرو: أقر الله عينها أي أنامها وأذهب سهرها، وقال الشيبانى ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ أي نامي، وكل ذلك متقارب المعاني، وقدم الأمر بالأكل في الآية، ليجاور ما يشاكله وهو الرطب. والأمر يحتمل الوجوب والندب. وذلك حسب حالها التي هي عليها، وقيل هو للإباحة. ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾: كائِنا من كان يريد أن يستنطقك ويتحدث معك، فيسألك عن وليدك ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: أي قولى هذه الجملة وعبرى عن معناها بلغتك تعبيرًا لفظيًا، وبه قال الجمهور، وقال جماعة: القول هنا بالإِشارة لا بالكلام، وكان صومهم إمساكًا عن الطعام والكلام كما تأمرهم به شريعتهم. قال

стр. 2722

ابن زيد والسدى: كانت سنّة الصيام عندهم الإمساك عن الأكل والكلام مطلقًا، وقيل الصوم هنا بمعنى الصمت، ولذا قالت عقبه: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ فكان صيامهم الصمت، وقد نذرته، وليس هذا في شرعنا وإن كان قربة في شرع من قبلنا، فإن نذره أَحد لا يلزمه الوفاء به لما فيه من المشقة، وقد دخل أبو بكر ﵁ على امرأة نذرت أَلا تتكلم، فقال لها: إن الإِسلام هدم هذا فتكلمى، وكذلك فعل ابن مسعود (١). وقد تمسكت مريم بصمتها الذي نذرته حيث حكى الله عنها قولها: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾: أي إني أمتنع اليوم امتناعًا قاطعًا عن تكليم أحد من البشر فرارًا من مجادلة السفهاء الذين ينكرون وجود ولد بدون أَب، ويلِحُّون في الجدل وإثارة الشكوك حولى، وهي بهذه الطريقة المثل تقطع أَلسنة الذين يحبون أَن تشيع الفاحشة بالثرثرة والاختلاق والإعراض عن سماع الحجة، وقالت: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ لأن صيامها لا يمنعها من مناجاة رَبها أو التحدث مع الملائكة إِن حدثوها، وقيل إن قوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا .... ﴾، الآية من كلام عيسى: لما قال لها لا تحزنى، قالت له: كيف لا أحزن وأنت معى، لا ذات زوج ولا مملوكة، أي شيء عذرى عند الناس؟ قال لها: أَنا أكفيك الكلام، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا … ﴾ الآية. قال ذلك عبد الرحمن بن زيد ووهب (٢).

стр. 2723

﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ المفردات: ﴿جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾: الفرى الأمر المختلق المصنوع. وقال الأخفش: فَريًّا: أَي عجيبًا. ﴿امْرَأَ سَوْءٍ﴾: السوءُ بالفتح والضم، اسم لكل ما ينزل بالإِنسان من كل شيءٍ يسوءُه، وقيل المضموم: الضرر والمفتوح الفساد ﴿بَغِيًّا﴾: فاجرة. يقال بَغَتِ المرأة تبغى بِغاءً بالكسر فجَرت فهيَ بَغِي. ﴿فِي الْمَهْدِ﴾: المهد هنا هو الموضع يهيأُ للصبى وَيُوَطأُ في رضاعه كالمِهاد. ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾: مطيعًا غير عَاقٍّ. ﴿جَبَّارًا﴾: أي عاتيا يمتلئُ قلبه بالشدة. ﴿شَقِيًّا﴾: بعيدًا عن الخير. التفسير ٢٧ - ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ .... ﴾ الآية. لما اطمأنت مريم لما رأَت من الآيات، وعلمت أَن الله سيدفع عنها، سلمت أمرها لله، واستسلمت لقضائه، واستمسكت باصطحاب ولدها، فأتت به قومها تحمله من المكان

стр. 2724

القصى الذي انتبذت به، فلما رأوها ومعها الصبى، حزنوا حزنًا شديدًا، وأعظموا أمرها، واستنكروه بقوة، وعلت أصواتهم محزونين. ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾: أي ثميئًا مختلقًا مُفْتَرًى، وفي البحر أن الفَرِىَّ يستعمل في العظيم من الأمر شَرًّا أَو خيرًا، قولًا أَو فعلا، ويراد به هنا كونه أمرًا خطيرًا، جديرًا بكل إِنكار … ٢٨ - ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ .. ﴾ الآية. الآية استئناف قصد به تجديد تعييرهم لها، وسخريتهم منها، وتأْكيد توبيخهم إياها لِمَا ضيعته من أمجاد أهلها، وليس المراد هارون أخا موسى بن عمران ﵉ لما بينهما من سنين طويلة، وإِنما هو رجل صالح في بني إِسرائيل وكان هذا الاسم يشيع فيهم لأنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين فيهم، فكأنهم قالوا لها: يا أُخت هذا الرجل في الصلاح والتقوى في أول أَمرك، كيف انتهيت إلى فعل هذه الخطيئة؟! وقيل: هو رجل فاسد شبهت به شتمًا لها: وقيل المراد به هارون أخو موسى ﵉، أَخرج ذلك ابن أَبي حاتم عن السدى وعلي بن أَبي طلحة، ووصفت بأخوتها له؛ لأنها كانت من نسله، كما يقال يا أخا العرب لمن كان منهم، والتوجيه الأول أصح، ففي مسلم عن المغيرة بن شعبة قال: لما قَدِمْتُ نجران سألوني فقالوا: "إنكم تقرءُون يَا أخْتَ هَارُونَ" وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قَدِمتُ على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك فقال: "إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصلحائهم". ومعنى هاتين الآيتين، كيف تأْتين هذا الأمر العظيم، وقد عُرِفتِ بالصلاح والتقوى كما عُرِفَ بها هارون، وأَبوك لم يكن امرأَ سوء يتصف بِشَرٍّ أو فساد، وما كانت أمك منحرفة فاجرة، بل أنت في ماضيك البعيد والقريب من بيئة لا ينبغي أن تُنْبتَ إِلا الطيبين الطيبات، وفي ذلك إِشارة إلي أَن ارتكاب الفواحش من أَولاد الصالحين أفحش من ارتكابه ممن سواهم وتنبيه على أَن الفروع غالبًا ما تكون زاكية إِذا زكت الأصول، وتكون خبيثة إِذا لم تكن أصولها كذلك.

стр. 2725

٢٩ - ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ … ﴾ الآية. أَي فأشارت إِلى عيسى ﵇ أن كلموه وسلوه عما تريدون، تنفيذًا لما أُمرت به، وحينما فهموا إِشارتها. ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾: أي قالُوا منكرين ما فهموه منها حين أشارت إلى عيسى، متعجبين لهذا الأمر، حيث إنه لم يعهد فيما سلف أن صبيا يكلمه عاقل، وهو في فراشه الممهد له وفي سن رضاعه، فكيف نكلم هذا؟ قال السدى لما أشارت إليه غضبوا وقالوا: لَسخْرِيَتُها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبى أَشد علينا من زناها .. ٣٠ - ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا … ﴾ الآية. هذا كلام مستأْنف، كأنه قيل: فماذا كان بعد إشارتها إليه أَن يكلمهم بعد أن وقع منهم ما وقع من إنكار وتعجب، فكان الجواب: قال عيسي إني عبد الله آتانى الكتاب وجعلنى نبيًا، فكان أول ما نطق به الاعتراف بعبوديته لله تعالى، وببروبية الله لعيسى ثم ذكر فضل الله عليه حيث يقول: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ أي حكم أزلا بإيتائِى الإنجيل، وإِن لم يكن منزلا إذ ذاك، وحكم كذلك بإيتائى النبوة بمعنى أعَدَّنِي لها، وجعلنى ذا قدرة على تحمل أَعبائها. وفي كل ما قاله تنبيه على براءة أمه، لدلالته على اصطفائه، والله سبحانه أجل من أن يصطفى المطعون في نسبه وذلك من المسلمات عندهم، ففيه من إِجلال أمه بالتلميح ما ليس في التصريح. ٣١ - ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ .... ﴾ الآية. أي وجعلنى ذا بركات ومنافع في الدين، فأي مكان وُجدت فيه فأنا مبارك ممتثل أمر ربي. وعن سفيان: جعلني مُعَلِّم الخير، أَمرًا بالمعروف، وناهيًا عن المنكر. ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾: وأَمرني بأدائهما مدة بقائى حيًّا في هذه الدنيا أمرًا مؤكدًا، فلا أَتوانى عنهما منذ يبدأ تكليفى بهما، حتى ينتهى أجلى، وقد اقتصر على الصلاة والزكاة من بين ما سوف يشرعه الله في دينه لأَهميتهما، ويجوز أن يراد بالزكاة تطهير النفس من الرذائل وقد أَوصانى بذلك ....

стр. 2726

٣٢ - ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي … ﴾ الآية. أَي وجعلنى بارًّا بها امتثالًا لأمره بهذا البر، فهي السبب في وجودى في هذه الدنيا بعد مشيئة الله ﵎. قال ابن عباس: لما قال: وبرًّا بوالدتى ولم يقل وبرًّا بوالدى، علم أن هذا الصغير شئٌ من جهة الله تعالى. اهـ وفي ذلك تأكيد لطهارة أُمه، وقرئ وبِرًّا بكسر الباءِ على أنه مصدر وصف به مبالغة كأنه نفس البر. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾: أَي ولم يجعلني في علمه الأزلى مستكبرا عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأكون بذلك شقيًّا عاصيًا لربي عاقًا لوالدتى، وقال بعض السلف لا تجد أَحدًا عاقًا لوالديه إِلَّا وجدته جبارًا شقيًّا. ٣٣ - ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ … ﴾ الآية. أي وخصني الله بالسلامة والأمن في الدنيا حين ولدت، وفي القبر حين أَموت، وفي الآخرة يوم أُبعث حيًّا، فقد سَلِمَ ﵇ في أَحواله كلها، من غضب الله تعالى وعقابه، وفي قوله ﵇ تعريض بما يصيب مُتَّهِمِى مريم وأَعدائها من اليهود، من فزع واضطراب وما ينزل بهم من سوء اله ذاب. ونظيره ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ (١). يعني أَن العذاب على من كذب وتولى، حيث كان المقام مقام معارضة وعناد فهو منته إِلى نحو هذا من التعريض.

стр. 2727

﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ المفردات: ﴿يَمْتَرُونَ﴾: يختلفون ويتخاصمون. ﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيهًا له جل وعلا عن النقائص. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾: أراده وحكم به. التفسير ٣٤ - ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ .... ﴾ الآية. ذلك الذي قصصنَا عليك من أمره هو عيسى بن مريم، فليس أمره كما اعتقده اليهود أو النصارى. نقول ذلك ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾: أي القول الثابت الذي لا ريب فيه. وقرئ بالرفع على أَنه خبرٌ لمبتدأ محذوف أي هو قول الحق، يعنى ذلك أن الكلام السابق هو قول الحق في عيسى ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: أَي يختلفون ويتنازعون في شأْنه، فيقول اليهود إنه ساحر ويتهمون أمه مما هي بريئة منه، ويقول النصارى إنه إله أو ثالث ثلاثة. وقد كذبهم الله بما سبق من الآيات وبقوله: ٣٥ - ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ … ﴾ الآية. لما ذكر الله سبحانه أَنه خلق عيسى عبدًا نبيا، نزه ذاته المقدسة عن اتخاذ الولد بتكذيب فرية المفترين ودحض بهتانهم فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾.

стр. 2728

أَي ما ينبغي وما يستقيم في منطق عاقل أَن يصف الله باتخاذ أي ولد لأنه سبحانه ليس من صفته اتخاذ الولد حيث إنه منزه عن الاحتياج إليه ولا إلى أحد من مخلوقاته، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: أي إِذا أراد إيجاد أمر من الأُمور تعلقت به إِرادته أوجده بلا توقف بقوله كن فيكون، فمن كان هذا شأنه فكيف يتوهم أن يكون له ولد، وهو من أمارات الاحتياج والنقص، ومع دلالة الآية على تنزيهه تعالى صراحة، فهي تشير ضمنا إلى تكذيب النصارى وتبكيتهم على قبح عقيدتهم. و ﴿مِنْ﴾ في قوله ﴿مِنْ وَلَدٍ﴾ لإفادة التأكيد وقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ على ما ذهب إِليه كثير من أَهل السنة، تمثيل إيجاد ما تتعلق به الإرادة بلا توقف - تمثيله - بالطاعة الفورية من المأمور لآمره، وليس المراد أنه إذا أراد إِحداث شيء أتى بالكاف والنون، ففي الكلام استعارة تمثيلية، ويرى آخرون أن الأمر في ﴿كُنْ﴾ محمول على حقيقته وأنه سبحانه أَجرى سنته في تكوين الأشياء أن يكوّنها بكلمة ﴿كُنْ﴾ أزلا ومن ذلك عيسى ﵇ خلق بكلمة كن فكان … ٣٦ - ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ .... ﴾ الآية. الظاهر أَن هذا من تمام كلام عيسى ﵇ وهو في مهده، يخبر به قومه بأن هذا الدين القيم هو دين الله الذي هو ربه وربهم - ويأمرهم بعبادته تعالى وبألا يشركوا به شيئًا. لأنه وحده المستحق للعبادة، والسبيل إِليه لا اعوجاج فيه ولا التواء كما يقول تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أي هذا الذي حدثتكم به عن الله من التوحيد طريق قويم، من سلكه رشد وسعد ومن أعرض عنه ضلَّ وشقى. وروى أن عيسى بعد تبرئته لأُمه بما تقدم، عاد إِلى حالة الأطفال فلم يتكلم إِلا في الوقت المناسب للكلام ولم يصل ولم يصُم وهو ابن يوم أو شهر، ولو دام نطقه وتسبيحه ووعظه وصلاته من وقت الولادة لكان هذا مما يُروَى ولا يكتم، وإنما اقتصر حديثه على وقت اتهام أُمه لتبرئتها ودفع الحد عنها (١).

стр. 2729

﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ المفردات: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾: الأحزاب جمع، مفرده الحزب وهو الطائفة وجماعة الناس، والمراد بالأحزاب هنا من اختلفوا في شأْن عيسى ﵇ من طوائف أهل الكتاب. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الويل الهلاك، أو هو تفجيع من هول ما ينزل أَو هو كلمة عذاب. ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: في ضلال ظاهر لا يخفى على أحد. ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾: أَي تم الفصل بين أهل الجنة وأهل النار. التفسير ٣٧ - ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ .... ﴾ الآية. هذه الآية مرتبة على ما قبلها تنبيها على سوء صنيع أَهل الكتاب حيث جعلوا ما يوجب الاتفاق في شأن عيسى ﵇، بعد أن تكلم في المهد مبيّنًا أَنه عبد الله ورسوله، وَكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه جعلوا ذلك منشأ للاختلاف فيه فطعن اليهود في نسبه، وغلت فيه النصارى، فقالت طائفة منهم هو ابن الله، وقالت أُخرى هو ثالث

стр. 2730

ثلاثة، وقالت طائفة ثالثة هو الله، وفي تهديد هؤلاء جميعًا ووعيدهم يقول تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: أَي فالهول المفزع والعذاب الأليم لهؤُلاء الكافرين بعيسى ﵇ يوم يقع الحساب والجزاءُ العظيم، حين يتضح لهم أنه عبد الله ورسوله، وأمه طاهرة نظيفة العرض، وأن الله تعالى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وإن مصيرهم السعير وبئس المصير، وإنما أخر عقوبتهم إلى يوم الحساب، لأَنه لا يعَجِّل بعقوبة من عصاه، لعله يثوب إِلى رشده، ويتوب إِلى ربه، ويرجع عن غيّه ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ (١). ٣٨ - ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا … ﴾ الآية. أي حين يأْتوننا يوم القيامة للحساب والجزاء، تكون أَبصارهم حادة وأسماعهم قويّة فلا يكون أحد أَسمع منهم ولا أبصر، بعد أَن كانوا في دنياهم عُميًا وصُمّا، فحالهم جدير بأَن يتعجب منه، وقيل هو تهديد وتخويف مما سيسمعون وينظرون يوم الموقف العظيم، مما تنخلع له قلوبهم وتسود برؤْيته وجوههم جزاءَ ما اقترفوا من صدّ وإعراض. ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: أي لكن الذين ظلموا أنفسهم في الدنيا في ضلال واضح بين، حيث أغْفلوا الاستماع والنظر، فاعتقدوا كون عيسى إلها معبودا مع أنه بشر مثلهم حملته أُمه كما حملتهم أُمهاتهم، وأكل وشرب واحتاج، ولكنهم في الآخرة يزولُ ضلالهم حين يسمعون الحق ويبصرون آياته، فيعترفون بأَنهم ظلموا أَنفسهم ظلما بينا باعتقادهم الفاسد في بنوة عيسى لله أو ألوهيته، وهيهات أن ينفعهم ذلك الاعتراف بعد فوات الأوان … ٣٩ - ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أَي وأنذر الظَّالمين أَيها النبىّ وخوِّفهم من يوم القيامة الذي يتحسّرون فيه على ما فرطوا في دنياهم، وذلك حين يقضى الله في أَمرهم بسوءِ المصير وخالد العذاب - أنذرهم في دنياهم

стр. 2731

وخوفهم من ذلك وهم غارقون في غفلة عن سوء مصيرهم في هذا اليوم وحالهم أنهم لا يؤمنون. فلعلهم بهذا الإنذار يفيقون من غفلتهم، ويثوبون إِلى رشدهم، ويؤمنون بربهم وبمحمد نبيهم، فينجون من عذاب يوم الحسرة، إِن عذابه لأليم مقيم. قال الإمام ابن كثير: قال الإمام أحمد حدثنا محمَّد بن عبيد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أَبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دَخل أهلُ الجنة الجنة وأهلُ النارِ النار، يجاءُ بالموت كأنه كبش أَملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون ويقولون نعم. هذا الموت. قال: فيقال يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال فيشرئبون ويقولون نعم هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ويقال يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. ثم قال رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وأَشار بيده، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به، ولفظهما قريب من ذلك. ومجئ الموت في هذه الصورة الحسية التي أبرزت فناءَه بعد أن كان يميت الناس، تبشير لأهل الجنة ببقائهم الدائم في نعيمهم، وتحزينٌ لأهل النار وتيئيسٌ لهم من مفارقة ما هم فيه من شقاء. وقال أبو حيان: الضمير لجميع الناس - والمعنى: خوِّفهم قاطبة يوم يتحسرون، فالظالمون يتحسَّرون على ما فرطوا في جنب الله، والمحسنون يتحسَّرون على قلَّة إحسانهم وتوهم تقصيرهم في طاعتهم .. ٤٠ - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا … ﴾ الآية. يخبر الله تعالى أَنه المالك المتصرف، وأن الخلائق كلها تهلك وتفنى، ولا يبقى غيره سبحانه، فيكون ميراث الأرض ومن عليها له وحده وهو خير الوارثين. ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾: أي يردون إلينا يوم القيامة للجزاء والحساب لا إلى غيرنا استقلالًا عنا أَو اشتراكًا معنا ..

стр. 2732

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُورَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ المفردات: ﴿الْكِتَابِ﴾: القرآن ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾: ملازمًا للصدق. ﴿صِرَاطًا سَوِيًّا﴾: أَي طريقا معتدلا لا عوج فيه، والمراد الدين القيم الخالى عن الشرك.

стр. 2733

﴿كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾: أي عاصيا. إذْ العصى والعاصي بمعنى واحد. يقال عصاه فهو عاصى وعصى. ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾: أَي نصيرا وقرينًا تصاحبه في النار. ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (١): أَي دهرًا طويلًا. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾: بمعنى أحاطنى بكثير من رعايته وإكرامه، يقال حفى به كرضى، حَفاوةً بفتح الحاء. وحِفاية بكسرها فهو حاف وحفى بالغ في إكرامه وأظهر السرور والفرح .... التفسير ٤١ - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ .... ﴾ الآية. العطف في الآية الكريمة على "اذكر" في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ أو على ﴿أَنْذِرْهُمْ﴾ في قوله سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ أي اتل أيها النبي على قومك نبأ إبراهيم ﵇ في القرآن الكريم، وبلغهم قصته. فقَد عرفوا أنهم من ولده وينتمون إِليه، ويدعون أنهم على ملته، فعساهم يقلعون عما هم فيه من القبائح التي من أَشنعها عبادة الأصنام. ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾: أي جامعًا بين ملازمة الصدق في كل شئونه ما يأتى منها وما يدع، وبين النبوة، فهما وصفان متأصلان فيه وفق إعداد الله له، وقال الكشاف: الصدِّيق من أَمثلة المبالغة. والمراد أنه غلب كل من عداه في فرط صدقه، وكثرة ما صدق به من غيوب الله وآياته وكتبه ورسله وكل ما وصل إليه عن الله تعالى، فكان نبيًا في نفسه بخلقه وسيرته، لأن ملاك أمر النبوة الصدق وقد صدق في قوله وعمله، وصدّق الأنبياءَ والمرسلين قبله. كما يقول تعالى ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢). ومن صدقه الله بآيَاته ومعجزاته حرى أَن يكون كذلك. انتهى باختصار.

стр. 2734

وجملة ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ استئناف مسوقٌ لبيان الحكمة في ذكر قصة إبراهيم ﵇ في الكتاب والتنويه بشأنه، فكأَنه قيل: واذكر في القرآن إبراهيم لأنه كان صدّيقًا نبيًا، فهو جدير بأَن يذكر فيه تنويها بشأنه … ٤٢ - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ … ﴾ الآية. سلك إبراهيم ﵇ في دعوة أَبيه إِلى ترك عبادة الأصنام أقوم منهاج للنصح والإرشاد حيث التزم معه الأَدب الحسن، والتواضع الجم، والحجة الواضحة، لئلا يركب متن المكابرة والعناد، فيعرض عن الاستماع إليه بادئَ ذى بدءٍ، ويَنْكُبَ عن كل طريق قويم يدعوه إلى سلوكه. فقد تقدم إِليه فناداه بقوله: ﴿يَا أَبَتِ﴾ ليحرّك فيه بهذا النداء الحانى عاطفة الأُبوة، فيستمع إلى استفهامه وهو ينكر عليه عبادة ما لا يستحق أن يعبده، حيث قال: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ أي لم تعبد ما لا يسمع ثناءَك عليه عند عبادتك إِياه، وما تلتمسه منه من جلب نفع أو دفع ضرّ، ولا يبصر خضوعك له وخشوعك في حضرته وما تقدمه إليه من صلات وقرابين، أو لا يسمع ولا يبصر شيئًا من المسموعات والمبصرات، فيدخله في ذلك ما ذكر سابقا دخولا أَوليا. ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾: أي لا يقدر على أن يجلب لك نفعا أو يدفع عنك ضرا، فهو بهذا التساؤل يطلب من أبيه الجواب عن علة عبادة هذا الذي يستخف به كل عاقل من عالم أو جاهل ويأْبى الركون إليه، فضلا عن عبادته التي هي الغايةُ البالغة من الإكبار والتعظيم، وهي لا تحق إِلا لمن له الاستغناءُ التام، والإنعام العام، والخلق والتكوين، والإِحياءُ والإماتة، وفي هذا تنبيه على أن العاقل يجب أَن يفعل كل ما يفعل لغرض صحيح وإدراك قويم، فكيف يتخذ غير الله معبودًا وإِن علا شأْنه، إذ أَنه مثله في الحاجة والانقياد. فما ظنك بجماد مصنوع ليس له أوصاف الأحياءٍ، وليس فيه غناءٌ، إنه إفك وضلال بعيد .. وبعد أن بين له في رفق وحكمة ضلاله الكبير بعبادة الأصنام، دعاه إلى الحق المبين والعم الإلهى الذي آتاه الله إِياه، ملتزما معه أسلوب الاستمالة والاستعطاف فق

стр. 2735

٤٣ - ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي … ﴾ الآية. لم يصف أباه بالجهل المفرط، وإن كان قد بلغ فيه الغاية، ولا وصف نفسه بالعلم الفائق الذي منحه الله إياه فهو نبيٌّ مرسل، بل جعل نفسه معه في صورة رفيق يصاحبه ويخلص له، حتى يستميله إِلى ما يدعوه إليه، فيسير إِلى جانبه في طريق الهدى والرشاد، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾: أي فاتبعنى إلي ما أدعوك إليه، أُرشدك إلى دين قويم يوصلك إلى أسنى المطالب ويبعدك عن الضلال المؤَدى إلى أفدح المعاطب .. والظاهر أن هذه المحاورة كانت بعد أن نُبِّئَ، بدليل قوله: ﴿جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ أي جاءَنى العلم بما يجب في حقه تعالى وما يمتنع وما يجوز، على أَتمّ وجهٍ وأكمله. وقيل العلم بأمور الآخرة وثوابها وعقابها، وقيل بما يعم ذلك. وهو الأنسب .... وقد واصل إبراهيم نصحه لأبيه فقال: ٤٤ - ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ .... ﴾ الآية. وهنا ثبطه عما كان عليه، بتصوير صنيعه بصورة يستنكرها كل عاقل. وذلك. ما حكاه الله سبحانه يقوله: ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ أي لا تطع الشيطان في عبادتك هذه الأصنام التي عكفت عليها، فإِنه هو الداعى إلى ذلك يغريك به، ويدفعك إليه، ومن أطاعه في معصية الله فقد عبده. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾: تعليل للنهى عن عبادة الشيطان وتأكيد له ببيان أنه لا يَعْرف للرحمن حقا، فلهذا كان له عصيّا، أي كثير العصيان حين لم يمتثل أَمر ربه بالسجود لآدم، ثم حرضه على معصية ربه بالأكل من الشجرة التي حرمها الله عليه، حتى تسبب في إخراجه من الجنة، وكل من هو عاصٍ حقيق بأن ينتقم الله منه. والاقتصار على ذكر عصيانه من بين سائر جناياته، لأنه أكثر قبحا، أو لأنه مترتب على معاداته لآدم ﵇ وذريته، فتذكير أبيه بذلك داع إلى الاحتراز عن طاعته وموالاته، والتعبير بلفظ الرحمن مشير إلى الإنعام والرحمة منه تعالى والشناعة البالغة من الشيطان لعصيانه للرحمن سبحانه، إِذ أَن رحمته تستوجب طاعته جل وعل
следующие страницы →