﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾
المفردات:
﴿تُدْلُوا بِهَا﴾: تلقوا بها.
﴿الْإثْم﴾: الذنب.
التفسير
الربط: الصوم يفضي إلى القناعة والعدالة الاجتماعية، والمال موطن الظلم والطمع والجور. فلذا حذرنا الله من فتنته بهذا النهي الحكيم.
١٨٨ - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ … ﴾ الآية. فقد تناولت الآية في سياق ما أوردت الآيات السابقة من أَحكام - حكمًا جديدًا، يتعلق بحرمة الأموال.
فإنها تنهي عن أكل أموال الآخرين، عن طريق غير مشروع. والمراد من الأكل ما يعم الأخذ والاستيلاء وغيرهما. وعبر به لأنه أهم أغراض المال.
والمعنى: ولا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق، وتلقوا بالخصومة فيها إلى الحكام: فإن في ذلك خراب البيوت.
وقيل معنى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾: ولا تلقوا بعضها إلى حكام السوء على سبيل الرشوة.
﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي لا تأخذوا أموالكم بينكم بغير وجه حق، وتلقوا بالخصومة فيها إلى الحكام، لتبرروا أكل بعض أموال الناس، بسبب يوجب الإثم والذنب، كشهادة الزور، واليمين الفاجرة، والرشوة، وأنتم تعلمون أنكم مبطلون، وقد استدل بقوله:
стр. 317
﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: فمن لا يعلم أنه يأكلها بالباطل، لظنه أنه حق له وحكم له الحاكم بأخذها، فهي له حلال.
ولكن على المسلم أن يتحرى في كسبه البُعْد عن الشبهات، فإن الجهل بالجرائم لا يُبرر ارتكابها. وعبارة (وأنتم تعلمون) لإظهار بشاعة تعمد ارتكاب الآثام.
وسبب نزول هذه الآية، على ما رواه ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير مرسلًا: أن عبد الله بن أشوع الحضرمي، وامرأ القيس بن عابس، اختصما في أرض، ولم تكن بينة، فحكم رسول الله ﷺ بأن يحلف امرؤ القيس، فهمّ به، فقرأ رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١) فارتدع عن اليمين، وسلم الأرض، فنزلت.
واستدل بالآية: على أن حكم القاضي لأحد بما ليس له، لا يجعله حلالًا في الواقع.
وجاء في ذلك حديث رواه البخاري ومسلم، عن أُم سلمة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلىَّ، ولعل بعضكم أن يكون أَلحنَ بِحُجَّتِهِ من بعض، فأَقضِيَ له على نحو ما أَسمعُ منه، فمن قضيتُ له بشيءٍ من حَقِّ أخيه، فلا يأخُذَنَّه، فإنما أقطعُ له قِطْعَةً من النار".
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾
المفردات:
﴿الْأَهِلَّةِ﴾: جمع هلال، وهو القمر أول الشهر العربي.
﴿مَوَاقِيتُ﴾: معالم زمنية بوقت بها الناس شئونهم، ويعرفون بها وقت حجهم.
стр. 318
التفسير
١٨٩ - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية.
سبب النزول: روى [ابن] عساكر، عن معاذ بن جبل، وثعلبة بن غنم، قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم، ويستوي، ويستدير، ثم لا يزال ينقص، ويدق حتى يعود كما بدا، لا يكون على حالة واحدة؟ فنزلت الآية.
وإنما قال: ﴿عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ بالجمع، مع أنهم سألوا عن الهلال، وهو واحد، لأن الحالة التي سألوا عنها - لما كنت تتكرر كل شهر، وتتعدد: نزل تعدد الأحوال منزلة تعدد الذات، فصح الجمع وكان أولى من الإفراد.
والسؤال يحتمل أن يكون عن الحكمة في تطور شكل الهلال، وأن يكون عن السبب والعلة، والآية ليست نصًا في المراد، وقد أمر الله الرسول أن يجيب السائلين بقوله: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
وهذا الجواب مطابق للسؤال، إن كانوا يسألون عن الحكمة، وهو من الأسلوب الحكيم، إن كانوا يسألون عن العلة.
والأسلوب الحكيم: أن يجاب السائل بغير ما يطلب، وتوجيهًا له إلى ما يفيده، وما هو جدير بالسؤال عنه.
والمعنى: يسألونك يا محمد عن الأهلة، قل: هي معالم للناس يُؤَقِّتون بها أُمورهم الدنيوية مثل مواعيد الزراعة، والتجارة، وسداد الدين، والقدوم والسفر، ونحو ذلك، مما يصلح فيه التوقيت القمري، ومعالم للعبادات المؤَقتة، كالصيام والحج ولو كان القمر على حالة واحدة، لم يتيسر هذا التوقيت.
стр. 319
﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾.
سبب النزول: أخرج ابن جرير، والبخاري عن البراء، قال: "كانوا إذا أحرموا في الجاهلية، أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا … ﴾ الآية. وكأنهم كانوا يتحرجون من الدخول من الباب، من أجل سقف الباب أن يحول بينهم وبين السماء، كما صرح به الزهري، في رواية ابن جرير ﵁ ويعدون فعلهم ذلك برًّا، فبين لهم: أنه ليس ببر.
وكما كان يحدث هذا في البيت الحرام، كان يحدث منهم في بيوتهم، فقد روى أن الأنصار كانوا إذا قدموا من سفر، لم يدخل الرجل من قبل بابه.
ويقول الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية، إذا أراد أحدهم سفرًا، وخرج من بيته يريد السفر الذي خرج له، ثم بدا له - بعد خروجه - أن يقيم ويدع سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوَّره من قِبَلِ ظهره، إلى غير ذلك، مما يشابهه. وقد نزلت هذه الآية لتعليمهم أدب الدخول.
ووجه الاتصال بين دخولهم البيوت من ظهورها، وبين سؤالهم عن الأهلة: التعريض بأن السؤال عن الأهلة، يعتبر كإتيان البيوت من ظهورها، وأن اللائق بحالهم ألا يسألوا عن هذا الأمر، الذي لم يستعدوا لإدراكه من الناحية العلمية.
والآية: تعتبر مثلا فيمن يباشر الأُمور بطرق غير مألوفة.
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾: أي ولكن البرَّ بِرُّ من اتقى المحارم والشهوات.
﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾: أي باشروا أُموركم من وجوهها، التي يجب أن تُباشر عليها.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: في جميع أُموركم.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لكي تفوزوا بما تطلبون من الهدى والبر، فإن من اتقى الله، تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه، وانكشف له من الأسرار حسب تقواه.
стр. 320
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾
المفردات:
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: سبيل الله: دينه.
﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: وجدتموهم.
﴿الْفِتْنَةُ﴾: الابتلاء.
التفسير
١٩٠ - ﴿وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
الربط: هذه الآية وما تلاها من الآيات، تشتمل على أحكام القتال في الحج في البلد والشهر الحرام، فكانت مناسبة للآية السابقة التي تحدثت عن مواقيت الحج.
ولقد اعتزم المسلمون أن يحجوا في العام التالي لصلح الحديبية، وفقًا لما حدث الاتفاق عليه فيه، فأَنزل الله - تعالى - هذه الآية، يعلمهم فيها ما يصنعون، إذا قاتلهم المشركون في البلد الحرام والشهر الحرام.
سبب النزول: أخرج أبو صالح عن ابن عباس ﵄: أن المشركين صدوا رسول الله ﷺ عام الحديبية، وصالحوه على أن يرجع عَامَهُ القابل،
стр. 321
ويخلوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت ويفعل ما شاء، فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله ﷺ وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا ألا تفي لهم قريش بذلك وأن يصدّوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام، فأنزل الله الآية …
والمعنى: وقاتلوا في سبيل الله - أي لغرض إعلاء كلمة الله - الذين يبدءُونكم بالقتال دفاعًا عن أنفسكم وحريتكم في أداء العبادة، ولا تعتدوا بقتل النساء والصبيان، والشيوخ المسنين، ومن ألقى إليكم السَّلام، وكف يده عنكم، فإن قتلتموهم فقد اعتديتم وتجاوزتم ما يحل لكم، إن الله لا يحب المعتدين، بل يبغضهم ويعاقبهم.
١٩١ - ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِ جُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ … ﴾ الآية.
المعنى: واقتلوهم - غير معتدين حيث وجدتموهم: في حل أو حرم، وأخرجوهم من ديارهم، كما سبق أن فعلوا ذلك بكم، حيث أخرجوكم من دياركم، ولم يكتفوا بهذا، بل تناولوا من بقى منكم من المسلمين في مكة: بالتعذيب والتنكيل، ليرتدوا عن الإسلام.
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾: أي بقاؤهم على الشرك، أشد قبحًا من قتلهم في الحرم والشهر الحرام، فلا تبالوا بقتالهم فيه. أو المعنى: والمحنة التي يفتن بها الإنسان: بالإخراج من الوطن والحرمان من المال، والتعرض لألوان القسوة والعذاب - للتأثير في العقيدة - أشد من القتل لاتصال تعذيبها، وتألم النفس بها.
ومن هنا قيل:
لَقَتْلٌ بحَدِّ السيْفِ أَهْوَنُ مَوْقِعًا … عَلَى النَّفْسِ مِن قَتْلٍ بِحَدِّ فِرَاقٍ
ومن فتن بمثل هذه الفتنة، فمن حقه المشروع: أن يقابل العدوان بالعدوان.
﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾: على المسلمين أن يؤدوا مناسك دينهم ولا يقاتلونهم عند المسجد الحرام، فإذا اعتدى عليهم المشركون، واستباحوا البلد الحرام والشهر الحرام، فللمسلمين أن يصدوا هذا العدوان: بالدفاع عن حياتهم وعن عقيدتهم. والشر بالشر والباديء أَظلم. وليتحمل المشركون وِزْرَ ما انتهكوه من حرمات.
стр. 322
﴿فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾:
فإن ابتدأ المشركون بقتال المسلمين، فعلى المسلمين أن يقتلوهم، وعبر بقوله: ﴿فَاقتُلُوهُمْ﴾ بدل: فقاتلوهم، للإيذان بأن على المسلمين ألا يمكنوهم من المغالبة، وأن يسارعوا بقتلهم.
١٩٢ - ﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾: أي فإن كفوا عن قتالكم، أو عن الشرك، فكفوا عن قتالهم، غافرين لهم اعتداءَهم، راحمين لهم: تخلقًا بصفتي الله - تعالى - وهما: المغفرة والرحمة، لعل الله يهديهم إلى التوحيد، أو يخرج من أصلابهم من يعبده ويجاهد في سبيله.
أو أن المعنى: فإن الله يغفر لهم ما قدموا، ويرحمهم إن آمنوا، وذلك فتح لباب التوبة، وإنهاء العداوة والعدوان.
١٩٣ - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ … ﴾ (١) الآية.
والفتنة هنا: الشرك، أي قاتلوهم حتى لا يكون شرك، ليتحقق للمسلمين حرية العقيدة، وحرية أَدائهم لشعائرهم الدينية. فمشركو العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف لقوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾.
فإذا حاول المشركون أن يفتنوا المسلمين في عقيدتهم، أو أن يصدوهم عن أداء شعائرهم فعلى المسلمين أن يقاتلوهم، حتى يقضوا على هذه الفتنة، بالقضاء عليهم، ليكون الدين في الجزيرة العربية خالصًا لله، حتى يأمن الإسلام في معقله من معوقات انطلاقه، وليكون الدين خالصًا لله، ولتحقيق هذا: لابد من القضاء على الفتنة القضاء التام.
﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: أي فإن انتهوا عن الشرك، وقتال المؤمنين، ودخلوا في الإسلام صادقين مخلصين، فلا تقاتلوهم، لأن الإسلام يحرم قتال غير الظالمين لأنفسهم بالكفر والإشراك بالله. والمراد بالعدوان: مقاتلة المشركين. وسماه عدوانًا لأن مقاتلة المشركين للمؤمنين تعد عدوانًا منهم. فهو على حد قوله ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
стр. 323
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾
المفردات:
﴿الْحُرُمَاتُ﴾ جمع حرمة وهي: ما ينبغي صيانته: من عرض أو مال أو كرامة.
﴿قِصَاص﴾ القصاص: العقاب على جريمة بمثلها.
التفسير
١٩٤ - ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ … ﴾ الآية.
إذا استباح المشركون الشهر الحرام الذي لا يحل فيه القتال وقاتلوكم فيه، فقابلوا عدوانهم بمثله، واستبيحوا الحرب فيه كما استباحوا، فلا تبالوا بقتالهم لكم فيه، صدًا لعدوانهم، فإن الحرمات فيها القصاص.
وفي هذا المعنى: يقول الله - تعالى -: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١).
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن جابر ﵄ قال: "لم يكن رسول الله ﷺ يَغْزُو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزَى".
والأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: هذه الجملة هي النتيجة المتفرعة على قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُ مَاتُ قِصَاصٌ﴾.
стр. 324
يعني: أنه إذا كانت الحرمات، أي الأُمور التي تجب المحافظة عليها، يجري فيها القصاص، بحكم الشرائع والعقول، فإن لكم الحق في أن تدفعوا اعتداء من اعتدى عليكم بمثل عدوانه.
والأمر في قوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾. للإباحة. إذ العفو الذي لا يضر المسلمين جائز.
وقد استدل الشافعي ﵁ بهذه الآية، على وجوب القصاص بمثل ما ارتكبه الجاني من ذبح وحرق وتجويع وإغراق، حتى لو ألقاه العدو في ماءٍ عذب، ألقاه في ماءٍ عذب مثله، ولم يلقه في ماءٍ مالح.
واستدل به أيضًا على أن من غصب شيئًا وأتلفه يلزم برد مثله: ثم إن المثل قد يكون بالصورة في ذوات الأمثال، وقد يكون بالقيمة فيما لا مثل له.
وبما أن الآية وردت في القتال، وشرعت المماثلة في الاعتداءِ، فلهذا يكون مشروعًا: أن الأعداء استعملوا الغارات الجوية، أو حرب الجراثيم، أو المتفجرات النووية، على المدن المفتوحة، فالمقابلة بالمثل واجبة شرعًا.
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١).
وسمّى صَدّ العدوان عدوانًا، من باب المشاكلة، مثل قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣).
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: انتهت الآية بطلب التقوى من المؤمنين، كما هو الشأن في آيات الأحكام، وطلب التقوى منهم في القتال أشد وآكد منه في سواه، لتعلقه بالأرواح وَبِمَنْ وراءَ المقاتلين من أهليهم وأموالهم.
فهي من آداب القتال الهامة في الإسلام.
والله مع المتقين بالنصر والتأييد ودفع كيد الأعداء.
стр. 325
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾
التفسير
١٩٥ - ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
الاستعداد للقتال، يقتضي أموالًا طائلة لتسليح الجنود برًّا وبحرًا وجوًا، ولتنظيم الإمدادات، وشق طرق للمواصلات، وإعداد المستشفيات، وما إلى ذلك، فيجب تدبيرها وإحكامها، بحيث تستطيع مواجهة حدة المباغتة.
ولهذا أوجب الإسلام على كل مسلم أَن ينفق في سبيل الله، وأوجب للحاكم شرعًا: أن يفرض من الضرائب ما يكفي، ويبقى رصيدًا احتياطيًا للطواريء.
والتأهب - في زمننا - واجب على الأُمم الإسلامية، لأن ظروفها تستوجب ذلك.
وكما أن الإنفاق في سبيل الله يكون في الجهاد، فإنه يكنو أيضًا في وجوه البر، والخير.
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: تحذير للمسلمين من التقصير في الإعداد للقاء الأعداء، حتى لا يصيبهم بغتة مكروه يهلكون فيه.
والمعنى: ولا تتسببوا - بتهاونكم وغفلتكم - في إلقاء أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك.
ومن ذلك ترك الغزو، والتقصير في إعداد الجنود والقادة عسكريًا، وإهمال التحصين والتهاون في الإنفاق، وغير ذلك مما لابد منه.
وقد نزلت هذه الآية فيمن فكروا في الإقامة بين أهليهم بعد انتشار الإسلام.
стр. 326
روى أبو داود والترمذي وغيرهما، عن أسلم بن أبي عمرا، قال: "حَمَلَ رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومَعَنا أبو أَيوب الأنصاري، فقال: ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو ايوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صَحِبْنَا رسول الله ﷺ وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نَجِيًّا، فَقُلْنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ونصره، حتى فشا الإسلام، وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقم فيهم فنزل فينا:
﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
فكانت التهلكة - الإقامة في الأهل والمال، وترك الجهاد. وخصوص السبب لا يمنع من أن تكنو الآية قانونًا عامًا، في القتال وغيره.
﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ الإحسان في كل صوره واجب على المسلم في القتل وفي الذبح، وفي إغاثة الملهوف، وفي مباشرة القتال، وغير ذلك. ولكلٍّ من الحالات إحسان يناسبها، فإذا قتل فليحسن القتل، بألا يعذب فيه، وإذا ذبح فكذلك، بأن يحد الشفرة، ويريح الذبيحة، ويسرع في الذبح.
وفي إغاثة الملهوف: لا يتركه يتضرع ويتذلل، بل يغيثه سريعًا في الخفاء، بحيث لا تدري شماله ما تفعل يمينه.
والإحسان في الحرب: يتناول معاملة الأسرى، وعدم المثلة وتجنب قتل النساء والشيوخ والأطفال.
والإحسان في العبادة: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك.
بهذا وأمثاله - مما يدخل في نطاق التقوى، يوصي الله المسلمين. ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (١).
стр. 327
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾
المفردات:
﴿أُحْصِرْتُمْ﴾: حُوصرتم، وحُبستم.
﴿اسْتَيْسَرَ﴾: سهل.
﴿الْهَدْي﴾: ما أُهدى من الأنعام، ليذبح بمكة في موسم الحج، ويوزع على الفقراء تقربًا إلى الله.
التفسير
١٩٦ - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَ ةَ لِلَّهِ … ﴾ الآية.
الربط: أشارت آية البِرِّ إلى ثلاثة من أركان الإسلام: الإيمان بالله ورسله وملائكته واليوم الآخرن، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأشارت آيات الصيام إلى الركن الرابع، وأشارت هذه الآية وما تلاها إلى الركن الخامس والأخير، من أركان الإسلام وهو الحج.
стр. 328
والحج فريضة، مرة في العمر لمن استطاع إليه سبيلًا. والعمرة عند الفقهاء بين مفروضة في العمر مرة، ومسنونة. يفرضها الشافعية والحنابلة، ويسنها المالكية، أما الحنفية فيقول بعضهم: بفرضيتها، وبعضهم: بسنيتها.
وقد أمر الله في الآية بإتمام الحج والعمرة خالصين لله، بحيث لا يكون في أدائهما شرك ظاهر أو خفي، وهو الرياءُ.
وإتمام الحج والعمرة: الإتيان بهما كاملين تامين، وذلك يتحقق بأداءِ أركانهما وهي الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير. ويزيد الحج: الوقوف بعرفة ورمي الجمار مع رعاية شروطهما، وسائر أفعالهما، كما هو مقرر في علم الفقه.
والحج أوانه معروف. أما العمرة فتصح في أي وقت من السنة. وللحاج أن يقرن بينهما في إحرام واحد وعمل واحد، أو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج وبعد فراغه من أعمالها يتحلل ويلبس ثيابه، إلى قبيل الوقوف بعرفة، فيحرم بالحج، ويسمى الأول قارنًا، والثاني متمتعًا، لتمتعه فيما بين العمرة والحج، بما هو محرم على المحرم.
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: إذا عوقكم معوِّق عن دخول مكة، أو عن إتمام المناسك، فعليكم تقديم ما تيسر لكم من الهدي: إبلًا أو بقرًا أو غنمًا أو معزًا، إن أردتم التحلل من الإحرام: يذبحه المحصر عند الأكثرين حيث أُحصر، لأنه ﷺ ذبح بالحديبية لما أُحصِرَ فيها، وهي من الحلّ.
وعند أبي حنيفة ﵀: يبعث به إلى الحرم، ويتفق مع من بعثه على يوم يُذبح فيه، فإذا جاء اليوم وظن أنه ذُبح، تحلل، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ والإحصار هنا. قاصر على منع العدو للحاج والمعتمر من المضيّ في نُسُكِهِمَا، وذلك عند مالك والشافعي لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ ولنزوله في الحديبية، وغير ذلك من الأدلة.
أما عند أبي حنيفة: فهو شامل لكل مانع من النسك سواء كان المانع عدوًا أو مرضًا أو غيرهما، لقوله ﷺ : "من كسر أو عرج فقد حل فعليه الحج من قابل" ..
стр. 329
فارجع إلى المطولات إن شئت الموازنة بين المذاهب، والمزيد من الأحكام.
فالمحصر بالعدو أو غيره عند أبي حنيفة، يتحلل بذبح الهدْي، وعند مالك والشافعي: لا يتحلل بذبح الهدي سوى الممنوع بالعدو فهو المقصود من الآية. وأما الممنوع بنحو المرض: فلا يحله إلا الطواف، وإن أقام سنين.
ومن لا هدي معه وقت الإحصار ولا قدرة له عليه، أَحلّ، ثم أَهدى عندما يقدر عليه. نقله القرطبي عن الشافعي.
ويرى بعض الفقهاء: أن المحصر بعدو لا يجب عليه القضاءُ - وله ثواب الفريضة، ويكتفي بالهدي - ما لم تكن عليه الفريضة، بان لم يسبق له حج ولا عمرة، وإلا وجب عليه أداؤهما عندما يستطيع.
﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
المعنى: لا يحل للمحرم المحصور أن يحلق رأسه، ويتحلل من إحرامه بالحلق أو التقصير، حتى يصل الهدي إلى محل ذبحه، وهو المكان الذي يجب أن ينحر فيه، وهو حصر العدو عن مالك والشافعي، حيث أُحصر الحاج أو المعتمر. وعند أبي حنيفة: محل الذبح في الإحصار مطلقًا: هو الحرم.
﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِ يضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّ اسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
يجب على المحرم - إن كان صحيحًا - ألا يخلع ملابس الإحرام، ولا يحلق شعره، أو يقصه، طول مدة الإحرام، فإن كان مريضًا بمرض يحوجه إلى الحلق، فله أن يلبس ملابسه العادية، ويؤدي الفدية عن ذلك، ومن كان برأسه أذى من: حشرات، أو جرح يستدعي علاجه أن يحلق، حلق وفدى. والفدية هنا: صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكلٍّ نصف صاع من الطعام، أو ذبح شاة وتوزيعها على الفقراء.
стр. 330
﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَ ةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: أي فإذا أمنتم إحصار العدو، أو كنتم في حالة أمن وسعة، فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، فعليه ما تيسر من الهدى.
وتفصيل ذلك: أن من نوى العمرة في أشهر الحج، ثم تحلل منها بعد الفراغ، يُسمى متمتعًا، لأنه تمتع بالانتفاع بما هو محرم على المحرم - بعد ما تحلل من عمرته - كاللبس، والاغتسال، ومباشرة النساءِ، حتى صُبْحِ عرفة، فيغتسل ويلبس ملابس الإحرام، ويحرم للحج، ويؤدي مناسكه. وفي مقابل هذا التمتع: يجب عليه أن يذبح هديًا، جبرًا لهذا التمتع عند قوم. أو شكرًا لله عليه عند آخرين حيث تقرَّبَ إلى الله بالعمرة، قبل أن يتقرب إليه بالحج، ويذبح هذا الهدى، إذا أحرم بالحج، ولا يأكل منه عند الشافعي، لأن التمتع عنده فيه تقصير، والهدى لجبر هذا التقصير، فلا يؤكل منه، وأجاز أبو حنيفة الأكل منه، لأنه دم شُكْرَانٍ على نعمة التمتع، فهو كالأضحية فله الأكل.
﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِ ي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أي فمن لم يجد الذبيحة أو لم يجد ثمنها، فعليه أن يصوم ثلاثة أيام في موسم الحج بعد الإحرام به، وقبل التحلل منه، والأفضل أن يكون في سابع ذي الحجة وثامنة وتاسعة، ولا يجوز صوم يوم النحر.
وعند أبي حنيفة: أن معنى ﴿في الْحَجّ﴾: في أشهر الحج فيصوم بين إحرامي الحج والعمرة، وعليه أيضًا أن يصوم سبعة أيام، إذا عاد إلى بلده - تلك عشرة كاملة.
وذكر جملتها بعد تفصيلها، لكيلا يتطرق الشك إلى عددها، بأن يُقال: إن الواو: بمعنى أو التي للتخيير كما في قولك: جالس الحسن وابن سيرين. أي أحدهما، وقول الشاعر:
كما الناس مجروم عليه وجارم
стр. 331
وهذا حكم خاص بمن لم يكن أهلوهم حاضري المسجد الحرام، وهم غير أهل مكة، أما أهل مكة وسكانها، فهم حاضروا المسجد الحرام، فليس عليهم فدية، لأنهم لا متعة لهم ولا قران، لإمكان أداء العمرة طول العام.
والشافعي على أن لهم تمتعًا وقرانًا، ومن تمتع منهم وقرن، كان عليه دم جُبْرَان كغيره فلا يأكل منه، كما تقدم.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
ختم الآية بعد ذكر أحكامها بطلب التقوى، جريًا على النسق المطرد في آيات الأحكام السابقة.
وإذا كان ثواب الحج مغفرة من الله ورضوانًا، فإن العبث فيه، أو الإخلال بشعائره، مما يُستدعى عقاب الله - تعالى - فهو شديد العقاب لمن خالف مناسكه، فتجاوز حدود الله، وترك ما أُمر به وارتكب ما نهى عَنه.
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾
المفردات:
﴿رفَثَ﴾ الرفثُ: الجماع أو الكلام الفاحش.
﴿فُسُوقَ﴾ الفسوق: المعصية مطلقًا. أو هو مخالفة أوامر الحج وارتكاب نواهيه، كلبس المخيط والصيد وقص الشعر.
﴿جدَالَ﴾ الجدال: المناقشة الحادة مع الرفقاء والخدم وغيرهم.
стр. 332
التفسير
١٩٧ - ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ … ﴾ الآية.
لما ذكر الحج والعمرة في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ شرع يبين اختلافهما في الوقت، فذكر أن أشهر الحج أشهر معروفات، لا يشكلن على الناس، فلا يصح الحج في غيرها، وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة، ولا يصح عند الشافعية الإحرام به قبل أَشهره، ليتمه في أَشهره، ويصح مع الكراهة عند الحنفية. أما العمرة: فجميع العام وقت للإحرام بها وفعلها.
﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فمن ألزم نفسه في تلك الأشهر بالحج، فعليه أن يبتعد عن الرفث، وهو جماع النساء أو ذكره لهن، أو الكلام الفاحش مطلقًا، كما عليه أن يبتعد عن كل إثم يشوب عبادته، وأن يجتنب المجادلة لأَنها توغر صدور الرفقاء، والخدم وغيرهم، فإن الوقت وقت مودة وصفاءٍ وتسامح.
روى البخاري، عن النبي ﷺ أنه قال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أُمه".
ثم حث على فعل الخير عقب النهى عن فعل الشر، وحض على استعمال الكلام الحسن مكان القبيح، والتزام البِرّ والتقوى مكان الفسوق، والتمسك بالوفاق والأخلاق الحميدة مكان الجدال، فقال:
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ وما دام يعلمه فإنه سيجازيكم عليه، فلا تدخروا وسعًا في عمله.
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
ذكر البخاري وأبو داود ﵄: أن أهل اليمن كانوا يحجون، دون أن يتزودوا من الطعام، ويقولون: نحن المتوكلون، ويسألون الناس الطعام، فنزلت هذه الآية. ولكنها غير مقصورة عليهم، إذ العبرة - كما يقرر الفقهاءُ - بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فالمعنى: وتزودوا أيها المسافرون بالطعام، واتقوا طلبه من غيركم والإثقال عليهم بذلك، فإن خير الزاد اتقاء الإثقال على الناس وإبرامهم، أو تزودوا للمعاد بإتقاءِ المحظورات فإن خير الزاد اتقاؤُها، وخافوا عقابي، يا أصحاب العقول الراجحة.
стр. 333
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾
المفردات:
﴿جُنَاحٌ﴾ الجناح: الإثم.
﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾: المراد به الرزق من تجارة أَو غيرها.
﴿أَفَضْتُمْ﴾: اندفعتم.
﴿الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ مزدلفة - بين عرفات ومنى.
التفسير
١٩٨ - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّ بِّكُمْ … ﴾ الآية.
قال ابن عباس - فيما روى البخاري -: كان ذو المجاز وعكاظ، متجرًا الناس في الجاهلية، فلما جاءَ الإسلام، كره المسلمون الجمع بين الحج والتجارة، حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾.
والمراد من كونهما متجر الناس في الجاهلية: أنهم كانوا يقيمون بهما أسواقًا للتجارة، في مواسم الحج، ليتعيشوا منها.
ومن المباديءِ الإسلامية المعروفة: أن الإسلام يعني بالأجسام، إلى جانب عنايته بالأرواح، ويعني بالتنمية المالية، إلى جانب عنايته بالشعائر الدينية، قال تعالى:
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ (١).
стр. 334
فالسعي في سبيل الرزق عبادة، على ألا يشغل الحاج عن أداءِ المناسك على وجهها، لأَن أَداءَها هو الهدف الأَول والغاية العظمى. والمعنى: لا إثم عليكم في طلب الرزق أَثناءَ الحج.
﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.
الإفاضة من عرفات: هي الخروج منها بكثرة. ومعنى العبارة: فإذا اندفعتم من عرفات جموعًا عديدة فاذكروا الله. مأخوذ من أَفضتَ الماءَ: إذا صَبَبْتهُ بكثرة.
وعرفات: جبل قرب مكة يقف عليه الحجاج، معظمين ربهم وملبين، والوقوف به أهم أركان الحج، لأن الناس يذكرون فيه الحشر يوم القيامة حيث يكون الناس يومئذ عراة كما خلقهم الله، متساويين لا يعلو بعضهم على بعض بجاه أَو سلطان. وهو موطن التعارف بين المسلمين، من مشارق الأرض ومغاربها. ومكان التفاوض فيما فيه مصلحتهم.
والمقصود من الآية: أن الحجاج إذا خرجوا من عرفات - بعد الوقوف بها - متجهين إلى المزدلفة، فعليهم أن يذكروا الله عند المشعر الحرام، بالتلبية والتهليل والدعاء، وذلك في صبيحة مبيتهم بالمزدلفة.
فقد جاء في حديث مسلم عند جابر، قال: "فلم يزل واقفًا - يعني الرسول - بعرفة حتى إذا غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا، حتى غاب القرص - أَردف أُسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شَنَقَ - أي ضم وضيَّق - للقصواء الزمام".
إلى أن قال: "حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاءَ، بأَذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح، بأذان وإقامة، ثم ركب القصواءَ، حتى أَتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفًا، حتى أَسفر جدًّا، فدفع قبل أَن تطلع الشمس".
﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّاِلِّينَ﴾:
أي اذكروه ذكرًا حسنًا كما هداكم هداية حسنة فقد أخرجكم من الظلمات إلى النور وكنتم قبله في غمار الضلال. أو اذكروه كما علمكم كيف تذكرونه ولا تعدلوا عنه.
стр. 335
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾
التفسير
١٩٩ - ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ … ﴾ الآية.
روى البخارى عن أُم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: "كانت قريش ومن دان دينها، يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الْحُمْس. وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاءَ الإسلام، أمر الله نبيه ﷺ أن يأْتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها. فذلك قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
وكانت قريش تفعل هذا ترفعًا منهم عن بقية الناس، فأَنزل فيهم هذه الآية، فوقفوا بعرفات مع الحجاج، ثم أَفاضوا منها معهم، ثم إلى المزدلفة، ثم منى.
وحرف العطف: (ثُمَّ) للترتيب مع التراخي في الزمن. وهي هنا للإيذان بتفاوت ما بين الإفاضتين، كما في قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلا إلى مستحق.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فكيف موقع ثم؟ قلت: نحو موقعها في قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم: لتوضيح التفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره، وَبُعْدِ ما بينهما، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات، قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأَن إحداهما صواب والثانية خطأٌ.
﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾: الخطاب عام للحجاج، ليفزعوا إلى الله مستغفرين، فيشملهم برحمته ومغفرته، بعد أن أدوا مناسكهم.
وقد يكون الخطاب لقريش، ليكَفِّرُوا بالاستغفار ما كان منهم من الاستعلاء، وكلاهما صالح. فالكل محتاج إلى مغفرة الله ورحمته.
стр. 336
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾
المفردات:
﴿مَنَاسِكَكُمْ﴾: عباداتكم. جمع نُسك: والمراد بها أفعال الحج.
﴿خَلَاق﴾: حظ ونصيب.
﴿وَقِنَا﴾: اجعل لنا وقاية.
التفسير
٢٠٠ - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا … ﴾ الآية.
كان العرب في الجاهلية يلهجون بعد الحج بذكر آبائهم وأَجدادهم وأيامهم، ويبالغون مبالغة تنتهي بالمنافرات. وهي الاحتكام إلى بعض الزعماء، ليحكم بتفضيل أحد المتنافرين على الآخر. وكثيرًا ما أَدت هذه المواقف إلى تخليدها في أَشعارهم رمزًا للعداءِ، وكثيرًا ما أَشعلت الحرب بينهم.
فلما جاءَ الإسلام أَدَّبهم وهذَّبهم، وصرفهم عن تلك الحماقات، وأَمرهم بالإكثار من ذكر الله، بأَن يكون مثل ذكرهم آباءَهُم الذين كانوا يبالغون في محامدهم، أَو أَشد ذكرًا، فهو وحده المستحق لجميع المحامد.
стр. 337
﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
هذا تفضيل للذاكرين بتقسيمهم إلى مقل لا يطلب بذكر الله إلا الدنيا، ومكثر يطلب به خيري الدارين، والمراد به الحث على الانتظام في سلك الفريق الثاني. أَي وبعض الناس يحبون العاجلة ويذرون الآخرة، فإذا دَعَوُا الله قدموا دنياهم، وطلبوا كثرة الأَموال والأولاد والثمرات، والجاه العريض، وهؤلاء لا نصيب لهم في نعيم الآخرة، لأنهم لم يطلبوها، ولم يعلموا لها.
٢٠١ - ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَ ةِ حَسَنَةً … ﴾ الآية.
أي وهناك البعض الآخر: يجمعون في دعائهم بين الدنيا والآخرة، ويعملون لكلتيهما، ويطلبون الوقاية من عذاب النار. فالحسنة في الدنيا: المال، والجاه، والولد، والسلطان. والحسنة في الآخرة: الجنة ثوابًا لما قدموا من طاعة، ورضوان من الله أكبر. وذهب بعض المفسرين إلى تفسير الحسنة في الدنيا: بالزوجة الصالحة وفي الآخرة بالحور العين، وعذاب النار بالمرأة السوء.
ومنهم من فسرهما: بالعلم والعبادة في الدنيا، والجنة في الآخرة، وكلها أَمثلة للحسنات المطلوبة.
وقد ذكرت الآيتان من يطلب الدنيا وحدها، ومن يطلبها مع الآخرة، ولم تذكر من يطلب الآخرة وحدها، لأن الآخرة لا تُنال إلا عن طريق الدينا، فهي مزرعة الآخرة. وهي نعم المطية إلى الجنة، والضرب في مناكبها - طلبًا للرزق - عبادة، لأَن به حياة النفس وقوتها، والإعانة على الطاعة.
والمؤمن القوي أَحب إلى الله من المؤْمن الضعيف. ولهذا يرى بعض العلماء أن الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر ﴿وَلكُلٍّ دَرَجَاتٌ ممَّا عَملُوا﴾ (١).
﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: أي احفظنا من عذابها بالتوفيق للطاعة والتنفير من المعصية، ومغفرتها إذا وقعت.
стр. 338
وهذه الآية من جوامع الدعاء.
فقد ورد في الصحيحين: عن أَنس ﵁: "كان أكثر دعوة يدعو بها النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَ ةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
ومن المأثورات: الدعاءُ بها في ختام الصلوات.
٢٠٢ - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
ذهب بعض المفسرين، إلى رجوع الإشارة في ﴿أُولئِكَ﴾ إلى المؤمنين الذين ينشدون الدنيا والآخرة. ويمكن أن ترجع إلى الطائفة الأُخرى أيضًا، وهي التي تنشد الدنيا وحدها، فلكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت. وهذا هو الأولى، على حد قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (١).
والمعنى: أُولئك الذين يطلبون - في دعائهم وعملهم - الدنيا وحدها، أو الدنيا والآخرة لهم نصيب من جنس ما كسبوه، أو من أجله، والله سريع الحساب، فيحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم، في مقدار لمحة.
أو يوشك أن يقيم القيامة، ويحاسب الناس، فعليهم أن يبادروا إلى الطاعات، وأن يكثروا من الحسنات، وأن يجتنبوا الموبقات.
стр. 339
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾
التفسير
٢٠٣ - ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ … ﴾ الآية.
بعد أن أمر الله الحجيج - فيما سبق - أن يذكروه عند المشعر الحرام، بعد الإفاضة من عرفات، أمرهم - والمسلمين جميعًا - في هذه الآية الكريمة: بأن يُواصلوا ذكره - تعالى - في أيام معدودات، وهي: أيام التشريق الثلاثة (١)، التي تلي يوم النحر: عيد الأضحى. وليس يوم النحر منها. وتسمى: أيام منى أيضًا. فيدخل غي رالحاج - مع الحاج - في هذا الأمر: ﴿وَاذْكُرُوا﴾.
والمقصود بالذكر في الآية الكريمة: هو التكبير والتهليل والتحميد والتسبيح، في: أدبار الصلوات، وعند رمي الجمرات، وعلى القرابين والهدايا.
﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾:
فمن تعجل الرحيل عن منى قبل غروب اليوم الثاني من أيام التشريق - بعد رمي الجمار، عند الشافعية، وقبل طلوع الفجر من اليوم الثالث إذا فرغ من رمي الجمار عند الحنفية ولم يمكث إلى ما بعد رمي الجمار في اليوم الثالث - فلا يأثم بهذا العجيل، ولا حرج عليه في ذلك ومن تأخر بمنى حتى رمي الجمار في اليوم الثالث، فلا إثم عليه في تأخره،
стр. 340
بل هو أفضل، لأنه التزم السنة.
وذكر نفي الإثم في التأخير - مع أنه السنة، مع ذكر نفي الإثم في التعجيل - للمجانسة مثل قوله تعالى: ﴿وَمَكرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ (٢).
والمقصود: التخيير بين التعجيل والتأخير.
ولا يقدح هذا التأخير في أفضلية الثاني على الأول.
وفي الكشاف: أن أهل الجاهلية كانوا فريقين: فريقًا جعل المتعجل آثمًا، وفريقًا جعل المتأخر آثمًا، فجاء القرآن ينفي الماثم عنهما جميعًا.
﴿لِمَن اتَّقَى﴾:
أي ذلك التخيير لمن اتقى الله في حجه. وتخصيص التخيير به: إما لأَنه هو الحاج - على الحقيقة - والمنتفع بحجه دون سواه، على حد قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ (٣). وإما لأن المتقى دائمًا حذِرٌ متحرزٌ عن كل ما يريبه. فإذا كان التخيير بين التعجيل والتأخير لا إثم فيه لمن اتقى - فغيره أولى.
وبذلك تقرر: أن التخيير بينهما، وإباحة كل منهما لكل حاج - لا ينبغي أن يكون موضع تحرج أو تشكك. ثم ختمت الأية بقوله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا الله﴾: كما ختمت آيات الأحكام السابقة بالتذكير بتقوى الله تعالى.
والمعنى: واتقوا الله في جميع أعمال الحج، بأَدائها كما أمر الله، واجتناب ما حرم الله.
وفي البخاري: "من حجَّ ولم يرفُثْ ولم يفسُقْ، رجع كيوم ولدته أُمُّه".
فعلى الحاج أن يذكر هذا، فيحرص على مواصلة تقوى الله وعبادته، وليظل طاهرًا نقيًا كيوم ولدته أُمه.
﴿وَاعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾:
أي: واعلموا أَنكم إليه - وحده - تجمعون للحساب والجزاءِ يوم القيامة، على ما عملتهم:
خيرًا كان أم شرًا، فاحذروه ولا تخالفوا أمره.
стр. 341
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾
المفردات:
﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾: أشد العداء.
﴿توَلَّى﴾: انصرف، أو وَلى الحكم.
﴿الْحَرْثَ﴾: الزرع أَو النساء.
﴿النَّسْل﴾: الذرية.
﴿العزَّة﴾: الكبرياء.
﴿الْمِهاد﴾: الفراش الموطأُ.
التفسير
٢٠٤ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾:
قسَّم الله فيما سبق - إلى فريقين: فريق يطلب الدنيا - وحدها - ولا يعمل لآخرته حسابًا، وفريق يرجو فضل الله في الدنيا وثوابه في الآخرة. وقد وضح لنا - سبحانه - وصف كل فريق منهما، في هذه الآية وما تلاها.
ففي هذه الآية، بيَّن الله أَنَّ: الفريق الأول: تعمق في النفاق، وأتقن صناعة التمويه والغش، وبراعة التعبير، واتخذ من هذا وسيلة له في الحياة الدنيا. فهو يعجب الناس بحديثه، ويبهرهم بقوله.
стр. 342
وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متعلق بالفعل: ﴿يُعْجِبُ﴾ أَي يعجبك - في الحياة الدنيا - قوله بفصاحته وحلاوته، فتنخدع بذلك وتعتقد فيه الصدق. أما في الآخرة فلا يستطيع التمويه والتضليل، إذ يظهر كذبه ويفضحه باطل دعواه.
ويجوز تعلقه بلفظ: ﴿قَوْلُهُ﴾ أي يعجبك ما يقوله في أُمور الدنيا وأَسباب المعاش، سواءٌ أَكانت عائدة إليه أَم لا.
فالمراد من ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ما به الحياة والتعيش.
أو يعجبك قوله في الدنيا وأنها فانية، وأنه ينبغي اتخاذها سفينة للآخرة:
بادخار الإيمان والعمل الصالح فيها.
وهذا المنافق، لا يكتفي بأَن يخدع الناس ويستولى على إعجاب المسلمين ببراعة حديثه، بل يفعل هذا.
﴿وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾:
بأَن يدعي أن قلبه موافق لما نطق به لسانه، ويشهد الله على ذلك، مع أن ما في قلبه - الذي يشهد الله عليه - ليس إلا الحقد والعداوةُ للإسلام والمسلمين.
﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾:
أي وهو شديد في خصومته للرسول وأصحابه، كاذب فيما يتظاهر به من حب وولاءٍ. وهو - بذلك النفاق - أَبغض الناس إلى الله.
ففي حديث مسلم، عن النبي ﷺ "إن أبغضَ الرجالِ إلى الله الأَلَد الخصم".
وذكر السدي: أن هذه الآية - وما تلاها - نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، حينما جاءَ إلى الرسول ﷺ في المدينة، وأظهر له الإسلام، وقال: إنما جئت أُريد الإسلام. والله يعلم إني لصادق فيما أقول. وكان حلو الحديث. فأعجب النبي منه ذلك، فلما خرج من عنده، مرَّ بزرع لبعض المسلمين وحُمُرٍ، فأَحرق الزرع وعقر الحمر.
стр. 343
وذكر ابن عباس: أنها نزلت في نفر من المنافقين: تكلموا في شهداء الصحابة فعابوهم.
والآية عامة في المنافقين، وإن وردت بسبب خاص.
فيدخل في المراد من هذه الآية: أُولئك الذين يتظاهرون بالدعوة إلى الإصلاح، ويستعملون أساليبهم الزائفة، وعباراتهم البراقة في خداع الناس لكسب ثقتهم، والاطمئنان إليهم، حتى يستطيعوا - عن طريق هذه الثقة - محاربة الدين، وهم يلبسون ثوب الإصلاح.
٢٠٥ - ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ … ﴾ الآية.
أي: وإذا أدبر ورجع بعد ما بث نفاقه، ونفث سمه، وظن أنه نجح، واكتسب ثقة الناس - سعى في الأرض لينشر فيها الفساد جهد طاقته، ويهلك الزرع والذرية: بالإتلاف والقتل، كما فعل الأخنس الذميم، إذ كان يُظهر الإيمان والحب للرسول بكلام معسول، ثم يتولى، فيحرق الزرع، ويتلف الأموال.
ويرى بعض المفسرين: أن المقصود بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾: إذا ولِيَ الحكم، وأخذ بيده مقاليد السلطان.
ويصبح معنى الآية الكرمية على هذا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ببيانه الساحر، وادعائه الإصلاح بين المسلمين وحرصه على مصلحة الأُمة - توصلًا إلى الحكم، فإذا ولي هذا الحكم، وتمكن سلطانه بسببه - فعل بالناس ما يفعله ولاة السوء، وظهر من أمره ما كان يخفيه، فسعى في الأرض - بحيلته وتدبيره - ليفسد فيها بما يشاءُ من أَلوان الفساد: فيهلك الحرث، ويسفك الدماء، ويهدد الحريات، وينشر الشرور والمنازعات بين الأُمة، ويضرب بعضها ببعض: باصطناع الأعوان، وتقريب الأنصار، ليبسط بهم سلطانه على الناس، ويحتفظ بزعامته عليهم. على حد قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (١).
стр. 344
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾:
أي: لا يرضى الله بالفساد ولا يقره، بل يعاقب عليه في الدنيا والآخرة، فاحذروه وخافوه.
٢٠٦ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ … ﴾ الآية.
المعنى: وإذا نصحه الناصحون: باتقاء عقاب الله تعالى في أفعاله وأقواله، وفي عدم استغلال ذكائه وعلمه وبلاغته في التضليل والإفساد - أخذته الأنفة والكبرياءُ بما يوجب الإثم والتوغل فيه، فلجَّ في الضلال والعناد، لأَنه يرى نفسه فوق نصيحة الناصحين، ونقد الناقدين.
فهو في زمرة من قال الله - تعالى - فيهم "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (١).
والباءُ في قوله: ﴿بِالْإِثْمِ﴾ على هذا، للسببية، يعني أن إثمه الماضي، كان سببا لأَخذ العزة له، واستيلاء الكبرياء عليه، مع وضوح الحق، وتنبيه الناصحين له، ولهذا قال سبحانه:
﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾:
أي مهما أحرز من جاه وأموال، فكل هذا إلى زوال. ويكفيه ما سيحل به من عذاب، في نار جهنم يوم القيامة، فإن جهنم ستكون له فراشًا ممهدًا.
وإذا كان المهاد هو الفراش الممهد، ليستريح عليه الراقد، فاستعماله في جهنم للتهكم بمن يحُلُّ بها.
وجملة ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: جواب قسم مقدر على معنى، والله لبئس المهاد: ﴿جَهَنَّم﴾.
قال بعض المفسرين: هذه الآية: تدل على أن من أكبر الذنوب عند الله: أن يجيب العبد من يقول له: اتق الله: فيقول له - معرضًا عن النصيحة - عليك نفسك.
стр. 345
وذكر القرطبي: أن يهوديًا طال وقوفه على باب الرشيد لحاجة له، فلما رآه خارجًا، قال له: اتق الله يا أمير المؤمنين، فنزل عن دابته، وخر ساجدًا لله، ثم أمر بقضاءِ حاجته. فسأله خاصته في ذلك، فقال: تذكرت قوله تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ … ﴾ الآية.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾
المفردات:
﴿يَشْرِي نَفْسَهُ﴾: شرى، من الأضداد، كذا في الصحاح، والمراد من شرائها هنا: بيعها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمنٍ بَخْسٍ﴾ (١) أَي باعوه.
التفسير
٢٠٧ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِ ي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ … ﴾ الآية.
هذه هي الطائفة الثانية، المقابلة للطائفة التي حكيت أحوالها المذمومة، فيما مضى من الآيات. أي ومن الناس مؤمنون صادقون، طهَّرت نفوسهم تقوى الله، وبرئوا من النفاق، وزكت أعمالهم، فلم يستجيبوا للأَهواء والشهوات، وإنما باعوا أنفسهم - وهي أعز ما يملكه الإنسان - طلبًا لمرضاة الله، إذ بذلوها في ميادين الجهاد، وحملوها أقسى أنواع المشقات في طاعة الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، موقنين أن كل ما في الحياة - من جاه ومال وسلطان - متاع قليل، وأن الآخرة خير لمن اتقى.
وقد صور التعبير القرآني مَنْ بَذَلَ نفسه لله، بصورة من باع نفسه له - تعالى - بثمن هو مرضاته وثوابه، فقبل الله هذا البيع، وأعطاه الثواب الدائم، مع أن ما بذله لله من نفسه وماله، ملك له تعالى. ولذا ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ حيث أرشدهم لما فيه رضاه، وجعل النعيم الدائم جزاء العمل الصالح، على شراءِ ملكه بملكه.
وأكثر الروايات أن هذه الآية نزلت في صهيب الرومي ﵁.
стр. 346
فقد أخرج جماعة: أن صهيبًا أقبل مهاجرًا نحو النبي ﷺ فاتبعه نفر من المشركين، فنزل عن راحلته نثر ما في كنانته، وأخذ قوسه ثم قال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وأيم الله، لا تصلون إليَّ حتى أَرمِيَ بما في كنانتي ثم أضربَ بسيفي ما بقي في يدي منه شيءٌ، ثم افعلوا ما شئتم، فقالوا دلنا على بيتك ومَالِكَ بمكة، ونخلي عنك، وعاهدوه إن دلهم أن يدعوه، ففعل. فلما قدم على النبي ﷺ قال "أبا يحيى، ربحَ البيع" وتلا عليه الآية.
وعلى هذا يكون الشراءُ - على ظاهره - بمعنى الاشتراء.
وفي رواية سعيد بن المسيب ﵁: أن الذي قال له ذلك، هو أبو بكر الصديق، ﵁.
وأيًّا كان، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ولذا أحسن من قال: إن الآية نزلت في كل من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وعرّض نفسه للهلاك.
وهذه الآية من قبيل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾
المفردات:
﴿السِّلْمِ﴾: المسالمة، أو الإسلام. وهو: الإنقياد والتسليم.
﴿كَافَّةً﴾: جميعًا. ﴿زَلَلْتُمْ﴾ الزلل: الانحراف والسقوط.
стр. 347
التفسير
٢٠٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً … ﴾ الآية.
يرى ابن عباس أن الخطاب هنا لمن أسلم من اليهود.
فقد ذكر: أن الآية، نزلت في عبد الله بن سلام - من أحبار اليهود - وأصحابه الذين آمنوا معه.
وذلك أنهم حين آمنوا بالنبي ﷺ وآمنوا بشرائعه وشرائع موسى ﵇: فعظموا يوم السبت، وكرهوا لحمان الإبل ألبانها بعد ما أسلموا.
فأنكر ذلك عليهم المسلمون، فقالوا: إنا نقوى على هذا وهذا، وقالوا للنبي ﷺ إن التوراة كتاب الله، فدعنا لنعمل بها، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وعلى هذا، فالسلم بمعنى الإسلام، أي: ادخلوا مع المسلمين في شريعتهم، مجتمعين معهم، ولا تفترقوا عنهم، بالأخذ بما نسخه القرآن من التوراة.
وقيل: الخطاب لأهل الكتاب الذين آمنوا بكتابهم، وكفروا بالقرآن.
والمعنى عليه: يا أيها الذين زعموا الإيمان بشريعتهم: ادخلوا في الإسلام جميعًا، فليس إيمانكم - بما في كتابكم وحده - بنافعكم.
وقيل: الخطاب للمنافقين. والسلم - على هذا - بمعنى الاستسلام والطعاة القلبية.
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ولم تُؤمن قلوبهم: ادخلوا في الاستسلام، والطاعة القلبية كافة، واتركوا النفاق.
وقيل: الخطاب للمؤمنين المخلصين.
والمعنى عليه: يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم، ادخلوا في شُعَب الإسلام كلها، ولا تُخِلُّوا بشيء من أحكامه.
وقال الزجاج في هذا الوجه: المقصود: أمر المؤمنين بالثبات على الإسلام. ويجوز أن يكون المعنى على هذا: يا أيها المؤمنون المخلصون، ادخلوا في المسالمة جميعًا، ولا تشتغلوا فيما بينكم بالجدل والخلاف المذهبي، حتى لا تتفرقوا إلى شيع وأحزاب: يقتل بعضكم بعضًا.
стр. 348
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾:
أي لا تنقادُوا لوساوس الشيطان، ولا تستجيبوا له إن دعاكم لعصيان مولاكم.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾:
فلا يُؤْمنُ جانبه، فاحذروه فإنه يُحَذِّرُ من البر خوف الفقر، ويأمر بالفحشاءِ والمنكر. قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾ (١) البقرة.
ولما كان من أساليب الشيطان وحيله، أن يدعوكم إلى المنكر والفحشاء، بالتدريج من شر إلى ما هو شر منه، فلهذا قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ فقد جعل أتباعه من وساوسه - مرة بعد أُخرى - بمنزلة اتباعه في خطواته، خطوة بعد أُخرى.
وعداوة الشيطان للإنسان قديمة، منذ أن خلق الله آدم ﵇.
فمن العقل ألا تتخذ عدوك صديقًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٢).
هذا، وقد ورد النهي عن تتبع خطوات الشيطان - بعد الأمر بالدخول في السلم كافة - ليؤكد الاستمساك بالإسلام استمساكًا قويًا، فإن من يتبع خطواته، لا يدخل في الإسلام دخولًا عميقًا، ولا يستمسك به استمساكًا قويًا، ولا يذوق حلاوته.
٢٠٩ - ﴿فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾:
أي: فإن انصرفتم عن شرائع الإسلام، وانغمستم في الشقاق والخلاف، وتكبرتم عن الإذعان والتسليم لدين الله، من بعد ظهور الحجج الواضحة، الدالة على أنه من عند الله - تعالى - فاعلموا أن الله ﴿عَزِيزٌ﴾: غالب على أمره، لا يمنعه شيٌ عن عقابكم، ﴿حَكِيمٌ﴾: لا يترك ما تقتضيه الحكمة من مؤاخذة المجرمين.
وحسبكم هذا وعيدًا للمارقين.
стр. 349
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾
المفردات:
﴿يَنظُرُونَ﴾: ينتظرون.
﴿أَن يَاتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ﴾: الظلل، جمع ظلة. وهي ما يحجب ضوء الشمس من سحاب أو غيره. والمراد من إتيان الله لهم في ظلل: إتيان بأسه وعذابه. ففي الكلام مضاف مقدر.
﴿الْغَمَام﴾: السحاب مطلقًا، أو الأبيض منه.
التفسير
٢١٠ - ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ … ﴾ الآية.
الاستفهام هنا، إنكاري. بمعنى النفي.
والمعنى: ما ينتظر هؤلاء الذين ينصرفون عن الدخول في السلم - من بعد ما جاءتهم البينات الواضحات - إلا أن يأتيهم عذاب الله، في ظلل من السحاب الأبيض: يحسبونه رحمة، وهو عليهم نقمة، فيكونُ أَشدَّ وقعا على نفوسهم!!
ونظير هذا قوله تعالى في هلاك قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١).
ثم قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: أَي وهل ينتظرون كذلك، إلا أن تأتيهم ملائكة العذاب، الموكلة بإهلاك الضالين المنحرفين، فإنهم وسائط في إتيان أمر الله .
стр. 350
وجملة: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ جملة حالية، أي هل ينتظرون إلا أن يأتيهم العذاب والملائكة والحال أنه قد قضي أمر هلاكهم وتدميرهم، فلا يمكن رده؟
وقيل: الجملة معطوفة على ﴿يَأْتِيَهُمُ﴾ داخل في حيز الانتظار، بمعنى: وهل ينتظرون إلا أن يقضي الأمر بهلاكهم؟
وإنما عبر بالماضي ﴿وَقُضِيَ﴾ ليشير إلى جدية الإنذار، فكأنه وقع، لأن وعيد الله لا يتخلف.
والآية تهديد ووعيد لمن ينصرفون عن الدخول في الإسلام، ويعطلون مسيرته عن أن تبلغ مداها.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾:
أي أن مردَّ الأمور - كلها - إليه تعالى وحده. فما شاء فعل .. فمن لا يدخلون في الإسلام، فلا يستعصى إهلاكهم على الله، الذي ينتهي إليه كل شيءٍ.
وفي هذا، إنذار بليغ بعد التهديد السابق. وفيه تنبيه للغافلين الضالين، إلى أن مرجعهم في الآخرة، إلى الله وحده.
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾
المفردات:
﴿آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾: حجة واضحة.
﴿يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ﴾: يغيرها بالكفر بها، بدل الإيمان بها، والشكر عليها.
стр. 351
﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ﴾: من بعد ما عرفها.
﴿زُيِّنَ﴾: حُسِّنَ في أعينهم.
﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: يرزقهم الله رزقًا واسعًا لا حساب فيه، أو لا يُقْدَرُ على حسابه وضبطه لكثرته.
التفسير
٢١١ - ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ … ﴾ الآية.
أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يسأل اليهود هذا السؤال، تبكيتًا لهم وتأنيبًا، وإقامة للحجة عليهم. وهذا السؤال لا يحتمل إلا جوابًا واحدًا هو: الإقرار بأن الله آتاهم نصوصًا عديدة، في الأحكام والبشارة بمحمد، بينةً واضحة في الدلالة على مقاصدها، ووجوب العمل بها، وحججًا باهرة على يد موسى وسائر أنبيائهم. ولكنهم لم يعملوا بمقتضاها فقتلوا فريقًا من أنبيائهم، وكذبوا فريقًا، وجحدوا الأدلة الواضحة، وغيروا الكتب المنزلة، وجعلوها قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا، طلبًا للرياسة، وحبًّا لأغراض الدنيا الفانية.
ثم يبين عاقبة ذلك فقال:
﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
هذا حكم عام، بمؤاخذة من يُغَيِّر آيات الله، التي هي من أَجَلِّ نعمه تعالى على المُغَيّر، بعد معرفته أنها آياته وأنعمه، فيستبدل الكفر بالإيمان، والجحود بالشكر، ويتناول الآيات الواضحة، بالتحريف والتبديل، تبعًا لهواه. فإنه يعاقبه عقابًا شديدًا.
﴿فإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: لكل من ضلوا بعد ما جاءَتهم البينات، وبدلوا نعمة الله كفرًا.
стр. 352
وعبر بقوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾ مع أنها مفهومة من السياق - فالتبديل المعاقب عليه لا يكون إلا بعد الإتيان بها ومعرفتها - لإبراز بشاعة جريمة التبديل للنعم، بعد المعرفة اليقينية بصلاحها للمجتمع، ونفعها له. وذلك أبشع ألوان الضلال. ولهذا استحق مرتكبوه أشد أنواع العقاب.
٢١٢ - ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا … ﴾ الآية.
هذه الآية، تعليل للآية السابقة، فإن الذي دعاهم إلى تبديل نعمة الله كفرًا، ومقابلتها بالجحود - هو تعلقهم بزنية الحياة الدنيا الكاذبة، ومظاهرها الخادعة، واستجابتهم لشهوات نفوسهم، وحرصهم على حب الرياسة، وجمع الأموال. وفاتهم أن الآخرة خير لمن اتقى، وأن الباقيات الصالحات: خير عند الله ثوابًا، وخير مردّا.
والمعنى: جعلت الحياة الدنيا حسنة في قلوب الذين كفروا، فتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار، وأعرضوا عن الإيمان بالله واليوم الآخر.
وفاعل التزيين - هو الله تعالى، لأنه خلق جمالًا كثيرًا، وزينة حسنة في دنيانا.
وما زين الله الدنيا، إلا ليختبر بها عباده، فاغتر بها الجاهلون، فكفروا أو استمروا على كفرهم، وأعرض عن مفاتنها ذوو الألباب، فاسيقنوا وآمنوا، أو ازدادوا إيمانًا على إيمانهم.
قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْ ضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (١)﴾.
ويجوز أن يكون التزيين من الشيطان، إذ يوسوس لهم الإخلاد إليها، وترك العمل للآخرة. على حد قوله تعالى:
стр. 353
﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١):
ويجوز أن يكون التزيين - فعل قرناءِ السوءِ من شياطين الإنس - لقوله تعالى:
﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (٢).
وبالجملة: فدواعي الفتن عديدة. نسأل الله السلامة.
﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾:
أي: يجمعون - مع الافتتان بالدنيا - استهزاءهم بالمؤمنين، لإيمانهم بالله، وإقامتهم على طاعته.
﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾:
أي والذين يخافون الله ويحذرون عقابه، يكونون - يوم القيامة - فوق الذين كفروا منزلة ومكانة عند الله، لأنهم لم تلههم الدنيا - وإن وُضِعَتْ بكل ما فيها من زخرف ومتاع بين أيديهم - عن طاعة الله.
ثم يختم الله تعالى الآية بقوله:
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾:
أي والله يعطي من يشاء إعطاءَه بغير تقتير، فيعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب.
هذا والآية عامة في جميع الكافرين، ويدخل فيهم اليهود دخولًا أوليًا.
стр. 354
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾
المفردات:
﴿أُمَّةً﴾: جماعة من الناس، أمرهم ومقصدهم واحد. مأخوذة من: أَمَّه أي قصده.
﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾: واعدين المتقين بالجنة، ومخوفين الكافرين من النار.
﴿البَيِّنَاتُ﴾: الأدلة المقنعة الظاهرة.
﴿بَغْيًا﴾: ظلمًا وعدونًا.
التفسير
٢١٣ - ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ … ﴾ الآية.
هذه الآية تحتمل عدة معان، منها:
أن الناس كانوا مجتمعين على دين واحد، في عهد آدم ﵇، حيث نشأ أولاده على دين أبيهم آدم - وهو قائم على توحيد الله وعبادته.
ومنها: أنهم كانوا على فطرة واحدة، فطر الله الناس عليها، وهي فطرة الإيمان بالخالق - سبحانه - فهو أمر فطري: يُحِسُّهُ الإنسان، ويدركه بفطرته، إذا تجردت نفسه عمن يصرفها عن الحق إلى الباطل.
стр. 355
وعلى هذين المفهومين، يكون معنى الآية: كان الناس على العقيدة الحقة: التي فطر الله الناس عليها، فأغواهم الشيطان فكفروا، فبعث الله النبيين، مبشرين من آمن بحسن الثواب، ومنذرين من كفر بشديد العقاب.
ومنها: أن الناس كانوا - قبل إرسال الرسل - على دين واحد، هو الكفر، بسبب إغواء الشيطان لهم، وصدهم عن سواء السبيل، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، رحمةً بهم، وإرشادًا لهم، لعلهم يهتدون، إلى ما فيه سعادتهم في دنياهم وأُخراهم.
وقد جاء في عدد الأنبياء والمرسلين، ما أخرجه أحمد وابن حبان عن أبي ذر أنه سأل النبي ﷺ : كم الأنبياء؟ قال: "مائةُ ألف واربعةٌ وعشرون ألفًا".
قلت: يا رسول الله، كم الرسل؟ قال: ثلاثة مائة وثلاثَةَ عَشَرَ: جم غفير".
﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾:
أي وأنزل معهم الكتب السماوية التي توضح لهم العبادات، وشرائع المعاملات، طبقًا للحق والعدل.
فإذا حادوا عن سواء السبيل، عادوا إلى هذه الكتب السماوية: يحتكمون إليها، فتردهم إلى الصواب.
ثم بين من اختلفوا في دين الله وبدلوا كتبه، فقال:
﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾:
أي: وما اختلف في الحق، أو في الكتاب المنزل، إلا الذين أُتوه من أرباب العلم والدراسة، بعد ما جاءَتهم الحجج الواضحات على وجوب الأخذ به، وعدم الاختلاف فيه.
وكان اختلافهم هذا: بغيًا بينهم، أي ظلمًا أو حسدًا حاصلًا بينهم، ونسوا - أو تناسوا - حظًا مما ذُكِّروا به، وبدّلوا نعمة الله كفرًا. فأصبحوا مصدرًا لإضلال الناس - وهم يعلمون - بدلًا من أن يكونوا لهم هداة مرشدين.
وهكذا عكسوا الأَمر، فجعلوا ما أنزله الله مُزيلًا للاختلاف - سببًا لبقائه ورسوخه.
﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾: