← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ﴾: من بعد ما عرفها. ﴿زُيِّنَ﴾: حُسِّنَ في أعينهم. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: يرزقهم الله رزقًا واسعًا لا حساب فيه، أو لا يُقْدَرُ على حسابه وضبطه لكثرته. التفسير ٢١١ - ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ … ﴾ الآية. أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يسأل اليهود هذا السؤال، تبكيتًا لهم وتأنيبًا، وإقامة للحجة عليهم. وهذا السؤال لا يحتمل إلا جوابًا واحدًا هو: الإقرار بأن الله آتاهم نصوصًا عديدة، في الأحكام والبشارة بمحمد، بينةً واضحة في الدلالة على مقاصدها، ووجوب العمل بها، وحججًا باهرة على يد موسى وسائر أنبيائهم. ولكنهم لم يعملوا بمقتضاها فقتلوا فريقًا من أنبيائهم، وكذبوا فريقًا، وجحدوا الأدلة الواضحة، وغيروا الكتب المنزلة، وجعلوها قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا، طلبًا للرياسة، وحبًّا لأغراض الدنيا الفانية. ثم يبين عاقبة ذلك فقال: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: هذا حكم عام، بمؤاخذة من يُغَيِّر آيات الله، التي هي من أَجَلِّ نعمه تعالى على المُغَيّر، بعد معرفته أنها آياته وأنعمه، فيستبدل الكفر بالإيمان، والجحود بالشكر، ويتناول الآيات الواضحة، بالتحريف والتبديل، تبعًا لهواه. فإنه يعاقبه عقابًا شديدًا. ﴿فإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: لكل من ضلوا بعد ما جاءَتهم البينات، وبدلوا نعمة الله كفرًا.

стр. 352

وعبر بقوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾ مع أنها مفهومة من السياق - فالتبديل المعاقب عليه لا يكون إلا بعد الإتيان بها ومعرفتها - لإبراز بشاعة جريمة التبديل للنعم، بعد المعرفة اليقينية بصلاحها للمجتمع، ونفعها له. وذلك أبشع ألوان الضلال. ولهذا استحق مرتكبوه أشد أنواع العقاب. ٢١٢ - ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا … ﴾ الآية. هذه الآية، تعليل للآية السابقة، فإن الذي دعاهم إلى تبديل نعمة الله كفرًا، ومقابلتها بالجحود - هو تعلقهم بزنية الحياة الدنيا الكاذبة، ومظاهرها الخادعة، واستجابتهم لشهوات نفوسهم، وحرصهم على حب الرياسة، وجمع الأموال. وفاتهم أن الآخرة خير لمن اتقى، وأن الباقيات الصالحات: خير عند الله ثوابًا، وخير مردّا. والمعنى: جعلت الحياة الدنيا حسنة في قلوب الذين كفروا، فتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار، وأعرضوا عن الإيمان بالله واليوم الآخر. وفاعل التزيين - هو الله تعالى، لأنه خلق جمالًا كثيرًا، وزينة حسنة في دنيانا. وما زين الله الدنيا، إلا ليختبر بها عباده، فاغتر بها الجاهلون، فكفروا أو استمروا على كفرهم، وأعرض عن مفاتنها ذوو الألباب، فاسيقنوا وآمنوا، أو ازدادوا إيمانًا على إيمانهم. قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْ ضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (١)﴾. ويجوز أن يكون التزيين من الشيطان، إذ يوسوس لهم الإخلاد إليها، وترك العمل للآخرة. على حد قوله تعالى:

стр. 353

﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١): ويجوز أن يكون التزيين - فعل قرناءِ السوءِ من شياطين الإنس - لقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ (٢). وبالجملة: فدواعي الفتن عديدة. نسأل الله السلامة. ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: يجمعون - مع الافتتان بالدنيا - استهزاءهم بالمؤمنين، لإيمانهم بالله، وإقامتهم على طاعته. ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أي والذين يخافون الله ويحذرون عقابه، يكونون - يوم القيامة - فوق الذين كفروا منزلة ومكانة عند الله، لأنهم لم تلههم الدنيا - وإن وُضِعَتْ بكل ما فيها من زخرف ومتاع بين أيديهم - عن طاعة الله. ثم يختم الله تعالى الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: أي والله يعطي من يشاء إعطاءَه بغير تقتير، فيعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب. هذا والآية عامة في جميع الكافرين، ويدخل فيهم اليهود دخولًا أوليًا.

стр. 354

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ المفردات: ﴿أُمَّةً﴾: جماعة من الناس، أمرهم ومقصدهم واحد. مأخوذة من: أَمَّه أي قصده. ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾: واعدين المتقين بالجنة، ومخوفين الكافرين من النار. ﴿البَيِّنَاتُ﴾: الأدلة المقنعة الظاهرة. ﴿بَغْيًا﴾: ظلمًا وعدونًا. التفسير ٢١٣ - ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ … ﴾ الآية. هذه الآية تحتمل عدة معان، منها: أن الناس كانوا مجتمعين على دين واحد، في عهد آدم ﵇، حيث نشأ أولاده على دين أبيهم آدم - وهو قائم على توحيد الله وعبادته. ومنها: أنهم كانوا على فطرة واحدة، فطر الله الناس عليها، وهي فطرة الإيمان بالخالق - سبحانه - فهو أمر فطري: يُحِسُّهُ الإنسان، ويدركه بفطرته، إذا تجردت نفسه عمن يصرفها عن الحق إلى الباطل.

стр. 355

وعلى هذين المفهومين، يكون معنى الآية: كان الناس على العقيدة الحقة: التي فطر الله الناس عليها، فأغواهم الشيطان فكفروا، فبعث الله النبيين، مبشرين من آمن بحسن الثواب، ومنذرين من كفر بشديد العقاب. ومنها: أن الناس كانوا - قبل إرسال الرسل - على دين واحد، هو الكفر، بسبب إغواء الشيطان لهم، وصدهم عن سواء السبيل، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، رحمةً بهم، وإرشادًا لهم، لعلهم يهتدون، إلى ما فيه سعادتهم في دنياهم وأُخراهم. وقد جاء في عدد الأنبياء والمرسلين، ما أخرجه أحمد وابن حبان عن أبي ذر أنه سأل النبي ﷺ : كم الأنبياء؟ قال: "مائةُ ألف واربعةٌ وعشرون ألفًا". قلت: يا رسول الله، كم الرسل؟ قال: ثلاثة مائة وثلاثَةَ عَشَرَ: جم غفير". ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: أي وأنزل معهم الكتب السماوية التي توضح لهم العبادات، وشرائع المعاملات، طبقًا للحق والعدل. فإذا حادوا عن سواء السبيل، عادوا إلى هذه الكتب السماوية: يحتكمون إليها، فتردهم إلى الصواب. ثم بين من اختلفوا في دين الله وبدلوا كتبه، فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾: أي: وما اختلف في الحق، أو في الكتاب المنزل، إلا الذين أُتوه من أرباب العلم والدراسة، بعد ما جاءَتهم الحجج الواضحات على وجوب الأخذ به، وعدم الاختلاف فيه. وكان اختلافهم هذا: بغيًا بينهم، أي ظلمًا أو حسدًا حاصلًا بينهم، ونسوا - أو تناسوا - حظًا مما ذُكِّروا به، وبدّلوا نعمة الله كفرًا. فأصبحوا مصدرًا لإضلال الناس - وهم يعلمون - بدلًا من أن يكونوا لهم هداة مرشدين. وهكذا عكسوا الأَمر، فجعلوا ما أنزله الله مُزيلًا للاختلاف - سببًا لبقائه ورسوخه. ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾:

стр. 356

أي: فهدى الله الذين آمنوا وصدقوا بقلوبهم - في كل الأديان - للحق الذي اختلف فيه هؤلاء المختلفون، وأعرضوا عن خلافهم، ولم يعبأوا بهم، وأقاموا على طاعة مولاهم. وقيل: المراد من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أُمة محمد ﷺ : هداهم الله لما اختلف فيه أهل الكتاب من الحق، بإذنه تعالى وتيسيره، فعرفوه. ومن ذلك: هدايتهم إلى تنزيهه - تعالى - عن الصاحبة والولد، وأن إبراهيم ﵇ كان حنيفًا مسلمًا، وما كان يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مشركًا، وأن مريم سيدة شريفة، وليست كما وصفها اليهود، وأن عيسى رسول الله، خلافًا لما زعم اليهود من نفي رسالته، ولما زعم النصارى من أنه ابن الله .. إلى غير ذلك. وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١). وإذا كان المسلمون اليوم، قد تفرقوا كما تفرقت الأُمم السابقة، وانقسموا إلى طوائف ومذاهب: بعضها يخالف الحق، فإن الله يقيض لهذا الدين - دائمًا - من يظهر الحق وينصره، ويزهق الباطل ويخذله، استنادًا إلى كتاب الله - تعالى - المحفوظ بعنايته من التحريف والتبديل. وروى ابن ماجة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "لا تزال طائفةٌ من أُمتي قوّامةً على أمر الله لا يَضُرُّها مَنْ خالفها". ورى الحاكم عن عمر عن النبي ﷺ : "لاتزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق حتى تقومَ الساعة". فالله اللطيف بعباده: يرسل إليهم الرسل، ويُنْزِل عليهم الكتب السماوية، ويمدهم بالعلماء العاملين المرشدين المصلحين، ليردوا الطوائف الضالة إلى الصواب، وليُظْهِرُوا زَيْفَ الباطل، وليقوِّموا ما حرَّفه المضلون، من آيات الله البينات. ولذا قال الله تعالى في ختام الآية: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.

стр. 357

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ المفردات: ﴿أَمْ﴾: تأتي بمعنى بل وهمزة الاستفهام. ويرى أبو عبيدة: أنها للاستفهام وحده. ﴿حَسِبْتُمْ﴾: ظننتم. ﴿خَلَوْا﴾: مضَوا. ﴿الْبَأْسَاءُ﴾: الفقر، أو الحرب، أو الشدة. ﴿الضَّرَّاءُ﴾: المرض، أو الضيق، أو الضرر مطلقًا. ﴿زُلْزِلُوا﴾: الزلزلة: الحركة الشديدة. والمراد هنا: إصابتهم بالاضطراب النفسي، الذي يهزُّ النفس هزًّا عنيفًا ويزعجها. التفسير ٢١٤ - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم … ﴾ الآية. الربط: لما بين الله - في الآية السابقة -: هدى الأُمة المحمدية، لما اختلف فيه أهل الكتاب - أتبع ذلك، حث المؤمنين على الصبر، وتحمل الأذى ممن يخالفونهم، كما كان يفعل المؤمنون من قبلهم.

стр. 358

سبب النزول: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق، حين أصاب المسلمين ما أصابهم، وبلغت القلوب الحناجر. وقيل: نزلت في غزوة أحد، لَمَّا قُتِل من المسلمين عددٌ كبير. وقال عطاء: لما دخل رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة، اشتد الضر عليهم، لأنهم خرجوا بغير مال، وتركوا ديارهم وأموالهم بيد المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله ﷺ وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله، وأَسَرَّ قوم من الأغنياء النفاق، فأَنزل الله هذه الآية، تطييبًا لنفوس المؤمنين. وكيف كان سبب النزول، فالمقصود من الآية هو: حث المؤمنين على التحمل والصبر، حينما يمتحنون بالشدائد، في سبيل دينهم. فلا يَعْبَأُون بما ينالهم - في أنفسهم وأموالهم - من الأذى، فإن الله عنده خير العوض. والمراد بمثل الذين خلوا من قبلهم: ما نالهم من الشدائد والمحن في سبيل دينهم. وفي ذلك روى البخاري وغيره: عن خَباب بن الأرت، قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسِّد بردةً في ظل الكعبة - ما لقينا من المشركين فقال: "إنَّ مَنْ كان قبلكم: كان أَحَدُهم يُوضَعُ المنشارُ على مَفْرِقِ رأسه، فيخلُصُ إلى قدميه: لا يصرفهُ ذلك عن دينه، ويُمشطُ بأمشاط الحديد ما بين لحمِهِ وعظمه: لا يصرفه ذلك عن دينه. ثم قال: "والله، لَيتِمَّنَّ هذا الأمرُ، حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضر موتَ: لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه. ولكنكم تستعجلون". وأَداة الجزم ﴿لَمَّا﴾ تدل على نفي الماضي مع ترقب وقوعه في المستقبل، وهذا ليوطِّن المؤمنون أنفسهم، على احتمال ما ينتظرون أن يقاسوه من أهوال. ومعنى الجملة على هذا: بل أَظننتم أنكم - لمجرد إيمانكم - تدخلون الجنة، دون أن تتعرضوا للمشقة والابتلاءِ، كما تعرض المؤمنون الأتقياء من الأُمم السابقة؟

стр. 359

قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿(٢)﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (١). وقد أوضح الله ما نال المؤمنين الصادقين - في الأُمم السابقة - من المحن، حتى يتأسى بها المسلمون، فقال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾؟ والجملة هنا، كالجواب عن سؤال مقدر هو: ماذا أصاب الذين كانوا من قبل من شدائد وأهوال؟ فكان الجواب: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ … ﴾ أي أصابتهم الشدائد والأهوال، وتعرضوا لفظائع الحروب الظاهرة والخفية، واهتز كيانهم اهتزازًا عنيفًا، حتى كاد اليأس يسيطر علي نفوسهم، وحتى تطلَّع الرسول والمؤمنون معه - من هول ما قاسوه - إلى الله، استعجالًا لنصره. فهم لا يَشُكُّون في تحقيق وعده، ولكنهم يتعجلون حدوثه. والرسول هنا: للجنس، لأن كل رسول جاهد في سبيل الله، هو والمؤمنون به، وتعرضوا للشدائد والأهوال، فلجأُوا إلى الله - تعالى - يطلبون نصره الذي وعده عباده المؤمنين. والتعبير بصيغة المضارع: "يَقُول" بدلًا من الماضي "قال" لأن هذا كان يتكرر من جميع الرسل والذين آمنوا معهم، ولاستحضار هذه الصورة، ليتأسى بها المسلمون. ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾: أي: فقيل لهم طمأَنة لنفوسهم، وتطييبًا لقلوبهم، وإسعافًا لهم بمرامهم ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. وإيثار الجملة الاسمية على الجملة الفعلية المناسبة لما قبلها، وتصديرها بحرف التنبيه، وتأكيد مضمون الوعد بإِنَّ لتأكيد تحقق مضمونه.

стр. 360

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ المفردات: ﴿والْمَسَاكِين﴾: هم من لا يجدون كفايتهم ولو مع العمل، قال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (١). ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: الغريب المنقطع عن وطنه، ولا مال معه. ويمكن إطلاقه على اللاجيء أو المهاجر، ولا مال يكفيه. التفسير ٢١٥ - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ … ﴾ الآية. بعد أن ذكر الله - فيما سبق - أن الحياة الدنيا ازدانت للكافرين ففتنتهم، وأن الله أرسل الرسل لهداية المستعدين للهداية، وأن على المؤمنين أن يستعدوا للجهاد والبذل والتضحية في سبيل الله، لينالوا ثوابه وجنته، وليظفروا بنصره الموعود - أتبعه بيان وجوه إنفاق المال. سبب النزول: قال ابن عباس ﵄ فيما رواه أبو صالح عنه: (كان عمرو بن الجموح شيخًا كبيرًا ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله، بماذا نتصدق؟ وعلى من ننفق؟ فنزلت). وعن ابن جريج قال: "سأل المؤمنون رسول الله ﷺ أين يضعون أموالهم؟ فنزلت.

стр. 361

ظاهر الآية يفيد: أنهم سألوا عما ينفقونه من الأموال؟ وكانت الإجابة ببيان مصارفها، لأَنها أهم، فإن قيمة النفقة ومنزلتها المستتبعة للثواب، باعتبار هذه المصارف. قال بعض العلماء: هذا من الأُسلوب الحكيم، الذي يقصد به توجيه السائل إلى ما كان ينبغي أن يسأل عنه. ويمكن أن يقال: إنه تعالى أجاب عن سؤَالهم بما يناسبه، وزاد عليه فائدة أخرى، هي بيان المصرف. فإن الإجابة عن سؤالهم: ﴿مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ واردة إجمالًا في الآية الكريمة وهي: ﴿مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْر﴾: فالخير: يتضمن ما كان حلالًا، كثيرًا كان أو قليلًا، إذ لا يسمى ما عداه خيرًا. ومثل هذا مثل رجل يسأل طبيبه: هل يأكل العسل؟ فيجيبه الطبيب قائلًا: كُلْهُ مع الخل. فالزيادة في الجواب - على ما يقتضيه السؤَال - مستحسنة. وتسمى أيضًا: أُسلوب حكيم. على أننا لو نظرنا إلى سبب النزول الأول، لوجدناهم فيه يسألون الرسول أيضًا عن المصرف. ولم يذكر في الآية، للإيجاز في النظم: تعويلًا على الجواب، فتكون الآية جوابًا لأمرين مسئول عنهما. ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: وقد استفيد من الآية: أن ما ينفق من الخير: يعطي للوالدين، والأقارب الفقراء، ﴿وَالْيَتَامَى﴾: وهم من فقدوا آبائهم وكانوا فقراءَ. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: وهم من لا كسب لهم، أو لهم كسب لا يفي بحاجتهم. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: وهو المنقطع في سفر، ولا يجد ما يكفيه. ولم تتعرض الآية للسائلين لدخولهم في المساكين، كما أنها لم تتعرض للأقارب كذلك. والأكثرون: على أن الآية في صدقة التطوع. وقيل: في الزكاة. واستدل بها من أباح صرفها للوالدين. والأَول أَرجح، لعموم كلمة ﴿خَيْرٍ﴾، وخصوص الزكاة، وكونها مُقَدَّرة.

стр. 362

﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾: أي وما تنفقوه من نفقات طيبة لا إثم في كسبها، أو تصنعوه من معروف يعلَمْه الله ويُجْزِ عليه الجزاء الأوفى. وقال: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا﴾ ولم يقل: وما تنفقوا من خير، لأن فعل الخير عام: يدخل فيه الإنفاق وغيره: من معاونة القوي للضعيف، وصاحب الجاه لمن لا جاه له، والصحيح للمريض، كما يدخل فيه الإصلاح بين المتخاصمين، والأَمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعيادة المرضى، وهكذا. وجواب الشرط هنا، مؤَكد بإن، لتقرير الوعد بحسن الجزاء المستنبط من جواب الشرط. وَ ﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من العلم، وليس المراد مجرد الإفادة بعلم الله للخير، بل المقصود مع ذلك أنه يحسن الجزاء عليه ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١). ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ المفردات: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾: فُرض عليكم قتال الكفار. ﴿كُرْهٌ﴾: بمعنى مكروه، كخبز بمعنى مخبوز، أي مكروه - طبعًا - لمشقته. ويجوز أن يكون القتال هو نفس الكره، بمعناه المصدري، مبالغة في مشقته على النفوس، مثل قول الخنساءِ: فإنما هي إقبال وإدبار:

стр. 363

التفسير ٢١٦ - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ … ﴾ الآية. بين الله قبل هذه الآية، أن الجنة لا يدخلها المؤمن، حتى يقاسي البأَساء والضراءَ في سبيل دينه، كمثل الذين من قبلهم، وذكر لهم مصارف المال، ومواضع النفقات. وجاءَت هذه الآية لتبين لهم وجوب الجهاد، دفاعًا عن الإسلام، وهو المظنة الأُولى للبأساءِ والضراءِ، التي لابد من امتحان المؤْمنين بها. وقد بين الله في هذه الآية الكريمة: أنه فرض على المسلمين الجهاد، وأنه مكروه لهم، وتلك الكراهية أَمْرٌ جِبِلِّيُّ، لما فيه من القتل والأسر، وإتعاب البدن، وتلف المال، وقتل ما عسى أن يكون من الأقارب على الكفر - وهم يحبون أن يهديهم الله إلى الإسلام. وهذا لا ينافي رضاهم بما كلفهم الله به حبًا في مرضاة الله وطمعًا في ثوابه، كالمريض يرضى بشرب الدواء الكريه الطعم، حبًّا في الشفاء. والجهاد أصلًا: فرض كفاية يقوم به المجندون من شباب المسلمين، نائبين عن بقية المسلمين. فإذا دخل العدو بلاد الإسلام غازيًا، فقد انعقد الإجماع على أن الجهاد فرض عين، على جميع المسلمين سواءٌ أكان القتال أم بالحض عليه، أم بتجهيز المقاتلين، أَم تثبيتهم، أَم برعاية أسرهم، أم علاجهم: أم تأليب الرأي العام على المعتدين. ويكون ذلك حسب طاقة المجاهد. قال تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١). وقال ﷺ : "من مات ولم يَغْزُ ولم يُحَدِّثْ نفسهُ بالغزو، مات على شُعْبَةٍ من النِّفاق" (٢).

стр. 364

وقال ﷺ : "من لم يَغْزُ أَو لم يُجَهِّزْ غَازيًا، أَو يُخْلِف غازيًا في أَهله بخير، أصابه بقارعة قبل يوم القيامة". (١) ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾: عسى هنا للتحقيق، كنظائرها الواقعة في كلامه تعالى أو: للترجي، باعتبار حال السامع. وموضع الرجاءِ، هو الخير المترتب على الجهاد. فالرجاءُ هنا، يكون في نية المقاتلين، بأَن يترقبوا من ورائه النصر والثواب من الله تعالى. وعسى هنا، تامة، سد ما بعدها، مسد اسمها وخبرها. والمعنى: أَنكم قد تجهلون حقائق الأُمور، فتكرهون شيئًا مما كلفتم به، وتحاولون اجتنابه، ولكن نهايته تكون خيرًا لكم، وتحبون شيئًا وتحرصون عليه، ولكن نهايته - مع حبكم له - تكون شرًا لكم. فليس كل مكروه ضارًا، ولا كل محبوب نافعًا. والجهاد: هو مصدر العزة والكرامة والحرية. وفيه إحدى الحسنين: الظَّفَرُ أَو الشهادة. وما ترك قوم الجهاد إلا ذَلّوا، وأصبحوا فريسة سهلة للمعتدين. فالقعود عن الجهاد، وإيثار السلامة والاستسلام يقود الأُمة إلى: الضعف، والفقر والذل، والهوان. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ﴾ ما هو خير لكم، وما هو شرّ لكم، ﴿وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك فلا تتبعوا ما تميل إليه نفوسكم، وبادروا إلى امتثال ما أمركم، ففيه الخير دائمًا.

стр. 365

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ المفردات: ﴿الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾: أحد الأشهر التي حرم فيها القتال وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. ﴿الْفِتْنَةُ﴾: المراد منها، تعذيب المسلمين وإخراجهم من ديارهم، وصدهم عن المسجد الحرام، وعن دين الله. ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: بطلت وفسدت. التفسير ٢١٧ - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ … ﴾ الآية. تكررت آيات الأحكام فيما سبق، وتكررت الأسئلة طلبًا لتوضيح الأحكام. والسؤال هنا، يدور حول حكم السَّرِية التي قادها عبد الله بن جحش، فَقَتَلت وأَسَرَتْ في الشهر الحرام؟

стр. 366

سبب النزول: أخرج الطبراني في الكبير، والبيهقي في سننه، وابن جرير، وابن أبي حاتم وغيرهم ما تلخيصه: أن النبي ﷺ بعث رهطًا بقيادة عبد الله بن جحش إلى نخلة، فقال: كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش، ولم يامره بقتال، وكتب له كتابًا قبل أن يعلمه أين يسير، فقال: اخرج أنت وأصحابك، حتى إذا سرت يومين فافتح الكتاب وانظر فيه، فما أَمرتك به فامض له ففعل، فإذ فيه أمرهم بالنزول بنخلة، والحصول على أخبار قريش. فتوجه بأصحابه نحو نخلة، فلقوا نفرًا من قريش فقتلوا أحدهم، وأسروا اثنين منهم، وأخذوا عيرهم وعادوا إلى المدينة فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال لهم: والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام. فأوقف الرسول الأسيرين والعير، فلم ياخذ منها شيئًا، فلما قال لهم رسول الله ما قال، سُقِطَ في أيديهم، وظنوا أن قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين. وقالت قريش - حين بلغهم أمر هؤلاء -: قد سفك محمد الدم الحرام، وأخذ المال وأسر الرجال، واستحل الشهر الحرام. فنزلت. فأخذ رسول الله العير، وفَدَى الأسيرين. واختلف في وقت حدوث ذلك، فبعض الروايات تقول: إن ذلك كان في آخر يوم من جمادى الآخرة وهو حلال: ويليه شهر رجب. وهو شهر حرام. وبعضها تقول: إنه كان في آخر يوم من رجب. ولعل ذلك أرجح، فإن الآية تؤيده، إذ فيها أنهم سألوا عن حكم القتال في الشهر الحرام، كما أن الرواية التي تقول إنه كان في آخر يوم من جمادى، يناقض بعضها بعضًا، فقد ذكرت ما رويناه من أن الرسول حلف أنه ما أمرهم بالقتال في الشهر الحرام، وتوقف عن أخذ الغير، وأوقف الأسيرين، وأن الرسول لما قال لهم ما قال، سُقِطَ في أيديهم، وظنوا أنهم هلكوا، وأن المسلمين عنفوا عبد الله بن جحش وإخوانه على ما صنعوا، ولو كان ذلك في آخر يوم من جمادى ما حدث ذلك، ولو حدث لدافع عبد الله وإخوانه عن أنفسهم.

стр. 367

وكما أن السؤال في الآية دلّ على أن القتال كان في الشهر الحرام، فالجواب قرر ذلك. ولكنه عذرهم، إذ بين أنه وإن كان القتال فيه عظيم الوزر ولكن وزر المشركين أكبر، كما سنبينه إن شاء الله تعالى. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾: السائلون هم المسلمون، فقد سألوا عن حكم القتال في الشهر الحرام، بعد ما علموا بما كان من سريَّة عبد الله بن جحش. والمعنى: يسألك المسلمون عن القتال في الشهر الحرام: أهو جائز أم لا؟ ثم كان الجواب: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: أي القتال فيه عظيم الوزر كبير الإثم. وقد أَثبت هذا الجواب حرمة القتال في الشهر الحرام، وأَن ما اعتقده أَهل الشرك من استحلال الرسول القتال فيه باطل. أما ما وقع من عبد الله بن جحش وأَصحابه، وفقد كان اجتهادًا منهم، فقد رأَوا أن قتال المشركين فيه حلال، لأنهم أخرجوهم من ديارهم، وصدُّوا عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام وعذبوهم وهم بمكة. ومن اجتهد وأَخطأَ، فله أجره، فكيف بمن اجتهد وأَصاب، حيث أَقَرَّ الله اجتهاده وعذره؟! وإعادة لفظ القتال، للاهتمام بأَمر الحكم فيه. وتنكيره، للإيذان بأن أي قتال فيه مذموم وإنْ قلَّ، وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ (١) وقوله: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢)، فالقتال في الشهر الحرام نسخت حرمته بما ذكر.

стр. 368

﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ﴾: المعنى: وإذا كان القتال في الشهر الحرام إثمًا كبيرًا، فإن الصَّدَّ عن دين الله، والكفر به، والصدَّ عن زيارة المسجد الحرام بمكة للعمرة، وإخراج أهله المسلمين منه - مجردين من أموالهم - كل هذا أكبر جريمةً، وأبشع إثمًا عند الله - سبحانهُ - من القتال في الشهر الحرام. وقد فعل المشركون هذا كله. فقد قاوموا الدعوة الإسلامية، وعبدوا الأوثان، ومنعوا المسلمين من أداء شعائر العبادة بالمسجد الحرام، وعذبوهم، وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم بمكة. فأي إثم أكبر من هذا؟ ثم عطف على الحكم الجزئي السابق، حكمًا كليًا: يتناول ما تقدم، كما يتناول ما يماثله مستقبلًا، فقال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾: أي ما يُفتن به المسلمون ويُعذبون به، أكبر إثمًا عند الله من القتل. وقد بالغ المشركون في إيقاع الأذى بالمسلمين، لصرفهم عن دينهم فقد عذَّبوا ياسرًا والد عمَّار: كانوا يكوونه بالنار ليرتَدَّ عن الإسلام، حتى مات في العذاب. وعَذَّب أَبو جهل، سُميَّةَ أُم عمار زوجة ياسر، تعذيبًا شديدًا، ثم طعنها بين فخذيها بحَرْبَةٍ طعنةً قضت عليها. وأُوذِيَ عمَّار بن ياسر في الله، حتى حملوه على كلمة الكفر فقالها تقية وغفرها الله له. وكان أُمَيَّةُ بن خلف يُعَذِّبُ بلالًا، فيجيعه ويعطشه ويطرحه في الرمضاءِ، ويضع على صدره الصخر، ويكويه بالنار، ليرتد عن الإسلام. وغيرهم كثير، بل لم يَسْلَمِ النبي ﷺ من إيذاءِ قومه. وأخيرًا تآمروا على قتله للقضاء على رسالته السماوية، فنجَّاه الله بالهجرة إلى المدينة.

стр. 369

ومن هنا، كانت الفتنة أكبر من القتل، لأَنها قتل بطيءٌ مصحوب بالتعذيب والتنكيل. وقيل المراد بالفتنة: الشِّرك والكفر. ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾: أي هم لم يكتفوا بالصد عن سبيل الله والكفر به، ولم يقتنعوا بتعذيبكم وإخراجكم من دياركم، بل لا يزالون يفتنونكم، بشن الحروب عليكم لإبادتكم، أو صرفكم عن دينكم القويم إن استطاعوا، وسيظل شأْن الكفار مع المسلمين مستقبلًا كذلك. ولا شك في أن مقابلة العدوان - بمثله - أمر مشروع. والتعبير بحرف الشرط (إنْ) لاستبعاد استطاعتهم صرفَهم عن دينهم. ثم حذرهم فقال: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: أي من يستجيب منكم لهؤُلاء المشركين، فيرجع عن دينه إلى دينهم، فيمت وهو كافر: بطل كل عمل صالح قدمه، وخسر الدنيا والآخرة. وفي هذا إنذار شديد، لمن تحدثه نفسه - من ضعفاء الإيمان - بالارتداد. (وَأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ): أي وأُولئك المرتدون عن دينهم أهل النار، هم فيها خالدون، إذا ماتوا وهم كافرون. ولا يغني عنهم إيمانهم السابق عن الردة. أما من ارتد عن دينه، ولم يمت وهو كافر، بل تاب عن ردته وكفره، فالله يقبل توبته بفضله. واستدل الإمام الشافعي بالآية: عن أن الردة لا تحبط الأعمال، حتى يموت صاحبها عليها.

стр. 370

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ التفسير ٢١٨ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا … ﴾ الآية. سبب النزول: روى جعفر بن عبد اله، وعروة بن الزبير، وغيرهما، أن الآية السابقة، لما نزلت: اطمأن عبد الله بن جحش ومن معه، إلى أنهم لم يرتكبوا إثما في قتال المشركين في الشهر الحرام، وظن بعضهم أن الآية السابقة نفت عنهم الإثم فقط، فقالوا: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا فليس لهم أجر. فقال عبد الله بن جحش ومن معه: يا رسول الله، أَنطمع أن يكون لنا غزوة نُعْطَى فيها أجر المجاهدين؟. فأنزل الله هذه الآية، ليبين أمرهم وأمر كل من آمن وهاجر وجاهد في سبيل الله. والمعنى: أن المؤمنين الصادقين: الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وتركوا أموالهم وديارهم، حرصًا على دينهم وتمسكًا به، وجمعوا - إلى الإيمان والهجرة - بذل الجهد في طاعة الله، والقتال في سبيل إعلاء كلمة الله - إن هؤُلاء جمعوا هذه الصفات - هم على رجاءٍ وأمل في رحمة الله: ينتظرون ذلك ويطمعون فيه، جزاء إيمانهم وهجرتهم، وجهادهم في سبيله، ثقة منهم بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. قال القرطبي: وإنما قال: يرجون - وقَدْ مَدَحَهُمْ - لأنه لا يعلم أحد في الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ، لأمرين: أحدهما: أنه لا يدري بم يختم له، والثاني: لئلا يتكل على عمله، اهـ. وقد ختم الله الآية بما يطمئن أولئك الذين قاتلوا في الشهر الحرام فقال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾:

стр. 371

أي: والله سبحانه واسع المغفرة، عظيم الرحمة، بمن آمن به، وهاجر إليه، وجاهد في سبيله، قاصدًا وجهه الكريم، إن اجتهد فأَخطأَ، فما بالك بمن اجتهد فأصاب، كعبد الله بن جحش! وكرر لفظ ﴿الَّذِينَ﴾ مع الهجرة والجهاد، بعد ذكرها مع الإيمان، مع أن الذين هاجروا وجاهدوا هم الذين آمنوا، لتفخيم شأن الهجرة والجهاد، كأنهما - وإن كانا مشروطين بالإيمان - مستقلان في تحقق الرجاء. وقدَّم الهجرة على الجهاد، لتقدمها عليه وجودًا، كتَقَدُّمِ الإيمان عليهما. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ المفردات: ﴿الْخَمْر﴾: الخمر، ما أسكر من عصير العنب. ثم أصبح اسمًا لكل ما أسكر. ففي الحديث: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ". وفيه: "ما أَسْكَرَ مِنْهُ الفَرَقُ (١) فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ". رواه أحمد عن السيدة عائشة ﵂ وسُميت خمرًا، لتغطيتها العقل. من خمر الشيء: إذا ستره.

стр. 372

﴿وَالْمَيْسِرِ﴾: القمار، مصدر يسر. يقال يسرته: قمرته. واشتقاقه من اليسر - بمعنى السهولة - لأَنه أخذ الرجل مال غيره بيسر وسهولة، من غير كَدّ ولا تعب، أو من اليسار لأنه سلب يساره. والميسر: قمار العرب. كانت لهم عشرة قداح يقامرون عليها وهي: الأزلام، ثلاثة منها ليس لها علامات، فليس لمن أخذ واحدًا منها نصيب من الربح، والباقي له علامات متفاوتة، يتفاوت بسببها الربح. كانوا يضعون هذه القداح العشر في خريطة على يدي عدل، يحركها ويخرجها واحدًا واحدًا. فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء، أخذ النصيب الموسوم به، من جزور يذبح، وَيُجَزَّأُ على قدر السهام القداح. ومن خرج قد مما لا نصيب له، لم يأخذ شيئًا، وغرم ثمن الجزور كله. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك، ويذمون من لم يدخل فيه، ويسمونه: البرم. ﴿إِثْمٌ﴾: الإثم: الذنب، أو الشر، أو الضرر. ﴿الْعَفْوَ﴾ من المال: ما زاد على النفقة، أو السهل الميسور. ﴿وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾: أوقعكم في مشقة وشدة. التفسير ٢١٩ - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا … ﴾ الآية. كما سأل الصحابة الرسول ﷺ عما ينفقون، وعن القتال في الشهر الحرام، سألوه عن الخمر والميسر. ولقد جاء الإسلام والعرب يعتادون تناول المسكرات - من عصير العنب أو نقيع التمر أو غيرهما - ومع أنها شديدة الضرر بالجسم والعقل، فإن الإسلام تدرج معهم في تحريمها، لتغلغل حُبِّها في قلوبهم، وظنهم أنها أساس لبعض مكارمهم، كما عالج مآثم أُخرى عميقة الجذور، بسياسة التدرج: رحمة وحكمة، لأنه الأُسلوب الأمثل في علاج النفوس التي أقامت على تلك المآثم، وتوارثتها عبر الأجيال.

стр. 373

وقد بين الزمخشري ذلك في كشافه، فقال: نزلت في الخمر أربع آيات. نزلت بمكة: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (١)، فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال. ثم إن عمر ومعاذًا ونفرًا من الصحابة، قالوا: يا رسول الله، أَفْتِنَا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال. فنزلت: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فشربها قوم، وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسًا منهم فشربوا وسكروا، وأَمَّهم بعضهم، فقرأَ: "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ" بغير (لا) فنزلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) النساء. فقلَّ من يشربها. ثم دعا عتبان بن مالك قومًا، فيهم سعد بن أبي وقاص إلى طعام وشراب، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا، حتى أنشد سعدٌ شعرًا فيه هجاءُ الأنصار، فضربه أنصاري بلحي بعير فشجه، فشكا إلى رسول الله ﷺ فقال عمر: "الَّلهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا" فنزلت: ﴿ … إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ … ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ (٣). فقال عمر ﵁ انتهينا يا رب. والمعنى: يسألك المسلمون يا محمد عن حكم تعاطي الخمر والميسر. قل: فيهما ضرر كبير، ومنافع للناس، وضررهما أكبر من نفعهما. أما ضرر الخمر - من أي نوع اتخذت - فقد أثبته الطب بما لا يدع مجالًا للشك فيه، فإن تعاطي الخمر يؤدي إلى التهاب الكبد، وضعف المعدة، وضعف مقاومة الجسم للأمراض. وقد ثبت من بحوث عديدة بالمستشفيات العامة: أن نسبة الوفيات - بين المدمنين ترتفع إلى خمسين في المائة، على حين لا تتجاوز نسبتها - في غير المدمنين - أربعًا وعشرين في المائة!!

стр. 374

وتأثيرها في العقول ملموس، فقد تمت تجارب عديدة ثتب منها أن الغَوْل (الكحول)، المتولد في الخمر سبب مباشر لخُمسِ الإصابات في مستشفيات الأمراض العقلية!! هذا فضلًا عما تسببه من الجرائم الخلقية، فإنها: تزين القبيح، وتشوه الحسن، وتدفع صاحبها دفعًا إلى ارتكاب الموبقات والآثام، والاعتداء على الحرمات، مما يورث الأحقاد والعداوات. أمَّا ما فيها من نفع: فلعله أن الغول (الكحول) الذي فيها قد يقتل بعض الجراثيم، وأنها تتحول إلى خَلّ، وأن الاشتغال بها، قد يعود ببعض الأرباح على صانعيها، والمتجرين فيها، وأنها قد تحمل على البذل والعطاء وتشجيع الجبان ونحو ذلك. ومن الموازنة بين الضرر والنفع، نجد الضرر يفوق النفع أضعافًا مضاعفة بحيث لو لم يرد نَصَّ ديني صريح بالتحريم، لأَوجب العقل تحريمها دفعًا لما فيها من آثام. ويلحق بالخمر المخدرات مثل: الحشيش، والأفيون، والكوكايين، والهيروين … وأمَّا ضرر الميسر، فهو أنه يؤدي إلى إتلاف الأموال، وإهمال الأعمال، وشيوع البطالة، وضياع الوقت في غير طائل، والاتكال على الحظ، والحرص على أكل أموال الناس بالباطل، وما يترتب على هذا من إثارة العداوة والبغضاء في النفوس. ونحن نعلم أن كثيرًا من الثروات الطائلة، تبددت على موائد القمار، وفي ميادين السباق، وكثيرًا ما تمتد أيدي المقامرين إلى ما تحت أيديهم من أمانات، فيكون مآلهم السجن. وقد يصل بهم الأمر إلى الانتحار. أما نفعه: فهو ناشيءٌ عن أخذ الفقراء لحم الجزور المتقامر عليه. وقد مرَّ بيان ذلك في المفردات، وأن بعض المقامرين، قد يستفيد من المال الذي أخذه من غيره بدون حق، وأن بعض ماله - في العصر الحديث - تنتفع به الجميعات الخيرية، خصمًا من أرباح أوراق (اليانصيب). وهذا النفع إذا تم، لا يُقاس بما يقع من أضرار جسيمة، وعواقب وخيمة، وشر عظيم. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾:

стр. 375

سبب النزول: أخرج ابن اسحاق وغيره عن ابن عباس ﵃ أن نفرًا من الصحابة - حين أُمروا بالنفقة في سبيل الله - أتوا النبي ﷺ فقالوا: إنا لا ندري ما هذه النفقة التي أُمرنا بها في أموالنا، فما ننفق منها؟ فنزلت. وكان - قبل ذلك - ينفق الرجل كل ماله، حتى ما يجد ما يتَصَدَّق ولا ما يأكل، حتى يُتَصَدَّقَ عليه اهـ. ومن سبب نزولها أيضًا: ما أخرجه ابن أبي حاتم، من طريق أَبان بن يمين: أنه بلغه أَنَّ معاذ بن جبل وثعلبة، أتيا رسول الله ﷺ فقالا: يار سول الله، إن لنا أَرقاء وأَهلين، فما ننفق من أموالنا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وهذه الجزءُ من الآية، مرتبط بما قبله ارتباطًا وثيقًا. فهو في الإنفاق فيما يحل،، ما قبله في الإنفاق فيما يحرم، وهو معطوف على ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ عطف القصة على القصة. والمعنى: ويسألك المسلمون يا محمد، ما الذي ينفقونه من أموالهم؟ قل لهم: ينفقون العفو، وهو ما فضل عن العيال، دون أن يجهدهم. أخرج الشيخان وغيرهما، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى. وابدأ بمن تعول". وأَخرج ابن خزيمة عنه - أيضًا - أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خير الصدقة ما أَبقت غنيّ، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول. تقول المرأة: أنفق عليَّ أو طلقني، ويقول مملوكك: أَنفق عليَّ أو بعنى، ويقول ولدك: إلى من تكلني؟! ".

стр. 376

وقال أبو سعيد الخدري: بينما كنا في سفر ما النبي ﷺ إذ جاءَه رجل على راحلته، فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله ﷺ "من كان معه فضل ظهر فَلْيَعُدْ به على من لا ظَهْرَ له. ومن كان له فضلٌ من زاد فَلْيَعُدْ به على من لا زاد له". فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حقَّ لأَحدٍ منا في فضل. فمما سبق - يعلم أن الصدقة لا تكون إلا بعد كفاية العيال. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ. فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ … ﴾: أي مثل هذا البيان الواضح في الخمر والميسر والنفاق: يبين الله لكم آيات الأحكام وغيرها، لكي تتفكروا وتتدبروا في شئون الدنيا والآخرة، فتاخذوا بما هو أصلح لكم. ولعَلَّ هنا، للتعليل. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾: سبب النزول: أخرج أبو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس ﵁ قال: لما أنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ … ﴾ (١) و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى … ﴾ (٢) الآية. انطلق من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شَرَابِه، فَجَعل يفضل له الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله، أو يفسد فيرمي. فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأَنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ … ﴾ الآية: فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه" واللفظ لأَبي داود.

стр. 377

والمعنى: ويسألك الناس عن أمر اليتامي، قل إصلاح لهم خير من تركهم أو ظلمهم. والإصلاح يتناول كل نفع يعود عليهم من: تنمية أموالهم، وحسن تربيتهم، وتوليتهم بعض أُمورهم المالية، ليديروها تحت رقابة أَوصيائهم، ونحو ذلك. ولذا نَكَّر ﴿إِصْلَاحٌ﴾ ليتناول كل فروعه. ونَكَّرَ ﴿خَيْرٌ﴾ ولم يقيد بقيد، ليفهم منه أنه "خير" مطلق: يعم الأَوصياءَ والأيتام. فالخير للأَوصياءِ: جزيل الثواب وحسن الذكر. والخير للأيتام: يسارهم وطيب نشأَتهم، ليكونوا نافعين لأنفسهم وأُمتهم. ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾: أي: إن تخالطوهم - في الطعام والشراب والمسكن - تؤدوا اللائق بكم، فإنهم إخوانكم في الدين. والمقصود: الحث على المخالطة، بشرط الإصلاح. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾: وقد حذر الله المخالطين من الإفساد عند المخالطة لها فيجازي كلا منهما بما يستحقه، فإن الله لا تخفى عليه خافية: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١). فالمؤْمن ينبغي أن يراعي هذا، فيرغب في إصلاح أحوال اليتيم: طلبًا لثواب الله، ويرغب عن الإفساد، خشية عقاب الله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾: أي: ولو شاء الله لضيق عليكم، بأَن لم يُجَوِّزْ لكم مخالطتهم، لترعوا مصالحهم دون مخالطة. ولكنه - سبحانه - رحيم بعباده، رءوف بهم، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: أي إن الله غالب على كل شيءٍ: لا يعجزه أمر أراده، وفي جملته إعانتكم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يشرعه من أحكام. ومن جملة ذلك: أنه شرع لكم ما تقتضيه الحكمة، وتتسع له الطاقة البشرية: التي هي أساس التكليف.

стр. 378

﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ المفردات: ﴿تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾: تتزوجوهنّ. ﴿تُنكِحُوا الْمُشْرِكينَ﴾: تُزَوِّجوهم. ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾: المراد بهم هنا، الكافرون مطلقًا. ﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾: المراد بهن، الوثنيات، ومن لا دين لهن. ﴿وَلَأَمةٌ﴾: الأَمة، المرأة المملوكة. التفسير ٢٢١ - ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ … ﴾ الآية. الربط: تناولت الآية السابقة، توصية الأولياء والأوصياء بالإصلاح المطلق لشئون اليتامى. وأَعقبتها هذه الآية متضمنة أساس صلاح الأُسرة، وهو الاشتراك في الدين بين الزوجين، وبذلك اشتركت الآيتان في أَن كلتيهما: تتناول لونًا من أَلوان الإصلاح في البيئة الإسلامية.

стр. 379

سبب النزول: روى السدي عن ابن عباس ﵄ أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة. كانت له أَمةٌ سوداء وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع .. فأتى النبي ﷺ فأَخبره خبرها، فقال له النبي ﷺ : ما هي يا عبد الله؟ فقال هي يا رسول الله: تصوم وتصلي، وتحسن الوضوءَ، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: يا عبد الله، هي مؤْمنة. قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق نبيًا، لأعتقنها ولأَتزوجها، ففعل. فطعن عليه ناس من المسلمين، فقالوا نكح أمة، وكانوا يريدون أن ينكحوا المشركين وينكحوهم: رغبة في أنسابهم، فأنزل الله ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ … ﴾ الآية. المعنى: المراد من المشركات: مَن يعبدْن غير الله، ومن ليس لهن دين. وقد حرمت الآية نكاحهن. فلا يجوز أن يتزوجهن المسلمون بالإجماع. أما الكتابيات: فلا تدل الآية على منع الزواج منهن، فإنهن لا يُعْرَفْنَ بالمشركات في لسان الشريعة الإسلامية، وإن كان اليهود يقولون: عُزَيْر ابنُ الله، والنصارى يقولون: المسيح ابن الله. وإنما يُعرفن بالكتابيات. وقد أُبيح الزواج منهن - صراحة - في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (١). وبهذا أخذ جمهور العلماء.

стр. 380

ومن العلماء من منع الزواج منهن. وحجته في ذلك: أنها تنكر معجزة النبي ﷺ وتضيفها إلى غيره - تعالى - هذا هو الشرك. ولأن الشرك في هذه الآية، وقع في مقابل الإيمان في الآية التالية، فوجب حمْله على عدم الإيمان بالله ورسوله بأَي صورة. ولأنه - تعالى - أَطلق الشرك على أهل الكتاب، لقوله - تعالى - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). وأخرج البخاري والنحاس في ناسخة، عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ وكان إذا سئل عن نجاح الرجل النصرانية أو اليهودية، قال: حرم الله تعالى المشركات على المسلمين، ولا أعرف شيئًا عن الإشراك، أَعظم من أن تقول المرأة: ربُّها عيسى، أو عبد من عباد الله تعالى. وإلى هذا ذهب الإمامية، وبعض الزيدية، وجعلوا آية المائدة ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ منسوخة بهذه الآية، نسخ الخاص بالعام، وتلك - وإن تأخرت تلاوة - فهي مقدمة نزولًا. والجمهور على الأول: والآية تقرر: أَن المرأة المملوكة الرقيقة إذا آمنت، رفعها إيمانها فوق المشركة: حرة كانت أو أمة، وإن أعجبت المشركة من يريد الزوارج، لما لها من: حسب، أو نسب، أو جمال، أو مال. ثم إن التفضيل يقتضي: أن في المشركة خيرًا. فإِما يراد الخير، بالانتفاع الدنيوي وهو مشترك بينهما، أو هو على حد قوله تعالى: ﴿أصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا﴾. (٢) والمعنى: ولا تتزوجوا المشركات حتى يؤمن، فنكاحهن - وهن مشركات - حرام: لا ينعقد، ويعتبر وطؤهن زنى، ولأَمة مؤمنة يتزوجها المسلم، خير من مشركة: حرة كانت أم أمة، ولو أعجبتكم، بجمال أو مال، أو حسب أو نسب.

стр. 381

﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾: المراد من المشركين هنا: الكفار مطلقًا، سواءُ أكانوا يعبدون غير اله، أم من أهل الكتاب، أم لا يدينون بدين. والآية تحرم تزويج المؤمنات - سواءٌ كن حرائر أو إماء - بكفار، على أي دين كانوا. فلا ينعقد زواج المؤمنة من: كتابي، أو مشرك، أو معطل. قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْ جِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١). والآية تدل على: أنه لا يجوز عقد النجاح إلا بولي، لأن النهي عن إنكاحهن إلى المشركين، إنما وجه إلى أوليائهن. وبذلك تصرح السنة. قال ﷺ : "لا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة. وإلى هذا ذهب معظم الأَئمة، ويعضدهم قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (٢) وإن كان الزهري والشعبي وأبو حنيفة يقولون: إذا زَوَّجت المرأَةُ نفسها كفؤًا بشاهدين، فذلك نكاح جائزٌ، مستمسكين بقوله تعالى: "فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ" (٣). وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤). ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾: هذا تعليل لما سبق من تفضيل العبيد - من المؤمنين المؤمنات - على السادة من المشركين والمشركات. أي أولئك المذكورون - من المشركين والمشركات - يدعون إلى الكفر المؤَدي إلى النار، فلا تصاهروهم، حتى لا يفتنوكم ويفتنوا ذريتهم. والله يدعو - بواسطة أَوليائه من المؤمنين والمؤمنات - إلى دواعي الجنة من: الإيمان الخالص والعمل المشروع، فكيف يلتقيان بالزواج!.

стр. 382

﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: والله سبحانه، يشرِّع للناس بآياته ما ينفعهم ف الدنيا والآخرة، ويوضحها لهم، لكي يتذكروا ويتدبروا، فيستجيبوا إليه عن بصيرة واقتناع. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ المفردات: (الْمحِيضِ): الدم الذي تفرزه المرأة شهريًا، من موضع المباشرة الجنسية. وهو في الأصل، مصدر: حاضت المرأة حيضًا ومحيضًا ومحاضًا، أي سال دمها، ثم أُطلق على نفس الدم السائل. ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾: الحرث في الأصل، إلقاءُ البذر في الأرض، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (١). يعني: أفرأيتم ما تلقونه في الأرض من البذور؟ أأنتم تنبوته أم نحن المنبتون؟. والمراد يكون النساء حرثًا: أنهم مواضع الحرث، وهو هنا، إلقاءُ النُّطفِ في الأَرحام. وقال الجوهري: الحرث الزرع. أهـ. أي نساؤكم موضع زرع لكم. والتعبير عنهن بذلك، على جه الاستعارة المبنية على تشبيههن بمواضع الإنبات.

стр. 383

التفسير ٢٢٢ - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى … ﴾ الآية. الربط: دلت الآية السابقة على عناية الدين بصحة العقائد، فطالبت المؤمنين أن يقيموا عقد النكاح على أساس من الإيمان الصادق، كما تدل على الغرض الرئيسي من الزواج، وهو: إنجاب الأطفال. وسبب النزول: ما أخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، وغيرهم، عن أنس ﵁ "أن اليهود كانوا - إذا حاضت المرأة منهم - أخرجوها من البيت، ولم يُؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت - أي لم يكونوا معهن في البيوت - فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، فقال ﷺ : "جَامِعُوهُنَّ فِي البُيوتِ، واصْنَعُوا كُلَّ شَيءٍ إلَّا النِّكَاحَ" أي إلا الوطء فإنه لا يحل أثناءَ الحيض. وكان اليهود يعتقدون أن الحائض نجسة، وكل من مسها يكون نجسًا، إلى المساءِ، وكذلك يتنجس كل ما تلمسه أو تجلس عليه، أو تلبسه. فمن مس فراشها لا يطهر إلا بغسل ثيابه واستحمامه، ومع هذا يظل نجسًا إلى المساء. ومن ضاجعها ظل نجسًا سبعة أَيام. (١) وكان النصارى يتسامحون في أَمر المحيض. والمعنى: ويسألك المؤمنون عن دم النساءِ الذي يأْتيهن شهريًا، عن الأحكام المترتبة على وجوده، قل لهم: هو أَذى، إذ هو ضَارٌّ بصحة الأجسام، وقذر تتأَذى منه النفوس. وقد ثبت طبيًا: أن اتصال الرجل بالمرأة - أثناء الحيض - قد يترتب عليه ضرر المرأَة ذاتها كالتهاب المبيض، كما يترتب عليه ضرر الرجل، لوجود جراثيم ضارة في المهبل

стр. 384

أثناء الحيض، فتؤثر فيه وتصيب المثانة والحالبين. وقد تصل إلى البروستاتا والخصيتين والقناة البولية، وهكذا مما صان الله المسلم منه. والتعبير بجملة ﴿هُوَ أَذًى﴾ بدلًا من هو مؤْذ، للمبالغة في إثبات أَذاه، حيث جعله ذات الأَذى. ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: المقصود باعتزالهن في المحيض: هو تجنب الاتصال الجنسي بهن أثناءَ الحيض. أما غيره - كالقبلة واللمس ونحو ذلك - فمباح. وكرر لفظ ﴿الْمَحِيضِ﴾ ولم يكتف بضميره، لئلا يتوهم رجوعه إلى شيء سواه، اعتناءً بإبراز أَذاه. ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: هذا تقرير لوجوب اعتزالهن. وليس إنشاء حكم جديد، فإن الأمر باعتزالهن، يلزمه النهي عن القرب منهن. والمقصود من: القرب منهن: مباشرتهن في موضع الحيض، أي ولا تجامعوهن حتى يطهرن، فإذا طهرن، فلكم مجامعتهن. والمقصود من طهرهن: انقطاع حيضهن عند أبي حنيفة، إذا كان الانقطاع لأكثر مدة الحيض، فإن كان لأَقل منها، لم يحل وطؤهن إلا بالاغتسال، أو مضى وقت صلاة بعد الانقطاع. أما عند الشافعية: فطهرهن هو اغتسالهن بعد انقطاع الحيض. فلا يحل الوطءُ عندهم بانقطاع الدم وحده، لإطلاق الطهر في الآية، ولقراءة ﴿يَطَّهَّرْنَ﴾ بتشديد الطاء، مبالغة في الطهر. ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: الأمر هنا ليس تكليفيًا، وإنما هو للإباحة. ويقول الفقهاءُ: إن كل أمر يرد بعد نهي للإباحة، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١).

стр. 385

والمعنى: فإذا تطهرت النساءُ - بعد انقطاع الحيض، والاستحمام منه - فلكم أن تباشروهن من المكان الذي أمركم الله باجتنابه - أثناء الحيض - تجنبًا للأَذى. قاله ابن عباس وغيره. وقال الزجَّاج: معناه: من الجهات التي يحل فيها أن تقربوا المرأة، ولا تقربوهن من حيث لا يحل، كما إذا كن صائمات أو محرمات. وأُيَّد بأنه لو أراد الفرج لقال: في حيث أمركم الله - لأنه أظهر. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾: ختم الله الآية الكريمة بتأكيد حُبِّه للتائبين المبالغين في التوبة، فيما عسى أن يصدر منهم من الذنوب، كإتيان الزوجة في الحيض، وحبه للمتطهرين من الأقذار، الحريصين على تنفيذ أوامره ونواهيه. أخرج أحمد، والترمذي، والنسائي، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أتى حَائِضًا فَقَد كَفَرَ بمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ". والحديث للترهيب، والمقصود: أنه فعل ما يفعله الكافرون. ٢٢٣ - ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ … ﴾ الآية. سبب النزول: أخرج البخاري وجماعة عن جابر، قال: "كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها - أي في فرجها - ثم حملت، جاء الولد أحوْل فنزلت". وقد أباحت الآية، ما حرمه اليهود من إتيان المرأة - في موضع الحمل - من جهة الخلف، إذ جوزت إتيانها من أية جهة شاءَها الأزواج، عند مجامعتهن في القبل. والحرْث: الزرع كما نقلناه عن الجوهري، أي مواضع زرع لكم. والمقصود من الزرع: إنجاب الأولاد. والكلام عن التمثيل والتشبيه.

стр. 386

والمعنى: نساؤُكم موضع إنجاب الذرية لكم، فاتوهن من مكان الإنجاب، كيف شئتم: من الأمام أو من الخلف، أو نائمات على جنوبهن. ولا تعبأُوا بمقالة اليهود، مادمتم تأتونهن في مواضع الحمل، حيث أمركم الله تعالى. وفسر ابن عباس: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ بأي وقت شئتم من الليل أو النهار. وسيأتي بيان ذلك. وليس في الآية دليل على حل وطء الزوجة في دبرها، فإن إباحة إتيانها - كيف شاء الزوج - مقيدة بموضع الحرث، أي موضع إنجاب الذرية وهو القبل. كما أن سبب النزول الذي ذكرناه يدل على ذلك. ولهذا حرم جمهور الفقهاء إتيان النساء في أدبارهن. ومما يدل على ذلك: أن الله تعالى حرم إتيانهن في المحيض، لاستقذاره، فكيف يُباح إتيانهن في الأدبار وهي أشد قذارة من مكان المحيض وقت الحيض؟ أَخرج ابن جرير، وابن حاتم، عن سعيد بن جبير: قال: "بينا أنا ومجاهد جالسان عند ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - إذ أتاه رجل فقال: ألا تشفيني من آية الحيض؟ قال: بلى، فقرأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ إلى ﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: فقال ابن عباس: من حيث جاء الدم، مِن ثَمَّ أُمِرْتَ أن تَأتِيَ، فقال: كيف بالآية، ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال: ويحك، وفي الدبر من حرث؟ لو كان ما تقول حقًا، لكان المحيض منسوخًا، إذا شغل من هنا جئت من ههنا، ولكن أنى شئتم: من الليل والنهار". وقد جاء التحريم نصًا عن رسول الله ﷺ . روى أبو داود والنسائي قال رسول الله ﷺ :"مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا". وروى الإمام أحمد، وابن ماجة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا" إلى غير ذلك من الأحاديث.

стр. 387

﴿وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ﴾: ثلاثة أوامر متتالية، تدعو إلى العمل الصالح، واجتناب المعاصي. أولها: قدّموا لأنفسكم، وحذف المفعول هنا للتعميم، أي قدموا لأنفسكم. كل عمل صالح يقربكم إلى الله. فإنجاب الأبناء، وحسن تربيتهم، عمل صالح يستمر أثره حتى بعد وفاة الوالدين. والعلم النافع، يبقى أثره بعد وفاة صاحبه. وكذلك الصدقة الجارية، وكل أنواع البر. والخير: عاجلها وآجلها. ومنها ما تقدم في الآية التي قبلها، من: اعتزال النساء في المحيض، على ما تقدم بيانه. الأمر الثاني: الأمر بالتقوى. وهو يتكرر عقب آيات الأحكام، كما لاحظنا سابقًا. ومعنى التقوى: خشية الله، واتقاء غضبه، بفعل الطاعات، وترك المنهيات، فإنها خير زاد. قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١). والأمر الثالث: في تذكير المؤْمنين بانتهاء هذه الحياة الدنيا، وبأَن كلاًّ منهم سيلقى الله، وسيجني جزاء ما قدمت يداه. والعلم اليقيني بهذا المصير: يلازم صاحبه في كل زمان ومكان، فيجعله حريصًا على أداء الطعات، واجتناب المنهيات. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ذيَّل الله الآية الكريمة بأَمر رسوله ﷺ : أن يبشر المؤمنين بالثواب الجزيل، على ما قدمت أيديهم من أعمال صالحات.

стр. 388

﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ ﴿عُرْضَةً﴾: أي معترضًا وحاجزًا. ﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾: الإيمان جميع يمين. وهي هنا: اسم للخلف. وهي في الأصل مصدر لا فعل له، تقول: حلفت يمينًا، كما تقول حلفت حلفًا، ثم أُطلقت على المحلوف عليه. ومنه قوله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَليُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلِ الِّذِي هُوَ خَيْرٌ" أخرجه مسلم وغيره وسيأتي. ﴿أَن تَبرُّوا﴾: أن تفعلوا البر. ﴿اللَّغْوِ﴾: ما لا يعتد به من الكلام. واللغو في اليمين: ما يجري على اللسان دون قصد، مثل قول القائل: والله، وبلى والله. التفسير ٢٢٤ - ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ … ﴾ الآية. لما أمر الله - تعالى - في الآية السابقة بتقواه، وحذَّر من لقائه على معصية، وبشَّر المؤمنين - أتبع ذلك لونًا من ألوان التقوى، وهو أَلا يجعلوا لله عرضةً لأَيمانهم، حتى تنالهم بشارته .

стр. 389

سبب النزول: أخرج ابن جرير، عن ابن جريج: أنها نزلت في الصدِّيق ﵁، لَمَّا حلف أَلَّا ينفق على مسطح ابن خالته، وكان من الفقراء المهاجرين، حين وقع في إفك عائشة ﵂. والمعنى: ولا تجعلوا الله - لأجل حلفكم به - عرضة وحاجزًا: يمنعكم عن البر والتقوى، والإصلاح بين الناس. وقيل: معناه: لا تجعلوا الله غرضًا لأَيمانكم، بكثرة الحلف به في كل حق وباطل، لأن في ذلك جرأةً على الله تعالى. وهذا هو التفسير المأثور عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - وبه قال الجبائي وأبو مسلم. ويكون: ﴿أَن تَبَرُّوا﴾ علة للنهي، على معنى أنهاكم عن الحلف: رغبة بركم وتقواكم وإصلاحكم. فإذا حلف الإنسان على ترك خير، فليفعل الخير، وليكفر عن يمينه، ولا يجعل اليمين مانعة له من المعروف. قال ابن عباس: لا تجعل الله عرضة ليمينك، ألا تصنع الخير، ولكن كفِّر عن يمينك، واصنع الخير. وروى مسلم، عن النبي ﷺ "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَها خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَيَفْعَل الذي هُوَ خَيْرٌ". والآية توحي بالإقلال من الإقسام، حتى لا يعتادها اللسان. وقد ذم الله المكثرين من الحلف فقال: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾ (١). والبر: الخير مطلقًا. والتقوى: مراعاة الله في السر والعلانية، واتقاء غضبه، والإصلاح بين الناس: إزالة ما بينهم من جفاءٍ وعداوة.

стр. 390

وكل ذلك رغَّب فيه الشارع. فلا ينبغي الحلف على ترك شيٍ منه. ومن حلف فليكفر عن يمينه، بعد أن يفعل الخير الذي حلف على تركه. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: هذا تحذير بليغ، خُتِمَت به الآية، ليعلم كل مؤْمن: أن الله سميع لكل ما يقوله، عليم بكل ما يفعله أو ينويه، وأن عليه مراعاة الله في الأفعال والأقوال والنيَّات. ٢٢٥ - ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ … ﴾ الآية. الإيمان ثلاثة أقسام: الأول: يمين لغو: لا يُعتد بها، ولا مؤاخذة عليها. وهي اليمين التي تجري على الألسنة في الأحاديث، لمجرد التأكيد مِثل: لا والله، وبلى والله، وهذا هو المروي عن عائشة في تفسير يمين اللغو. ويرى آخرون: أنه القسم الذي يعتقد المقسم أنه صحيح، ثم يتبين خطؤه. ويرى بعضهم: أنه قسم الغضبان الذي يخرجه الغضب عن اتزانه. ويعده بعضهم: يمين المكره، أو الذي يقسم وينسى قسمه، فيخالف ما أقسم عليه. وهذا كله لا كفارة فيه، على أَرجح الآراء. والقسم الثاني: هو أن يحلف الحالف على ترك أمر غير محرم ولا مكروه، فإذا رأى الأولى أن يخالف ما أقسم عليه - فعل الأولى وكفَّر عن يمينه: بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة. فمن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام. وإذا أقسم الحالف على فعل معصية، أو ترك طاعة، فواجب عليه أن يخالف ما أقسم عليه، ويكفر عن يمينه. والقسم الثالث: أن يقسم كاذبًا متعمدًا ليخدع السامعين، فهذا إثمه عظيم. فعلى هذا المقسم أن يبادر بالتوبة والإنابة إلى الله. روى عن النبي ﷺ : "مِنِ اقْتَطَع حقَّ امْرِيءٍ مسلمٍ بيَمينِه، فَقَد أَوجبَ اللهُ له النارَ. فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا؟. قال: وإنْ كان قضيبًا منْ أَراكٍ" رواه مسلم وغيره.
следующие страницы →