← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ المفردات: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي: يسدلن عليهن من الجلابيب، جمع جلباب، وهو ثوب واسع يغطي جميع الجسم كالملاءَة والملحفة يتخذنه إذا خرجن لداعية من الدواعي. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ أي: أَقرب أَن يتميزن عن الإِماء والقينات اللَّاتي هن موضع التعرض للإيذاءِ من أهل الريبة. والقينة: الأَمة البيضاءُ، هكذا قال ابن السكيت مُغَنيةً كانت أو غير مُغَنية، وقيل: تختص بالمغنية. التفسير ٥٩ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: بعد ما بين - سبحانه - سوءَ حال المؤذين زاجرًا لهم عن الإِيذاء أَمر النبي أَن يأْمر بعض المتأَذين منهم بما يدفع إيذاءَهم في الجملة من الستر والتميز عن مواقع الإيذاءِ، وذلك بأَن يدنين عليهن بعض جلابيبهن، ويراد من إدنائه أَن يلبسنه على البدن كله، أو التلفع بجزءٍ منه لستر الرأْس والوجه، وإرخاء الباقي على بقية البدن. هذا إذا أردن الخروج إلى حوائجهن، وكن يتبرزن في الصحراءِ أَو بين النخيل، من غير تمييز بين الحرائر والإِماء، فتعرف الحرائر بسترهن، فيكف الفساق عن معارضتهن، وكانت المرأَة من نساء المؤْمنين

стр. 3852

قبل نزول هذه الآية تكشف عن وجهها وتبْرز في درع وخمار (١) كالإِماءِ فيعرض لهن بعض الفجار يظن أَنها أَمة، فتصيح به فيذهب، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فنزلت الآية بسبب ذلك. قال معناه الحسن وغيره. ولفظ النِّساء خَصَّهُ العرف بالحرائر. والمعنى الإجمالي للآية: مُرْ - أيها النبي - أَزواجك وبناتك ونساءَ المؤمنين، أن يسدلن عليهن بعض جلابيبهن. واختلف في كيفية هذا السِّتر، فقال السّدي: تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلَّا العين، وقال علي بن أَبي طلحة عن ابن عباس: أَمر الله نساءَ المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أَن يغطين وجوههن من فوق رءُوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة. وقال الحسن: تغطي نصف وجهها. وقال محمد بن سيرين: سأَلت عبيدة السلماني، عن قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فغطى وجهه ورأْسه وأَبرز عينه اليسرى. وظاهر الآية أنها محمولة على طلب تستر تمتاز به الحرائر عن الإِماءِ. فيعلم به أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأَذى ولا ريبة، ويشير إلى ذلك قوله - سبحانه -: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أي: ذلك أَقرب وأَجدر أن يُعْرَفنَ لتسترهن أَنهن حرائر، فإذا عرفن فلا يتعرض لهن، وتنقطع الأَطماع عنهن، وليس المراد أَن تعرف المرأَة حتى تعلم من هي؟ وكان عمر ﵁ إذا رأَى أَمة قد تقنعت ضربها بالدرة محافظة على زي الحرائر. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أَي: كثير المغفرة، فيغفر ما سلف منهن من تفريط فيما أُمرن به من الستر المطلوب، كما أَنه سبحانه كثير الرحمة فيثيب من امتثل منهن أَمره بما هو أَهله - جل شأْنه -.

стр. 3853

* ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ المفردات: ﴿الْمُنَافِقُونَ﴾: هم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإِسلام. ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعاف الإيمان. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾: ناشرو الأَخبار الكاذبة فيها ليبعثوا الرجفة والزلزلة في قلوب المؤمنين بأَكاذيبهم. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾: لنحرضنك ونسلطنك عليهم. ﴿مَلْعُونِينَ﴾: مطرودين من رحمة الله. ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾: أينما ظفر بهم أُسروا. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: طريقته الدائمة. التفسير ٦٠ - ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾: بعد أن أمر الله نبيه ﷺ أَن يقول لأَزواجه وبناته ونساء المؤْمنين يدنين عليهن من جلابيبهن حتى يعرف الفساق أَنهن حرائر فلا يتعرضوا لهن بسوءٍ، هدد الله المنافقين ومرضى القلوب الذين كانوا يذيعون الأَخبار الكاذبة - هددهم - بأَنهم إن لم يرجعوا

стр. 3854

عن إثارة الفتن بين المسلمين لَيُحَرضَنَّ اللهُ رسوله عليهم ويغرينّه بهم حتى يضطرهم إلى الجلاء عن المدينة ويلجئهم إلى الخروج منها لإفسادهم؛ حتى لا يجتمع هؤلاءِ بكفرهم وضلالهم مع رسول الله ﷺ والمؤْمنين في بلد واحد إلَّا زمانا قليلًا يجمعون فيه متاعهم وشملهم، وكان هذا هو الجزاء الوفاق لطائفة من الناس لم ترع حرمة الجوار ولم تكن أَمينة على من يساكنونهم ويعاشرونهم، بل كانوا مصدر إزعاج وقلق. ٦١ - ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾: أي: مطرودين من رحمة الله أَينما وجدتهم ينشرون الفتن أَخذتهم وعاقبتهم فقتَّلتهم تقتيلًا جزاءَ خيانتهم وزجرا وتشريدًا لمن خلفهم. ٦٢ - ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾: أي: سَنَّ الله ذلك وشرعه شرعًا مؤكدًا في الأُمم الماضية والشعوب السابقة أن يشرد أو يقتل أُولئك الذين يسعون بالإِفساد بين سواهم، وذلك بإجلائهم عن أَوطانهم وقهرهم وإذلالهم وقتلهم أَينما وجدوهم على حالة الإفساد وإشاعة الفزع والخوف بين المؤمنين، فأَمر رسول الله ﷺ مع هؤلاء الضالين ليس بدعًا، بل هو سائر على نظام سابق حكيم، وقضاءٍ محكم، ولن تجد لقضاءِ الله وحكمته تغييرًا وتبديلًا، فلا يبدل الله سنته، ولا يستطيع أحد من خلقه تبديلها. إذن فالحكم باقٍ كما كان في الأُمم السابقة من أَن المفسد يضرب على يديه ويؤْخذ بجريرته ويناله أَشد العقاب حتى يرتدع وينزجر غيره ممن تسول له نفسه أَن يحذو حذوه أو يسلك سبيله. وذكر الألوسي في كتاب روح المعاني كلاما عن السدي قال: أَخرج ابن أَبي حاتم عنه أنه فيها: كان النفاق على ثلاثة أوجه: نفاق مثل نفاق عبد الله بن سلول ونظائره كانوا وجوهًا من وجوه الأَنصار فكانوا يستحيون أَن يأْتوا الزنى؛ يصونون بذلك أنفسهم وهم المذكورون في الآية، ونفاق الذين في قلوبهم مرض، وهم منافقون إن تيسر لهم الزنى

стр. 3855

عملوه وإن لم يتيسر لم يتبعوه ويهتموا بأَمره، ونفاق المرجفين وهم منافقون يكابرون النساء يقتصون أثرهن فيغلبوهن على أنفسهن فيفجرون بهن، وهؤلاء الذين يكابرون النساء يقول الله فيهم: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أي: لنحرضنك عليهم، ثم يصفهم بكونهم ملعونين، ويبين عقابهم بقوله: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ أي: في أَي مكان وجدوا يعملون هذا العمل الشائن، ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾: ثم قال السدى: هذا حكم في القرآن ليس يعمل به، لو أن رجلًا فما فوقه اقتصوا أَثر امرأَة فغلبوها على نفسها ففجروا بها كان الحكم فيهم غير الجلد والرجم، وهو أَن يؤخذوا فتضرب أَعناقهم، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾: كذلك كان يفعل بمن مضى من الأُمم، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾: فمن كابر امرأَة على نفسها فغلبها فقتل فليس على قاتله دية؛ لأَنه يكابر. اهـ. وما ذهب إليه السدى له تقديره ووجاهته، فإنه الأَولى والأَجدر أن يعامل به هؤلاء الذين يسعون في الأَرض فسادًا ويغتصبون النساء وينتهكون أَعراضهن غير عابئين ولا مبالين بالعقوبات غير الرادعة، ولا خائفين من بطش الله وأخذه، غير أنه لا يترك أمر عقاب وقتل من يفعل ذلك لعامة الناس، بل لا بد من الرجوع في ذلك إلى القاضي - شأْن سائر العقوبات والزواجر - حتى لا يتخذ الناس ذلك ذريعة وتَعِلَّةً للنيل من خصومهم وإهدار دمائِهم. ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ المفردات: ﴿السَّاعَةِ﴾: يوم القيامة. ﴿لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾: طردهم وأَبعدهم عن رحمته.

стр. 3856

﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾: هيأَ لهم نارًا شديدة الاشتعال. ﴿وَلِيًّا﴾: معينًا. ﴿نَصِيرًا﴾: ناصرًا يخلصهم من النار. التفسير ٦٣ - ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾: كان المشركون والمنافقون يسأَلون رسول الله ﷺ سؤال استهزاء وسخرية عن وقت قيام الساعة، وكذلك كان يفعل اليهود امتحانا لرسول الله ﷺ لأَنهم يعلمون من التوراة أَن الله قد أَخفاها فأَمر الله رسوله أَن يقول لهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فلا يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل، ثم يخاطب الله نبيه بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ أَي: أَنها مع استئثار الله بعلمها فإنها مرجوة ومأْمولة المجيءِ عن قريب، يقول تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١)، والله - سبحانه - قد أَخبرنا أَن علامات الساعة وأشراطها قد جاءَت، فقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (٢) وأَشراط الساعة يحدثنا عنها رسولنا الكريم في حديثه الشريف الذي رواه الإِمام البخاري: عن عبد الله بن أَبي أَوفى قال: بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءَ أَعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى الرسول يتحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه. قال: أَين السائل عن الساعة؟ قال: ها أَنا يا رسول الله. قال: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها؟ قال: "إذا وسد الأَمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" كما نجد بعض أَماراتها في آخر حديث عمر ابن الخطاب ﵁ الذي جاءَ فيه جبريل ﵇ في صورة رجل شديد

стр. 3857

بياض الثياب شديد سواد الشعر، ويقول عمر ﵁: ولا يعرفه منا أَحد، فسأل رسول الله ﷺ عن الإِسلام فأَجابه، ثم سأَله عن الإيمان فأَفاده، ثم عن الإحسان فأَخبره به، ثم عن الساعة فقال رسولنا الكريم ﷺ : "ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أَمارتها. قال: أن تلد الأَمة ربتها، وأَن ترى الحفاة العراة رعاءَ الشَّاءِ يتطاولون في البنيان" إلى آخر الحديث (١). وفي هذا الأُسلوب القرآني البديع تهديد للمستهزئين، وتبكيت وتقريع للممتحنين المتعنتين. وقد أَخفى - سبحانه - وقت الساعة لحث المؤْمنين ودفعهم إلى حسن الاستعداد للقاء الله بالعمل الصالح والإخلاص والإنابة له، وتقصير الأَمل في الدنيا، وعدم الاغترار بها، كما أَخفى - جل شأْنه - الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس ليحرص الناس على الحفاظ عليها جميعًا طلبا لها، وابتغاءَ الظفر بها، وأَخفى ساعة الإجابة يوم الجمعة، وليلة القدر في العشر الأَواخر من رمضان، وأَولياءَه في خلقه، واسمه الأَعظم من أَسمائه الحسنى، أخفى هذه الأَشياءَ ليواظب المؤْمن على أن يملأَ هذه الأَوقات بالذكر والعبادة والدعاءِ، ويرعى حرمة المسلمين جميعًا ويذكر الله بأَسمائه الحسنى؛ هذا وقد دأَبت طائفة البهائية على نشر ما يسمونه بسر العدد التاسع عشر ويتحايلون على إضفاءِ قدسية عليه وتبجيل له، ويدعون أن الحاسب الآلى يعطي تحديدا لزمن قيام الساعة، ويحاولون أَن يلووا ويطوعوا آيات القرآن الكريم لمعتقدهم الفاسد، ونحلتهم الباطلة، ولكن أَنى لهم ذلك، وعلماءُ الإسلام لهم بالمرصاد يتتبعونهم ويكشفون حيلهم وخداعهم، ويدحضون مزاعمهم ويظهرون زيف قولهم وباطل دعوتهم والله من ورائهم محيط. ٦٤، ٦٥ - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: بعد أن بين - سبحانه - أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن وقتها مرجو ومأْمول المجئِ عن قريب، أخبر وأَكد أنه - تعالى - طرد الكافرين من رحمته وأبعدهم عن رضوانه، وقطع

стр. 3858

رجاءَهم في عفوه وفضله وأَيئسهم من مغفرته: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، وليس الأَمر قاصرا على الطرد من النعيم، ولكنه - جل علاه - هيأ لهم وخلق - جزاءَ كفرهم - نارًا شديدة الاشتعال والاتقاد: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢) يمكثون فيها أبدًا لا تنفك عنهم ولا تزايلهم ولا يجدون وليا يدافع عنهم أو يحفظهم منها، ولا نصيرًا يجهد نفسه ويبذل وسعه في أن يخلصهم وينقذهم من لظاها هذا العذاب كان جزاء كفرهم وعنادهم، بعد أَن هداهم إلى طريق الخير وبين لهم طريق الشر وبشر وأَنذر: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٣)، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٤). ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ المفردات: ﴿تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ﴾: تدار وتصرف من جهة إلى أُخرى، أو تغيَّر وتبدَّل من سيءٍ إلى أَسوأ. ﴿سَادَتَنَا﴾: ملوكنا وحكامنا. ﴿وَكُبَرَاءَنَا﴾: رؤساءَنا الذين نقتدي بهم في الشر. ﴿ضِعْفَيْنِ﴾: مثلين.

стр. 3859

التفسير ٦٦ - ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾: بعد أن أَوضح الله ما يصير إليه أمر هؤُلاء من عذاب مقيم في جهنم أَبان - جل شأْنه - ما يصدر منهم من قول وما يبدو من ندم: ندم البغاة ولات ساعة مندم … والظلم مرتعُ مبتغيه وخيم فيقولون - وقد غيرت وجوههم من حالة قبيحة وسيئة إلى حالة أَقبح وأَسوأَ في النار من شدة ما يأْلمون وهول ما يجدون - يقولون ويرددون نادمين متحسرين على ما فرط منهم -: يا ليتنا استجبنا لله فآمنا به وأَجبنا داعي الله ورسوله فصدقناه فيما جاءَ به، لو حدث منا هذا ما أَصابنا ما نعانيه من الهول العظيم والعذاب المهين. وخص - جل شأْنه - الوجوه بالذكر مع أن أَجسادهم كذلك؛ لأن الوجوه أعظم الأَعضاء مكانة وشرفا، وذلك فيه ما فيه من الإذلال وتهويل الأَمر وتفظيع الخطب وتفزيع النفس وترويع القلب. ٦٧ - ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾: أي إنهم في هذا اليوم بعد أن أَبدوْا ندمهم وأَظهروا أَسفهم، أرادوا أَن يتنصلوا من جريمتهم، فيلصقوها بسادتهم وكبرائهم، ممن كانوا لهم قادة في الشر وقدوة في الكفر، فيقولون ما كان منا إلاَّ الطاعة والخضوع والإِذعان لهؤُلاء الرؤساء فلم يكن منا عناد أَو مكابرة أو مجالدة للرسل والأَنبياءِ، وإنما كنا تبعا لهؤُلاءِ مستضعفين لديهم، مقهورين تحت سلطانهم، لا نملك إلاَّ أن نكون طوع أَمرهم، ولولا هؤلاء الرؤساءُ لكنا مؤْمنين، فهؤُلاءِ قد رضوا أَن يكونوا أَداة في أَيدي أولئك يصرفونهم كما يشاءُون، إنهم يعتذرون بذلك رجاءَ الإفلات من العقاب ولكنه عذر مردود غير مقبول، وحجة داحضة إذ كيف يغفلون نعمة العقل التي منحهم الله إيَّاها فجعلها مناط المسئولية ومحور الجزاءِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (١). ويهدرون

стр. 3860

ما تفضل به عليهم وملأَ به كونه من آيات وشواهد دالة على أَنه الواحد. ٦٨ - ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾: بعد أن يئس هؤُلاء المرءُوسون من تحميل الرؤساء مسئولية إضلالهم، وأَنه لا فكاك لهم منه طلبوا من ربهم أن يضاعف العذاب ضعفين ويجعله كفلين ويكثره لهؤُلاء الذين كانوا سببًا في إضلالهم؛ تشفيًا فِيهم وغيظًا منهم، ضِعفا لضلالهم هم وضِعفًا آخر لإضلالهم غيرهم، كما طلبوا أَن يطردهم الله طردًا كبيرًا ويبعدهم بعدا سحيقًا لا أَمل في رحمة بعده، وهم بهذا الدعاء على رؤسائهم إنما ينفسون عن أَنفسهم من غيظ وغضب. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ المفردات: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ﴾: أظهر براءَته. ﴿وَجِيهًا﴾: عظيم القدر رفيع المنزلة. ﴿سَدِيدًا﴾: قاصدًا ومتوجها إلى هدف معين.

стр. 3861

التفسير ٦٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾: بهذه الآية الكريمة يرشد الله المؤْمنين، وينهاهم عن أَن يتشبهوا بقوم موسى غلاظ القلوب الذين آذوا وأهانوا رسول الله موسى ﵇ ورموه بشتى أَنواع النقائص فنسبوا إليه السحر والجنون ولطخوه بالزنى، وأَشاعوا عنه أَنه قتل أخاه هرون؛ لأَنهم كانوا يحبونه ويؤْثرونه للين جانبه معهم وحدة موسى عليهم، فأَظهر الله - سبحانه - براءة موسى مما نسبوه إليه، وأَبان ظلمهم له وحيفهم عليه، فدمغهم بالكذب والافتراءِ، وقرر أن موسى ﵇ رفيع القدر لديه، عظيم المنزلة عنده، صنعه على عينه، ورعاه رضيعًا وآثره بالآيات البينات التسع، وناداه من جانب الطور الأيمن، وقربه وناجاه، واتخذه كليمًا، فحقا كان عند الله وجيهًا ذا منزلة رفيعة وجاه عريض، قيل: نزلت فيما كان من أَمر المنافقين في شأْن تزوجه ﷺ زينب بنت جحش، حيث قالوا: تزوج زوجة من تبناه، فآذوه مما قالوا مع أَنها ابنة عمته، ولو أراد لتزوجها بكرًا، ولكن زيدًا طلقها باختياره، وأَمر النبي ﷺ بنسخ عادة التبني وآثارها، وأن يتزوج طليقة زيد متبناه، تأْكيدًا لنسخ أحكام التبني. ٧٠ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: ينادي الله عباده بأحب صفة لهم - وهي الإيمان بالله - يناديهم آمرًا لهم أَن يكونوا في وقاية وحفظ من غضب الله وعقابه، فلا يقربوا معصية، ولا يفرطوا في طاعة، مداومين على التمسك بالتقوى، ليكونوا في رعاية الله وعنايته ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (١). ثم يأْمرهم أَن يقولوا القول الصواب، يوجهونه ويقصدون به وجه الحق، ولا يعدلون به إلى القول الباطل الجائر، لا يشركون مع الله أَحدًا، ولا يخشون في الحق لومة لائم.

стр. 3862

٧١ - ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾): رتب - سبحانه - علي تقواهم لله وتحريهم القول الصادق أَنه يكافئهم ويجازيهم على ما يفعلون جزاءً حسنًا، وثوابًا جزيلا، وذلك بأَن يصلح لهم أَعمالهم، أي: يوفقهم إلى الصالح والمرضي منها، ويبارك لهم فيها، ويتقبلها بالقبول الحسن، ويغفر ويكفر سيئاتهم فيسترها ولا يفضحهم بها، بل إنه - عز جاهه - يذهبها ويمحوها ﴿إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١) ثم إذا أَحسن العباد التوبة والإنابة إلى الله - تعالى - وعملوا العمل الصالح، فمن سعة رحمته وعظيم فضله يجعل سيئاتهم حسنات، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢). ومن يتمثل أَمر ربه وأَمر رسوله فيفعل ما أُمر به، وينتهي عما نهي عنه فقد ظفر وسعد ونال الجزاء الأوفى في الآخرة والأولى، وفاز بالجائزة الكبرى التي يتعاظم قدرها وتسمو منزلتها وتعلو مكانتها. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾

стр. 3863

المفردات: ﴿عَرَضْنَا﴾: طلبنا. ﴿الْأَمَانَةَ﴾: هي التكاليف الشرعية. ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾: والتزم الإنسان القيام بها. ﴿ظَلُومًا﴾: كثير الظلم. ﴿جَهُولًا﴾: كثير الجهل. التفسير ٧٢ - ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا .. ﴾ إلخ الآية: لما بين الله - سبحانه - عظم شأن طَاعَة الله ورسوله، وذلك بإنذار المتمردين والخارجين عليها بالعذاب الشديد، وبشارة من قام بها وأَذعن لها بالحظ العظيم والفوز الكبير، أَتى عقب ذلك ببيان رفعة التكاليف الشرعية وإظهار عظمتها وخطرها وسمو منزلتها، فقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ أي: طلبنا من هذه المخلوقات العظيمة والكائنات الضخمة الكبيرة أَن يقمن بأضداء التكاليف الشرعية دون إلزام منا وقهر عليها، فأَبت وامتنعت عن القيام بهذه المسئولية الجليلة، ولم يكن إباؤُها وامتناعها عن تمرد وعصيان، كإباءِ إبليس حينما أَبي السجود لآدم، إذ كان إباؤُه عن استكبار واعتراض وتمرد على أَمر الله قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (١). وإنما كان إباؤُها عن خوف وإشفاق من أَنها لا تستطيع أَداءَها على وجه يرضى عنه ربها وخالقها. والمراد بالأَمانة التكاليف الشرعية الشاملَة لأَمانات الناس وعرضها على السموات والأَرض والجبال وامتناعها من قبول التكليف بها تمثيل لصعوبة الالتزام بأَدائِها فأَشفقن منها لذلك. وقال القفال وغيره: العرض في هذه الآية ضرب مَثَلٍ، أَي أَن السموات والأَرض على كبر أَجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب، أَي أَن التكليف أَمر حقه أن تعجز السموات والأَرض والجبال. وقد كلَّفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل، وهذا كقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى

стр. 3864

جَبَلٍ﴾. ثم قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ قال القفال: فإذا تقرر أَنه تعالى يضرب الأَمثال، وورد علينا من الخبر ما لا يُخرَّج إلاَّ على ضرب المثل وجب حمله عليه: اهـ (١). والمراد من حمل الإنسان لها قبوله الالتزام بأَدائها. إما بإعداد الله له بما زوده من ملكات وغرائز وطبائع وما غرس فيه من قدرات. وإما بقبول ذلك قولًا يوم أن أخذ الله عليه الميثاق وهو في عالم الذر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (٢) وكان قبول الإنسان القيام بها يقتضي أن يشمر عن ساعد الجد، ولكن الإنسان كان شديد الظلم لنفسه فقد ترك الأَمانة ولم يقم بحقها، وفرط في جنب الله فلم يلتزم بالمسلك السوي والطريق المستقيم، وكان كثير الجهل غارقا في بشريته مطيعًا لهواه ونفسه الأَمارة بالسوءِ، ومكن منه الشيطان ولم يتبصر ويدرك ما ينتظره وما يؤُول إليه أمره من عذاب أَليم وعقاب مقيم، فكان في جهالة جهلاء، والمراد من الإنسان في الآية الكريمة معظم هذا النوع وأَكثره، إذ هناك من الناس من قام بنصيب وافر وحظ عظيم من أَداء الأَمانة والقيام بالتكاليف، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٣). وللزمخشري صاحب الكشاف رأْي جدير بالتسجيل والتنويه به؛ فقد قال: والمراد بالأَمانة الطاعة؛ لأَنها لازمة الوجود كما أن الأمانة لازمة الأَداء؛ وعرضها على الجمادات وإباؤُها وإشفاقها مجاز، قال: إن هذه الأَجرام العظام من السموات والأَرض والجبال قد انقادت لأمر الله - عز وعلا - انقياد مثلها، وهو ما يتأَتى من الجمادات وأَطاعت له الطاعة التي تصح منها وتليق بها حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجادًا أو تكوينًا وتسوية على هيئات مختلفة، وأَشكال متنوعة كما قال تعالى: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٤) وأَما الإِنسان فلم يكن حاله فيما يصح منه من الطاعات، ويليق به من الانقياد لأَوامر الله ونواهيه وهو حيوان عاقل صالح للتكليف مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها ويليق بها من الانقياد وعدم الامتناع وأما حمل الأَمانة فمن قولك: فلان حامل الأَمانة ومحتمل لها، تريد أَنه لم يؤَدها إلى صاحبها

стр. 3865

حتى تزول عن ذمته، وتخرج عن عهدته؛ لأَن الأَمانة كأَنها راكبة للمؤتمن عليها، وهو حاملها، أَلا تراهم يقولون: ركبته الديون، ولي عليه حق، فإذا أَداها لم تبق راكبة له ولا هو حاملًا لها إلى أَن قال: فمعنى ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾، ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ فأبين إلاَّ أن يؤدينها، وأَبى الإنسان إلا أن يكون محتملا لها لا يؤَديها، ثم وصفه بالظلم لكونه تاركًا لأَداء الأَمانة، وبالجهل لإِخطائه ما يسعده مع تمكنه منه وهو أَداؤها. اهـ. ورأْى الزمخشري هذا يلتقي مع ما قبله في أن كلا منهما يدين ويؤثِّم ويتوعد من يضيِّع الأَمانة ولا يقوم بحقها. ولما كانت المعصية والطاعة سببا وعلة للجزاء قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: أن الله - سبحانه - يعذب المنافقين الذين يعبدون الله بجوارحهم، وقلوبهم غير مطمئنة بالإيمان، كما يعذب من يشرك بعبادة ربه أَحدا سواه، ويتوب ويغفر الهفوات واللمم من السيئات عن المؤْمنين والمؤْمنات تفضلا منه وجزاءَ انقيادهم وطاعتهم ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ والله - جل شأْنه - غفور لسيئات عباده رحيم بهم.

стр. 3866

سورة سبأ نزلت بمكة المكرمة وعدد آياتها أربع وخمسون، وسميت بهذا الاسم لورود قصة سبأ فيها وهم قبائل كانت تسكن اليمن، وسبأ: لقب أَبيهم الذي يجمع قبائلهم عامة واسمه عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان وكانت بلقيس بنت شراحبيل ملكة عليهم وهي التي أَنبأَ الهدهد سيدنا سليمان ﵇ نبأَهَا (١). صلة هذه السورة بما قبلها: ١ - أَن كلا من السورتين ورد فيه أمر الساعة، ففي سورة الأحزاب يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ويقول - تعالى - في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. ٢ - أَنه قد جاءَ ذكر الضعفاءِ والذين استكبروا في كل من السورتين: يقول - تعالى - في سورة الأَحزاب: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا، وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. الآيتان ٦٦، ٦٧ وفي سورة سبأ يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ .. ﴾ الآيات (٢). إلى غير ذلك مما يربط بين السورتين. أهم مقاصد السورة: ١ - تمجيد الله - تعالى - والثناءُ عليه في الدنيا، وتخصيصه بالحمد كله في الآخرة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾.

стр. 3867

٢ - إثبات أَمر قيام الساعة، وبيان إحاطة علم الله بما دق وعظم في ملكوته وملكه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. ٣ - بيان ما أكرم الله به نبيه داود ﵇ من أن الجبال والطير ترجِّع التسبيح مَعَه إذا سبح وأنه - تعالى - جعل له الحديد لينًا يعمل منه الدروع، قال تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. ٤ - ذكر تسخير الريح لنبي الله سليمان ﵇ تجري بأَمره، وأنه أَذاب له النحاس يسيل كالماء، وأَن الجن كانت تعمل بين يديه، بإذن ربه، قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾. ٥ - بيان أن داود وآله طلب منهم أَن يشكروا نعم الله عليهم ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾. ٦ - تسجيل ما كان لسبإ من نعيم وما كان في مسكنهم من جنتيين خيرهما كثير. وما من الله عليهم به من البركة والأَمن بتقارب قراهم، فلم يشكروا نعمة الله عليهم وأَعرضوا فأَرسل الله عليهم سيلا مدمرًا وبدلهم بجنتيهم جنتين ثمرهما قليل أو رديءٌ لا خير فيه، وما كان من ظلمهم أَنفسهم بأَن طلبوا أَن يباعد الله بين قراهم ليمشوا المسافات الطويلة في الصحاري والقفار فجعل الله سيرتهم تروى للاتعاظ بها وتكون مثالا لكفر النعمة كما شتت شملهم ومزقهم كل ممزق. ٧ - تصوير مَشْهَد من مشاهد يوم القيامة وإبراز ما يقع فيه من جدل وشقاق بين الذين استضعفوا والذين استكبروا، وكل يلقي التبعة على الآخر، توضح ذلك الآيات (٣١، ٣٢، ٣٣). ٨ - بيان أَن المترفين وأُولي النعمة هم في كل أُمة رأْس الكفر والتكذيب، حيث تفتنهم أَموالهم وتغرهم أَولادهم، ويزهون ويتكبرون بجاههم، ولكن الله بين لهم أن أموالهم وأولادهم لا تقربهم من ربهم، ولا تنجيهم من عذابه. من الآيات ٣٤، إلى ٣٨

стр. 3868

٩ - تسلية الله رسوله ﷺ بأنه ناصره على الكافرين وخاذلهم فإنه - سبحانه - قد شدد النكير والعذاب على من كان أشد منهم قوة وأكثر عددًا قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: ويختتم - جل شأْنه - السورة بأنه إذا جاءَ يوم القيامة فلا نجاة لهؤلاء، وأنه لا ينفعهم إيمانهم آنذاك، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، ويحال بينهم وبين دخول الجنة ويكون شأْنهم شأن من شابههم في الكفر من الأُمم الماضية، قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾ المفردات: ﴿يَلِجُ﴾: يدخل. ﴿يَعْرُجُ﴾: يصعد. التفسير ١ - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾: كل الثناء الحسن على الله مصدر الخير والإحسان ومالك كل الكائنات، فطرها على

стр. 3869

أبدع نظام، وخلقها في أحسن إحكام، فهو - جل ثناؤه - يحمد في الدنيا وهو الحقيق بذلك الحمد وإن كان يحمد فيها غيره ويشكر سواه؛ فإن ذلك راجع إلى أَن غيره يكون سببًا وطريقًا إلى وصول نعم الله وانتهائها إلى المنعم عليه بها، فالمنعم في الحقيقة هو الله، أما في الآخرة فهو المستحق للحمد وحده فقد قطعت الأَسباب، وكل نفس بما كسبت رهينة، وهو - سبحانه - مختص بالحمد لما أَعده لعباده من نعيم مقيم، وتفضل بعفوه عن بعض الخطائين المذنبين، ولعدالته المطلقة مع خلقه أَجمعين ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ الذي أتقن كل شيءٍ صنعا، وأحسن كل كائن خلقًا وإبداعًا ﴿الْخَبِيرُ﴾ ببواطن الأُمور المحيط بكل شيءٍ علمًا. ٢ - ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾: يدرك ويحيط بكل ما ينفذ إلى باطن الأَرض من ماءٍ يتخلل أَجزاءَها، وجذور تتعمق في جوفها، كما يعلم ما يأْوي إلى جوفها من هوام وحشرات ودواب، وغير ذلك مما يخطئه العد والحساب وسبحانه يعلم ما يخرج من بطنها إلى سطحها من نبات ومعادن، وماءٍ ونفط وغير ذلك مما يكون حياة وخيرًا كالرزق الحسن، أو عذابًا مدمرًا كالبراكين والزلازل، ويعلم - سبحانه - ما ينزل ويهبط علينا من أَجواءِ الفضاءِ كالملائكة التي تتنزل بالرحمات والخير للطائعين المخبتين أو تنزل بالعذاب والنكال على الطاغين المجرمين، ويعلم ما ينزل من الضوء والحرارة والأشعة والشهب والأَمطار والثلوج، ويعلم - جل شأْنه - ما يصعد ويعرج في السماء من كلم طيب وعمل حسن، وملائكة تصعد بأَعمالنا، وغازات وبخار، وصواريخ ومركبات وموجات لا سلكية، وأضواءَ منعكسة من الأرض إلى غير ذلك مما يعلمه علام الغيوب. وهو الكامل الرحمة الذي أمد الناس بنعمه الجليلة، وهو - سبحانه - مع كامل رحمته واسع المغفرة. كما قال - سبحانه -: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا

стр. 3870

مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١) وذلك للتائبين لقوله عقبها ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾ المفردات: ﴿بَلَى﴾: حرف جواب يأْتي بعد النفي للإثبات. ﴿يَعْزُبُ﴾: يبعد أو يغيب. ﴿ذَرَّةٍ﴾: هباءَةٍ أَو نملة صغيرة. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: ظانين تعجيز آيات الله. ﴿رِجْزٍ﴾: أَسوأ عذاب. التفسير ٣ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾:

стр. 3871

وقال الكافرون: إن الساعة لا تأْتيهم إنكارًا منهم قيامها، وجحدًا لمجيئها فلما حدث منهم ذلك أَمر الله - سبحانه - رسوله ﷺ أن يقسم لهم بربه - جل علاه - أَنها آتية فقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أَي: سيقع ما تنفون ويحصل ما تنكرون، ووصف - سبحانه - نفسه بأنه عالم الغيب كله، وهذا أَدخل في إقامة الحجة عليهم إذ أن قيام الساعة من أدق الأُمور الغيبية وأَخفاها، ثم أكد ذلك وعززه بأنه لا يبعد ولا يغيب عنه ما مقداره وزن هباءَة أو أصغر نملة كائنة في السموات ولا في الأَرض ولا أَصغر من ذلك ولا أَكبر إلا وهو مسطور مسجل في كتاب واضح بين وهو اللوح المحفوظ، وليقطع الله عليهم طريق اللجاجة والتكذيب أَنذرهم بالجزاءِ على العمل، فالله - سبحانه - بحكمته جعل لكل عمل جزاءً فالمحسن يثاب كما قال تعالى: ٤ - ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: أي لتأْتينكم الساعة ليثيب الله - سبحانه - من تمكن الإيمان في قلوبهم فأَثمر الأَعمال الصالحة، والأَفعال المرضية، لهم - دون غيرهم - غفران ما عسى أَن يكون قد وقع منهم من هفوات - فهم بشر - ولهم مع هذه المغفرة العظيمة الواسعة الشاملة رزق واسع طيب حسن في دار النعيم. والمسيءُ يعاقب كما قال تعالى: ٥ - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾: أي أن: أُولئك الذين يسعون بالإثارة والإنكار لآيات الله وقرآنه فينسبونه إلى السحر أو الشعر أَو الكهانة أو يقولون عنه إنه أساطير الأولين ظانين إبطال آيات الله أو تعجيزها عن أَن تصل إلى الناس في نقائها وصفائها لتعمل عملها الطيب المبارك في القلوب فتهديها إلى الحق والنور، أو أنهم يعملون على تعجيز المؤمنين عن تكثير أتباعها هؤلاء لهم - دون سواهم - عذاب بالغ السوء في إيلامه.

стр. 3872

﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾ المفردات: ﴿أَفْتَرَى﴾: أكذب واختلق. ﴿جِنَّةٌ﴾: جنون. ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾: نغيبهم في بطنها. ﴿كِسَفًا﴾: جمع كسفة، وهي القطعة. ﴿مُنِيبٍ﴾: راجع وتائب إلى الله - تعالى -. التفسير بعد أن بين الله - سبحانه - حال المكذبين لآياتنا ومآلهم عقب ذلك ببيان رأْي أُولي العلم فيما أُنزل على الرسول ﷺ فقال: ٦ - ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾:

стр. 3873

المراد من الذين أُوتوا العلم: أصحاب رسول الله ﷺ والذين بعدهم سالكين طريقتهم، أَو هم أَهل الكتاب الذين آمنوا برسول الله، أَو هم أولئك وهؤُلاء جميعًا، والمعنى: ويرى الذين أَعطاهم الله علمًا يقينيًّا تسامى في الصدق وتمكن في القلب - يرون الذي أُنزل إليك من لدن حكيم عليم هو الصدق الخالص، والحق الثابت الذي لا مرية فيه، أَما ما يفعله المعاجزون فهو باطل وزيف لا غناءَ فيه، وما أنزل إليك يهدى ويرشد كذلك إلى طريق وصراط الله العزيز الغالب الذي لا يغالب، وهو الحميد الذي يحمد ويشكر سعى من يصدق ويعمل صالحًا فيجازيه الجزاءَ الحسن، وفي هذا الأُسلوب الحكيم تنبيه وإرشاد إلى الالتجاء إلى الله رهبة من انتقام العزيز ورغبة في فضل وعطاء الحميد، وتثبيت لقلب نبيه، وبشارة له بأَنه ناصر دينه وناشره وحافظه، وخاذل أَعدائه ومهلكهم. ٧، ٨ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾: لما عجز الكفار في أمر الساعة عن مقارعة الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان لجأُوا إلى أُسلوب العاجز وهو السخرية والسفه والإثارة، فقال فريق منهم لفريق آخر - استهزاء برسول الله ﷺ واستبعادًا لأَمر البعث -: هل ندلكم على رجل منكم يحدثكم بأُعجوبة من الأَعاجيب، وأَمر مستبعد غريب، وهو أنكم إذا صرتم رفاتًا وترابًا، ومزق الفناءُ أجسادكم كل ممزق، وبدد البلى أجزاءَكم كل تبديد - ينبئكم - أَنكم تبعثون وتعودون خلقًا جديدًا سويًّا. وإمعانًا منهم في السخرية والاستهزاء تجاهلوا اسم رسول الله وأتوا به نكرة كأَنه ليس معروفا لديهم. ثم هم مع ذلك يتغافلون عن شأنه - وهو بينهم الصادق الأمين - فيقولون: أَهو مفتر وكاذب فيما يدعيه على الله وينسبه إليه، أَم به جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه؟ فيرد الله عليهم بقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ إضراب عن الأمرين ودحض لهما جميعًا أي: ليس الأَمر كما يفتري الكافرون، فالرسول ﵊

стр. 3874

لم يكن منه افتراءٌ ولا كذب على الله، ولا به جنون ولكن هؤلاءِ - بسبب إنكارهم للبعث - في العذاب الشامل الذي ينتظرهم، وفي الضلال والزيغ الذي غمهم وبعد بهم عن طريق الهداية، ونأَى وشط عن الصراط المستقيم. ٩ - ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾): أي أَعَمِي هؤُلاء الكافرون فلم يبصروا وينظروا إلى ما يحيط بهم من بديع صنع الله في سمائه وأَرضه فإن فيها ما يدعو إلى تدبر المتدبرين، وتفكير أُولي الأَلباب والمستبصرين، فضلا عن أَنهم جميعًا لا يقدرون على أَن يخرجوا أَو ينفذوا من أَقطار السموات والأَرض، فهو - سبحانه - قاهر لهم وهم في قبضته فإن شاءَ خسف بهم الأَرض وغيبهم في بطنها كما فعل بقارون، قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ (١). أَو يسقط وينزل عليهم قطعًا من السماءِ تهلكهم كصنيعه مع أَصحاب الأَيكة، قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) ثم يؤكد أن النظر في السموات والأرض والتدبر فيها والاعتبار بما حصل للأُمم السابقة علامة وأَمارة وهداية لكل عبد راجع إلى ربه ملتجئ إلى مولاه، متوكل عليه. * ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾ المفردات: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾: رَجِّعي معه التسبيح، من التأْويب وهو الرجوع بعد الرجوع. ﴿أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: طوَّعناه له من غير نارٍ ولا مطرقة.

стр. 3875

﴿سَابِغَاتٍ﴾: واسعات ضافيات. ﴿قَدِّرْ﴾: أَحْكِمْ أَو اقتصد. (السَّرْدِ): نسج الدروع. التفسير ١٠ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ … ﴾ الآية: أشارت الآيات السابقة على هذه الآيات إلى إنكار المشركين أَمر البعث، واستبعاد حصوله. فجاءَت هذه الآيات تبرز قدرة الله - تعالى - في معرض فضله على أنبيائه بما لا يمكنهم إنكاره بعد أَن فاضت به أَخبارهم وأَشعارهم. وفي ذكر ذلك بعد ذكر تكذيب المكذبين للنبي ﷺ ما يشير إلى صدق رسالة محمَّد ﷺ وأن إرساله لم يكن بدعًا، بل كان مما جرت به سنة الله قبله في الأَرض من إرسال الرسل قبله وتأْييدهم بالمعجزات. وإحلال العقاب بمن خالفهم. والمعنى: ولقد آتينا وأَعطينا داود من عندنا نعمة وإحسانا، لحسن إنابته وصدق توبته بما منحناه من الملك، وفصل الخطاب، وغير ذلك، وقوله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ تَفْصِيل لبعض الفضل الذي أَعطاه الله إياه، ومعناه: يا جبال رجعي معه التسبيح كلما سبح. روى أَنه ﵇ كان إذا سبح سبَّحت الجبال مثل تسبيحه بصوت يسمع منها، ولا يعجز الله - جلت قدرته - أَن يجعلها بحيث تسبح بصوت يسمع - وقد سبح الحصى في كف رسولنا ﵊ وسمع تسبيحه، فلا يبعد ما قيل: من أَن الله خلق فيها الفهم وناداها وأمرها بذلك كما ينادي أُولي الفهم ويأْمرهم، وأنها امتثلت ما أُمرت به. وقيل: المعنى ارجعي إلى مراده فيما يريد من حفر واستنباط أَعين، واستخراج معدن وإنشاء طريق، وقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ معناه: وسخرنا له الطير؛ لأَن إيتاءَها إياه ﵇ هو تسخيرها له، وفي تنزيل الجبال والطير منزلة العقلاء المطيعين لأمره المذعنين لحكمه، ما يشعر بأَنه مَا مِنْ حيوان ولا جماد، ولا صامت ولا ناطق، إلا وهو منقاد إلى مشيئة الله - تعالى -

стр. 3876

غير ممتنع على إرادته - سبحانه - وقوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ معناه: طَوَّعناه، وجعلناه في يده لينًا يصنعه كيف شاء، ويتصرف فيه بما يشاءُ. ١١ - ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: أي أَلنا له الحديد وأَمرناه أن اعمل منه سابغات، ويحتمل أَن تكون علة وغاية على معنى أَلنا له الحديد ليعمل سابغات. وعن مقاتل أنه ﵇ حين ملك علي بني إسرائيل كان يخرج متنكرًا فيسألُ الناسَ عن حاله، فعرض له ملك في صورة إنسان فسأَله فقال: نعم العبد لولا خلة فيه، فقال: وما هي؟ قال: يُرْزَقُ من بيت المال، ولو أَكل من عمل يده لتمّت فضائله، فدعا الله - تعالى - أَن يعلمه صنعة ويسهلها عليه فعلمه صنعة الدروع، وأَلان له الحديد، فأَثرى، وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين، وكان يفرغ من الدرع في بعض يوم أو بعض ليلة وثمنها أَلف درهم ينفق بعضها على أَهله، وينفق الباقي في مصالح المسلمين والصدقات. كذا قيل، ولعل الأَقرب إلى الفهم أَن داود ﵇ كان يكره أَن يرزق من بيت المال، ويحب أن يأْكل من عمل يده تورعًا، فدعا الله أَن يعلمه صنعة وييسرها له ليأْكل من عمل يده فتم له ذلك ويسره الله له وكان أَول من اتخذها. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ معناه: وأَحكم نسج الدرُوع وأَتقن صنعتها بحيث تتناسب حلقها ولا تكون مضطربة قلقة ولا تكون غليظة فيشق حملها ولا خفيفة فيسهل كسرها، وقيل: معنى قدِّر في السرد: اقتصد في نسج الدروع فلا تصرف وقتك كله فيه، واعمل فيه بما يوفر لك القوت والإعاشة، واصرف باقي وقتك في عبادة الله وطاعته، وهذا هو الأَنسب بقوله تعالى: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ فإنه خطاب من الله - تعالى - لداود وآله وتكليف لهم بالعمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، ومع أَن أَهله لم يجر لهم ذكر

стр. 3877

فإنهم يفْهَمُون التزامًا من ذكره، وأَجاز بعضهم أَن يكون المراد بالعمل الصالح إتقان عمل الدروع، وحينئذ يكون الخطاب خاصًّا، ويحتمل أن يكون أمرًا عامًّا بالعمل الصالح مطلقًا بما في ذلك عمل الدروع. وقوله تَعَالى: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ معناه: إني عالم بكل ما تفعلونه مُطّلع عليه لا يخفى علي شئٌ منه، وهو تعليل للأَمر أو لوجوب الامتثال متضمن للتحذير من مخالفته على وجه الترهيب والترغيب، فإن من يعمل عملا لملك، ويعلم أَنه بمرأَى منه وتحت عينه يحسن العمل ويتقنه ويجتهد فيه حتى ينال رضاه، ويَحْظَى بالأَمن والأَمان عنده. ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ المفردات: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾: بنصب الريح على معنى وأَعطينا سليمان الريح، وبالرفع على تقدير: ولسليمان الريحُ مسخرةٌ. ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾: جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك. ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ القطر: النحاس الذائب، أَي: أَجرينا معدن النحاس سائلا كما ينبع الماءُ من العين. ﴿يَزِغْ﴾: يعدل ويخالف ما أَمرناه به.

стр. 3878

﴿مَحَارِيبَ﴾: جمع محراب. قيل: معناها قصور، وقال المبرد: لا يسمى محرابًا إلاَّ ما يرتقى إليه بدرج - وقيل: المساكن والمجالس الشريفة المصونة عن الابتذال، وقيل: المساجد. ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾: جمع تمثال وهي الصور. ﴿أجِفَانٍ﴾ جمع جفنة: وهي ما يوضع فيها الطعام من أَعظم القصاع وأَكبرها، ويليها في الصغر القصعة، ويليها المِئْكلة، ويليها الصُّحَيفَة. ﴿كَالْجَوَابِ﴾: جمع جابية: وهي الحياض التي يُجْبى فها الماءُ للإِبل. ﴿قُدُورٍ﴾ جمع قدر وهي ما يطبخ فيه من فخار ونحوه على شكل مخصوص. ﴿رَاسِيَاتٍ﴾: ثابتات على الأثافي (١) لا تنزل عنها لعظمها. التفسير ١٢ - ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: هذه الآية شروع في تعداد ما من الله به على سليمان بعد بيان ما آتاه لداود ﵉. والمعنى: وسخرنا لسليمان الريح، وذللناها له تخضع لأَمره، وتتحرك على مقتضى إرادته كالمملوك المختص بالمالك يأْمرها بما يريد، ويسيطر عليها كما يشاءُ فهي مسخرة ومذعنة لأَمره. ومعنى ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾: جريها بالغداة - أَول النهار - مسيرة شهر، وجريها بالعشي - آخر النهار - مسيرة شهر، فكانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للراكب أَخرج أَحمد في الزهد عن الحسن أنه قال في الآية: كان سليمان ﵇ يغدو من بيت المقدس فَيُقِيلُ باصطخر ثم يروح من اصطخر فيقيل بقلعة خراسان.

стр. 3879

قال ابن الحاجب في أَماليه: إنما أَعاد لفظ الشهر للإعلام بمقدار زمن الغدو وزمن الرواح، والألفاظ التي تأْتي مبينة للمقادير لا يحسن فيها الإضمار، ولم يقتصر على زمن الغدو ليقيس عليه زمن الرواح؛ لأَن الرياح كثيرًا ما تسكن، أَو تضعف حركتها بالعشي فدفع بالتنصيص على زمن الرواح توهم اختلاف الزمانين. وإنما لم يقل: ومع سليمان الريح كما قال - في داود -: يا جبال أوبي معه، لأَن حركتها بتسخير سليمان لها، وسلطانه عليها بأَمر ربها، فتسير معه حيث شاءَ وهذا على خلاف تأْويب الجبال، فإنه كان تبعًا لتأْويب داود ﵇ ولم يكن مسلطًا عليها. وقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾. معناه: وأَجرينا له معدن النحاس بعد إذابته - كما ألنَّا الحديد لداود - فسال ونبع كما ينبع الماءُ من العين، فلذلك سمى عين القطر باسم ما آل إِليه، وكانت الأعمال تتأَتى به وهو بارد، ولم يلن ولا ذاب لأَحد قبله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: ومن الجن فريق يعمل بين يدي سليمان بإذن الله وأَمره كما ينبيءُ عنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ أي: ومن يخرج من الجن عما أمرناهم به من طاعة سليمان والعمل بأَوامره وإرشاداته ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: أَي: نصله يوم القيامة ألوانًا من عذاب جهنم جزاءً وفاقًا لخروجه على أَمرنا، فالمقصود بالعذاب عذاب الآخرة، وفي هذا دلالة على أَن الجن مكلفون كالبشر. وعن الحسن قال: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤُلاء وهؤُلاءِ مؤْمنون، وهم شركاءُ في الثواب والعقاب. ومن كان من هؤلاء وهؤُلاء مؤْمنًا فهو ولي الله - تعالى - ومن كان كافرًا فهو شيطان. هذا وفي قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ بذكر لفظ الرب، وقوله: عن أَمرنا بالإضافة إلى الضمير لمحة لطيفة؛ لأَن لفظ الرب ينبيءُ عن الرحمة، فناسب ذكره عند الإشارة إلى حفظ سليمان كما ناسب عند الإشارة إلى تعذيب الجن ذكر ضمير العظمة الموجب لزيادة الخوف.

стр. 3880

١٣ - ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾: هذه الآية تفصيل لما يقوم به الجِن من الأَعمال لسليمان ﵇. والمعنى: يعمل هؤُلاء الجن لسليمان ما يشاءُ عمله من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات. والمحاريب جمع محراب، وهي قصور حصينة، ومساكن شريفة، ومنازل شاهقة سميت بذلك لأَنه يحارب غيره لحمايتها، وقيل: هي صدور المجالس. قال المبرد: لا يسمى محرابًا إلا ما يرتقى إليه بدرج، وقيل: هي المساجد. ويطلق المحراب أيضًا على المكان المعروف الذي يقف بحذائه الإِمام، وهو مما أُحدث في المساجد ولم يكن في الصدر الأَول، ولذا كره الفقهاء الوقوف في داخله. وتماثيل: جمع تمثال. قال الزمخشري: صور الملائكة والأَنبياء والصالحين، كانت تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام وغيرها، ليراها الناس فيعبدوا مثل عبادتهم وكان اتخاذ الصور جائزًا في شرعهم. كما قال الضحاك وأَبو العالية. وقد روي أنهم عملوا لسليمان ﵇ أَسدين في أسفل كرسيّه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بجناحيهما والله أعلم بصحة ذلك. ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ جمع جفنة: وهي ما يوضع فيها الطعام مطلقًا وهي أَعظم القصاع، ويليها القصعة وهي ما تشبع العشرة، ويليها الصفحة وهي ما تشبع الخمسة، ويليها المئكلة وهي ما تشبع الاثنين والثلاثة ويليها الصحيفة، وهي ما تشبع الواحد. والجوابي جمع جابية: وهي الحياض الواسعة يجبى إليها الماءُ، فهي مجبيٌّ إليها لا جابية، ثم غلبت على إناءٍ خاص كبير الحجم يملأُ ماءً.

стр. 3881

﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: جمع قدر؛ وهو ما يطبخ فيه من فخار وغيره على شكل مخصوص، وراسيات معناها ثابتات على الأَثافي لا تنزل عنها لعظمها، وصف القدور بثابتات بعد تشبيه الجفان بالجوابي يجمع إلى تحقيق التناسب حسن الاتساق، كما أَن تقديم الجفان وهي من أواني الأَكل على القدور مع أنها من أدوات الطبخ المقدم على الأكل يشير إلى أن هذه الأواني معدة للطعام وأن السماط الذي كاتت تستعمل فيه عظيمًا. وقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ معناه: اعملوا يا آل داود من الطاعات، والأَعمال الصالحات ما تؤَدون به شكر الله على عظيم نعمه وجليل آلائه، أو اشكروا يا آل داود شكرًا على هذه النعم. روى ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: لما قيل لهم: اعملوا آل داود شكرا لم يأت ساعة على القوم إلا ومنهم قائم يصلي. وجاءَ في رواية ابن أبي حاتم عن الفضيل أَنه ﵇ قال: يا رب كيف أَشكرك، والشكر نعمة منك؟ قال سبحانه: الآن شكرتني حين علمت النعم منّي. ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ أي: وقليل من عبادي المتوفر على أَداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه، قال ابن عباس في تعريف الشكور: هو الذي يشكر على أَحواله كلها، وفي الكشاف: هو المتوفر على أَداء الشكر الباذل وسعه فيه، وقد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعترافًا واعتقادًا وكدحًا، وأَكثر أَوقاته، وقيل: من يرى عجزه عن الشكر؛ لأَن توفيقه للشكر نعمة تستدعى شكرًا آخر لا إلى نهاية. وقد نظم بعضهم هذا فقال: إذا كان شكري نعمة الله نعمة … عليَّ له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله … وإن طالت الأَيام واتسع العمر إذَا مس بالنعماءِ عم سرورها … وإن مس بالضراء أعقبها الأجر وهذه الجملة في ختام الآية يحتمل أن تكون من بقية خطاب آل داود داخلة فيه، ويحتمل أن تكون جملة مستقلة جيءَ بها إخبارًا لنبينا ﵊ تنبيهًا وتحريضًا على الشكر.

стр. 3882

ومن بدائع التنزيل هذه المواءَمة بين ما منَّ الله به على داود وما منَّ به على سليمان ﵉، فإن الله تعالى ذكر ثلاثة أشياءَ لداود وثلاثة أَشياءَ لسليمان وناسب بينهما، فالجبال المسخرة لداود يناسبها الريح المسخرة لسليمان، وتسخير الطير يناسب تسخير الجن، وإلانة الحديد تناسب إسالة النحاس. وهكذا تتقارب النعم بينهما لتقوى الصلة بين الولد وأبيه. ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ المفردات: ﴿قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾: أوقعنا على سليمان الموت، وحكمنا عليه به. ﴿دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾: هي الأَرَضة - بفتحات - وهي دُوَيْبة تأْكل الخشب ونحوه وتسمى سُرْفة، كما تسمى سوس الخشب، وإضافتها إلى الأَرْض من إضافتها إلى ما تحدثه وهو الأَرْض، أي: أَكل الخشب ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾: عصاه، سميت بذلك لأَنه ينسأُ ويطرد بها، من نسأْت الكلب إذا طردته. ﴿خَرَّ﴾: سقط على الأرض. ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾: علِمَت، من تبين الشيءُ إذا ظهر بعد التباس. ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ﴾: ما مكثوا فيه وأَقاموا عليه. ﴿الْمُهِينِ﴾: البالغ الحد في المهانة والذِّلَّة. التفسير ١٤ - ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾: جرت هذه الآية على نمط القصص القرآني من طي ما يعلم من أُسلوب القصة ويُفْهمُه

стр. 3883

سياقُهَا، والمعنى: فلما تم لسليمان ما أَنعم الله به عليه من نعم يسخرها فيما يشاءُ ويوجهها إلى إنجاز ما يريد، فلما قضينا عليه الموت، وأَوقعناه وحكمنا به عليه ظلَّ أَمر موته خفيا على الجن فَعَمِيَ عليهم بعض الوقت ما دلهم عليه إلَّا دابة الأرض وهي الأَرَضَة أَكلت عصاه التي كان متكئًا عليها جالسا على كرسيه (١)، فسقطت وخرَّ سليمان ساقطًا على الأَرض بسقوطها. روي أَن داود ﵇ أَسس بنيان بيت المقدس في موضع فسطاط موسى فتوفي قبل تمامه، فوصّى به سليمان ﵉ فاستعمل فيه الجن والشياطين فباشروه، حتى إذا آن أَجله وعلم به سأل ربَّه أن يُعمّي عليهم موته ليفرغوا، ولتبطل دعواهم الغيب، فقام يصلى في مصلاه متكئًا على عصاه، فقبض روحه وهو متكيءٌ عليها فبقى كذلك، وهم فيما أُمروا به من الأَعمال، حتى أَكلت الأَرَضة عصاه فخرّ ميتًا، وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه كلَّما صلى. ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾: أي فلما سقط سليمان على الأَرض ميتا، وظهر أَمر موته تبينت الجن وظهر من أَمرها أَنهم لو كانوا يعلمون الغيب - كما يزعمون - لعلموا موته وقت حصوله، فلم يلبثوا بعد موته في الأَعمال الشاقة والعذاب البالغ الحد في المهانة والذل، والمراد بالجن في قوله ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ جميع الجن؛ كبراؤُهم وضعفاؤهم. ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾

стр. 3884

المفردات: ﴿سَبَإٍ﴾: قوم بلقيس، وهو في الأَصل اسم لرجل هو سبأ بن يشجب بن قحطان ويجمع قبائل اليمن عامة، ومن نسله عبد الله المنسوب إليه السبئية من غلاة الشيعة. ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾: مواضع سكناهم وهي باليمن، يقال لها مأْرب، بينها وبين صنعاءَ مسيرة ثلاث ليال. ﴿آيَةٌ﴾: علامة واضحة دالة على وجود الصانع الحكيم. ﴿جَنَّتَانِ﴾: جماعتان من البساتين: جماعة عن يمين إقليمهم وجماعة عن شماله. ﴿الْعَرِمِ﴾: سد يعترض الوادي، ويطلق أيضًا على المطر الشديد، والعرمُ: الصعب. من عَرِم الرجل فهو عارم: إذا شرس خلقه وصعب. ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ﴾: آتيناهم بدل جنتيهم بعد إهلاكهما ﴿خَمْطٍ﴾: مُرٍّ بشع. ﴿أَثْلٍ﴾: شجر يشبه شجر الطرفاءِ لا ثمر له. ﴿سِدْرٍ﴾: هو شجر النبق. ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾: عاقبناهم. ﴿الْكَفُورَ﴾: المبالغ في الكفر المتشبث به. التفسير ١٥ - ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾: لما ذكر الآيات السابقة بعض آلائة ونعمه على عباده المنيبين من أَمثال داود وسليمان وما اختصهم به من فضل، وأَسبغ عليهم من خير لقاءَ شكرهم، وجزاءَ امتثالهم وطاعتهم، عرض في هذه الآية طرفًا من قصة سبأ المنكرين للنعم، المعرضين عن الطاعة موعظةً قريش وتحذيرًا من كفرانهم النعم وإعراضهم عنها. وسبأ بن يشجب ويسمى أيضًا عبد شمس وهو أَول ملوك اليمن في قول. ولقب بهذا اللقب لأَنه أَول من سبى السبي من ولد قحطان، وفي بعض الأَخبار عن فروة بن مسيك قال: أَتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله: أخبرني عن سبإٍ. أرَجُلٌ هو أم

стр. 3885

امرأَة؟ فقال: هو رجل من العرب ولد عشرة: تيامن (١) منهم ستة وتشاءَم (٢) منهم أَربعة، فأَما الذين تيامنوا فالأَزد. وكندة وحمير ومذحج. والأَشعريون وأَنمار ومنهم بجيلة. وأَما الذين تشاءَموا: فعاملة، وغسان، ولخم، وجذام. والمعنى: لقد كان لشعب سبأَ في مساكنهم التي يسكنونها وقصورهم. ووديانهم التي يعيشون فيها ويعمرونها آية واضحة وعلامة دالة بملاحظة سوابقها ولواحقها على وجود الصانع المختار، والحكيم القادر على ما يشاءُ، هذه الآية هي جماعتان من البساتين جماعة عن يمين بلدهم وجماعة عن شماله. وكل بستان من هاتين الجماعتين يجمع أَلوانًا شتى من الأَشجار والثمار، وهذه البساتين ترى في تقاربها وتضامها كأَنها جماعة واحدة. والمقصود أَن مساكنهم من العظمة، والترف والنعيم بحيث تحفها الأَشجار وتحيط بها الثمار من جميع الأنواع والأَشكال عن يمين وشمال، وهم ينعمون بها، وينطلقون في أَكل ثمارها الموفورة، روي أَن المرأَة كانت تخرج وعلى رأسها المكتل وتسير بين الأَشجار فيمتليء المكتل مما يتساقط من الثمار فهذا قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أي: كأَنها تناديهم بلسان الحال، وتدعوهم للأَكل منها، والشكر عليها. وقيل: هو على تقدير القول أَي: قال لهم نبيهم، ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾: استئناف يرشد إلى مقتضيات الشكر وموجبات الحمد أي: هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة بخيراتها الوفيرة وخصبها الجيد، وربكم الذي رزقكم هذه الأَرزاق الواسعة، وأَفاءَ عليكم بهذه النعم وطلب شكركم رب غَفُورٌ واسع المغفرة لفرطات من يشكره. ١٦ - ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾: المعنى: فتولوا وأعرضوا عن شكر الله تعالى، وعن الإيمان به مع هذه الآيات الداعية إليه، وهذه النعم المستوجبة له.

стр. 3886

فأرسل عليهم سيل المطر الشديد، فاجتاح السد الذي كان ينظم الريّ في البلاد. وقوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ معناه: عاقبناهم على إعراضهم وكفرهم وتكذيبهم نبيهم فأَذهبنا جنتيهم، وأَبدلناهم بهما جنتين ذواتي ثمر خمط مُرٍّ لا يستسيغه أَحد، يجمع بين المرارة والحموضة، وشجر آخر لا ثمر له يشبه شجر الطرفاء إلا أَنه أَكبر منه وهو الأثل، وشيءٍ قليل من شجر السدر وهو المعروف بالنبق. وهذا النوع ينتفع به وله شأْن عند العرب، ولكنه كان قليلًا عقابا لهم، ولو أُطلق لكان نعمة لا نقمة. وقال الأَزهرى: السدر سدران: سدر لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغَسُول، وله ثمرة عَفْصة لا تؤْكل - وهو الذي يسمّى الضال - وسدر ينبت على الماءِ وثمره النبق وورقه غَسُول يشبه العُنّاب. قال قتادة: كان شجرهم خير الشجر، فصيره الله شر الشجر بأَعمالهم، وتسمية البدل بجنتين للمشاكلة والتهكم. ولفظ (قليل) إما أن يكون وصفًا لسدر كما تقدم، وإما أن يكون وصفًا للثلاثة ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾. ١٧ - ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ أي: ذلك العقاب الذي ألحقناه بهم من التبديل بجنتيهم الوارقتين المثمرتين جنتين خبيثتين ذواتي أُكل خمط مرٍّ وأثل لا ثمر له وشيءٍ من سدر قليل لا يغني، أَو لا ينتفع به - ذلك العقاب عاقبناهم به بسبب كفرهم وإعراضهم عن الإيمان وعن شكر النعم، ويجوز أَن تكون الإشارة إلى مصدر الفعل (جزيناهم) أي جزيناهم ذلك الجزاء، وتقديم لفظ (ذلك) وهو مفعول على الفعل العامل فيه وهو جَزى من ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ للتعظيم والتهويل، أو للتخصيص على معنى: ذلك الجزاء الفظيع جزيناهم لا جزاءً آخر، وما نجازي مثل هذا الجزاءِ ولا نعاقب هذا العقاب الشديد المستأْصل إلا المبالغ في الكفر المصر عليه.

стр. 3887

﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾ المفردات: ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ هي الشام، جعلناها مباركة بكثرة أشجارها ووفرة ثمارها، والتوسعة على أهلها. ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ متواصلة يقرب بعضها من بعض، أو ظاهرة مرتفعة على الآكام والمرتفعات وهي أشرف القرى، أو مقامة على الطريق معروفة يسهل سير السابلة إليها. ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ جعلنا المسافات بينها مقدرة على أبعاد قريبة بحيث يسهل التنقل بينها. ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾: اجعل المسافات والأبعاد بيننا وبين القرى المباركة طويلة ممتدة لتطول أسفارنا إليها. ﴿أحَادِيثَ﴾ جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به على سبيل التلهى والاستغراب. ﴿مَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾: فرقناهم كل تفريق، وشتتناهم شر تشتيت. التفسير ١٨ - ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾: هذه الآية عود إلى ذكر ما أُوتي قوم سبأ من النعم في مسايرهم ومتاجرهم، بعد ذكر ما أوتوا من النعم في مساكنهم ومنازل إقامتهم، ولم تذكر هذه النعم مع النعم التي قبلها

стр. 3888

مباشرة لما في المعاودة والتثنية من إثارة الانتباه، وتجديد التذكير، فيكون أوقع في الأسماع وأقوى في التأثير والزجر. والمعنى: وجعلنا بين مساكن أهل سبأ وبين قرى الشام التي باركنا فيها بكثرة أشجارها، ووفرة ثمارها وخيراتها - ومياهها، والتوسعة على أهلها - جعلنا بينهم - قرى أخرى كثيرة ظاهرة متواصلة بحيث يظهر لمن في بعضها ما أمامه من الأُخرى، أو جعلناها مرتفعة على الآكام على العادة في بناه القرى المنيعة الشريفة، أو أقمنا أوضاعها على الطريق ليسهل توصل السابلة إليها ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ فجعلنا الأبعاد بين كل قرية وأخرى على مقدار معين لا يشق على المسافر قطعه، ولا يطول وقته. قيل: من سافر من قرية صباحًا وصل إلى الأُخرى وقت الظهر والقيلولة، ومن سار من قرية بعد الظهر وصل إلى أخرى بعد الغروب إلى أن يبلغ الشام لا يخاف جوعًا ولا عطشًا ولا يحتاج لحمل زاد ولا مبيت في أرض خالية ولا يخاف من عدوّ ونحوه، وقوله تعالى: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ على إرادة القول، بمعنى أبحناها وقلنا لهم: سيروا فيها، وهذا القول إما بلسان أنبيائهم، أي قال أنبياؤهم ومرشدوهم سيروا فيها حيث شئتم، وكيف شئتم ليالي وأيامًا آمنين لا تحسُّون مشقة ولا تستشعرون جوعًا ولا عطشًا ولا ترهبون عدوا، وإما بلسان الحال. أي: يسرنا لهم السير وسهلنا أسبابه فاندفعوا فيه كأنهم مأمورون به. وعلى أي تقدير فالمعنى: سيروا فيها آمنين مطمئنين وإن تطاولت مدة سفركم، وامتدت أيامًا وليالي كثيرة، وتقديم الليل على النهار لأن الليل مظنة الخوف من المغتالين وقطاع السبيل. ١٩ - ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ .... ﴾ الآية: المعنى: بطروا النعمة وسئموا من طيب العيش ولم يعرفوا قيمته وملوا العافية، وطلبوا الكدَّ والتعب فقالوا: ربنا باعد بين أسفارنا فاجعلها مسافات بعيدة. بحيث نسير إليها على نجائبنا، ونفاخر بدوابنا ونربح في تجارتنا، وظلموا أنفسهم بما قالوا وما طلبوا وكانوا كبني إسرائيل الذين ملُّوا المن والسلوى، وآثروا الذي هو أدنى، فعجل الله لهم الإجابة بتخريب تلك القرى، ونجعلها بلقعا لا يسمع فيها داع ولا مجيب، كما يفهم

стр. 3889

من قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي: ألحقنا بهم الخراب والدمار فجعلناهم بحيث يتحدث الناس عن أخبارهم حديث التلهى والاستغراب، ويضربون بهم الأمثال فيقولون: ذهبوا أيدى سبأ، ومزقناهم كل تفريق وشر تمزيق حيث لحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان إلى غير ذلك. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي: إن في ذلك الذي ذكر من قصتهم، واختلاف أحوالهم وتقلب الأيام بهم لعظات واضحة وآيات شاهدة لكل من راض نفسه على الصبر وغالب الشهوات وصبر على الطاعات، وقدر نعم الله، وقابلها بالمزيد من الشكر والوفير من الحمد ليستديمها ويستزيدها تصديقًا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (١). ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ المفردات: ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾: حقق فيهم ظنه ووجده صادقًا. ﴿سُلْطَانٍ﴾ تسلط، واستيلاء. (حفيظ): محافظ. التفسير ٢٠ - ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: لما ذكر الله قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى واستجابتهم لوسوسة إبليس، وتنكبهم السبيل السوى، أخبر عنهم فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ

стр. 3890

عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أي: حقق عليهم ظنه ووجده صادقًا، وذلك إما ظنه بسبأ حين رأى انهماكهم في الشهوات وكفران النعم، أو ظنه ببني آدم حين شاهد - آدم ﵇ أصغى إلى وسوسته، وقال: إن ذريته أضعف منه عزمًا، والرأى الأول أقرب لاتصاله بقصة سبأ، وقوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ أي: فاتبعه أهل سبأ. ومعنى ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: إلاَّ فريقًا قليلًا هم المؤمنون لم يتبعوه ولم يتأثروا بوسوسته، وتقليلهم بالإضافة إلى الكفار فإن المؤمنين قليل بالنسبة لكثرتهم. ٢١ - ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: أي: وما كان لإبليس على هؤلاء الغاوين من تسلط وقدرة على الاستيلاء عليهم بالوسوسة إلاَّ ليظهر ما علمناه أزلا في شأنهم؛ من يؤمن بالآخرة ويصدق بالحساب والجزاء يوم القيامة بحسن اختياره، ممن هو من هذا في ريب بسوء اختياره. قال الحسن: والله ما ضربهم بعصى، ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غرورا وأمانى دعاهم إليها فأجابوه. وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ معناه: وربك على كل شيءٍ وكيل قائم على أحواله وشئونه، فلهذا لا يفوته العلم بمن يؤمن بالآخرة ممن هو في شك منها. و (حفيظ) إما مبالغة في حافظ أو بمعنى محافظ. ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾
следующие страницы →