← Тафсир

Тафсир · id 115098

التفسير الوسيط - مجمع البحوث

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (5 688 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

يتزوجها بتزويج الله إيَّاها له، فلما اشتكى زيد للنبي ﷺ خُلُقَ زينب وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له النبي ﷺ على جهة الأدب والوصية: اتق الله في قولك، وأمسك عليك زوجك، وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، ولم يرد أن يأْمره بالطلاق، لما علم أنه سيتزوجها، وخشى رسول الله ﷺ أن يلحقه قول من الناس في أَن يتزوج زينب بعد زيد، وهو مولاه وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله على هذا القدر من أنه خشى الناس في شيءٍ قد أَباحه الله له، بأَن قال: "أمْسِكْ" مع علمه أنه يطلق، وأعلمه أن الله أحق بالخشية في كل حال. قال القرطبي: قال علماؤنا: وهذا القول أَحسن ما قيل في تأْويل هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين: كالزهرى والقاضى بكر ابن العلاء القشيرى، والقاضى أبو بكر بن العربى وغيرهم. اهـ. هذا وللقصَّاص كلام فيما كان يخفيه رسول الله ﷺ من أَمر زينب يدور حول حبه لها، وحدوث رغبته في طلاقها ليتزوجها، وهذا الكلام من وضع الزنادقة ولا يليق إلصاقه بالنبي ﷺ ولو كان يريد أن يتزوجها أو كان يحبها لكان قد خطبها بكرًا، وكان ذلك أولى به ﷺ من أن يتزوجها ثَيِّبًا بعد طلاق عتيقه ومتبناه لها، ولكنها مشيئة الله لكي يقطع دابر عادة التبنى التي كانت فاشية في العرب، وكانت زوجة المتبنى حرامًا على أبيه بالتبنى كالنسيب سواءٌ، بسواءٍ وفي النص القرآنى ما يقطع بكذب هؤلاء الوضاعين، فإن الآية دلت على أن النبي ﷺ أخفى في نفسه ما الله مبديه ومظهره، والله لم يظهر حبه لها، بل أَظهر تزويجه إيَّاها بقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فهذا التزويج الذي أوحاه الله إليه تَحَرَّج منه النبي ﷺ فأَخفاه في نفسه، وهو الذي أظهره الله في كتابه، كما أظهره بين الناس، قال الخفاجي: واضح أن الله - تعالى - لما أراد نسخ تحريم زوجة المتبنى أَوحى إليه ﵊ أن يتزوج زينب إذا طلقها زيد، فلم يبادر له ﷺ مخافة طعن الأَعداءِ فعوتب عليه. اهـ - وهذا هو الحق الذي لا ينكره إلاَّ حقود جهول، وكذاب حقير.

стр. 3817

أسئلة وأجوبة قال ابن العربى: فإن قيل: لأَي معنى قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وقد أَخبره الله أَنها زوجه؟ قلنا: أراد أن يختبر منه ما لم يُعْلِمْه الله من رغبته فيها أو رغبته عنها، فأَبدى له زيد من النفرة عنها والكراهة فيها ما لم يكن علمه منه في أمرها، فإن قيل: كيف يأْمره بالتمسك بها وقد علم أن الفراق لا بد منه - وهذا تناقض - قلنا: بل هو صحيح لإِقامة الحجة ومعرفة العاقبة، ألا ترى أن الله - تعالى - يأْمر العبد بالإيمان وقد علم أنه لا يؤمن، فليس لمخالفة الأَمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأَمر به عقلًا وحكمًا، وهذا من نفيس العلم فتيقنوه وتقبلوه. فخر زينب بتزويج الله إياها ولقد صح من حديث البخاري والترمذي أن زينب ﵂ كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات، وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: كانت تقول للنبي ﷺ : إني لأُدِلُّ عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تُدِل بهن: أن جدى وجدك واحد، وأنى أنكحك الله إياى من السماءِ، وأن السفير لجبريل ﵇ تعنى سفارته بين الله تعالى - وبين رسوله ﷺ . المعنى الإِجمالى للآية: واذكر - أيها النبي - حين تقول لزيد بن حارثة الكلبي الذي أَنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق والرعاية والتبنى ومختلف فنون الإحسان، أمسك عليك زوجك زينب ولا تطلقها، واتق الله فيما تقوله عنها فلا تذمها بالكبر وإيذاء الزوج، وتخفى في نفسك أنك مأْمور بتزوجها مع أَن الله سيبديه ويظهره علنًا، وتخشى لائمة الناس لو قلت له طلقها، إذ يقولون: أمر رجلًا بطلاق امرأته، ثم تزوجها بعد أن طلقها، والله - تعالى - أحق أن تستحيى منه وتخافه فلا تأْمر زيدًا بإمساك زوجته بعد أن أعلمك الله أنها ستكون زوجتك، فلما قضى زيد منها حاجة فطلقها زوجناكها بعقد شرعى لكي لا يكون على المؤمنين

стр. 3818

ضيق في التزوج من أزواج أدعيائهم إذا طلقوهن، فالحكم بينك وبين الأُمة في ذلك سواءٌ، وكان أمر اللهِ الذي تعلقت به إرادته مفعولًا ونافذًا. ٣٨ - ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: أي: ما صح ولا استقام أن يكون على النبي محمَّد ﷺ من ضيق فيما قسم الله له وأَحله من تزوج زينب التي طلقها زيد بن حارثة مثبناه - طلقها - باختياره، بعد أن نصحه النبي ﷺ بالإمساك، وهذا حكم الله في الأنبياءِ قبله، لم يكن ليأْمرهم بشيءٍ في النكاح وغيره كداود وسليمان، وعليهم في ذلك حرج، وكان أَمر الله الذي يقدره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا معدل عنه. والآية رد على من توهم من المنافقين نقصًا في تزوجه امرأَة زيد مولاه، ودعيِّهِ الذي كان قد تبناه. ٣٩ - ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: قال الإِمام ابن كثير في تفسيرها: يمدح الله الذين يبلغون رسالات الله (١). إلى خلقه ويؤدونها بأمانتها، ويخافونه ولا يخافون أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أَحد عن إبلاغ رسالات الله، وكفى بالله ناصرًا ومعينًا، وسيد الناس في هذا المقام - بل وفي كل مقام - محمد رسول الله ﷺ فإنه قام بأداءِ الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب، إلى جميع أنواع بني آدم، وأَظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأَديان والشرائع، فإِنه قد كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وأَمَّا هو- صلوات الله وسلامه عليه - فإِنه بعث إلى جميع الخلق - عربهم وعجمهم - ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ثم وَرَّثَ مقام البلاغ عنه أُمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه

стр. 3819

﵃ بلغوا عنه كما أَمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأَحواله، في ليله ونهاره وحضره وسفره، وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم، وأرضاهم، ثم وَرثَه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يهتدى المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون. وفي هذه الآية إشارة إلى أنه ﷺ ليس عليه بأَس من لائِمة الناس في أمر قضاه الله لنسخ عادة التبنى. ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ المفردات: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾: قرأ عاصم وحده بفتح التاء، وقرأَه منصوبًا بتقدير ولكن كان رسول الله وخاتم النيبيين، وقرأ ابن أبي عبلة وغيره بالرفع، على تقدير: ولكن هو رسولُ الله وخاتمُ، والقراءَة بفتح التاءِ على معنى أَنهم ختموا به ﷺ فهو كالخاتم والطابع لهم، والقراءَة بكسر التاءِ هي قراءَة الجمهور، على معنى أَنه ختمهم أي: جاءَ آخرهم، وقيل: الفتح والكسر سواءٌ، مثل طابَع وطابِع ودانَق ودانِق، وطابَق من اللحم وطابِق (١). التفسير ٤٠ - ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾: سبب نزول هذه الآية: أنه لما قال المنافقون: تزوج محمَّد امرأة ابنه أفحمهم الله بإنزالها، أي: ليس محمَّد أبا أحد من رجالكم نسبًا، ولكنه رسول الله، وخاتم النبيين، فهو أَبو أُمته في التبجيل والتعظيم، وأن نساءَه عليهم حرام.

стр. 3820

وقد أَفادت هذه الآية أَنه لا نبي بعده ﷺ بإجماع المسلمين خلفًا عن سلف، ولصراحة الآية لم يستطع المارقون أَن يدعوا النبوة، بل ادعى بعضهم الرسالة كالبهاءِ، وهذا إفك وكفر مبين، فإِنه إذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بطريق الأولى؛ لأَن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإِن كل رسول نبي ولا عكس، وقد وردت الأَحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ بأنه لا نبى بعده، أخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن النبي ﷺ قال: "إن لي أَسماءً: أَنا محمَّد وأَنا أحمد وأَنا الماحى الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمى، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي ولم يبق من النبوة إلاَّ الرؤيا الصالحة"، وقال ﷺ : "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزءٌ من ستة وأَربعين جزءًا من النبوة" (١) ولهذا قال ﷺ : "ليس يبقى بعدي من النبوة إلاَّ الرؤيا الصالحة": وقد روى الإِمام مسلم بسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثل الأَنبياءِ كمثل رجل بني دارًا فأَتمها وأكملها إلاَّ موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون منها ويقولون: لولا موضع اللبنة. قال رسول الله ﷺ : فأَنا موضع اللبنة، جئت فختمت الأَنبياءَ" ونحوه عن أبي هريرة، غير أَنه قال: "فأَنا اللبنة وأَنا خاتم النبيين"، وروى الإمام أَحمد بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي" - قال أنس: فشق ذلك على الناس - قال: قال: ولكن المبشرات، قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: "رؤيا الرجل المسلم، وهي جزءٌ من أَجزاءِ النبوة". ولم يقصد بهذه الآية أن النبي ﷺ ليس له أبناءٌ، فقد ولد له: إبراهيم والقاسم والطيب والمطهر (٢)، ولكن لم يعش له أحد منهم حتى يصير رجلًا، وأما الحسن والحسين فكانا طفلين ولم يكونا رجلين معاصرين له (٣).

стр. 3821

ومعنى الآية: ما كان محمَّد أبا أحد من رجالكم أُبوة نسبية، ولكنه كان رسول الله وخاتم النبيين والمرسلين، فلا حرج عليه في أن يتزوج مطلقة زيد بن حارثة؛ لأنه كان ابنا دعيا ولم يكن ابنًا نسبيًّا، ولهذا دعى إلى أبيه حارثة بعد أن صحح الله أنساب الناس: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فلهذا أَبطل بنوة الأَدعياءِ، وآثارها، وختم بمحمد نبوة ورسالات الأَنبياء والمرسلين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ المفردات: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾: أول النهار وآخره. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: من ظلمات الكفر والمعصية إلى نور الإيمان والطاعة. ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾: عند الموت أو البعث أو دخول الجنة. ﴿أَجْرًا كَرِيمًا﴾: أجرًا عظيمًا هو الجنة. التفسير ٤١، ٤٢ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾: المقصود من ذكر الله - تعالى - أَن تذكر أَسماؤه وصفاته باللسان تارة وبالقلب تارة أُخرى، ومرجع الكثرة في الذكر إلى العرف.

стр. 3822

ومن العلماءِ من عين الذكر بلفظه، قال مقاتل في تفسيرهما: هو أَن يقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) على كل حال، ومنهم من ضبط كثرته مع هذا النص بثلاثين مرة. وفي مجمع البيان عن الواحدي بسنده إلى ابن عباس قال: جاءَ جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ فقال: يا محمَّد قل: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أَكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلى العظيم عددَ ما عَلم ورِنةَ ما عَلِم وملءَ ما عَلِم، فإِنه من قالها كتب له ست خصال، كتب من الذاكرين الله تعالى كثيرًا … " إلى آخر الحديث. ومعنى الآيتين: يا أَيها الذين صدقوا بالله ورسوله اذكروا الله بأَسمائه الحسنى وصفاته بألسنتكم سرًّا وجهرًا وبقلوبكم ذكرًا كثيرًا، ونزهوه سبحانه - عما لا يليق به أَول النهار وآخره، أَطهارًا ومحدثين، فإن ذلك أَفضل الزاد إلى المعاد، وتخصيص البكرة والأَصيل بالذكر ليس لقَصْر الذكر والتسبيح عليهما دون سائر الأوقات، بل لفضلهما لكونهما تحضرهما ملائكة الليل وملائكة النهار وتلتقى فيهما. والتسبيح نوع من الذكر، وإفراده من بين الأذكار لكونه عمدة في ذكر الله - تعالى - فما لم ينزه الله - تعالى - عما لا يليق به لا يتحقق ذكر الله تعالى. ٤٣ - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾: هذه الآية استئناف في مقام التعليل للأمرين قبلها، والصلاة من الله على عباده المؤمنين رحمته لهم وبركاته عليهم، وصلاة الملائكة دعاؤهم للمؤمنين واستغفارهم لهم، كما قال - سبحانه - في شأْنهم: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ومن مؤمنى الإنس والجن دعاءٌ، قاله ابن عباس ﵄. والمعنى: الله هو الذي يصلى عليكم أيها المؤمنون فيرحمكم ويغدق نعمه وبركاته وفتوحاته عليكم، كما يصلى عليكم ويستغفر لكم ملائكته عناية بكم وإكرامًا لكم، لكي يخرجكم بذلك من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الكفر والعصيان إلى نور الإيمان والطاعة، وكان الله بالمؤمنين رحيمًا، حيث صلى الله عليهم، وكلف بالصلاة ملائكته المقربين.

стр. 3823

٤٤ - ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾: أصل التحية: أن يقول المرءُ لغيره: حياك الله، أي: جعل لك حياة، ويقال: حيَّا فلان فلانًا تحية إذا قال له حياك الله، ثم جعل كل دعاء عند اللقاء تحية؛ لكونه غير خارج في مضمونه عن طلب الحياة. والهاءُ في يلقونه ضمير عائد على الله - تعالى - والمراد من لقائه - تعالى - حضور موت العبد، روى عن ابن مسعود أنه قال: "إذا جاءَ ملك الموت لقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام" وقيل: المراد به خروجهم من قبورهم، فيسلم عليهم الملائكة ويبشرونهم بالجنة، وقيل ذلك عند دخولهم الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وقيل: إن الذي يحييهم عند دخولهم الجنة هو الله تعالى - إذ يقول: "سلام عليكم عبادى. أنا عنكم راض فهل أنتم عني راضون، فيقولون بأجمعهم: يا ربنا إنا راضون كل الرضا" وروى أن الله - تعالى - يقول: "السلام عليكم، مرحبًا بعبادى المؤمنين الذين أرضونى في دار الدنيا باتباع أمرى". والآية الكريمة تتسع لكل تلك المعانى، ولا حرج على فضل الله في اجتماعها. ومعنى الآية: تحية المؤمنين من الله وملائكته يوم يخرجون من دنياهم، ويوم ينشرون ويحشرون لربهم ويوم يدخلون جنة ثوابهم: سلام عليكم، وقد هيأ الله - تعالى - لهم أجرًا عظيمًا لا غاية وراءَه. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾

стр. 3824

المفردات: ﴿شَاهِدًا﴾: على من بعثت إليهم. ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾: بتيسيره ومعونته. التفسير ٤٥، ٤٦ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾: اشتملت هاتان الآيتان على خمسة أوصاف للنبي ﷺ : ﴿شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ولقد وصف في التوراة بمثل هذه الصفات وبغيرها من الصفات التي تتجلى فيه ﷺ فقد أخرج الإمام أحمد بسنده عن عطاء بن يسار قال: (لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أَخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرزًا للأُميين، أَنت عبدي ورسولى، سميتك المتوكل لست بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأَسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأَن يقولوا: (لا إلهَ إلاَّ الله، فيفتح به أعينا عميًا وآذانًا صما وقلوبًا غُلفًا). ورواه البخاري بسنده عنه، وعن عبد الله بن سلام في كتاب البيوع، وروى ابن أَبي حاتم بسنده عن وهب بن منبه الذي كان يهوديًا وأسلم، قال وهب بن منبه: (إن الله أَوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: شعياءُ أَن قم في قومك بني إسرائيل فإنى منطق لسانك بوحى، وأَبعث أُميًّا من الأُميين، أبعثه ليس بفظ ولا غليظ ولا صَخَّابٍ في الأَسواق، لو يمر إلى جنب سراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه، أَبعثه مبشرًا ونذيرًا، لا يقول الخنا: أَفتح به أَعينًا كُمْهًا (١) وآذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلْفًا، أُسدده كل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأَجعل السكوت لباسه،

стр. 3825

والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإِسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدى به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأُعرف به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة وأؤلف به بين أُمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء مشتتة، وأستنقذ به فئامًا (١) من الناس عظيمة من الهلكة، وأجعل أُمته خير أُمة أُخرجت للناس، يأْمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين، مصدقين لما جاءَت به رسلى، ألْهِمُهُم التسبيح والتحميد، والثناء والتكبير والتوحيد، في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يصلون لي قيامًا وقعودًا، ويقاتلون في سبيل الله صفوفًا وزحوفًا، ويخرجون من ديارهم ابتغاءَ مرضاتي ألوفًا، يُطهِّرون الوجوه والأطراف، ويَشُدون الثياب في الأنصاف، قربانهم دماؤهم وأناجيلهم في صدورهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، وأجعل في أهل بيته وذريته السابقين والصديقين والشهداء والصالحين، أُمته من بعده يهدون بالحق وبه ويعدلون أُعِزُّ مَنْ نصرهم، وأُؤيد من دعا لهم، وأَجعل دائرة السوءِ على من خالفهم أو بَغَى عليهم أو أراد أن ينتزع شيئًا مما في أيديهم، أجعلهم ورثة لنبيهم، والداعية إلى ربهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوفون بعهدهم، أختم بهم الخير الذي بدأته بأَولهم، ذلك فضلى أُوتيه من أشاءُ وأنا ذو الفضل العظيم) أخرجه ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه اليمانى. وقد اشتملت هذه الآية على خمسة من أَسمائه ﷺ وقد سماه الله رءُوفًا رحيما، ويقول القرطبي: قال ﷺ ، فيما روى عنه الثقات العدول -: "لي خمسة أَسماءٍ: أنا محمَّد وأَحمد وأَنا الماحي الذي يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمى وأنا العاقب" ثم يقول القرطبي: "وقد ذكر القاضى أبو بكر بن العربى في أحكامه في تفسير هذه الآية من أسماءِ النبي ﷺ سبعة وستين اسما" اهـ.

стр. 3826

وروى عن ابن عباس أَنه لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله ﷺ عليًا ومعاذًا فبعثهما إلى اليمن وقال: "اذهبا فبشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا فإنه قد أُنزل عليَّ .. " وقرأَ هاتين الآيتين. ومعنى الآيتين: يا أيُّهَا النبي إنا أرسلناك شاهدًا لله بالوحدانية وعلى من بعثت إليهم، تراقب أحوالهم وتشاهد أعمالهم، وتتحمل عنهم الشهادة بما صدر عنهم من التصديق والتكذيب، وسائر ما هم عليه من الهدى والضلال، وتؤديها يوم القيامة أداءً مقبولا فيما لهم وفيما عليهم، كما جاءَ في قوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ وفي قوله سبحانه -: ﴿لتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (١) وشاهدًا على جميع الأُمم بأَن أنبياءَهم قد بلغوهم رسالة ربهم، طبقًا لما عرفته من القرآن العظيم، وأرسلناك مبشرًا للطائعين بالجنة ونذيرًا للكافرين والعصاة بالنار، وداعيًا إلى الإيمان باللهِ واتصافه بكل كمال وتنزهه عن كل نقص، وإلى طاعته وفق شرعه بتيسيره ومعونته، وأرسلناك سراجًا منيرًا يستضاءُ به في ظلمات الجهالة والشبهات. كيف يتحمل الرسول الشهادة عن أمته يتحمل الرسول ﷺ الشهادة عن المعاصرين له من أُمته بما لهم وما عليهم، أما مَنْ بعده ﷺ فعن طريق عرض الأَعمال عليه كما جاءَ في الأحاديث الدالة على ذلك، ولكنه يعرف ذلك إجمالًا لا تفصيلا، روى أبو بكر وأنس وغيرهما أنه ﷺ قال: "ليردَنَّ ناس من أصحابى على الحوض حتى إذا رأَيتهم وعرفتهم اختلجوا دونى، فأَقول: يا رب أصيْحابي أُصيْحابي، فيقال لي: إنك لا تعرف ما أحدثوا بعدك". ٤٧ - ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾: معطوف على مقدر يقتضيه المقام، أي: فراقب أحوال أُمتك، وبشر المؤمنين منهم بأَن لهم من الله فضلا كبيرًا على سائر الأُمم، أو جزاءً جزيلا تفضل الله به عليهم في مقابل صالحات أعمالهم.

стр. 3827

٤٨ - ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: هذَا النهي تأْييد من الله - تعالى - لموقفه من الكافرين والمنافقين (١)، وإقرار لما هو عليه في شأْنهم من معاصاتهم، جئَ به بأُسلوب النهي لقطع أَطماعهم في ملاينة النبي ﷺ لهم. والمعنى: دم على ما أنت عليه - أيها النبي - من معاصاتهم في مآربهم، وَتَرْكِ الملاينة في الإنذار والمسامحة معهم، ولا تبال بإيذائهم إياك بسبب إنذارهم، واصبر على ما ينالك منهم، وتوكل على الله في كل أمرك؛ فإنه كفيل بنصرك وتأْييدك، وكفى بالله موكولا إليه في جميع الأُمور. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ المفردات: ﴿نَكَحْتُمُ﴾: عقدتم. ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾: تجامعوهن. ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾: فأعطوهن المتعة، وسيأْتى في التفسير بيانها. ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾: أخرجوهن من منازلكم، فليس لكم عليهن عدة. ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾: من غير ضرار ولا منع حق. التفسير ٤٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾: حدثنا الله فيما مضى عن قصة زينب وكان مدخولا بها، وخطبها النبي ﷺ

стр. 3828

بعد انقضاءِ عدتها، وجاءَ بهذه الآية المباركة لتبين للمؤمنين حكم الزوجة التي تطلق قبل الدخول بها، وقد أَفادت هذه الآية أن المرأة إذا عقد عليها وطلقت قبل الدخول بها فلا عدة عليها، وهذا حكم أجمعت عليه الأُمة. وهذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) فأصبح حكمها قاصرًا على المدخول بهن، كما أنها مخصصة لعموم قوله تعالى: " ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (٢) فأصبح حكمها قاصرًا على المدخول بهن كسابقتها. والنكاح مختلف في معناه لغة، فقيل: حقيقة في العقد مجاز في الوطءِ، وقيل: العكس، وقيل: مشترك بينهما، ولم يرد في كتاب الله إلاَّ بمعنى العقد غالبًا، ومن آداب القرآن الكناية عن الدخول بالمماسة أو الملامسة، أو القربان أو الغشيان أو الإتيان. والطلاق المعلق بالنكاح كقوله لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق لا يقع قوله ﷺ : "لا طلاق قبل نكاح" وبهذا قال نيف وثلاثون من الصحابة والتابعين والأَئمة - كما قال القرطبي -، وقال جماعة من أهل العلم يقع طلاق المعينة بشخصها أو قبيلتها أو بلدها، وممن قال بذلك: مالك وأصحابه، والأَول هو الحق. وقد جاءَ في الآية طلب المتعة لمن طلقت قبل الدخول، وإنما تجب إذا لم يفرض لها صداق فإن فرض لها صداق، فلا يجب لها سوى نصفه، لقوله تعالى - في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. ومن العلماء من جعلها عامة للمطلقة قبل الدخول، فرض لها صداق أو لم يفرض، لإطلاقها في الآية، والأرجح أنها مستحبة للمفروض لها صداق واجبة لمن لم يفرض لها (٣).

стр. 3829

وفي مذهب الشافعي القديم وجوبها لكلتيهما، ولا تزيد المتعة على نصف مهر مَنْ سمى لها، ولا تنقص عن خمسة دراهم، وأَما من لم يسم لها فلا تزيد عن نصف مهر مثلها ولا تنقص عن خمسة دراهم، وفي الموضوع تفصيلات أوْفَى في الموسوعات، وحسب القارئ هذا القدر. والمعنى الإجمالي للآية: يا أيها الذين آمنوا إذا عقدتم على المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تباشروا وطأَهن (١)، فأَعطوهن متعة جبرًا لطلاقهن، وأخرجوهن من بيوتكم إخراجًا جميلا (٢)، من غير ضرار ولا منع حق مع كلام طيب لمواساتهن، وقيل: السراح الجميل أن لا يطالبوهن بما آتوهن. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾ المفردات: ﴿آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾: أعطيت مهورهن، وسمى المهر أجرًا، لأَنه في مقابل الاستمتاع بالمرأة. ﴿أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾: غنمته من الكفار بتيسير الله لك. ﴿يَسْتَنْكِحَهَا﴾: ينزوجها. (حَرَجٌ): ضيق.

стр. 3830

التفسير ٥٠ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ … ﴾ الآية: اختلف العلماءُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ فمنهم من أولها بمعنى أبحنا لك أن تتزوج كل امرأة خالية تؤتيها مهرها سوى المحارم، ومنهم من أولها بمعنى أبحنا لك أزواجك الكائنات عندك؛ لأنَّهن قد اخترنك على الدنيا، وهذا هو رأْي الجمهور؛ وهو الظاهر، لأن قوله: ﴿آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ ماض، ويؤيده ما قاله ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يتزوج في أَي الناس شاء، وكان يشق ذلك على نسائه، فلما نزلت هذه الآية وحرم عليه بها النساء إلَّا مَنْ سُمِّي سُرَّ نساؤُه بذلك. وتقييد الإحلال بتعجيل صداقهن، ليس لتوقف الحل عليه، بل لإيثار الأَفضل له، كتقييد إحلال المملوكة بكونها مسبية بقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ فإن المشتراة لا يتحقق بدءُ أَمرها وما جرى عليها، وقد كان مهره لنسائه اثنتى عشرة أُوقية ونَشًّا، والأُوقية كانت أربعين درهما، والنشُّ: نصف الأُوقية، فيكون مهر الواحدة منهن خمسمائة درهم، إلاَّ أم حبيبة بنت أبي سفيان، فقد أمهرها عنه النجاشى ﵀ أَربعمائة درهم، وإلا صفية بنت حيي بن أَخطب، فقد اصطفاها من سبي خيبر ثم أَعتقها، وجعل عتقها صداقها، وكذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية، أَدى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها، فإنها قد خرجت في سهمه من سبايا بني المصطلق فكاتبته عن نفسها، وذهبت إلى الرسول - صلى الله عليه وسام - تستعينه على كتابتها، فقال لها الرسول ﷺ : أَقضي عنك كتابتك وأَتزوجك، فقالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت. ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ أي: وأَبحنا لك التسري مما أَخذت من غنائم الكفار، وقد ملك صفية وجويرية فأَعتقهما وتزوجهما، وملك ريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أُم ابنه إبراهيم، ومعنى ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾: مما رده الله عليك من فيءِ الكفار من السراري، والغنيمة قد تسمى فيئًا، والسراري مباحات للنبي - صلى الله عليه وسلنم - ولأمته مطلقًا، وأَما الزوجات فمن غير قيد للرسول

стр. 3831

ﷺ ولكنه لم يتزوج سوى ثلاث عشرة، وأَما الأُمة فلا يتزوج أَحدهم منهن سوى أَربع في عصمته، ويرجع هذا التفاضل في عدد الزوجات إلى أَن الرسول ﷺ ترك له الحق فيمن يرى في الزواج بها شد الأَزْرِ للدعوة الإِسلامية، وتأْليفًا لأَهل أُولئك الزوجات وغير ذلك من السياسات الإِسلامية، فأَنت ترى أَن النبي ﷺ لم يتوسع في الزواج في شبابه في مكة، وتوسع فيه في شيخوخته بعد الهجرة؛ لتحقيق أَغراض إسلامية نشأَت بعد الهجرة. أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن محمَّد بن كعب، وعمر بن الحكيم، وعبد الله بن عبيدة قالوا: تزوج رسول الله ﷺ سِتَّ عشرة امرأَة، ستًّا من قريش: خديجة، وعائشة، وحفصة وأُم حبيبة وسودة، وأُم سلمة، وثلاثًا من بني عامر بن صعصعة وامرأتين من بني هلال بن عامر، ميمونة بنت الحارث - وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ وزينب أُم المساكين، وامرأَة من بني أَبي بكر بن كلاب من القُرطاء (١) - وهي التي اختارت الدنيا - وامرأَة من بني الجون وهي التي استعاذت منه فطلقها، وزينب بنت جحش الأَسدية، والسبيتان: صفية بنت حيى بن أَخطب وجويرية بنت الحارث ابن عمرو بن المصطلق الخزاعية (٢)، ويلاحظ أَنه ﷺ توفي عن تسع. ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾: أي وأَحللنا هؤُلاءِ بشرط الهجرة معك، ويقول ابن كثير تعليقًا على ما تقدم: هذا عدل وسط بين الإِفراط والتفريط؛ فإن النصارى لا يتزوجون المرأَة إلاَّ إذا كان بينها وبينهم سبعة أَجداد، واليهود يتزوج أَحدهم بنت أَخيه وبنت أُخته، فجاءَت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأَباحت بنت العم والعمة وبنت الخال والخالة، وتحريم ما فرطت فيه اليهود من إباحة بنت الأَخ والأُخت، وهذا بشع فظيع.

стр. 3832

﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: وأحللنا لك أَيها النبي امرأَة مؤمنة إذا وهبت نفسها لك أَن تتزوجها بغير مهر إنْ شئت ذلك. وهذه الآية توالى فيها شرطان: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ كقوله - تعالى - إخبارًا عن نوح ﵇ أَنه قال لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ﴾ (١). وقد أَباح هذا النص للنبي ﷺ أَن يتزوج من وهبت نفسها له دون مهر، واختلف العلماءُ في حدوث ذلك، فابن أَبي حاتم يروى بسنده عن ابن عباس قال: لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأَة وهبت نفسها، ورواه ابن جرير بسنده عن يونس بن بكير أَنه ﷺ لم يقبل واحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان ذلك مباحًا ومخصوصًا به؛ لأَنه مردود إلى مشيئته، كما قال تعالى: ﴿إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ومن العلماء من قال بحدوث ذلك في ميمونة بنت الحارث، ومنهم من قال إنهن أَربع: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة الأَنصارية، وأُم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم (٢). وقد ثبت أن امرأَة عرضت عليه نفسها هبة فزوجها من سواه، أَخرج الإِمام البخاري بسنده عن سهل بن سعد ﵁ أن امرأَة عرضت نفسها على النبي ﷺ فقال له رجل: يا رسول الله زوجنيها، فقال ما عندك؟ قال: ما عندي شيء، قال: اذهب فالتمس ولو خاتما من حديد. فذهب ثم رجع فقال: لا والله ما وجدت ولا خاتما من حديد، ولكن هذا إزارى ولها نصفه - قال سهل: وماله رداءٌ - فقال النبي ﷺ : وما تصنع بإزارك؟ إن لبستَهُ لم يكن عليها منه شيءٌ، وإن لبِسَتْه لم يكن عليك منه شئٌ، فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه النبي ﷺ فدعاه أو دعى له، فقال له ما معك من القرآن؟ فقال: معي سورة كذا، وسورة كذا لسور يعدِّدها، فقال النبي ﷺ : أَملكناكها بما معك من القرآن". وفي رواية: زوجتكها

стр. 3833

وهي رواية الأَكثر ولا تحل المرأَة بالهبة لغير رسول الله ﷺ لقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال القرطبي: أجمع العلماءُ على أَن هبة المرأَة غير جائزة، وأن لفظ الهبة لا يتم به نكاح إلا ما روى عن أَبي حنيفة وصاحبيه، فإنهم قالوا: إذا وهبت فأَشهد هو على نفسه بمهر فذلك جائز، قال ابن عطية: فليس في قولهم إلا تجويز النكاح بلفظ الهبة مع استيفاءِ ما يطلب في النكاح كالمهر: اهـ بتصرف يسير. المعنى الإجمالي للآية: يا أيها النبي إنا أَحللنا لك أَزواجك اللاتي أعطيتهن مهورهن، وأحللنا لك الاستمتاع بالجواري اللاتي ملكتهن من غنائم الجهاد، وأَحللنا لك بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن إلى المدينة معك (١)، وأحللنا لك امرأَة مؤمنة وهبت نفسها لك إن أَردت نكاحها، فإن إرادتك هذه تقوم مقام القبول، وقد خصك الله بما خصك به من دون المؤمنين من أَجل نبوتك تشريفًا وتكريمًا لك بها (٢)، قد علمنا ما فرضنا عليهم في أَزواجهم من اشتراط العقد إيجابًا وقبولا وأَن لا يتجاوزن أَربعة، ووجوب القسم والمهر بالوطءِ حيث لم يسم، وما فرضناه لهم من التسري بملك اليمين كيف شاءُوا، وقد خصصناك - أَيها النبي - بما خصصناك به لكيلا يكون عليك ضيق عند الاقتضاء، وكان الله واسع الغفران، فيغفر ما يعسر التحرز عنه، عظيم الرحمة بالتوسعة في مظان الحرج. ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾

стр. 3834

المفردات: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي: تؤخر. والأَصل ترجئ، فخفف بقلب الهمزة ياءً، وقرئَ بالوجهين في السبعة. ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ أَي: ومن طلبته ممن نحيته وأَبعدته فلا إثم عليك. يقال: بغى، وابتغى، وتَبَغَّى بمعنى طلب. والعزل: التنحية. والجناح: الإثم. ﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ أي: تبرد - سرورًا - وفعله من باب فرح. التفسير ٥١ - ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ … ﴾. الآية. المعنى: لك أَيها النبي أَن تؤخر من تشاءُ من أَزواجك، وتضم إليك من تشاءُ منهن، ويراد بذلك أَنك مخير فيهن توسعة عليك، إن شئت أَن تقسم المبيت بينهن قسمت، وإن شئت أَن تترك القسم تركت. هكذا يروى عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغيرهم. فَخُص ﷺ بأَن جعل الأَمر إليه، ولهذا ذهبت طائفة من فقهاءِ الشافعية وغيرهم إلى أَنه لم يكن القسم واجبًا عليه - صلوات الله وسلامه عليه - واحتجوا بهذه الآية الكريمة. كذلك مما يدل على أن القسم لم يكن واجبًا عليه ﷺ ما أَخرجه البخاري بسنده، عن مُعَاذ، عن عائشة أَن رسول الله ﷺ كان يستأْذن في يوم المرأَة مِنَّا بعد أن نزلت هذه الآية ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾. فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت كنت أقول: إن كان ذلك إليّ، فإني لا أُريد يا رسول الله أن أُوثر عليك أَحدا. قال ابن كثير فهذا الحديث يدل على أن المراد من ذلك عدم وجوب القسم، وهو الذي ينبغي أَن يعول عليه؛ بهما قال ابن العربي؛ لكنه مع ذلك كان يقسم بينهن من قبل نفسه دون فرض عليه، تطييبًا لنفوسهن، وصونًا لهن عن الغَيْرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي، ولم يتركه حتى لحق بالرفيق الأَعلى.

стр. 3835

قال صاحب البحر: اتفقت الروايات على أَنه ﷺ كان يعدل بين أَزواجه في القسم حتى مات. وقيل: إن المراد من الآية تُطلق مَنْ تشاءُ، وتمسك من تشاءُ. وقال بعضهم: الإرجاءُ والإيواءُ لإطلاقهما في الآية يتناولان ما في التفسيرين من التخيير في القسم والطلاق. وعن أبي رزين في سبب نزول الآية: هَمَّ رسول الله أَن يطلق من نسائه، فلما رأين ذلك أتينه فقلن: لا تخلِّ بيننا وأنت في حل مما بيننا وبينك. افرض عن نفسك ومالك ما شئت. فأَنزل الله تعالى الآية. فأَرجأَ بعضهن، وآوى بعضهن (١). ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ أي: إذا أَردت أَن تؤوي إليك امرأَة ممن نحيت وأَبعدت فلا إثم عليك في ذلك. وكذلك حكم الإرجاءِ هو إلى مشيئتك. فدل أَحد الطرفين على الآخر. وأفاد صاحب الكشاف أَن الآية متضمنة قسمة جامعة لما الغرض؛ لأَنه ﷺ إما أَن يطلق، وإما أَن يمسك، وإذا أَمسك ضاجع أَو ترك، وقسم أَو لم يقسم، وإذا طلق وعزل، فإما أَن يخلي المعزولة لا يبتغيها أَو يبتغيها (٢) ". ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ أَي: إذا علمن أَن الله قد رفع عنك الحرج، وفوض أَمرهن إلى مشيئتك. كان ذلك أَقرب أن ترتاح قلوبهن فلا يحزن؛ لأنه حكم كلهن فيه سواءٌ، ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلًا منك عليهن ومنة، وإن رجحت بعضهن علمن أَنه بحكم الله - تعالى - الذي فوض الأَمر إليك فتطمئن نفوسهن به دون أَن يتعلقن بأَكثر من ذلك؛ لأَن المرءَ إذا علم أنه لا حق له في شيء كان راضيًا بما أُوتي منه وإن قل، وكان ﵊ مع هذا التمييز يسوى بينهن في القسم تطييبًا لقلوبهن ويقول: اللهم هذا قَسْمِي فيما أَملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أَملك، لإيثاره عائشة ﵂ دون أَن يظهر ذلك في شيء من فعله. وكان في مرضه الذي توفي فيه يُطاف به محمولا على بيوت أَزواجه، إلى أَن استأَذنهن أَن يقيم في بيت عائشة، قالت عائشة: أَول ما اشتكى رسول الله ﷺ

стр. 3836

في بيت ميمونة، فاستأْذن أَزواجه أَن يمرض في بيتها - يعني عائشة - فأَذِن له .. الحديث. خرجه الصحيح. انظر القرطبي. وقد قبض ﷺ في بيتها. ورد في الصحيح أَنها قالت: (فلما كان يومي قبضه الله - تعالى - بين سَحْري ونَحْري) (١). وعن ابن عباس ومجاهد أَن المعنى: إذا علمن أَن لك ردهن إلى فراشك بعد ما اعتزلتهن قرت أَعينهن ولم يحزن، ورضين بما تفعله من التسوية أَو التفضيل؛ لأَنهن يعلمن أنك لم تطلقهن. وقال الشعبى: الآية في الواهبات أنفسهن، تزوج رسول الله منهن وترك منهن، وقال الزهري: ما علمنا أَن رسول الله ﷺ أَرجأَ أحدًا من أَزواجه، بل آواهن كلَّهنَّ (٢). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾: خبر عام - والإشارة إلى ما في قلب الرسول ﷺ ويدخل في المعنى سائر المؤمنين، أَي: أنه يعلم ما في قلوبكم من الميل إلى بعضهن دون بعض مما لا يمكن دفعه. كما يدخل في المعنى أيضًا أزواجه المطهرات لعلمه - تعالى - بما في قلوبهن من الرضا بما دبّر الله - تعالى - في حقهن من تفويض أَمرهن إلى مشيئته ﷺ وبما يقابل ذلك من الخواطر الرديئة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ أَي: أَنه جل شأنه واسع العلم بلغ فيه مداه، يحيط علمه بسركم ونجواكم، وبضمائركم وخواطركم لا يعاجل عباده بالعقوبة رحمة بهم حتى يتدبروا أَمرهم، ويفكروا في مصيرهم، ولا يغتروا بإمهالهم فسبحانه يمهل ولا يهمل. ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾

стр. 3837

المفردات: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ أَي: من بعد التسع اللاتي في عصمتك اليوم. ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ أي: ولا أَن تستبدل بهن أزواجًا: ببعضهن أَو بكلهن. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ أَي: حافظًا ومطَّلِعًا فاحذروا تجاوز حدوده. التفسير ٥٢ - ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ … ﴾ الآية: قال غير واحد من العلماء كابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم: نزلت هذه الآية مجازاة لأَزواج النبي، ورضًا عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة؛ لمَّا أخبرهن رسول الله ﷺ كما تقدم. والمعنى: لا يحل لك النساءُ من بعد التسع اللَّاتي في عصمتك اليوم؛ لأَنها نصابك، كما أن الأَربع نصاب أُمتك، ولا أَن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجًا أُخَر: بكلهن أو ببعضهن كرامة لهن وجزاءً على حسن صنيعهن حيث اخترنك، وأعرضن عن متاع الدنيا وزينتها. أخرج أبو داود في ناسخه، وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أَنس قال: لما خيرهن رسول الله ﷺ فاخترن الله - تعالى - ورسوله ﷺ قصره عليهن. فقال سبحانه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ وأَخرج ابْن مردويه عن ابن عباس أنه قال في الآية: احتبسه الله - تعالى - عليهن كما حبسهن عليه ﵊ وهن التسع اللَّاتي مات عنهن: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأُم سلمة، وصفية، وميمونة، وزينب بنت جحش، وجويرية. و ﴿مِنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ لتأكيد النفي، وفائدته استغراق الجنس بالتحريم. فيشمل النهيُ استبدالَ بعضهن أَو كلهن، ولو أَعجبك حسن الأزواج

стр. 3838

المستبدلة (١). فنهاه - سبحانه - عن الزيادة عنهن أَو طلاق واحدة منهن أَو استبدال غيرها بها. وقوله - سبحانه -: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ استثناءٌ ممن حُرم عليه من النساء في قوله سبحانه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من كانت بملك اليمين، وهي المملوكة، فتحل له ﷺ سواءٌ أَكانت مما أَفاءَ الله - تعالى - عليه أَم لا، ولم تحرم عليه المملوكة؛ لأَن الإِيذاءَ لا يحصل بها؛ لأَنه لا يجب القسم لها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ أي: حافظًا وَمُطَّلِعًا على كل ما في الكون، لا تخفى عليه خافية فاحذروا مجاوزة حدوده، وتخطى أَوامره ونواهيه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ المفردات: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ أي: غير منتظرين إدراكه ونضجه. يقال: نظرت الشيء، وانتظرته بمعنًى، والإنى مقصورًا: الإدراك والنضج. اهـ: مصباح.

стр. 3839

﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾ أي: أَكلتم، ويطلق الطعام على كل ما يساغ حتى الماء، وفي العرف: الطعام لما يطعم، والشراب لما يشرب، وطعم من باب تعب. ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي: ولا مسرورين به، ومستمتعين. ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أي: يترككم حياءً من تنبيهكم. ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ والمتاع: هو كل ما ينتفع به كالطعام والثياب وأَثاث البيت وغيرها. ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: وهو الساتر؛ لأَنه يمنع من المشاهدة، والأصل في الحجاب: جسم حائل بين جسدين، وقد استعمل في المعاني، فقيل: المعصية حجاب بين العبد وربه، والجمع: حُجُب ككتاب وكُتُب. التفسير ٥٣ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ … ﴾ الآية: شروع في بيان ما يجب على الناس مراعاته من حقوق نساءِ النبي ﵊ وحقوقه وهو في بيوته ﷺ إثر ما يجب عليه ﷺ مراعاته من الحقوق المتعلقة بأَزواجه. والآية تتضمن أَمرين: أَحدهما الأَدب في الحضور للطعام والجلوس بعده، والثاني يتعلق بأَمر الحجاب لزوجاته ﷺ . فأَما الأَوَّلُ فسببه كما قال ابن عباس: أَن أُناسًا من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي ﷺ فيدخلون قبل أن يدرك الطعام، فيقعدون إلى أن يدرك، ثم يأْكلون ولا يخرجون، وقال إسماعيل بن أبي حكيم: وهذا أدب أدَّب الله به الثقلاء. وعند أَكثر المفسرين: أَن سببه ما وقع يوم أَن تزوج ﵊ زينب بنت جحش. أخرج الإِمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والبيهقي

стр. 3840

في سننه وغيرهم من طُرُقٍ عن أنس قال: لمَّا تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو يتهيأُ كأَنه للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام، قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاءَ النبي ﷺ ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقت فجئت فأخبرت النبي ﷺ أَنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فأُلْقِيَ الحجاب بيني وبينه، فأَنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ … ﴾ الآية. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلَّا مدعوين إلى طعام غير منتظرين إدراكه ونضجه: وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ وأُذِن لكم في الدخول فادخلوا، فإذا انتهيتم من طعامكم فتفرقوا وخففوا عن أهل البيت، وانتشروا لشئونكم، وهو خطاب لأُولئك المتحينين لوقت طعام رسول الله ﷺ فالنهي في الآية لهم ولأمثالهم ممن يفعل فعلهم في المستقبل، فلا يفيد النهي عن الدخول بإذن لغير الطعام، ولا عن الجلوس والمكث بعد الطعام لهم آخر بموافقة من الرسول ﷺ . ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أَي: ولا تمكثوا مستأْنسين لحديث بعضكم بعضًا، كما وقع لأُولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث، ونسوا أَنفسهم حتى شق ذلك على رسول الله ﷺ ولذلك قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ أي: إن ذلكم اللبث الدال عليه الكلام، أو ما كانوا يفعلونه من الاستئناس، كان يسبب الإيذاءَ للنبي لتضييق البيت عليه وعلى أَهله، وصده عن الاشتغال بما يعنيه، فيستحيي من إخراجكم لشدة حيائه، ولما كان الحياءُ مِمَّا يمنع الحَيِيَّ من بعض الأفعال قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾: بمعنى؛ لا يمتنع منه، ولا يتركه ترك الحيي منكم فلذا أمركم - سبحانه - بالخروج، فالمراد بالحق هنا إخراجهم، ووضع الحق موضعه لتعْظيم جانبه، وهذا أَدب أدَّب الله به الثقلاءَ (١)، والظاهر كما قال روح

стр. 3841

المعاني: حرمة المكث على المدعو إلى طعام بعد أن يطعم، إذا كان في ذلك أَذى لرب البيت، وليس ذلك مختصًّا بما إذا كان اللبث في بيت النبي ﵊. ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: شروع في بيان الأَمر الثاني الذي تضمنته الآية وهو أمر الحجاب لزوجات الرسول، وفي حكمهن نساءُ الأُمة. والمعنى: وإذا طلبتم من نساء رسول الله ﷺ شيئًا ينتفع به، فلا تسأَلوهن إلَّا من وراءِ ستر يستر بينكم وبينهن فإن سؤالكم لهن من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من خواطر الشيطان ونوازع الفتن (١)، وأَنفى للريبة وأبعد عن التهمة. وكان النساءُ قبل نزول الآية يبرزن للرجال، وكان عمر ﵁ يحب ضرب الحجاب عليهن، أخرج البخاري، وابن جرير، وابن مردويه عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أَمرت أُمهات المؤمنين بالحجاب، فأَنزل الله - تعالى - آية الحجاب. وقد ورد في الصحيح عن ابن عمر، قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أَسارى بدر، وقال أَنس بن مالك وجماعة: سببها أَمر القعود في بيت زينب: القصة المذكورة آنفًا. قال القرطبي: هذا أَصح ما قيل في أَمر الحجاب، وما عدا هذين القولين من الأَقوال والروايات، لا يقوم شيءٌ منها على ساق. ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي: لا يصح ولا يستقيم أَن يقع منكم إيذاءٌ لرسول الله في حياته بفعل ما يكرهه ويتأَذى منه، كالمكث الذي كنتم تفعلونه، والاستئناس لحديث بعضكم بعضًا ومكالمة نسائه من غير حجاب ونحوها. وفي التعبير عنه ﷺ برسول الله لتقبيح ذلك الفعل وأَنه بعيد بمراحل عما تقتضيه منزلته، وما يتطلبه علو شأْنه عند ربه حيث اختاره لرسالته.

стр. 3842

﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ أي: ولا يحل لكم أَن تتزوجوا أَزواجه من بعد موته أَو فراقه لهن، لأَنهن أَزواجه في الدنيا والآخرة؛ ذلك لأَن المرأَة في الجنة لآخر أزواجها، وهن أُمهات المؤمنين، ولا يحل للأَبناء نكاح الأُمهات. يروى أن رجلًا من المنافقين قال حين تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة بعد أبي سلمة وحفصة بعد خنيس بن حذافة: ما بال محمَّد يتزوج نساءَنا، والله لو قد مات لأجلْنا السهام على نسائه. فنزلت الآية في هذا، فحرم الله نكاح أَزواجه من بعده وجعل لهن حكم الأُمهات، وهذا من خصائصه تمييزًا لشرفه، وتنبيهًا على مرتبته ﷺ . ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾: إشارة إلى ما ذكر من إيذائه ﵊ بالمكث بعد الطعام، ونكاح أَزواجه من بعده. أَي: وكان ما ذكر في حكمه - تعالى - عظيمًا هائلًا، لا يقادر قدره، ولا يعرف مداه، فكان من جملة الكبائر ولا ذنب أَعظم منه، كما يقول القرطبي. وفي ذلك من تعظيمه - تعالى - لشأن رسوله ﷺ وإيجاب حرمته حيا وميتا ما لا يخفى. ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾ المفردات: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ أَي: إن تظهروا أمرًا من الأُمور أو تستروه في أنفسكم يعلمه الله. يقال: خَفَيْت الشيءَ أُخفيه من باب رمى: سترته، كأَخفيته بالهمزة (١).

стр. 3843

التفسير ٥٤ - ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾: سبب نزول هذه الآية على ما قيل، أَنه لما نزلت آية الحجاب قال رجل: أَننهى أَن نكلم بنات عمنا إلَّا من وراءِ حجاب؟ لئن مات محمَّد ﷺ لنتزوجن نساءَه، وفي بعض الروايات لتزوجت عائشة. والمعنى: إن تظهروا على ألسنتكم شيئًا ممَّا لا خير فيه كنكاح أَزواجه من بعده أَو تخفوه في صدوركم يجزكم الله لا محالة بما صدر عنكم من المعاصي البادية، وبما أَخفيتموه من الخواطر والمعتقدات المذمومة، فإنه - سبحانه - كامل العلم لا يخفى عليه ما كان من ماض تقضَّى وما يكون من مستقبل يأْتي: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١). قال الإِمام أبو السعود: وفي هذا التعميم مزيد تهويل وتشديد، ومبالغة في التوبيخ والوعيد. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾ المفردات: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾: لا إثْمَ عَلَيهنَّ.

стр. 3844

﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ أي: نساءِ المؤْمنات. ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أَي: اقتصرن على ما أُبيح لكن فلا تتعدينه إلى غيره. التفسير ٥٥ - ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ … ﴾ الآية: الآية استئناف لبيان من لا يجب الاحتجاب منهم إثر أمره - تعالى - لنسائه ﷺ بالحجاب من الأَجانب. روي أنه لما نزلت آية الحجاب قال الآباءُ والأبناءُ والأَقارب: يا رسول الله أَوَ نُكَلمهن من وراءِ حجاب؟ فنزلت الآية. والمعنى: لا إثم عليهن في ترك الحجاب من آبائِهن ولا من أبنائِهن ولا من إخوانهن، ولا من أَبناءِ إِخوانهن ولا من أَبناءِ أخواتهن ولا نسائِهن (١) المؤمنات فليس لهن أَن يتجردن أمام مشركة أو كافرة، وفي حكمهم كل ذي رحم محرم من نسب أو رضاع على ما روى ابن سعد عن الزهري. وهذا الحكم عام لنساء المؤْمنين، وقد سأَل بعض السلف فقال: لِمَ لَمْ يذكر العم والخال في هذه الآية والآية السابقة عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ … ﴾؟ فأجاب عكرمة والشعبي: بأنهما لم يذكرا؛ لأَنهما قد يصفان ذلك لبنيهما، فكرهَ لهما الرؤية وهذا الجواب غير مناسب؛ لأَن الوصف قد يقع من غيرهما، ولذلك كان الجواب المناسب لعدم ذكرهما هو أَنهما بمنزلة الوالدين، ولذلك سمى العم أَبا في قوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (٢) فأُطلق على إسماعيل وصف الأُبوة ليعقوب مع أنه عم له، أو أَنهما لم يذكرا لأَنه اكتفى عن ذكرهما بذكر أَبناء الإِخوة، وأَبناءِ الأخوات فإن مناط عدم لزوم الاحتجاب بينهن وبين الفريقين عين ما بينهن وبين العم والخال من العمومة والخئولة حيث إنهن عمات لأبناءِ الإِخوة، وخالات الأَبناءِ الأَخوات.

стр. 3845

﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أي: اقتصرن على هذا واتقين الله فيه أَن تتعدينه إلى غيره، أو اتقين الله في كل ما تأْتين وتذرن ولا سيما ما أُمرتن به، ونهيتن عنه، واخشينه في الخلوة والعلانية. وفي نقل الكلام من الغيبة في قوله سبحانه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ … ﴾ إلى الخطاب في قوله: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ فضل تشديد في طلب التقوى منهن، ثم توعد مَنْ ظنَّ الإفلات من سلطانه فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ أي: لا تخفى عليه خافية. قال ابن عطاء: الشهيد الذي يعلم خطرات القلوب، كما يعلم خطرات الجوارح وهو - سبحانه - يجازيكم على الأعمال بحسبها: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ المفردات: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: الصلاة من الله على الرسول: الرحمة والرضوان، أو الثناءُ عليه عند الملائكة وتعظيمه، ومن الملائكة: الدعاءُ والاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاءُ والتضرع إلى الله أَن يعلي شأْنه ويرفع قدره. التفسير ٥٦ - ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: بعد أَن ذكرت الآيات السابقية الآداب التي يجب اتباعها معه ﷺ في حياته وبعد مماته، ومع أَزواجه المطهرات تشريفا له وتعظيمًا - بعد هذا - أَشادت هذه الآية - زيادة في تشريفه - بمنزلته العظيمة في الملإ الأَعلى عند ربه ، وعند

стр. 3846

ملائكته ﵈ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾: إخبارًا لعباده بأَنه يرحمه ويرضى عنه أَو يثني عليه عند ملائكته المقربين، وأن الملائكة تستغفر له وتعظمه. ثم أَمر الله المؤمنين بالدعاء له، والتسليم عليه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: ليجتمع الثناءُ الذي هو حقيق به من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعًا. أخرج البخاري عند تفسير هذه الآية بسنده عن كعب بن عُجْرَة قال: قيل: يا رسول الله أمَّا السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: قولوا: اللَّهم صلى على محمد وعلى آل محمَّد كما صليت على إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد. اللَّهم بارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد (١). وفي رواية أُخرى عنه لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قال: قلنا: يا رسول الله قد علمنا السلام، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللَّهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد. رواه الترمذي بهذه الزيادة (٢)، ومعنى قولهم: أما السلام فقد عرفناه يقصدون به الذي في التشهد، وكان ﷺ يعلمهم إيَّاه كما يعلمهم السورة من القرآن، وفيه: السلام عليك أَيها النبي ورحمة الله وبركاته. والصلاة عليه ﷺ واجبة، وقد اختلفوا في حال وجوبها، فهي واجبة مرة في العمر عند الطحاوي، وأَوجبها الشافعي في الصلاة، فلا تصح صلاة عنده

стр. 3847

بدونها، واختاره ابن العربي (١) وأوجبها الكرخي كلما ذكر اسمه، وهو الذي يقتضيه الاحتياط ويستدعيه العرفان بعلو شأْنه، وعليه الجمهور لقوله ﷺ : "رَغِمَ أنف رجل ذكرت عِنده فلم يصلِّ عليَّ". قال الحافظ ابن حجر: (لم أَر عن أحد من الصحابة والتابعين التصريح بعدم الوجوب إلاَّ ما نقل عن إبراهيم النخعي، وهذا مشعر بأن غيره كان قائلًا بالوجوب). اهـ: تفسير الألوسي. والصلاة على غيره على سبيل التبع، كصلى الله على النبي وآله فلا كلام في جوازها. أمَّا إذا أُفرد غيره من آل البيت فمكروه وهو من شعائر الروافض، ومن قال بالجواز مطلقا استدل بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ وبما صح من قوله ﷺ : "اللَّهم صلّ على آل أبي أوفى" ونحوه، وقد أُجيب عنه: بأَنه صدر عن الله ورسوله، ولهما أَن يخصا من شاءَا بمن شاءَا، وليس ذلك لغيرهما إلاَّ بإذنهما، ولم يثبت عنهما إذن في ذلك. وأمَّا الصلاة على الأَنبياء منا فجائزة معه ﷺ وبدونه بلا كراهة، فقد جاءَ بسند صحيح على ما قاله المجد اللغوى: (إذا صليتم على المرسلين فصلوا علي معهم فإني رسوله من المرسلين). ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: قولوا السلام عليك أَيها النبي ونحوه، كما ذكرته الأحاديث. "والسلام عليك" جملة خبرية أُريد بها الدعاءُ بالسلامة من النقائص والآفات، أو الدعاءُ بالانقياد لأوامره من المسالمة وعدم المخالفة، بأَن يصير الله العباد مذعنين له ﵊ ولشريعته.

стр. 3848

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ المفردات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أَذية الله بالكفر به ونسبة الصاحبة والولد والشريك إليه، ووصفه بما لا يطيق به. أَمَّا أَذية الرسول فتحصل بكل ما يؤذيه من الأَقوال والأَفعال. ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أَي: أَبعدهم من كل خير ورحمة، واللعن في اللغة الإِبعاد. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي: هيأَ لهم عذابا بالغ الغاية في الإهانة والإذلال. ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ أي: من غير جناية يستحق بها المؤمنون والمؤمنات الأَذية. ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾ أي: فعلوا وتحملوا إِثم أَفحش الكذب الذي افتروه على غيرهم وبهتوهم به. ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: ظاهرًا بينًا لا يخفى خبره. التفسير ٥٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾: الآية: تهديد ووعيد لمن آذى الله بمخالفة أَوامره وارتكاب زواجره، وإصراره على ذلك، وآذى رسوله بعيب أو تنقيص. والمعنى: إن الذين يؤذون الله - تعالى - باقتراف ما لا يرضاه من كبائر المعاصي ووصفه بما لا يليق به، كقول اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، وقول النصارى: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾،

стр. 3849

وقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ وقول المشركين: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا، وكقول الذين يلحدون في آياته، والإيذاءُ بالنسبة لله تعالى فيه تجوز، لاستحالة حقيقة التأَذي في حقه جل وعلا. وإيذاءِ الرسول هو قولهم: شاعر. كاهن. مجنون، وكسر رباعيته وشج وجهه الكريم يوم أُحد، وإلقاء السَّلى (١) على ظهره بمكة وهو ساجد، وغير ذلك ممَّا يؤذيه. ويجوز أن يكون المقصود من الآية تعظيم ذنب من يؤذون رسول الله ﷺ بذكر إيذاء الله معه، والغرض من ذلك بيان قربه منه، وكونه حبيبه المختص به حتى كان ما يؤذيه ﷺ يؤْذيه سبحانه، روى الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن مغفل قال: قال النبي ﷺ : "اللهَ اللهَ في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أَحبهم فبحبي أَحبهم، ومن أَبغضهم فببغضي أَبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أَن يأْخذه". هؤُلاءِ الذين يؤذون الله ورسوله طردهم الله عن رحمته في الدارين بحيث لا ينالون فيهما (٢) شيئًا منها. وهيأَ لهم مع ذلك عذابا بالغ الغاية في إهانتهم وإذلالهم يصيبهم في الآخرة خاصة. وتنكير العذاب ووصفه بالإهانة، وكونه من إِعداد الله يؤْذن بأَنه فوق احتمالهم لشدته حيث قال سبحانه: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾. ٥٨ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: أخرج ابن جرير عن الضحاك عن ابن عباس قال: أُنزلت في عبد الله بن أبيّ وأُناس معه قذفوا عائشة ﵂ فخطب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وقال: من يَعْذرني في رجل يؤْذيني، ويجمع في بيته من يؤْذيني. فنزلت.

стр. 3850

وقيل في سبب نزولها: إن عمر رأَى جارية من الأَنصار فضربها، وكره ما رأَى من زينتها، فخرج أَهلها فآذوا عمر باللسان. فأَنزل الله هذه الآية. وقيل: نزلت في منافقين كانوا يؤْذون عليًّا - كرم الله وجهه - ويسمعونه ما لا خير فيه. والظاهر عموم الآية لكل ما ذكر، ولكل ما سيأْتي من أَراجيف المرجفين، وفيها من الدلالة على حرمة المؤْمنين والمؤمنات ما فيها. والمعنى: والذين ينسبون للمؤْمنين والمؤمنات ما يتأَذون به من الأَقوال والأَفعال القبيحة بغير جناية يستحقون بها الأَذية شرعًا (١). ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾ أي: فقد تحملوا بذلك إثم الكذب الفاحش المفتري الذي يبهت المؤمنين والمؤْمنات، أَي: يدهشهم ويحيرهم لفظاعته في الإِثم حيث يحكون أَو ينقلون عنهم ما هم منه براء. عن أَبي هريرة - رضي الله هـ عنه - أَنه قيل: يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أَفرأَيت إن كان في أَخي ما أَقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته. رواه مسلم. ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: وتحملوا كذلك ذنبًا ظاهرًا واضح الأَثر بيِّن الخبر. روي أَن عمر بن الخطاب قال لأُبيّ بن كعب: قرأْت البارحة هذه الآية ففزعت منها: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ والله إني لأَضربهم وأَنهرهم. فقال له. أُبيّ: يا أمير المؤمنين لست منهم إنما أنت معلم ومقوِّم. وأُطلق إيذاءُ الله ورسوله في الآية السابقة، وقيد إيذاءُ المؤمنين والمؤْمنات في هذه الآية بقوله - سبحانه -: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ لأَن إِيذاءَ الله ورسوله لا يكون أبدًا إلاَّ بغير حق، وأَمَّا إِيذاءُ المؤْمنين والمؤْمنات فمنه حق كالحد والتعزير، ومنه باطل.

стр. 3851

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ المفردات: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي: يسدلن عليهن من الجلابيب، جمع جلباب، وهو ثوب واسع يغطي جميع الجسم كالملاءَة والملحفة يتخذنه إذا خرجن لداعية من الدواعي. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ أي: أَقرب أَن يتميزن عن الإِماء والقينات اللَّاتي هن موضع التعرض للإيذاءِ من أهل الريبة. والقينة: الأَمة البيضاءُ، هكذا قال ابن السكيت مُغَنيةً كانت أو غير مُغَنية، وقيل: تختص بالمغنية. التفسير ٥٩ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: بعد ما بين - سبحانه - سوءَ حال المؤذين زاجرًا لهم عن الإِيذاء أَمر النبي أَن يأْمر بعض المتأَذين منهم بما يدفع إيذاءَهم في الجملة من الستر والتميز عن مواقع الإيذاءِ، وذلك بأَن يدنين عليهن بعض جلابيبهن، ويراد من إدنائه أَن يلبسنه على البدن كله، أو التلفع بجزءٍ منه لستر الرأْس والوجه، وإرخاء الباقي على بقية البدن. هذا إذا أردن الخروج إلى حوائجهن، وكن يتبرزن في الصحراءِ أَو بين النخيل، من غير تمييز بين الحرائر والإِماء، فتعرف الحرائر بسترهن، فيكف الفساق عن معارضتهن، وكانت المرأَة من نساء المؤْمنين

стр. 3852

قبل نزول هذه الآية تكشف عن وجهها وتبْرز في درع وخمار (١) كالإِماءِ فيعرض لهن بعض الفجار يظن أَنها أَمة، فتصيح به فيذهب، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فنزلت الآية بسبب ذلك. قال معناه الحسن وغيره. ولفظ النِّساء خَصَّهُ العرف بالحرائر. والمعنى الإجمالي للآية: مُرْ - أيها النبي - أَزواجك وبناتك ونساءَ المؤمنين، أن يسدلن عليهن بعض جلابيبهن. واختلف في كيفية هذا السِّتر، فقال السّدي: تغطي إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلَّا العين، وقال علي بن أَبي طلحة عن ابن عباس: أَمر الله نساءَ المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أَن يغطين وجوههن من فوق رءُوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة. وقال الحسن: تغطي نصف وجهها. وقال محمد بن سيرين: سأَلت عبيدة السلماني، عن قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فغطى وجهه ورأْسه وأَبرز عينه اليسرى. وظاهر الآية أنها محمولة على طلب تستر تمتاز به الحرائر عن الإِماءِ. فيعلم به أنهن حرائر، فلا يتعرض لهن فاسق بأَذى ولا ريبة، ويشير إلى ذلك قوله - سبحانه -: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أي: ذلك أَقرب وأَجدر أن يُعْرَفنَ لتسترهن أَنهن حرائر، فإذا عرفن فلا يتعرض لهن، وتنقطع الأَطماع عنهن، وليس المراد أَن تعرف المرأَة حتى تعلم من هي؟ وكان عمر ﵁ إذا رأَى أَمة قد تقنعت ضربها بالدرة محافظة على زي الحرائر. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أَي: كثير المغفرة، فيغفر ما سلف منهن من تفريط فيما أُمرن به من الستر المطلوب، كما أَنه سبحانه كثير الرحمة فيثيب من امتثل منهن أَمره بما هو أَهله - جل شأْنه -.

стр. 3853

* ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ المفردات: ﴿الْمُنَافِقُونَ﴾: هم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإِسلام. ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعاف الإيمان. ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾: ناشرو الأَخبار الكاذبة فيها ليبعثوا الرجفة والزلزلة في قلوب المؤمنين بأَكاذيبهم. ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾: لنحرضنك ونسلطنك عليهم. ﴿مَلْعُونِينَ﴾: مطرودين من رحمة الله. ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾: أينما ظفر بهم أُسروا. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: طريقته الدائمة. التفسير ٦٠ - ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾: بعد أن أمر الله نبيه ﷺ أَن يقول لأَزواجه وبناته ونساء المؤْمنين يدنين عليهن من جلابيبهن حتى يعرف الفساق أَنهن حرائر فلا يتعرضوا لهن بسوءٍ، هدد الله المنافقين ومرضى القلوب الذين كانوا يذيعون الأَخبار الكاذبة - هددهم - بأَنهم إن لم يرجعوا

стр. 3854

عن إثارة الفتن بين المسلمين لَيُحَرضَنَّ اللهُ رسوله عليهم ويغرينّه بهم حتى يضطرهم إلى الجلاء عن المدينة ويلجئهم إلى الخروج منها لإفسادهم؛ حتى لا يجتمع هؤلاءِ بكفرهم وضلالهم مع رسول الله ﷺ والمؤْمنين في بلد واحد إلَّا زمانا قليلًا يجمعون فيه متاعهم وشملهم، وكان هذا هو الجزاء الوفاق لطائفة من الناس لم ترع حرمة الجوار ولم تكن أَمينة على من يساكنونهم ويعاشرونهم، بل كانوا مصدر إزعاج وقلق. ٦١ - ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾: أي: مطرودين من رحمة الله أَينما وجدتهم ينشرون الفتن أَخذتهم وعاقبتهم فقتَّلتهم تقتيلًا جزاءَ خيانتهم وزجرا وتشريدًا لمن خلفهم. ٦٢ - ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾: أي: سَنَّ الله ذلك وشرعه شرعًا مؤكدًا في الأُمم الماضية والشعوب السابقة أن يشرد أو يقتل أُولئك الذين يسعون بالإِفساد بين سواهم، وذلك بإجلائهم عن أَوطانهم وقهرهم وإذلالهم وقتلهم أَينما وجدوهم على حالة الإفساد وإشاعة الفزع والخوف بين المؤمنين، فأَمر رسول الله ﷺ مع هؤلاء الضالين ليس بدعًا، بل هو سائر على نظام سابق حكيم، وقضاءٍ محكم، ولن تجد لقضاءِ الله وحكمته تغييرًا وتبديلًا، فلا يبدل الله سنته، ولا يستطيع أحد من خلقه تبديلها. إذن فالحكم باقٍ كما كان في الأُمم السابقة من أَن المفسد يضرب على يديه ويؤْخذ بجريرته ويناله أَشد العقاب حتى يرتدع وينزجر غيره ممن تسول له نفسه أَن يحذو حذوه أو يسلك سبيله. وذكر الألوسي في كتاب روح المعاني كلاما عن السدي قال: أَخرج ابن أَبي حاتم عنه أنه فيها: كان النفاق على ثلاثة أوجه: نفاق مثل نفاق عبد الله بن سلول ونظائره كانوا وجوهًا من وجوه الأَنصار فكانوا يستحيون أَن يأْتوا الزنى؛ يصونون بذلك أنفسهم وهم المذكورون في الآية، ونفاق الذين في قلوبهم مرض، وهم منافقون إن تيسر لهم الزنى

стр. 3855

عملوه وإن لم يتيسر لم يتبعوه ويهتموا بأَمره، ونفاق المرجفين وهم منافقون يكابرون النساء يقتصون أثرهن فيغلبوهن على أنفسهن فيفجرون بهن، وهؤلاء الذين يكابرون النساء يقول الله فيهم: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ أي: لنحرضنك عليهم، ثم يصفهم بكونهم ملعونين، ويبين عقابهم بقوله: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ أي: في أَي مكان وجدوا يعملون هذا العمل الشائن، ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾: ثم قال السدى: هذا حكم في القرآن ليس يعمل به، لو أن رجلًا فما فوقه اقتصوا أَثر امرأَة فغلبوها على نفسها ففجروا بها كان الحكم فيهم غير الجلد والرجم، وهو أَن يؤخذوا فتضرب أَعناقهم، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾: كذلك كان يفعل بمن مضى من الأُمم، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾: فمن كابر امرأَة على نفسها فغلبها فقتل فليس على قاتله دية؛ لأَنه يكابر. اهـ. وما ذهب إليه السدى له تقديره ووجاهته، فإنه الأَولى والأَجدر أن يعامل به هؤلاء الذين يسعون في الأَرض فسادًا ويغتصبون النساء وينتهكون أَعراضهن غير عابئين ولا مبالين بالعقوبات غير الرادعة، ولا خائفين من بطش الله وأخذه، غير أنه لا يترك أمر عقاب وقتل من يفعل ذلك لعامة الناس، بل لا بد من الرجوع في ذلك إلى القاضي - شأْن سائر العقوبات والزواجر - حتى لا يتخذ الناس ذلك ذريعة وتَعِلَّةً للنيل من خصومهم وإهدار دمائِهم. ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾ المفردات: ﴿السَّاعَةِ﴾: يوم القيامة. ﴿لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾: طردهم وأَبعدهم عن رحمته.
следующие страницы →